← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 127663

التعليقة الكبيرة - أبو يعلى - من الصلاة للجنائز

القاضي أبو يعلى ابن الفراء

Полный текст (1 701 стр.). Показаны 1296–1335 · переход к 1301.

стр. 1296

لما أبطأ الوليد بن عقبة بالخروج، وصلى أبو موسى ﵁ بالناس حين أخرجوا سعيد بن العاص ﵁. ثم هذا يبطل بالخطبتين؛ فإنه لم ينقل من لدن النبي ﷺ إلى يومنا هذا إقامةُ الجمعة إلا بخطبتين، ومع هذا، فليستا شرطًا عنده، وتجزئ فيهما كلمة واحدة، ولم يُنقل ذلك، وكذلك الحج، والجهاد، لم ينقل من لدن النبي ﷺ إلى يومنا هذا إلا بسلطان، ومع هذا ليس بشرط فيه. فإن قيل: هو شرط في جواز الجمع بين الصلاتين بعرفات، والجمع بينهما من أسباب الحج. قيل له: هذا غلط؛ لأن الجمع ليس بشرط في الحج، ويصح وإن لم يجمع، والله أعلم. * * * ١٧١ - مَسْألَة ويجوز أن يجمّع في مصر واحد في موضعين (١) إذا كان

стр. 1297

هناك حاجة تدعو إلى ذلك، مثل: البلد الكبير الذي تلحق المشقة في اجتماعهم في موضع واحد (١): وهذا ظاهر كلام الخرقي ﵀؛ لأنه قال (٢): وإذا كان البلد كبيرًا يحتاج إلى جوامع، فصلاة الجمعة في جميعها جائزة. فاعتبر الحاجة، وكذلك ذكر شيخنا. وقد أطلق أحمد ﵀ القول في رواية المروذي (٣) - وقد سئل عن صلاة الجمعة في مسجدين؟ -، فقال: صلِّ، فقيل له: إلى أي شيء تذهب؟ قال: إلى قول عليّ ﵁ في العيد: أنه أمر رجلًا يصلي بضَعَفَة الناس. وكذلك نقل أبو داود عنه (٤): أنه سئل عن المسجدين اللذين يجمع فيهما ببغداد، هل فيه شيء متقدم؟ فقال: أكثرُ ما فيه أمرُ عليّ ﵁ أن يصلي بالضعفة. فقد أجاز ذلك على الإطلاق، وهذا محمول على الحاجة، وبه قال

стр. 1298

محمد بن الحسن (١)، وداود (٢) - رحمهما الله -. وقال مالك (٣)، والشافعي (٤)، وأبو يوسف (٥) ﵏: لا يجوز إقامتها في بلد واحد في موضعين، وقد نقل الأثرم (٦) في كتاب العلل عن أحمد ﵀ نحو هذا، فقال: قيل لأبي عبد الله: هل علمت أن أحدًا جمع جمعتين في مصر واحد؟ فقال: علي بن أبي طالب ﵁ أمر رجلًا أن يصلي بضعفة الناس في المسجد، وصلى في الجبانة (٧)، ذلك في العيد، فأما جمعتان في مصر واحد، فلا أعلم أحدًا فعله، وجمعة بعد جمعة لا أعرفه. والدلالة على جواز ذلك: أنها صلاة يجوز أن تجمع في مسجد واحد، فجاز أن تفعل في مسجدين؛ دليله: صلاة العيد، وسائر الصلوات،

стр. 1299

وقد رُوي عن علي ﵁: أنه كان يستخلف أبا مسعود الأنصاري ﵁ ليصلي بضَعَفَة الناس صلاة العيد، ويخرج هو إلى الجبانة، فيصلي بالناس، وحكمُ الجبانة حكمُ المصر (١). فإن قيل: لا حجة في حديث علي ﵁؛ لأن أبا بكر النجاد روى بإسناده عن حنش (٢) قال (٣): قيل لعلي ﵁: إن ضعفاء من ضعفاء [الناس] (٤) لا يستطيعون الخروج إلى الجبانة، فأمر رجلًا يصلي بالناس أربع ركعات: ركعتين (٥) للعيد، وركعتين (٥) لمكان خروجهم إلى الجبانة. وإذا ثبت أنه صلى بهم أربعًا، لم تكن صلاة عيد. قيل له: روى النجاد بإسناده عن أبي إسحاق (٦): أن عليًا ﵁ أمر

стр. 1300

رجلًا يصلي بضعفاء الناس في المسجد ركعتين (١). وقال أحمد ﵀ في رواية المروذي، والفضل: قد رُوي عن علي ﵁ من غير وجه: ركعتان (٢)، والرواية التي رُوي فيها: أربعًا لا حجة فيها؛ لأنه قد رُوي فيها: أنه قال: ركعتان للعيد، وركعتان لمكان خروجهم [إلى] الجبانة، وهذا يقتضي أنه كان يصلي صلاة العيد ركعتين منفردتين، وركعتين كفارة؛ لمكان الخروج إلى الجبانة. فإن قيل: صلاة العيد تطوع، ويجوز فعلُها في السفر والحضر، متفرقين ومجتمعين، فلهذا جاز فعلُها في مسجدين، وأكثر. قيل له: هي واجبة عندنا، ومن شرطها الاستيطانُ، والجماعة، والإمام - على إحدى الروايتين -، وقد نص على إيجابها في رواية المروذي (٣)، وجعفر بن محمد (٣) - وقد سئل عن العيد: أواجب هو؟ -، قال: نعم، فإن خرج بعضهم، فقد أجزأ. فقد نص على وجوبها على الجماعة، ونص على الجماعة والإمام في رواية جعفر بن محمد (٣): في أهل القرى يصلون أربعًا، إلا أن يخطب رجل، فيصلون ركعتين، وقد ذكره أبو بكر، وبناه على الجمعة، وأن من

стр. 1301

شرطها: إمامًا، وجماعة، ويأتي الكلام على ذلك فيما بعد - إن شاء الله تعالى -. وأيضًا: فإنه إذا صلى بهم الإمام في صلاة الخوف صلاة الجمعة، فصلى بالطائفة الأولى ركعة، وفارقته، وأتمت لأنفسها، وجاءت الطائفة الثانية، فأحرمت خلفه، فقد استفتحت جمعة بمصر بعد انعقاد غيرها فيه، كذلك ها هنا، وهما سواء؛ لأن هناك إنما جاز لأجل الحاجة، ومثله ها هنا. فإن قيل: إنما يمنع استفتاح جمعة بمصر بعد انعقاد (١) غيرها فيه إذا قضيت، وها هنا الإمام ما فرغ من الجمعة، فجاز أن يحرموا خلفه بجمعة. قيل: كان يجب أن يمنع الاستفتاح بالثانية بوجود الإحرام بالأولة، وإلا، يفضي إلى [أن] (٢) يعقد جمعتان بمصر، ويحكم بصحتهما معًا حتى يعلم السابقة بالفراغ، وهذا لا سبيل إليه. واحتج المخالف: بأن المدينة كان بها خلق كثير، وأئمة من الصحابة، والتابعين ﵃ أجمعين -، ولم ينقل عنهم أنهم في وقت من الأوقات [صلوا] (٣) في موضعين، وأكثر، فلو كان ذلك جائزًا؛ لوجب أن يكون قد وقع منهم في الزمان المديد.

стр. 1302

والجواب: أنا لا نوجب تفريقها في مواضع، وعلى أن فعل النبي ﷺ لها في موضع واحد لا يدل على المنع في موضع آخر؛ كما أن فعلها في بلد واحد لا يمنع جواز فعلها في غيره؛ ولأن (١) الحاجة لم تَدْعُهم إلى جواز فعلها في موضعين. واحتج: بأن تفريق الجماعة للجمعة في البلد الواحد - مع إمكان جمعها في موضع واحد - غيرُ جائز؛ قياسًا على ما زاد على موضعين، قال: ولا يلزم عليه إذا كان متباعد الأقطار؛ مثل: بغداد؛ لأنه لا يمكن جمع أهلها في موضع واحد إلا بمشقة عظيمة، فيجوز لهم أن يفعلوها في موضعين، وثلاثة، على حسب الإمكان. والجواب: أن الخرقي ﵀ (٢): أجاز ذلك من غير أن يُخصّ بموضعين، لم يمتنع أن يجوز في موضعين، ولا يجوز في ثلاثة مواضع؛ كصلاة العيد. وقد قيل: إن القياس يقتضي أن لا يجوز إلا في موضع واحد؛ لأنه لو جاز في موضعين، لجاز في سائر المساجد؛ كسائر الصلوات، ولجاز في سائر المواطن من السفر، والحضر؛ كسائر الصلوات، إلا أنا تركنا القياس في موضعين؛ لما ذكرنا من حديث علي ﵁، وأنه أقام العيد في موضعين، وحكمُها حكمُ الجمعة من الوجه الذي بيّنا.

стр. 1303

واحتج: بأن هذه الصلاة سميت جمعة لا لجمع الجماعات، وقال الزجاج في كتابه (١): ومن قال في غير القراءة: جُمَعة - بضم الجيم، وفتح الميم -، فمعناه: الذي تجمع الناس، كما يقول: (رجل لُعَنة): إذا كثر لعن الناس (٢)، و (رجل ضُحَكة): إذا كان يكثر الضحك، وضحكه: إذا كان يُضحَك منه. وإذا كان كذلك، لم يجز تفريقها. والجواب: أن فعلها في موضعين لا يخرجها عن أن تكون جامعة للناس؛ كما إذا فُعلت في بلدين، على أن الدارقطني روى في الأفراد (٣) بإسناده عن سلمان ﵁: قال رسول الله ﷺ : "إنما سميت الجمعة؛ لأن آدم ﵇ جُمع فيها خَلْقُه" (٤). * * * ١٧٢ - مَسْألَة: يجوز إقامة الجمعة قبل الزوال في وقت صلاة العيد (٥):

стр. 1304

نقل هذا الجماعة عنه: عبد الله (١)، وصالح (٢)، وابن القاسم (٣)، وأحمد بن الحسن (٤) الترمذي (٣)، وأبو طالب (٣)، وابن منصور (٥): كلُّهم يروي عنه: يجوز فعلها قبل الزوال، وقال في رواية الترمذي - وقد سئل: عن صلاة الجمعة قبل نصف النهار؟ -، فقال: ما جاء من فعل أبي بكر، وعمر ﵄؛ لأنها عيد، والأعياد كلها في أول النهار. وظاهر هذا: أنه أجازها في وقت العيد، وهو اختيار أبي حفص عمر بن بدر المغازلي (٦)، قال: وقتها حين تحل الصلاة بعد الفجر، حكاه أبو إسحاق عنه. وقال الخرقي في مختصره (٧): وإن صلوا الجمعة قبل الزوال في الساعة السادسة، أجزأتهم. فظاهر كلامه: أنه لا يجوز فعلُها في الساعة الخامسة، والرابعة، وانما يجوز في الساعة السادسة قبل الزوال، والمذهب على جواز ذلك.

стр. 1305

وقال مالك (١)، وأبو حنيفة (٢)، والشافعي (٣) ﵏: لا يجوز فعلها قبل الزوال. دليلنا: ما روى أبو بكر النجاد بإسناده عن سهل بن سعد ﵁ قال: كنا نتغدى، ونَقيل بعد الجمعة، وفي لفظ آخر: ما كنا نتغدى، ولا نقيل إلا بعد الجمعة (٤)، وفي لفظ آخر قال (٥): إن كنا لنفرح بيوم الجمعة، وذلك أن عجوزًا تطبخ لنا أُصولَ السِّلق (٦)، والشعير، فنأكله عندها بعد ما ننصرف من الجمعة مع رسول الله ﷺ . فوجه الدلالة: أنه أخبر أن الغداء، والقيلولة كان في زمن رسول الله ﷺ بعد صلاة الجمعة، والغداء إنما يكون غداء قبل الزوال، فإذا زالت الشمس، سمي: عشاء، وكذلك القيلولة ما كانت قبل الزوال، فإذا زالت الشمس (٧)، وقد قال ابن قتيبة في جوابات

стр. 1306

مسائل (١): الغداء مأخوذ من الغداة، والعَشاء مأخوذ من العشي، وإذا انبسطت الشمس، سمي الغداء: ضُحى، قال الله تعالى: ﴿وَأَنَّكَ لَا تَظْمَأُ فِيهَا وَلَا تَضْحَى﴾ [طه: ١١٩]، أي: لا تعطش، ولا تصيبك الشمس (٢)، فإذا كان نصف النهار، قالوا: الظهيرة، قال الله تعالى: ﴿وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَعَشِيًّا وَحِينَ تُظْهِرُونَ﴾ [الروم: ١٨]، ثم يكون الأكل بعد الهجير عشاء. وجواب الشق من هذا، وهو: أن وقت الغداء من طلوع الفجر إلى زوال الشمس؛ لأنك تقول: غدوت إلى فلان؛ يعني: مضيت إليه في أول النهار، وقال النبي ﷺ لعرباض بن سارية ﵁ وقد دخل عليه -: "تعال إلى الغداء المبارك" (٣)، وهو يتسحر، فسمى السحور غداءً؛ لقربه من وقت الغداة، وهو إلى وقت الزوال؛ لقوله تعالى: ﴿وَظِلَالُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ﴾ [الرعد: ١٥]، فقيل. الغدو: إلى وقت الزوال، والآصال: بعده، ووقت العشاء من زوال الشمس إلى أن يمضي أكثر الليل، وذلك

стр. 1307

لما روى أبو هريرة ﵁: أن النبي ﷺ صلى إحدى صلاتي العشي الظهر أو العصر، فسلَّم من ركعتين (١)، فسمى صلاةَ الظهر: صلاةَ العشي، وإنما كان أن يمضي أكثر الليل؛ لأن بعد مضي الأكثر يكون السَّحَر، ومعلوم في العادة الفرقُ بين العشاء والسَّحَر، ووقت السحر: مضيُّ الأكثر من الليل إلى طلوع الفجر؛ لأنه كذلك في العادة، وتبيَّن صحة هذا: لو حلف أن لا يتغدى، كان مصورًا على ما ذكرنا، كذلك العشاء. وروى النجاد بإسناده عن أبي سهيل (٢) عن أبيه (٣) قال: كنت أرى طُنْفُسة (٤) لعقيل بن أبي طالب ﵁ تُطرح إلى جانب المسجد الغربي، فإذا غشي الطنفسة كلَّها ظلُّ الجدار، خرج عمر بن الخطاب ﵁، قال (٥): ثم يرجع بعد صلاة الجمعة، فيقيل قائلة الضحى (٦).

стр. 1308

وهذا يدل على أن القيلولة تكون قبل الزوال؛ لأنه أضافها إلى الضحى. واحتج أصحابنا: بما روى أحمد ﵀ في المسند (١) بإسناده عن إياس بن سلمة (٢) عن أبيه ﵄ قال: كنا نصلي مع النبي ﷺ الجمعة، ثم نرجع، وما للحيطان فيءٌ نستظل به، ورواه أبو داود أيضًا (٣). وهذه لا دلالة فيه؛ لأنه لم ينف أن يكون للحيطان فيء في الجملة، وإنما نفى أن يكون فيئًا يُستظل به، وقد تزول الشمس على فيء لا يُستظل به. والمعتمد في المسألة: إجماع الصحابة ﵃ أجمعين -: روى أبو بكر النجاد بإسناده عن عبد الله بن سيدان السلمي (٤) قال:

стр. 1309

صليت مع أبي بكر ﵁ الجمعة، فكانت خطبته وصلاته قبل نصف النهار، ثم صلينا مع ابن الخطاب ﵁، فكانت خطبته وصلاته إلى أن تقول: قد انتصف النهار، ثم صلينا مع عثمان ﵁، فكانت خطبته وصلاته إلى أن تقول: قد زال النهار، فلم أسمع أحدًا عاب ذلك، وفي لفظ آخر قال: شهدت الجمعة مع أبي بكر الصديق ﵁، فكانت خطبته وصلاته قبل نصف النهار، ثم شهدتها مع عمر ﵁، فكانت خطبته وصلاته إلى أن أقول: انتصف النهار، ثم شهدتها مع عثمان ﵁، فكانت خطبته وصلاته إلى أن أقول: زالت الشمس، فما رأيت أحدًا عاب ذلك، ولا أنكره (١). وروى أبو بكر في كتاب الشافي قال: نا أحمد بن محمد (٢)، ومحمد بن عبد الله (٣) قال: نا عبد الله بن أحمد بن حنبل قال: نا أبي قال: نا وكيع

стр. 1310

عن جعفر بن بُرقان (١)، عن ثابت بن الحجاج (٢)، عن عبد الله بن سيدان، قال وكيع السلمي (٣)، قال: شهدت الجمعة مع أبي بكر ﵁، فكانت صلاته وخطبته قبل نصف النهار، وشهدتها مع عمر بن الخطاب ﵁ (٤)، فكانت صلاته وخطبته إلى أن أقول: انتصف النهار، ثم شهدتها مع عثمان بن عفان ﵁، فكانت صلاته وخطبته إلى أن أقول: قد زال النهار، فما رأيت أحدًا عاب ذلك، ولا أنكره. وهذا إجماع منهم؛ لأن صلاة الجمعة يحضرها الخاص والعام، ولم يظهر النكير من أحد منهم. فإن قيل: يحتمل أن يكون عبد الله بن سيدان ظن الشمس لم تزل، وكانت قد زالت؛ لأن الزوال معنى خفي. قيل له: هذا لا يصح؛ لوجوه: أحدها: أنك تضيف إليه الخطأ فيما حكاه، ويجب أن يحسن الظن في الراوي.

стр. 1311

والثاني: أن زمان الخطبة والصلاة زمان طويل لا يخفى في مثله الزوال. والثالث: أنه فرق بين صلاة أبي بكر، وبين صلاة عمر، وبين صلاة عثمان ﵃، وهذا لا يكون إلا عن مراقبة، ومعرفة بالوقت. فإن قيل: يحمل قوله: [نصف النهار] قبل الوقت الذي كان يبردون (١) بالصلاة الظهر فيه (٢). قيل له: لا يصح هذا؛ لوجوه: أحدها: أن قوله: [فكانت صلاته وخطبته] يقتضي: الدوام، فهو يعم الشتاء الذي لا إبراد فيه، والصيف. والثاني: أن قبل نصف النهار حقيقةٌ فيما قبل الزوال، ولهذا لو حلف: لا كلَّمته قبل نصف النهار، فكلَّمه قبل الزوال، برَّ، ولو كلَّمه بعد الزوال، لم يبرّ. والثالث: أنه خالف بين فعل أبي بكر، وعمر، وعثمان ﵃، والقوم جميعهم كانوا يبردون (٣) بها في الحر، فعلم أن اختلافهم رجع إلى الزوال. وروى أبو بكر بن جعفر بإسناده عن عبد الله بن سلمة قال: صلى بنا ابن مسعود ﵁ الجمعة ضُحًى، وقال: إنما عجلت لكم؛ خشيةَ

стр. 1312

الحر عليكم (١). وروى أبو بكر النجاد بإسناده عن سعيد بن سويد (٢) قال: صلى بنا معاوية ﵁ الجمعة ضُحًى (٣). وهذا صريح في إجماعهم على ذلك. والقياس: أن صلاة الجمعة مضافة إلى يومها، فصح فعلُها قبل الزوال؛ دليله: صلاة العيد، ولا يلزم عليه صلاةُ الظهر، وبقيةُ الصلوات؛ لأنها لا تضاف إلى يومها؛ لأنها تُفعل في سائر الأيام، والجمعة تضاف إلى يومها، وهو يوم تفعل فيه، كما أن صلاة العيد تضاف إلى يوم العيد. فإن قيل: صلاة العيد تطوعٌ، وتجوز في الحضر، والسفر، ومتفرقين، ومجتمعين، فلهذا جاز فعلها أي وقت شاء. قيل له: قد أجبنا عن هذا فيما تقدم (٤)، وقلنا: صلاة العيد واجبة،

стр. 1313

ومن شرطها: الاستيطان، والجماعة، والإمام - على إحدى الروايتين -، فسقط هذا. فإن قيل: فصلاة العيد لا يصح فعلُها بعد الزوال، فلهذا فُعلت قبل الزوال، وليس كذلك الجمعة؛ لأنه يصح فعلها بعد الزوال، فلم يصح قبل الزوال. قيل له: لا يمتنع أن يصح فعلُها قبل الزوال، تجب بالزوال (١)، وتصح قبله؛ كصلاة العصر في وقت الظهر، يحق الجمع، تصح وتجب بعد الظل، وتصح قبله، وكذلك عشاء الآخرة في وقت المغرب. فإن قيل: العصر والعشاء إنما جاز تقديمهما؛ لأجل الجمع، فهو سبب في جواز ذلك، وليس ها هنا سبب في تقديم الجمعة على وقتها، فيجب أن لا يجوز؛ لأنها من عبادات الأبدان، وعبادات الأبدان لا يجوز تقديمها على وقت وجوبها. قيل له: هذا الوقت لوجوبها عندنا، إلا أنه وجوب موسَّع، وإذا كان كذلك وقتًا لوجوبها، لم يكن فيه تقديمٌ لها على وقت وجوبها. فإن قيل: لو كان وقت صلاة [العيد] (٢) وقتًا للجمعة في الابتداء، لكان آخر وقت صلاة العيد آخر وقت صلاة الجمعة؛ كصلاة القصر،

стр. 1314

وصلاة الإتمام (١)، لما كان وقت إحداهما وقت الأخرى، كان وقتًا لهما في الانتهاء، وكذلك وقت الصلاتين المجموعتين لما كان وقت إحداهما وقتًا للأخرى في الابتداء، كان وقتًا للانتهاء. قيل: لا يمتنع أن يكون وقت صلاة العيد وقتًا لصلاة الجمعة في الابتداء، ولا يكون وقتًا للانتهاء؛ بدليل: الظهر، والجمعة، وقت إحداهما وقتٌ للأخرى في الابتداء، ويختلفان في الانتهاء عند مخالفنا؛ لأن وقت الظهر: إذا زالت الشمس، وهو أول وقت الجمعة، وآخر وقت الجمعة: إذا صار ظل كل شيء مثله، وليس ذلك بآخر وقت الظهر؛ لأنه لو أحرم بالجمعة في وقت الظهر، ثم خرج الوقت، بنى عليها ظهرًا، ولم يبن عليها جمعة؛ فقد جعلوا ما بعد الظل وقتًا للظهر، وليس بوقت للجمعة، وكذلك طلوع الفجر الثاني أولُ وقت الصوم، وأولُ وقت صلاة الفجر، ويختلفان في الانتهاء، فيمتد وقت الصوم إلى آخر النهار، ووقت الصلاة إلى طلوع الشمس. وقياس آخر: وهو أن الجمعة والظهر صلاتا فرض يجهر في إحداهما، ويسر في الأخرى، فلم يجب اشتراكهما في الوقت؛ دليله: الفجر، والظهر، ولا يلزم عليه النوافل؛ لقولنا: صلاتا فرض، ولا يلزم عليه: صلاة القصر، والإتمام؛ لقولنا: يجهر في إحداهما، ويسر في الأخرى.

стр. 1315

وطريقة أخرى جيدة: وهو أن المقصود: العبادة، دون الوقت، وللجمعة تأثير في إسقاط بعض العبادة، وهو الركعتان، فلأن يكون لها تأثير في إسقاط فرض الوقت أولى؛ كالسفر لما أثّر في إسقاط بعض العبادة، أثّر في إسقاط الوقت في الجمع، وإن شئت قلت: ما أثّر في إسقاط بعض الصلاة، أثّر في إسقاط وقتها؛ كالسفر يؤثر في إسقاط وقت العصر إلى وقت الظهر، كذلك يؤثر في إسقاط فرض وقت الظهر إلى ما قبله في صلاة الجمعة. واحتج المخالف: بما روى أنس بن مالك ﵁ قال: كنا نصلي مع رسول الله ﷺ الجمعة إذا مالت الشمس (١). وروى سلمة بن الأكوع ﵁ قال: كنا نصلي مع رسول الله ﷺ الجمعة إذا زالت الشمس (٢). والجواب: أن هذا محمول على الفضيلة والكمال، ونحن نستحب فعلها في ذلك الوقت، وما رويناه يدل على الجواز، فنجمع بينهما. واحتج: بأنها صلاة مقصورة، فلا يجوز فعلها قبل وقت التمام؛ كصلاة السفر.

стр. 1316

والجواب: أنا لا نسلِّم أنها صلاة مقصورة؛ لأن الفرض في يوم الجمعة صلاةُ الجمعة، وعلى أن القصر والتمام فرضٌ واحد، ألا ترى أنهما يتفقان في الجهر، والإخفات، ويُقضيان (١) جميعًا إذا فاتا، وتُبنى إحداهما على الأخرى مع سعة الوقت، فكان وقتهما واحدًا، فلم يجز فعل المقصورة قبل وقت التمام، والجمعة والظهر تختلفان في جميع ذلك، فهما فرضان مختلفان، فاختلف وقتهما؛ كالظهر مع العصر. واحتج: بأنها صلاة يخرج وقتها بحصول الظل مثله، فلم يجز فعلها قبل الزوال؛ كالظهر. والجواب: أنه لا يمتنع أن تتفق العبادتان في الانتهاء، وتختلفا في الابتداء؛ كما جاز أن تتفقا في الابتداء، وتختلفا في الانتهاء؛ كالصوم، وصلاة الفجر يتفقان في الابتداء، وهو طلوع الفجر، ويختلفان في الانتهاء، فانتهاء وقت صلاة الفجر طلوعُ الشمس، وانتهاء الصوم غروبُها؛ لأن الانتهاء أحد طرفي الوقت، كما أن الابتداء أحد طرفيه، وعلى أن الظهر والجمعة قد تختلفان في انتهاء الوقت على وجه، وهو حال الاستدامة بالصلاة؛ فإنه إذا أحرم بالظهر، فخرج وقتها؛ بأن صار الظل مثله، لم يمنع من البناء عليها، ويكون أداء، ولو كان محرِمًا بالجمعة، فخرج وقت الظهر، منع من البناء عليها جمعة على قول الشافعي ﵀ (٢) -،

стр. 1317

فجاز أن يختلفا (١) في الابتداء، وعلى أنه لا حاجة بنا إلى تأخيرها بعد أن صار الظل مثله، وبنا حاجة إلى تقديمها، وهو أن هذه الصلاة يُجمَع (٢) لها الناس من أطراف البلد، وغير البلد، فلو أخرناها إلى الزوال، شق عليهم الرجوع إلى منازلهم، ومثل هذا قالوا: إذا اجتمع عيد، وجمعة في حق أهل القرى، لم تجب عليهم الجمعة. واحتج: بأنها صلاة مفروضة، فلم يجز فعلها قبل وجوبها متبوعه (٣)؛ دليله: سائر الصلوات، قالوا: وعندكم: ما قبل الزوال ليس بوقت الوجوب، وإنما هو وقت الجواز. والجواب: أنا نقلب العلة، فنقول: فلم يتقدر وقتُها بوقت غيرها؛ دليله: سائر الصلوات، على أن كلام أحمد ﵀ يقتضي روايتين: إحداهما: أنه وقت لوجوبها؛ لأنه قال في رواية أحمد بن الحسن (٤) الترمذي (٥): في صلاة الجمعة قبل نصف النهار: لا أرى بأسًا على ما جاء من فعل أبي بكر ﵁؛ ولأنها عيد، والأعياد كلها في أول النهار. فقد شبهها بصلاة العيد في الوقت، وأولُ النهار وقتٌ لوجوب صلاة العيد، كذلك الجمعة، يكون أول النهار وقتًا لوجوبها وجوبًا موسَّعًا،

стр. 1318

فعلى هذا نقول بموجب القياس، وأنه لا يجوز فعلها قبل وجوبها. والثانية: هو وقتٌ لجوازها؛ لأنه قال في رواية ابن منصور (١): إن فعل ذلك قبل الزوال، لم أَعِبْه، وبعد الزوال ليس فيه شك. وظاهر هذا: أنه وقت الجواز؛ ولأن الواجب لا يوصف بذلك، وهو اختيار أبي بكر (٢) فيما حكاه أبو إسحاق عنه في تعاليقه، فقال: أولُ وقتها حين تزول الشمس لوقت الظهر سواء، ولكن يجوز أن يصليها قبل الزوال؛ للأخبار، فعلى هذا: لا يمتنع جواز فعلها قبل وقتها؛ لأجل العذر، كما جاز في تقديم العصر لأجل العذر، والعذر في الجمعة: أنها صلاة يجتمع لها الناس من المواضع البعيدة، ويعتمدوا البُكور لها طلبًا للفضيلة، وبترك الاشتغال، فلو منعنا من فعلها قبل الزوال، شق عليهم الانتظار، وضاق عليهم الوقت في الرجوع إلى بيوتهم، والتصرف في أشغالهم، فكان ذلك عذرًا؛ كالمرض، والمطر. وقال أبو إسحاق في بعض تعاليقه: اختلف أصحابنا في وقت الجمعة ما أوله؟ فذهب أبو القاسم بن أبي علي الخرقي: إلى أن ذلك في الساعة الخامسة (٣).

стр. 1319

وذهب أبو حفص عمر بن بدر المغازلي: إلى أن ذلك حين تحل الصلاة بعد صلاة الفجر، كذا سمعته يقول (١). وأما شيخنا أبو بكر عبد العزيز (٢)، فذهب إلى أن وقتها: أولُه حين تزول الشمس؛ كوقت الظهر سواء، قال: ولكن يجوز أن يصليها قبل الزوال؛ بدلالة الآثار، وكما يجوز في العصر (٣) في وقت الظهر إذا جمع بينهما، وكذلك ابن مسعود لما صلى قبل الزوال قال: إنما صليت مخافة الحر عليكم، أو كما قال، والله تعالى أعلم. * * * ١٧٣ - مَسْألَة: إذا وافق عيدٌ يومَ الجمعة، فالفضل في حضورهما جميعًا، فإن حضر العيد، أسقط عنه فرض الجمعة: نص عليه في رواية المروذي (٤)، ..........................

стр. 1320

وصالح (١)، وإسماعيل بن سعيد (٢)، وإسحاق بن إبراهيم (١)، وبه قال إبراهيم (٣)، والشعبي (٤). وقال أبو حنيفة (٥)، ومالك (٦)، والشافعي (٧) ﵃: حضور العيد لا يُسقط الجمعة. دليلنا: ما روى أبو بكر النجاد بإسناده عن أبي صالح، عن أبي هريرة ﵁، عن رسول الله ﷺ قال: "اجتمع في يومكم هذا عيدان، فمن شاء منكم، أجزأ العيدُ من جمعته، ..............................

стр. 1321

وإنا مجمِّعون - إن شاء الله تعالى -" (١). وروى بإسناده عن إياس بن [أبي] (٢) أرملة الشامي (٣) قال: شهدت معاوية وهو يسأل زيدَ بنَ أرقمَ ﵁: هل شهدتَ مع رسول الله ﷺ عيدين اجتمعا في يوم واحد؟ قال: نعم، قال: كيف صنع؟ قال: صلى العيد، ثم رخَّص في الجمعة، ثم قال: "من شاء أن يصلِّي، فليصلِّ" (٤).

стр. 1322

وروى بإسناده عن أبي صالح السمان قال: اجتمع عيدان في يوم واحد، فقال رسول الله ﷺ : "يا أيها الناس! إنكم قد أصبتم ذكرًا وخيرًا (١)، فمن شاء أن يجمِّع، فليجمِّع، ومن شاء أن يجلس، فليجلس" (٢)، وهذه الأخبار نصوص في إسقاط الجمعة بالعيد (٣). فإن قيل: لا حجة في هذه الأخبار؛ لأن أبا بكر النجاد روى بإسناده عن عطاء بن السائب عن أبيه ﵁ قال: حضرت العيد مع رسول الله ﷺ ، فصلى (٤)، فلما قضى صلاته، قال: "قد قضينا الصلاة، فمن كان من أهل العوالي، فأحبَّ أن ينصرف، فلينصرفْ (٥)، ومن أحب أن ينتظر الخطبة، فليجلس" (٦)، وأهل العوالي لا تجب عليهم الجمعة، فالخطاب حصل

стр. 1323

لهم، فلم يكن فيه حجة على من تجب عليه الجمعة. قيل: ولا يصح حملُ أخبارنا على أهل العوالي؛ لوجوه: أحدها: أنه قال في حديث أبي هريرة ﵁: "فمن شاء منكم، أجزأ العيدُ من جمعته"، وهذا (١) الجمعة واجبة عليه، وأن العيد تجزئ عنها، وأهل العوالي ما كانت تجب عليهم الجمعة، فتجزئ عنها. والثاني: قوله: "اجتمع في يومكم عيدان"، فجعل العلة في ترك الحضور اجتماع العيدين، وأهل العوالي كانت العلة في إسقاط الحضور غير هذا. والثالث: أنا قد علمنا إسقاط الجمعة عن أهل العوالي من غير هذا الخبر، فلا معنى لحمله على حكم قد استفدناه من غيره، ووجب حمله على فائدة مجددة. وكلّمتُ بعضهم (٢) في هذه المسألة، فأورد هذا السؤال على الخبر على وجه آخر، فقالوا: أهل [العوالي] (٣) كانوا ممن يلزمهم حضور الجمعة بالمدينة؛ لقربهم منها، لكن سقطت عنهم لأجل حضور العيد،

стр. 1324

وعندنا: أهلُ القرى تسقط عنهم الجمعة بحضور العيد، على الصحيح من قول أصحابنا، قال: وإذا كان كذلك، فقد قلنا بموجب التعليل؛ فإن [العيد] (١) هو المسقِط عنهم الجمعةَ. فيكون الجواب عنه: أن أهل العوالي كانوا على مسافة، والعلة (٢) أعمُّ من اللفظ؛ ولأن اللفظ خاصٌّ في أهل العوالي، والتعليل يعمُّ أهلَ العوالي، وأهلَ المدينة؛ لأنه قال: "اجتمع في يومكم عيدان، فمن شاء، أجزأ"، وهذا المعنى وحده في حق أهل المدينة وغيرهم، وإذا كان التعليل أعمَّ من اللفظ، كان الحكم متعلقًا بالتعليل دون اللفظ (٣)؛ كما قال ﷺ في المحرِم الذي وَقَصت به ناقته، "لا تُخمروا رأسه، ولا تُقربوه طيبًا؛ فإنه يُبعث يوم القيامة ملبيًا" (٤)، واللفظ خاص في ذلك المحرم، والتعليل عام في كل محرم، وكذلك قوله ﵇ في شهداء أُحد: "زَمِّلُوهم (٥) بكُلُومهم (٦) ودمائهم؛ فإنهن يُبعثون يوم القيامة اللونُ

стр. 1325

لونُ الدم، والريحُ ريحُ المسك" (١)، فاللفظ خاص فيهم، والتعليل أعم، فكان حكم التعليل مستعملًا في حقهم، وحقِّ غيرهم، وكذلك قوله ﵇: "أينقص الرُّطب إذا يبس؟ "، قالوا: نعم، قال: "فلا إِذَنْ" (٢)، اللفظ خاص في الرطب، والعلة عامة فيه وفي غيره. فإن قيل: هذا خطاب لأهل العوالي، وقوله: "عيدان اجتمعا"، ذكر بعض [أهل] (٣) اللغة تقديره: عيدان اجتمعا في حقكم يا أهل العوالي، فحذف بعضها، ووكله إلينا، كما قلنا في قوله ﵇ لبريرة: "ملكتِ بُضْعَكِ، فاختاري" (٤)، تقديره: ملكت بضعك تحتَ عبدٍ.

стр. 1326

قيل له: فقلْ مثلَ هذا في المحرِم الذي كان في وقت النبي ﷺ ، وفي الشهداء، وإن كان هناك محذوف، وتقديره: يبعث، بعْثتُه ملبيًا، ويبعثون يوم القيامة بأعيانهم، اللونُ لون الدم، والريح ريح المسك، واحدٌ ما قال هذا، وأما قوله ﷺ : "ملكتِ بُضعك، فاختاري"، فإنما قلنا: إن هناك محذوفًا؛ لقيام الدلالة على أن الحرية لا توجب الفسخ؛ لأنها حال كمال، والرقُّ يوجب؛ لأنه حال نقصان، فأما أهل العوالي، وأهل البلد سواء؛ لما عليهم من المشقة في العَوْد، لا سيما إذا كان البلد متباعدَ الأطراف، وإنما يختلفان في أن مشقة الحضر أقلُّ من مشقة السفر، وهذا لا يوجب الفرق بينهما؛ لأن مشقة المرض أشدُّ من السفر، وكلاهما يُفطر، ورأيت بخط أبي إسحاق: نا الحسين بن إسماعيل القاضي (١) نا:

стр. 1327

محمد بن عمر بن حنان (١) نا: بقية عن مقاتل بن سليمان (٢)، عن عطاء، عن ابن عباس ﵄ قال: كان رسول الله ﷺ إذا اجتمع عيدان في يوم، يقول: "من شهد معنا أولَ النهار، فهو بالخيار آخِرَه" (٣). وأيضًا: فهو إجماع الصحابة ﵃ أجمعين -: وروى النجاد عن وهب بن كيسان (٤) قال: اجتمع عيدان في عهد ابن الزبير ﵄، فأخَّر الخروجَ، ثم خرج فخطبَ، فأطال الخطبة، ثم صلى، ولم يخرج إلى الجمعة، فعاب ذلك عليه أناس، فبلغ ذلك ابنَ عباس ﵄، فقال: أصاب السنةَ، فبلغ ابنَ الزبير، فقال: شهدت العيدَ مع عمر ﵁، فصنع كما صنعتُ (٥).

стр. 1328

وروى بإسناده عن أبي عبد الرحمن قال: اجتمع عيدان على عهد عليّ ﵁، فصلى بالناس، ثم خطب على راحلته، ثم قال: أيها الناس! من صلى منكم العيد، فقد قضى جمعته إن شاء الله (١). ولا يُعرف مخالف لهم. والقياس: أنها صلاة، فجاز أن يسقط غيرها بفعلها؛ فى ليله: صلاة الجمعة، تسقط بفعلها صلاة الظهر، وقد دل على صحة التسمية: قولُ النبي ﷺ : "عيدان اجتمعا"، فسماهما عيدين. فإن قيل: لا نقول: إن الجمعة أسقطت بفعلها الظهر؛ لأن الفرض المخاطب به يوم الجمعة هو الجمعة. قيل له: العبد، والمرأة، والمسافر، فرضُهم يوم الجمعة الظهرُ، وسقط عنهم بفعل الجمعة. فإن قيل: إنما سقطت الظهر بالجمعة؛ لأنهما صلاتا وقت واحد،

стр. 1329

وليس كذلك العيد والجمعة؛ لأنهما صلاتا وقتين. قيل له: لا نسلِّم هذا في الأصل؛ لأن وقت الجمعة وقتُ الظهر؛ لأنه يجوز فعلُ الجمعة عندنا قبل الزوال، ولا يجوز فعلُ الظهر في ذلك الوقت، وإنما في الفرع، فهما صلاتا وقت واحد؛ لأنه يصلي الجمعة في الوقت الذي يصلي صلاة العيد، فلا فرق بينهما. وجواب آخر: وهو أنه يبطل بالصلاتين المجموعتين يجمعهما وقت واحد، ومع هذا تسقط إحداهما الأخرى. فإن قيل: العيد أضعف؛ لأنها فرض على الكفاية، والجمعة على الأعيان، وليس كذلك الجمعة والظهر؛ لأنهما صلاتا فرض على الأعيان، فجاز أن تُسقط إحداهما الأخرى. قيل له: كونها أضعف منها لا تُسقط لا يمنع (١) الإسقاط؛ بدليل: المسح على الخفين، يُسقط غسل الرجلين، وصلاة القصر يسقط الإتمام، وإن كان [أحد] الفعلين أضعفَ من الآخر؛ ولأنه قد حضر صلاة العيد، فلا يلزمه حضور الجمعة؛ دليله: من يلزمه فرض الجمعة خارج البلد، فإنهم إذا حضروا العيد، لم يلزمهم الحضور، على الظاهر من قول أصحاب الشافعي - رحمهم الله تعالى - (٢)، كذلك هو في البلد، وليس لهم أن يقولوا: إن عليهم في الرجوع مشقة؛ لأن هذا المعنى لم يؤثر في أصل الإيجاب؛ ولأن المشقة تلحق في البلد.

стр. 1330

واحتج المخالف: بما رُوي عن النبي ﷺ : أنه قال: "إن الله فرض عليكم الجمعة في يوم الجمعة" (١)، وهذا عام. والجواب: أنا نحمله على غير يوم العيد، بما تقدم. واحتج: بأن الجمعة صلاة تجب في يوم الجمعة، فلا تسقط بالعيد؛ دليله: صلاة العصر. والجواب: أن ليس إذا لم يؤثر في إسقاط العصر، لا يؤثر في إسقاط الجمعة؛ كما أن الجمعة لا تؤثر في إسقاط العصر، وتؤثر في إسقاط الظهر، كذلك ها هنا، وعلى أن هذا قياس يعارض السنة. واحتج: بأن كل من لزمته الجمعة إذا لم يصلِّ صلاة العيد، لزمته، وإن صلى؛ دليله: الإمام في صلاة الجمعة، وقد نص أحمد ﵀ على أنها لا تسقط عنه في رواية الميموني (٢)، فقال: قال ﵇ (٣): إذا اجتمع عيدان في يوم، أما الإمام، فيجمعهما

стр. 1331

جميعًا (١)، ومن شاء ذهب، ومن شاء قعد. والجواب: إنما لم تَسقط عن الإمام؛ لأن في إسقاطها إبطالَ الجمعة في حق من لم يحضر صلاة العيد، وفي حقِّ من حضرها، إلا أنه يريد حضورها طلبًا للفضيلة؛ لأن فعلها يقف عليه، وليس كذلك غيره من الناس؛ لأنه ليس في إسقاطها عنه هذا المعنى، فلهذا فرقنا بينهما. واحتج: بأنه لو جاز أن تسقط الجمعة بحضور العيد، لجاز أن يسقط العيد بحضور الجمعة. والجواب: أنا لا نعرف الرواية في ذلك، ولا يمتنع أن نقول: إذا أخّر العيد بشرط العزم على حضور الجمعة: أنه يجوز له ذلك، ويحتمل أن يقال: لا يسقط؛ لأنها تسقط لا إلى بدل، وعلى أن الجمعة تُسقط الظهر، والظهر لا يُسقط الجمعة إذا فعلَها قبل صلاة الإمام. واحتج: بأنه لو حضر الجمعة، لزمته، فيجب أن يلزمه، وإن لم يحضر، دليله: من لم يحضر صلاة العيد. والجواب: أنه يبطل بالمريض إذا حضر، لزمه، ولا يلزمه بعدم الحضور (٢)، وكذلك من يلزمه حضور الجمعة من غير أهل القرى يلزمه بالحضور، ولا يلزمه بغيره؛ ولأنه إذا حضر، زالت مشقته، وإذا لم

стр. 1332

يحضر، فالمشقة موجودة. فإن قيل: لو سقطت عنهم، لوجب أن يصيروا في حكم أهل الأعذار، فإذا صلوا قبل صلاة الإمام، تجزئهم. قيل: هكذا نقول، والله أعلم. * * * ١٧٤ - مَسْألَة: لا تجب الجمعة على العبد في أصح الروايتين: نقل ابن منصور عنه، فقال: لا جمعة على عبد (١). وروى عنه في موضع آخر (٢): لا جمعة على عبد، إلا أن يأذن له سيده. وبهذا قال أبو حنيفة (٣)، ومالك (٤)، والشافعي (٥) ﵃.

стр. 1333

وفيه رواية أخرى: تجب عليه الجمعة، رواها عنه المروذي (١)، فقال: سأل أبا عبد الله مملوكٌ، فقال له: إن مولاي لا يدعني أصلي الجمعة، فترى أن أذهب من غير علمه؟ فقال أبو عبد الله: إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة، فقد وجب عليك، وعلى كل مسلم، فقال له العبد: فأذهب من غير إذنه؟ قال: يعجبني أن تطلب إليه، وتحمل عليه حتى يأذن لك. وبهذا قال داود (٢). وجه الرواية الأولة: ما روى أبو بكر بن جعفر بإسناده عن جابر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر، فعليه الجمعة، إلا صبي، أو امرأة، أو مسافر، أو عبد، ومن استغنى بلهو أو تجارة، استغنى الله عنه، والله غني حميد" (٣). وروى أيضًا بإسناده عن محمد بن كعب القرظي ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر، فعليه الجمعة في جماعة، إلا عبد، أو صبي، أو امرأة" (٤). وروى أبو داود في كتابه (٥) بإسناده عن طارق بن شهاب ﵁، عن

стр. 1334

النبي ﷺ قال: "الجمعة حقٌّ واجب على كل مسلم في جماعة، إلا أربعة: عبد مملوك، أو امرأة، أو صبي، أو مريض"، قال أبو داود: طارق رأى النبي ﷺ ، ويعد من الصحابة ﵃، وهذه الأخبار نصوص في إسقاط الجمعة عن العبد. ولأن الجمعة عبادة تختص بمكان مخصوص يحتاج في أدائها إلى قطع مسافة في العادة، فلا يلزم العبد؛ كالحج، ولا يلزم عليه سائر الصلوات؛ لأنها لا تختص بمكان، ولا يحتاج فيها إلى قطع مسافة؛ لأنها تفعل بكل مكان، وكذلك الصيام. ولأن في اشتغاله في الجمعة تركَ خدمة المولى؛ لأنه يحتاج إلى أن يسمع الخطبة، وينتظر إقامة الصلاة، وما أدى إلى إسقاط خدمة المولى لم يؤمر به؛ كالجهاد، ولا يلزم عليه سائر الصلوات؛ لأن الاشتغال بها لا يؤدي إلى الإخلال بخدمة السيد في الغالب؛ لأنها لا تفتقد إلى زمن طويل، ولا تختص بمكان. ولأنه منقوص بالرق، والجمعة كاملة، فلا تجب إلا على كامل.

стр. 1335

واحتج المخالف: بقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الجمعة: ٩]، وهذا عام في الحر، والعبد، والذكر، والأنثى. والجواب: أن المراد به: الحرية؛ بدلالة قوله تعالى: ﴿وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾ [الجمعة: ٩]، وظاهر هذا يقتضي النهيَ عمن يملك البيع، حتى يخاطب بتركه لأجل الصلاة، والعبد لا يملك. واحتج: بقوله ﵇: "إن الله تعالى فرض عليكم الجمعة في يوم الجمعة" (١). وقوله ﵇: "الجمعة واجبة على كل مسلم" (٢). والجواب: أنا قد روينا فيه زيادة، وهو قوله ﵇: "إلا صبي أو امرأة أو مسافر أو عبد"، والأخذ بالزائد أولى. واحتج: بأنها صلاة مفروضة بأصل الشرع، فوجبت في العبد، وغيره؛ كسائر الصلوات. والجواب: أن سائر الصلوات لا يؤدي الاشتغال بها إلى إسقاط حق السيد، وليس كذلك ها هنا؛ لأنه يؤدي إلى ذلك من الوجه الذي ذكرنا فبان الفرق بينهما. واحتج: بأنه ذَكَر مكلَّف، فوجبت عليه الجمعة؛ كالحر.
следующие страницы →