← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 127663

التعليقة الكبيرة - أبو يعلى - من الصلاة للجنائز

القاضي أبو يعلى ابن الفراء

Полный текст (1 701 стр.). Показаны 1261–1300 · переход к 1266.

стр. 1261

روى النجاد عن إبراهيم بن عبد الله بن فروخ (١) عن أبيه (٢) قال: صليت مع عثمان ﵁ الجمعة، فقرأ بسورة الجمعة، و ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ﴾ (٣). واحتج: بأنها صلاة من الصلوات، فله أن يقرأ بعد الفاتحة بما شاء؛ دليله: سائر الصلوات. والجواب: أنه ليس في سائر الصلوات ما يختص السورة بذكرها، وفي هذه السورة ذكر الجمعة، والحث عليها، والترغيب فيها، والتحذير من النفاق؛ ولأن صلاة الجمعة تختص بالجمعة، وشرائط لا يشاركها غيرها فيها، فجاز أن تختص بسورة من القرآن، والله أعلم. * * * ١٦٨ - مَسْألَة إذا دخل وقت العصر قبل الفراغ من الجمعة، بنى على

стр. 1262

الجمعة، ولا فرق بين أن يدخل وقت العصر وقد صلى ركعة، أو أقل (١): وهو ظاهر كلام أبي بكر (٢)؛ لأنه قال في كتاب التنبيه: فإن صلى بهم فمِن قبل تكَمُّلِها دخل وقت العصر، أتم بهم الصلاة، ولا يختلف القول فيه، ولم يفرق، وكذا ذكر شيخنا أبو عبد الله (٢). وقال أبو القاسم الخرقي (٣): متى دخل وقت العصر، وقد صلوا ركعة، أتموا بركعة أخرى، وأجزأتهم جمعة. فظاهر هذا التقييد بالركعة يقتضي: أنه إذا دخل الوقت قبل الركعة، لم يبن عليها. وكذا حكى الأبهري (٤) .................................

стр. 1263

في مذهب مالك ﵀ (١). والمذهب: على ما حكينا، وأنه لا فرق بين الركعة وغيرها، وهو قياس المذهب فيمن زال عذره قبل غروب الشمس؛ فإنه يصلي الظهر والعصر، ولم يعتبر مقدار ركعة. والمنصوص عن أحمد ﵀ في هذه المسألة في رواية صالح (٢)، وعبد الله (٣): في إمام صلى الجمعة، فلما تشهد قبل أن يسلم، دخل وقت العصر؟ قال: تجوز صلاته. وقال أبو حنيفة ﵀: يستقبل الظهر أربعًا (٤). وقال الشافعي ﵁: يبني عليها ظهرًا أربعًا (٥). فالدلالة على أن الصلاة لا تبطل؛ خلافًا لأبي حنيفة: ما رُوي عن النبي ﷺ قال: "لا يقطع صلاة المرء شيء" (٦)، وظاهره يقتضي: أن

стр. 1264

لا تبطل صلاته بخروج الوقت، وإذا لم تبطل، جاز له البناء؛ ولأن الجمعة صلاة مؤقتة، فلم تبطل بفوات وقتها؛ قياسًا على سائر الصلوات. فإن قيل: سائر الصلوات يجب قضاؤها بعد خروج الوقت، فلو كانت الجمعة بمنزلتها، لوجب أيضًا قضاؤها. قيل له: إنما افترقا في باب القضاء؛ لأن الوقت شرط في فعل الجمعة، وليس بشرط في سائر الصلوات، وليس إذا كان شرطًا في الابتداء يكون شرطًا في الاستدامة؛ كما قال أبو حنيفة ﵀ (١): في العدد شرط في ابتداء الجمعة، وليس بشرط في استدامتها، فلو انفضوا بعد أن عقدها بركعة، بنى عليها جمعة عندهم، كذلك ها هنا. وعلى أنها لم تقض لعدم شرائطها، وهو: العدد، والخطبة، وسائر الصلوات توجد شرائطها بعد خروج وقتها. واحتج المخالف: بأن وقت الظهر غير وقت العصر، فلم يجز فعلها في وقت العصر، كما لا يجوز فعلها في وقت المغرب. والجواب: أنه يجوز فعلها في وقت المغرب، كما يجوز في العصر، ولا فرق بينهما. فإن قيل: الوقت شرط، كما أن العدد شرط، ثم ثبت أنه لو تفرق العدد قبل الفراغ منها، استقبل الصلاة، كذلك الوقت.

стр. 1265

قيل له: عندك: أنه لا يستقبل الصلاة إذا عقدها بسجدة، وفي الوقت يستقبل الصلاة في كل حال، فهما مختلفان في الاعتبار، وأما على أصلنا هو: أن الوقت إنما سقط اعتباره في حال الاستدامة لأجل العذر؛ لأن الوقت إذا فات، لم يمكن استدراكه، فهذا عذر، ومثله نقول في العدد: يسقط اعتباره في حال العذر، وهو المسبوق، وإذا قام يقضي منفردًا، فإن جمعته صحيحة؛ لأن هناك عذر [اً]، وهو أنه لا طريق إلى استدراك العدد، فأما مع بقاء الوقت، فلا عذر؛ لأنه يمكن عقد الجمعة، وكذلك بقية الشرائط تسقط بالعذر. وجواب آخر: وهو أن العدد لم يحصل عنه بدل، وليس كذلك الوقت؛ لأنه قد حصّل عنه بدل، وهو وقت الثانية. وجواب ثالث: وهو أن بعض الوقت قد أقيم مقام جميعه؛ بدليل: أن الحائض إذا طهرت، وقد بقي من الوقت مقدار ركعة، لزمها فرض الصلاة؛ كما لو أدركت جميعه؛ فجعل إدراك بعضه يجري مجرى إدراك جميعه، ولم نجد بعض العدد يقوم مقام جميعه بحال، وهو أنه لو صلى ببعض الأربعين، لم يقم مقام الأربعين في الإجزاء بحال من الأحوال، فأما إذا خرج وقت العصر، ودخل وقت المغرب، فيحتمل أن نقول: يبني، ويحتمل أن نقول: يبطل؛ لأن وقت المغرب لم يجعل وقتًا للجمعة، ووقت العصر قد جعل وقتًا للظهر التي الجمعة بدل عنها. * فصل: والدلالة على أنه يبني عليها جمعة؛ خلافًا للشافعي ﵀ -

стр. 1266

في قوله: يبني ظهرًا (١): ما روى أبو هريرة ﵁ عن النبي ﷺ : أنه قال: "من أدرك من الجمعة ركعة، فليصل إليها أخرى" (٢)، وهذا قد من أدرك منها ركعة، فيجب أن يُصلي إليها أخرى، وهو عام في الوقت وغيره، ولأنها صلاة مؤقتة، فخروجُ وقتها لا يمنع إتمامَها؛ دليله: سائر الصلوات. فإن قيل: المعنى في الأصل: أنه يجوز فعل جميعها خارج الوقت، فلهذا جاز فعل بعضها، والجمعة لا يجوز فعل جميعها خارج الوقت، فلا يجوز فعل بعضها. قيل: الحج لا يجوز فعل جميعه خارج الوقت، ويجوز فعل بعضه. وجواب آخر: وهو أنه ليس إذا لم يجز فعلها إذا لم يدرك شيئًا من الوقت لم يجز إذا أدرك منه؛ كما أنه لا يجوز فعلها إذا لم يدرك ركعة مع العدد، ويجوز إذا أدرك ركعة مع الإمام، ثم سلم، ويدل على أنه لا يجوز بناء الظهر عليها، هو: أن إحدى الصلاتين يجهر فيها بالقراءة، والأخرى لا يجهر فيها، فوجب أن لا يجوز بناء إحداهما على الأخرى؛ دليله: الفجر، والظهر، ولأنهما صلاتان مختلفتان؛ بدلالة: أن إحداهما تفتقر إلى شرائط لا تفتقر إليها الأخرى؛ مثل: الإمام، والخطبة، والوقت، والعدد، فلا يجوز بناء إحداهما على الأخرى؛ قياسًا على الفجر، والجمعة.

стр. 1267

فإن قيل: المعنى في الأصل: أنهما صلاتا وقتين، فلم يجز أن تؤدَّى إحداهما بتحريمة الأخرى، وها هنا صلاتا وقت واحد؛ لأن قومًا يصلون في الظهر ركعتين، وآخرون أربعًا، فجاز بناء إحداهما على الأخرى؛ كصلاة السفر، والحضر. قيل له: ليس من حيث كانتا صلاتي وقت واحد يجوز بناء إحداهما على الأخرى، ألا ترى أنه لا يجوز بناء صلاة الجمعة على صلاة الظهر، وصلاة السفر على صلاة الحضر، وإن كانتا صلاتي وقت واحد؟ واعتبارهما بصلاة السفر، والحضر لا يصح؛ لأنهما لو كانا بمنزلتهما، لما اختلفا في مسنون القراءة، ولوجب أن يجوز قضاؤهما جميعًا بعد الفوات؛ كما يجوز قضاء صلاة السفر والحضر، ولوجب أيضًا بناء الظهر على تحريمة الجمعة قبل خروج وقت الظهر؛ كما يجوز بناء صلاة الحضر على صلاة السفر قبل خروج الوقت. فإن قيل: اختلافهما في الجهر لا يمنع البناء، ألا ترى أنه يبني الركعتين الآخرتين من العشاء الآخرة، والركعة الثالثة من صلاة المغرب، وإن كانتا مختلفتين في الجهر والإسرار؟ وكذلك يصلي المأموم النافلة خلف من يصلي الفريضة، ويبني على صلاته، وإن كانتا مختلفتين في مسنون القراءة، كذلك ها هنا. قيل له: إنما جاز بناء الأخريين على الأوليين، وإن اختلفا في الجهر؛ لأنها صلاة واحدة، وها هنا صلاتان مختلفتان، وأما المتنفل خلف المفترض، فإنما صح؛ لأن القراءة غير معتبرة في حق المأموم،

стр. 1268

فلهذا لم يعتبر اختلافهما في الجهر والإخفات، وفي مسألتنا القراءةُ معتبرة في كل واحدة من الصلاتين. وقياس آخر: وهو أن تحريمته أوجبت الجمعة، فلا يجوز له أن يبني الظهر عليها. دليله: إذا كان الوقت باقيًا، والشرائط موجودة. قيل: قد يجوز أن يبني الظهر عندنا مع بقاء الوقت، وهو: إذا دخل معه في التشهد إذا انفضوا قبل الفراغ. قيل: تقيس عليه إذا أحرم من أول الصلاة، ولم ينفضوا. فإن قيل: إنما لم يجز أن يبني الظهر على الجمعة إذا كان الوقت باقيًا؛ لأنه لو لم يكن في الجمعة، لم يجز له أن يفتتح الظهر، وإذا كان فيها، لم يجز له بناء الظهر عليها، وليس كذلك في مسألتنا؛ لأنه لو افتتح الظهر في هذه الحال، جاز، كذلك يجوز أن يبني على إحرامه. قيل له: المرأة لو لم تكن في صلاة الجمعة، جاز لها أن تفتتح الظهر، ومع هذا إذا دخلت مع الإمام في الجمعة، لم يجز لها أن تبني عليها الظهر، وكذلك العبد، وكذلك إذا كان الرجل في الظهر، فذكر أن عليه الفجر، لم يجز له أن يبني الفجر على تحريمة الظهر، وإن كان عند مخالفنا لو لم يكن في الظهر، جاز له أن يفتتح صلاة الفجر. فإن قيل: إذا كان الوقت باقيًا، فلا حاجة له إلى بناء الظهر على الجمعة، وليس كذلك إذا خرج؛ فإن به حاجة إلى بناء الظهر على الجمعة؛ لفوات الوقت، فلهذا فرقنا بينهما.

стр. 1269

قيل له: فيجب أن نقول: إذا أحرم بالفجر، ثم ذكر أن عليه الظهر، أن يبني عليها ظهرًا؛ لحاجته إليه. فإن قيل: أليس لو أدرك الإمام في التشهد، جاز له أن يدخل معه بنية الجمعة، ويبني الظهر على الجمعة؟ وكذلك لو أحرم بالصلاة من أولها مع الإمام، ثم زحم حتى فاته الركعتان، بنى عليها ظهرًا، وكذلك لو تفرق العدد الذي تنعقد بهم الجمعة في أثناء الصلاة، بنى على جمعة. قيل له: أما إذا أدركه في التشهد، فقد اختلف أصحابنا في ذلك، فقال الخرقي (١): يبني على الظهر إذا كان قد دخل بنية الظهر. وظاهر هذا: أنه لا ينوي الجمعة، وإنما ينوي الظهر، فعلى هذا قد بنى على نية ظهر، فلا يلزم. وقال أبو إسحاق (٢): يجوز أن يدخل بنية الجمعة، ويبني عليها. فعلى هذا إنما جاز أن ينوي الجمعة، مع تحققه لفواتها، ووجوب إتمامها، كما جاز للمسافر أن ينوي القصر، مع علمه أنه يصل إلى البلد قبل فراغه من الصلاة، فيلزمه الإتمام، كذلك الجمعة، وأما إذا أحرم مع الإمام من أول الصلاة، ثم زحم عن الركعتين جميعًا، ففيه روايتان (٣):

стр. 1270

إحداهما: تصح له جمعة، ويبني عليها جمعة، فعلى هذا قد بنى جمعة على نية. والثانية: لا تصح جمعته، ويبتدئ الصلاة ظهرًا، ولا يبني على تحريمة الجمعة، نص عليه في رواية ابن منصور (١)، فقال: إذا زحم يوم الجمعة، فلم يقدر على الركعتين جميعًا، استقبل الصلاة، والاستقبال يقتضي ابتداء التكبيرة، فعلى هذا ما بنى ظهرًا على نية جمعة، وأما إذا تفرق العدد (٢) في أثناء الصلاة، فإنه يستأنف الصلاة، قال أبو بكر (٣): إذا لم يتم العدد في الصلاة أو الخطبة، يعيدون الصلاة؛ لأن انتهاءها في هذا كابتدائها. واحتج المخالف: بأنهما صلاتا وقت واحد، أو صلاة مردودة من أربع إلى ركعتين، فجاز بناء الثانية على الناقصة، أو بناء الأربع على الركعتين، أصله: صلاة السفر والحضر؛ فإن المسافر إذا أحرم في السفينة، ينوي ركعتين، ثم قدمت السفينة البلد قبل أن يسلم منها، فإنه يجعلها أربعًا. والجواب: أن الفرق بين الجمعة والظهر، وبين صلاة السفر والحضر، يتفقان في الجهر، والإخفات، والقضاء، والأداء، وهذا معدوم في الجمعة والظهر.

стр. 1271

واحتج: بأن الأصل الظهر، وإنما نقلت إلى الجمعة بشرائط، منها: الوقت، وقد عدم. والجواب: أن الوقت الذي أجمعنا على وجوده، هو أن يبتدئ بها في الوقت، فأما استدامة الوقت، فلم يقع الإجماع عليه. واحتج: بأن وقت العصر وقت لا يصح أن يبتدأ فيه الجمعة، فلا يصح أن يستدام؛ دليله: قبل الوقت. والجواب: أن المسبوق بركعة إذا سلم إمامُه، يستديم الجمعة في حال الانفراد، ولا يصح أن يبتدئ بها. فإن قيل: إنما يصح أن يستديم؛ لأنه يبني على جمعة كاملة، وليس كذلك إذا خرج الوقت؛ لأنه لا يبني على جمعة كاملة. قيل: فإذا أدرك الإمام في التشهد، فإنه يبني على جمعة كاملة، ومع هذا، فلا يصح الدخول فيها، فامتنع أن يكون الاعتبار بكمالها في حق غيره، وإنما الاعتبار بفعله. وجواب [آخر] (١): وهو أن ما قبل الوقت لا يصح تحريمته بالجمعة، فلهذا لم يصح البناء، وها هنا قد صحت التحريمة، فلهذا صح البناء، والله أعلم. * * *

стр. 1272

١٦٩ - مَسْألَة: إذا أدرك المأمومُ الإمامَ في الجمعة في التشهد، صلَّى أربعًا: نص عليه في رواية الأثرم (١)، ومهنا (٢): في الرجل يدرك التشهد يوم الجمعة: يصلي أربعًا، وقال أيضًا في رواية عبد الله (٣): لولا أن الحديث الذي في الجمعة، لكان ينبغي أن يصلي ركعتين إذا أدركهم جلوسًا، وهو قول مالك (٤)، والشافعي (٥) - رحمهما الله -. وقال أبو حنيفة (٦)، وداود (٧) - رحمهما الله -: يصلي ركعتين.

стр. 1273

دليلنا: ما روى أبو بكر الأثرم قال: نا مسلم بن إبراهيم (١) قال: نا صالح بن أبي الأخضر (٢) عن الزهري، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ قال: "من أدرك من الجمعة ركعة، فقد أدرك الصلاة" (٣). وروى أبو بكر النجاد قال: قُرِئ على أبي إسماعيل (٤)، وأنا أسمع، قال: نا إبراهيم بن أبي مريم (٥) قال: نا ابن أيوب (٦) عن أسامة بن زيد الليثي (٧)، عن ابن شهاب، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة ﵁ قال: .................................

стр. 1274

قال رسول الله ﷺ (١): "من أدرك ركعة من الجمعة، فليصل إليها أخرى" (٢)، قال أسامة: وسمعت أهل المجلس: القاسم بن محمد، وسالم بن عبد الله يقولون: بلغنا ذلك (٣). ورواه أيضًا عن القاسم بن زكريا (٤) قال: أنا أحمد بن منيع (٥) قال: نا عبد القدوس بن بكر بن خُنيس (٦) .................

стр. 1275

عن ابن الأجلح (١) قال: نا الحجاج عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من أدرك من الجمعة ركعة، فليصلِّ إليها أخرى" (٢). وروى أيضًا عن قاسم (٣) قال: حدثني عبد القدوس بن محمد بن عبد الكبير (٤) قال: نا عمرو بن عاصم (٥)، نا: مطر (٦) عن نافع، عن ابن عمر ﵃، عن النبي ﷺ قال: "من أدرك من الجمعة ركعة، فليصلِّ إليها أخرى" (٧).

стр. 1276

وروى أيضًا عن بشر (١)، نا: الحميدي قال: نا عيسى بن يونس (٢) عن الأحوص بن حكيم (٣)، عن راشد بن سعد (٤): أن النبي ﷺ قال: "من أدرك من الجمعة ركعة، فليُضِف إليها أخرى" (٥). فوجه الدلالة من هذا: أنه ﵇ جعل إدراك الركعة شرطًا في إدراك الجمعة؛ لأن ذلك من ألفاظ الشرط عند أهل اللغة، فمتى فقد الشرط، يجب أن يعدم الحكم؛ لأن عدم الشرط يوجب عدم الحكم

стр. 1277

بإجماع، وإذا أدركهم في التشهد، فلم يوجد الشرط، فيجب أن لا يكون مدركًا للجمعة؛ لتعذر الشرط، وهو إدراك الجمعة. فإن قيل: هذا الخبر ضعيف، لا يثبته أهل النقل على هذا الوجه، وإنما أصله ما روى معمر، والأوزاعي، ومالك، عن الزهري عن أبي سلمة، عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ : أنه قال: "من أدرك من صلاة ركعة، فقد أدركها" (١)، فقال معمر عن الزهري (٢): ونرى (٣) الجمعة من الصلاة. فهذا أصل الحديث، وفيه دلالة على أن ذكر الجمعة فيه ليس من كلام النبي ﷺ ، لما أخبر به الزهري عن رأيه (٤)، ويجب أن يكون ذكر الجمعة من كلام الزهري أدرجوه في الحديث. قيل له: قد روينا هذا الحديث من طرق عن النبي ﷺ بهذا اللفظ، رواه الأثرم - وهو من أئمة أصحاب الحديث -، وأبو بكر النجاد أيضًا، وذكر أسامة في حديثه: أنه سمع أهل المجلس: القاسم بن محمد، وسالم بن عبد الله يقولان: بلغنا ذلك، وهذا يدل على ثبوته عندهم، وقولهم:

стр. 1278

لو كان عن النبي ﷺ لم يخبر به الزهري عن رأيه؛ فقد روينا (١) عن الأثرم: أنه روى هذا من طريق الزهري عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ : "من أدرك من الجمعة ركعة، فقد أدرك الصلاة" (٢)، وليس يمتنع أن نحتج تارة بعموم الخبر، وتارة بخصوص خبر آخر. فإن قيل: فلو ثبت أنه من كلام النبي ﷺ ، يدل على أن ما دونها حكمه بخلافه؛ لأن دليل الخطاب ليس بحجة، وقد رُوي عن النبي ﷺ : أنه قال: "من أدرك ركعة من العصر، فقد أدرك العصر" (٣)، وحكم ما دونها بمثابته في لزوم العصر بإدراكه. قيل له: دليل الخطاب عندنا حجة، ولنا أن نبني فروعنا على أصولنا، وعلى أن هذا احتجاج من طريق الشرط من الوجه الذي بيّنا، وعدم الشرط يمنع ثبوت الحكم إجماعًا، وقوله ﵇: "من أدرك ركعة من العصر، فقد أدرك العصر"، لو خلّينا وحكم الشرط، لم يكن مدركًا لها بما دون الركعة، لكن قام دليل على بقاء الحكم بعدم الشرط.

стр. 1279

وأيضًا: ما روى أبو بكر النجاد قال: نا قاسم (١) قال: نا يوسف (٢)، والرمادي (٣)، والدقيقي (٤)، وابراهيم بن راشد (٥)، قالوا: نا أبو عاصم (٦) عن ياسين (٧) بن معاذ (٨) قال: أخبرني ابن شهاب عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة ﵃: أن رسول الله ﷺ قال: "من أدرك من الجمعة ركعة، أضاف إليها أخرى، ومن أدركهم جلوسًا، صلى أربعًا الظهر، أو: الأولى"، ياسين شك (٩).

стр. 1280

ورواه أبو الحسن الدارقطني بهذا اللفظ أيضًا (١) وروى أيضًا بإسناده (٢) عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ : أنه قال: "من أدرك ركعة من الجمعة، فليصلِّ إليها أخرى، ومن فاتته الركعتان، فليصلَّ أربعًا"، أو قال: "الظهر"، أو قال: "الأولى" (٣). وروى أيضًا بإسناده (٤) عن أبي هريرة ﵁: أن النبي ﷺ قال: "إذا أدرك أحدكم الركعتين يوم الجمعة، فقد أدرك الجمعة، وإذا أدرك ركعة، فليركع إليها أخرى، وإن لم يدرك ركعة، فليصلِّ إليها أربع ركعات" (٤). وفي لفظ آخر بإسناده (٤) عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ : "من أدرك [الركوع] (٥) من الركعة الآخرة يوم الجمعة، فليضف إليها أخرى، ومن لم يدرك الركوع من الركعة الآخرة، فليصلِّ الظهر أربعًا". وروى أيضًا بإسناده (٤) في لفظ آخر عن أبي هريرة ﵁: سمعت النبي ﷺ يقول: "إذا أدركت الركعة الآخرة من صلاة الجمعة، فصلِّ

стр. 1281

إليها ركعة، وإذا فاتتك الركعة الآخرة، فصلِّ الظهر أربع ركعات"، وهذا الخبر نص. فإن قيل: يُحمل قوله ﵇: "وإن أدركهم جلوسًا، صلى أربعًا"، على أنه كلام الراوي، أدرجه في الحديث؛ كما روى قتادة عن الحسن، عن عقبة بن عامر ﵃، عن النبي ﷺ أنه قال: "عهدة الرقيق ثلاثة أيام، إن وجد داءً في الثلاث، ردَّ بغير بينة، وإن وجد بعد الثلاث، كلف البينة أنه اشتراه وبه الداء" (١)، والكلام الآخر من عند قوله: "وإن وجد داء" من كلام قتادة (٢). قيل له: الظاهر من حال الراوي إذا قال: قال النبي ﷺ ، وعطف عليه كلامًا، فإنه من كلام النبي ﷺ ، فلا يجوز إضافته إلى الراوي إلا بدليل، على أنا قد روينا ما يسقط (٣)، وهو اللفظ الآخر عن أبي هريرة ﵁: سمعت النبي ﷺ يقول: "إذا أدركت الركعة الآخرة من صلاة الجمعة، فصلِّ إليها ركعة، وإذا فاتتك الركعة الآخرة، فصلِّ الظهر أربع ركعات"، وهذا خطاب مواجهة، يمنع التأويل.

стр. 1282

فإن قيل: لو ثبت أنه من كلام النبي ﷺ ، حملناه على أنه أدركهم جلوسًا بعد ما سلم الإمام التسليمة الأولى؛ لئلا يظن الظان: أنه أدركه قبل الثانية أنه يبني عليها جمعة. قيل: هذا يسقط فائدة تخصيص الجمعة؛ لأن غيرها من الصلوات إذا أدرك الإمام وقد سلم الثانية، لا يكون مدركًا لها، وعلى أنا قد روينا في لفظ آخر: "ومن فاتته الركعتان، صلى الظهر"، والركعتان عبارة عن الركوع والسجود، فاقتضى ظاهره: أنه متى لم يدرك ذلك، لم يكن مدركًا للجمعة. والقياس: أنه لم يدرك ركعة من الجمعة في جماعة، فوجب أن لا يكون مدركًا للجمعة، أصله: الإمام إذا افتتح بالقوم الجمعة، ثم تفرقوا عنه قبل أن يتم ركعة؛ ولأنه لم يدرك مع الإمام ما يعتد به عن فرضه، فلم يدرك به الجمعة، أصله: إذا أدركه قبل التسليمة الثانية. فإن قيل: لا نسلم أنه لم يدرك مع الإمام ما يعتد به؛ لأنه قد أدرك معه تكبيرة الإحرام، وهي مما يعتد بها. قيل له: تكبيرة الإحرام لم يدركها؛ لأن الإمام كَبَّرَ في أول صلاته، فالتكبير الذي يأتي بعده في هذا الحال يأتي به ليدخل معه في الصلاة، لا أنه يأتي به مع الإمام. فإن قيل: فالمعنى فيه: إذا أدركه وقد سلم الأولة (١)، فقد خرج

стр. 1283

من الصلاة، فلهذا لم يكن مدركًا لها، وليس كذلك ها هنا؛ لأنه أدرك قبل الخروج منها. قيل له: لا نسلم هذا الأصل؛ لأنه لا يخرج من الصلاة عندنا إلا بالتسليمة الثانية، وقد تقدم الكلام في هذه المسألة، وأما في الفرع، فإنه يبطل به إذا دخل معه في الصلاة، ثم تفرقوا قبل أن يعقدها بسجدة، فإنه قد أدركه قبل خروجه من الصلاة، ولا يكون مدركًا للجمعة، وأيضًا: فإن فرض الانفراد لا يسقط بما دون الركوع، أصله: إذا أدركه ساجدًا، فسجد معه، لم يكن مدركًا للركعة في سائر الصلوات، ولم يسقط عنه فرض الانفراد، وإذا أدركه راكعًا، فركع معه، أدرك الركعة، وسقط عنه فرض الانفراد من القيام، والقراءة. فإن قيل: ما ذكرتموه من العلل ينتقض به إذا أحرم مع الإمام بالجمعة، ثم زحم عن الركعتين جميعًا، فإنه يدرك الجمعة، وإن لم يدرك معه ركعة في جماعة، ولا أدرك ما يعتد به، وقد سقط فرض الانفراد بما دون الركوع. قيل له: اختلفت الرواية عن أحمد ﵀ في هذه المسألة، فروى أبو الحارث (١)، ويعقوب بن بختان (١)، وبكر بن محمد (١)، وأحمد بن القاسم (١): يصلي ركعتين، ليس بمنزلة من أدرك الجلوس وحده، وهو اختيار ......................................................

стр. 1284

أبي بكر الخلال (١) ونقل ابن منصور (٢)، وصالح (٣)، والحسن بن حسان (٤): يستقبل الصلاة - في رواية -، وفي رواية: يصلي أربعًا، وفي رواية: كأنه لم يدخل في الصلاة، يصلي أربعًا، وهو اختيار أبي بكر عبد العزيز (٥)، وهو الصحيح عندي، وأنه لا تصح له جمعة، فعلى هذه الرواية: لا يدخل على شيء مما ذكرنا؛ لأنه لم يدرك ركعة في الجماعة، لم يصح له جمعة، ولم يسقط فرض الانفراد عنه، ومن يختار من أصحابنا الرواية الأولة، يحتاج إلى زيادة في العلة، فيقول: لم يدرك تكبيرة الإحرام مع الإمام، ولا ركعة في جماعة، وإن قال: لم يدرك مع الإمام ما يعتد به، صح أيضًا؛ لأنه إذا كبر معه تكبيرة الإحرام، فقد أدرك معه ما يعتد به، وها هنا لم يدرك التكبيرة مع الإمام. واحتج المخالف: بما رُوي عن النبي ﷺ : أنه قال: "فما (٦) أدركتم فصلُّوا، ...............................................................

стр. 1285

وما فاتكم فاقضوا" (١)، ومعلوم أنه أراد: ما فاتكم من صلاة الإمام، وقد فاته من صلاته ركعتان، فيجب أن يقضيهما. والجواب: أن من أصحابنا - وهو الخرقي - يقول (٢): إذا فاته الركعتان، أحرم مع الإمام بنية الظهر. فعلى هذا لم يدرك من صلاة الإمام شيئًا، فيبني عليه، وإذا كان كذلك، فالخبر وارد فيمن أدرك من الصلاة شيئًا، وذلك وارد في سائر الصلوات غير الجمعة. ومنهم من قال: يدخل بنية الجمعة، فإذا سلم، صرف نيته إلى الظهر، وهو قول أبي إسحاق (٣)، فعلى هذا: الخبرُ عامٌّ في الجمعة، وغيرها؛ بدليل: أخبارنا، وهي خاصة. واحتج: بأنه لو أدرك من الصلاة ركعة، بنى عليها، فإذا أدرك دونها، كان له أن يبني عليها، قياسًا على المسافر إذا دخل خلف المقيم. والجواب: أن إدراك المسافر من صلاة المقيم إدراكُ إيجاب؛ فإنه

стр. 1286

يلتزم به أربع ركعات، فاستوى قليله وكثيره، وليس كذلك الإدراك من الجمعة؛ فإنه إدراكُ إسقاط؛ لأنه لو صلى منفردًا، لوجب أن يصلي أربعًا، فلم يجز أن يسقط فرض الانفراد إلا بإدراكٍ تام، وهو إدراك ركعة. وجواب آخر: وهو أن صلاة المسافر لو أدرك خلف المقيم من أولها أقلَّ من ركعة، ثم زالت الجماعة، كان مدركًا لها، وليس كذلك الجمعة؛ لأنه لو أدرك من أولها أقلَّ من ركعة، ثم زالت الجمعة، لم يكن مدركًا لها، فبان الفرق بينهما. واحتج: بأنه أدرك الإمام مع بقاء التحريمة، فأشبه لو أدرك معه الركعة. والجواب: أنه يبطل به إذا أحرم مع الإمام، ثم تفرقوا قبل الركعة، فإنه أدرك الإمام مع بقاء التحريمة، ولا يكون مدركًا، ثم المعنى في الأصل: أنه أدرك ركعة في جماعة، وها هنا لم يدرك، فهو كما لو تفرقوا، أو أدركهم بعد التسليمة الأولى. واحتج: بأن دخوله في الجمعة مع الإمام بغير الفرض، موجودة في آخر الصلاة؛ لوجوده في أولها؛ بدلالة: نية الإقامة، ودخول المسافر في صلاة المقيم. والجواب عنه: ما تقدم من الفرق. واحتج: بأنه يكون مدركًا للجماعة، وإن لم يدرك ما يعتد به، كذلك في باب الجمعة.

стр. 1287

والجواب: أنه لو أدرك من أول صلاة الجماعة دون الركعة، ثم تفرقت الجماعة، أدرك حرمة الجماعة، ولو أدرك مثل ذلك من الجمعة، لم يدرك الجمعة، فبان الفرق بينهما. فإن قيل: أليس قد قال أحمد ﵀ في رواية عبد الله (١): إذا أدرك التشهدَ مع الإمام من صلاة العيد، صلَّى ركعتين، وإن أدرك من الجمعة مثلَ ذلك، صلَّى أربعًا؟ فقد جعله مدركًا للعيد بإدراك التشهد، يجب أن يكون في الجمعة مثل ذلك. قيل له: إنما قال ذلك في العيد؛ لأن الرواية مختلفة عنه في صفة القضاء، فنقل حنبل (٢)، وصالح (٣): إن صلى ركعتين، أجزأه، وإن صلَّى أربعًا، أجزأه. فعلى هذه الرواية: إذا أدركه في التشهد، يصلي ركعتين؛ كما لو انفرد بالقضاء، صلَّى ركعتين، ونقل أبو طالب عنه (٤): يصلي أربعًا. فعلى هذه الرواية: إذا أدركه في التشهد، يقضي أربع ركعات، وكلامه - في رواية عبد الله - خرج على أن القضاء يكون ركعتين، وإذا كان

стр. 1288

كذلك، فلا فرق بينهما في التحقيق. * * * ١٧٠ - مَسْألَة: تصح (١) الجمعة بغير سلطان (٢) في أصح الروايتين: نص عليها في رواية إسماعيل (٣)، فقال: إذا كانوا أهل قرى على مسيرة يوم [من] (٤) المصر، فعليهم الجمعة، ويكون ذلك بإذن الإمام، وإن كان بغير إذن الإمام، فلا بأس إذا كانوا خمسين. وكذلك نقل الميموني عنه (٥)، فقال: إذا كانوا أربعين، جمّعوا، يخطبهم أحدُهم، ويصلي بهم ركعتين، قيل له: فإن كانوا بغير أمر أمير؟ فقال: ليس في الحديث أمير، ولكن عطاء حسنه (٦).

стр. 1289

وكذلك نقل حرب عنه (١): في القرية الصغيرة إذا لم يكن فيها أمير؟ إن شاؤوا أمّروا رجلًا يخطب بهم، ويجمّع بهم، وهو جائز. وكذلك نقل أبو الحارث عنه (٢) - وقد سأله عن الجمعة بلا إمام؟ -، قال: نعم، قد صلى عليٌّ بالناس، وعثمان ﵄ محصور، ونقل أيضًا: إذا مات الإمام، ولم يعلم بموته، وحضرت الجمعة، وصلى الناس الجمعة، ودُعي له، وهو ميت، فالصلاة صحيحة. فقد نص على أنها تصح بغير سلطان. وهو قول مالك (٣)، والشافعي (٤)، وداود (٥) ﵃. وفيه رواية أخرى: لا تصح بغير سلطان، نص عليه في مواضع: فقال في رواية يعقوب بن بختان (٦): في الإمام إذا مات، ولم يعلم به، وخطب يوم الجمعة (٧)، ثم علم أنه قد مات، يعيدون.

стр. 1290

وقال أيضًا في رواية بكر بن محمد عن أبيه (١): وإنما يجمِّع من أَمرهم الإمام، ولهم منبر، يجمِّعون، ولا يصلُّون الظهر (٢) أربعًا. وكذلك نقل عبد الله (٣)، فقال: إذا كانوا أربعين رجلًا، جمّعوا بإذن الإمام. وكذلك نقل المروذي (٤): أنه قال: الجمعة تجب على الأربعين إذا أمرهم السلطان أن يجمِّعوا. وكذلك نقل محمد بن الحسن بن هارون (٥) - وقد سئل عن الجمعة في القرى؟ -، فقال: إذا أذن لهم السلطان. فقد نص على أنها تقف على السلطان. وهو قول أبي حنيفة ﵀ (٦). ولا تختلف الرواية عن أحمد ﵀ في المتغلب، والخارج: أنه تجوز صلاة الجمعة خلفه (٧)، .........................

стр. 1291

نص عليه في رواية يعقوب بن بختان (١): في الخوارج إذا غَلَبوا على موضع، وصلَّوا الجمعة، تجزئ من صلى معهم الجمعة؛ لأن له يدًا باسطة، وأمرًا نافذًا، فيصير بمنزلة الإمام العادل، ولهذا إذا حكم بقضاء، وولَّى قاضيًا (٢)، نفذ قضاؤه؛ لأن القاضي يحتاج إلى يد باسطة، وأمر نافذ، وهذا موجود في المتغلب، ولا يوجد في غيره. وجه الرواية الأولة، وأنها تصح بغير سلطان: قوله تعالى: ﴿إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الجمعة: ٩]، ولم يشترط السلطان. فإن قيل: صلاة الجمعة لها شرائط، وليس في الآية بيان شيء منها، فهي مجملة، فلا يصح الاحتجاج بظاهرها. قيل له: ما أجمعنا عليه من الشرط، أثبتناه، وما اختلفنا فيه، وجب نفيه على ظاهر الآية. وأيضًا: روى أبو بكر بإسناده عن أبي ذر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ وهو يتوضأ، فحرَّك (٣) رأسه كهيئة المتعجب، قلت: يا رسول الله! وماذا تعجب منه؟ فقال: "أناس من أمتي يُميتون الصلاة، ويؤخرونها عن وقتها"، قلت: فما تأمرني إن أدركت ذلك؟ قال: "صلّ الصلاة لوقتها، واجعل

стр. 1292

صلاتك معهم سُبْحَة" (١)، ولم يفرق بين الجمعة وغيرها، وقد أخذ أحمد ﵀ بظاهر هذا الحديث في الجمعة، فقال في رواية صالح (٢)، وابن منصور (٣) - وقد سئل: إذا أخروا الصلاة يوم الجمعة؟ -، فقال: يصليها لوقتها، ويصليها مع الإمام. وأيضًا: ما روى أبو بكر بإسناده عن عبيد الله (٤) بن عدي بن الخيار (٥): أخبره: أنه دخل على أمير المؤمنين عثمان ﵁ الدار، وهو محصور، وعلي بن أبي طالب ﵁ يصلي بالناس، فقال له: يا أمير المؤمنين! إني أتحرَّج من الصلاة مع هؤلاء، وأنت الإمام، فكيف ترى في الصلاة معهم؟ فقال عثمان ﵁: إن الصلاة أحسنُ ما يعمل الناس، فأحسنْ معهم إذا أحسنوا، وإذا أساؤوا، اجتنب إساءتهم (٦).

стр. 1293

فوجه الدلالة: أن عليًا ﵁ صلى الجمعة، وعثمان ﵁ محصور، وكان السلطان في ذلك الوقت عثمان. فإن قيل: الإمام لم يمكنه أن يصلي بهم، وعندنا: أنه إذا كان هناك سبب يمنع الإمامَ أو خليفتَه عن الحضور، فعلى المسلمين إقامة رجل يصلي بهم الجمعة، وهذا كما فعل المسلمون يوم مؤتة لما قُتل الأمراء: زيد بن حارثة، وجعفر بن أبي طالب، وعبد الله بن رواحة ﵃، اجتمعوا على خالد بن الوليد ﵁ (١)، وكذلك إذا مات سلطان بلد، جاز لهم أن يقيموا لهم رجلًا ينفذ الأحكام، ويقيم الحدود. قيل له: قد كان يمكن الوصول إلى الإمام، والى إذنه، ولهذا دخل عبيد الله بن عدي بن الخيار، واستأذنه، فلو كان إذنه شرطًا، لفعل عليّ، ومن تابعه ذلك. فإن قيل: يجوز أن يكون استأذنه. قيل: لو كان استأذنه، لنقل، كما نُقل تقدمُه، وصلاته، وكما نقل استئذان عبيد الله بن عدي بن الخيار. والقياس: أنها صلاة مفروضة، فوجب أن لا يكون السلطان شرطًا في إمامتها؛ دليله: سائر الصلاة، أو نقول: صلاة يصح فعلها بإذن الإمام، فصح فعلُها بغير إذنه؛ كسائر الصلوات؛ ولأنها صلاة لا يعتبر إذن الإمام في تمام العدد منها، فلا يعتبر في المقصورة الناقصة، دليله: صلاة

стр. 1294

السفر، ويريد بالتامةِ العددِ: الظهرَ، ولأنها عبادة لا يختص الإمام بفعلها، فلا يقتصر إقامتها إلى إذنه، أصله: الصلاة، والصوم، والاعتكاف، والحج، وغير ذلك، ولا يلزم عليه الحدود؛ لأن الإمام يختص بفعله، أو من استخلفه الإمام، والجمعةُ، فكلُّ أحد يفعلها كما يفعل سائر العبادات. فإن قيل: المعنى في سائر العبادات: أن يجوز أن يقيمها كل واحد من الناس على الانفراد، فلم يكن من شرطها السلطان، وليس كذلك الجمعة؛ لأنه ليس لكل واحد أن يقيمها على الانفراد، فهي كالحدود. قيل له: منتقض بالغزو؛ فإنه لا يجوز أن يقيمه كل واحد من الناس على الانفراد، ولا الدخول إلى دار الحرب بغير إذن الإمام، ومع هذا: إذا اجتمعوا، وكانت لهم منعة، كان لهم دخولها من غير إذنه، وأما الحدود، فالكلام عليها يأتي - إن شاء الله تعالى -. واحتج المخالف: بأن الأصل الظهر، وإنما نقل الفرض إلى الجمعة بشرائط، فمتى اختلف في شرائطها، لم يجز الانتقال عن الظهر إليها إلا بدلالة. والجواب: أنَّ ما أجمعنا عليه من الشرط أثبتناه، وما اختلفنا فيه، وجب نفيه، إلا أن تقوم دلالة على إثباته. واحتج: بأنه لا يصح لكل أحد من الناس إقامتها على الانفراد، فوجب أن يكون من شرطها: السلطان؛ دليله: الحدود. والجواب: أنه ينتقض بما ذكرنا من الغزو، وأنه لا يجوز أن يقيمه

стр. 1295

كل أحد على الانفراد، ولهم فعله إذا كانت [لهم] منعة بغير إذن الإمام، وعلى أن الحد يقف فعلُه على الإمام، أو خليفته، ولا يشاركه فيه أحد، فكان موقوفًا على إذنه، والجمعة، فهو والرعيةُ في فعلها سواء، فلم تكن مختصة به، ولا موقوفة على إذنه؛ كسائر العبادات؛ ولأن إقامة الحدود تفتقر إلى اجتهاد الإمام بضرب من المصلحة، وذلك أن الحد عقوبة، فلو جعلت لكل واحد من الرعية، دخلها الحَيْف، والغَرَر، وقصد كل واحد فيه التشفي، ودرك الغيظ، وفي ذلك فساد، ولأنه يدخلها الاجتهاد في وجوبه، وفي وقت إقامته، والآلة التي يقام بها، ويختلف باختلاف من وجب عليه، وليس كذلك الجمعة؛ فإنه لا يدخلها الاجتهاد في وجوبها، وأفعالها، فهي كسائر الصلوات. فإن قيل: فالجمعة مختلَف في موضع إقامتها، وفي العدد الذي تنعقد به. قيل له: إلا أن هذا الاختلاف لا يفتقر إلى اجتهاد الإمام، والحد يفتقر إلى اجتهاد الإمام؛ للمعنى الذي ذكرنا. واحتج: بأنه لم ينقل من لدن النبي ﷺ إلى يومنا هذا إقامةُ الجمعة إلا بسلطان، فعلم أنه شرط فيها، ألا ترى أنه لما لم ينقل إقامتها إلا بالخطبة، كانت شرطًا؟ والجواب: أنا قد نقلنا: أن علي بن أبي طالب ﵁ أقامها بغير سلطان، وكذلك روى ابن المنذر (١) عن ابن مسعود ﵁: أنه صلى بالناس

стр. 1296

لما أبطأ الوليد بن عقبة بالخروج، وصلى أبو موسى ﵁ بالناس حين أخرجوا سعيد بن العاص ﵁. ثم هذا يبطل بالخطبتين؛ فإنه لم ينقل من لدن النبي ﷺ إلى يومنا هذا إقامةُ الجمعة إلا بخطبتين، ومع هذا، فليستا شرطًا عنده، وتجزئ فيهما كلمة واحدة، ولم يُنقل ذلك، وكذلك الحج، والجهاد، لم ينقل من لدن النبي ﷺ إلى يومنا هذا إلا بسلطان، ومع هذا ليس بشرط فيه. فإن قيل: هو شرط في جواز الجمع بين الصلاتين بعرفات، والجمع بينهما من أسباب الحج. قيل له: هذا غلط؛ لأن الجمع ليس بشرط في الحج، ويصح وإن لم يجمع، والله أعلم. * * * ١٧١ - مَسْألَة ويجوز أن يجمّع في مصر واحد في موضعين (١) إذا كان

стр. 1297

هناك حاجة تدعو إلى ذلك، مثل: البلد الكبير الذي تلحق المشقة في اجتماعهم في موضع واحد (١): وهذا ظاهر كلام الخرقي ﵀؛ لأنه قال (٢): وإذا كان البلد كبيرًا يحتاج إلى جوامع، فصلاة الجمعة في جميعها جائزة. فاعتبر الحاجة، وكذلك ذكر شيخنا. وقد أطلق أحمد ﵀ القول في رواية المروذي (٣) - وقد سئل عن صلاة الجمعة في مسجدين؟ -، فقال: صلِّ، فقيل له: إلى أي شيء تذهب؟ قال: إلى قول عليّ ﵁ في العيد: أنه أمر رجلًا يصلي بضَعَفَة الناس. وكذلك نقل أبو داود عنه (٤): أنه سئل عن المسجدين اللذين يجمع فيهما ببغداد، هل فيه شيء متقدم؟ فقال: أكثرُ ما فيه أمرُ عليّ ﵁ أن يصلي بالضعفة. فقد أجاز ذلك على الإطلاق، وهذا محمول على الحاجة، وبه قال

стр. 1298

محمد بن الحسن (١)، وداود (٢) - رحمهما الله -. وقال مالك (٣)، والشافعي (٤)، وأبو يوسف (٥) ﵏: لا يجوز إقامتها في بلد واحد في موضعين، وقد نقل الأثرم (٦) في كتاب العلل عن أحمد ﵀ نحو هذا، فقال: قيل لأبي عبد الله: هل علمت أن أحدًا جمع جمعتين في مصر واحد؟ فقال: علي بن أبي طالب ﵁ أمر رجلًا أن يصلي بضعفة الناس في المسجد، وصلى في الجبانة (٧)، ذلك في العيد، فأما جمعتان في مصر واحد، فلا أعلم أحدًا فعله، وجمعة بعد جمعة لا أعرفه. والدلالة على جواز ذلك: أنها صلاة يجوز أن تجمع في مسجد واحد، فجاز أن تفعل في مسجدين؛ دليله: صلاة العيد، وسائر الصلوات،

стр. 1299

وقد رُوي عن علي ﵁: أنه كان يستخلف أبا مسعود الأنصاري ﵁ ليصلي بضَعَفَة الناس صلاة العيد، ويخرج هو إلى الجبانة، فيصلي بالناس، وحكمُ الجبانة حكمُ المصر (١). فإن قيل: لا حجة في حديث علي ﵁؛ لأن أبا بكر النجاد روى بإسناده عن حنش (٢) قال (٣): قيل لعلي ﵁: إن ضعفاء من ضعفاء [الناس] (٤) لا يستطيعون الخروج إلى الجبانة، فأمر رجلًا يصلي بالناس أربع ركعات: ركعتين (٥) للعيد، وركعتين (٥) لمكان خروجهم إلى الجبانة. وإذا ثبت أنه صلى بهم أربعًا، لم تكن صلاة عيد. قيل له: روى النجاد بإسناده عن أبي إسحاق (٦): أن عليًا ﵁ أمر

стр. 1300

رجلًا يصلي بضعفاء الناس في المسجد ركعتين (١). وقال أحمد ﵀ في رواية المروذي، والفضل: قد رُوي عن علي ﵁ من غير وجه: ركعتان (٢)، والرواية التي رُوي فيها: أربعًا لا حجة فيها؛ لأنه قد رُوي فيها: أنه قال: ركعتان للعيد، وركعتان لمكان خروجهم [إلى] الجبانة، وهذا يقتضي أنه كان يصلي صلاة العيد ركعتين منفردتين، وركعتين كفارة؛ لمكان الخروج إلى الجبانة. فإن قيل: صلاة العيد تطوع، ويجوز فعلُها في السفر والحضر، متفرقين ومجتمعين، فلهذا جاز فعلُها في مسجدين، وأكثر. قيل له: هي واجبة عندنا، ومن شرطها الاستيطانُ، والجماعة، والإمام - على إحدى الروايتين -، وقد نص على إيجابها في رواية المروذي (٣)، وجعفر بن محمد (٣) - وقد سئل عن العيد: أواجب هو؟ -، قال: نعم، فإن خرج بعضهم، فقد أجزأ. فقد نص على وجوبها على الجماعة، ونص على الجماعة والإمام في رواية جعفر بن محمد (٣): في أهل القرى يصلون أربعًا، إلا أن يخطب رجل، فيصلون ركعتين، وقد ذكره أبو بكر، وبناه على الجمعة، وأن من
следующие страницы →