القبر، قال: هذه السنة.
وهذا يقتضي سنة النبي ﷺ .
وروى أبو حفص بن شاهين في كتاب الجنائز بإسناده عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "يدخل الميت من قبل رجليه، ويسل سلًا"، وهذا نص.
ولأن أبا بكر بن المنذر قال في كتابه: (والذي أحب أن يفعل ما يفعله أهل الحجاز قديمًا وحديثًا يسلون الميت سلًا من قبل رجلي القبر)، وإذا كان هذا عادتهم [وجب] (١) المصير إليه؛ لأن عادتهم متداولة عن النبي ﷺ وأصحابه.
فإن قيل: روي عن إبراهيم النخعي قال: حدثني من رأى أهل المدينة في الزمن الأول يدخلون موتاهم من قبل القبلة، وإن السل شيء أحدثه أهل المدينة.
قيل له: لا يجوز أن يتفقوا على غير المتواتر بينهم مع اختلاف هممهم إلا بأمر قاهر من سلطان، ولما لم ينقل هذا دل على أنه لا أصل للتغيير.
ولأنه يمد مدًا فهو أسهل من إدخاله من قبل رأسه، ومن إدخاله عرضًا.
واحتج المخالف: بما روى أبو سعيد ﵁ قال: أُخذ رسول الله ﷺ ،
стр. 1682
وأبو بكر، وعمر ﵄ من قبل القبلة.
وروي عن ابن عباس ﵄: أن النبي ﷺ أخذ من قبل القبلة.
والجواب: أن أحمد بن أبي عبدة قال: قلت لأحمد: حديث يحيى بن يمان عن المنهال بن خليفة عن حجاج عن عطاء عن ابن عباس ﵃: أن النبي ﷺ أخذ من قبل القبلة؟ فلم يصحح الحديث.
وقد قيل: إن قبر النبي ﷺ على يمين الداخل لاصق بالجدار، والجدار الذي تحته قبلة الميت، وإن لحده تحت الجدار، فكيف يدخل معترضًا، واللحد لاصق بالجدار، ولا يقف عليه شيء، ولا يمكن إلا أن يسل، وهذا يدل على ضعف الحديث.
وروى النجاد بإسناده عن ابن عباس ﵄: أن رسول الله ﷺ أدخل من قبل رجل القبر.
روى أبو بكر النجاد بإسناده عن الزهري عن سالم عن أبيه ﵄: أن النبي ﷺ سُلَّ سلًا.
وهذا يدل على اضطراب الخبرين، القصة واحدة، وقد اختلف فيها! فيجب أن يوقف فيها حتى ينظر على أي جهة وقعت.
واحتج: بأنه لما احتجنا إلى أن نختار له بعض الجهات دون بعض وجب أن يختار جهة القبلة، كما لو أردنا أن نصلي عليه، فالأحياء تختار لهم من الجهات جهة القبلة في الصلاة، والجلوس.
والجواب: أن جهة القبلة إنما تختار في المواضع الذي يحصل
стр. 1683
التوجه إليها، فأما في هذه المواضع فلا يحصل التوجه إلى القبلة، فلا يكن لاعتبار جهة القبلة معنى، والله أعلم.
* * *
٩٥ - مَسْألَة: يسنم القبر ولا يسطح:
نص عليه في رواية صالح، وقال: أعجب إلي أن يكون القبر مسنمًا.
وكذلك نقل أبو طالب، ونقل الأثرم عنه: أرجو أن لا يدعوا التسنيم.
وهو قول أبي حنيفة ﵀.
وقال الشافعي ﵀: يسطح على وجه الأرض نحوًا من شبر.
دليلنا: ما روى أبو بكر النجاد بإسناده عن عبد الله بن الحسن ﵄ قال: رأيت قبر النبي ﷺ مسنمًا.
وروى أيضًا بإسناده عن إبراهيم ﵁ أن النبي ﷺ سنم قبره.
وبإسناده أيضًا عن محمد بن علي ﵄ قال: دخلت البيت الذي فيه قبر النبي ﷺ ، فرأيت قبره، وقبر أبي بكر، وقبر عمر ﵄ مسنمًا.
وبإسناده أيضًا عن الشعبي ﵁ قال: رأيت قبور شهداء أحد مسنمة.
وبإسناده أيضًا عن محمد ابن الحنفية ﵄ أنه جعل قبر ابن عباس ﵄ مسنمًا.
وبإسناده أيضًا عن خالد بن أبي عثمان عن رجل قال: رأيت قبر
стр. 1684
ابن عمر ﵄ بعد ما دفن بأيام مسنمًا.
وإذا كان عادتهم هذا وجب المصير إليه؛ لأن عادتهم متداولة.
وروى بعضهم عن إبراهيم النخعي قال: أخبرني من رأى قبر النبي ﷺ وصاحبيه ﵄ مسنمة ناشزة عليها فلق من مدر بيض.
ولأن التسنيم أبعد من الشبه بأبنية الدنيا، والتسطيح يشبهها، ولا خلاف أنه قد خولف بين القبر وبينها، ولهذا لم يجصص ولم يزوق.
فإن قيل: التسنيم يشبه الآزاج (١)، والتسطيح يشبه الدكاك، فليس لأحدهما مزية على الآخر.
قيل: التسنيم الذي نعتبره لا يشبه الأراح الذي هي أبنية الدنيا.
واحتج المخالف: بما روي عن القاسم بن محمد بن أبي بكر ﵃ قال: رأيت قبر النبي ﷺ ، وقبر أبي بكر، وعمر ﵄ مسطحًا.
والجواب: أنه ليس في هذا الخبر دلالة على التسطيح؛ لأنه يجوز أن يكون مبطوحة البطحاء، وهي مسنمة.
واحتج: بما روى علي ﵁ قال: بعثني النبي ﷺ أن لا أدع قبرًا مشرفًا إلا سويته ولا صورة إلا طمستها.
والجواب: أن هذا محمول على القبور التي عليها البناء والجص ونحوه.
стр. 1685
واحتج: بأن النبي ﷺ سطح قبر ابنه إبراهيم ﵇، وأن مقبرة المهاجرين والأنصار مسطحة قبورهم.
والجواب: أنه يجوز أن يكون قد سطح جوانبها وسنَّم وسطها، وعلى أنا قد روينا خلاف ذلك.
واحتج: بأن التسطيح أمن من الانهدام من التسنيم، فيجب أن يكون أولى كما أن التسنيم أولى من جعله على صورة الاسطوانة لهذه العلة.
والجواب: أنه يجب أن يكون بناؤه بالجص، والآجر، والساج أولى من اللبن، لهذا المعنى، والله أعلم.
* * *
٩٦ - مَسْألَة: يكره الجلوس قبل أن توضع الجنازة لمن تقدم عليها:
نص عليها في رواية ابن منصور فقال: من تبع الجنازة فلا يجلس حتى توضع عن أعناق الرجال.
وكذلك نقل حنبل عنه فقال: لا يقعد من تبع الجنازة حتى توضع أو تخلفه إلا أن يتقدمها فيقعد حتى تلحقه.
وقال في موضع آخر في مسائل حنبل: فمن تبع الجنازة لا يقعد حتى توضع، قيل له: عند القبر أو في اللحد؟ قال: عند القبر أو للصلاة عليها
وظاهر هذا أنه لم يعتبر وضعها في اللحد، وبهذا قال أبو حنيفة ﵀.
стр. 1686
وقال مالك، والشافعي ﵄: يجوز الجلوس قبل وضعها.
دليلنا: ما روى أبو عبد الله بن بطة بإسناده عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا تبعتم جنازة فلا تجلسوا حتى توضع".
وروى أيضًا بإسناده عن أبي سعيد الخدري ﵁ عن النبي ﷺ : "إذا تبع أحدكم جنازة فلا يجلس حتى توضع".
ولأن الجنازة متبوعة، ومن معها تبع لها، والتابع لا يجلس قبل جلوس متبوعه، فالذين مع السلطان لا يجلسون قبله.
واحتج المخالف: بما روى ابن بطة عن عبادة بن الصامت ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ يقوم في الجنازة حتى توضع في اللحد، فمر حبر من اليهود فقال: هكذا نفعل، فقال رسول الله ﷺ : "اجلسوا وخالفوهم".
والجواب: أنا نحمل قوله: "اجلسوا"، قبل أن يوضع في اللحد، وبعد أن يوضع على شفير القبر، فتكون المخالفة لهم في الامتناع من الجلوس قبل أن توضع في اللحد.
ويحتمل أن يكون قوله: "خالفوهم واجلسوا"، ليبين أن ذلك مباح، وليس بمحرم، والله أعلم.
* * *
٩٧ - مَسْألَة: ويجوز تطيين القبر:
стр. 1687
نص عليه في رواية أبي داود، والأثرم وقد سئل عن تطيين القبور؟ فقال: أرجو أن لا يكون به بأس.
وقال أبو حنيفة ﵀: لا تطين القبور.
دليلنا: ما روى أبو بكر النجاد قال: قُرئ على عبد الملك بن يحيى قال: حدثنا عبد الله بن مسلمة قال: حدثنا عبد العزيز بن محمد عن جعفر بن محمد عن أبيه ﵁ أن النبي ﷺ رفع قبره من الأرض شبرًا، وطين بطين أحمر من العرض، وجعل عليه من الحصا.
وروى أبو بكر بإسناده عن جابر بن زيد ﵁: أنه كان لا يرى بتطيين القبور بأسًا.
ولأنه لو لم يفعل ذلك لهبت الريح بالتراب، ولعفى القبر ودرس، ولهذا أجازوا رش الماء عليه لهذه العلة، وقال أحمد ﵀ في رواية حنبل: لا بأس برش الماء على القبر، قد رُشَّ على قبر النبي ﷺ .
ولأن النبي ﷺ قد أمر بتسوية القبور فروى أبو علي الهمداني قال: كنا مع فضالة بن عبيد ﵁ بأرض الروم فتوفي صاحب لنا فأمر فضالة بقبره فسوي، ثم قال: سمعت النبي ﷺ يأمر بتسويتها.
وروى نافع عن ابن عمر ﵄: أنه كان يأتي قبره أبيه فيأمر بما وهى منه فيصلح.
واحتج المخالف: بما روى النجاد قال: حدثنا إبراهيم بن عبد الله قال: حدثنا القعنبي قال: حدثنا عيسى بن يونس عن الأحوص بن حكيم
стр. 1688
عن أبيه أو راشد بن سعد ﵁: أن رسول الله ﷺ نهى أن يكتب على قبور المسلمين أو تطين أو تجصص.
والجواب: أن هذا محمول على الطين الذي لا حاجة إلى القبر فيه، وهو الطين الذي فيه تحسين للقبور، وزينة له، فيجري مجرى التجصيص.
واحتج: بأنه لما لم يجز تجصيصها، لم يجز تطيينها.
والجواب: أن التجصيص لا حاجة به إليه، وفيه شبه بأبنية الدنيا، وليس كذلك الطين؛ لأنها تحتاج إليه من الوجه الذي ذكرنا، وليس فيه زينة، فهو كرش الماء، وكالسنام في القبر، والله أعلم.
* * *
٩٨ - مَسْألَة: إذا دفن الميت من غير غسل نبش سواء أُهيل عليه التراب أو لم يهل:
وقد قال أحمد ﵀ في رواية أبي داود وقد سئل عن ميت دفن ونسوا الصلاة عليه وذكروا من ساعتهم؟ نبش وصلي عليه، وإذا تأخر صلي على القبر؛ لأنه ربما تفسخ.
فإذا جاز نبشه للصلاة عليه مع إمكان الفعل بعد الدفن، فأولى أن يجوز للغسل مع عدمه.
وهو قول الشافعي ﵀.
стр. 1689
وحكي عن أبي حنيفة ﵀ أنه إن أهيل عليه التراب لم ينبش، ولم يغسل، وإن لم يهل عليه التراب نبش، وهكذا قالوا إذا دفن ووضع إلى غير القبلة فإن لم يهل عليه التراب وجه به إلى القبلة وإن أهيل عليه ترك.
دليلنا: أنه فرض مقدور عليه، فوجب فعله كما لم يهل عليه التراب.
واحتج المخالف: بأن النبش محرم لحق الله تعالى؛ لأنه مثلة، فيجب أن يمنع منه.
والجواب: أن المثلة إنما تحصل إذا تطاول الزمان، وخيف عليه الحدثان، وقد سئل أحمد ﵀ في رواية جعفر بن محمد في الرجل يدفن فيسقط في القبر الشيء مثل الفأس والدراهم هل ينبش؟ فقال: إن كان له قيمة، قيل له: فإن كان أعطاه أولياء الميت؟ فقال: إذا أعطوه حقه إيش يريد.
فقد أجاز نبشه لحق الغير.
* * *
٩٩ - مَسْألَة: يكره المشي في المقبرة بنعلين:
نص عليه في رواية حنبل، فقال: هذا أمر من النبي ﷺ : "يا صاحب السبتيتين ألقهما".
стр. 1690
وكذلك نقل الأثرم فقال: أما أنا أخلع نعلي على حديث بشير.
وقال أكثرهم: لا يكره ذلك.
دليلنا: ما روى أبو [بكر] (١) النجاد بإسناده عن بشير بن الخصاصية ﵁: أن النبي ﷺ رأى رجلًا يمشي بين القبور في نعلين، فقال: "يا صاحب السبتيتين ألقهما".
وروى أبو بكر بن جعفر عن بشير بن الخصاصية: أن رسول الله ﷺ رأى رجلًا يمشي بين القبور بنعلين، فقال: "يا صاحب النعلين ألقهما".
ولا يصح حمله على أنه كان فيهما نجاسة؛ لأنه روى حكمًا وهو: المنع، وسببًا وهو: المقبرة، فدل على تعلقه به.
ولأن حمله على ذلك يسقط فائدة الخبر؛ لأن ذلك منهي عنه بغير هذا الخبر.
ولأنه لباس نهى الشرع عنه مطلقًا، فمنع منه كالخفين في حق المحرم، والمخيط.
ولأنه منتعل دخل المقابر، فكان منتهيًا عنه، دليله: الذي نهاه النبي ﷺ .
واحتج المخالف: بما روي عن النبي ﷺ أنه قال: "ليسمع خفق نعالهم إذا ولوا"، هذا يدل على جواز الدخول بالنعل.
والجواب: أن أحمد ﵀ أجاب عن هذا في رواية أبي النصر
стр. 1691
إسماعيل بن عبد الله العجلي: أن هذا على طريق المثل، قال أبو بكر: يعني بذلك أنه على المثل من شرعه ما ترجع إليه الروح، ومعناه أن القصد به أنه يسمع ويحس بهم في الحال انصرافهم، ولم يقصد به نفس النعل.
واحتج: بأنه لما جاز دخولهما بالخف والشمشك، جاز بالنعلين، ولا فرق بينهما.
وقد روى الفضل بن زياد قال: رأيت أحمد يمشي بين القبور في خفيه في يوم طين.
وكذلك نقل يعقوب بن بختان قال: رأيت أبا عبد الله يدخل بالمقابر في خفيه.
وكذلك نقل عبد الله عن أبيه أنه إذا أراد أن يخرج بجنازة لبس خفيه، وكان يأمر بخلع النعال.
والجواب: أن في خلع الخف مشقة؛ لأنه قد يكون مسح عليهما، فيؤدي إلى نقض الطهارة، ولهذا قالوا: لا يسجد على كور العمامة، ويسجد وفي رجليه خفيه لهذه العلة.
ولا يلزم على هذا أن نمنع من الدخول بشمشك؛ لأنه أمن فيه هذا، وما رأيت عن أصحابنا رواية فيه، ولأنه لا يمنع أن يختص المنع بلباس دون لباس، كالمحرم منع من الخفين، دون النعلين، والله تعالى أعلم.
* * *
стр. 1692
١٠٠ - مَسْألَة: يكره الجلوس على القبر والاتكاء عليه وتوطيه (١):
نص على هذا في رواية حنبل فقال: لا يقعد على القبور، ولا يتحدث عندها، ولا يتغوط بين القبور، كل ذلك مكروه.
وكذلك نقل أبو طالب، وهو قول الشافعي ﵁.
وقال مالك ﵀: لا يكره ذلك إلا أن يفعله ليبول.
دليلنا: ما روى النجاد بإسناده عن جابر ﵁ سمعت رسول الله ﷺ : ينهى أن يقعد على القبر ويبنى عليه.
وروى أيضًا بإسناده عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لأن يجلس أحدكم على جمرة حتى تحرق ثوبه خير له من أن يجلس على قبر".
وروى بإسناده عن أبي مرثد الغنوي ﵁ سمعت رسول الله ﷺ يقول: "لا تجلسوا على القبور ولا تصلوا إليها".
وروى باسناده عن عمرو بن حزم ﵁ سمعت رسول الله ﷺ يقول: "لا تقعدوا على القبور"، وفي لفظ آخر عنه قال: رآني رسول الله ﷺ جالسًا على قبر، فقال: "انزل عن القبر لا تؤذي صاحبه ولا يؤذيك".
فإن قيل: النهي محمول على الجلوس لأجل التغوط، بدليل:
стр. 1693
ما روى النجاد بإسناده عن عون بن عبد الله (١) قال: لقيت واثلة بن الأسقع ﵁ فقلت: ما أهبطني إلى الشام غيرك حدثني مما سمعت من رسول الله ﷺ ، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "اللهم ارحمنا واغفر لنا"، ونهانا أن نصلي إلى (٢) القبور أو نجلس عليها، فسألته عن الجلوس فقال (٣):
قيل: النهي عام، وحمله على التغوط تخصيص بغير دليل.
ولأن في الجلوس عليه استخفافًا بصاحب القبر، واستهانة به، وهو لا يجوز.
فإن قيل: روى النجاد بإسناده عن نافع قال: رأيت ابن عمر ﵄ ما لا أحصي يقعد على قبر.
قيل له: يعارض هذا ما رواه النجاد بإسناده عن ابن مسعود ﵄ قال: لأن أطأ على رضف أو على جمرة أحما إلي من أن أطأ على قبر.
وروى بإسناده عن سالم البزاز عن ابن عمر ﵄ مثل ذلك.
وبإسناده عن أبي هريرة ﵁ قال: لأن أجلس على جمرة تحرق ثيابي أحب إلي من أن أجلس على قبر.
* * *
стр. 1694
١٠١ - مَسْألَة: وقت التعزية بعد الموت، وقبل الدفن وبعده:
وقد قال أحمد ﵀ في رواية حنبل: أكره التعزية عند القبر إلا لمن لم يعز فيعزي إذا دفن أو قبل أن يدفن.
فقد نص على وقت التعزية قبل الدفن أو بعده، وهو قول الشافعي ﵀.
وحكي عن أبي حنيفة ﵀ قال: وقت التعزية قبل الدفن، فأما بعده فلا.
دليلنا: ما روى النجاد بإسناده عن الأسود عن عبد الله ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "من عزى مصابًا كان له مثل أجره".
وروى بإسناده عن عبد الله بن أبي بكر بن عمرو بن حزم عن أبيه عن جده ﵃: أن رسول الله ﷺ قال: "من عزى مصابًا بمصيبته كساه الله حلل الكرامة يوم القيامة، ومن عاد مريضًا خاض في الرحمة حتى يدخل بيته".
وهذا عام قبل الدفن وبعده.
ولأن ما بعد الدفن أولى بالتعزية؛ لأن ما دام بين ظهراني أهله لم يحصل اليأس التام، وإنما يحصل ذلك بعد الدفن.
* * *
стр. 1695
١٠٢ - مَسْألَة: إذا ماتت امرأة حامل، وعسر خروج الولد، فإنه لا تشق بطنها:
نص عليه في رواية عبد الله فقال: لا يشق بطنها إن شاء الله يخرجه أخرجه ينتظر بها ما دام حيًا.
وكذلك نقل أبو داود عنه فقال: لا يشق، كسر عظم الميت ككسره حيًا.
وقد روى الأثرم عنه أنه سئل: عن المرأة تموت وفي بطنها ولد حي أيشق بطنها؟ فقال: قد قيل: كسر عظم الميت ككسره حيًا، ثم قال: ما أدري.
فقد توقف عنه في رواية الأثرم، وصرح به في رواية عبد الله، وأبي داود.
وقال الشافعي ﵀: يشق بطنها؛ ليخرج الولد.
دليلنا: ما روى أبو بكر بإسناده عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : "كسر عظم الميت ككسره حيًا"، وهذا يمنع من شق بطنها كما يمنع من ذلك حالة الحياة؛ لأنه شبه كسر العظم بعد الموت بكسره حال الحياة.
وأيضًا نهى النبي ﷺ عن المثلة بعد الموت وقال: "إذا قتلتم فأحسنوا القتلة وإذا ذبحتم فأحدوا الشفرة".
стр. 1696
ولأنه بالشق لا يتوصل إلى المقصود، وهو حياة الجنين؛ لأنه يموت بموت أمه، والحركة الموجودة فهي لخروج الروح.
وقد روى أبو بكر بإسناده عن إسحاق بن راهويه قال: سمعت النضر بن إسماعيل يقول وهو يعجب ممن أقر بهذا قال: سمعت الرعاء تقول: ما في الدنيا مولود في البطن إلا ويخرج روحه بروح أمه.
فإن قيل: فإذا كان الأمر على ما ذكرت فلا معنى لأن تسطو القوابل عليه فيخرجوه، وقد قال أحمد في رواية صالح: إن لم يقدر عليه النساء فليسطو عليه رجل فيخرجه.
قال في رواية عبد الله: إن لم يقدر عليه النساء يسطو عليه الرجل.
فقد اتفقت الرواية عنه في النساء تسطو عليه ليخرجوه من جوفها.
واختلفت الرواية في الرجل هل يجوز له أن يفعل ذلك بها عند تعذر النساء أم لا؟ فلو أنه يرجى حياته لم يكن لذلك معنى.
قيل له: إنما يقال هذا إذا كان هناك أمارات الظهور بانفتاح المخارج، وإرجاف الولد، وقوة الحركة، فأما إن لم يوجد ذلك، فلا يفعلوا شيء من ذلك.
واحتج المخالف: بأنه قد تقابل حرمتان: حرمة الحي، وهو الولد، وحرمة الميت، فيجب مراعاتها.
والجواب: أن هذا صحيح لو تحققنا بقاء الحركة، وقد بينا أن الجنين يموت بموت أمه، فليس ها هنا حرمة متحققة.
стр. 1697
فإن قيل: فما تقولون فيه لو بلعت جوهرة وماتت، هل يشق بطنها؟ قيل: لا نعرف الرواية عن أحمد في ذلك، وظاهر كلامه في رواية أبي داود: لا يشق بطنها؛ لأنه قال: كسر عظم الميت ككسره حيًا.
وهذا يمنع من شق جوفها حال الحياة.
وعلى أنه لا يشبه الجنين؛ لأن المقصود يتحقق (١) وجوده بالشق، وهو خروج الجوهرة، ولا يتحقق المقصود في الجنين؛ لما ذكرنا من أنه يموت بموت أمه، فلهذا فرقنا بينهما، والله تعالى أعلم.
* * *
١٠٣ - مَسْألَة: إذا لم يحضر أقارب المرأة، فإنه يدخلها الثقات من النساء على ما نقله الخرقي خلافًا لأصحاب الشافعي ﵀ في قولهم: لا مدخل للنساء في الدفن بحال:
دليلنا: أن من جاز له غسلها كان له مدخل في إدخالها قبرها كالزوج.
ولأن ما جاز أن يليه الزوج جاز أن يليه النساء كالغسل.
ولأن الفتنة تؤمن من جهتين، ولهذا قدموا الخصيان من الرجال؛ لأنه لا شهوة لهم.
стр. 1698
واحتج المخالف: بأن هذا من الأمور التي يحتاج إلى بطش وقوة، فكانت الرجال أولى.
والجواب: أن الغسل بهذه المثابة ومع هذا للنساء فيه مدخل.
واحتج: بأن المرأة عورة كلها إلا الوجه … (١) أن ما يكشفه منها ما هو عورة.
والجواب: أن الثوب الذي عليها يسترها (٢)، والله أعلم.
* * *
١٠٤ - مَسْألَة: العدد الذي يدخله القبر غير منحصر:
قال في رواية ابن منصور: وقد سئل كم يدخل القبر؟ قال: ما شاؤوا.
وقال في رواية أبي داود: إن شاء شفعًا، وإن شاء وترًا خلافًا لأصحاب الشافعي ﵏ في قولهم: المستحب أن يكون العدد وترًا.
دليلنا: أنه لما لم يستحب أن يكون الحامل والمصلي ثلاثة كذلك الدفن.
واحتج المخالف: بما روي عن النبي ﷺ أنه قال: "إن الله وتر يحب الوتر".
стр. 1699
والجواب: أنه محمول على غير مسألتنا فقد روي في الحديث أوتروا يا أهل القرآن.
واحتج: بما روي أن النبي ﷺ أدخله القبر ثلاثة: العباس وعلي واختلف في الثالث فقيل: الفضل بن العباس وقيل: أسامة ﵃.
والجواب: أنه قد روي أن عبد الرحمن بن عوف ﵁ كان فيمن ألحده، رواه أبو بكر الخلال بإسناده عن الشعبي قال: حدثني من رأى في قبر النبي ﷺ أربعة فيهم عبد الرحمن بن عوف ﵃.
واحتج بأنه لما كان المستحب الغاسل والمكفن ثلاثة، كذلك ها هنا.
والجواب: أنا لا نسلم ذلك، والله أعلم.
* * *
١٠٥ - مَسْألَة: لا يكره البكاء بعد خروج الروح كما لا يكره قبل خروجها:
قال الفضل بن زياد: رأيت أحمد ﵀ يبكي على محمد بن عاصم، وهو يدفن.
خلافًا للشافعية في قولهم: وقت البكاء قبل خروج الروح، ويكره بعد خروجها.
دليلنا: ما روى أبو بكر الخلال بإسناده عن أبي هريرة ﵁: أن النبي ﷺ زار قبر أمه فبكى وأبكى من حوله، وقال: "سألت ربي أن أزور قبر أمي فأذن لي، واستأذنته أن أستغفر لها فلم يأذن لي".
стр. 1700
ولأنه إذا جاز البكاء عليه حذر الموت جاز البكاء حزنًا لأجل الموت؛ لأن [البكاء قبل خروج الروح] إنما هو حذر من الموت.
واحتج المخالف: بما روي أن النبي ﷺ جاء إلى عبد الله بن ثابت ﵁ يعوده فوجده قد غلب فصاح النسوة وبكين، فجعل ابن عتيك يسكتهن، فقال رسول الله ﷺ : "دعهن فإذا وجب فلا تبكين باكية" قيل: يا رسول الله ما الوجوب؟ قال: "الموت".
والجواب: أنه محمول على الندب، فالنياحة التي كانت عادتهم يفعلونه بعد الموت.
واحتج: بأن ما قبل الموت يرجى، فالبكاء عليه حذر، فإذا مات انقطع الرجاء، فلا معنى للبكاء.
والجواب: أن البكاء حذرًا أو حزنًا، فالبكاء لهما، ولهذا روي أن النبي ﷺ أخذ ابنه إبراهيم ﵇ في حجره وهو يقضي فقال: "تدمع العين ويحزن القلب، ولا نقول ما يسخط الرب، وإنا عليك يا إبراهيم لمحزونون"، وهذا يدل على أن دمع العين للحزن عليه، والله أعلم.
* * *
١٠٦ - مَسْألَة: إذا دفن قبل أن يصلى عليه، أُخرج وصلي عليه:
وقد نص عليه في رواية أبي داود في ميت دفن ونسوا الصلاة عليه
стр. 1701
فذكروا من ساعتهم؟ نبش القبر وصلي عليه، وإذا تأخروا صلوا على القبر.
خلافًا لأكثرهم في قولهم: لا يخرج ويصلى على القبر.
دليلنا: أن مشاهدته في الصلاة عليه مقصودة، ولهذا المعنى لو لم يدفن وصلي عليه من وراء حائل لم يجز، فوجب إخراجه ليحصل المقصود، كما لو قالوا في دفنه متوجهًا إلى القبلة مقصود وليس (١).
ثم قالوا: لو دفن غير متوجه أُخرج ليحصل المقصود، كذلك ها هنا.
فإن قيل: التوجه لا يمكن فعله إلا بعد إخراجه، ليس كذلك الصلاة عليه يمكن فعلها على القبر وإن لم يخرج (٢).
* * *