مظعون وكبر أربعًا.
وروى أبو هريرة ﵁: أن النبي ﷺ نعى النجاشي اليوم الذي مات فيه، وخرج إلى المصلى بهم، فصف بهم فكبر أربع تكبيرات.
وروى أبو أمامة بن سهل بن حنيف ﵄: أن النبي ﷺ صف الناس على قبر مسكينة فكبر أربع تكبيرات.
فهذه الأخبار تدل على الأربع.
وروى أبو بكر بإسناده عن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال: كان زيد بن أرقم ﵁ يكبر على جنائزنا أربعًا وإنه كبر على جنازة خمسًا، فسألته، فقال: كان رسول الله ﷺ يكبرها.
وروى كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف عن أبيه عن جده ﵃: أن رسول الله ﷺ كبر خمسًا.
وهذه الأخبار تدل على الخمس.
وروى أبو بكر النجاد قال: حدثنا عبد الله بن أحمد قال: حدثني أبي قال: حدثنا وكيع قال: حدثنا سفيان عن عامر بن شقيق عن أبي وائل قال: جمع عمر ﵁ الناس فاستشارهم في التكبير على الجنازة، فقال بعضهم: كبر النبي ﷺ سبعًا، وقال بعضهم: خمسًا وقال بعضهم: أربعًا، فجمع عمر ﵁ على أربع كأطول الصلاة.
وهذا الخبر يدل على أن النبي ﷺ كبر سبعًا، وأنهم اختاروا الأربع اختيارًا.
стр. 1647
وروى النجاد أيضًا بإسناده عن الشعبي عن ابن مسعود ﵁ قال: قال: ما حفظنا التكبير على الجنائز عن رسول الله ﷺ قد كبر أربعًا وخمسًا وسبعًا فما كبر إمامك فكبر.
وروى أبو بكر بن جعفر بإسناده عن علقمة عن عبد الله أنه قال: كبروا ما كبر الإمام لا وقت ولا عدد.
وروى عبد خير قال: كان علي ﵁ يكبر على البدريين ستًا (١)، وعلى أصحاب رسول الله ﷺ خمسًا (١)، وعلى سائر الناس أربعًا.
وروى النجاد، وأبو حفص العكبري في كتابه بإسناده عن موسى بن عبد الله بن يزيد: أن عليًا ﵁ كبر على أبي قتادة سبعًا.
وروى أيضًا بإسناده عن بكر بن عبد الله قال: لا ينقص من ثلاث تكبيرات ولا يزاد على سبع.
وهذا يدل على جواز الزيادة على الخمس، وإذا ثبت هذا وجب الأخذ بالزائد، كما قلنا في العيدين.
فإن قيل: المتأخر من فعل النبي ﷺ أنه كبر أربعًا، فيجب الأخذ بالمتأخر ويسقط ما قبله.
وقد روى أبو بكر النجاد بإسناده عن أبي إسحاق قال معمر (٢): بلغني أن عمر ﵁ جمعهم فسألهم عن أحدث جنائزهم صلى عليها
стр. 1648
رسول الله ﷺ ، فشهدوا أنه صلى على أحدث جنازة وأنه كبر أربعًا، فجمع عمر ﵁ على أربع.
وروى أيضًا بإسناده عن ميمون بن مهران قال: حدثنا ابن عمر ﵄ قال: آخر ما كبر رسول الله ﷺ على الجنائز أربعًا، وكبر أبو بكر على فاطمة ﵂ أربعًا، وكبر الحسن بن علي على علي ﵄ أربعًا، وكبر الحسين على الحسن ﵄ أربعًا، وكبر علي على يزيد بن المكفف (١) ﵄ أربعًا، وكبر عبد الله بن عمر على أبيه ﵄ أربعًا، وكبرت الملائكة على آدم ﵇ أربعًا، وكبر ابن الحنفية (٢) على ابن عباس ﵃ أربعًا، وإذا كان هو المتأخر من فعل النبي ﷺ وجب الأخذ به دون غيره.
قيل له: التأخر من فعل النبي ﷺ يدل على الاستحباب والفضيلة، ولا يدل على منع الجواز فيما زاد على ذلك، ونحن نقول: إن الأفضل الأربع، وإنما كلامنا إن كبر زيادة هل تجوز متابعته أم لا؟ وليس في الخبر ما يمنع.
واحتج المخالف: بأن كل تكبيرة من تكبيرات الجنازة قائمة مقام ركعة، وقد بينا أن الإمام لو زاد في صلاته ركعة، لم يلزم المأموم متابعته، كذلك إذا زاد في صلاة الجنازة تكبيرة.
стр. 1649
والجواب: أنا لا نسلم أن كل تكبيرة قائمة مقام ركعة، ألا ترى أنا نقول: إذا فاته شيء من التكبير مع الإمام استحب له قضائه، فإن سلم مع الإمام ولم يقض جازت صلاته ولو كانت قائمة مقام ركعة بطلت صلاته، كما تبطل بترك ما كان من الركوع، وهذا فصل يأتي الكلام عليه فيما بعد مستوفىً إن شاء الله تعالى.
* * *
٨٤ - مَسْألَة: يرفع يديه مع كل تكبيرة:
نص عليه في رواية الميموني فقال: يرفع يديه مع كل تكبيرة على الجنازة، وكذلك نقل إسحاق بن منصور قال: رأيت أحمد ﵀ يصلي على الجنازة، فكان يرفع يديه في تكبيره، ويضع يمينه على شماله.
وبه قال الشافعي ﵀.
وقال أبو حنيفة ﵀: لا يرفع يديه إلا في الأولى.
دليلنا: ما روى أبو بكر بإسناده عن نافع عن ابن عمر ﵄: أنه كان يرفع يديه في كل تكبيرة.
ولا يجوز (١) على ابن عمر مع فقهه وكثرة صلاته خلف رسول الله ﷺ على (١) ظهور التكبيرات من الإمام.
стр. 1650
ولأنها تكبيرة يقطع طرفاها في القيام، فوجب أن يستحب لها رفع اليدين، أصله: تكبيرة الافتتاح، وقد قيل: تكبيرة من صلاة الجنازة، فسن لها الرفع، دليله: ما ذكرنا.
ولأنها تكبيرة مفعولة في حال القيام أشبه تكبيرات العيدين.
ولأن أبا حنيفة ﵀ قد قال: إذا كبر للقنوت في حال القيام رفع يديه فدل على ما ذكرنا.
واحتج المخالف: بما روي عن النبي ﷺ أنه قال: "لا ترفع الأيدي إلا في سبعة مواطن" فذكر منها: عند الافتتاح للصلاة.
والجواب عنه: ما تقدم في الصلاة.
واحتج: بأن كل تكبيرة من صلاة الجنازة قائمة مقام ركعة، وقد ثبت أنه لا ترفع الأيدي في أول كل ركعة، كذلك لا ترفع في كل تكبيرة.
والجواب: أنا لا نقول: إنها قائمة مقام ركعة، وسنبينه إن شاء الله فيما بعد.
* * *
٨٥ - مَسْألَة: القراءة شرط في صحة صلاة الجنازة:
نص عليه في رواية عبد الله فقال: الصلاة على الميت: يرفع يديه فيكبر، ثم يقرأ بفاتحة الكتاب، ثم يكبر ويرفع يديه، فيصلي على
стр. 1651
النبي ﷺ ، وعلى الملائكة المقربين، ثم يرفع يديه ويكبر ويدعو للميت، ثم يرفع يديه فيكبر ويخلص الدعاء للميت، ويقف قليلًا بعد الرابعة ويسلم.
وروى أبو داود، وأحمد بن حسين بن حسان عنه نحو هذا.
وهو قول الشافعي ﵀.
وقال أبو حنيفة ﵀: لا يقرأ في صلاة الجنازة، ولكن يكبر الأولى، ويحمد الله تعالى ويثني عليه، ثم يكبر الثانية ويصلي على النبي ﷺ ، ثم يكبر الثالثة فيشفع للميت، ثم يكبر الرابعة ويسلم.
دليلنا: ما روى أبو بكر النجاد بإسناده عن مقسم ﵁ قال: أمرنا رسول الله ﷺ أن نقرأ على الجنازة بفاتحة الكتاب.
وروى أيضًا بإسناده عن شهر بن حوشب عن أم شريك ﵄ قالت: أمرنا رسول الله ﷺ أن نقرأ على الجنازة بأم القرآن.
وهذا أمر، والأمر يقتضي الوجوب.
فإن قيل: نحمل ذلك على أنه أمرهم بذلك على وجه الدعاء.
قيل له: أم القرآن وفاتحة الكتاب لا تسمى دعاء، فلا معنى يحمل الخبر عليه.
وروى أيضًا بإسناده عن مقسم [عن]، ابن عباس ﵄ أن رسول الله ﷺ كان يقرأ على الجنازة بفاتحة الكتاب.
فإن قيل: نحمل هذا على أنه قرأها على وجه الدعاء.
стр. 1652
قيل له: من سمع منه قراءة الفاتحة لا يقال: دعاء، وإنما يقال (١): قرأ فلم يصح هذا السؤال.
وروى أيضًا بإسناده عن عثمان النهدي عن امرأة منهم يقال لها: ابنة (٢) عفيف قالت: بايع رسول الله ﷺ النساء فأخذ عليهن أن لا يحدثن من الرجال إلا محرمًا، وأمرنا أن نقرأ على ميتنا (٣) بفاتحة الكتاب.
وروي أيضًا عن أسماء بنت يزيد ﵂: أن النبي ﷺ كان يقرأ على الجنازة بفاتحة الكتاب.
وروى أيضًا بإسناده عن عباد بن أبي سعيد المقبري قال: صلينا على جنازة بمكة فقام حبرنا ابن عباس ﵄ فكبر ثم قرأ بفاتحة الكتاب فجهر ثم صلى على رسول الله ﷺ وقال: هكذا ينبغي الصلاة على الجنازة وإني لم أجهر إلا لتعلموا أنها كذا.
وروى يزيد بن طلحة قال: صليت خلف ابن عباس ﵄ فقرأ بفاتحة الكتاب، فقلت له، فقال لي: هي السنة.
والقياس: أنها صلاة يجب فيها القيام، فوجبت فيها القراءة مع القدرة عليها، قياسًا على سائر الصلوات، ولا يلزم عليه سجود تلاوة؛ لأنه ليس من شرطها القيام، ولا يلزم عليه الطواف؛ لأنه لا يتناوله اسم
стр. 1653
الصلاة على الإطلاق.
وإن شئت قلت: صلاة مفروضة فكان من شرطها القراءة، دليله: سائر الصلوات.
فإن قيل: سائر الصلوات فرض على الأعيان، وهذه فرض على الكفاية.
قيل: فيجب إذا تعينت على قوم أن يجب فيها القراءة، ثم فرائض الأعيان والكفاية سواء في الابتداء في توجه الخطاب، وإنما يختلفان في الانتهاء.
واحتج المخالف: بما روي عن عبد الله بن مسعود ﵁ أنه قال: لم يوقت لنا فيها قولًا ولا قراءة، كبر ما كبر الإمام، واختر من أطيب الكلام.
وروي أن مروان سأل أبا هريرة ﵁: كيف سمعت رسول الله ﷺ يصلي على الجنائز؟ قال: "اللهم أنت ربها وأنت خلقتها" (١)، وذكر دعاء.
وروى يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة عن أبي هريرة ﵁: أن رسول الله ﷺ صلى على جنازة فقال: "اللهم اغفر لحينا وميتنا"، وذكر دعاء.
وروى يونس بن ميسرة عن واثلة بن الأسقع ﵁ قال: صلى بنا رسول الله ﷺ على رجل من المسلمين فسمعته يقول: "إن فلان بن فلان في ذمتك فقه الفتن".
стр. 1654
فذكر عنه في هذه الأخبار الدعاء فيها، ولم يذكر القراءة.
والجواب عن حديث ابن مسعود ﵁: أنه لا يقتضي كراهة القراءة، وعندهم أنه يكره، وعلى أن قوله: لم يوقت لنا نفي، وخبرنا فيه إثبات والتوقيت بالفاتحة، فهو أولى.
وأما حديث أبي هريرة ﵁، وأنه سمعه يقول: "اللهم أنت ربنا اللهم اغفر لحينا وميتنا"، فلا حجة فيه على إسقاط القراءة؛ لأن الخبر قصد به بيان الدعاء الذي كان يقوله في صلاة الجنازة، ولم يتعرض لغيره من القراءة، والصلاة على النبي ﷺ .
واحتج: بأن الحاجة إلى معرفة القراءة في صلاة الجنازة كالحاجة إلى معرفة القراءة في سائر الصلوات، فلو كانت القراءة ثابتة لورد النقل بها كما ورد في سائر الصلوات، ولما لم يرد عُلِمَ أنه ليس فيها قراءة.
والجواب: أنه لا يمتنع أن تدعو الحاجة إلى معرفة، ولا يرد النقل به متواترًا كالأذان والإقامة مع حصول الاختلاف في ألفاظه والوتر مع قولهم بوجوبه.
واحتج: بأنها صلاة على الميت فلم يكن فيها قراءة، كالصلاة على القبر، وقد روى البزراطي وقد سئل: إذا صلى على القبر يقرأ في الأولى بفاتحة الكتاب كما يقرأ على الجنازة؟ قال: لا يقرأ على القبر شيئًا من القرآن.
والجواب: أن المذهب الصحيح أن القراءة واجبة في الصلاة
стр. 1655
على القبر، كوجوبها على الجنازة؛ لأن الجماعة رووا عنه جواز الصلاة على القبر من غير منع القراءة.
واحتج: بأنه ليس فيها ركوع، فوجب أن لا يكون فيها قراءة كالطواف.
والجواب: أن سقوط الركوع لا يدل على سقوط القراءة كما لا يدل على سقوط الصلاة على النبي ﷺ ، ولأن أخذ حكم القراءة من القيام أولى منه الركوع؛ لأن القيام محل القراءة، وموضع فرضها، وهو واجب في هذه الصلاة.
وأما الطواف فلا يتناوله اسم الصلاة على الإطلاق.
واحتج: بأنه ليس في جملتها قراءة السورة، فوجب أن لا يكون فيها قراءة الفاتحة، دليله: الطواف، وسجود التلاوة، ومع هذا فالقراءة فيهما غير مكروهة، كذلك ها هنا، وعلى أن السورة سقطت لضرب من التخفيف، ولهذا أسقط دعاء الاستفتاح فيها، وليس إذا دخل التخفيف من وجه يجب أن يدخل في جميع الجنس، ألا ترى أن التخفيف دخلها في دعاء الاستفتاح، ولم يوجب ذلك في بقية الأذكار من الأدعية؟!
وأما الطواف فقد تكلمنا عليه، وأما سجود التلاوة فليس من شرطه القيام.
واحتج: بأنه لو كان فيها قراءة لوجب أن يقرأ بعد كل تكبيرة؛ لأن كل تكبيرة منها قائمة مقام ركعة، ألا ترى أن من أدرك الإمام في التكبيرة
стр. 1656
الثالثة كبر معه وتابعه في الرابعة وقضى ما سبقه بعد فراغ الإمام؟! كما لو أدرك الإمام في الركعة الثالثة من الظهر أنه يتابعه في بقية صلاته، ويقضي ما سبقه به.
والجواب: أنا لا نسلم أن التكبيرات بمنزلة الركعات، وإنما هو قيام مشروع فيه تكبيرات كتكبيرات صلاة العيد، ويأتي الكلام على هذا الفصل إن شاء الله تعالى.
وعلى أن القراءة متكررة في سائر الصلوات؛ لأن محلها تكرر وهو القيام، وليس كذلك ها هنا؛ لأن محل القراءة لا يتكرر، فلم تتكرر القراءة، ولهذا المعنى سقط التشهد فيها؛ لأن محله غير موجود، وهو الجلوس.
واحتج: بأن صلاة الجنازة ركن من أركان الصلاة، وهو القيام ينفرد بنفسه، فلم يتضمن قرآنًا كسجود التلاوة والشكر.
والجواب: أن الوصف غير موجود في الأصل والفرع؛ لأن سجود القراءة هو تكبير، وسلام، وسجود، وكل واحد ركن، وصلاة الجنازة: تكبير، وقراءة، وقيام، وكل واحد ركن، وعلى أن سجود التلاوة المعنى الذي فيه ما ذكر، والله تعالى أعلم.
* * *
٨٦ - مَسْألَة: القيام شرط في صلاة الجنازة:
نص عليه في رواية ابن القاسم وقد سئل يصلي على الجنازة راكبًا؟
стр. 1657
فقال: لا، إلا من عذر.
وهو قول الشافعي ﵀.
وقال أبو حنيفة ﵀: يجوز ترك القيام من غير عذر.
دليلنا: أنها صلاة مفروضة، وكان من شرطها القيام مع القدرة عليه، دليله: سائر الصلوات.
واحتج المخالف: بأن هذه الصلاة ليست بفرض على الأعيان، فلم يكن القيام فيها شرطًا، كسائر النوافل.
والجواب: أنه يجب أن نقول: إذا تعينت وهو أن لا يكون هناك إلا رجل واحد أن يلزمه القيام للتعين، وعلى أن فرائض الأعيان والكفاية سواء في حال الابتداء، وأن الكل مخاطب بها، وإنما يختلفان في الانتهاء، وهو إذا قام به بعض سقط عن الباقين، وخلافنا في إيجاب القيام في ابتداء هذه الصلاة، فسقط هذا، والله أعلم.
* * *
٨٧ - مَسْألَة: إذا جاء والإمام قد كبر تكبيرة أو تكبيرتين كبر، ولم ينتظر الإمام في أصح الروايتين:
نص عليه في رواية الأثرم وقد سئل عن الرجل يجيء وقد فاته بعض التكبير على الجنازة أيدخل بتكبير أم يقف حتى يكبر؟ فسهل فيهما.
وبه قال الشافعي ﵀.
стр. 1658
وفيه رواية أخرى: ينتظر حتى يكبر الإمام فإذا كبر كبر معه، فإذا سلم قضى ما بقي عليه، نص عليه في رواية بكر بن محمد عن أبيه عنه وقد سئل عن الرجل إذا فاته تكبيرة على الجنازة يكبر أم ينتظر الإمام حتى يكبر معه الثانية؟ فقال: ينتظر حتى يكبر الإمام ولا يكبر كما يدخل.
وبهذا قال أبو حنيفة ﵀.
وعن مالك ﵀ روايتان: إحداهما: يكبر.
والثانية: ينتظر.
وجه الرواية الأولة: ما روي عن النبي ﷺ أنه قال: "ما أدركتم فصلوا وما فاتكم فاقضوا"، وروي: "فأتموا"، ولا يمكنه أن يصلي إلا بتكبيرة الافتتاح، فوجب أن يكبر في الحال ثم يتبعه في الباقي لظاهر الخبر.
فإن قيل: إذا كبر في هذه الحالة فقد اشتغل بقضاء الفائت قبل أن يصلي ما أدرك، وذلك لا يجوز فوجب أن لا يكبر.
قيل له: ليس بقضاء لما فات كما ليس بقضاء في سائر الصلوات، ولأنها صلاة أمر المأموم فيها باتباع الإمام فوجب أن يستحب له تكبيرة الافتتاح في الموضع الذي أدركه، قياسًا على سائر الصلوات.
واحتج المخالف: بأن كل تكبيرة منها قائمة مقام ركعة، ولو فاتته ركعة لم يجز أن يقضيها إلا بعد الفراغ، كذلك إذا فاتته تكبيرة مع الإمام يجب أن لا يقضيها إلا بعد الفراغ، والذي يدل على أنها قائمة مقام ركعة أنها تقضى بعد السلام.
стр. 1659
والجواب: أنا لا نسلم أن كل تكبيرة قائمة مقام ركعة، على أن هذا تبطل به إذا حضر مع الإمام وكبر الإمام ولم يكبر حتى فرغ الإمام من تكبيرة الافتتاح، فإن المأموم يكبر تكبيرة الافتتاح، ولو كان كما قال المخالف لوجب أن لا يكبر؛ لأنه يكون قضاء لما فات قبل فراغ الإمام من الصلاة.
فإن قيل: الحضور مع الإمام بمنزلة الدخول في صلاته ومشاركته فيها، ألا ترى أن الإمام إذا أحرم بالجمعة وخلفه العدد المشروط انعقدت جمعته فكان الحاضر معه بمنزلة المشارك؟!
قيل له: الحاضر مع الإمام إذا فاتته ركعة وهو غافل ساهٍ ثم أحرم لم يكن له أن يشتغل بالركعة الفائتة ولزمه أن يتبع الإمام فيما بقي منها، وما ذكروه من الجمعة فهو الحجة، وذلك أنه حضر ولم يدخل معه حتى صلى ركعة لم تنعقد الجمعة، وكان وجودهم كعدمهم، وإن دخلوا معه قبل ذلك فلأنه زمان يسير فعفي عنه؛ لأنه لا يمكن الاحتراز، وما ذكروه من أنه يقضي ما فاته إذا سلم الإمام، ففيه روايتان، والظاهر: أنه لا يجب عليه القضاء، وهذا يأتي الكلام فيما بعد.
وعلى أنه إذا فاته بعض تكبيرات العيدين مع الإمام كبر معه ما أدركه منها ثم قضى ما فاته على قولهم، ولم يدل هذا على أن كل تكبيرة قائمة مقام ركعة.
فإن قيل: إنما يقضي تكبيرات الجنازة بعد فراغ الإمام من الصلاة، وتكبيرات العيد يقضيها في الحال.
стр. 1660
قيل له: إنما اختلفا في هذا؛ لأن تكبيرات الجنازة إذا فرغ الإمام منها لم يبق عليه غير الخروج من الصلاة فينتظر قضاء ما فاته إلى ما بعد تسليم، وليس كذلك تكبيرات صلاة العيد، فإن على الإمام بعد التكبيرات أفعالًا كثيرة، فيكون قضاها قبل فراغ الإمام من الصلاة، والله أعلم.
* * *
٨٨ - مَسْألَة: إذا فاته بعض التكبير مع الإمام وسلم الإمام، استحب قضاها متتابعًا، فإن لم يقض لم تبطل صلاته في أصح الروايتين:
نص عليه في رواية أبي طالب وقد سئل: عمن أدرك بعض التكبيرات؟ قال: إن لم يقض لم يبال، العمري عن نافع عن ابن عمر ﵄ أنه قال: لا يقضي، وهو اختيار الخرقي.
وفيه رواية أخرى: يقضي، نص عليه في رواية صالح وحرب: في الرجل تفوته بعض التكبير يبادر قبل أن يرفع، قال أبو بكر: قد روي عنه في ذلك روايتان، واختياري: أنه يقضي.
و [به] (١) قال أبو حنيفة، ومالك، والشافعي ﵏.
وجه الأولة: ما روى النجاد بإسناده عن القاسم بن محمد عن عائشة ﵂ أنها قالت: يا رسول الله أصلي على الجنازة ويخفى علي
стр. 1661
بعض التكبير؟ قال: "ما سمعت فكبري، وما فاتك فلا قضاء عليك".
وأسنده (١) النجاد عن عبيد بن عبد الواحد قال: حدثنا سليمان بن عبد الرحمن ابن بنت شرحبيل قال: حدثنا يحيى بن حمزة قال: حدثنا الحكم بن عبد الله الأيلي عن القاسم بن محمد عن عائشة ﵂ عن النبي ﷺ .
وأيضًا ما احتج به أحمد من حديث العمري عن نافع عن ابن عمر ﵄: أنه ما كان يقضي ما فاته من التكبير على الجنازة.
وليس المقصود من الصلاة على الجنازة الدعاء، وقد قال: إنه إذا خاف رفع الجنازة قضاه متتابعًا وترك الدعاء، فأولى أن يسقط التكبير الذي ليس بمقصود، ألا ترى أن كل ركعة من الصلاة إذا فاتت فإنها تقضى بالذكر الذي فيها؟!
فإن قيل: إنما يسقط الدعاء؛ لأن الجنازة ترفع.
قيل له: وقد ترفع قبل التكبير، ولأنه كان يجب أن يدعو بعد رفعها كما يصلي على الغائب، ولأنه تكبير يتوالى في حال القيام، فإذا فات لم يجب قضاؤه، دليله: تكبير صلاة العيدين.
فإن قيل: تكبيرات العيد غير واجبة، وهذه واجبة.
قيل له: الدعاء والصلاة على النبي ﷺ واجب، ويسقط في حقه، كذلك التكبير.
стр. 1662
واحتج المخالف: بأن كل تكبيرة قائمة مقام ركعة، وقد ثبت أنه لو ترك ركعة، ولم يقضها بطلت صلاته، كذلك ها هنا.
والجواب: أنا قد أجبنا عن هذا، ومنعنا أن يكون كل تكبيرة قائمة مقام ركعة.
واحتج: بأنه لو جاز أن يسقط في حال الفوات، لجاز تركه في حال الأداء كتكبيرات العيدين، ولما لم يجز تركه في حال الأداء، كذلك إذا فات.
والجواب: أنه لو جاز اعتباره بحال الأداء لوجب أن يقضي الدعاء، والصلاة على النبي ﷺ كما يفعله في حال الأداء، وكما يقضي موجبات الركعة في حال الفوات، ولما لم يقل هذا دل على الفرق بينهما، والله أعلم.
* * *
٨٩ - مَسْألَة: يجوز أن يصلي على الجنازة من لم يصل مع الإمام قبل الدفن وبعد الدفن:
نص على هذا في رواية أبي داود، وحرب فقال: يصلي على الجنازة بعد ما صُلّي عليها قبل أن تدفن.
وقال أيضًا في رواية الأثرم، وحرب، وحنبل: ويصلي على القبر.
واحتج: بفعل النبي ﷺ ، وبهذا قال الشافعي ﵀.
стр. 1663
وقال أبو حنيفة، ومالك رحمهما الله: لا تعاد الصلاة على الميت إلا أن يكون الولي حاضرًا فيصلي عليه غيره، فيعيدها الولي.
دليلنا: ما روى أحمد ﵀ في مسائل الأثرم قال: حدثنا هشيم قال: حدثنا عثمان بن حكيم عن خارجة بن زيد بن ثابت عن عمه يزيد بن ثابت ﵃ قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ فلما وردنا البقيع إذا هو بقبر جديد، فسأل عنه، فقيل له: فلانة فعرفها، فقال: ألا آذنتموني بها، قالوا: كنت قائلًا صائمًا فكرهنا أن نؤذنك، قال: فلا تفعلوا لا يموتن فيكم ميت ما كنت بين أظهركم إلا آذنتموني به، فإن صلاتي عليه له رحمة، قال: ثم أتى القبر فصفنا خلفه فكبر أربعًا.
وروى أحمد ﵀ في المسائل قال: حدثنا أبو معاوية قال: حدثنا الشيباني عن الشعبي عن ابن عباس ﵄ أن رسول الله ﷺ صلى على قبر بعد ما دفن.
وهذا نص في الصلاة على القبر لمن لم يصل.
فإن قيل: فرض الصلاة لم يكن سقط عن الميت في ذلك الوقت إلا بصلاة النبي ﷺ بدلالة ما روي عنه أنه قال: "لا يصلي على موتاكم ما دمت بين أظهركم أحد غيري"، وقال: "إن القبور مملوءة ظلمة حتى أصلي عليها".
وإذا لم يكن فرض الصلاة سقط بصلاة غيره كانت صلاته على قبر هؤلاء فرضًا.
стр. 1664
قيل له: لا نسلم لك هذا أن فرض الصلاة في ذلك الوقت لم يكن سقط بغير صلاة النبي ﷺ ، وما ذكروه من قوله ﵇: "لا تصلوا على موتاكم ما دمت بين أظهركم"، فهذا لا يدل على أن فرض الصلاة لا يسقط إلا بصلاته، وإنما يدل على أن ذلك فضيلة للميت ورحمة.
ولأنه لو كان كما قالوا لكانوا لا يدفنون قبل إقامة فرض الصلاة عليه، ولكان ينكر عليهم دفنهم قبل صلاته عليه.
فإن قيل: يجوز أن يكون خفي ذلك عليهم.
قيل له: لا يجوز أن يخفى ذلك عليهم مع كثرة الموت، وظهور الفرض في وقتهم، ولأنهم لم يقولوا: ما علمنا ذلك، وإنما قالوا: كرهنا أن نوقظك، فدل على أنهم علموا أنه فضيلة، وليس بواجب.
فإن قيل: يجوز أن يكونوا انفردوا بالصلاة لعذر عارض، ألا ترى أنهم قالوا: كرهنا أن نوقظك؟!
قيل له: هذا النوع من العذر لا يسقط الفرض، ألا ترى أنهم كانوا يوقظونه لصلاة الفرض؟! ولما تأخر خروجه لصلاة الصبح قالوا: الصلاة خير من النوم، وكذلك لما تأخر في شدة الحر.
والقياس هو: أن كل من جاز أن يصلي على الميت إذا لم يكن قد صلي عليه، جاز أن يصلي عليه، وإن كان قد صلي عليه كالولي والوالي.
فإن قيل: الولي له حق التقدم، فليس لغيره أن يبطل حقه إلا أن يسقطه الولي، وإذا لم يسقط حقه وصلى عليه جاز وانتقضت الصلاة
стр. 1665
الأولى كما لو صلى الظهر في بيته وحضر لصلاة الجمعة انتقض ظهره، وهذا معدوم في غير الولي فيجب أن لا يعتد.
قيل له: حق التقديم الذي للولي يسقط بسقوط فرض الصلاة، وقد سقط فرض الصلاة بفعل الجماعة بالإجماع؛ لأن الولي لم يصل عليه كان فرض الصلاة على الميت ساقطًا وصلاتهم محتسبًا بها، فإذا سقط فرض الصلاة سقط حكم التقديم الذي هو حكم من أحكامها.
واحتج المخالف: بأن الصلاة على الميت فرض على الكفاية، والفرض يسقط بالأولى، والثانية تطوع، ولا يجوز أن يتطوع بالصلاة على الميت، ألا ترى أنه إذا صلى عليه وليه ثَم لم يكن له أن يتطوع بها ثانيًا؟!
وكذلك من صلى مع الولي مرة لا يتطوع بها ثانيًا، كذلك هذا، وقد نص أحمد ﵀ على هذا، وأن من صلى مرة لا يصلي ثانية في رواية أبي حامد أحمد بن نصر وقد سئل: أيصلي الرجل على الجنازة ثم يصلي عليها مرة أخرى؟ فقال: إذا صلى مرة تكفيه، ولكن من لم يصل على الجنازة، فإذا وضعت فإن شاء صلى على القبر.
والجواب: أن سقوط المفروض في حقه لا يمنع صحة الصلاة على الجنازة، بدليل: أن النساء ليس عليهن فرض الصلاة، ومع هذا فإنه تصح صلاتهن، وعلى أنه ليس إذا لم يجز تكرارها من واحد لم يجز من اثنين، بدليل: أن الولي لو صلى عليها مرة كره أن يصلي ثانيًا، ولو صلى
стр. 1666
عليه غيره، جاز له أن يصلي عليها، وكذلك من سلم على جماعة فرد بعضهم سقط الفرض عن الجماعة، ولو رد الباقون بعد الأول كان الرد صحيحًا، ولو رد الأول مرة ثانية لم يعتد بالثاني، كذلك مثله في مسألتنا.
واحتج: بأنه لما لم يجز لمن أداها مرة أن يتطوع بها، لم يجز لمن لم يؤد كالغسل، والتكفين، والدفن، ولأنه فرض يتعلق بالميت، فإذا أدى [الفرض] (١) على سنته لم يتطوع به بعد ذلك، قياسًا على ما ذكر، فإنه لا يلزم عليه إمرار الماء عليه في المرة الثانية، والثالثة، وكذلك الزيادة على الثوب الواحد في الكفن؛ لأن الزيادة من سنة هذا الفرض، وقد قلنا: فإذا أدى الفرض على سنته لم يتطوع به بعد ذلك.
والجواب: أنه ليس إذا لم يجز تكرار الغسل، والتكفين، والدفن لم يجز تكرار الصلاة، الدليل عليه: أن الولي لا يكرر ذلك مرة ثانية إذا كان قد فعله غيره، وتكرر ذلك في الصلاة عليه؛ لأن في إعادة الغسل والتكفين تأخير دفنه وحبسه إلى أن يتغير، فلهذا لم يجز إلا مرة، وليس كذلك الصلاة؛ لأنها دعاء وشفاعة فلم يكن في تكريرها وإعادتها ضرر على الميت.
واحتج: بأنه لو جاز أن يتطوع بها لجاز أن يصلي على قبر النبي ﷺ واتفقوا أنه لا يجوز فثبت ما قلنا.
والجواب: أنه إنما لم تجز الصلاة على قبر النبي ﷺ اليوم؛ لأنه
стр. 1667
قال: "لا تجعلوا قبري مسجدًا"، وقال: "لعن الله اليهود اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد".
فإن قيل: هذا ينصرف إلى الصلاة التي فيها الركوع والسجود، فأما الصلاة على الميت فليس فيها سجود، فكيف يصير الموضع بها مسجدًا؟ واشتقاق المسجد من السجود.
قيل له: الناس يطلقون على الموضع الذي بني للصلاة على الموتى الجنائز، فإذا كان كذلك سقط هذا.
وجواب آخر: وهو أن الصلاة على القبر إنما تجوز إلى شهر، وما زاد على ذلك لا يجوز، وهذا معدوم في حق النبي ﷺ .
واحتج: بأنها صلاة مفروضة، فوجب أن لا يتطوع بها كسائر الصلوات المفروضات.
والجواب: أن هذا غير مسلم في الأصل؛ لأن المفروضات يتطوع بها، وهو إذا صلى الفرض منفردًا ثم حضرت الجماعة، فإنه يستحب إعادتها، وتكون الثانية نافلة، فيجب أيضًا أن تقولوا في صلاة الجنازة كذلك.
* فصل:
ولا يصلى على القبر بعد شهر، نص عليه في رواية حرب، والأثرم، وحنبل.
واختلف أصحاب الشافعي ﵏ منهم من قال: مثل هذا.
стр. 1668
ومنهم من قال: يصلي عليه الولي صلى عليه إلى ثلاث (١).
دليلنا على جواز الصلاة بعد ثلاث: ما روى أحمد ﵀ في مسائل الأثرم قال: حدثنا يحيى بن سعيد قال: حدثنا ابن أبي عروبة عن قتادة عن سعيد بن المسيب أن أم سعد بن عبادة ماتت، ورسول الله ﷺ غائب فأتى سعد بن عبادة فأخبره فصلى على قبرها، وقد (٢) أتى لذلك شهرًا، وهذا نص.
ولأن ما زاد على الثلاث مدة لم تزد على الشهر، فجاز الصلاة فيها على القبر، دليله: الثلاث فما دون.
والدلالة على أنه لا تجوز الصلاة بعد شهر هو: أن القياس يمنع الصلاة على الميت في الجملة؛ لأنه لو كان مشروعًا بعد الموت، لكان مشروعًا في حقه حال الحياة، كالدعاء له، والصدقة عنه، ولما لم يكن ذلك مشروعًا حال الحياة، كذلك بعد الموت، وإنما أثبتنا ذلك بالسنة، وأكثر ما روي في ذلك حديث أم سعد ﵄ وأن النبي ﷺ صلى عليها وقد أتى شهر، وبقي ما زاد على موجب المنع.
فإن قيل: فالخبر حجة عليكم؛ لأنه روي أنه صلى على أم
стр. 1669
سعد بعد شهر.
قيل: أجاب عن هذا أبو بكر فيما سأله أبو إسحاق: قول الراوي: "بعد شهر"، يريد به شهرًا كقوله تعالى: ﴿وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ﴾، يريد: الحين.
ولأنه لو جاز الصلاة عليه ما لم يعلم أنه قد بلي، لجاز وإن علم أنه قد بلي، كالدعاء له، والاستغفار، ولما لم يجز ذلك وجب أن يكون المرجع في ذلك إلى تقدير الشرع.
ولأنها مدة تزيد على الشهر، فلم يجز أن يصلي فيها على القبر، أصله: إذا بليت أرماسه.
ولأنها صلاة وجبت بالشرع، فكان لها وقت معلوم تفوت به كالفرائض، ولأنه لو جاز الصلاة عليه أكثر من شهر، لكان لا أقل من أن ينقل عن النبي ﷺ أنه فعله ولو مرة، ليبين الجواز.
واحتج المخالف: بما روي أن البراء بن معرور ﵁ مات، والنبي ﷺ غائب، فلما قدم بعد سنة صلى عليه (١).
والجواب: أن عبد الله بن عمر ﵄ قال: صلى النبي ﷺ على البراء بن معرور بعد ما قدم المدينة خلف قبره فقال: "اللهم صل على البراء بن معرور، ولا تحجبه عنك يوم القيامة، وأدخله الجنة وقد فعلت"، وظاهر هذا أنه يقتضي أن يرد على ذلك إذ لو كان لنقل، كما نقل صلاته على
стр. 1670
النجاشي وصف أصحابه وكبر أربعًا، وإذا كان هذا جملته فهذا دعاء، وليس بصلاة.
واحتج: بما روي أن النبي ﷺ صلى على قتلى أحد بعد ثمان سنين.
والجواب: أن ذلك من جهة النبي ﷺ كالمودع للأحياء، والمترحم على الأموات، يدل على هذا أن النبي ﷺ قد صلى على قتلى أحد، ومعلوم أنه لا يصح تكرارها من شخص واحد.
واحتج: بأن القصد من الصلاة الدعاء له، فمتى لم يعلم أنه قد بلي، فالمعنى مقصود موجود، فيجب أن يصلي عليه.
والجواب: أنا قد بينا أن طريق هذا التوقيف دون القياس، على أنه يجب أن يصلي عليه وإن علم [أنه] قد بلي، ويكون معنى الصلاة عليه الدعاء له، كما يصلى على الغائب.
والدعاء له بعد أن بلي يجوز فكان يجب أن تجوز الصلاة عليه، وقد قلت: إنه لا يجوز، فبطل هذا، والله أعلم.
* * *
٩٠ - مَسْألَة: إذا كان رجل ولم يحضره إلا النساء صلين جماعة، ويقوم الإمام وسط الصف:
نص على هذا في رواية أبي طالب وقد سئل: كيف يصلي النساء على الرجال؟ قال: كما تصلون تقوم وسطهن.
стр. 1671
وبهذا قال أبو حنيفة ﵀، وقال: لا تؤمهن واحدة منهن بل يصلين منفردات.
دليلنا: اتفاقهم على أنه لا يجوز ترك الصلاة في هذه الحال، والنساء من أهل الجماعة، فيجب أن يصلين جماعة كالرجال.
وإن شئت قلت: من شرعت في حقهم صلاة الفرض (١) شرعت في حقهم صلاة الجنازة كالرجال.
ولأنها صلاة مفروضة فشرعت الجماعة فيها في حق النساء، دليله: الصلوات المفروضات، وقد وافقنا مالك على أنه تستحب الجماعة فيها في حق النساء، كذلك في الصلاة على الجنازة.
واحتج المخالف: بأن الناس صلوا على قبر النبي ﷺ فرادى، ولم يؤمهم أحد، فإذا ثبت هذا، فإنهن يصلين فرادى.
والجواب: أن هذا مطَّرح بالإجماع؛ لأن الجماعة مشروعة في صلاة الجنازة في حق الرجال بلا خلاف، فلا معنى للاحتجاج بهذا الخبر.
واحتج: بأنه لا يستحب لهن فعل الفرائض في جماعة منفردات، كذلك صلاة الجنازة.
والجواب: أنا لا نسلم هذا، وهذا شيء سنه (٢) المخالف على
стр. 1672
الصلة (١)، والله أعلم.
* * *
٩١ - مَسْألَة: لا يصلي الإمام على الغالِّ من الغنيمة، ولا على من قتل نفسه، ويصلي عليه بقية الناس:
نص عليه في رواية المروذي فيمن قتل نفسه، أما الإمام فلا يصلي عليه، وأما الناس فيصلون عليه، هكذا فعل النبي ﷺ بالذي قتل نفسه.
وكذلك نقل الفضل بن زياد وقد سئل عمن قتل نفسه؟ فقال: يصلي عليه الناس، ولا يصلي عليه الإمام، قال الفضل: وبلغه عنه، ولم أسمعه منه إن كان يقول في الذي يغل كذلك.
وقال أبو حنيفة، ومالك، والشافعي ﵏: يصلي عليه الإمام.
دليلنا: ما روى أبو بكر بإسناده عن جابر بن سمرة ﵁: أن رجلًا قتل نفسه فلم يصل عليه رسول الله ﷺ .
وروى زيد بن خالد الجهني ﵁ قال: توفي رجل من جهينة يوم خيبر فذكر لرسول الله ﷺ فقال: "صلوا على صاحبكم"، فتغير وجوه القوم، فلما رأى الذي بهم قال: "إن صاحبكم غل في سبيل الله"، وفتشوا
стр. 1673
متاعه فوجدنا خرزًا من خرز اليهود، والله ما يساوي درهمين.
ولأن في امتناع الإمام من الصلاة عليهم ضربًا من الردع والزجر؛ لأن صلاة الإمام وأهل الفضل شرف للميت، ورغبة في دعائه له.
فإن قيل: فيجب أن يصير هذا المعنى في سائر المعاصي.
قيل له: لا يلزم هذا كما لا يلزم مثله في الشهيد في غير المعترك في أنه يصلى عليه، ويغسل، وشهيد المعترك لا يغسل ولا يصلى [عليه] (١)، وكلاهما شهادة، وكذلك بعض المعاصي يستحق بها الحد، ولا يستحق ببقيتها، كذلك ها هنا، على أن أبا بكر المروذي قال: سألت أبا عبد الله عمن شرب الخمر يصلى عليه؟ قال: نعم وأراه قال: إن الإمام لا يصلي، يصلي عليه العامة، نقلتها من خط أبي حفص البرمكي من كتاب الإيمان.
ولأن أبا حنيفة ﵀ قال: لا يصلى على البغاة إذا قتلوا.
وقال مالك ﵀: لا يصلي الإمام على من قتل في حد للمعنى الذي ذكرنا.
واحتج المخالف: بما روي عن النبي ﷺ أنه قال: "صلوا على من قال: لا إله إلا الله"، وهذا عام في الإمام وغيره.
والجواب: أنه محمول على غير الإمام.
واحتج: بأنه من أهل الإسلام، فصلى عليه الإمام إذا مات في غير المعترك، دليله: من لم يقتل نفسه.
стр. 1674
والجواب: أنه لم يحصل من ذلك ما يقتضي ردعه وزجره، فلا معنى لامتناع الصلاة عليه، وليس كذلك ها هنا؛ لأنه حصل منه ما يقتضي ردعه وزجره، فامتناع ردعًا وزجرًا (١).
واحتج: بأنه جاز لغير الإمام أن يصلي عليه، فجاز للإمام أن يصلي عليه، دليله: ما ذكرنا.
والجواب: أنه ليس في امتناع [غير] (٢) الإمام ردع وزجر، وليس كذلك في امتناع الإمام؛ لأن فيه ردعًا وزجرًا، فلهذا فرقنا بينهما.
واحتج بأن قال: ليس يمكن أحدًا أن يمحص الطاعات، ويخلص من الخطيات، فيجب أن لا يمتنع من الصلاة عليه.
والجواب: أنه ليس الغالب من أحوال الناس أن يقتل نفسه، ولا يغل من الغنيمة، وإذا كان كذلك لم يرد امتناع الإمام من ذلك إلى امتناعه من الصلاة على المسلمين.
واحتج: بأن الصلاة على الميت دعاء ورحمة، وأحوج أهل الملة إلى الدعاء والاستغفار هذا الميت.
والجواب: أنا لسنا نمتنع من الدعاء له، والاستغفار من جماعة المسلمين، وإنما منعنا من ذلك الإمام ردعًا وزجرًا.
واحتج: بأن قتله نفسه، والغلول من الغنيمة أكثر ما فيه أنه ارتكاب
стр. 1675
معصية أو كبيرة، وهذا لا يمنع الإمام من الصلاة عليه كالزاني المحصن، والقاتل لغيره، والسارق من غير الغنيمة، ونحو ذلك.
والجواب عنه: ما تقدم وهو أنه لا يمتنع أن يختص المنع ببعض المعاصي ولا يختص ببعضها، كما أن منع الغسل والصلاة يختص بنوع من الشهادات ولا يختص بنفسها، وكذلك بعض المعاصي يختص بإيجاب الحد، ولا يجب في جميعها، والله أعلم.
* * *
٩٢ - مَسْألَة: من قتله الإمام في حد صلى عليه الإمام:
هذا ظاهر كلام أحمد ﵀ في رواية ابن منصور وقد سئل عن الصلاة على الزاني والزانية؟ فقال: يصلى عليهما، وعلى ولد الزنا.
وكذا قال في رواية صالح في الذي يقاد منه في حد: يصلى عليه.
فقد أطلق القول بالصلاة عليه ولم يخص أحدًا بذلك.
وهو قول الشافعي ﵀.
وقال مالك ﵀: من قتله الإمام في حد لم يصل عليه الإمام خاصة.
دليلنا: ما روى ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "صلوا على من قال: لا إله إلا الله"، وهذا عام في الإمام وغيره.
стр. 1676
وأيضًا روى أبو بكر النجاد في سننه قال: حدثنا محمد بن عبد الله قال: حدثنا عبد الله بن عامر بن زرارة قال: حدثنا ابن أبي زائدة عن بشير بن مهاجر عن ابن بريدة عن أبيه ﵄: أن رسول الله ﷺ رجم الغامدية ثم صلى عليها.
وروى النجاد أيضًا قال: حدثنا محمد بن غالب قال: حدثنا أبو حذيفة قال: حدثنا سفيان عن يحيى بن سعيد بن المسيب قال: رجم رسول الله ﷺ رجلين فصلى على أحدهما، ولم يصل على الآخر.
وروى أيضًا بإسناده عن عمران بن حصين ﵄ قال: أتت امرأة فقالت: يا رسول الله إني زنيت، قالت ذلك مرارًا، فقال رسول الله ﷺ : أيكم أولى بهذه؟ فقال رجل من القوم: أنا يا رسول الله، فانطلق بها فلتكن عندك، فإذا وضعت فأت بها، قال: فأتى بها النبي ﷺ بعد ما وضعت، فرجمت، ثم قال لأصحابه: "قوموا نصلي عليها"، فقال عمر ﵁: الزانية الزانية، فقال: "لقد تابت توبة لو تابها سبعون من أهل المدينة لقبل منهم"، وهذه الأخبار نصوص.
ولأنه إجماع الصحابة ﵃:
وروى النجاد بإسناده عن عمران بن حصين ﵁: أن امرأة من جهينة اعترفت بالزنا فرجمها ثم صلى عليها.
وروى بإسناده عن أبي عبيدة بن الجراح ﵁: أنه رجم امرأة اعترفت بالزنا وصلى عليها.
стр. 1677
وهذا إجماع الصحابة؛ لأنه لم يظهر منهم نكير.
ولأنه مسلم قتل بحق فلم يمنع ذلك من صلاة الإمام عليه، دليله: إذا قتل قصاصًا.
واحتج المخالف: بما روى أبو برزة ﵁ أن النبي ﷺ لم يصل على ماعز، ولم ينه عن الصلاة عليه.
والجواب: أنا قد روينا أنه قد صلى على المرجوم، وعلى الزانيين، ويجوز أن يكون ترك الصلاة على بعضهم، ليبين جواز الترك.
واحتج: بأن في امتناع الإمام من الصلاة عليه ردعًا وزجرًا، فيجب أن يمتنع منه، كما قلتم: في قاتل نفسه، وفي الغال.
والجواب عنه: أن الفرق بينهما من وجهين:
أحدهما: من جهة الظاهر.
والآخر: من جهة المعنى.
أما من جهة الظاهر: فما روينا عن النبي ﷺ أنه لم يصل على قاتل نفسه، وعلى الغال.
وروي أنه صلى على المرجومة والمرجوم فافترقا من جهة الظاهر.
وأما من جهة المعنى: فهو أن المقتول في الحد قد خفف عنه، وقد عوقب بالحد، وأما قاتل نفسه، والغال فلم يحدا، فجاز أن يعاقبا بامتناع صلاة الإمام عليهما، والله أعلم.
* * *
стр. 1678
٩٣ - مَسْألَة: لا يستر قبر الرجل بثوب:
نص عليه في رواية الأثرم وقد سئل عن قبر المرأة: يغطى بثوب؟ قال: نعم، وقيل له: وقبر الرجل؟ قال: لا.
وبه قال أبو حنيفة ﵀.
وقال الشافعي ﵀ يغطى قبر الرجل والمرأة جميعًا.
دليلنا: ما روى أبو بكر النجاد بإسناده عن عمير بن سعد: أن عليًا ﵁ صلى على زيد بن مكفف، فستروا على قبره ثوبًا فاجتذبه.
وروى أيضًا بإسناده عن علي بن الحكم عن رجل من أهل الكوفة قال: أتانا علي بن أبي طالب ﵁ ونحن ندفن ميتًا قد بسطنا الثوب على قبره، فجذب الثوب على القبر، وقال: إنما يصنع هذا بالنساء.
وروى بإسناده عن سعيد عن أبي إسحاق قال: أوصى الحارث الأعور أن يصلي عليه عبد الله بن زيد، فصلى عليه وبسطوا ثوبًا فكشطه، وقال: إنما يفعل هذا بالنساء.
وروى أيضًا عن جعفر بن محمد قال: يغطى قبر المرأة، ولا يغطى قبر الرجل.
ولأنه لو كان من السنة أن يغطى قبره، لكان من السنة أن تغطى جنازته كالمرأة، ولما لم يسن تغطية جنازته، كذلك قبره.
واحتج المخالف: بما روى النجاد بإسناده عن إبراهيم: أن النبي ﷺ -
стр. 1679
مُدَّ على قبره ثوب.
وروى إبراهيم قال: قال سعد بن مالك ﵁: لما دفن النبي ﷺ سعد بن معاذ ﵁ كان ممسكًا بناحية الثوب، وفي لفظ آخر: دخل قبر سعد فمدَّ عليه ثوبًا.
والجواب: أن هذا الخبر مرسل، والمرسل ليس بحجة عند الشافعي.
وعلى أنه محمول على أنه فعل ذلك خصوصًا له ليحجز بينه وبين الناس؛ لأنهم كثروا عليه، فحال بينهم وبينه، ولهذا روي أنه ألحده بنفسه.
واحتج: بأنه لما كان مسنونًا في حق المرأة يجب أن يكون مسنونًا في حق الرجل، كسائر المسنونات مثل: الدفن، والصلاة.
والجواب: أنه يبطل بستر الجنازة، فإنه مسنون في حقها غير مسنون في حق الرجل، وكذلك الزيادة في حق الأكفان على الثلاث مسنون في حقها غير مسنون في حقه مع أن المرأة جميعها عورة، والرجل ليس جميعه عورة، والله أعلم.
* * *
٩٤ - مَسْألَة: يسل الميت من قبل رأسه عند رجلي القبر:
نص على هذا في رواية حنبل وقد سئل: عن إدخال الميت؟ فقال: السل أهون على الناس، وهو أحب إليَّ.
стр. 1680
وهو اختيار الخرقي؛ لأنه قال: ويدخل قبره من عند رجليه إن كان أسهل عليهم، يعني بذلك من عند رجلي القبر.
وهو قول الشافعي ﵀.
وروى صالح، وابن منصور عنه: من أين يدخل الميت القبر؟ فقال: من حيث يكون أسهل عليهم.
وظاهر هذا ألا يتخير في ذلك جهة، وإنما الاعتبار بالأسهل في أي الجهات كان.
وقال أبو بكر حماد المقري (١) قلت: يا أبا عبد الله من أين الميت يدخل قبره مما يلي رجليه أو مما يلي القبلة؟ قال: كلاهما سواء.
وظاهر هذا يقتضي أن مع تساويهما في السهولة، هما سواء في الفضيلة.
وقال أبو حنيفة ﵀: يدخل القبر معترضًا من قبل القبلة لا يسل، قال الرازي: هذا إذا لم يخش أن ينهار القبر.
دليلنا: ما روى أبو بكر النجاد بإسناده عن أبي رافع ﵁ قال: سل النبي ﷺ سعد بن معاذ، ورش على قبره الماء.
وروى عبد الله قال: حدثني أبي قال: حدثنا محمد بن جعفر قال: حدثنا شعبة عن أبي إسحاق عن عبد الله بن يزيد الأنصاري: أن الحارث وصى أن يليه عند موته، فصلى عليه ثم دخل القبر فأدخله من رجلي
стр. 1681
القبر، قال: هذه السنة.
وهذا يقتضي سنة النبي ﷺ .
وروى أبو حفص بن شاهين في كتاب الجنائز بإسناده عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "يدخل الميت من قبل رجليه، ويسل سلًا"، وهذا نص.
ولأن أبا بكر بن المنذر قال في كتابه: (والذي أحب أن يفعل ما يفعله أهل الحجاز قديمًا وحديثًا يسلون الميت سلًا من قبل رجلي القبر)، وإذا كان هذا عادتهم [وجب] (١) المصير إليه؛ لأن عادتهم متداولة عن النبي ﷺ وأصحابه.
فإن قيل: روي عن إبراهيم النخعي قال: حدثني من رأى أهل المدينة في الزمن الأول يدخلون موتاهم من قبل القبلة، وإن السل شيء أحدثه أهل المدينة.
قيل له: لا يجوز أن يتفقوا على غير المتواتر بينهم مع اختلاف هممهم إلا بأمر قاهر من سلطان، ولما لم ينقل هذا دل على أنه لا أصل للتغيير.
ولأنه يمد مدًا فهو أسهل من إدخاله من قبل رأسه، ومن إدخاله عرضًا.
واحتج المخالف: بما روى أبو سعيد ﵁ قال: أُخذ رسول الله ﷺ ،
стр. 1682
وأبو بكر، وعمر ﵄ من قبل القبلة.
وروي عن ابن عباس ﵄: أن النبي ﷺ أخذ من قبل القبلة.
والجواب: أن أحمد بن أبي عبدة قال: قلت لأحمد: حديث يحيى بن يمان عن المنهال بن خليفة عن حجاج عن عطاء عن ابن عباس ﵃: أن النبي ﷺ أخذ من قبل القبلة؟ فلم يصحح الحديث.
وقد قيل: إن قبر النبي ﷺ على يمين الداخل لاصق بالجدار، والجدار الذي تحته قبلة الميت، وإن لحده تحت الجدار، فكيف يدخل معترضًا، واللحد لاصق بالجدار، ولا يقف عليه شيء، ولا يمكن إلا أن يسل، وهذا يدل على ضعف الحديث.
وروى النجاد بإسناده عن ابن عباس ﵄: أن رسول الله ﷺ أدخل من قبل رجل القبر.
روى أبو بكر النجاد بإسناده عن الزهري عن سالم عن أبيه ﵄: أن النبي ﷺ سُلَّ سلًا.
وهذا يدل على اضطراب الخبرين، القصة واحدة، وقد اختلف فيها! فيجب أن يوقف فيها حتى ينظر على أي جهة وقعت.
واحتج: بأنه لما احتجنا إلى أن نختار له بعض الجهات دون بعض وجب أن يختار جهة القبلة، كما لو أردنا أن نصلي عليه، فالأحياء تختار لهم من الجهات جهة القبلة في الصلاة، والجلوس.
والجواب: أن جهة القبلة إنما تختار في المواضع الذي يحصل
стр. 1683
التوجه إليها، فأما في هذه المواضع فلا يحصل التوجه إلى القبلة، فلا يكن لاعتبار جهة القبلة معنى، والله أعلم.
* * *
٩٥ - مَسْألَة: يسنم القبر ولا يسطح:
نص عليه في رواية صالح، وقال: أعجب إلي أن يكون القبر مسنمًا.
وكذلك نقل أبو طالب، ونقل الأثرم عنه: أرجو أن لا يدعوا التسنيم.
وهو قول أبي حنيفة ﵀.
وقال الشافعي ﵀: يسطح على وجه الأرض نحوًا من شبر.
دليلنا: ما روى أبو بكر النجاد بإسناده عن عبد الله بن الحسن ﵄ قال: رأيت قبر النبي ﷺ مسنمًا.
وروى أيضًا بإسناده عن إبراهيم ﵁ أن النبي ﷺ سنم قبره.
وبإسناده أيضًا عن محمد بن علي ﵄ قال: دخلت البيت الذي فيه قبر النبي ﷺ ، فرأيت قبره، وقبر أبي بكر، وقبر عمر ﵄ مسنمًا.
وبإسناده أيضًا عن الشعبي ﵁ قال: رأيت قبور شهداء أحد مسنمة.
وبإسناده أيضًا عن محمد ابن الحنفية ﵄ أنه جعل قبر ابن عباس ﵄ مسنمًا.
وبإسناده أيضًا عن خالد بن أبي عثمان عن رجل قال: رأيت قبر
стр. 1684
ابن عمر ﵄ بعد ما دفن بأيام مسنمًا.
وإذا كان عادتهم هذا وجب المصير إليه؛ لأن عادتهم متداولة.
وروى بعضهم عن إبراهيم النخعي قال: أخبرني من رأى قبر النبي ﷺ وصاحبيه ﵄ مسنمة ناشزة عليها فلق من مدر بيض.
ولأن التسنيم أبعد من الشبه بأبنية الدنيا، والتسطيح يشبهها، ولا خلاف أنه قد خولف بين القبر وبينها، ولهذا لم يجصص ولم يزوق.
فإن قيل: التسنيم يشبه الآزاج (١)، والتسطيح يشبه الدكاك، فليس لأحدهما مزية على الآخر.
قيل: التسنيم الذي نعتبره لا يشبه الأراح الذي هي أبنية الدنيا.
واحتج المخالف: بما روي عن القاسم بن محمد بن أبي بكر ﵃ قال: رأيت قبر النبي ﷺ ، وقبر أبي بكر، وعمر ﵄ مسطحًا.
والجواب: أنه ليس في هذا الخبر دلالة على التسطيح؛ لأنه يجوز أن يكون مبطوحة البطحاء، وهي مسنمة.
واحتج: بما روى علي ﵁ قال: بعثني النبي ﷺ أن لا أدع قبرًا مشرفًا إلا سويته ولا صورة إلا طمستها.
والجواب: أن هذا محمول على القبور التي عليها البناء والجص ونحوه.
стр. 1685
واحتج: بأن النبي ﷺ سطح قبر ابنه إبراهيم ﵇، وأن مقبرة المهاجرين والأنصار مسطحة قبورهم.
والجواب: أنه يجوز أن يكون قد سطح جوانبها وسنَّم وسطها، وعلى أنا قد روينا خلاف ذلك.
واحتج: بأن التسطيح أمن من الانهدام من التسنيم، فيجب أن يكون أولى كما أن التسنيم أولى من جعله على صورة الاسطوانة لهذه العلة.
والجواب: أنه يجب أن يكون بناؤه بالجص، والآجر، والساج أولى من اللبن، لهذا المعنى، والله أعلم.
* * *
٩٦ - مَسْألَة: يكره الجلوس قبل أن توضع الجنازة لمن تقدم عليها:
نص عليها في رواية ابن منصور فقال: من تبع الجنازة فلا يجلس حتى توضع عن أعناق الرجال.
وكذلك نقل حنبل عنه فقال: لا يقعد من تبع الجنازة حتى توضع أو تخلفه إلا أن يتقدمها فيقعد حتى تلحقه.
وقال في موضع آخر في مسائل حنبل: فمن تبع الجنازة لا يقعد حتى توضع، قيل له: عند القبر أو في اللحد؟ قال: عند القبر أو للصلاة عليها
وظاهر هذا أنه لم يعتبر وضعها في اللحد، وبهذا قال أبو حنيفة ﵀.