القناعة في ما يحسن الإحاطة من أشراط الساعة
تأليف
الحافظ شمس الدين محمد بن عبد الرحمن السخاوي (المتوفى ٩٠٢ هـ)
تحقيق
د. محمد بن عبد الوهاب العقيل
عضو هيئة التدريس بالجامعة الإسلامية بالمدينة النبوية
стр. 2
جَميْع الحقُوق مَحفُوظَة
الطَبْعةُ الأولى
١٤٢٢ هـ - ٢٠٠٢ م
مَكتَبةُ أضوَاءِ السَّلف - لصَاحبَها علي الحربي
الرياض - ص ب: ١٢١٨٩٢ - الرمز: ١١٧١١ - ت: ٢٣٢١٠٤٥
تطلب منشوراتنا من:
مَكْتَبةُ الإمَام البخَاري - مصر - الإسماعيلية - ت: ٣٤٣٧٤٣/ ٠٦٤
стр. 3
القناعة فِي مَا يحسن الْإِحَاطَة من أشرَاطِ السَّاعةَ
стр. 4
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
стр. 5
المقدّمَة
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وسلم تسليمًا كثيرًا.
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٢].
﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء: ١].
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (٧٠) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: ٧٠ - ٧١].
أما بعد: فإن الإيمان باليوم الآخر أحد أُصول الإيمان وأركانه كما قال تعالى: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ﴾ [البقرة: ١٧٧].
فالحصول على البر لا يتحقق إلا بالإيمان باليوم الآخر؛ ولذلك فإن للإيمان باليوم الآخر أثرًا عظيمًا على الإنسان في الدنيا والآخرة.
فإن الإيمان باليوم الآخر والإكثار من ذكره والتصديق الجازم بوقوعه يزيد إيمان الإنسان ويجعله مِن المتقين الذين قال الله عنهم: ﴿الم (١) ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ (٢) الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣) وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ
стр. 6
يُوقِنُونَ (٤) أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [البقرة: ١ - ٥].
ولذلك فإن الله قد رتب حصول التقوى والفلاح للإنسان في الدنيا والآخرة على الإيمان بما ذكره من الأمور المغيبة في هذه الآيات. واليوم الآخر من جملة الغيب الذي يجب علينا الإيمان به لكن الله خصه بالذكر لبيان أهميته وبيان أثر الإيمان به على الإنسان في الدنيا والآخرة.
وكلما ازداد الإنسان يقينًا باليوم الآخر زاد الأثر الصالح عليه في حب الأعمال الصالحة والإبتعاد عن الأعمال السيئة والإستعداد لهذا اليوم العظيم بما يحبه الله وهذا من أعظم آثار الإيمان باليوم الآخر على الإنسان كما قال تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ طَغَى (٣٧) وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (٣٨) فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى (٣٩) وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى (٤٠) فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى﴾ [النازعات: ٣٧: ٤١].
ولأهمية الإيمان باليوم الآخر فقد ذكره الله في القرآن كثيرًا وأقام الدليل عليه ونوَّع الأدلة فيه وبسطها وربطها بالفطرة والعقل ورد على المنكرين بأنواع من الأدلة والأمثلة وأمر نبيه محمدًا ﷺ أن يقسم به على وقوع اليوم الآخر تأكيدًا له كما قال سبحانه: ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ وَذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ [التغابن: ٧].
والنصوص الدالة على هذا كثيرة جدًّا وليس المقصود هنا التوسع في ذلك وإنما المقصود بيان أهمية الإيمان باليوم الآخر وأثر الإيمان على الإنسان.
ولما كان اليوم الآخر من الأمور الغيبية أعان الله خلقه على الإيمان به بأمور كثيرة، ومن ذلك ربط هذا الغيب بالأمور المحسوسة، فإن الغيب إذا ربط بالأمور المحسوسة سهل الإيمان به على الإنسان، ومن هذه الأمور المحسوسة التي تعين على الإيمان باليوم الآخر: أشراط الساعة أو كما تسمى مقدمات اليوم الآخر، وأهمية معرفة هذه الأشراط والأمارات تظهر من أهمية
стр. 7
الإيمان باليوم الآخر؛ ولذلك ذكر العلماء أن الإيمان بأشراط الساعة من الإيمان بالساعة، ويدل على هذا قوله تعالى: ﴿فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا﴾ [محمد: ١٨].
والحديث عن أشراط الساعة مهم، ولا سيما إذا ابتعد الناس عن تذكر الآخرة واشتغلوا بالدنيا وملذاتها، فإن في أشراط الساعة المحسوسة ولا سيما التي ظهرت ورآها الناس بأعينهم كما أخبر النبي ﷺ ما يعيد الناس إلى ربهم ويوقظهم من غفلتهم.
ولقد يسر الله فحصلت على كتاب متوسط الحجم يبحث في هذا الموضوع المهم - أعني: أشراط الساعة - بطريقة مختصرة مفيدة غير مخلة ألا وهو كتاب "القناعة فيما يحسن الإحاطة به من أشراط الساعة" للحافظ شمس الدين محمَّد بن عبد الرحمن السخاوي ﵀ المتوفى سنة (٩٠٢ هـ).
والسخاوي من رجال الحديث الذين برزوا في التأليف والتصنيف ومعرفة الصحيح من الضعيف في القرن التاسع الهجري؛ وكان لذلك أثر واضح في إخراج هذا الكتاب وربطه بسنة النبي ﷺ وكثرة الأحاديث التي ذكرها في هذا الكتاب مع اختصاره، فإنَّه لسعة اطلاعه على حديث النبي ﷺ اتخذ طريقة موجزة في إيراد الأحاديث، وهي طريقة فريدة وإن كانت متعبة جدًّا للمحقق بعده، فإنَّه ﵀ يورد حديثًا واحدًا ثمَّ يفرع عليه ويدخل ضمنه أحاديث كثيرة جدًّا مقتصًرا على محلّ الشاهد، وفي ذلك اختصار شديد للكتاب؛ فخرج الكتاب لذلك متضمنًا لأكثر أشراط الساعة إن لم يكن لكل أشراط الساعة مع وجازته واختصاره.
فلما رأيت ذلك استعنت بالله على تحقيقه وإخراجه بصورة مرضية - إن شاء الله - مع اعترافي بالتقصير والعجز، ولكني حسبي أني قد بذلت وسعي في سبيل إخراج هذا الكتاب بصورة صحيحة مساعدة على الإستفادة منه - إن شاء الله -
стр. 8
وأشكر الله على ذلك أولًا وآخرًا، وأسأله أن يكون خالصًا لوجهه الكريم، كما أشكر بعد شكر الله كل من ساعدني من إخواني في تصوير المخطوطات ومقابلة النسخ ونحو ذلك، وجزاهم الله عني خير الجزاء والحمد لله أولًا وآخرًا، وصلَّى الله وسلم على نبينا محمَّد وعلى آله وصحبه أجمعين.
وكتبه راجي عفو ربه الجليل
د/ محمد بن عبد الوهاب العقيل
عضو هيئة التدريس بالجامعة الإِسلامية
بالمدينة النبوية
стр. 9
خطة البحث ومنهجي فيه
أما خطة البحث فهي كما يلي: جعلت هذا البحث من قسمين:
القسم الأول: القسم الدراسي.
القسم الثاني: النص المحقق.
وجعلت في آخره فهارس متنوعة تسهيلًا للفائدة.
* القسم الأول: القسم الدراسي:
ويحتوي على بابين:
الباب الأول: ترجمة المؤلف:
ويحتوي على ثلاثة فصول:
* الفصل الأول: عصر المؤلف:
ويحتوي على ثلاثة مباحث:
المبحث الأول: الحالة السياسة.
المبحث الثاني: الحالة الإجتماعية.
المبحث الثالث: الحالة العلمية والدينية.
* الفصل الثاني: سيرة المؤلف الشخصية:
ويحتوي على ثلاثة مباحث:
المبحث الأول: اسمه ونسبته وكنيته ولقبه.
المبحث الثاني: مولده ونشأته وحياته.
المبحث الثالث: وفاته.
стр. 10
* الفصل الثالث: سيرة المؤلف العلمية:
ويحتوي على ستة مباحث:
المبحث الأول: طلبه للعلم.
المبحث الثاني: رحلاته.
المبحث الثالث: مشايخه وتلاميذه.
المبحث الرابع: مؤلفاته.
المبحث الخامس: مكانته العلمية وثناء العلماء عليه.
المبحث السادس: مذهبه وعقيدته.
* الباب الثاني: دراسة الكتاب:
ويحتوي على فصلين:
* الفصل الأول: التعريف بالكتاب:
ويحتوي على مبحثين.
المبحث الأول: اسم الكتاب وتوثيق نسبته للمؤلف.
المبحث الثاني: التعريف بنسخ الكتاب الخطية.
* الفصل الثاني: موضوع الكتاب والكتب المؤلفة فيه:
ويحتوي على ستة مباحث:
المبحث الأول: موضوع الكتاب وبيان منهج المؤلف.
المبحث الثاني: الكتب المؤلفة في هذا الموضوع.
المبحث الثالث: تعريف أشراط الساعة لغة وشرعًا.
المبحث الرابع: الحكمة من إخفاء وقت الساعة.
المبحث الخامس: الرد على من زعم معرفة النبي ﷺ بوقت الساعة.
المبحث السادس: أقسام أشراط الساعة.
أما منهجي في هذا الكتاب
فإن الدراسة التي قمت بها عن المؤلف والكتاب دراسة موجزة لكنها - إن شاء الله - كافية في التعريف بالمؤلف ومعرفة عصره وكيف أثر عليه ذلك العصر.
وكذلك عرفت بالكتاب وموضوعه بما يناسب المقام إن شاء الله.
أما القسم الثاني وهو النص المحقق فإن عملي فيه يتلخص فيما يلي:
١ - قمت بنسخ الكتاب متخذًا نسخة برلين الغربية أصلًا للكتاب.
٢ - قمت بالمقابلة بين النسخ وأثبت الفروق بينها في الحاشية مع الإجتهاد في الترجيح عند الخلاف.
٣ - إذا نقص شيء من المخطوط الأصل أزيده من النسخ الأخرى أو من المصادر الأصلية للكتاب وأنبه على ذلك في الحاشية.
٤ - استعملت في الكتاب الخط المعاصر.
٥ - عزوت الآيات الواردة في الكتاب إلى مواضعها في القرآن.
٦ - خرَّجت الأحاديث الواردة فإن كانت في "الصحيحين" أو أحدهما اكتفيت بذلك، وإن كانت خارجها حاولت أن أذكر من خرجها حسب الطاقة.
٧ - ذكرت درجة الحديث من كلام العلماء المعتمدين في هذا الشأن.
٨ - ترجمت الأعلام الوارد ذكرهم ترجمة موجزة.
٩ - قمت بشرح الألفاظ الغريبة الوارد ذكرها في الكتاب.
١٠ - عرفت بالبلدان والمواضع الوارد ذكرها في الكتاب.
стр. 13
١١ - قمت بذكر الأدلة على بعض الأشراط التي ذكرها المصنف في هذا الكتاب مما لم يذكر له دليلًا في المتن.
١٢ - علقت على بعض المواضع التي تحتاج إلى تعليق.
١٣ - وضعت بعض الفهارس المساعدة كما هو مذكور في خطة البحث.
١٤ - قمت بترقيم القسم الدراسي ترقيمًا خاصًّا به وترقيم القسم المحقق ترقيمًا خاصًّا به تمييزًا له عن القسم الدراسي.
وأخيرًا أشكر الله على نعمه العظيمة، وأسأله أن يجعل هذا العمل خالصًا لوجهه الكريم، وأن ينفع به من قرأه من إخواني المسلمين، وصلَّى الله وسلم على نبينا محمَّد وعلى آله وصحابته أجمعين.
* * *
стр. 14
القسم الدراسي
ويحتوي على بابين:
* الباب الأول: ترجمة المؤلف.
* الباب الثاني: دراسة الكتاب.
стр. 15
الباب الأول ترجمة المؤلف
ويحتوي على ثلاثة فصول:
* الفصل الأول: عصر المؤلف.
* الفصل الثاني: سيرة المؤلف الشخصية.
* الفصل الثالث: سيرة المؤلف العلمية.
стр. 16
الفصل الأول عصر المؤلف
* المبحث الأول: الحالة السياسية:
عاش المؤلف ﵀ في القرن التاسع الهجري، وكما هو معلوم فإن العصور الإِسلامية بعد سقوط بغداد كانت عصور تمزق وانقسامات سياسية وعرقية، ففي كل بلد خليفة وفي كل مصر دولة.
قال ابن حجر ﵀: (دخلت - أي: سنة ٨٠١ هـ - وسلطان مصر والشام والحجاز الملك الظاهر أبو سعيد برقوق، وسلطان الروم أبو يزيد بن عثمان، وسلطان اليمن من نواحي تهامة الملك الأشرف إسماعيل بن الأفضل بن المجاهد، وسلطان اليمن من نواحي الجبال الإمام الزيدي الحسني علي بن صلاح، وسلطان المغرب الأوسط أبو سعيد عثمان المزيني، وسلطان المغرب الأقصى ابن الأحمر، وصاحب البلاد الشرقية تيمور كوركان المعروف باللنك، وصاحب بغداد أحمد بن أويس، وأمير مكة حسن بن عجلان بن رميثة الحسني، وبالمدينة ثابت بن نعير، والخليفة العباسي أبو عبد الله محمد المتوكل على الله بن المعتضد بالله أبي بكر، ويدعى أمير المؤمنين، ونازعه في هذا الإسم الإمام الزيدي وبعض ملوك المغرب وصاحب اليمن، لكن خطيبها يدعو في خطبته للمستعصم العباسي أحد الخلفاء ببغداد، وكان نائب دمشق يومئذ تنم الحسني، وبحلب أرغون شاه، وبطرابلس آقبغا الجمالي، وبحماة يونس القلمطاي، وبصفد شهاب الدين بن الشيخ علي، وبغزة طيفور (١).
стр. 17
وهذا التمزق وهذا التفرق من أعظم أسباب ضعف المسلمين حتى تسلط عليهم الأعداء من التتار والمغول والصليبيين. ولا حول ولا قوة إلا الله.
أما مصر، البلد الذي ولد فيه المؤلف وعاش، فقد انتقلت إليه الخلافة العباسية بسبب مبايعة الظاهر بيبرس أحد حكام المماليك له، ولكن سلطة الخليفة كانت اسمية فقط؛ إذ أن المماليك نصبوا الخليفة لتقوية مركزهم وسلطتهم أمام العامة، أما السلطة الحقيقية فكانت بيد المماليك.
وقد وُلد المصنف في الثلث الأول من عمر دولة المماليك الجراكسة الذين حكموا مصر من عام (٧٨٤ - ٩٢٣ هـ) (١).
وقد يسمون المماليك البرجية نسبة إلى أبراج القلعة التي كانوا يسكنون بها تميزًا لهم عن المماليك البحرية الذين كانوا يقيمون في جزيرة الروضة (٢).
قال ابن العماد فيها - أي: في سنة ٧٨٤ هـ: (كان ابتداء دولة الجراكسة، فإنه خلع الصالح القلاووني وتسلط برقوق ولقب بالظاهر، وهو أول من تسلط من الجراكسة).
وقد أثنى عليه ابن العماد ووصفه بأنه أعظم ملوك الجراكسة بلا مدافعة، وقد حكم قرابة سبع عشرة سنة وتوفي عام ٨٠١ هـ (٣).
ثم تتابع المماليك بعده بالحكم وأكثر ما يكون استيلاؤهم على الحكم بخلع بعضهم بعضًا، وقد يصحب ذلك فتن وثورات داخلية واضطرابات، فتنتهك الحرمات، وتسلب الأموال، ويعتدى على الأعراض، وتداهم البيوت، إما من أجل التفتيش عن أسير هارب، وإما للإنتقام من الموالين للعهد السابق، فتحرق
стр. 18
البيوت وتصادر الأموال ويهجم على الآمنين في الليل والنهار، وقد يضطر الناس إلى ملازمة بيوتهم أيامًا كثيرة خوفًا على أنفسهم بسبب الإضطراب وانتشار القلاقل وكثرة المناوشات بين فرق المتخاصمين (١).
وقد عاصر السخاوي ﵀ حكم السلطان أبي سعيد جقمق الذي تولى الحكم عام ٨٤٢ هـ واستمر في الحكم إلى أن مات سنة ٨٥٧ هـ. وترجم له في كتابه "الضوء اللامع" ترجمة حسنة وأثنى عليه بقوله: (كان ملكًا عدلًا ديِّنًا كثير الصلاة والصوم والعبادة، عفيفًا عن المنكرات والقاذورات، لا تضبط عنه في ذلك زلة ولا تحفظ له هفوة، متقشفًا بحيث لم يمش على سنن الملوك في كثير من ملبسه، وهيئته، وجلوسه، وحركاته، وأفعاله، متواضعًا، يقوم للفقهاء والصالحين إذا دخلوا عليه ويبالغ في تقريبهم وعدم ارتفاعه في الجلوس بحضرتهم، ذا إلمام بالعلم واستحضار في الجملة لكثرة تردده للعلماء في حال إمرته ورغبته في الإستفادة منهم).
قال: (وقد اجتمعت به مرارًا، وأهديت إليه بعد وفاة شيخنا بعض المصنفات، وأنعم هو علي بما ألهمه الله به، وصار يكثر من الترحم على شيخنا والتأسف عليه، بل سماه أمير المؤمنين، وطالت مدة ولايته قرابة خمس عشرة سنة، وتوفي عام ٨٥٧ هـ) (٢).
وقد تولى بعده ابنه عثمان بن جقمق، وقد أثنى عليه السخاوي ووصفه بحبه للعلم وأهله، وصرف أوقاته للطاعات، لكنه لم يلبث إلا يسيرًا حيث خلع (٣) بعد حوادث عدة. وتولى بعده السلطان الأشرف أينال، وقد ترجم له السخاوي ﵀ ووصفه ببعض الصفات السيئة وكأنه لم يكن كسلفه في العلم الشرعي،
стр. 19
ولذلك تضرر العلماء والفقهاء في زمنه، وانقطع عنهم ما كان يصلهم من سلفه مما يعينهم على طلب العلم ونشره (١).
ثم تولى بعده ابنه أبو الفتح أحمد بن أينال العلائي، ولم تستمر مدة حكمه سوى خمسة أشهر تقريبًا ثم خلع (٢)، ثم تولى مكانه الظاهر خشقدم وهكذا كلما تملك أحد المماليك ثار عليه جماعة منهم حتى تولى الأشرف قايتباي عام ٨٧٢ هـ، وتعد فترته أطول فترة حكم مملوكي فقد دام حكمه تسعًا وعشرين سنة، وقد ترجمه السخاوي في "الضوء اللامع" بترجمة عظيمة وأثنى عليه كثيرًا ووصفه بصفات جميلة كثيرة واتصل به وقرأ عليه بعض تصانيفه وأهدى إليه بعضها وألف بعضها بناءً على سؤال منه (٣)، ومات عام ٩٠١ هـ (٤).
هذا موجز لأهم الأحداث السياسية التي عاصرها السخاوي ﵀، والمتدبر فيها يرى أن السخاوي عاصر سلطانين من أفضل سلاطين دولة المماليك.
الأول: السلطان الظاهر أبي سعيد جقمق، الذي حكم قرابة خمس عشرة سنة كما مر معنا، ويظهر أنه من أفضل سلاطين المماليك مع محبة للعلم وأهله.
الثاني: السلطان الأشرف قايتباي، والذي أثنى عليه كما مر السخاوي في ترجمته، بل قال: وبالجملة فلم يجتمع لملك ممن أدركناه ما اجتمع له ولا حوى من الحذق والذكاء والمحاسن مجمل ما اشتمل عليه ولا مفصلة (٥).
وتعد الفترة التي حكم فيها أطول فترة حكمها سلطان من سلاطين المماليك فقد دام حكمه تسعًا وعشرين سنة وهو عصر هادئ بالجملة مع ما حصل فيه من
стр. 20
ثورات داخلية وخارجية، وقد أثر هذا الهدوء على العلم وأهله، حيث أحب السلاطين علماء ذلك الزمان وقربوهم، فلعل هذا من أسباب تلك النهضة العلمية التي ظهرت في ذلك العصر والله أعلم.
ولم تمض سنين طويلة بعد وفاة السخاوي حتى سقط آخر سلطان من سلاطين المماليك على يد السلطان العثماني سليم الأول الذي دخل القاهرة مسقطًا للخلافة العباسية ودولة المماليك عام ٩٢٣ هـ.
* المبحث الثاني: الحالة الإجتماعية:
إن المتدبر لأحوال المسلمين في العصور المتأخرة التي سقطت فيها بغداد عاصمة الخلافة الإِسلامية في وقتها وما تلاها من سنين سقطت فيها دولة الأندلس وما بعدها يجد أن الضعف العام في شتى مجالات الحياة قد ظهر بقوة في جميع البلاد الإِسلامية بين العام والخاص.
والحياة الإجتماعية في مصر في زمن السخاوي، أي: في بداية القرن التاسع الهجري أصابها ما أصاب غيرها من بلدان العالم الإِسلامي إلا أن وجود دولة المماليك وجعلهم القاهرة عاصمة لهم كان له بعض الأثر في إصلاح بعض الأحوال المعيشية لسكان مصر ولا سيما في زمن بعض السلاطين الذين ذكر عنهم الصلاح والعبادة. وكان المجتمع المصري في ذلك الزمان يقوم على نظام الطبقية الإجتماعية التي قسمت أهل مصر إلى سبعة أقسام.
١ - المماليك: وهم حكام البلاد ومماليكهم من العسكر الذين سيطروا على البلاد وأهلها، وقد كانوا يعيشون في عزلة تامة عن أهل مصر ولهم تربيتهم الخاصة التي يحرصون أن تكون جيدة وعلى يد أفضل المعلمين والقراء وأساتذة العلوم، وفرسان الحرب، وهؤلاء المماليك هم الذين يضعون السلطان منهم ويخلعونه ويضعون غيره.
стр. 21
٢ - الفقهاء وأهل العلم: ويدخل تحتهم مشايخ الطرق الصوفية، وكانت لهم مكانة عند كثير من سلاطين المماليك وعند عامة الناس.
٣ - التجار: وقد نشطت حركة التجارة في مصر أيام دولة المماليك، وحملت البضائع منها وإليها، فأثرى تجارها مما رفع مكانتهم عند السلاطين والعامة وجعلهم طبقة متميزة عن سائر الطبقات ولا سيما وقت حاجة السلاطين للمال.
٤ - متوسطة الحال من السوقة وأرباب المهن.
٥ - الفلاحون.
٦ - ذوو الحاجة والمسكنة.
٧ - أهل الذمة: والمراد بهم اليهود والنصارى الذين كانوا في مصر أيام دولة المماليك، وكانوا يعيشون في تلك البلاد عيشة عادية وإن حدث منهم في بعض الأوقات اضطرابات سرعان ما تخمد وترجع الأمور إلى ما كانت عليه (١).
وإن الباحث ليعجب من ذلك العصر - على كثرة علمائه وكثرة مدارسه وصلاح بعض سلاطينه - يعجب إذا تدبر أحوال أهله الإجتماعية وما انتشر عندهم من انحلال خلقي وأمراض أخلاقية شنيعة حتى أعلن الناس بالمعاصي الكبار وأقيمت لذلك النوادي الفاسدة، وقد يتدخل السلطان أحيانًا لإغلاق بعضها وحبس أهل الفساد، ولكن الخرق كان قد اتسع على الراقع والعياذ بالله. وقد شغف أهل تلك البلاد بالأعياد والإحتفالات والإجتماعات مما سهل كثيرًا من أمور الفساد وسهل خروج النساء من بيوتهن، وكان لذلك أثر في انتشار ما لا يجوز من الأمور (٢).
стр. 22
أما الأحوال الإقتصادية فإنها كانت غير مستقرة وهي مرتبطة بصلاح السلطان ومدة حكمه، وقد أصاب البلاد فترات من الغلاء العام كما حدث ذلك في سنة ٨٩٢ هـ (١).
وكذلك وقع في ذلك الزمان بعض الأوبئة العامة كالطاعون الذي حدث في القاهرة سنة ٨٤٨ هـ بحيث كان يخرج باليوم الواحد ما يزيد على الألف.
وفي سنة ٨٩٧ هـ وقع طاعون عام لم يسمع بمثله حتى قيل: إن ربع أهل الأرض ماتوا به (٢).
هذه أهم مظاهر الحياة الإجتماعية في ذلك العصر، ولعل ما أصاب أهل مصر في ذلك الزمان لم يكن خاصًّا، بل هو عام في شتى الأقاليم الإِسلامية ولا حول ولا قوة إلا بالله.
* المبحث الثالث: الحالة العلمية والدينية:
كانت مصر في أيام المماليك تعتبر دولة إسلامية قوية بالنسبة لجاراتها، ولذلك فقد قصدها العلماء وطلاب العلم من كل مكان، وقد كان لتشجيع بعض سلاطين المماليك للعلم وأهله دور هام في النهضة العلمية التي حصلت في مصر في ذلك الزمان، فقد سقطت بغداد ولم يعد للدولة العباسية وجود إلا في مصر وهو وجود اسمي فقط، والعلم يتبع عادة المراكز القوية؛ ولذلك رحل العلماء وطلاب العلم إلى مصر معلمين ومتعلمين، وقد اعتنى السلاطين ببناء المدارس وأجروا الأوقاف عليها وعينوا المعلمين وأجروا لهم الرواتب ولذلك نشطت حركة التعليم والتأليف في ذلك العصر، وشهد ذلك العصر علماء أجلاء أمثال ابن حجر
стр. 23
والسخاوي والسيوطي، وظهرت مؤلفات عظيمة لهؤلاء الأئمة وغيرهم ولا سيما في علوم الحديث من جمع وتصنيف وفهرسة وزوائد ونحوها.
لكن هذا العصر كغيره من العصور لم يخل من بعض الأخطاء الخاصة والعامة التي ورثها علماء ذلك الزمان عن سلفهم واستحكمت فيهم بسبب التقليد والدعوة إلى نبذ الإجتهاد وإغلاق بابه وإيجاب كل شيخ على تلاميذه الأخذ بأقواله وتحذيره لهم من أخذ أقوال علماء غيره ولا سيما من أقرانه، وقد نقل ابن حجر ﵀ عن بعض علماء عصره وصفًا لحال بعض العلماء في ذلك الزمان حيث قال:
إن الدروس بمصرنا في عصرنا … طبعت على غلط وفرط عياط
ومباحث لا تنتهي لنهاية … جدلًا ونقل ظاهر الأغلاط
ومدرس يبدي مباحث كلها … نشأت عن التخليط والأخلاط
ومحدث قد صار غاية علمه … أجزاء يرويها عن الدمياطي
والفاضل النحرير فيهم دأبه … قول أرسطا طاليس أو بقراط
وعلوم دين الله نادت جهرة … هذا زمان فيه طي بساطي (١)
وأهم سمات ذلك العصر العلمية والدينية:
١ - انتشار المدارس والعناية بها، وإنشاء المكتبات فيها، ووقف الأموال عليها من أجل استمرارها.
٢ - كثرة المؤلفات العلمية الضخمة، ولا سيما في علم الحديث والرجال.
٣ - انتشار الطرق الصوفية عند العام والخاص حتى عند علماء ذلك العصر، وقد بنيت لهؤلاء الصوفية الزوايا ووقفت عليهم الأوقاف، واعتقد الناس بهؤلاء المجانين أنهم أولياء، وأنهم يعلمون الغيب، وأن لهم تصرفًا في الكون، وأن من دخل الطريقة هدي، ومن لم يكن له شيخ فالشيطان شيخه. ولا تستغرب
стр. 24
إذا قرأت ترجمة أحد المشهورين في ذلك العصر فوجدت أنه قد بايع على طريقة صوفية ولبس الخرقة على يد الشيخ فلان، فهذا أمر عام في ذلك الزمان.
٤ - انتشار العقيدة الأشعرية في ذلك العصر، حتى اشتهر أنها عقيدة أهل السنة والجماعة، أما عقيدة السلف فهي عندهم عقيدة المجسمة، ولا يجوز تعليمها ولا تعلمها، ومن علمها أو تعلمها أدب وعوقب.
٥ - المبالغة في إحياء الإحتفالات البدعية باسم الدين كالمولد ورأس السنة الهجرية، وعاشوراء، وليلة الإسراء والمعراج، ونحوها من الأعياد البدعية.
٦ - الحرص على التمذهب لأحد المذاهب الأربعة، ولذلك تعدد القضاة، فلكل مذهب قاض ولكل مذهب مفتي مع حرص السلاطين على رفع أتباع المذهب الشافعي لأنه مذهبهم (١).
قال الشيخ محمد حامد الفقي ﵀: (ومن يقرأ مؤلفات السخاوي يرى فيها صورة العصر الذي عاش فيه، فيعرف أنه كان عصر تقليد عميق، وجمود عتيق على الموروث عن الآباء والمشايخ …
ولذلك فلم يكن من المستغرب أن تروج عندهم وثنيات الموالد والأعياد التي أوحاها شياطين الإنس لعبادة الموتى من دون الله باسم الإِسلام، ولا من العجب أن تعظم وتقدس في نفوسهم القباب والمقاصير والمشاهد ومشيدوها، فيثنى عليهم أطيب الثناء، فكان من ثمرات ذلك ولابد أن تموت عقيدة التوحيد الإِسلامية من - أكثر - القلوب فتموت القلوب بموتها وأن تشيع الخرافات وتتحكم البدع المحدثات ولا حول ولا قوة إلا بالله) (٢).
стр. 25
وقد عقد الشيخ ﵀ مقارنة بين ما قام به شيخ الإِسلام ابن تيمية ﵀ من دعوة إلى التوحيد الخالص وبين علماء ذلك العصر، وبَيَّنَ فضل دعوة شيخ الإِسلام ﵀ وتلاميذه على دعوة علماء عصر السخاوي وطريقهم، وهو كما قال ﵀. وكم يتعجب الإنسان من بعض أخطاء هؤلاء العلماء الأجلاء مع عنايتهم الفائقة بالحديث وعلومه، وكيف مرت البدع الشنيعة في كتبهم بلا نكير، ولكن إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء، ونسأله سبحانه أن يهدينا لما اختلف فيه من الحق بإذنه، إنه يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم.
* * *
стр. 26
الفصل الثاني سيرة المؤلف الشخصية
* المبحث الأول: اسمه ونسبته وكنيته ولقبه (١):
هو الشيخ الحافظ، الرحالة، المحدث، محمد بن عبد الرحمن بن أبي بكر بن محمد، الملقب شمس الدين، أبو الخير وأبو عبد الله بن الزين، - أو الجلال - أبي الفضل وأبي محمد السخاوي.
ينسب إلى سخا، بلدة في جنوب غرب مصر، وربما يقال له: ابن البارد شهرة لجده بين أُناس مخصوصين، ولذا لم يشتهر بها أبوه بين الجمهور ولا هو بل يكرهها، ولا يذكره بها إلا من احتقره.
ويقال له كذلك: البهائي، نسبة إلى الحارة التي وُلد بها في القاهرة، وتسمى حارة بهاء الدين، وتقع بالدرب المجاور لمدرسة الشيخ البلقيني.
ويكنى بأبي الخير، وأبي عبد الله ويلقب (شمس الدين).
стр. 27
* المبحث الثاني: مولده ونشأته وحياته:
وُلد السخاوي في ربيع الأول سنة إحدى وثلاثين وثمانمائة بالقاهرة، في حارة بهاء الدين علو الدرب المجاور لمدرسة الشيخ البلقيني محل أبيه وجده.
ثم تحول حين دخل في الرابعة مع أبويه لبيت اشتراه أبوه مجاور لسكن شيخه الحافظ ابن حجر.
وقد نشأ السخاوي ﵀ نشأة صالحة، وكان اهتمام أبيه به كبيرًا، فقد حرص على تحفيظه القرآن وهو في سن مبكرة، وكان يختار له المدرسين وينقله من شيخ إلى شيخ يطلب له - والله أعلم - أفضلهم، فبسبب حرص والده عليه بعد توفيق الله حصل له هذا العلم الوفير.
وقد لازم شيخه ابن حجر ملازمة تامة ولم ينفك عن ملازمته ولا عدل عنه بملازمة غيره من علماء الفنون خوفًا على فقده، ولا ارتحل إلى الأماكن النائية بل ولا حج إلا بعد وفاته، وأول مرة حج فيها سنة ٨٧٠ هـ مع عياله وأكبر إخوته ووالديه، ثم رجع إلى القاهرة.
وحج مرة أخرى في سنة خمس وثمانين وثمانمائة وجاور سنة ست ثم سنة سبع وأقام منها ثلاثة أشهر بالمدينة.
ثم حج الثالثة في سنة ٨٩٢ هـ وجاور سنة ثلاث ثم سنة أربع.
ثم حج الرابعة في سنة ست وتسعين وثمانمائة وجاور إلى سنة ثمان، فتوجه إلى المدينة النبوية، فأقام بها أشهًرا وصام رمضان بها ثم عاد في شوالها إلى مكة وأقام بها مدة ثم رجع إلى المدينة فأقام بها حتى توفي ﵀ (١).
стр. 28
* المبحث الثالث: وفاته:
بعد حياة مليئة بالدراسة والتعلم والرحلات والتأليف، توفي السخاوي ﵀ في المدينة النبوية في يوم الأحد الثامن والعشرين من شعبان سنة اثنتين وتسعمائة للهجرة وصلي عليه بعد صلاة صبح يوم الإثنين، ودُفن بالبقيع ﵀ رحمة واسعة (١).
وقد اتفقت المصادر التي ذكرت وفاته أنه مات في سنة ٩٠٢ هـ سوى ما ذكره الغزي قال: (رأيت بخط بعض أهل العلم أن السخاوي توفي سنة خمس وتسعين وثمانمائة. قال: وهو خطأ فإني رأيت بخط السخاوي على كتاب "توالي التأسيس بمعاني ابن إدريس الشافعي" للحافظ ابن حجر أنه قرأه عليه في مجالس آخرها يوم الجمعة ثامن شهر المحرم سنة سبع وتسعين وثمانمائة. ورأيت بخطه أيضًا على الكتاب المذكور أنه قرأ عليه أيضًا بالمدرسة المذكورة في مجالس آخرها يوم الأربعاء ثامن عشر شهر ربيع الأول سنة تسعمائة.
قال: ثم رأيت ابن طولون ذكر في "تاريخه" أنه توفي بمكة وصلي عليه غائبة بجامع دمشق يوم الجمعة ثالث عشر ذي القعدة سنة اثنتين وتسعمائة.
قال: ثم رأيت النعيمي ذكر في "عنوانه" أنه توفي بالمدينة وصلي عليه غائبة بدمشق يوم الجمعة سابع عشر ذي القعدة سنة اثنتين وتسعمائة والله أعلم أيهما أصح) (٢).
* * *
стр. 29
الفصل الثالث سيرة المؤلف العلمية
* المبحث الأول: طلبه للعلم:
إن المطالع لسيرة السخاوي ﵀ يجد اهتمام والده به واضحًا منذ طفولته، فقد أدخله الكتَّاب، ثم صار ينقله من شيخ إلى شيخ، فإنه لما تعلم مبادئ القراءة في المكتب - الكتَّاب - نقله أبوه إلى مدرس آخر، فقرأ عليه القرآن حتى أتمه وهو صغير ولم تذكر المصادر في أي سنة حفظ القرآن إلا أن حرص والده عليه وذكاءه يدلان على أنه حفظه في سن مبكرة، ثم تدرب على الإمامة فصلى بالناس التراويح في رمضان فيما يسمونه بمصر الزوايا، وهذا يدل على أنه صلى بهم وهو صغير؛ لأن الزاوية ليست مسجدًا كما هو معلوم، فكأنه أراد ضبط حفظه فصلى في هذه الزاوية التراويح بالناس. ثم بعد هذا انتقل إلى شيخ آخر فقرأ عليه التجويد وضبط عليه القرآن وهو الشيخ محمد بن أحمد النحريري، فلما أتم حفظ القرآن وجوده بدأ بحفظ كثير من المتون.
فحفظ "عمدة الأحكام"، و"ألفية العراقي"، و"شرح نخبة الفكر"، وغالب "الشاطبية".
ولزم البرهان بن خضر أحد علماء العربية في زمانه، فقرأ عليه غالب "شرح الألفية" لابن عقيل، وسمع الكثير من توضيحها لابن هشام، وأملى عليه عدة كراريس من مقدمة العربية.
وقرأ كذلك على الحناوي النحوي "مقدمة الدرة المضية" في النحو، وقرأ الفقه
стр. 30
على كثير من علماء بلده في ذلك الزمان منهم العلم صالح البلقيني، وأخذ الفرائض والحساب والميقات وغيرها عن الشهاب ابن المجد، وأخذ عن غير هؤلاء كثير مما ذكره هو عن نفسه في ترجمته في "الضوء اللامع".
وكان في أثناء ذلك قد تعرف على الحافظ ابن حجر ﵀ وعمره ثمان سنوات، وكان أبوه يأخذه للإستماع ليلًا من ابن حجر، فسمع منه حديثًا كثيرًا، ثم لما حصَّل ما حصَّل من العلوم من المشايخ انقطع بكليته للحافظ ابن حجر ولازمه ملازمة تامة وداوم الملازمة لشيخه حتى حمل عنه علمًا جمًّا واختص به كثيرًا، بحيث كان من أكثر الآخذين عنه وأعانه على ذلك قرب منزله منه، فكان لا يفوته مما يقرأ عليه إلا النادر وينفرد عن سائر الجماعة بأشياء. وقد علم شيخه ابن حجر ﵀ شدة حرصه على الأخذ منه فكان يرسل خلفه أحيانًا بعض خدمه لمنزله يأمره بالمجيء للقراءة. وهكذا نجد حياة السخاوي ﵀ مليئة بطلب العلم والحرص على الأخذ من العلماء مما أثر ذلك على شخصيته العلمية القوية وعلى كثرة تأليفه (١).
* المبحث الثاني: رحلاته:
مع كثرة ما حصله السخاوي ﵀ في بلده من السماعات على العلماء في شتى الفنون إلا أنه حرص على الإستفادة من العلماء الموجودين في العالم الإِسلامي في ذلك الوقت ولذلك رحل كثيرًا للسماع منهم. وأول رحلاته كانت إلى المدن المصرية خارج القاهرة فسافر إلى منوف ودمياط وفيشا الصغرى وبلبيس والمنصورة والمحلة ورشيد والإسكندرية، وغيرها من مدن مصر، فأخذ عن نحو خمسين من العلماء والمسندين في تلك البلاد.
стр. 31
ولما مات شيخه وخرج إلى الحج لم يفته الأخذ عن علماء تلك الديار فأخذ عن علماء ينبع وجدة والطور ومكة والمدينة، ثم ارتحل إلى حلب فسمع وروى، ورحل كذلك إلى غزة والمجدل والرملة وإلى بيت المقدس ونابلس ودمشق وبعلبك وحمص وحماة والمعرة وجبرين وطرابلس والمزة وداريا. ويبلغ عدد من سمع منهم في هذه الرحلات نحو مائة نفس، ويزيد عدد البلدان والأماكن التي سمع فيها على الثمانين. وفي هذه البلدان أملى كثيرًا من مؤلفاته ورواها عنه العلماء وأجازهم وأجازوه واجتمع له من المرويات بالسماع والقراءة بمصر وغيرها الشيء الكثير. ولم تذكر المصادر أنه رحل إلى العراق أو بلاد فارس والهند أو ما وراء النهر أو بلاد المغرب أو غيرها من بلاد العالم الإِسلامي، والسبب والله أعلم أن تلك البلاد خارجة عن حكم دولة المماليك، أو لبعد تلك البلاد، أو لعدم أمن الطريق بسبب الفتن الكثيرة التي حصلت في العالم الإِسلامي بسبب حروب التتار والمغول والصليبيين ومحاولة الدولة العثمانية التوسع في العالم الإِسلامي والله أعلم (١).
* المبحث الثالث: مشايخه وتلاميذه:
سمع السخاوي ﵀ من عدد كبير جدًّا من المشايخ، فقد سمع في مصر عن نحو أربعمائة شيخ، وسمع في رحلاته من نحو مائة شيخ إلا أن أعظم من أخذ عنه من مشايخه ابن حجر ﵀.
قال الشوكاني: (وقد غلبت عليه محبة شيخه الحافظ ابن حجر فصار لا يخرج عن غالب أقواله كما غلبت على ابن القيم محبة شيخه ابن تيمية، وعلى الهيثمي محبة شيخه العراقي) (٢).
стр. 32
وقد علق صديق حسن خان ﵀ على ذلك بقوله: (وعليَّ محبة شيخي العلامة الشوكاني ﵀ (١).
وسأورد في هذا المبحث إن شاء الله أبرز شيوخه:
١ - الحافظ ابن حجر العسقلاني: أحمد بن علي بن محمد، شهاب الدين، المصري، الشافعي. وُلد بمصر سنة ٧٧٤ هـ، ونشأ بها يتيمًا، وحفظ القرآن وهو ابن تسع سنين، وتفقه على الأنياسي والبلقيني ولازمهما مدة، واشتغل بالعلم وحصَّل، وارتحل إلى الشام والحجاز فأخذ عن جماعة، ثم اقتصر على الحديث وصنف كثيرًا. انتهت إليه الرحلة والرياسة في الحديث في الدنيا بأجمعها، فلم يكن في عصره حافظ سواه. وشهد له أعيان شيوخه بالحفظ، وزادت تصانيفه التي معظمها في فنون الحديث على مائة وخمسين تصنيفًا، ورزق فيها القبول فلا تكاد تجد بيت طالب علم إلا وهي فيه قديمًا وحديثًا ولا سيما كتابه العظيم "فتح الباري في شرح صحيح البخاري".
قال الشوكاني: (قال ابن حجر: لست راضيًا عن شيء من تصانيفي لأني عملتها في ابتداء الأمر، ثم لم يتهيأ لي من يحررها معي سوى شرح البخاري ومقدمته، و"المشتبه"، و"التهذيب"، و"لسان الميزان").
توفي ﵀ في اليوم الثامن والعشرين من ذي الحجة من سنة اثنتين وخمسين وثمانمائة ٨٥٢ هـ بالقاهرة (٢).
стр. 33
وقد لازم السخاوي ﵀ شيخه ملازمة تامة وانقطع إليه وقرأ عليه المصطلح بتمامه وسمع جل كتبه، كـ "الألفية" و"شرحها" مرارًا، و"علوم الحديث" لابن الصلاح، وأكثر تصانيفه في الرجال وغيرها كـ "التقريب"، و"التهذيب"، و"تعجيل المنفعة"، و"اللسان"، و"مشتبه النسبة"، و"تخريج الرافعي"، و"تلخيص مسند الفردوس"، و"المقدمة"، وغالب "فتح الباري" ونحوها، وقرأ بنفسه "النخبة وشرحها"، و"القول المسدد"، و"بلوغ المرام"، و"ديوان شعره"، وأذن له في الإقراء والإفادة والتصنيف، وصلَّى به إمامًا التراويح في بعض ليالي رمضان، ولزمه إلى أن مات ﵀ (١).
٢ - أحمد بن يعقوب بن أحمد الأطفيحي، القاهري، الأزهري، الشافعي، ويعرف بابن يعقوب.
وُلد سنة ٧٩٠ هـ بالقاهرة، ونشأ بها، فحفظ القرآن وعدة كتب عرضها على البلقيني وغيره من علماء زمانه. ومن محفوظاته "تقريب الأسانيد" للعراقي. ومن شيوخه العراقي، والهيثمي، والتنوخي، وابن الذهبي، وابن العلائي، وغيرهم. وتزوج زينب ابنة شيخه العراقي. أثنى عليه السخاوي كثيرًا في "الضوء اللامع". توفي سنة ٨٥٦ هـ (٢).
٣ - أسعد بن محمد بن محمد بن المنجا التنوخي، الدمشقي، الحنبلي، يُعرف بابن المنجا.
وُلد بدمشق قبل الثمانمائة بيسير، حفظ القرآن في صغره و"الخرقي"، و"ألفية ابن مالك". تفقه بابن مفلح، وناب في القضاء بدمشق.
стр. 34
قال السخاوي: كان خيرًا متواضعًا، محبًّا للحديث وأهله، مرضي السيرة، عريقًا في المذهب. قال العليمي: كان من أهل الفضل ورواة الحديث الشريف، وهو من بيت مشهور بالعلماء. توفي سنة ٨٧١ هـ (١).
٤ - محمد بن أحمد بن عماد الدين بن يوسف الأفقهسي، القاهري، الشافعي، يُعرف بابن العماد.
وُلد أول رمضان سنة ٧٨٩ هـ. تتلمذ على البلقيني والتنوخي والسراج والكوفي وابن الإمام الذهبي والعراقي. له مؤلفات منها: "تنوير الدياجير بمعرفة أحكام المحاجير". توفي سنة ٧٦٨ هـ (٢).
أما تلاميذه فهم ولا شك كثير فقد سمع منه الناس في مصر والشام ومكة والمدينة وغيرها، ومن هؤلاء:
١ - علي بن يس بن محمد الداراني، الطرابلسي، الحنفي، نزيل القاهرة.
وُلد بطرابلس، وتحول منها إلى دمشق وهو دون البلوغ، فحفظ القرآن ثم عاد إلى بلده، ثم ارتحل إلى القاهرة فحفظ "الآجرومية" وغيرها، ولازم الغزي وأبا الخير بن الرومي وأجاز له السخاوي في كراستين وعظمه وأذن له في التدريس والإفادة. مات سنة ٩٤٢ هـ (٣).
٢ - إبراهيم بن محمد بن إبراهيم الدمشقي، الصالحين، الشافعي، يُعرف بابن المعتمد.
وُلد سنة ٨٤٣ هـ بصالحية دمشق، ونشأ بها وحفظ القرآن و"المنهاج" و"ألفية النحو"، وتفقه بالبدر ابن قاضي شهبة، والنجم ابن قاضي عجلون ولازمه.
стр. 35
قال السخاوي: (استجازني لنفسه ولبنيه) (١).
٣ - محمد بن أحمد بن علي النشرتي الأصل، القاهري، الشافعي.
وُلد عام ٨٢١ هـ، حفظ القرآن وجوده على بعض القراء، وحفظ "العمدة" و"التنبيه" وغيرها، واشتغل في الميقات والحساب والعربية ونحوهما. لازم السخاوي وقرأ عليه الكثير من مصنفاته. توفي سنة ٨٨١ هـ (٢).
* المبحث الرابع: مؤلفاته:
ابتدأ السخاوي ﵀ التأليف في سن مبكرة قبل أن يكمل العشرين من عمره؛ لأن زمانه كان زمن تأليف وتصنيف، وزادت مؤلفاته على أربعمائة مجلد، ذكر أكثرها في كتابه "الضوء اللامع" وهي في فنون شتى، ولكن يغلب عليها علم الحديث وما يتعلق به، وهذا والله أعلم من آثار ملازمته لشيخه الحافظ ابن حجر ﵀، وسأكتفي هنا بذكر أهم المؤلفات ومن أراد الزيادة فعليه بمراجعة مصادر ترجمته.
١ - "الضوء اللامع لأهل القرن التاسع":
وهو كتاب عظيم النفع، ترجم فيه لأعيان القرن التاسع، ومن المعلوم أن الكتب في تراجم أهل ذلك العصر ومن بعده قليلة جدًّا، فنفع الله به في معرفة أحوال أهل ذلك الزمان، وقد أثنى عليه العلماء كثيرًا، وقد ترجم فيه لنفسه ترجمة استفاد منها كل من جاء بعده ممن أراد ترجمته.
قال الشوكاني ﵀: ولو لم يكن لصاحب الترجمة من التصانيف إلا "الضوء اللامع" لكان أعظم دليل على إمامته، فإنه ترجم فيه أهل الديار الإِسلامية
стр. 36
وسرد في ترجمة كل أحد محفوظاته ومقرؤاته وشيوخه ومصنفاته وأحواله ومولده ووفاته على نمط حسن وأسلوب لطيف ينبهر له من لديه معرفة بهذا الشأن ويتعجب من إحاطته بذلك وسعة دائرته في الإطلاع على أحوال الناس. وقد فضل الشوكاني هذا الكتاب على كتاب "الدر الكامنة" لشيخ السخاوي (١).
وقد طبع الكتاب في ثمانية أجزاء.
٢ - "التحفة اللطيفة في تاريخ المدينة الشريفة":
وهو كتاب ترجم فيه المصنف لأهل المدينة ومن سكنها من غير أهلها بشرط أن تكون مدة إقامته سنة فأكثر ويكون قد درس فيها أو حدث وقال في مقدمته لهذا الكتاب: أتيت بما اشتمل عليه هذا الكتاب على حروف المعجم، تسهيلًا للكشف للإستفادة منه والإنتخاب، مراعيًا في ذلك الترتيب في الآباء، والأجداد، وبقية الأنساب، ثم أردف الأسماء بالكنى وبالأنساب ونحوها، مما يقرب المراجعة لمن به اعتنى، ثم بالنساء، اقتداء بمن مضى من الأئمة. وأثبتنا كل هذا بعد الإبتداء بسيرة نبوية مختصرة نافعة مفيدة معتبرة.
ثم أردفنا بإشارة مختصرة جدًّا تشتمل على ما اشتمل عليه المسجد الشريف من أبنية ونحوها، وما في المدينة من مساجد وآبار (٢) اهـ.
وقد استفاد في كتابه هذا من كتاب قرينه السمهودي "وفاء الوفاء" وقد صرح بذلك في مقدمة كتابه هذا.
وقد طبع هذا الكتاب في ثلاث مجلدات، وفيه حكايات وأخبار تحتاج إلى تعليق لمخالفتها العقيدة الصحيحة.
стр. 37
٣ - "فتح المغيث بشرح ألفية الحديث للعراقي":
وهو كتاب شرح فيه المصنف منظومة الزين العراقي المتوفى سنة ٨٠٦ هـ في الحديث. وقد حظي هذا الشرح بعناية العلماء وثنائهم وصار متداولًا لدى المشتغلين بالسنة النبوية الشريفة تدريسًا وتأليفًا، وهو أحد المراجع الدراسية لطلبة كلية الحديث في الجامعة الإِسلامية بالمدينة النبوية، وقد طبع الكتاب مرارًا.
٤ - "المقاصد الحسنة في بيان كثير من الأحاديث المشتهرة على الألسنة":
وهو كتاب جامع، وفيه من الصناعة الحديثية ما ليس في غيره. قال ابن العماد الحنبلي: (وهو أجمع من كتاب السيوطي المسمى بـ "الدرر المنتثرة في الأحاديث المشتهرة" وفي كل واحد منهما ما ليس في الآخر) (١).
وفي هذا الكتاب قرابة (١٥٠٠) حديث من الأحاديث المشتهرة.
قال في مقدمة هذا الكتاب: (وبعد؛ فهذا كتاب رغب إلي فيه بعض الأئمة الأنجاب، أُبين فيه بالعزو والحكم المعتبر ما على الألسنة اشتهر، مما يظن إجمالًا أنه من الخبر، ولا يهتدي لمعرفته إلا جهابذة الأثر، وقد لا يكون فيه شيء مرفوع، وإنما هو في الموقوف أو المقطوع، وربما لم أقف له على أصل أصلًا، فلا أبت فيه بفصل قولًا … " إلى آخر كلامه في ذلك.
وقد طبع الكتاب مرارًا واختصره غير واحد من العلماء منهم الزرقاني وهو مطبوع كذلك.
٥ - "القول البديع في الصلاة على الحبيب الشفيع":
وهو كتاب رتبه مؤلفه على مقدمة وخمسة أبواب، جمع فيها الأحاديث الواردة في الصلاة على النبي ﷺ وما يتعلق بذلك وهو في الحقيقة يحتاج إلى تحقيق
стр. 38
لبيان ما فيه من بعض الأحاديث الضعيفة، وإن كان السخاوي بيَّن غالبًا درجة الحديث، وفيه كذلك حكايات وأخبار تحتاج إلى دراسة، ولا يخلو من بعض الأخطاء الشائعة في ذلك العصر. وقد طبع الكتاب مرارًا.
وللسخاوي ﵀ غير هذه الكتب التي ذكرها في ترجمته، وقد طبع بعضها وليس هذا موضع بسطها.
* المبحث الخامس: مكانته العلمية وثناء العلماء عليه:
إن ما خلَّفه السخاوي ﵀ من كتب علمية دليل على علو مكانته العلمية بالنسبة لعلماء عصره، ولقد كانت له منزلة عالية عند علماء عصره وسلاطينهم كما سبق ذكر ذلك في الحالة السياسية. وكانت كذلك له مكانة خاصة حتى عند شيوخه كالحافظ ابن حجر ﵀، فقد أثنى عليه فقال: (وأمثل جماعتي).
وقال ابن العماد: (وانتهى إليه علم الجرح والتعديل) (١).
وقال الغزي: (الإمام، العالم، العلامة، المسند، الحافظ، المتقن) (٢).
وفي ترجمته لنفسه نقل كثيرًا من ثناء العلماء عليه (٣).
وقال تلميذه جار الله بن فهد عقب ترجمة شيخه لنفسه: (إن شيخنا صاحب الترجمة حقيق بما ذكره لنفسه من الأوصاف الحسنة، ولقد - والله العظيم - لم أر في الحفاظ المتأخرين مثله، ويعلم ذلك كل من اطلع على مؤلفاته أو شاهده وهو عارف بفنه منصف في تراجمه … ولا أعلم الآن من يعرف علوم الحديث مثله، ولا أكثر تصنيفًا ولا أحسن. وكذلك أخذها عنه علماء الآفاق من المشايخ والطلبة والرفاق، وله اليد الطولي في المعرفة بأسماء الرجال، وأحوال الرواة، والجرح
стр. 39
والتعديل، وإليه يشار في ذلك. ولقد قال بعض العلماء لم يأت بعد الحافظ الذهبي مثله سلك هذا المذهب، وبعده مات فن الحديث، وأسف الناس على فقده ولم يخلف بعده مثله) (١).
وقد وقعت بينه وبين بعض معاصريه وأشهرهم السيوطي منافسة وردود، وتكلم كل واحد منهما في الآخر، فأصاب من وجه وأخطأ من وجه، والله يغفر لهما. وعلى أي حالٍ فقد أجاد كل منهما في علوم شتى وإن كان عندهما نقص واضح في علم أصول الدين لقلة هذا العلم وأهله في ذلك الزمان (٢)، والله أعلم.
* المبحث السادس: مذهبه وعقيدته:
انتشر في مصر أيام السخاوي ﵀ المذهب الشافعي في الفقه، وكان من أهم العوامل على انتشاره اعتناق سلاطين البلاد المذهب الشافعي، وتقديمهم علماء الشافعية على غيرهم. وقد ذكر المصنف ﵀ عن نفسه أنه شافعي المذهب، وهكذا ذكر كل من ترجم له، كالشوكاني، والغزي، وغيرهما. ولكنه - والله أعلم - لم يكن من المتعصبين للمذهب، وإن كان كغيره في ذلك الزمان لا يرى الإجتهاد سائغًا، ولكن دراسة الحديث ولا سيما على شيخه الحافظ ابن حجر ﵀ قد أثرت عليه فربما رجح بعض الأقوال المخالفة لمذهب الشافعية.
أما معتقده، فإن المعتقد السائد في تلك البلاد في ذلك العصر هو معتقد المتكلمين الأشاعرة، وهو وإن درس هذه العقيدة إلا أنه لم يكن من الجامدين عليها، بل إنه قد يخالفها ويعمل بما صح من الأحاديث في المسألة أسوة بشيخه ابن حجر ﵀ في "فتح الباري"، وهذا كله ببركة الحديث الشريف.
стр. 40
ولذلك ذكر عن نفسه في ترجمته أنه قرأ على مشايخه كتاب "الإيمان" لابن منده، و"الإيمان" لابن أبي شيبة، و"ذم الكلام" للهروي، و"شرف أصحاب الحديث" للخطيب البغدادي. وهذا يدل دلالة واضحة على أن مذهبه كمذهب بعض من سبقه من متكلمة أهل الحديث، وليس من المتكلمة الجامدين على علم الكلام الذين لا يقيمون وزنًا للحديث الشريف.
وقد ذكر عن نفسه في الترجمة أنه قد لبس الخرقة الصوفية، وأنه أحد أبناء الصوفية. وهذا دليل على تأثره بالصوفية وتعظيمه لهم، شأنه شأن علماء عصره إلا من رحم الله.
وفي الحقيقة إن الحديث عن معتقد السخاوي ﵀ يحتاج إلى بحث واسع، ولعل الله أن ييسر فأفرد له دراسة خاصة عن عقيدته إن شاء الله تعالى (١).
* * *