← Акыда

Акыда · id 12766

موقف ابن تيمية من الأشاعرة

عبد الرحمن بن صالح المحمود

Полный текст (1 361 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

الفصل الثاني تمهيد الكتابة عن منهج ابن تيمية تحتاج إلى بحث مستقل، لأن هناك قضايا في منهجه لابد من طرحها بوضوح وشمول حتى يتبين حقيقة مذهبه ومنهجه فيها. ومن ثم فمن الصعوبة أن يحصر الباحث الكلام في منهجه في العقيدة في فصل ضمن فصول أخرى يحتاج كل واحد منها إلى استقصاء المراجع حوله وأن يأخذ ما يستحقه ضمن فصول الرسالة من الدراسة والتحقيق. وابن تيمية-﵀ لم يركز في كتاباته حول العقيدة على جانب معين فقط، بل تنوعت كتبه وردوده، ومناقشاته للمخالفين، فكتب في شرح عقيدة السلف، وأقوال أئمة الإسلام، كما رد وناقش الفلاسفة، والمعتزلة، وا لقد رية، والجهمية، والمر جئة، والمشبهة، والخوارج، والصوفية، والر افضة، والأشاعرة، وغرهم، وكان موقفه من هؤلاء، ومنهجه في الرد عليهم نابعا من المنهج السلفي القائم على الكتاب والسنة بموازين دقيقة. وهذه الحقيقة تميز شيخ الإسلام عن غيره من العلماء، الذين كانت لهم جهود مشكورة ومساع محمودة في نصرة هذا الدين والذب عن حوزته، لكن الواحد منهم إنما يشتهر في قضية واحدة من قضايا العقيدة، أو الرد على طائفة واحدة فقط من هذه الطوائف المنحرفة، وقد يكون متلبسا بانحراف معين قالت به طائفة أخرى، والمقصود بهذا الكلام العلماء المتأخرون بعد القرون المفضلة، وذلك حين كانت هذه الفرق والطوائف المنحرفة موجودة في كل مكان في العالم الإسلامي. إن من نعم الله الكبرى- على شيخ الإسلام ابن تيمية- أنه ود على كل طائفة وما وقع في انحراف الطائفة المقابلة لها، ولا شك أن من اعتصم بالله وبكتابه وسنة نبيه محمد ﷺ من غير غلو ولا تقصير فإن الله يوفقه إلى الوسطية، ودين الله وسط بين الأديان، وأهل السنة وسط بين الطوائف!.

стр. 212

لقد كان شيخ الإسلام صاحب منهج واضح، وقد وظف هذا المنهج في جميع ما كتب، فما تغيرت طريقته ولا وقع في التناقض كما حدث لغيره. ولا نريد أن نقارن بينه وبين الغزالي- مثلا- كما فعل بعضهم، لأن الغزالي وإن كان قد رد على الفلاسفة والباطنية، إلا أنه لم يكن مستمرا على منهج واحد ثابت، ولذلك تقلبت به الأحوال كثيرا. ولكن نقارن بين شيخ الإسلام وعلم آخر، كان صاحب منهج، سطر منهجه في كتبه،؟ كان صاحب آراء اجتهادية وأصولية جدد فيها تجديدا جعله من أعلام هذا العلم، وهذا الإمام هو أبو إسحاق الشاطبى المتوفي سنة ٧٩٠ هـ (١) أي بعد وفاة ابن تيمية بما يزيد قليلا عن ستين عاما، فهذا الإمام كانت له جهود مشكورة في مجالات متعددة، أهمها جانبان: أحدها: التجديد في مجال " أصول الفقه "، والتركيز على مسائل المصالح المرسلة، وبيان كمال هذه الشريعة، وشرح الكليات المتضمنة لمقاصد الشارع في وضع الشريعة، كما طرق مباحث أصول الفقه وربطها بتلك الكليات والمقدمات فجاءت مباحث هذا الكتاب فريدة في منهجها وأسلوب عرضها. والآخر: التجديد في مجال تمحيص السنة ورد البدعة، وقد كانت له مواقف عملية في هذا الجانب، ولما رأى الناس في عصرهـ مالوا إلى ما أحدثه متصوفة عصره وغيرهم من البدع في الأذكار والعبادات وإقامة الموالد وغيرها- أيقن أنه لابد من الرجوع إلى الأصول الشرعية لتمييز ما هو من قبيل الشرع موافق لأصوله وأدلته، عن ما هو من قبيل البدع التى حرمها دين الاسلام ونهى عنها، فجاء كتاب " الاعتصام " فريدا في أسلوبه ومنهجه، فعرض بشكل مفصل لقضايا البدع

стр. 213

ومنشئها وحكمها، فمن القضايا المنهجية في كتابه: ١- مأخذ أهل البدع في الاستدلال (١) . ٢- أحكام البدع الحقيقية والاضافية والفرق بينهما (٢) . ٣- الفرق بين البدع والمصالح المرسلة والإستحسان (٣) . ٤- أنواع دخول البدعة في الشرع أربعة: الجهل بأدوات المقاصد، والجهل بالمقاصد، وتحسين الظن بالعقل، واتباع الهوى (٤) . فهذان الكتابان- الموافقات والاعتصام- بما فيهما من تجديد ومنهجية كانا سببا في شهرة مؤلفهما، وتبوئه لمكانة في النفوس بوصفه من المدافعين عن مذهب السلف الذين عملوا على تمحيصه مما شابه من بدع وضلالات. ولكن هل هذا المنهج استمر مع الشاطبي في جميع مباحث العقيدة؟ وهل الأصول المنهجية التي وضعها في كتاب " الاعتصام " طبقها في جوانب العقيدة الأخرى؟. الجواب عن ذلك (٥) يتبين من خلال تتبع بعض أقواله في العقيدة وقضاياها التي يذكرها عرضا: وهذه أمثلة: ١- يقول في معرض ذكره لانحراف المنحرفين الذين يتبعون المتشابه:

стр. 214

" ومثاله في ملة الاسلام مذهب الظاهرية (١) في إثبات الجوارح للرب- المنزه عن النقائص- من العين واليد والرجل والوجه - المحسوسات، والجهة، وغير ذلك من الثابت للمحدثات " (٢) ، قد يتبادر إلى الذهن أنه يقصد الرد على المشبهة خاصة وأنه قال " المحسوسات "، ولكن ذكره للجهة- والسملف يثبتون لثة صفة العلو- وقوله " وغير ذلك من الثابت للمحدثات " يدل على أن إثبات هذه الصفات: العين، اليد، وغيرها لله تعالى على الوجه اللائق بجلال الله وعظمته عنده لا تجوز لأنها من الصفات التى تثبت للمحدثات، ومن ثم فيجب تأويلها وهذا هو مذهب الأشاعرة، وإذا كان قد ذكر من مآخذ أهل البدع في الاستدلال " ردهم للأحاديث التى جرت غير موافقة لأغراضهم ومذاهبهم، ويدعون أنها مخالفة للمعقول، وغر جارية على مقتضى الدليل فيجب ردها كالمنكرين لعذاب القبر، والصراط، والميزان، ورؤية اللة في الآخرة " (٣) فكيف- وهذه عبارة الشاطبي نفسهـ نفرق بين الموقفين والمنهجين؟. ٢- ويقول أيضا في معرض رده على أهل البدع في استدلالهم بأحد الأحاديث: " والثاني أنه خبر واحد في مسألة قطعية فلا يسمع " (٤) ، هذا كلام واضح وصريح في هذه المسألة الخطيرة، التي بسببها ردت أحاديث كثيرة في الصفات، ولكن الشاطبى نفسه - في موضع آخر لا يتبنى هذا القول بل يرد- في أثناء عرضه لمآخذ أهل البدع في الاستدلال على الذين لا يأخذون بأحايث الآحاد فيقول: " وذهبت طائفة إلى نفي أخبار الآحاد جملة، والاقتصار على ما استحسنته عقولهم في فهم القرآن، حتى أباحوا الخمر بقوله: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا﴾ الآية [المائدة: ٩٣] ففي هؤلاء وأمثالهم قال رسول الله ﷺ " لا ألفين أحدكم متكئا على أريكته يأتيه الأمر من أمري مما أمرت به أو نهيت عنه، فيقول: لا أدري ما وجدنا

стр. 215

في كتاب الله اتبعناه " (١) وهذا وعيد شديد تضمنه النهي لاحق بمن ارتكب رد السنة (٢) ، فهل الرد للحديث في الموضع الأول مختلف عنه في الموضع الثاني. ٣- ونضرب مثالا ثالثا- والتركيز في الأمثلة على ما فيها منهج ليس على الجزئيات- يقول الشاطبي في معرض ذكره لأنواع دخول البدع في الشرع وأسبابه وأن منها تحسين الظن بالعقل، يقول بعد كلام طويل: " فهو أصل اقتضى للعاقل أمرين: أحدهما: أن لا يجعل العقل حاكما بإطلاق، وقد ثبت عليه حاكم بإطلاق وهو الشرع، بل الواجب عليه أن يقدم ما حقه التقديم- وهو الشرع- ويؤخر ما حقه التأخير- وهو نظير العقل- لأنه لا يصح تقديم الناقص حاكما على الكامل، لأنه خلاف المعقول والمنقول، بل ضد القضية هو الموافق للأدلة ولا معدل عنه " (٣) هذا الكلام منهجي وسليم- موافق لمذهب أهل السنة-، لكنه لما ذكر الأمثلة على ذلك مما قد يتوهم أن العقل يحيله وهو ثابت في الشرع ذكر هذا المثال: " والسابع: رؤية الله في الآخرة جائزة، إذ لا دليل في العقل يدل على أنه لا رؤية إلا على الوجه المعتاد عندنا، إذ يمكن أن تصح الرؤية على أوجه صحيحة ليس فيها اتصال أشعة، ولا مقابلة، ولا تصور جهة، ولا فضل جسم شفاف، ولا غير ذلك، والعقل لا يجزم بامتناع ذلك بديهة، وهو إلى القصور في النظر أميل، والشرع قد جاء بإثباتها فلا معدل عن التصديق " (٤) . أراد الشاطبي أن يقول لا مانع من إثبات الرؤية ونفى صفة العلو دثة تعالى؟ وذلك حين تال: " ولا تصور جهة ولا نضل جسم "،

стр. 216

ولكن كيف يصنع بأدلة العلو التي هي أضعاف أضعاف أدلة الرؤية؟ وكيف يسلم لمن نفى العلو- الجهة- لشبهة التجسيم أو مخالفة العقل، وينعي على نفي الرؤية لنفس التعليل، وكلاهما وردت به النصوص؟ وهذا التناقض إنما ساير فيه الشاطبي الأشاعرة، وهو من المضايق الخانقة في مذهبهم، وقد فشلوا في الجواب عنه فشلا ذريعا- كا سيأتي إن شاء اللهـ. هذه أمثلة توضح الفرق بين المنهجين: منهج الشاطبي، ومنهج شيخ الإسلام ابن تيمية، الذي جاءت كتبه كلها- سائرة على نهج واحد- حتى أن الانسان ليحتار أي كتبه ألفه أولا، ليس هناك مراحل في منهجه وحياتهـ كماحدث لغيرهـ وإنما هو منهج وطريق واحد في جميع القضايا التي طرحها في كتبه. لقد التزم شيخ الإسلام بمذهب ونهج السلف- في جميع ما كتب- حتى أن بعض عباراته لا يتبين لأول وهلة أهي عبارته أم عبارة غيره من السلف حين ينقل شيئا من كلامهم. ومما يعجب له في هذا الباب أن أحد العلماء (١) - المعاصرين لابن تيمية- رد على ابن تيمية في مسألة العلو- أو الجهة كما يسميها- في كتاب ذكره السبكي بتمامه في طبقاته (٢) ، فكان مما قاله هذا العالم: " ولو تنازل (٣) واكتفى بما نقل عن إمامه الإمام أحمد بن حنبل- ﵁ حيث قال: " لا يوصف الله تعالى إلا بما وصف به نفسه أو وصفه به رسوله ﷺ ، لا نتجاوز القرآن والحديث، ونعلم أن ما وصف الله به من ذلك فهو حق، ليس فيه لغو ولا أحاج، بل معناه يعرف من حيث يعرف مقصود المتكلم بكلامه

стр. 217

وهو مع ذلك ليس كمثله شيء في نفسه المقدسة، المذكورة بأسمائه وصفاته، ولا في أفعاله فكما نتيقن (١) أن الله سبحانه له ذات حقيقة (٢) وأفعال حقيقة (٢) فكذلك (٣) له صفات حقيقة (٢) وهو ليس كمثله شيء لا في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله، وكل ما أوجب نقصا أو حدوثا فإن الله منزه عنه حقيقة، فإنه سبحانه مستحق للكمال الذي لا غاية فوقه، ممتنع عليه الحدوث لامتناع العدم عليه، واستلزام الحدوث سابقة العدم وافتقار المحدث إلى محدث ووجوب وجوده بنفسه " [يقول ابن جهبل بعد هذا مباشرة:] هذا نص إمامه فهلا اكتفى به، ولقد أتى إمامه في هذا المكان بجوامع الكلم، وساق أدلة المتكلمين على ما يدعيه هذا المارق بأحسن رد وأوضح بيان " (٤) . يقول الشيخ أحمد ابن إبراهيم بن عيسى النجدي (٥) في رده على هذا الكتاب لما نقل النص السابق: " أقول: لله در هذا الحلبي ما أمد باعه وأشد جمعه للعلوم واطلاعه، حيث أدرج كلام الإمام أحمد بن تيمية مع كلام الإمام أحمد من غير تمييز، وكلام الامام أحمد انتهى إلى قوله " لا نتجاوز القرآن والحديث فظن الحلبي بجهله أن الجميع كلام الامام أحمد، فأخذ يحتج به على ابن تيمية

стр. 218

وهو نفس كلامه ... ونظير هذا أن بعض معاصري (١) شيخ الإسلام ممن رد عليه في مسألة الاستغاثة صار يرد على الشيخ من كتابه " الصارم المسلول على منتقص الرسول "، فانظر إلى هذه السذاجة يرد عليه من كتابه " (٢) . يقول ابن تيمية- في المسألة الثانية قضية البكري- بعد أن نقل كلامه في حرص السلف على حمايته ﷺ من السب أو التنقص: " هذا كله منقول من كلام المجيب من كتاب الصارم المسلول على شاتم الرسول، لكنه أزال بهجته وحذف من محاسنه ما ييين حقيقته، فالمجيب هو المنافح عن الله ورسوله، وهذا كلام المتشبع بما لم يعط، ومن تشبع بما لم يعط فهو كلابس ثوبي زور (٣) " (٤) . هناك ملاحظة أخرى حول منهج ابن تيمية وهي أنه أطال النفس في مناقشة الخصوم من أهل الكلام والفلسفة، ونقل نصوصا طويلة من كتبهم وناقشها، حتى أن القارىء- وقد يكون من المهتمين بمثل هذه القضايا- يجد صعوبة بالغة في ملاحقة الأفكار التي يناقشها، وهذا جزء من منهجه الذي ارتآه، لأنه لا يمكن قطع دابر بعض الشبه إلا بملاحقة أصولها، ومناقشة تلك الأصول التى قد تكون من المسائل الفلسفية التي لابد لردها من عرضها بوضوح ليغ نقضها بوضوح أيضا، وهذه بعض الأسباب نتلمسها من منهجه في هذا:

стр. 219

أ- فقد سأله البزار- أحد تلاميذهـ عن سبب اهتمامه بالأصول، فأجابه، يقول البزار: " ولقد أكثر- رضى الله عنهـ التصنيف في الأصول، فضلا عن غيره من بقية العلوم، فسألته عن سبب ذلك، والتمست منه تأليف نص في الفقه يجمع اختياراته وترجيحاته، ليكون عمدة في الإفتاء، فقال لي ما معناه: الفروع أمرها قريب، فإذا قلد المسلم فيها أحد العلماء المقلدين، جاز له العمل بقوله، ما لم يتيقن خطأه، وأما الأصول: فإني رأيت أهل البدع والضلالات والأهواء كالمتفلسفة، والباطنية، والملاحدة، والقائلين بوحدة الو جود، وا لد هرية، وا لقد رية ة، والنصيرية، والجهمية، والحلولية، وا لمعطلة، والمجسمة، والمشبهة، والراوندية (١) ، والكلابية، والسليمية (٢) ، وغيرهم من أهل البدع قد تجاذبوا فيها بأزمة الضلال، وبان لي أن كثيرا منهم إنما قصد إبطال الشريعة المقدسة المحمدية، الظاهرة العلية على كل دين، وإن جمهورهم أوقع الناس في التشكيك في أصول دينهم، ولهذا قل أن حمعت أو رأيت معرضأ عن الكتاب والسنة مقبلا على مقالاتهم إلا وقد تزندق أوصار على غير يقين في دينه وا عتقا ده ". " فلما رأيت الأمر على ذلك بان لي أنه يجب على كل من يقدر على دفع شبههم وأباطيلهم، وقطع حجتهم وأضاليلهم، أن يبذل جهده ليكشف رذائلهم، ويزيف دلائلهم، ذبا عن الملة الحنيفية والسنة الصحيحة الجليلة ".

стр. 220

" ولا والله ما رأيت منهم أحدأ ممن صنف في هذا الشأن وادعى علو المقام إلا وقد ساعد بمضمون كلامه في هدم قواعد دين الإسلام، وسبب ذلك إعراضه عن الحق الواضح المبين، وعن ما جاءت به الرسل الكرام عن رب العالمين، واتباعه طرق الفلسفة في الاصطلاحات التي حموها بزعمهم: حكميات، وعقليات، وإنما هي جهالات وضلالات، وكونه التزمها معرضا عن غيرها أصلا، فغلبت عليه حتى غطت على عقله السليم، فتخبط حتى خبط فيهاخبط عشواء، ولم يفرق بين الحق والباطل وإلا فالله أعظم لطفا بعباده أن لا يجعل لهم عقلا يقبل الحق ويثبته، ويبطل الباطل وينفيه، لكن عدم التوفيق وغلبة الهوى أوقع من أوقع في الضلال، وقد جعل الله تعالى العقل السليم من الشوائب ميزانا يزن به العبد الواردات فيفرق به بين ما هو من قبيل الحق وما هو من قبيل الباطل، ولم يبعث الله الرسل إلا إلى ذوي العقل، ولم يقع التكليف إلا مع وجوده، فكيف يقال: إنه مخالف لبعفما جاءت به الرسل الكرام عن الله تعالى؟ هذا باطل قطعا، يشهد له كل عقل سليم لكن ﴿ومن لم يجعل الله له نورا فما له من نور﴾ [النور:٤٠] . " قال الشيخ الإمام قدس الله روحه: فهذا ونحوه هو الذي أوجب أني صرفت جل همي إلى الأصول، وألزمني أن أوردت مقالاتهم، وأجبت عنها بما أنعم الله تعالى به من الأجوبة النقلية والعقلية " (١) . فابن تيمية يرى أن سبب تركيزه على هذه الجوانب وإطالة النفس فيها ما رأى عند هذه الطوائف من ضلالات ترمى إفى زعزعة العقيدة ثم الشريعة، وأن الذين ردوا عليها من أهل الكلإم- اتبعوا طرق واصطلاحات الفلاسفة- فساعدوا بمضمون كلامهم في هدم قواعد دين الاسلام، فرأى أنه لابد من بيان الحق للناس صافيأ والرد على هذه المقالات بالأدلة النقلية والعقلية. ٢- وفي مناسبة يعلل ابن تيمية السبب في ذكر حجج الفلاسفة والرد عليها طويلا، ويبين أن كل من كان بفساد الباطل أعرف كان بصحة الحق أعرف

стр. 221

يقول: " ونحن نبين فساد طريق هؤلاء بالطرق الإيمانية والقرآنية تارة، وبالأدلة التى يمكن أن يعقلها من لا يستدل بالقرآن والإيمان؛ وذلك لأنا في مقام المخاطبة لمن يقر بأن ما أخبر به الرسول حق، ولكن قد يعارض ما جاء منه عقليات يجب تقديمها عليه، وإذا كنا في مقام بيان فساد ما يعارضون به من العقليات على وجه التفصيل، فذلك- ولله الحمد- هو علينا من أيسر الأمور ". " ونحن- وللهالحمد- قد تبين لنا بيانا لا يحتمل النقيض فساد الحجج المعروفة للفلاسفة والجهمية والقدرية ونحوهم، التي يعارضون بها كتاب الله، علمنا بالعقل الصريح فساد أعظم ما يعتمدون عليه من ذلك، وهذا- ولله الحمد- مما زادنا الله به هدى وإيمانا، فإن فساد مما يؤيد معرفة الحق ويقويه، وكل من كان أعرف بفساد الباطل، كان أعرف بصحة الحق ... " (١) . والمقصود هنا أن معرفة ما يعارض الكتاب والمرسلين كنبوة مسيلمة ونحوه من الكذابين، وأقاويل أهل الالحاد الذين يعارضون بعقولهم وذوقهم ما جاء به الرسول كلما ازداد العارف معرفة بها بما جاء به الرسول، تبين له صدق ما جاء به الرسول وبيانه وبرهانه، وبطلان هذه وفسادها وكذبها " (٢) . ٣- ويقول- في موضع آخر- معللا كثرة ردوده على ملاحدة الصوفية والجهمية، بأن هؤلاء ظهروا وانتشروا، وكثير من الناس يثق فيهم بل ويجعلهم أهل التحقيق، ويقول: " ولولا أن أصحاب هذا القول كثروا، وظهروا وانتشروا، وهم عند كثير من الناس سادات الأنام، ومشايخ الاسلام، وأهل التوحيد والتحقيق، وأفضل أهل الطريق، حتى فضلوهم على الأنبياء والمرسلين واكابر مشايخ الدين، لم يكن بنا حاجة إلى بيان فساد هذه الأقوال، وإيضاح هذا الضلال، ولكن يعلم أن الضلال لا حد له، وأن العقول إذا فسدت لم يبق لضلالها حد معقول، فسبحان من فرق بين نوع الإنسان فجعل منه من هو أفضل العالمين،

стр. 222

وجعل منه من هو شر من الشياطين، ولكن تشبيه هؤلاء بالأنبياء والأولياء كتشبيه مسيلمة الكذاب بسيد أولي الألباب هو الذي يوجب جهاد هؤلاء الملحدين، الذين يفسدون الدنيا والدين " (١) . ٤- ويعلل- في موضع آخر- كثرة نقوله وردوده أن بعض الناس كلما كان طريق الاستدلال أدق وأخفى وأطول كان أنفع له، يقول: " وقد بسطنا الكلام على ما قاله الناس في هذا المقام من " الحدوث والإمكان " وعلة الافتقار إلى المؤثر، وذكرنا عامة طرائق أهل الأرض في " إثبات الصانع " من المتكلمين والفلاسفة وطرق الأنبياء- صلوات الله عليهم- وما سلكه عامة نظار الإسلام من معتزلي، وكرامى، وكلابي، وأشعري، وفيلسوف، وغيرهم، في غير موضع مثل كتاب درء تعارض العقل والنقل، وغير ذلك، وكذلك بينا طرق الناس في إثبات العلم بالنبوات في " شرح الأصبهانية "، وكتاب " الرد على النصارى " وغيرهما (٢) . وبينا أن كثيرا من النظار يسلك طريقا في الاستدلال على المطلوب ويقول: لا يوصل إلى المطلوب إلا بهذا الطريق، ولا يكون الأمر كما قاله في النفي، وإن كان مصيبا في صحة ذلك الطريق، فإن المطلوب كلما كان الناس إلى معرفته أحوج يسر الله على عقول الناس معرفة أدلته، فأدلة إثبات الصانع وتوحيده وأعلام النبوة وأدلتها كثيرة جدا، وطرق الناس في معرفتها كثيرة وكثير من الطرق لا يحتاج إليه اكثر الناس، وإنما يحتاج إليه من لم يعرف غيره، أو من أعرض عن غيره ". " وبعض الناس يكون الطريق كلما كان أدق وأخفى واكثر مقدمات وأطول كان أنفع له، لأن نفسه اعتادت النظر الطويل في الأمور الدقيقة، فإذا كان الدليل قليل المقدمات، أو كانت جلية، لم تفرح نفسه به، ومثل هذا قد يستعمل معه الطريق الكلامية المنطقية وغيرها لمناسبتها لعادته، لا لكون العلم المطلوب

стр. 223

متوقفا عليها مطلقا، فإن من الناس من إذا عرف ما يعرفه جمهور الناس وعمومهم أو ما يمكن غير الأذكياء معرفته، لم يكن عند نفسه قد امتاز عنهم بعلم، فيحب معرفة الأمور الخفية الدقيقة الكثيرة المقدمات، وهذا يسلك معه هذه الطريق)) (١) . " وأيضا فإن النظر في العلوم الدقيقة يفتق الذهن ويدربه ويقويه على العلم، فيصير مثل كثرة الرمي بالنشاب وركوب الخيل، تعين على قوة الرمى والركوب وإن لم يكن ذلك وقت قتال، وهذا مقصد حسن، ولهذا كان كثير من علماء السنة يرغب في النظر في العلوم الصادقة الدقيقة، كالجبر والمقابلة، وعويص الفرائض، والوصايا، والدور (٢) ، لشحذ الذهن، فإنه علم صحيح في نفسه، ولهذا يسمى " الرياضى " فإن لفظ الرياضة يستعمل في ثلاثة أنواع: في رياضة الأبدان بالحركة والمشي،؟ يذكر ذلك الأطباء وغيرهم، وفي رياضة النفوس بالأخلاق الحسنة المعتدلة، والآداب المحمودة، وفي رياضة الأذهان بمعرفة دقيق العلم والبحث عن الأمور الغامضة، ويروى عن عمر بن الخطاب- ﵁ أنه قال: " إذا لهوتم فالهوا بالرمى، وإذا تحدثتم فتحدثوا بالفرائض " (٣) ، أراد: إذا لهوا بعمل أن يلهوا بعمل ينفعهم في دينهم وهو الرمي، وإذا لهوا بكلام، لهوا بكلام ينفعهم أيضا في عقلهم ودينهم وهو الفرائض " (٤) .

стр. 224

وبعد هذا التمهيد نعرض لمنهج شيخ الاسلام العام، والكلام حول هذا الموضوع كما يلي:: أولا: مقدمات في المنهج . ثانيا: منهجه في المعرفة والاستدلال. ثالثا: منهجه في بيان العقيدة وتوضيحها. رابعا: منهجه في الرد على الخصوم. خامسا: الأمانة العلمية. * * * أولا: مقدمات في المنهج: كثيرا ما يضع ابن تيمية بين يدي ردوده ومناقشاته، أو توضيحه لبعض قضايا العقيدة أصولا ومنطلقات ينطلق منها، وتكون هذه الأمور كالمقدمات الممهدة تفتح للقارى آفاقا تد يكون غافلا عنا، أو غير متصور لها تصورا كاملا، وقد ينير له الطريق في معرفة أقسام الناس أو العلماء أو أنواع من طرق الاستدلال.... ومن أمثلة ذلك: ١- ما يحتاجه الناس في العقيدة: يقول ابن تيمية: " يحتاج المسلمون في العقيدة إفى شيئين: أحدهما: معرفة ما أراد الله ورسوله ﷺ بألفاظ الكتاب والسنة، بأن يعرفوا لغة القرآن التي نزل بها، وما قاله الصحابة والتابعون لهم بإحسان وسائر علماء المسلمين في معاني تلك الألفاظ، فإن الرسول-! آ- لما خاطبهم بالكتاب والسنة عرفهم ما أراد بتلك الألفاظ، وكانت معرفة الصحابة لمعاني القرآن ا! مل من حفظهم لحروفه، وقد بلغوا تلك المعاني إلى التابعين أعظم مما بلغوا حروفه ٠٠٠، (١) ، " ثم [وهذا هو الثاني] ، معرفة ما قال الناس في هذا الباب

стр. 225

لينظر المعاني الموافقة للرسول والمعاني المخالفة لها " (١) ، ثم شرح الوجه الثاني وبين أن الألفاظ التي يوردها الناس نوعان " نوع يوجد في كلام الله ورسوله، ونوع لا يوجد في كلام الله ورسوله، فيعرف معنى الأول، ويجعل ذلك المعنى هو الأصل، ويعرف ما يعنيه الناس بالثاني ويرد إلى الأول، هذا طريق أهل الهدى والسنة، وطريق أهل الضلال والبدع بالعكس، يجعلون الألفاظ التي أحدثوها ومعانيها هي الأصل، ويجعلون ما قاله الله ورسوله تبعا لهم، فيردونها بالتأويل والتحريف إلى معانيهم ... " (٢) . وفرق بين منهج أهل السنة وأهل البدعة في هذا. ٢- لما سئل شيخ الاسلام عن الهم والعزم على فعل المعاصي- وعدم فعلها- هل يعاقب عليه؟ أجاب بقوله " الحمد لله، هذه المسألة- ونحوها - تحتاج قبل الكلام في حكمها إلى حسن التصور لها، فإن اضطراب الناس في هذه المسائل وقع عامته من أمرين: أحدها: عدم تحقيق أحوال القلوب وصفاتها، التي هي مورد الكلام. والثاني: عدم إعطاء الأدلة الشرعية حقها ٠٠٠ (٣) . وابن تيمية يبين الأصل في الفتوى المبني على معرفة الواقعة وحسن التصور لها، ثم معرفة الأدلة الشرعية وحكم الله فيها. ٣- بين طرق الناس في طلب العلم والدين فقال: (والناس لهم في طلب العلم والدين طريقان مبتدعان، وطريق شرعي: فالطريق الشرعي: هو النظر فيما جاء به الرسول، والاستدلال بأدلته والعمل بموجبها، فلابد من علم بما جاء به، وعمل به، لا يكفي أحدهما،

стр. 226

وهذا الطريق متضمن للأدلة العقلية والبراهين اليقينية، فإن الرسول بين بالبراهين العقلية ما يتوقف السمع عليه، والرسل بينوا للناس العقليات التي يحتاجون إليها، كما ضرب الله في القرآن من كل مثل، وهذا هو الصراط المستقيم الذي أمر الله عباده أن يسألوه هدايته. وأما الطريقان المبتدعان: فأحدها: طريق أهل الكلام البدعي، والرأي البدعي، فإن هذا فيه باطل كثير، وكثير من أهله يفرطون فيما أمر الله به ورسوله من الأعمال، فيبقى هؤلاء في فساد علم وفساد عمل، وهؤلاء منحرفون إلى اليهودية الباطلة. والثاني: طريق أهل الرياضة والتصوف والعبادة البدعية وهؤلاء منحرفون إلى النصرانية الباطلة ٠٠. (١) ، فالأقسام ثلاثة: من يجمع بين العلم والعمل وهم أهل السنة، ومن يميل إلى العلم بلا عمل وهم أهل الكلام ومن يميل إلى العمل بلا علم وهم أهل التصوف. ٤- أحسن طريقة لحكاية الخلاف في مسألة من المسائل: جمن ذلك ابن تيمية فيقول: " هذا أحسن ما يكون في حكاية الخلاف أن تستوعب الأقوال في ذلك المقام، وأن ينبه على الصحيح منها، ويبطل الباطل، وتذكر فائدة الخلاف وثمرته لئلا يطول النزاع والخلاف فيما لا فائدة تحته فيشتغل به عن الأهم، فأما من حكى خلافا في مسألة ولم يستوعب أقوال الناس فيها فهو ناقص، إذ قد يكون الصواب في الذي تركه، أو يحكى الخلاف ويطلقه ولا ينبه على الصحيح من الأقوال فهو ناقص أيضا، فإن صحح غير الصحيح عامدا فقد تعمد الكذب، أو جاهلا فقد أخطأ، كذلك من نصب الخلاف فيما لا فائدة تحته أو حكى أقوالا متعددة لفظا ويرجع حاصلها إلى قول أو قولين معنى، فقد ضيع الزمان وتكثر بما ليس بصحيح فهو كلابس ثوبى زور " (٢) .

стр. 227

فقد ذكر أربع ملاحظات على كتير ممن يحكي الخلاف والأقوال: ١- عدم استيعاب الأقوال، وقد يكون الحق في القول الذي أغفله. ٢- حكاية الخلاف بلا بيان للصحيح. ٣- حكاية الخلاف فيما لا فائدة تحته. ٤- تكثير الأقوال وهي ترجع إلى أقل مما ذكره. وفي موضع آخر بين أنواع النزاع وكيف يفصل النزاع الواقع بين اثنين فيقول: " فصل النزاع قد يكون بوجهين: أحدهما: فهي كل منهما عن منازعة الآخر بهذا، إذ هو نزاع فيما لا فائدة فيه، كما لو تنازع اثنان في لون كلب أصحاب الكهف، ومقدار السفينة، والبعض البقرة الذي أمر الله بالضرب فيه إن قدر أنه كان معينا- مع أن ظاهر القرآن يدل على أنه مطلق لا معين- وفي أمثال ذلك من الأمور التي لا فائدة فيها، وقد لا يكون إلى معرفتها سبيل- فمثل هذا ينهى كل منهم عن منازعة الآخر، بل ينهى عن أن يقول ما لا يعلم. والثاني: أن يفصل النزاع ببيان الخطأ من الصواب " (١) . ٥- تقعيده في الرد على الخصوم: احتج بعض النصارى بالقرآن على معتقداتهم الباطلة وذلك بما يزعمون أنه دليل لهم ولا دليل فيه، أما النصوص التى تبين كفرهم وتبين عبودية المسيح ﵇ فلم يحتجوا بها، بل قالوا: إن القرآن يناقض بعضه بعضا، فرد عليهم ابن تيمية في قولهم: إن القرآن يناقض بعضه بعضا قائلا: " إن هذا أيضا إن كان حقا فإنه يقدح في رسالته أأي رسالة محمد ﷺ فإن الرسول لا يناقض بعض خبره بعضا، ومن كان كذلك لم يصح لكم أن تحتجوا بشيء مما جاء به، وإن كان باطلا لم يرد عليه، فعلم أن استدلالهم بما في هذا الكتاب على صحة دينهم الذي خالفوا به هذا الكتاب في غاية الفساد، وهو جمع بين النقيضين،

стр. 228

واستدلال بما في الكتاب على ما يوجب بطلان الاستدلال بشيء مما في الكتاب " (١) ، وقال في موضع آخر في الرد على النصارى: " والمقصود هنا: أنهم سواء صدقوا محمدا أو كذبوه فإنه يلزم بطلان دينهم على التقديرين فإنه إن كان نبيا صادقا فقد بلغ عن الله في هذا الكتاب كفر النصارى في غير موضع ودعاهم إلى الإيمان به، وأمر بجهادهم، فمن علم أنه نبى ولو إلى طائفة معينة، فيجب تصديقة في كل ما أخبر بهـ وقد أخبر بكفر النصارى وضلالهم-.... وإن كذبوا محمدا تكذيبا عاما وقالوا: ليمر هو نبى أصلا، ولا أرسل إلى أحد، لا إلى العرب ولا إلى غيرهم، بل كان من الكذابين كما امتنع مع هذا أن يصدقوا بنبوة غيره فإن الطريق الذي يعلم به نبوة موسى وعيسى يعلم به نبوة محمد بطريق الأولى " (٢) . وبمثل هذه المناقشات والمقدمات يفتح آفاقا في مناهج مناقشة النصارى ومجادلتهم. أقسام العلماء وأنواعهم في مدى معرفتهم بالمعقول والمنقول: كثيرا ما يردد شيخ الإسلام ابن تيمية في ردوده على أهل الكلام والنفاة أن اكثرهم قليل المعرفة بما جاء به الرسول ﷺ والسلف!، وقد أورد اعتراضا على قوله هذا ثم أجاب عنه. فقال: " فإن قيل: قلت: إن اكثر أئمة النفاة من الجهمية والمعتزلة كانوا قليلي المعرفة بما جاء عن الرسول وأقوال السلف في تفسير القرآن وأصول الدين، وما بلغوه عن الرسول، ففي النفاة كثير ممن له معرفة بذلك. قيل: هؤلاء أنواع: نوع ليس لهم خبرة بالعقليات، بل هم يأخذون ما قاله النفاة عن الحكم والدليل ويعتقدونها براهين قطعية، وليس لهم قوة على الاستقلال بها، بل هم في الحقيقة مقلدون فيها، وقد اعتقد أقوال أولئك، فجميع ما يسمعونه من القرآن

стр. 229

والحديث وأقوال السلف لا يحملونه على ما يخالف ذلك، بل إما أن يظنوه موافقا لهم وإما أن يعرضوا عنه مفوضين لمعناه، وهذه حال مثل أبي حاتم البستى (١) وأبي سعد السمان المعتزلي (٢) ، ومثل أبى ذر الهروي (٣) ، وأبي بكر البيهقى (٤) ، والقاضى عياض (٥) وأبي الفرج بن الجوزي (٦) ، وأبي الحسن على بن المفضل المقدسى (٧) وأمثا لهم. والثاني: من يسلك في العقليات مسلك الاجتهاد ويغلط فيها كما غلط غيره فيشارك الجهمية في بعض أصولهم الفاسدة، مع أنه لا يكون له من الخبرة

стр. 230

بكلام السلف والأئمة في هذا الباب ما كان لأئمة السنة، وإن كان يعرف متون الصحيحين وغيرهما، وهذه حال أبي محمد بن حزم (١) ، وأيى الوليد الباجي (٢) ، والقاضي أبى بكر بن العريى (٣) ، وأمثالهم، ومن هذا النوع بشر المريسى (٤) ، ومحمد بن شجاع الثلجى (٥) وأمثالهما. ونوع ثالث: حمعوا الأحاديث والآثار، وعظموا مذهب السلف، وشاركوا المتكلمين الجهمية في بعض أصولهم الباقية، ولم يكن لهم من الخبرة بالقرآن والحديث والآثار ما لأئمة السنة والحديث، لا من جهة المعرفة (٦) والتمييز بين صحيحها وضعيفها، ولا من جهة الفهم لمعانيها، وقد ظنوا صحة بعض الأصول العقلية للنفاة الجهمية، ورأوا ما بينهما من التعارض، وهذه حال أو بكر بن فورك (٧) ، والقاضي أبي يعلى (٨) ، وابن عقيل وغيرهم، (٩)

стр. 231

ولهذا كان هؤلاء تارة يختارون طريقة أهل التأويل؟ فعله ابن فورك وأمثاله في الكلام على مشكل الآثار (١) ، وتارة يفوضون معانيها ويقولون تجرى على ظاهرها كما فعله القاضي أبو يعلى وأمثاله في ذلك، وتارة يختلف اجتهادهم فيرجحون هذا تارة وهذا تارة كحال ابن عقيل وأمثاله. وهؤلاء قد يدخلون في الأحاديث المشكلة ما هو كذب موضوع ولا يعرفون أنه موضوع، وما له لفظ يدفع الاشكال مثل أن يكون رؤيا منام فيظنونه كان في اليقظة ليلة المعراج. ومن الناس من له خبرة بالعقليات المأخوذة من الجهمية وغيرهم وقد شاركهم في بعض أصولها، ورأى ما في قولهم من مخالفة الأمور المشهورة عند أهل السنة، كمسألة القرآن والرؤية فإنه قد اشتهر عند العامة والخاصة أن مذهب السلف وأهل السنة والحديث أن القرآن كلام الله غير مخلوق، وأن الله يرى في الآخرة، فأراد هؤلاء أن يجمعوا بين نصر ما اشتهر عند أهل السنة والحديث، وبين موافقة الجهمية في تلك الأصول العقلية التي ظنها صحيحة، ولم يكن لهم من الخبرة المفصلة بالقرآن ومعانيه والحديث وأقوال الصحابة ما لأئمة السنة والحديث، فذهب مذهبا مركبا من هذا وهذا وكلا الطائفتين ينسبه إلى التناقض، وهذه طريقة الأشعري وأئمة أتباعه كالقاضي أبى بكر (٢) ، وأبي إسحاق الاسفراييني (٣) وأمثالهما، ولهذا تجد أفضل هؤلاء كالأشعري يذكر مذهب

стр. 232

أهل السنة والحديث على وجه الإجمال ويحكيه بحسب ما يظنه لازما، ويقول: إنه يقول بكل ما قالوه، وإذا ذكر مقالات أهل الكلام من المعتزلة وغيرهم حكاها حكاية خبير بها عالم بتفاصيلها، وهؤلاء كلامهم نافع في معرفة تناقض المعتزلة وغرهم، ومعرفة فساد أقوالهم، وأما في معرفة ما جاء به الرسول، وما كان عليه الصحابة والتابعون فمعرفتهم بذلك قاصرة. وإلا فمن (١) كان عالما بالآثار، وما جاء عن الرسول وعن الصحابة والتابعين من غير حسن ظن بما يناقض ذلك لم يدخل مع هؤلاء. إما لأنه علم من حيث الجملة أن أهل البدع الخالفين لذلك مخالفون للرسول قطعا، وقد علم أنه من خالف الرسول فهو ضال، كأكثر أهل الحديث. أو علم مع ذلك فساد أقوال أولئك وتناقضها كما علم أئمة السنة من ذلك ما لا يعلمه غيرهم كمالك ... [عدد جمهرة من أئمة أهل السنة ثم قال،: ومن لا يحصى عدده إلا الله من أئمة الإسلام وورثة الأنبياء وخلفاء الرسل، فهؤلاء كلهم متفقون على نقيض قول النفاة، كا تواترت الآثار عنهم وعن غيرهم من أئمة السلف بذلك، من غير خلاف بينهم في ذلك" (٢) . إن هذا التقسيم المبني على الاستقراء الجيد لأقوال وكتب هؤلاء يجيب عن كثير من الأسئلة التي ترد في نفس المسلم- المتمسك بمذهب السلف- وفي قوله، ومن أهمها: كيف وقع هؤلاء العلماء في حبائل علم الكلام ومسائله وقالوا بها؟ وكيف يجمع بين اهتمامهم بالسنة وروايتها، وبين اعتقادهم لأقوال أهل البدع وكثير منها حرب على السنة وما جاء فيها؟. ثم لماذا يتردد بعض هؤلاء في هذه المسائل فتارة يرجحون مذهب السلف، وتارة يميلون إلى أقوال أخرى مخالفة له؟. هذه الأسئلة وغيرها يتضح الجواب عنها من خلال حكم ابن تيمية على هؤلاء العلماء والمعرفة بأحوالهم والاعتراف لهم بما عندهم من العلم والنية الصادقة، " ومن المعلوم- بعد كمال النظر واستيفائهـ أن كل من كان

стр. 233

إلى السنة وإلى طريقة الأنبياء أقرب- كان كلامه في الإلهيات بالطرق العقلية أصح كما أن كلامه بالطرق النقلية أصح، لأن دلائل الحق وبراهينه تتعاون وتتعاضد، لا تتناقض وتتعارض " (١) . وإذا كان هذا تقسيما للعلماء فإن ابن تيمية أحيانا ينظر نظرة فاحصة إلى الكتب بفنونها- من غير نظر إلى مؤلفيها فيقول: " والمقصود هنا أن يعلم أنه لم يزل في أمة محمد ﷺ من يأمر بالمعروف وينس عن المنكر، وأن أمته لا تبقى على ضلالة، بل إذا وقع منكر من لبس حق بباطل أو غير ذلك فلابد أن يقيم الله تعالى من يميز ذلك فلابد من بيان ذلك ولابد من إعطاء الناس حقوقهم، كا قالت عائشة- ﵂ أمرنا رسول الله ﷺ أن ننزل الناس منازلهم، رواه أبو داود وغيره (٢) . وهذا الموضع لا يحتمل من السعة

стр. 234

وكلام الناس في مثل هذه الأمور التي وقعت ممن وقعت منه، بل المقصود التنبيه على حمل ذلك لأن هذا محتاج إليه في هذه الأوقات: فكتب الزهد والتصوف فيها من جنس ما في كتب الفقه والرأي وفي كليهما منقولات صحيحة وضعيفة بل وموضوعة ومقالات صحيحة وضعيفة بل وباطلة، وأما كتب الكلام ففيها من الباطل أعظم من ذلك بكثير، بل فيها أنواع من الزندقة والنفاق، وأما كتب الفلسفة فالباطل غالب عليها، بل الكفر الصرج كثير فيها " (١) . تلك مقدمات يحرص ابن تيمية على ذكرها في مجال ردوده ورسائله وهي قضايا من منهجهـ ﵀. ثانيا: منهجه في المعرفة والاستدلال: هذه المسألة من المسائل المهمة، لأنها المنطلق الذي ينبغى أن ينطلق منه في مثل هذه المباحث المتعلقة بالعقيدة وأصول الدين، وشيخ الاسلام له منهج واضح في هذا الموضوع، ولكن منهجه هذا لم يكتب فيه كتابة مستقلة في رسالة أو كتاب، وإنما أشار إلى شذرات متفرقة من خلال ردوده ىيما الخا! وين، واتحر مظانه في بحوثه المتعلقة بنقض المنطق، والنبوات، وبيان موافقة صحيح المنقول لصرج المعقول. وقد قام منهجه في هذا على أساسين كبيرين: أحدها: نقض أصول ومناهج الاستدلال الفلسفية والكلامية . والثاني: بيان المنهج الشرعي الإسلامي في ذلك.

стр. 235

أما الأول: فقد كانت لشيخ الإسلام جهود عظيمة فيه لفتت انتباه من أتى بعده من الموافقين والخالفين له، حتى أصبحوا يعتبرون موقفه موقفا متميزا يؤرخون فيه مرحلة من مراحل نظرة المسلمين إلى الفلسفة، والمنطق بشكل خاص (١) . ولن ندخل في هذا الموضوع ولكن نشير إشارات مجملة إلى نقده لتلك المناهج: أ- فقد نقض أصول الفلسفة وأهدافها العليا، ورد على المناطقة الذين يزعمون أن فلسفتهم وبراهينهم توصل إلى العلوم الكمالية، وقد بين شيخ الاسلام أن كمال النفس إنما يكون بالايمان بالله والعمل الصالح، أما علومهم هذه فإنها لا تفيد- إن أفادت- إلا أمورا كلية لا حقيقة لها ولا ثمرة (٢) ، ولذلك قال شيخ الإسلام عن علومهم هذه: إنها " لحم جمل غث، على رأس جبل وعر، لا سهل فيرتقى، ولا سمين فينتقي " (٣) ، وقال عن المنطق اليوناني: " لا يحتاج إليه الذكي ولا ينتفع به البليد " (٤) ، بل بين حكم تعلم المنطق وبين بطلان من قال بوجوبه وأنه فرض كفاية مثل اللغة العربية، كما بين أن الصحابة والتابعين وأئمة المسلمين لم يعرفوه (٥) ، بل بين لماذا اشتهر عند المسلمين أنه يجر إلى الإلحاد والزندقة (٦) . ٢- لما كان المنطق اليوناني يزعم أصحابه أنه آلة قانونية تعصم الذهن من أن يزل فكره، نقض هذا المنطق وكتب فيه كتابا مستقلا مرتبا ومبوبا، وأتى على جميع مباحثه بالمناقشة والنقد، فنقد الحد، وقول المناطقة: إن التصورات

стр. 236

لا تنال إلا بالحد (١) ، كما نقض قولهم لا يعلم شيء من التصديقات إلا بالقياس (٢) ورد قضية الكلية التي يقوم عليها (٣) ، كما رد عليهم حصرهم له بأنه لابد أن يقوم على مقدمتين، فبين بأنه قد يقوم على مقدمة واحدة، وقد يحتاج الوصول إلى نتيجة إلى ثلاث مقدمات أو اكثر، فحصرها بهذا العدد محض تحكم (٤) . كا بين أن كون القضية بديهية أو نظرية أمر نسبي وليس وصفا لها، إذ قد تكون عند شخص بديهية وعند آخر ليست بديهية (٥) ، كا نقض قضايا المنطق الأخرى (٦) ٣- وإذا كان أهل الفلسفة حصروا منهجهم العلمى بالمنطق والقياس، فإن هناك طائفة قابلتهم في هذا الباب، فرأوا أن مصدر المعرفة ليست في شيء من ذلك، وجعلوا مصدرها ما عندهم من خيالات صوفية، وفيوضات- قد تكون فيوضات شيطانية- وغفل هؤلاء وهؤلاء عن الطريقة الشرعية، ولذلك كان بعض العلماء (٧) يتعوذ بالله من قياس فلسفي وخيال صوفي (٨) .

стр. 237

٤- وقد وقع الفلاسفة- وأهل الكلام- في غلط كبير، حين بنوا علومهم على أن كل ما لم يدل عليه الدليل يجب نفيه، وهذا تحكم ظاهر إذ أن معناه أن كل ما جهله الناس أو لم يجدوا له دليلا فعليهم أن ينفوه وينكروا وجوده أو حصوله، وقد رد عليهم شيخ الإسلام ببيانه لقاعدة عامة وهي أن عدم العلم ليس علما بالعدم، أي أن الجهل بالشيء ليس دليلا على أن هذا الشيء غير موجود، وهنا يتبين خطأ المنحرفين حين نفوا أشياء كثيرة- ربما تكون من صفات الله أو اليوم الآخر أو المغيبات- لأنهم لم يجدوا عليها دليلا، وليس الخطأ جهلهم بالدليل، وإنما الخطأ حين جعلوا عدم علمهم بالدليل دليلا على انتفاء هذا الشىء (١) ، والنافي عليه الدليل كما على المثبت (٢) . ٥- كما تطرق ابن تيمية كئيرا إلى شبهة أخرى أضلت كثيرا من الفلاسفة والمتصوفة وأهل الكلام، وهي اشتباه ما في الأذهان بما في الأعيان، أو ما يسمى بالكلى المطلق، فهؤلاء قد يتصورون في أذهانهم أشياء مثل الكليات العقلية التي يزعمون أنها تكون خارج العقل ولا يمكن الإشارة إليها ولا الاحساس بها وليست داخل العالم ولا خارجه، ومثل الكليات المجردة مثل وجود مطلق، أو إنسانية مطلقة، ومثل أصحاب الاتحاد المطلق توهموه في أذهانهم فظنوا أنه في الخارج (٣) . أما الثاني: فقد أشار إلى المنهج الصحيح للمعرفة والاستدلال ويمكن أن نعرضه كما يلي: ١- في البداية يوضح شيخ الإسلام مراتب الدلالة فيقول:" ولا ريب أن الدلالة على مراتب: أحدها: أن يدل الدليل بغير شعور منه ولا قصد، فهذا الذى يسمى لسان الحال.... والدرجة الثانية: أن يكون الدال عالما بالمدلول عليه،

стр. 238

لكن لم يقصد إفهام مخاطب، ولكن حاله دل المستدل على ما علمه، كالأصوات التى تدل بالطبع مثل البكاء والضحك ونحوهما، فإنها تدل على ما يعلمه المرء من نفسه مثل الحزن والفرح، وكذلك صفرة الرجل وحمرة الخجل ... والدرجة الثالثة: الدلالة التي يقصدها الدال، فمنها: الاعلام بغير خطاب مسموع، كمن يعلم لغيره علامات تدله على ما يريد وكإشارة الأخرس ونحو ذلك ... " (١) . ويبين في موضع آخر أن الدليل ينقسم إلى ما يدل بنفسه وما يدل بدلالة الدال به، فالخلوقات تدل على الله الخالق، فهذا مثال ما يدل بنفسه، أما ما يدل بغيره فقد يكون دالا بالمواطأة والاتفاق بين اثنين فصاعدا، مثل أن يتفق الرجل مع وكيله على علامة لمن يرسله إليه تدل على أنه أرسله مثل وضع خنصره في خنصره، ومثل وضع يده على ترقوته، ومثل شعار الناس في الحرب فلكل طائفة شعار خاص بهم يعرفون به بعضهم. وتد يدل بغيره قصدا من غير مواطأة مع المستدلين على أنه دليل، لكنهم يعلمون أنه قصد الدلالة لعلمهم بأحوال مثل أن يرسلوا عمامته أو ثوبه مع شخص فيعلمون أنه أرسلها علامة على أنه أرسله (٢) . وشيخ الإسلام إنما يهدف إلى عدم حصر الاستدلال بطريقة معينة، فإثبات الصانع وحدوث العالم، ودلالة صدق الأنبياء وغيرها لا ينحصر الاستدلال لها في قالب معين كما فعل أهل الفلسفة والكلام الذين وصل بهم الأمر إلى إنكار ما لم يأت عن غير هذا الطريق الذي زعموه. ٢- يقول المتكلمون: إنه لابد للوصول إلى العلم من النظر ولذلك يقولون: إن النظر يضاد العلم، لأنه لو كان عالما لما احتاج إلى النظر، لكن يرجع هؤلاء فيقولون: إن النظر مستلزم للعلم، وهذا تناقف، ويبين ابن تيمية أن الذي يفصل في القضية أن النظر نوعان: أحدهما: النظر الطلبي، وهو النظر في المسألة التي هي القضية المطلوب حكمها ليطلب دليلها، فهذا هو النظر الذ! ط لا يجامع العلم بل يضاده، لأنه ينظر في المطلوب فقد يجده وتد لا يجده، فهذا نظر في الحكم

стр. 239

كالذي ينظر في المسألة لينال دليلها من القرآن والحديث، والثاني: النظر الاستدلالي: وهو النظر في الدليل الذي يوصله ويستلزم المدلول، وهذا هو الذي يوجب العلم ولا ينافيه فهو كالذي ينظر في القرآن والحديث فيعلم الحكم (١) . لكن هل النظر واجب؟ يجيب شيخ الإسلام: " لكن من حصر العلم بطريق عينه، هو مثل حد معين ودليل معين، أخطأ كثيرا، كا أن من قال: إن حد غيره ودليله لا يفيد بحال أخطأ كثيرا، وهذا كما أن الذين أوجبوا النظر وقالوا: لا يحصل العلم إلا بة مطلقا، أخطأوا، والذين قالوا:- لا حاجة إليه بحال، بل المعرفة دائما ضرورية لكل أحد في كل حال- أخطأوا، بل المعرفة وإن كانت ضرورية في حق أهل الفطر السليمة، فكثير من الناس يحتاج فيها إلى النظر، والإنسان قد يستغنى عنه فى حال ويحتاج إليه في حال، وكذلك الحدود قد يحتاج إليها تارة ويستغنى عنها أخرى كالحدود اللفظية، والترجمة قد يحتاج إليها تارة، وقد يستغنى عنها أخرى، وهذا له نظائر. وكذلك كون العلم ضروريا أو نظريا، والاعتقاد قطعيا وظنيا أمور نسبية، فقد يكون الشىء قطعيا عند شخص في حال، وهو عند آخر وفي حال أخرى مجهول فضلا عن أن يكون مظنونا، وقد يكون الشىء ضروريا لشخص في حال، ونظريا لشخص آخر وفي حال أخرى، وأما ما أخبر به الرسول فإنه حق في نفسه، لا يختلف باختلاف عقائد الناس وأحوالهم، فهو الحق الذي لا يقبل النقيض، ولهذا كل ما عارضه فهو باطل مطلقا " (٢) . والعلم علمان: عملي ونظرى، فالأول: " ما كان شرطا في حصول المعلوم كتصور أحدنا لما يريد أن يفعله، فالمعلوم هنا متوقف على العلم به محتاج إليه. والثاني: العلم الخبري النظرى، وهو ما كان المعلوم غير مفتقر في وجوده إلى العلم به كعلمنا بوحدانية الله وأسمائه وصفاته وصدق رسله، وبملائكته وكتبه وغير ذلك، فإن هذه المعلومات ثابتة سواء علمناها أو لم نعلمها، فهي مستغنية عن علمنا بها" (٣) .

стр. 240

٣- ما حد الدليل؟ هل هو المرشد إلى المطلوب وهو ما يكون العلم به مستلزما للعلم المطلوب، فهو بذاته دليل يوصل إلى المقصود، أم الدليل هو ما يكون النظر الصحيح فيه موصلا إلى المطلوب، اختلف النظار في ذلك، ويرى شيخ الإسلام أن كون بعضهم خص الثاني باسم الإمارة دون الدليل، نزاع اصطلاحي، ولكن يرى أن " الضابط في الدليل أن يكون مستلزما للمدلول، فكل ما كان مستلزما لغيره أمكن أن يستدل به عليه، فإن كان التلازم من الطرفين، أمكن أن يستدل بكل منهما على الآخر، فيستدل المستدل بما علمه منهما على الآخر الذي لم يعلمه (١) ثم بين شيخ الإسلام أن هذا اللزوم إن كان قطعيا كان الدليل قطعيا، وإن كان ظاهرا وقد يتخلف كان الدليل ظنيا، ويمثل للقطعي بدلالة الخلوقات على خالقها وصفاته كالعلم والقدرة والمشيئة والرحمة والحكمة (٢) . ٤- والآن ننتقل إلى مسألة أخرى مهمة وهي: طرق العلم والمعرفة ومصادرها هل هى مختصة بجانب معين لا يوصل إلى العلم إلا من خلاله؟ لقد تباينت مذاهب الناس في ذلك فبعضهم حصر العلم بالمحسوس فقط فهو الذي يثبت به الاستدلال يقينا وما عداه لا دليل فيه، وبعضهم حصر الاستدلال بالاعتبار والقياس المنطقي فقط، وبعضهم اعتمد على غير ذلك، ويرى شيخ الإسلام أن طرق العلم متعددة وكثيرة ويمكن إجالها بثلاث طرق: أحدها: الحس الباطن والظاهر، وهو الذي تعلم به الأمور الموجودة بأعيانها. والثاني: الاعتبار بالنظر والقياس وإنما يحصل العلم به بعد الىعلم بالحس، مما أفاده الحس معينا يفيده العقل والقياس مطلقا، فهو لا يفيد بنفسه علم شيء معين لكن يجعل الخاص عاما، والمعين مطلقا، فإن الكليات إنما تعلم بالعقل، كما أن المعينات إنما تعلم بالإحساس.

стр. 241

والثالث: الخبر، والخبر يتناول الكليات والمعينات والشاهد والغائب، فهو أعم وأشمل، لكن الحس والعيان أتم واكمل (١) . ويوسع شيخ الإسلام- في مناسبات مختلفة- الكلام حول هذه الأدلة، ولكنه يركز على مسألة تنوع الأدلة، كما يركز على دليل الخبر الصادق، ولذلك يقول عن أهل الكلام: (إنهم قد سلموا أنه يعلم بالسمع أمور، كما يذكرونه كلهم من أن العلوم ثلاثة أقسام: منها ما لا يعلم إلا بالعقل، ونها ما لا يعلم إلا بالسمع، ومنها ما لا يعلم بالسمع والعقل، وهذا التقسيم حق في الجملة، فإن من الأمور الغائبة عن حس الإنسان ما لا يمكن معرفته بالعقل، بل لا يعرف إلا بالخبر " ثم بين طرق العلم فيقول:" وطرق العلم ثلاثة: الحس، والعقل، والمركب منهما كالخبر" (٢) ويوضح النقطة الأخيرة في مكان آخر فيقول: " إن الخبر أيضا لا يفيد إلا مع الحس أو العقل، فإن الخبر عنه إن كان قد شوهد، كان قد علم بالحس، وإن لم يكن شوهد فلابد أن يكون شوهد ما يشبهه من بعض الوجوه، وإلا لم يعلم بالخبر شىء، فلا يفيد الخبر إلا بعد الحس والعقل، فكما أن العقل بعد الحس فالخبر بعد العقل والحس، فالإخبار يتضمن هذا وهذا " (٣) . وليس الحس وحده تعلم به الأمور إذ هناك المجريات والمتواترات، ويرى شيخ الإسلام أن هذه الأدلة توصل إلى اليقين، ولكن الخطأ الذي وقع فيه الفلاسفة وأهل المنطق أنهم جعلوا ما علم بالحس يمكن أن يستنبط منه قضية كلية عامة، يبنى عليها القانون المنطقي، يقول شيخ الإسلام عنهم: " إنهم كما حصروا اليقين في الصورة القياسية حصروه في المادة التي ذكروها من القضايا الحسيات، والأوليات والمتواترات والمجربات أو الحدسيات، ومعلوم أنه لا دليل على نفي ما سوى هذه القضايا.... ثم مع ذلك إنما اعتبروا في الحسيات والعقليات وغيرهم

стр. 242

ما جرت العادة باشتراك بني آدم فيه، وتناقضوا في ذلك، وذلك أن بني آدم إنما يشتركون كلهم في بعض المرئيات وبعض المسموعات، فإنهم كلهم يرون عين الشمس والقمر والكواكب، ويرون جنس السحاب والبرق، وإن لم يكن ما رآه هؤلاء من ذلك هو ما يراه هؤلاء، وكذلك يشتركون في سماع صوت الرعد، وأما ما يسمعه بعضهم من كلام بعض وصوته فهذا لا يشترك بنو آدم في عينه، بل كل قوم يسمعون ما لا يسمع غيرهم، وكذلك أكر المرئيات، فانه ما من شخص ولا أهل درب ولا مدينة ولا إقليم إلا ويرون من المرئيات ما لا يراه غيرهم، وأما الشم والذوق واللمس فهذا لا يشترك جميع الناس في شيء معين فيه ... وكذلك ما يعلم بالتواتر والتجربة والحدس، فإنه قد يتواتر عند هؤلاء ما لم يتواتر عند غيرهم ولم يجربوه، ولكن قد يتفقان في الجنس، كما يجرب قوم بعض الأدوية ويجرب الآخرون جنس تلك الأدوية، فيتفق في معرفة الجنس لا في معرفة عين المجرب " (١) ، فإذا كانت هذه حال هذه الأدلة فلماذا يفرق أهل المنطق! نها، فيقولون: إن ما علم بالحس يمكن أن يكون دليلا عاما، أما المتواترات والمجربات فليست دليلا عاما وإنما يختص بها من علمها، مع أن اشتراك الناس في المتواترات ا! ثر، وفي المجريات يحصل المعنى الكلي الذى يقوم في النفسى بخلاف الحسيات فليس فيها شيء كلي (٢) ، لقد أدى هذا التفريق بأهل المنطق أن أنكروا المتواترات والأخبار التى تعلم أو جاءت عن طريق الأنبياء، وكذلك الأدلة القرآنية من الأمثلة الضرورية التي ذكر الله تعالى فيها ما جرى للأم السابقة وأنه يجرى على من عمل مثل عملهم. إن شيخ الإسلام يرى أن- الحسيات والمتواترات والمجربيات- يمكن أن تكون دليلا ومصدرا من مصادر المعرفة، ولا يفرق بينها، ويمكن أن ننقل نصا يوضح هذه المسألة، يقول: " وقد ذكر من ذكر من هؤلاء المنطقيين أن القضايا المعلومة بالتواتر والتجربة والحدس يختص بها من علمها بهذا الطريق، فلا تكون حجة على غيره بخلاف غيرها فإنها مشتركة يحتج بها على المنازع. وقد بينا ...

стр. 243

أن هذا تفريق فاسد، فإن الحسيات الظاهرة والباطنة تنقسم أيضا إلى خاصة وعامة وليس ما رآه زيد أو شمه أو ذاقه أو لمسه يجب اشتراك الناس فيه، وكذلك ما وجده في نفسه من جوعه وعطشه وألمه ولذته، لكن بعض الحسيات قد تكون مشتركة بين الناس، كاشتراكهم في رؤية الشمس والقمر والكواكب، وأخص من ذلك اشتراك أهل البلد الواحد في رؤية ما عندهم من جبل وجامع وشهر وغير ذلك من الأمور انحلوقة والمصنوعة ". " وكذلك الأمور المعلومة بالتواتر والتجارب قد يشترك فيها عامة الناس كاشتراك الناس في العلم بوجود مكة ونحوها من البلدان المشهورة، واشتراكهم في وجود البحر وأكثرهم ما رآه، واشتراكهم في العلم بوجود موسى وعيسى ومحمد وادعائهم النبوة ونحو ذلك، فإن هؤلاء قد تواتر خبرهم إلى عامة بني آدم وإن قدر من لم يبلغه أخبارهم فهم في أطراف المعمورة لا في الوسط، وكذلك المجربات، فعامة الناس قد جربوا أن شرب الماء يحصل معه الري، وأن قطح العنق يحصل معه الموت، وأن الضرب الشديد يوجب الألم. والعلم بهذه القضية تجريبي فإن الحس إنما يدرك ريا معينا وموت شخص معين، وألم شخص معين، أما كون كل من فعل به ذلك يحصل له مثل ذلك، فهذه القضية الكلية لا تعلم بالحس، بل بما يتركب من الحس والعقل، وليس الحس هنا هو السمع. وهذا النوع قد يسميه بعض الناس كله تجريبات، وبعضهم يجعله نوعين: تجريبات وحدسيات، فإن كان الحس المقرون بالعقل من فعل الإنسان كأكله وشربه وتناوله الدواء سماه تجريبا، وإن كان خارجا عن قدرته كتغير أشكال القمر عند مقابلة الشمس سماه حدسيا " (١) . فهذه الحسيات والمجربات من طرق العلم عند شيخ الاسلام، ولكنه لا يحصر طرق العلم بها، واعتناؤه بهذه الأمور- خاصة التجربة- أثار انتباه وإعجاب كثير من الباحثين المعاصرين حتى قال أحدهم- ممن يخالف شيخ الاسلام في آرائهـ بعد أن نقل كلامه في ذلك: " وأخيرا لا يسعنا أمام

стр. 244

هذه الروح العلمية التجريبية التي أتسمت بها فلسفة ابن تيمية إلا أن نقرر أنه لو قدر لهذه الفلسفة أن توضع في قالب منهجي لعد ابن تيمية- بحق- على رأس الفلاسفة التجريبيين، وحسبه أنه وضع الأفكار في وقت كانت فيه أوربا ترسف في أغلال الجهل وتعاني من جود الفكر النظري طوال العصور الوسطى " (١) . وإذا كانت مثل هذه القضايا أثارت إعجاب هؤلاء الباحثين بشيخ الإسلام فإن الذى أثار إعجاب تلامذة ابن تيمية- من عصره وإلى اليوم- ما عمل ﵀ من الدعوة إلى العودة إلى مذهب السلف، ونهجهم، ومن ذلك: المنهج الشرعي للاستدلال، الذى تنكبه الفلاسفة والمتكلمون قديما وتلامذتهم حديثا- وهذا ما نشير إليه في الفقرة التالية. ٥- من أصول الاستدلال وطرق المعرفة الكبرى: الطريق والدليل الشرعي، ولكن ما الدليل الشرعي؟ هل هو مقتصر على ما أفاده الخبر بنصه فقط، أو ما يسميه البعض الدليل السمعى، المختص بما لا يمكن العلم به إلا بالسمع وخبر الصادق، لقد فهم كثير من أهل الكلام هذا، ورأوا أن الشرع- من الكتاب والسنة- ليس فيه أدلة عقلية، وإنما أخبار عن مغيبات يجب التصديق بها، وغفل هؤلاء عن الأدلة القرآنية الكثيرة التي فيها مجادلة ومحاجة المنكرين للألوهية والنبوة، والبعث وغيرها، وهؤلاء المنكرون من مشركي العرب وأهل الكتاب وغيرهم لم يكونوا مقرين بنبوة محمد ﷺ ولا بما نزل عليه من الكتاب، ولذلك كان من أصول منهج شيخ الاسلام- في كتبهـ التركيز على المنهج الشرعي وينبه إلى غلط أهل الكلام في حصرهم لهم في خبر الصادق فقط يقول: " الدليل الشرعي قد يكون سمعيا وقد يكون عقليا، فإن كون الدليل شرعيا يراد به: أ- كون الشرع أثبته ودل عليه. ب- ويراد به كون الشرع أباحه وأذن فيه.

стр. 245

(أ) فإذا أريد بالشرعي ما أثبته الشرع، فإما أن يكون معلوما بالعقل أيضا ولكن الشرع نبه عليه ودل عليه، فيكون شرعيا عقليا، وهذا كالأدلة التي نبه الله تعالى عليها في كتابه العزيز من الأمثال المضروبة وغيرها الدالة على توحيده وصدق رسله، وإثبات صفاته وعلى المعاد، فتلك كلها أدلة عقلية يعلم صحتها بالعقل وهي براهين ومقاييس عقلية، وهى مع ذلك شرعية. وإما أن يكون الدليل الشرعي لا يعلم إلا بمجرد خبر الصادق، فإنه إذا أخر بما لا يعلم إلا بخبره كان ذلك شرعيا سمعيا. وكثير من أهل الكلام يظن أن الأدلة الشرعية منحصرة في خبر الصادق فقط وأن الكتاب والسنة لا يدلان إلا على هذا الوجه، ولهذا يجعلون أصول الدين نوعين: العقليات، والسمعيات، ويجعلون القسم الأول مما لا يعلم بالكتاب والسنة. وهذا غلط فهم، بل القرآن دل على الأدلة العقلية وبينها ونبه عليها وإن كان من الأدلة العقلية ما لا يعلم بالعيان ولوازمه؟ قال تعالى: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ [فصلت:٥٣] (ب) وأما إذا أريد بالشرعي ما أباحه الشرع وأذن فيه، فيدخل في ذلك ما أخبر به الصادق، وما دل عليه ونبه عليه القرآن، وما دلت عليه وشهدت به الموجودات، والشارع يحرم الدليل لكونه كذبا في نفسه، مثل أن تكون إحدى مقدماته باطلة، فإنه كذب والله يحرم الكذب لاسيما عليه، كقوله تعالى: ﴿أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِيثَاقُ الْكِتَابِ أَنْ لَا يَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ وَدَرَسُوا مَا فِيهِ﴾ [الأعراف:١٦٩﴾ ، ويحرمه لكون المتكلم به يتكلم بلا علم، كما قال تعالى: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ [الاسراء:٣٦] وقوله تعالى: ﴿وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف:٣٣] ، وقوله: ﴿هَا أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ حَاجَجْتُمْ فِيمَا لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ﴾ [آل عمران:٦٦] . (١)

стр. 246

فالأدلة الشرعية قد تكون سمعية، وقد تكون عقلية نبه عليها الشرع، وشيخ الاسلام دائما ما ينبه إلى أنه لا يمكن أن يتعارض العقل والشرع، ولذلك لم يفصل بين جنس الأدلة-؟ فعل أهل الفلسفة والكلام- فالأدلة قد تكون حسية وتد تكون عقلية وقد تكون شرعية، وكلها صادقة، لأن الكل من عند الله، فالكون مخلوق لله والانسان الذي يعقل ويحس نحلوق لله، والنصوص السمعية منزلة من عند الله، فالذين يتوهمون أنهم قد يعلمون بعقولهم ومقاييسهم أمورا قد يعارضها السمع غالطون أشد الغلط بل ومنحرفون في إيمانهم وثقتهم بما جاء من عند الله من الكتاب والسنة، إذ كلها وحي من الله تعالى، ولهذا يقول شيخ الإسلام منبها إلى أن حصول المعرفة بالشرع على وجوه " أحدها: أن الشرع ينبه على الطريق العقلية التي بها يعرف الصانع، فتكون عقلية شرعية، والثاني: أن المعرفة المنفصلة (١) بأسماء الله وصفاته التى بها يحصل الإيمان تحصل بالشرع كقوله تعالى: ﴿ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان ولكن جعلناه نورا نهدي به من نشاء من عبادنا﴾ [الشورى:٥٢] ، وقوله: ﴿قل إن ضللت فإنما أضل على نفسي وإن اهتديت فبما يوحى إلي ربي﴾ [سبأ:٥٠] ، وقوله: ﴿كتاب أنزلناه إليك لتخرج الناس من الظلمات إلى النور بإذن ربهم﴾ [إبراهيم:١] ، وأمثال ذلك من النصوص التي تبين أن اللة هدى العباد بكتابه المنزل على نبيه" (٢) . فالهداية التامة والمعرفة الصادقة التي لا يدخلها شك أعظم ما تغ عن طريق الكتاب والسنة، إن كان ثمة طريق غيرهما تحصل به هذه المعرفة، ويوضح شيخ الإسلام في هذافيقول: " وأما النظر المفيد للعلم فهو ما كان في دليل هاد، والدليل الهادكط- على العموم والاطلاق- هو كماب اللة وسنة نبيه، فإن الذكط جاءت به الشريعة من نوعي النظر: هو ما يفيد وينفع ويحصل الهدى، وهو يذكر اللة وما نزل من الحق، فإذا أراد النظر والاعتبار في الأدلة المطلقة

стр. 247

من غير تعيين مطلوب فذلك النظر في كتاب الله وتدبره كما قال تعالى: ﴿قد جاءكم من الله نور وكتاب مبين يهدي الله به من اتبع رضوانه سبل السلام ويخرجهم من الظلمات إلى النور بإذنه ويهديهم إلى صراط مستقيم﴾ [المائدة:١٥ - ١٦] . " (١) . ٦- ونعرض للأدلة الشرعية التي ذكرها شيخ الاسلام: أ- فأولها دلالة السمع من الكتاب والسنة على كل ما تنازع الناس فيه، لأن فيهما الهدى التام، فمن اعتصم بالوحي فقد هدى إلى صراط مستقيم، ولذلك فإن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، " دعوا الناس إلى عبادة الله أولا بالقلب، واللسان، وعبادته متضمنة لمعرفته، وذكره، فأصل علمهم وعملهم هو العلم بالله والعمل لله" (٢) (٢) ، ولذلك فالرسل لم يدعوا الناس إلى الإقرار بوجود الله وأنه الخالق، لأن هذا معروف مسلم مركوز في فطر الناس، وإنما دعوا الناس إلى عبادة الله وحده لا شريك له، ومنه ينطلق إلى الأمور الأخرى، لأن من عبد الله وحده وأخلص له في العبادة فلابد أن يصدق برسله وبما جاءوا به من عند ربهم تعالى، يقول شيخ الإسلام: " إن الله سبحانه لما كان هو الأول الذي خلق الكائنات والآخر الذي إليه تصير الحادثات فهو الأصل الجامع فالعلم به أصل كل عمل وجامعه، وليس للخلق صلاح إلا في معرفة ربهم وعبادته، وإذا حصل لهم ذلك فما سواه إما فضل نافع وإما فضول غير نافعة، وإما أمر مضر "، " ثم من العلم به تتشعب أنواع العلوم، ومن عبادته وقصده تتشعب وجوه المقاصد الصالحة، والقلب بعبادته والاستعانة به معتصم مستمسك قد لجأ إلى ركن وثيق، واعتصم بالدليل الهادي، والبرهان الوثيق، فلا يزال إما في زيادة العلم والايمان، وإما في السلامة من الجهل والكفر، وبهذا جاءت النصوص الالهية في أنه بالإيمان يخرج الناس من الظلمات إلى النور، وضرب مثل المؤمن - وهو المقر بربه علما وعملا- بالحي والبصير والسميع والنور والظل- وضرب

стр. 248

مثل الكافر- بالميت والأعمى والأصم، والظلمة والحرور " (١) ، فمنهج الرسل على الضد من منهج المتكلمين الذين يبدأون بالأمور النظرية فيبدأون بإثبات الصانع ثم النبوات ثم السمعيات، وقد تختلط عليهم الأدلة في أول الطريق أو في وسطها أو في آخرها فلا يصلون إلى المقصود، أما الأنبياء- صلوات الله وسلامه عليهم جميعا- فيبدأون من حيث ينتهي الفلاسفة، فإذا كان قصارى ما ينتهي إليه هؤلاء إثبات أن هذا العالم لابد له من خالق، فالأنبياء يبينون لأممهم أنه يجب عبادة الله وحده لا شريك له ما دامت قضية الإترار به وبوجوده مسلمة للجميع. وخلاصة هذا الدليل: أن عبادة الله والإخلاص هي الأساس وهي الموصلة إلى تصديق رسلهـ والله أيدهم بما يدل على صدقهم من المعجزات وغيرها- فإذا تمت الشهادتان: الألوهية والرسالة، كان ما جاء به هؤلاء الرسل من أمر أو خبر هو الحق الذكط يعتصم به المؤمنون وإذا كان المتصوفة على عكس المتكلمين والفلاسفة، فإن أهل الحق والايمان لا يعتمدون على ما يخطر بقلوبهم من خواطر مطلقا، وإنما يزنونها بالكتاب والسنة، ولا يقدمون عليهما شيئا من الأدلة أو الخواطر، ولذلك فما لا أوتيه علماء أهل الحديث وخواصهم من اليقين والمعرفة والهدى فأمر يجل عن الوصف، ولكن عند عوامهم من اليقين والعلم النافع ما لم يحصل منه شيء لأئمة المتفلسفة والمتكلمين، وهذا ظاهر شهود لكل أحد " (٢) . ب- وهناك دليل آخر وهو دليل الفطرة التي فطر الله الناس جميعا عليها، لأن الإنسان خلقه الله تعالى متميزا عن غيره من الخلوقات، فعنده الشعور والإحساس ولديه الإرادة والحركة، ففي الشعور والإدراك يميز بين الحق والباطل والصدق والكذب، وبالارادة والحركة يحب ويبغض فيحب ما ينفعه ويميل إليه، ويبغض ما يضره وينفر منه، وهذه هي الفطرة (٣) ، يقول شيخ الاسلام: " والله سبحانه

стр. 249

خلق عباده على الفطرة التي فيها معرفة الحق والتصديق به ومعرفة الباطل والتكذيب به، ومعرفة النافع المم رالمحبة له، ومعرفة الضار المنافي والبغض له بالفطرة، فما كان حقا موجودا صدقت به الفطرة، وما كان حقا نافعا عرفته الفطرة أحبته وأطمأنت إليه، وذلك هو المعروف، وما كان باطلا معدوما كذبت به الفطرة فأبغضته الفطرة وأنكرته " (١) . ونصوص الفطرة دالة على أن كل مولود يولد على فطرة الاسلام، وهي الحنيفية المقتضية لعبادة الله وحده لا شريك له والحب والخضوع له تعالى. يقول شيخ الإسلام: " فعلم أن في فطرة الانسان قوة تقتضي اعتقاد الحق وإرادة النافع، وحينئذ فالإقرار بوجود الصانع ومعرفته والايمان به هو الحق أو نقيضه؟ والثاني معلوم الفساد قطعا، فتعين الأول، وحينئذ فيجب أن يكون في الفطرة ما يقتضي معرفة الصانع والايمان به، وأيضا: فإنه مع الإقرار به إما أن تكون محبته أنفع للعبد أو عدم محبته، والثافي معلوم الفساد، وإذا كان الأول أنفع له كان في فطرته محبة ما ينفعه، وأيضا فإنه إما أن تكون عبادته وحده لا شريك له اكمل للناس علما وقصدا أو الإشراك به، والثالث معلوم الفساد فوجب أن يكون في فطرته مقتضى يقتضي توحيده، وأيضا: فإما أن يكون دين الإسلام مع غيره من الأديان متماثلين أو الاسلام مرجوحا أو راجحا، والأول والثاني باطلان باتفاق المسلمين وبأدلة كثيرة، فوجب أن يكون في الفطرة مقتض يقتضي خير الأمرين لها، وامتنع أن تكون نسبة الإسلام وسائر الملل إلى الفطرة واحدة، سواء كانت نسبة قدرة أو نسبة قبول " (٢) . وهذه الفطرة بما فيها من الاستعداد والقبول كافية لحصول مقتضاها من معرفة الله وعبادته، لا يشترط لذلك وجود أدلة يتعلمها من خارج، يوضح شيخ الإسلام هذه المسألة فيقول: " وإذا لزم أن يكون في الفطرة مرجح للحنيفية التي أصلها معرفة الصانع ومحبته وإخلاص الدين له، فإما أن يكون مع ذلك

стр. 250

لا يوجد مقتضاها إلا بسبب منفصل، مثل من يعلمه ويدعوه، أو يمكن وجود ذلك بدون هذا السبب المنفصل، فإن كان الأول لزم أن يكون موجبها متوقفا على مخاطب منفصل دائما، فلا يحصل بدونه البتة، ثم القول في حصول موجبها لذلك انحاطب المنفصل، كالقول في الأول، وحينئذ فيلزم التسلسل في الخاطبين، ووجود مخاطبين لا يتناهون، وهم أيضا مخاطبون وهذا تسلسل في الفاعلين وهو ممتنع، وإن كان من الخاطبين من حصل له بموجب الفطرة بلا مخاطب منفصل فى ل على إمكان ذلك بالفطرة، فبطل هذا التقرير وهو كون موجب الفطرة لا يحصل قط إلا نحاطب منفصل، وإذا أمكن حصول موجب الفطرة بدون مخاطب منفصل علم أن في الفطرة قوة تقتض! اذلك، وإن ذلك ليمى موقوفا على مخاطب منفصل، لكن قد يكون لذلك المقتضى معارض مانع وهذا هو الفطرة " (١) . وهذه الفطرة توافق ما أخبرت به الرسل ولا تعارضها أبدا، ولذلك فإن دليل الفطرة على علو الله تعالى لا يمكن أن يكون ما جاءت به النصوص بخلافه كما زعم نفاته (٢) ، وهكذا. ج-- ومن الأدلة النظرية التى تفيد العلم، وقد جاء بها القرآن، دليل " الآيات، فالمخلوقات تدل على الخالق وتوجب العلم به، وآيات الأنبياء توجب العلم بنبوتهم، وهكذا يقول شيخ الاسلام إن من الأدلة " الآيات كما يذكر الله ذلك في القرآن، والآية هي دليل عليه بعينه، لا تدل على قدر مشترك بينه وبن غيره، فنفس الكائنات وما فيها وهو عين وجودها في الخارج مستلزم لوجود الرب، وهو آية له ودليل عليه، وشاهد بوجوده بعينه، لا قدر مشترك بينه وبين غيره " (٣) ، ودليل الآيات يختلف عن دليل القياس، لأن دليل الآية هو نفسه مستلزم لعين المدلول عليه، يقول شيخ الاسلام: " وأما استدلاله بالآيات
следующие страницы →