← Акыда

Акыда · id 12766

موقف ابن تيمية من الأشاعرة

عبد الرحمن بن صالح المحمود

Полный текст (1 361 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

فالأدلة الشرعية قد تكون سمعية، وقد تكون عقلية نبه عليها الشرع، وشيخ الاسلام دائما ما ينبه إلى أنه لا يمكن أن يتعارض العقل والشرع، ولذلك لم يفصل بين جنس الأدلة-؟ فعل أهل الفلسفة والكلام- فالأدلة قد تكون حسية وتد تكون عقلية وقد تكون شرعية، وكلها صادقة، لأن الكل من عند الله، فالكون مخلوق لله والانسان الذي يعقل ويحس نحلوق لله، والنصوص السمعية منزلة من عند الله، فالذين يتوهمون أنهم قد يعلمون بعقولهم ومقاييسهم أمورا قد يعارضها السمع غالطون أشد الغلط بل ومنحرفون في إيمانهم وثقتهم بما جاء من عند الله من الكتاب والسنة، إذ كلها وحي من الله تعالى، ولهذا يقول شيخ الإسلام منبها إلى أن حصول المعرفة بالشرع على وجوه " أحدها: أن الشرع ينبه على الطريق العقلية التي بها يعرف الصانع، فتكون عقلية شرعية، والثاني: أن المعرفة المنفصلة (١) بأسماء الله وصفاته التى بها يحصل الإيمان تحصل بالشرع كقوله تعالى: ﴿ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان ولكن جعلناه نورا نهدي به من نشاء من عبادنا﴾ [الشورى:٥٢] ، وقوله: ﴿قل إن ضللت فإنما أضل على نفسي وإن اهتديت فبما يوحى إلي ربي﴾ [سبأ:٥٠] ، وقوله: ﴿كتاب أنزلناه إليك لتخرج الناس من الظلمات إلى النور بإذن ربهم﴾ [إبراهيم:١] ، وأمثال ذلك من النصوص التي تبين أن اللة هدى العباد بكتابه المنزل على نبيه" (٢) . فالهداية التامة والمعرفة الصادقة التي لا يدخلها شك أعظم ما تغ عن طريق الكتاب والسنة، إن كان ثمة طريق غيرهما تحصل به هذه المعرفة، ويوضح شيخ الإسلام في هذافيقول: " وأما النظر المفيد للعلم فهو ما كان في دليل هاد، والدليل الهادكط- على العموم والاطلاق- هو كماب اللة وسنة نبيه، فإن الذكط جاءت به الشريعة من نوعي النظر: هو ما يفيد وينفع ويحصل الهدى، وهو يذكر اللة وما نزل من الحق، فإذا أراد النظر والاعتبار في الأدلة المطلقة

стр. 247

من غير تعيين مطلوب فذلك النظر في كتاب الله وتدبره كما قال تعالى: ﴿قد جاءكم من الله نور وكتاب مبين يهدي الله به من اتبع رضوانه سبل السلام ويخرجهم من الظلمات إلى النور بإذنه ويهديهم إلى صراط مستقيم﴾ [المائدة:١٥ - ١٦] . " (١) . ٦- ونعرض للأدلة الشرعية التي ذكرها شيخ الاسلام: أ- فأولها دلالة السمع من الكتاب والسنة على كل ما تنازع الناس فيه، لأن فيهما الهدى التام، فمن اعتصم بالوحي فقد هدى إلى صراط مستقيم، ولذلك فإن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، " دعوا الناس إلى عبادة الله أولا بالقلب، واللسان، وعبادته متضمنة لمعرفته، وذكره، فأصل علمهم وعملهم هو العلم بالله والعمل لله" (٢) (٢) ، ولذلك فالرسل لم يدعوا الناس إلى الإقرار بوجود الله وأنه الخالق، لأن هذا معروف مسلم مركوز في فطر الناس، وإنما دعوا الناس إلى عبادة الله وحده لا شريك له، ومنه ينطلق إلى الأمور الأخرى، لأن من عبد الله وحده وأخلص له في العبادة فلابد أن يصدق برسله وبما جاءوا به من عند ربهم تعالى، يقول شيخ الإسلام: " إن الله سبحانه لما كان هو الأول الذي خلق الكائنات والآخر الذي إليه تصير الحادثات فهو الأصل الجامع فالعلم به أصل كل عمل وجامعه، وليس للخلق صلاح إلا في معرفة ربهم وعبادته، وإذا حصل لهم ذلك فما سواه إما فضل نافع وإما فضول غير نافعة، وإما أمر مضر "، " ثم من العلم به تتشعب أنواع العلوم، ومن عبادته وقصده تتشعب وجوه المقاصد الصالحة، والقلب بعبادته والاستعانة به معتصم مستمسك قد لجأ إلى ركن وثيق، واعتصم بالدليل الهادي، والبرهان الوثيق، فلا يزال إما في زيادة العلم والايمان، وإما في السلامة من الجهل والكفر، وبهذا جاءت النصوص الالهية في أنه بالإيمان يخرج الناس من الظلمات إلى النور، وضرب مثل المؤمن - وهو المقر بربه علما وعملا- بالحي والبصير والسميع والنور والظل- وضرب

стр. 248

مثل الكافر- بالميت والأعمى والأصم، والظلمة والحرور " (١) ، فمنهج الرسل على الضد من منهج المتكلمين الذين يبدأون بالأمور النظرية فيبدأون بإثبات الصانع ثم النبوات ثم السمعيات، وقد تختلط عليهم الأدلة في أول الطريق أو في وسطها أو في آخرها فلا يصلون إلى المقصود، أما الأنبياء- صلوات الله وسلامه عليهم جميعا- فيبدأون من حيث ينتهي الفلاسفة، فإذا كان قصارى ما ينتهي إليه هؤلاء إثبات أن هذا العالم لابد له من خالق، فالأنبياء يبينون لأممهم أنه يجب عبادة الله وحده لا شريك له ما دامت قضية الإترار به وبوجوده مسلمة للجميع. وخلاصة هذا الدليل: أن عبادة الله والإخلاص هي الأساس وهي الموصلة إلى تصديق رسلهـ والله أيدهم بما يدل على صدقهم من المعجزات وغيرها- فإذا تمت الشهادتان: الألوهية والرسالة، كان ما جاء به هؤلاء الرسل من أمر أو خبر هو الحق الذكط يعتصم به المؤمنون وإذا كان المتصوفة على عكس المتكلمين والفلاسفة، فإن أهل الحق والايمان لا يعتمدون على ما يخطر بقلوبهم من خواطر مطلقا، وإنما يزنونها بالكتاب والسنة، ولا يقدمون عليهما شيئا من الأدلة أو الخواطر، ولذلك فما لا أوتيه علماء أهل الحديث وخواصهم من اليقين والمعرفة والهدى فأمر يجل عن الوصف، ولكن عند عوامهم من اليقين والعلم النافع ما لم يحصل منه شيء لأئمة المتفلسفة والمتكلمين، وهذا ظاهر شهود لكل أحد " (٢) . ب- وهناك دليل آخر وهو دليل الفطرة التي فطر الله الناس جميعا عليها، لأن الإنسان خلقه الله تعالى متميزا عن غيره من الخلوقات، فعنده الشعور والإحساس ولديه الإرادة والحركة، ففي الشعور والإدراك يميز بين الحق والباطل والصدق والكذب، وبالارادة والحركة يحب ويبغض فيحب ما ينفعه ويميل إليه، ويبغض ما يضره وينفر منه، وهذه هي الفطرة (٣) ، يقول شيخ الاسلام: " والله سبحانه

стр. 249

خلق عباده على الفطرة التي فيها معرفة الحق والتصديق به ومعرفة الباطل والتكذيب به، ومعرفة النافع المم رالمحبة له، ومعرفة الضار المنافي والبغض له بالفطرة، فما كان حقا موجودا صدقت به الفطرة، وما كان حقا نافعا عرفته الفطرة أحبته وأطمأنت إليه، وذلك هو المعروف، وما كان باطلا معدوما كذبت به الفطرة فأبغضته الفطرة وأنكرته " (١) . ونصوص الفطرة دالة على أن كل مولود يولد على فطرة الاسلام، وهي الحنيفية المقتضية لعبادة الله وحده لا شريك له والحب والخضوع له تعالى. يقول شيخ الإسلام: " فعلم أن في فطرة الانسان قوة تقتضي اعتقاد الحق وإرادة النافع، وحينئذ فالإقرار بوجود الصانع ومعرفته والايمان به هو الحق أو نقيضه؟ والثاني معلوم الفساد قطعا، فتعين الأول، وحينئذ فيجب أن يكون في الفطرة ما يقتضي معرفة الصانع والايمان به، وأيضا: فإنه مع الإقرار به إما أن تكون محبته أنفع للعبد أو عدم محبته، والثافي معلوم الفساد، وإذا كان الأول أنفع له كان في فطرته محبة ما ينفعه، وأيضا فإنه إما أن تكون عبادته وحده لا شريك له اكمل للناس علما وقصدا أو الإشراك به، والثالث معلوم الفساد فوجب أن يكون في فطرته مقتضى يقتضي توحيده، وأيضا: فإما أن يكون دين الإسلام مع غيره من الأديان متماثلين أو الاسلام مرجوحا أو راجحا، والأول والثاني باطلان باتفاق المسلمين وبأدلة كثيرة، فوجب أن يكون في الفطرة مقتض يقتضي خير الأمرين لها، وامتنع أن تكون نسبة الإسلام وسائر الملل إلى الفطرة واحدة، سواء كانت نسبة قدرة أو نسبة قبول " (٢) . وهذه الفطرة بما فيها من الاستعداد والقبول كافية لحصول مقتضاها من معرفة الله وعبادته، لا يشترط لذلك وجود أدلة يتعلمها من خارج، يوضح شيخ الإسلام هذه المسألة فيقول: " وإذا لزم أن يكون في الفطرة مرجح للحنيفية التي أصلها معرفة الصانع ومحبته وإخلاص الدين له، فإما أن يكون مع ذلك

стр. 250

لا يوجد مقتضاها إلا بسبب منفصل، مثل من يعلمه ويدعوه، أو يمكن وجود ذلك بدون هذا السبب المنفصل، فإن كان الأول لزم أن يكون موجبها متوقفا على مخاطب منفصل دائما، فلا يحصل بدونه البتة، ثم القول في حصول موجبها لذلك انحاطب المنفصل، كالقول في الأول، وحينئذ فيلزم التسلسل في الخاطبين، ووجود مخاطبين لا يتناهون، وهم أيضا مخاطبون وهذا تسلسل في الفاعلين وهو ممتنع، وإن كان من الخاطبين من حصل له بموجب الفطرة بلا مخاطب منفصل فى ل على إمكان ذلك بالفطرة، فبطل هذا التقرير وهو كون موجب الفطرة لا يحصل قط إلا نحاطب منفصل، وإذا أمكن حصول موجب الفطرة بدون مخاطب منفصل علم أن في الفطرة قوة تقتض! اذلك، وإن ذلك ليمى موقوفا على مخاطب منفصل، لكن قد يكون لذلك المقتضى معارض مانع وهذا هو الفطرة " (١) . وهذه الفطرة توافق ما أخبرت به الرسل ولا تعارضها أبدا، ولذلك فإن دليل الفطرة على علو الله تعالى لا يمكن أن يكون ما جاءت به النصوص بخلافه كما زعم نفاته (٢) ، وهكذا. ج-- ومن الأدلة النظرية التى تفيد العلم، وقد جاء بها القرآن، دليل " الآيات، فالمخلوقات تدل على الخالق وتوجب العلم به، وآيات الأنبياء توجب العلم بنبوتهم، وهكذا يقول شيخ الاسلام إن من الأدلة " الآيات كما يذكر الله ذلك في القرآن، والآية هي دليل عليه بعينه، لا تدل على قدر مشترك بينه وبن غيره، فنفس الكائنات وما فيها وهو عين وجودها في الخارج مستلزم لوجود الرب، وهو آية له ودليل عليه، وشاهد بوجوده بعينه، لا قدر مشترك بينه وبين غيره " (٣) ، ودليل الآيات يختلف عن دليل القياس، لأن دليل الآية هو نفسه مستلزم لعين المدلول عليه، يقول شيخ الاسلام: " وأما استدلاله بالآيات

стр. 251

فكثير في القرآن، والفرق بين الآيات وبين القياس أن الآية هي العلامة، وهي الدليل الذي يستلزم عين المدلول، ولا يكون مدلوله أمرا كليا مشتركا بين المطلوب وغيره، بل نفس العلم به يوجب العلم بعين المدلول، كما أن الشمس آية النهار قال تعالى: ﴿وجعلنا الليل والنهار آيتين فمحونا آية الليل وجعلنا آية النهار مبصرة﴾ [الإسراء:١٢] ، فنفس العلم بطلوع الشمس يوجب العلم بوجود النهار، وكذلك آيات نبوة محمد ﷺ نفس العلم بها يوجب العلم بنبوته بعينه، لا يوجب أمرا بهليا مشتركا بينه وبين غيره، وكذلك آيات الرب تعالى، نفس العلم بها يوجب العلم بنفسه المقدسة تعالى لا يوجب علما كليا مشتركا بينه وبين غيره، والعلم بكون هذا مستلزما لهذا هو جهة الدليل " (١) ، ودليل الآيات إنما هو استدلال بجزئي على جزئي، وهذا يخالف القياس المنطقي (٢) . د- قياس الأولى: يرى شيخ الإسلام أن هذا من أدلة القرآن، وأنه يستف م في حق الله تعالى لأن الله تعالى ليس مثل خلقه، بحيث يقاس على خلقه لأن الله تعالى ليس كمثله شىء، وهذا الدليل ركز عليه شيخ الاسلام كثيرا، وبين دلالته على إثبات التوحيد لله ونفى الصاحبة والولد عنه، وعلى إثبات صفات الكمال لله، وعلى النبوة والمعاد، يقول شيخ الإسلام: " وأما قياس الأولى الذي كان يسلكه السلف اتباعا للقرآن فيدل على أنه يثبت له من صفات الكمال التي لا نقص فيها أكمل مما علموه ثابتا لغيره، مع التفاوت الذي لا يضبطه العقل، كما لا يضبط التفاوت بين الخالق والخلوق، بل إذا كان العقل يدرك من التفاضل الذي بين مخلوق ونحلوق ما لا يحصر قدره، وهو يعلم أن فضل الله على كل مخلوق أعظم من فضل مخلوق على مخلوق، كان هذا مما يبين له أن ما يثبت للرب أعظم مما يثبت

стр. 252

لكل ما سواه بما لا يدرك قدره" (١) ، ويقول أيضا: (ومما يوضح هذا أن العلم الإلهي لا يجوز أن يستدل فيه بقياس تمثيل (٢) يستوي فيه الأصل والفرع، رلا بقياس شمولي (٣) تستوي فيه أفراده، فإن الله تعالى ليس كمثله شىء فلا يجوز أن يمثل بغيره ولا يجوز أن يدخل هو وغيره تحت قضية كلية تستوي أفرادها" (٤) ، ثم طبق هذا على مسألة المعاد (٥) ، ثم ذكر أن الله استعمله سبحانه في تنزيهه وتقديسه عما أضافوه اليه من الولادة سواء سموها حسية أو عقلية (٦) ، ثم ذكر النصوص القرآنية التي فيها الانكار على المشركين في زعمهم أن لله ولدا، أو أن لله البنات، ثم عقب شيخ الإسلام قائلا: " فبين سبحانه أن الرب الخالق أولى بأن ينزه عن الأمور الناقصة منكم، فكيف تجعلون له ما تكرهون أن يكون لكم، وتستحيون من إضافته إليكم مع أن ذلك واقع لا محالة، ولا تنزهونه عن ذلك وتنفونه عنه، وهو أحق بنفي المكروهات المنقصات منكم " (٧) ، فذكر قياس الأولى في ذلك (٨) .

стр. 253

هـ- الميزان القرآني: وردت نصوص تدل على " الميزان " وأن الله أنزله، مثل قوله تعالى: ﴿الله الذي أنزل الكتاب بالحق والميزان﴾ [الشورى: ١٧] ، وقوله: ﴿والسماء رفعها ووضع الميزان ألا تطغوا في الميزان وأقيموا الوزن بالقسط ولا تخسروا الميزان﴾ [الرحمن: ٧-٩] وغيرها، فما هذا الميزان؟ يقول شيخ الإسلام: " وقد قال الله : ﴿الله الذي أنزل الكتاب بالحق والميزان﴾ [الشورى: ١٧] ، وقال: ﴿لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط﴾ [الحديد: ٢٥] ، والميزان يفسره السلف بالعدل، ويفسره بعضهم بما يوزن به (١) ، وهما متلازمان، وقد أخبر أنه أنزل ذلك مع رسله كا أنزل معهم الكتاب ليقوم الناس بالقسط، فما يعرف به تماثل المتماثلات من الصفات والمقادير هو من الميزان، وكذلك ما يعرف به اختلاف المختلفات، فمعرفة أن هذه الدراهم أو غيرها من الأجسام الثقيلة بقدر هذه تعرف بموازينها، وكذلك مثل هذا الزمان يعرف بموازينه التى يقدر بها الأوقات ... فكذلك الفروع المقيسة على أصولها في الشرعيات والعقليات تعرف بالموازين المشتركة بينهما، وهي الوصف الجامع المشترك الذي يسمى الحد الأوسط، فإنا إذا علمنا أن الله حرم خمر العنب لما ذكره من أنها تصد عن ذكر الله وعن الصلاة، وتوقع بين المؤمنين العداوة والبغضاء، ثم رأينا نبيذ الحبوب من الحنطة والشعير والرز وغير ذلك يماثلها في المعنى الكلي المشترك الذي هو علة التحريم، كان هذا القدر المشترك الذي هو العلة هو الميزان التي أنزلها الله في قلوبنا لنزن بها هذا نجعله مثل هذا، فلا نفرق بين المتماثلين، والقياس الصحيح هو من العدل الذي أمر الله تعالى به" (٢) ، ويوضح النقطة الأخيرة فيقول: " إن القياس الصحيح هو من العدل الذي أنزله، وإنه لا يجوز قط أن يختلف الكتاب والميزان، فلا يختلف نص ثابت عن الرسل وقياس صحيح، لا قياس شرعي

стр. 254

ولا عقلي، ولا يجوز قط أن الأدلة الصحيحة النقلية تخالف الأدلة الصحيحة العقلية ... " (١) ، ويورد اعتراضا على هذا ثم يرد عليه، فيقول: " فإن قيل: إذا كان هذا مما يعرف بالعقل فكيف جعله الله تعالى مما أرسلت به الرسل؟ قيل: لأن الرسل ضربت للناس الأمثال العقلية التي يعرفون بها التماثل والاختلاف، فإن الرسل دلت الناس وأرشدتهم إلى ما به يعرفون العدل، ويعرفون الأقيسة العقلية الصحيحة التي يستدل بها على المطالب الدينية، فليس العلوم النبوية مقصورة على مجرد الخبر، كما يظن ذلك من يظنه من أهل الكلام، ويجعلون ما يعلم قسيما للعلوم النبوية، بل الرسل- صلوات الله عليهم- بينت العلوم العقلية التي بها يتم دين الناس علما وعملا، وضربت الأمثال، فكملت الفطرة بما نبهتا عليه وأرشدتها مما كانت الفطرة معرضة عنه، أو كانت الفطرة قد فسدت بما حصل لها من الآراء والأهواء الفاسدة، فأزالت ذلك الفساد وبينت ما كانت الفطرة معرضة عنه، حتى صار عند الفطرة معرفة الميزان التي أنزلها الله وبينتها رسله " (٢) ، ويوضح شيخ الاسلام أن الله كما أنزل مع رسله الايمان، فلا يحصل الإيمان إلا بهم، فكذلك أنزل الميزان في القلوب وذلك لما بينت الرسل العدل وما يوزن به (٣) . ولما كان القياس أحد الأصول المعتبرة في الأحكام عند جماهير المسلمين، وقف شيخ الإسلام مع أهل المنطق وقفة طويلة حول زعمهم أن قياسهم الشمولي هو الذي يفيد اليقين، أما القياس التمثيلي- الذي هو قياس الأصوليين- فلا يفيد إلا الظن (٤) ، ظنا منهم أن استخدامه في الأحكام الفرعية من جانب الفقهاء

стр. 255

دليل على أنه ظني (١) ، ويرى شيخ الإسلام أنه لا فرق بينهما، بل يمكن إرجاع القياس الشمولي إلى التمثيلى وبالعكس، يقول: (تفريقهم بين قياس الشمول وقياس التمثيل بأن الأول قد يفيد اليقين، والثاني لا يفيد إلا الظن، فرق باطل، بل حيث أفاد أحدهما اليقين أفاد الآخر اليقين، وحيث لا يفيد أحدهما إلا الظن لا يفيد الآخر إلا الظن فإن إفادة الدليل لليقين أو الظن ليس لكونه على صورة أحدهما دون الآخر، بل باعتبار تضمن أحدهما لما يفيد اليقين، فإن كان أحدهما اشتمل على أمر مستلزم للحكم يقينا حصل به اليقين، وإن لم يشتمل إلا على ما يفيد الحكم ظنا لم يفد إلا الظن " (٢) ، سم بين أنه لا فرق بينهما فيقول: " فإن قلت: النبيذ حرام قياسا على الخمر، لأن الخمر إنما حرمت لكونها مسكرة، وهذا الوصف موجود في النبيذ، كان بمنزلة قولك كل نبيذ مسكر وكل مسكر حرام، فالنتيجة قولك: النبيذ حرام، والنبيذ هو موضوعها وهو الحد الأصغر، والحرام محمولها وهو الحد الأكبر، والمسكر هو المتوسط بين الموضوع والمحمول، وهو الحد الأوسط المحمول في الصغرى الموضوع في الكبرى " (٣) ، وبين شيخ الإسلام أن الفقهاء صاروا يستعملون في الفقه القياس الشمولي، كما يستعمل في العقليات القياس التمثيلى (٤) . بل يرى شيخ الإسلام أن قياس التمثيل أقوى من قياس الشمول، لأن التمثيل إنما هو من قياس الغائب على الشاهد الذي جاء في القرآن الكريم وهو الميزان الذي أنزله الله، يقول شيخ الإسلام ردا على المناطقة:" إذا كان لابد في برهانهم من قضية كلية فالعلم بتلك القضية الكلية لابد له من سبب، فإن عرفوها باعتبار الغائب بالشاهد وأن حكم الشيء حكم مثله، كما إذا عرفنا أن هذه النار محرقة علمنا أن النار الغائبة محرقة لأنها مثلها، وحكم الشيء حكم مثله، فيقال: هذا استدلال بقياس التمثيل ٠٠٠" (٥) .

стр. 256

والخلاصة أن ما ورد به الشرع من قياس التمثيل واعتبار الغائب بالشاهد هو الموصل إلى اليقين، وهذا هو الاعتبار الذى ورد الأمر به، وهو بتناول قياس الطرد وقياس العكس، ويشرح شيخ الاسلام ذلك ويمثل له من القرآن فيقول: " ومن أعظم صفات العقل معرفة التماثل والاختلاف، فإذا رأى الشيئين المتماثلين علم أن هذا مثل هذا، فجعل حكمهما واحدا، كا إذا رأى الماء والماء، والتراب والتراب، والهواء والهواء، ثم حكم بالحكم الكلي على القدر المشترك، وإذا حكم على بعض الأعيان ومثله بالنظير وذكر المشترك كان أحسن في البيان فهذا قياس الطرد، وإذا رأى المختلفين كالماء والتراب فرق بينهما وهذا قياس العكس، وما أمر الله به من الاعتبار في كتابه يتناول قياس الطرد وقياس العكس، فإنه لما أهلك المكذبين للرسل بتكذيبهم كان من الاعتبار أن يعلم أن من فعل ما فعلوا أصابه ما أصابهم فيتقي تكذيب الرسل حذرا من العقوبة، وهذا قياس الطرد، ويعلم أن من لم يكذب الرسل بل اتبعهم لا يصيبه ما أصاب هؤلاء وهذا قياس العكس، وهو المقصود من الاعتبار بالمعذبين، فإن المقصود ثبت في الفرع عكس حكم الأصل لا نظيره، والاعتبار يكون بهذا وهذا، قال تعالى: ﴿لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب﴾ [يوسف:١١١] ." (١) ٧- هذه هى الأدلة الشرعية- سمعية وعقلية- جاءت بها ودلت عليها النصوص، وهي دالة على التكامل وأن لا تعارض بين العقل والنقل، ورسل الله تعالى جاءوا بالحق المبين، ولا يمكن أن يأتوا بما يعارض العقول الصحيحة، لكن قد يأتون بما تعجز عنه العقول ولا تستطيع إدراكه، ولذا كثيرا ما يردد شيخ الإسلام أن الرسل يخبرون بمحارات العقول لا بمحالات العقول (٢) . ولكن إذا كان المنهج القرآني والشرعى لا يقتصر على مجرد الخبر، فلماذا يرد عن السلف أنهم كثيرا ما يقولون: أن مثل هذا الأمر مما لا مجال للعقل فيه، أو ينهون عن إدخال العقل في بعض الأمور، ونحو ذلك؟ هذا سؤال مهم

стр. 257

ولذلك يخصه شيخ الإسلام بجواب مركز فيقول- عن أهل الكتاب والسنة- " وأما ما قد يقولونه من أن العقل لا مجال له في ذلك، أو ينهون عن الكلام، أو عن ما سمي معقولات ونظرا، ونحو ذلك، فهذا له وجوه صحيحة ثابتة بالكتاب والسنة، بل وبالعقل أيضا، وبعضهم قد لا يفرق بين ما يدخل في ذلك من حق وباطل، وبعضهم قد يقصر عن الحق الذي يدل عليه الكتاب والسنة.... ولا ريب أن التقصير ظاهر على اكثر المنتسبين إلى الكتاب والسنة من جهة عدم معرفتهم بما دل عليه الكتاب والسنة ولوازم ذلك، فيقال: من الوجوه الصحيحة أن ما نطق به الكتاب وبينه، أو ثبت بالسنة الصحيحة، أو اتفق عليه السلف الصالح فليس لأحد أن يعارضه، معقولا ونظرا أو كلاما، وبرهانا، وقياسا عقليا أصلا، بل كل ما يعارض ذلك فقد علم أنه باطل علما كليا عاما، وأما تفصيل العلم ببطلان ذلك فلا يجب كل كل أحد، دل يعلمه بعض الناس دون بعض، وأهل السنة الذين هم أهلها يردون ما عارض النص والإجماع من هذه، وإن زخرفت بأسماء ما أنزل الله بها من سلطان، قال تعالى: ﴿وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا شياطين الانس والجن يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا ولو شاء ربك ما فعلوه فذرهم وما يفترون﴾ [الأنعام: ١١٢] ، فأعداء النبيين دائما يوحى بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا". " وكذلك من الوجوه الصحيحة أن موارد النزاع لا تفصل بين المؤمنين إلا بالكتاب والسنة، وإن كان أحد المتنازعين يعرف ما يقوله بعقله، وذلك أن قوى العقول متفاوتة مختلفة، ومحميرا ما يشتبه المجهول بالمعقول، فلا يمكن أن يفصل بين المتنازعين قول شخص معين ولا معقوله، وإنما يفصل بينهم الكتاب المنزل من السماء، والرسول المبعوث المعصوم فيما بلغه عن الله تعالى، ولهذا يوجد من خرج عن الاعتصام بالكتاب والسنة من الطوائف فإنهم يفترقون ويختلفون ﴿ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك﴾ [هود:١١٩﴾ ، وأهل الرحمة هم أهل الايمان والقرآن". ومن الوجوه الصحيحة أن معرفة الله بأسمائه وصفاته على وجه التفصيل لا تعلم إلا من جهة الرسول ﵊: إما بخبره، وإما بخبره وتنبيهه

стр. 258

ودلاله على الأدلة العقلية، ولهذا يقولون: لا نصف الله إلا بما وصف به نفسه أو وصف به رسوله ﷺ ، قال الله تعالى: ﴿سبحان ربك رب العزة عما يصفون وسلام على المرسلين والحمدلله رب العالمين﴾ [الصافات: ٨٠ ا-١٨٢] " (١) . أما أمور المغيبات، مثل أخبار من سبق، أو أخبار الآخرة: أشراطها وأحوال اليوم الآخر وما فيه، والموازين والصراط والجنة والنار وتفاصيل ذلك، فهذا مما اتفق جميع أهل الإيمان على أنه مما يتلقى عن الوحي، فثبوتها والاقرار بها مبني على خبر المعصوم. " وبالجملة فينبغي للعاقل أن يعلم أن قيام دين الله في الأرض إنما هو بواسطة المرسلين صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، فلولا الرسل لما عبد الله وحده لا شريك له، ولما علم الناس اكثر ما يستحقه سبحانه من الأسماء الحسنى والصفات العلى، ولا كانت له شريعة في الأرض، ولا تحسبن أن العقول لو تركت وعلومها التي تستفيدها بمجرد النظر عرفت الله معرفة مفصلة بصفاته وأسمائه على وجه اليقين، فإن عامة من تكلم في هذا الباب بالعقل فإنما تكلم بعد أن بلغه ما جاءت به الرسل واستصغى لذلك واستأنس به.... والقدر الذي يمكن العقل إدراكه بنظره فإن المرسلين- صلوات الله وسلامه عليهم- نبهوا الناس عليه وذكروهم به، ودعوهم إلى النظر فيه، حتى فتحوا أعينا عميا، وآذانا صما وقلوبا غلفا، والقدر الذي يعجز العقل عن إدراكه علموهم إياه وأنبأوهم به.... " (٢) . ثالثا: منهجه في بيان العقيدة وتوضيحها: هناك فرق بين حالين، الحال الأولى: بيان العقيدة الإسلامية للناس والدعوة إليها، والحال الثانية: الرد على خصومها وبيان العقيدة الصحيحة من خلال ذلك،

стр. 259

ففي الحال الأولى يجب ذكر العقيدة سليمة، صافية، بعيدة عن إثارة الشبهات أو أدلة الخصوم والرد عليها، وإنما تذكر أدلة القول الصحيح وتشرح وتوضح حتى يستقر الحق في النفوس- بعيدا عما يضاده من شبهات المخالفين-. أما في الحالة الثانية فلابد من دفع المعارض وبيان الحق من خلال المناقشة، وهذا ما فعله ابن تيمية، ففي الرسائل والأجوبة التى يسأل فيها عن العقيدة أو إحدى قضاياها- ولم يطلب السائل جواب شبهة واردة- ولا يعلم ابن تيمية من حاله حاجته إلى ذلك، يأتي الجواب بعرض عقيدة السلف بأدلتها واضحة صافية (١) ، وقد يجمع بين الطريقتين بأسلوب إجمالي يميل إلى تقرير الحق في الأمور المختلف فيها، كما فعل في رسالته العظيمة " الوصية الكبرى " (٢) . ولتمييز مسألة إثبات الأسماء والصفات عن غيرها من جوانب العقيدة بأصول خاصة، سنفردها وحدها لبيان منهجه فيها، ولذا يمكن أن يكون منهجه عموما كما يلي: أ- منهجه في العقيدة عموما: ١- عرضها بأسلوب سهل ميسور، يفهمه الجميع، المتعلم وغير المتعلم وهذا ما فعله حين كتب " العقيدة الواسطية "، ففيها الوضوح والبعد عن أي نوع من أنواع التعقيد أو إثارة المشكلات، وقد تميز عرضه للعقيدة بما يلى: أ- عدم الدخول في متاهات أهل الكلام. ب- دعم ما يقول بالنصوص من الكتاب والسنة وأقوال السلف.

стр. 260

ج-- الشمول في بيان العقيدة، وبيان جميع أمورها، سواء منها ما يتعلق بالإيمان بالله وتوحيده وأسمائه وصفاته، أو الايمان بالرسالة وبقية أركان الأيمان من الإيمان بالملائكة، والكتب، والرسل، واليوم الآخر والقدر خيره وشره، أو ما يتعلق بالإيمان وما يشمله من القول والاعتقاد والعمل، أو ما يتعلق بالموقف من الصحابة، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ٠٠٠ (١) . ٢- التركيز على اكبر المسائل وأهمها وهو توحيد الألوهية، والبعد عن الشرك بجميع أنواعه، وربطه ذلك بشهادة أن لا إله إلا الله وشهادة أن محمدا رسول الله، فهاتان الشهادتان هما أصل دين الإسلام، يقول:" فهذا أصل عظيم على المسلم أن يعرفه فإنه أصل الإسلام الذى يتميز به أهل الإيمان من أهل الكفر، وهو الإيمان بالوحدانية والرسالة، شهادة أن لا إله إلا الله رأن محمدا رسول الله، وقد وقع كثير من الناس في الإخلال بحقيقة هذين الأصلين، أو أحدهما، مع ظنه أنه في غاية التحقيق والتوحيد، والعلم والمعرفة، فإقرار المشرك بأن الله رب كل شىء ومليكه وخالقه، لا ينجيه من عذاب الله، إن لم يقترن به إقراره بأنه لا إله إلا الله فلا يستحق العبادة أحد إلا هو، وأن محمدا رسول الله فيجب تصديقه فيما أخبر، وطاعته فيما أمر، فلابد من الكلام على هذين الأصلين: الأصل الأول: توحيد الإلهية ... الأصل الثاني: حق الرسول ﷺ " (٢) . ودائما ما يركز على أنواع العبادة التي لا يجوز صرف شيء منها إلا لله تعالى، وخاصة أصول العبادة التي تحرك القلوب إلى الله تعالى وهي: المحبة والخوف والرجاء، يقول شيخ الإسلام: " ولابد من التنبيه على قاعدة تحرك القلوب إلى الله ، فتعتصم به، فتقل آفاتها وتذهب عنها بالكلية بحول الله وقوته فنقول: اعلم أن محركات القلوب إلى الله ثلاثة: المحبة، والخوف، والرجاء، وأقواها المحبة، وهي مقصودة تراد لذاتها لأنها تراد في الدنيا والآخرة،

стр. 261

بخلاف الخوف فإنهة يزول في الآخرة قال الله تعالى: ﴿ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون﴾ [يونس: ٦٢] ، والخوف المقصود منه الزجر والمنع من الخروج عن الطريق فالمحبة تلقى العبد في السير إلى محبوبه، وعلى قدر ضعفها وقوتها يكون سيره إليه، والخوف يمنعه أن يخرج عن طريق المحبوب، والرجاء يقوده، فهذا أصل عظيم يجب على كل عبد أن يتنبه له، فإنه لا تحصل له العبودية لدونه، وكل أحد يحب أن يكون عبدا لله لا لغيره " (١) . ٣- بيان شروط قبول العمل: الإخلاص لله، والمتابعة لرسوله ﷺ ، وذلك بأن لا يعبد إلا الله، وأن يعبد بما شرع رسوله وأمر لا بغير ذلك من البدع، وقد ركز على هذه القضية في جميع كتبه ودائما ما يعرج عليها لأنها من منطلقات العقيدة الأساسية (٢) . ٤- انتسابه إفى مذهب السلف لا إلى مذهب معين، يقول-﵀ عن نفسه " مع أني في عمري إلى ساعتى هذه لم أدع أحدا قط في أصول الدين إفى مذهب حنبلي وغير حنبلي، ولا انتصرت لذلك، ولا أذكره في كلامي، ولا أذكر إلا ما اتفق عليه سلف الأمة وأئمها " (٣) ، ويقول: " فدين المسلمين مبني على اتباع كناب الله وسنة رسوله وما اتفقت عليه الأمة، فهذه الثلاثة هي أصول معصومة، وما تنازعت فيه الأمة ردوه إلى الله والرسول، وليس لأحد أن ينصب للأمة شخصا يدعو إل طريقته ويوالي عليها ويعادي، غير النبى ﷺ ، ولا ينصب لهم كلاما يوالي عليه ويعادي غير كلام الله تعالى وكلام رسوله ﷺ وما اجتمعت عليه الأمة، بل هذا من فعل أهل البدع

стр. 262

الذين ينصبون لهم شخصاً أو كلاماً يفرقون بين الأمة، يوالون على ذلك الكلام أو تلك النسبة ويعادون ... " (١) ، ثم بين لماذا تحكى أقوال الأئمة وتنسب إلى أصحابها فقال:" والأقوال إذا حكيت عن قائلها أو نسبت الطوائف إلى متبوعها فإنما ذاك على سبيل التعريف والبيان، وأما المدح والذم والموالاة والمعاداة فعلى الأسماء المذكورة في القرآن العزيز كاسم المسلم والكافر، والمؤمن، والمنافق، والبر والفاجر، والصادق والكاذب، والمصلح والمفسد وأمثال ذلك، وكون القول صواباً أو خطأ يعرف بالأدلة الدالة على ذلك بالمعلومة بالعقل والسمع " (٢) . أما نسبة مذهب أهل السنة إلى الإمام أحمد فقد سبق- في التمهيد عند الحديث عن نشأة أهل السنة - أن نقلنا نصاً عن ابن تيمية يبين السبب في نسبته إلى الإمام احمد وأن مذهب السلف قديم قبل الأئمة الأربعة. ولكن لما امتحن فيه الإمام احمد نسب إليه، ويقول في نص آخر:" والاعتقاد إنما أضيف إلى الإمام أحمد لأنه أظهره وبينه عند ظهور البدع، وإلا فهو كتاب الله وسنة رسوله، حط أحمد منه كحظ غيره من السلف: معرفته والإيمان به، وتبليغه والذب عنه، كما قال بعض أكابر الشيوخ: الاعتقاد لمالك والشافعي ونحوهما من الأئمة، والظهور لأحمد بن حنبل ... [ثم قال:] وأئمة السنة ليسوا مثل أئمة البدعة، فإن أئمة السنة تضاف السنة إليهم لأنهم مظاهر بهم ظهرت، وأئمة البدعة تضاف إليهم لأنهم مصادر عنهم صدرت ... " (٣) ، ويقول أيضاً:" فإن احمد بن حنبل لم يبتدع من عنده شيئاً ولكن كان أعلم زمانه بما أنزل الله على رسوله، وما كان عليه الصحابة والتابعون، وكان اتبع الناس لذلك، وابتلي بالمخالفين من أهل الأهواء ومناظرتهم بالخطاب والكتاب والرد عليهم، فأظهر من علوم السلف ما هو متبع فيه كسائر الأئمة قبله، وما من قول يقوله إلا وقد قاله بلفظه أو بمعناه ما شاء الله قبله وفي زمانه، وعلى ذلك من الدلائل ما شاء الله،

стр. 263

فلهذا اتخذته الأمة إماماً، لأن الله تعالى يقول: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآياتِنَا يُوقِنُونَ﴾ [السجدة:٢٤] وكان الإمام أحمد-رحمه الله تعالى- - ممن آتاه الله الصبر واليقين بآيات الله ما استحق به الإمامة حتى اشتهر ذلك عند الخاصة والعامة، فصار لفظ الإمامة مقروناً باسمه أكثر وأشهر مما يقترن باسم غيره" (١) ، وابن تيمية وهو يقول هذا الكلام كان يتهم بأنه حنبلي وأنه يسير على اعتقاد الحنابلة الذين كثيراً ما يتهمهم أعداؤهم بأنهم مجسمة مشبهة، وقد أجاب ابن تيمية عن هذا بأن اتباع الإمام أحمد من الحنابلة أقل انحرافاً من غيرهم، وما فيهم من انحراف ففي غيرهم ما هو أشد منه، ثم تبين أن الحنابلة منهم من كان على مذهب الإمام أحمد وأهل السنة، لكن أيضاً من كان يميل إلى التفويض، أو مذهب الأشاعرة، أو مذهب المعتزلة فهم كغيرهم من الطوائف، وانتسابهم إلى الإمام أحمد لا يكفي لأن يكونوا على وفق مذهب السلف ما لم تكن أقوالهم كذلك (٢) . ٥- التركيز على بيان وسطية مذهب السلف، وكثراً ما يبنيها على وسطية أمة محمد ﷺ بخصائص ميزه الله بها على جميع الأنبياء والمرسلين، وجعل له شرعة ومنهاجاً، أفضل شرعة وأكمل منهاج مبين، كما جعل أمته خير أمة أخرجت للناس فهم يوفون سبعين أمة هم خيرها وأكرمها على الله من جميع الأجناس، هداهم الله بكتابه ورسوله لما اختلفوا فيه من الحق قبلهم، وجعلهم وسطاً عدلاً خياراً، فهم وسط في توحيد الله وأسمائه وصفاته وفي الإيمان برسله وكتبه وشرائع دينه من الأمر والنهي والحلال والحرام ... [ثم ذكر أمثلة ثم قال:] "وأهل السنة والجماعة في الإسلام كأهل الإسلام في أهل الملل: فهم وسط في باب صفات الله ، بين أهل الجحد والتعطيل، وبين أهل التشبيه والتمثيل.. وهم وسط في باب أفعال الله بين المعتزلة المكذبين بالقدر،

стр. 264

والجبرية النافين لحكمة الله ورحمته وعدله، والمعارضين بالقدر أمر الله ونهيه وثوابه وعقابه، وفي باب الوعد والوعيد: بين الوعيدية الذين يقولون بتخليد عصاة المسلمين في النار، وبين المرجئة الذين يجحدون بعض الوعيد وما فضل الله به الأبرار على الفجار، وهم وسط في أصحاب رسول الله ﷺ بين الغالي في بعضهم الذي يقول فيه بألهية أو نبوة أو عصمة، والجافي فيهم، الذي يكفر بعضهم أو يفسقه وهم خيار الأمة" (١) ، وبين أن كل طائفة من الطوائف من غير أهل السنة لا ينفردون بحق، بل كل من كان معه شيء من الحق ففي أهل السنة والجماعة من يقول به (٢) . ٦- وعند الحاجة إلى ذكر أقوال المخالفين، فلا بد من المذهب الصحيح المستنبط من الكتاب والسنة، أولاً، وذكر أقوال المخالفين في ضمن ذلك، يقول في مقدمة كتاب "الإيمان":" ونحن نذكر ما يستفاد من كلام النبي ﷺ ، مع ما يستفاد من كلام الله تعالى، فيصل المؤمن إلى ذلك من نفس كلام الله ورسوله، فإن هذا هو المقصود، فلا نذكر اختلاف الناس ابتداء، بل نذكر من ذلك - في ضمن بيان ما يستفاد من كلام الله ورسوله - ما يبين أن رد موارد النزاع إلى الله وإلى رسوله خير وأحسن تأويلاً، وأحسن عاقبة في الدنيا والآخرة" (٣) . وقد طبق هذا المنهج في كتابه هذا. ب- منهجه في الأسماء والصفات: لما كانت هذه المسألة من أعظم المسائل التي خاض فيها الناس واضطربت فيها أقوالهم، خاصة وأنها تتعلق بالله تعالى وما ينبغي له من صفات الكمال

стр. 265

وما ينبغي أن ينزه عنه من صفات النقص، فقد حرص شيخ الإسلام ابن تيمية من خلال مناقشاته أن يؤصل أصولاً ينطلق منها المسلم في بحث هذا الموضوع الخطير، لأن الخطأ والزلل فيه ليس كغيره من المسائل، وكان يركز في دروسه على مثل هذه الأصول حتى أن بعض تلاميذه طلبوا منه أن يكتب لهم هذه القواعد لشعورهم بأهميتها وحاجاتهم إليها، فكتب الرسالة التدمرية، التي تعتبر خلاصة متينة وقوية لما قرره ابن تيمية في كتبه المطولة الأخرى: ويمكن أن نلخص منهجه في هذا الباب بما يلي: ١- إن الأصل في باب الأسماء والصفات أن يوصف الله بما وصف به نفسه أو وصفه به رسوله ﷺ ، ومعناه أن يقتصر على ما جاء به الكتاب والسنة فهما المصدران الأساسان في هذا الأمر المتعلق بذات الله تعالى وما له من صفات الجلال والكمال، يقول شيخ الإسلام:" وأصل دين المسلمين أنهم يصفون الله بما وصف به نفسه في كتبه وبما وصفه به رسله من غير تحريف ولا تعطيل، ومن غير تكيف ولا تمثيل، بل يثبتون له تعالى ما أثبته لنفسه، وينفون عنه ما نفاه عن نفسه، ويتبعون في ذلك أقوال رسله، ويجتنبون ما خالف أقوال الرسل كما قال تعالى: ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ [الصافات:١٨٠] أي عما يصفه الكفار المخالفون للرسل ﴿وَسَلامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ﴾ [الصافات:١٨١] لسلامة ما قالوه من النقص والعيب ﴿وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الصافات:١٨٢] ، فالرسل وصفوا الله بصفات الكمال، ونزهوه عن النقائص المناقضة للكمال، ونزهوه عن أن يكون له مثل في شيء من صفات الكمال، وأثبتوا له صفات الكمال على وجه التفصيل، ونفوا عنه التمثيل" (١) . والسلف - رحمهم الله تعالى - ساروا على هذا الأصل، فجاء مذهبهم في الأسماء والصفات مبنياً على إثبات ما أثبته الله ورسوله، ونفي ما نفاه الله ورسوله، ويركز شيخ الإسلام كثيراً على منهجهم هذا، ولذلك ذكر منهجه

стр. 266

في نقل كلامهم وطبقه في كتبه، يقول:" فإنا لما أردنا أن نبين مذهب السلف ذكرنا طريقين: أحدهما: أنا ذكرنا ما تيسر من ذكر ألفاظهم، ومن روي ذلك من أهل العلم بالأسانيد المعتبرة. والثاني: أنا ذكرنا من نقل مذهب السلف من جميع طوائف المسلمين من طوائف المسلمين من طوائف الفقهاء الأربعة، ومن أهل الحديث، والتصوف وأهل الكلام كالأشعري وغيره. فصار مذهب السلف منقولاً بإجماع الطوائف وبالتواتر، لم نثبته بمجرد دعوى الإصابة لنا والخطأ لمخالفنا كما يفعل أهل البدع (١) ، ويقول عن السلف: " فقولهم في الصفات مبني على أصلين: أحدهما: أن الله تعالى منزه عن صفات النقص مطلقاً كالسنة والنوم والعجز والجهل وغير ذلك. والثاني: أنه متصف بصفات الكمال التي لا نقص فيها على وجه الاختصاص بما له من الصفات، فلا يماثله شيء من المخلوقات في شيء من الصفات" (٢) ، بل إن شيخ الإسلام استقصى أقوال السلف فلم يجد ما يخالف ما ذكره عنهم يقول" والله تعالى يعلم أني قد بالغت في البحث عن مذاهب السلف فما علمت أحداً منهم خالف ذلك" (٣) ، ومواضع نقله لمذهب السلف إجمالاً أو تفصيلاً منتشر في كتبه ورسائله ﵀ (٤) .

стр. 267

٢- إن الرسل جاءوا بإثبات مفصل ونفي مجمل، فأثبتوا لله صفات الكمال على وجه التفصيل، ونفوا عنه صفات النقص على وجه الإجمال، على الضد من أهل البدع، وقد أوضح ابن تيمية هذه المسألة - في مناسبات عديدة - يقول ﵀ "والرسل عليهم صلوات الله جاءوا بإثبات مفصل ونفي مجمل، وهؤلاء ناقضوهم جاءوا بنفي مفصل وإثبات مجمل، بأن الرسل أخبرت كما أخبر الله في كتابه الذي بعث به رسوله أنه بكل شيء عليم، وعلى كل شيء قدير، وأنه حكيم عزيز، غفور ودود، وأنه خلق السموات والأرض وما بينهما في ستة أيام ثم استوى على العرش، وأنه كلم موسى تكليماً، وتجلى للجبل فجعله دكا، وأنه أنزل على عبده الكتاب، إلى غير ذلك من أسمائه وصفاته، وقال في النفي والتنزيه ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى:١١] ، ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:٤] ، ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيّاً﴾ [مريم:٦٥] ، وهؤلاء الملاحدة جاءوا بنفي مفصل وإثبات مجمل، فقالوا في النفي: ليس بكذا ولا كذا ولا كذا فلا يقرب من شيء، ولا يقرب منه شيء، ولا يرى لا في الدنيا ولا في الآخرة، ولا له كلام يقوم به، ولا له حياة، ولا علم ولا قدرة، ولا غير ذلك، ولا يشار إليه ولا يتعين ولا هو مباين للعالم ولا حال فيه، ولا داخله ولا خارجه، إلى أمثال العبارات السلبية التي لا تنطبق إلا على المعدوم، ثم قالوا في الإثبات: هو وجود مطلق، أو وجود مقيد بالأمور السلبية، وقالوا: لا تقول موجود ولا معدوم ... " (١) . ويقول:" مما يبين أن طريقة أتباع الأنبياء من أهل السنة هي الموصلة إلى الحق دون طريقة من خالفهم من الفلاسفة والمتكلمين: إن المقصود هو العلم، وطريقه هو الدليل، والأنبياء جاءوا بالإثبات المفصل والنفي المجمل، كإثبات الصفات لله مفصلة ونفي الكفؤ عنه، والفلاسفة يجيئون بالنفي المفصل: ليس بكذا ولا كذا، فإذا جاء الإثبات أثبتوا وجوداً مجملاً واضطربوا في أول مقامات ثبوته ... " (٢) . وهذه هي القاعدة العامة الغالبة، وإلا فقد يرد في النصوص الإثبات المجمل والنفي المفصل، كنفي الصاحبة والولد - كما سيأتي في الفقرة التالية.

стр. 268

٣- إن النفي الذي وصف الله تعالى به، هو ما تضمن إثبات كمال الله تعالى، وهو النفي غير المحض، أما النفي المحض - الذي لا يتضمن إثباتاً - فلم يوصف الله تعالى به، يقول شيخ الإسلام في معرض رده على نفاة الرؤية في احتجاجهم بقوله تعالى: ﴿لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾ [الأنعام:١٠٣] :" ومما يبين ذلك أن الله تعالى ذكر هذه الآية يمدح بها نفسه ، ومعلوم أن كون الشيء لا يرى ليس صفة مدح، لأن النفي المحض لا يكون مدحاً إن لم يتضمن أمراً ثبوتياً، لأن المعدوم أيضاً لا يرى، والمعدوم لا يمدح، فعلم أن مجرد نفي الرؤية لا مدح فيه، وهذا أصل مستمر، وهو أن العدم المحض الذي لا يتضمن ثبوتاً لا مدح فيه ولا كمال، فلا يمدح الرب نفسه به، ولا يصف نفسه به، وإنما يصفها بالنفي المتضمن معنى ثبوت كقوله ﴿لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ﴾ وقوله ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِه﴾ وقوله ﴿وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ﴾ وقوله ﴿وَلا يَؤُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾ [البقرة:٢٥٥] وقوله ﴿لا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الْأَرْض﴾ [سبأ:٣] وقوله: ﴿وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ﴾ [قّ:٣٨] ونحو ذلك من القضايا السلبية التي يصف الرب تعالى بها نفسه، وأنها تتضمن اتصافه بصفات الكمال الثبوتية، مثل كمال حياته وقيوميته، وملكه وقدرته وعلمه وهدايته، وانفراده بالربوبية والإلهية ونحو ذلك، وكل ما يوصف به العدم المحض فلا يكون إلا عدماً محضاً، ومعلوم أن العدم المحض يقال فيه: إنه لا يرى، فعلم أن نفي الرؤية عدم محض، ولا يقال في العدم المحض: لا يدرك، وإنما يقال هذا فيما لا يدرك لعظمته لا لعدمه" (١) ، ويقول في الرد على النفاة القائلين برفع النقيضين، الذين يقولون لا داخل العالم ولا خارجه ونحو ذلك: " ومما يبين هذا أن الصفات السلبية ليس فيها بنفسها مدح، ولا توجب كمالاً

стр. 269

للموصوف، إلا أن تضمن أمراً وجودياً كوصفه سبحانه بإنه لا تأخذه سنة ولا نوم، فإنه يتضمن كمال حياته وقيوميته، وكذلك قوله تعالى: ﴿وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ﴾ [قّ:٣٨] متضمن كمال قدرته، وقوله: ﴿لا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الْأَرْض﴾ [سبأ:٣] يقتضي كمال علمه، وكذلك قوله: ﴿لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾ [الأنعام:١٠٣] يقتضي عظمته بحيث لا تحيط به الأبصار، وكذلك نفي المثل والكفؤ عنه يقتضي أن كل ما سواه فإنه عبد مملوك لهن وذلك يقتضي من كماله مالا يحصل إذا كان له نظير مستغن عنه مشارك له في الصنع، فإن ذلك نقص في الصانع، فأما العدم المحض، والنفي الصرف، مثل كونه لا يمكن رؤيته بحال، وكونه لا مبايناً للعالم ولا مداخلاً له، فإن هذا أمر يوصف به المعدوم، والمعدوم المحض لا يتصف بصفة كمال ولا مدح ولهذا كان تنزيه الله تعالى بقوله" سبحان الله" يتضمن مع نفي صفات النقص عنه إثبات ما يلزم ذلك من عظمته، فكان التسبيح تعظيم له مع تبرئته من السوء" (١) ويوضح هذا في التدمرية في القاعدة الأولى فيقول:" وينبغي أن يعلم أن النفي ليس فيه مدح ولا كمال، إلا إذا تضمن إثباتاً، وإلا فمجرد النفي ليس فيه مدح ولا ككمال، لأن النفي المحض عدم محض، والعدم المحض ليس بشيء، وما ليس بشيء هو كما قيل ليس بشيء، فضلاً عن أن يكون مدحاً أو كمالاً، ولأن النفي المحض يوصف به المعدوم والممتنع والمعدوم والممتنع لا يوصف بمدح ولا كمال ... [ثم ذكر أمثلة، ثم قال:] ... فالذين لا يصفونه إلا بالسلوب لم يثبتوا في الحقيقة إلهاً محمودا، بل ولا موجودا، وكذلك من شاركهم في بعض ذلك كالذين قالوا: إنه لا يتكلم، أو لا يرى، أو ليس فوق العالم، أو لم يستو على العرش، ويقولون: ليس بداخل العالم ولا خارجه، ولا مباين للعالم ولا محايث له؛ إذ هذه الصفات يمكن أن يوصف بها المعدوم، وليست مستلزمة صفة الثبوت" (٢) .

стр. 270

وهكذا يتضح الفرق بين منهج أهل البدع في النفي الذي يصفون الله به، وبين منهج القرآن في النفي، فنفي أهل البدع يتضمن نقصاً لأنهم يسلبون عنه صفات المدح والوجود، والنفي الوارد إنما يتضمن إثبات كمال ضد المنفي وهو صفات الكمال لله تعالى (١) . ٤- إن ما لم يرد في النصوص إثباته ولا نفيه فيجب التوقف فيه، والاستفصال عنه، وعن معناه، فإن كان المراد به حقاً موافقاً للنصوص ولا يعارضها قبل، وإلا رد، يقول شيخ الإسلام:" كل لفظ أحدثه الناس فأثبته قوم ونفاه آخرون فليس علينا أن نطلق إثباته ولا نفيه حتى نفهم مراد المتكلم، فإن كان مراده حقاً موافقاً لما جاءت به الرسل والكتاب والسنة من نفي أو إثبات قلنا به، وإن كان باطلاً مخالفاً لما جاء به الكتاب والسنة من نفي أو إثبات منعنا القول به" (٢) ، ويقسم الألفاظ - إلى نوعين فيقول:" ومن الأصول الكلية أن يعلم أن الألفاظ نوعان: نوع جاء به الكتاب والسنة، فيجب على كل مؤمن أن يقر بموجب ذلك، فيثبت ما أثبته الله ورسوله، وينفي ما نفاه الله ورسوله، فاللفظ الذي أثبته الله أو نفاه حق، فإن الله يقول الحق وهو يهدي السبيل، والألفاظ الشرعية لها حرمة، ومن تمام العلم أن يبحث عن مراد رسوله بها ليثبت ما أثبته، وينفي ما نفاه من المعاني، فإنه يجب علينا أن نصدقه في كل ما أخبر، ونطيعه في كل ما أوجب وأمر، ثم إذا عرفنا تفصيل ذلك كان ذلك من زيادة العلم والإيمان وقد قال تعالى: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ [المجادلة: ١١] وأما الألفاظ التي ليست في الكتاب والسنة، ولا اتفق السلف على نفيها أو إثباتها فهذه ليس على أحد أن يوافق من نفاها أو أثبتها حتى يستفسر عن مراده، فإن أراد بها معنى يوافق خبر الرسول أقر به،

стр. 271

وإن أراد بها معنى يخالف خبر الرسول أنكره، ثم التعبير عن تلك المعاني إن كان في ألفاظه اشتباه أو إجمال عبر بغيرها، أو بين مراده بها، بحيث يحصل تعريف الحق بالوجه الشرعي، فإن كثيراً من نزاع الناس سببه ألفاظ مجملة مبتدعة ومعان مشتبهة" (١) ، ويوضح في موضع آخر فيقول:" وبالجملة بمعلوم أن الألفاظ نوعان: نوع ورد في الكتاب والسنة أو الإجماع، فهذا اللفظ يجب القول بموجبه سواء فهمنا معناه أو لم نفهمه؛ لأن الرسول ﷺ لا يقول إلا حقاً والأمة لا تجتمع على ضلالة، والثاني: لفظ لم يرد به دليل شرعي، كهذه الألفاظ التي تنازع فيها أهل الكلام والفلسفة، هذا يقول: هو متحيز، وهذا يقول: ليس بمتحيز، وهذا يقول: هو في جهة، هذا يقول: ليس هو في جهة، وهذا يقول: هو جسم أو جوهر، وهذا يقول: ليس بجسم ولا جوهر، فهذه الألفاظ ليس على أحد أن يقول فيها بنفي ولا إثبات حتى يستفسر المتكلم بذلك، فإن بين أنه أثبت حقاً أثبته، وإن أثبت باطلاً رده، وإن نفى باطلا نفاه، وإن نفى حقا لم ينفع، وكثير من هؤلاء يجمعون في هذه الأسماء بين الحق والباطل في النفي والإثبات" (٢) ، والألفاظ المجملة كثيرة جداً، منها لفظ" الحلول" (٣) ، والتركيب (٤) ، والافتقار (٥) ،

стр. 272

و" المناسبة " (١) ، و" الغير " (٢) ، ولفظ" ذات" (٣) ، و"الجزء" (٤) ، وغيرها. ٥- عدم العلم بالكيفية والبعد عن التشبيه، فالصفات تثبت لله تعالى لورود النصوص بها، والله تعالى أراد أن يعرفنا بنفسه وبما له من صفات الجلال والكمال، فنحن نثبت ما ورد ونفهم المعاني، ولكن كيفية هذه الصفات لا يعلمها إلا الله تعالى، فلا يجوز أن نكيفها، كما أنه لا يجوز أن نشبهها بصفات أحد من الخلق، ولذلك يذكر شيخ الإسلام - وغيره من السلف - مع الإثبات ما يقيده أنه إثبات بلا تكييف ولا تمثيل، فكما أنه يجب الإثبات مع عدم التعطيل أو التأويل أو التحريف، فكذلك أيضاً لا يجوز أن يؤدي نفي هذه الأمور إلى الطرف المقابل من التكييف أو التمثيل، وهذا مبني على قاعدة وهي أنه كما أن لله ذاتاً لا تشبه ذوات المخلوقين فكذلك له صفات لا تشبه صفات المخلوقين، يقول شيخ الإسلام:" وحدث مع الجهمية قوم شبهوا الله تعالى بخلقه فجعلوا صفاته من جنس صفات المخلوقين، فأنكر السلف والأئمة على الجهمية المعطلة، وعلى المشبهة الممثلة" (٥) ، وقد حرص السلف على البعد عن التشبيه كحرصهم على البعد عن التعطيل، والشيطان يأتي الإنسان من جهة التشبيه والتمثيل فإذا عجز عنه أتاه من جهة التعطيل، نقل شيخ الإسلام عن عمرو بن عثمان المكي (٦) أنه قال:

стр. 273

"اعلم رحمك الله أن كل ما توهمه قلبك أو سنح في مجاري فكرك أو خطر في معارضات قلبك من حسن أو بهاء أو ضياء أو إشراق أو جمال، أو شبح ماثل (١) أو شخص متمثل، فالله تعالى بغير ذلك، بل هو تعالى أعظم وأجل وأكبر، ألا تسمع لقوله ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى:١١] وقوله: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:٤] أي لا شبيه ولا نظير ولا مساوي ولا مثل، أو لم تعلم أنه لما تجلى للجبل تدكدك لعظم هيبته، وشامخ سلطانه؟ كذلك لا يتوهمه أحد إلا هلك، فرد بما بين الله في كتابه من نفسه عن نفسه التشبيه والمثل والنظير والكفؤ، فإن اعتصمت بها وامتنعت منه [أي الشيطان] أتاك من قبل التعطيل لصفات الرب تعالى وتقدس؛ في كتابه وسنة رسوله محمد ﷺ فقال لك: إذا كان موصوفاً بكذا أو وصفته أوجب له التشبيه فأكذبه لأنه اللعين غنما يريد أن يستزلك ويغويك ويدخلك في صفات الملحدين الزائفين الجاحدين لصفة الرب تعالى " (٢) ، وعندما يذكر شيخ الإسلام جمل أقوال الطوائف في الصفات يذكر المشبهة مع المنحرفين يقول:" أما باب الصفات والتوحيد، فالنفي فيه في الجملة قول الفلاسفة والمعتزلة وغيرهم من الجهمية.... والإثبات في الجملة مذهب الصفاتية من الكلابية والأشعرية والكرامية وأهل الحديث وجمهور الصوفية والحنبلية والمالكية والشافعية إلا الشاذ منهم وكثير من الحنفية أو أكثرهم وهو قول السلفية (٣) ، لكن الزيادة في الإثبات إلى حد التشبيه هو قول الغالية من الرافضة، ومن جهال أهل الحديث وبعض المنحرفين، وبين نفي الجهمية وإثبات المشبهة مراتب" (٤) .

стр. 274

٦- قاعدة "الكمال" أو ما يسميه أحيانا "قياس الأولى"، وقد شرح ذلك في مناسبات مختلفة، لكنه أفرد لذلك رسالة عظيمة نافعة، أجاب فيها على سؤال ورد عليه، وصيغة السؤال الطويل - الذي ورد في ثلاث صفحات - تدل على أن صاحبه من العلماء أو من طلبة العلم ممن ليس مبتدئا في هذا الشأن. وقد جاء جواب شيخ الإسلام واضحا ومقعدا، يقول ﵀: الجواب عن هذا السؤال مبني على مقدمتين: إحداهما: أن يعلم أن الكمال ثابت لله، بل الثابت له هو أقصى ما يمكن من الأكملية، بحيث لا يكون وجود كمال لا نقص فيه إلا وهو ثابت للرب تعالى، يستحقه بنفسه المقدسة، وثبوت ذلك مستلزم نفي نقيضه، فثبوت الحياة يستلزم نفي الموت، وثبوت العلم يستلزم نفي الجهل، وثبوت القدرة يستلزم نفي العجز، وغن هذا الكمال ثابت له بمقتضى الأدلة العقلية والبراهين اليقينية، مع دلالة السمع على ذلك، ودلالة القرآن على الأمور نوعان: أحدهما: خبر الله الصادق، فما أخبر الله ورسوله به فهو حق كما أخبر الله به، والثاني: دلالة القرآن بضرب الأمثال وبيان الأدلة العقلية الدالة على المطلوب، فهذه دلالة شرعية عقلية، فهي شرعية لأن الشرع دل عليها، وأرشدنا إليها، وعقلية: لأنها تعلم صحتها بالعقل، ولا يقال: إنها لم تعلم إلا بمجرد الخبر، وإذا أخبر الله بالشيء ودل عليه بالدلالات العقلية صار مدلولا عليه بخبره، ومدلولا عليه بدليله العقلي الذي يعلم به، فيصير ثابتا بالسمع والعقل، وكلاهما داخل في دلالة القرآن التي تسمى "الدلالة الشرعية"، وثبوت "معنى الكمال" قد دل عليه القرآن بعبارات متنوعة، دالة على معاني متضمنة لهذا المعنى، فما في القرآن من إثبات الحمد له، وتفصيل محامده، وإن له المثل الأعلى، وإثبات معاني أسمائه ونحو ذلك دال على هذا المعنى" (١) ، ثم شرح ذلك وذكر الأدلة العقلية والشرعية عليه، فذكر لفظ "الكامل" وهل ورد - والخلاف حوله - وأدلة إثبات العقل للكمال لله من وجوه، والمثل الأعلى، وأدلة الشرع على ذلك، ودلالة إثبات أن الحمد لله "الحمد" وأنه "حميد مجيد" على ذلك (٢) ، ثم قال:

стр. 275

"أما المقدمة الثانية " فنقول: لابد من اعتبار أمرين: أحدهما: أن يكون الكمال ممكن الوجود. الثاني: أن يكون سليما من النقص، فإن النقص ممتنع على الله (١) .ثم يجيب عن السؤال الذي يرد حول هذه القاعدة وهو: أن النقص والكمال من الأمور النسبية، فالأكل والشرب والنكاح كمال للمخلوق نقص للخالق والكبر والتعاظم والثناء على النفس نقص للمخلوق كمال للخالق، فيقول:" وأما الشرط الآخر وهو قولنا: الكمال الذي لا يتضمن نقصا - على التعبير بالعبارة السديدة - أو الكمال الذي لا يتضمن نقصا يمكن انتقاؤه - على عبارة من يجعل ما ليس بنقص نقصا -، فاحترز عما هو لبعض المخلوقات كمال دون بعض، وهو نقض بالإضافة إلى الخالق لاستلزامه نقصا، كالأكل والشرب مثلا، فإن الصحيح الذي يشتهي الأكل والشرب من الحيوان أكمل من المريض الذي لا يشتهي الأكل والشرب، لأن قوامه بالأكل والشرب، فإذا قدر غير قابل له كان ناقصا عن القابل لهذا الكمال، لكن هذا يستلزم حاجة الآكل والشارب إلى غيره، وهو ما يدخل فيه الطعام والشراب، وهو مستلزم الخروج شيء منه كالفضلات، وما لا يحتاج إلى دخول شيء فيه أكمل مما يحتاج إلى دخول شيء فيه، وما يتوقف كماله على غيره أنقص مما لا يحتاج في كماله إلى غيره، فإن الغني عن الشيء أعلى من الغني به، والغني بنفسه أكمل من الغني بغيره، ولهذا كان من الكمالات ما هو كمال للمخلوق وهو نقص بالنسبة إلى الخالق، وهو: كل ما كان مستلزما لامكان العدم عليه المنافي لوجوبه وقيوميته، أو مستلزما للحدوث المنافي لقدمه، أو مستلزما لفقره المنافي لغناه" (٢) . ٧- وهناك قواعد أخرى - في منهجه - نشير إليها هنا سترد إن شاء الله مفصلة في موقفه من الأشاعرة في الصفات. ومنها:

стр. 276

أ - القول في الصفات كالقول في الذات. ب- القول في بعض الصفات كالقول في البعض الآخر. ج- الاشتراك في الاسم والصفة بين الله وخلق لا يقتضي التماثل. د- حجية خبر للآحاد. هـ- إثبات السلف للصفات ليس تفويضا للمعنى. وغيرها. رابعا: منهجه في الرد على الخصوم: واجه شيخ الإسلام خصوما كثيرين، ويجمعهم أنهم المخالفون لمذهب السلف ولذلك تنوعوا حسب الفرق والطوائف المشهورة، فإضافة إلى الأشاعرة كان هناك من هو أشد انحرافا منهم، ولذلك رد شيخ الإسلام على جميع الطوائف تقريبا، ابتداء بملاحدة الفلسفة والتصوف والباطنيين والرافضة إلى أصحاب المقالات المنحرفة في جانب أو جوانب العقيدة. وكان منهجه في الرد عليهم يقوم على أساسين بارزين: أحدهم ا: بيان حال الخصوم من أهل البدع والانحراف، وشرح مناهجهم وخلفياتهم لأن الحكم عليهم ونقض أقوالهم لابد أن يكون مبنيا على المعرفة بأحوالهم. والثاني: رده عليهم، وكان له في ذلك منهج واضح، ولذا سنعرض لمنهجه في الرد على الخصوم من خلال هذين الأمرين: أ - بيان حال الخصوم: ١- ينطلق شيخ الإسلام - في البداية - إلى وجوب بيان حال أهل البدع، وإن ذلك لا يعتبر من الغيبة، يقول في بيان ما يباح منها:" وكذلك بيان أهل العلم لمن غلط في رواية عن النبي ﷺ ، وتعمد الكذب عليه، أو على من ينقل عنه العلم، وكذلك بيان من غلط في رأي رآه في أمر من أمور الدين من المسائل العلمية والعملية فهذا إذا تكلم فيه الإنسان بعلم وعدل، وقصد النصيحة فالله تعالى يثيبه على ذلك، لا سيما إذا كان المتكلم فيه داعيا إلى بدعة فهذا يجب

стр. 277

بيان أمره للناس فإن دفع شره عنهم أعظم من دفع شر قاطع الطريق" (١) ، وفي موضع آخر يركز على أئمة أهل البدع ووجوب بيان حالهم وإن ذلك ليس بغيبة يقول:" ومثل أئمة البدع من أهل المقالات المخالفة للكتاب والسنة، أو العبادات المخالفة للكتاب والسنة، فإن بيان حالهم وتحذير الأمة منهم واجب باتفاق المسلمين، حتى قيل لأحمد بن حنبل: الرجل يصوم ويصلي ويعتكف أحب إليك أو يتكلم في أهل البدع؟ فقال: إذا قام وصلى واعتكف فغنما هو لنفسه، وإذا تكلم في أهل البدع فإنما هو للمسلمين، هذا أفضل، فبين أن نفع هذا عام للمسلمين في دينهم من جنس الجهاد في سبيل الله، إذ تطهير سبيل ودينه ومنهاجه وشرعته ودفع بغي هؤلاء وعدوانهم على ذلك واجب على الكفاية باتفاق المسلمين، ولولا من يقيمه الله لدفع ضرر هؤلاء لفسد الدين، وكان فساده أعظم من فساد استيلاء العدو من أهل الحرب، فإن هؤلاء إذا استولوا لم يفسدوا القلوب وما فيها من الدين إلا تبعا، وأما أولئك فهم يفسدون القلوب ابتداء" (٢) . ولقد كان إحساس شيخ الإسلام بهذا الواجب عظيما، فقضى جزءا كبيرا من عمره في مجاهدة أصحاب البدع علما وعملا. ٢- كشف أسباب نشأة الفرق والبدع، وهذا ضروري للرد عليها لأن كشف الأسباب التي أدت إلى قيامها يهيئ الأمر ليصبح الرد عليها مبنيا على منهج سليم، والطبيب المعالج لا ينبغي له أن يكتفي بمكافحة المرض فقط وإنما يبحث عن أسبابه لأن معرفتها قد تعين في التشخيص ومن ثم في العلاج، وقد يبين أن علاج المرض بمنع أسبابه، وهكذا أمراض القلوب والعقول. أ- فشيخ الإسلام في البداية يشير إلى أن الاختلاف من لوازم النشأة الإنسانية لأن الشهوات والشبهات لازمة للنوع الإنساني، لذلك فالاختلاف والتفرق لا بد أن يوجد (٣) .

стр. 278

ب- وكثيرا ما يشير إلى الأسباب الخارجية لنشوء الفرق، ويركز على أثر الفلسفة التي انتشرت في العالم الإسلامي في عهد المأمون ومن جاء بعده (١) . ويخص الترجمة - التي قد تكون دقيقة أو غير دقيقة - يكون من الأسباب المهمة (٢) . ج- أما حين يتحدث عن الأسباب الداخلية - التي نشأت من الداخل مثل الاختلاف في فهم النصوص، أو الاستدلال بأدلة عند الآخرين، فيعرض لها مفصلة، فيتكلم عن أسباب الانحراف عن طريق الأنبياء من اليهود والنصارى والمسلمين، يقول في معرض رده على النصارى:" إن جميع ما يحتجون به من هذه الآيات (٣) وغيرها فهو حجة عليهم لا لهم، وهكذا شأن جميع أهل الضلال، إذا احتجوا بشيء من كتب الله وكلام أنبيائه كان في نفس ما احتجوا به ما يدل على فساد قولهم، وذلك لعظمة كتب الله المنزلة وما نطق به أنبياؤه، فإنه جعل ذلك هدى وبيانا للخلق وشفاء لما في الصدور فلا بد أن يكون في كلام الأنبياء - صلوات الله عليهم أجمعين - من الهدى والبيان ما يفرق الله به بين الحق والباطل والصدق والكذب، لكن الناس يؤتون من قبل أنفسهم لا من قبل أنبياء الله: إما من كونهم لم يتدبروا القول الذي قالته الأنبياء حق التدبر حتى يفقهوه يفهموه. وإما من جهة أخذهم ببعض الحق دون بعض، مثل أن يؤمنوا ببعض ما أنزله الله دون بعض فيضلون من جهة ما لم يؤمنوا به كما قال تعالى عن النصارى: ﴿وَمِنَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ فَنَسُوا حَظّاً مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ [المائدة:١٤] . وإما من جهة نسبتهم إلى الأنبياء ما لم يقولوه من أقوال كذبت عليهم.

стр. 279

ومن جهة: ترجمة أقوالهم بغير ما تستحقه من الترجمة، وتفسيرها بغير ما تستحقه من التفسير الذي دل عليه كلام الأنبياء - صلوات الله عليهم أجمعين - فإنه يجب أن يفسر كلام المتكلم بعضه ببعض، ويؤخذ كلامه هاهنا وهاهنا، وتعرف ما عادته يعنيه ويريده بذلك اللفظ إذا تكلم به، وتعرف المعاني التي عرف أنه أرادها في موضع آخر، فإذا عرف عرفه وعادته في معانيه وألفاظه كان هذا مما يستعان به على معرفة مراده، وأما إذا استعمل لفظه في معنى لم تجر عادته باستعماله فيه، وترك استعماله في المعنى الذي جرت عادته باستعماله فيه، وحمل كلامه على خلاف المعنى الذي قد عرف أنه يريده بذلك اللفظ يجعل كلامه متناقضا، ويترك كلامه على ما يناسب سائر كلامه، كان ذلك تحريفا لكلامه عن موضعه وتبديلا لمقاصده وكذبا عليه، فهذا أصل من ضل في تأويل كلام الأنبياء على غير مرادهم" (١) . فهذه أسباب أربعة بين فيها كيف يضل الضالون عن طريق أنبيائهم، ويجمعها التفريط في اتباع ما جاء به الرسول، يقول شيخ الإسلام:" لكن ينبغي أن يعرف أن عامة من ضل في هذا الباب أو عجز فيه عن معرفة الحق فإنما هو لتفريطه في اتباع ما جاء به الرسول، وترك النظر والاستدلال الموصل إلى معرفته، فلما أعرضوا عن كتاب الله ضلوا" (٢) . وفي موضع آخر يذكر أسباب الانحراف والضلال لطوائف خاصة فيقول:" ومما ينبغي أن يعلم أنى سبب ضلال النصارى وأمثالهم من الغالية كغالية العباد والشيعة وغيرهم ثلاثة أشياء: أحدها: ألفاظ متشابهة، مجملة، منقولة عن الأنبياء، تمسكوا بها وعدلوا الصريحة المحكمة بها، وهم كلما سمعوا لفظا لهم فيه شبهة تمسكوا به وحملوه على مذهبهم وإن لم يكن دليلا على ذلك، والألفاظ الصريحة المخالفة لذلك إما أن يفوضوها وإما أن يتأولوها ... ".

стр. 280

والثاني: خوارق ظنوها من الآيات وهي من أحوال الشياطين، وهذا مما ضل به كثير من الضلال المشركين وغيرهم، ممثل دخول الشياطين في الأصنام وتكليمهم للناس، ومثل إخبار الشياطين للكهان بأمور غائبة، لابد لهم مع ذلك من كذب، ومثل تصرفات تقع من الشياطين. والثالث: أخبار منقولة إليهم ظنوها صدقا وهي كذب ... (١) وكثيرا ما يركز على منشأ البدع واختلاط الحق بالباطل فيها" فإن البدعة لو كان باطلا محضا لظهرت وبانت، وما قبلت، ولو كانت حقا محضا لا شوب فيه لكانت موافقة للسنة، فإن السنة لا تناقض حقا محضا لا باطل فيه، ولكن البدعة تشتمل على حق وباطل" (٢) ، وبعد ما يبين شيخ الإسلام لبس الحق بالباطل وكيف يكون (٣) يقول:" والبدع التي يعارض بها الكتاب والسنة التي يسميها أهلها كلاميات وعقليات وفلسفيات، أو ذوقيات ووجديات، وحقائق وغير ذلك، لا بد أن تشتمل (٤) على لبس حق بباطل وكتمان، وهذا أمر موجود يعرفه من تأمله، فلا تجد قط مبتدعا إلا وهو يحب كتمان النصوص التي تخالفه، ويبغضها، ويبغض إظهارها وروايتها والتحدث بها، ويبغض من يفعل ذلك" (٥) ومن أعظم أسباب بدع المتكلمين من الجهمية وغيرهم - كما يرى شيخ الإسلام -" قصورهم في مناظرة الكفار والمشركين، فإنهم يناظرونهم ويحاجونهم بغير الحق والعدل لينصروا الإسلام - زعموا - بذلك، فيسقط عليهم أولئك لما فيهم من الجهل والظلم ويحاجونهم بممانعات ومعارضات، فيحتاجون حينئذ إلى جحد طائفة من الحق الذي جاء به الرسول، والظلم والعدوان لإخوانهم المؤمنين بما استظهر عليهم أولئك المشركون، فصار مشتملا على إيمان وكفر،

стр. 281

وهدى وضلال، ورشد وغي، وجمع النقيضين، وصاروا مخالفين للكفار والمؤمنين كالذين يقاتلون الكفار والمؤمنين " (١) ، ويمثل حالهم بحال بعض ملوك النواحي والأطراف في عصره الذين استزلهم الشيطان فأصبحوا" يقاتلون العدو قتالا مشتملا على معصية الله من الغدر والمثلة والغلول والعدوان، حتى احتاجوا في مقاتلة ذلك العدو إلى العدوان على إخوانهم المؤمنين" (٢) ، ثم يطبق على مثال من التاريخ الكلامي (٣) . ومن أسباب الانحراف عدم فهم كلام العلماء، وتفريع المسائل على مسألة معينة قد يكون العالم تكلم فيها بكلمة زل فيها، أو قصد الرد على طائفة معينة، فحملت على محامل أخرى لم يقصدها، ويذكر لذلك أمثلة عديدة (٤) . ٣- المعرفة التاريخية بنشوء الفرق، وتاريخها، والتسلسل التاريخي لظهور البدع، والمدن التي انتشرت فيها، وهذه المعرفة تفيد في بيان أول البدع ظهورا، وأثر البدع السابقة في ظهور البدع اللاحقة، كما أنها تعين على فهم الخلفيات التاريخية والعقدية لظهورها. وكثيرا ما يقرن شيخ الإسلام بين الأحداث التاريخية والبدع التي صاحبتها، والشواهد على ذلك من كتابات شيخ الإسلام كثيرة، ففي إحدى رسائله يتحدث بشكل موسع عن ظهور البدع، وتاريخها، فيذكر أنه في آخر خلافة علي ﵁ ظهرت بدعة الخوارج والرافضة لأنها متعلقة بالإمامة والخلافة، ثم حدثت فتنة أهل الحرة، وقصة ابن الزبير بمكة، وظهور المختار بن أبي عبيد بالعراق، وذلك في أواخر عهد الصحابة فحدثت بدعة القدرية والمرجئة، وتكلموا في مسائل القدر ومسائل الإيمان والوعد والوعيد، أما نفي الصفات فلم يحدث

стр. 282

إلا في أواخر عصر صغار التابعين، وذلك في أواخر عهد الدولة الأموية، وبداية الدولة العباسية، وكيف أنه لما تولى الأعاجم، وعربت الكتب العجمية من كتب الفرس والهند والروم، حدث ثلاثة أشياء: الرأي، والكلام، والتصوف. وحدث التجهم ونفي الصفات، وبإزائه التمثيل، وكان جمهور الرأي في الكوفة، وجمهور الكلام والتصوف في البصرة، ويذكر أول دويرة بنيت للصوفية في البصرة. وهكذا - بهذا الأسلوب - يستمر في عرض أحوال البلاد الإسلامية وانتشار البدع فيها (١) . والمعرفة التاريخية أوصلت شيخ الإسلام إلى استنتاجات وتحليلات مهمة، فمثلا: أحاديث السفر لزيارة القبور والمشاهد أول من أحدثها أهل البدع من الروافض (٢) ، ونسبة رسائل إخوان الصفا إلى جعفر الصادق ليست صحيحة، ويرى أنها صنفت بعد المئة الثالثة (٣) ، وأحيانا ينقد متون بعض الروايات التاريخية من خلال الاستقراء والمعرفة بالتاريخ (٤) . ٤- معرفته بأحوال الخصوم، مذاهبهم وعقائدهم، وأدلتهم، وكتبهم، وهذا غير ما سبق من معرفته بتاريخ نشوء الفرق، أو أسباب نشوئها، وقد كان شيخ الإسلام في معرفته بأحوال الخصوم واثقا من نفسه حتى قال في إحدى مناقشاته ومناظراته لهم:" كل من خالفني في شيء مما كتبته، فأنا أعلم بمذهبه منه" (٥) ، وقال عن نفسه:" وقلت في ضمن كلامي: أنا أعلم كل بدعة حدثت في الإسلام، وأول من ابتدعها ومتا كان سبب ابتداعها" (٦) .

стр. 283

وبلغ من معرفته بأحوال الخصوم أن قال عن "الاتحادية" ":" ولهذا لما بينت لطوائف من اتباعهم ورؤسائهم قولهم، وسر مذهبهم، صاروا يعظمون ذلك، ولولا ما أقرنه بذلك من الذم والرد لجعلوني من أئمتهم، وبذلوا لي من طاعة نفوسهم وأموالهم ما يجل عن الوصف، كما تبذله النصارى لرؤسائهم والإسماعيلية لكبرائهم، وكما بذل آل فرعون لفرعون ... " (١) .ولما عرض لمسألة: أفعال العباد، وهل هي قديمة قال:" ولم يقل قط أحد لا من أصحاب أحمد المعروفين، ولا من غيرهم من العلماء المعروفين: إن أفعال العباد قديمة، وإنما رأيت هذا [قولا] لبعض المتأخرين بأرض العجم وأرض مصر من المنتسبين إلى مذهب الشافعي وأحمد فرأيت بعض المصريين يقولون: إن أفعال العباد من خير وشر قديمة، ويقولون: ليس مرادنا بالأفعال نفس الحركات ولكن الثواب الذي يكون عليها" (٢) . وكثيرا ما يمحص الأقوال التي تنسب إلى الخوارج (٣) ، أو بعض طوائف النصارى (٤) ، بل قال عن الزبور:" وقد رأيت أنا من نسخ الزبور ما فيه تصريح بنبوة محمد ﷺ باسمه ورأيت نسخة أخرى "من الزبور" (٥) ، فلم أر ذلك فيها، وحينئذ فلا يمتنع أن يكون في بعض النسخ من صفات النبي ﷺ ما ليس في أخرى" (٦) . ومن علمه بحال الخصوم معرفته بالبلدان التي يكثر فيها الكفر والشرك والأحوال الشيطانية والتي يقل فيها ذلك (٧) .

стр. 284

٥- بيانه لمنهج أهل البدع والكلام، المخالف لمنهج السلف - رحمهم الله تعالى - ولا شك أن بيان منهج الباطل يعين على معرفة منهج أهل الحق، ولذلك أشار في الوصية الكبرى إلى جوامع من أصول أهل الباطل فقال:" وأنا أذكر جوامع من أصول الباطل التي ابتدعها طوائف ممن ينتسب إلى السنة وقد مرق منها وصار من أكابر الظالمين، وهي فصول: الفصل الأول: أحاديث رووها في الصفات زائدة على الأحاديث التي في دواوين الإسلام مما نعلم باليقين القاطع أنها كذب وبهتان، بل كفر شنيع ... فصل: وكذلك الغلو في بعض المشايخ ... فصل: وكذلك التفريق بين الأمة وامتحانها بما لم يأمر الله به ولا رسوله ... " (١) ، ويقول عن أهل البدع: إنهم على عكس منهج الرسل، فالرسل" يأمرون بالغايات المطلوبة من الإيمان بالله ورسوله وتقواه، ويذكرون من طرق ذلك وأسبابه ما هو أقوى وأنفع، وأما أهل البدع المخالفون لهم فبالعكس يأمرون بالبدايات والأوائل، ويذكرون من ذلك ما أضعف وأضر، فمتبع الأنبياء لا يضل ولا يشقى، ومتبع هؤلاء ضال شقي ... " (٢) . ومن منهج أهل الباطل أنهم اعتقدوا معاني ثم أرادوا حمل ألفاظ القرآن عليها، وهؤلاء أصناف (٣) . ويذكر شيخ الإسلام أن من منهج أهل الباطل التلبيس على أتباعهم والتدرج بهم، حيث يبدأون بالألفاظ المتشابهة ثم يؤلفون أقوالهم ويعظمونها في النفوس ويهولونها، حتى يستجيب لهم من يدعونه ولو لم يكن مقتنعا بأقوالهم، ويشبه هذا ما تفعله القرامطة من التدرج في دعوتهم، يقول شيخ الإسلام:" ولكن هؤلاء عمدوا إلى ألفاظ مجملة مشتبهة تحتمل في لغات الأمم معاني متعددة، وصاروا يدخلون فيها من المعاني ما ليس هو المفهوم منها في لغات الأمم، ثم ركبوها، وألفوها تأليفا طويلا بنوا بعضه على بعض، وعظموا قولهم وهولوه في نفوس من لم يفهمه،

стр. 285

ولا ريب أن فيه دقة وغموضا لما فيه من الألفاظ المشتركة والمعاني المشتبهة فإذا دخل معهم الطالب وخاطبوه بما تنفر عنه فطرته، فأخذ يعترض عليهم قالوا له: أنت لا تفهم هذا، وهذا لا يصلح لك، فيبقى ما في النفوس من الأنفة والحمية يحملها على أن تسلم تلك الأمور قبل تحقيقها عنده، وعلى ترك الاعتراض عليها خشية أن ينسبوه إلى نقص العلم والعقل، ونقلوا الناس في مخاطبتهم درجات كما ينقل إخوانهم القرامطة المستجيبين لهم درجة بعد درجة ... " (١) . ومن منهجهم فرارهم إلى التقليد، فرأس الطائفة إذا قال كلاما بقى ذلك الكلام "دائرا في الاتباع، يدرسونه كما يدرس المؤمنون كلام الله، وأكثر من يتكلم به لا يفهمه، وكلما كانت العبارات أبعد عن الفهم كانوا لها أشد تعظيما، وهذه حال الأمم الضالة، كلما كان الشيء مجهولا كانوا أشد له تعظيما، كما يعظم الرافضة المنتظر، الذي ليس لهم منه حس ولا خبر ولا وقعوا له على عين ولا أثر، وكذلك تعظيم الجهال من المتصوفة الغوث وخاتم الأولياء، ونحو ذلك مما لا يعرفون له حقيقة" (٢) ، ثم يقول شيخ الإسلام عن تقليدهم لشيوخهم:" وهذا القدر قد تبينته من الطوائف المخالفين للكتاب والسنة - ولو في أدنى شيء ممن رأيت كتبهم وممن خاطبتهم، وممن بلغني أخبارهم - إذا أقيمت على أحدهم الحجة العقلية التي يجب على طريقته قبولها، ولم يجد له ما يدفعها به فر إلى التقليد ولجأ إلى قول شيوخه، وقد كان في أول الأمر يدعو إلى النظر والمناظرة، والاعتصام بالعقليات والإعراض عن الشرعيات، ثم إنه في آخر الأمر لا حصل له علم من الشرعيات ولا من العقليات، بل هو كما قال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطَانٍ مَرِيدٍ﴾ [الحج:٣] " (٣) . ثم يذكر تناقضهم فيقول:" ولست تجد أحدا من هؤلاء إلا متناقضا وهو نفسه يخالف قول ذلك المتبوع الذي عظمه في موضع آخر" (٤) .
следующие страницы →