ويقول- بعد أن نقل كلاما للحلاج رواه عنه القشيري في الرسالة-:" قلت هذا الكلام- والله أعلم- هل هو صحيح عن الحلاج أم لا؟ فإن في الإسناد من لا أعرف حاله، وقد رأيت أشياء كثيرة منسوبة إلى الحلاج من مصنفات وكلمات ورسائل، وهي كذب عليه لاشك في ذلك، وإن كان في كثير من كلامه الثابت عنه فساد واضطراب، لكن حملوه أكثر مما حمله.... " (١) .
ولما ذكر مسألة الاستثناء في الماضي المعلوم المتيقن، مثل قوله: هذه شجرة إن شاء الله، وهذا إنسان إن شاء الله، قال: " هذه بدعة مخالفة للعقل والدين، ولم يبلغنا عن أحد من أهل الإسلام، إلا عن طائفة من المنتسبين إلى الشيخ أبي عمرو بن مرزوق (٢) ، ولم يكن الشيخ يقول بذلك، ولا عقلاء أصحابه ولكن حدثني بعض الخبيرين أنه بعد موته تنازع صاحبان له: حازم وعبد الملك فابتدع حازم هذه البدعة في الاستثناء في الأمور الماضية المقطوع بها، وترك القطع بذلك، وخالفه عبد الملك في ذلك موافقة لجماعة المسلمين وأئمة الدين، وأما الشيخ أبو عمرو فكان أعقل من أن يدخل في مثل هذا الهذيان فإنه كان له علم ودين ... " (٣) .
٧- ولما انتقد بعض العلماء لأنه يحرف المقالات ذكر الدليل على ذلك، بالمقارنة بين نقله والأصل المنقول عنه، ولما نقل عن هذا العالم نفسه نصا آخر شك في وجود تحريف فيه قال بكل أمانة: " وكذلك فيما نقله من كلام الأشعري كيف زاد فيه ونقص مع أن المنقول نحو ورقتين فلعله أيضا قد عمل ذلك فيما نقله من كلام ابن كلاب إذ لم نجد نحن نسخة الأصول الذي (٤) نقل منها حتى نعلم كيف فعل فيها، وفيما نقله تحريف بين " (٥) .
стр. 317
ج- رجوعه إلى المصادر والكتب، والاعتذار إذا لم يجدها:
ا- فيشير إلى أن أقوال الخوارج إنما عرفها بنقل الناس عنهم، ولم يقف لهم على كتاب مثل غيرهم، يقول: " وأقوال الخوارج إنما عرفناها من نقل الناس عنهم، لم نقف لهم على كتاب مصنف، كما وقفنا على كتب المعتزلة، والرافضة، والزيدية، والكرامية، وا لأشعرية، والسالمية، وأهل المذاهب الأربعة، والظاهرية، ومذاهب أهل الحديث، والفلاسفة والصوفية ونحو هؤلاء " (١) .
٢- ولما تكلم في إحدى المسائل- مسألة الارادة الجازمة هل يعاقب عليها إذا كانت معصية- فصل القول تفصيلا دقيقا، لكنه اعتذر أثناء الجواب فقال: " وحين كتبت هذا الجواب لم يكن عندي من الكتب ما يستعان به على الجواب فإن له موارد واسعة " (٢) .
٣- ولما نقل كلام الباقلافي من كتابه " الإبانة " بما يدعم مذهب أهل السنة قال:" وقال في كتاب التمهيد كلاما اكثر من هذا، لكن ليست النسخة حاضرة عندي " (٣) .
٤- اعتماده الخط- إذ عرف صاحبهـ يقول:"ورأيت بخط القاضى أبي يعلى-﵀ على ظهر كتاب " العدة" بخطه قال:" نقلت من آخره كتاب الرسالة للبخارى في أن القراءة غير المقروء ... " (٤) .
د - رجوعه إلى اكثر من نسخة للكتاب الواحد:
ا- فحينما يرجع إلى سنن الترمذي، يذكر اختلاف النسخ في حكم الترمذي على الأحاديث، فمثلا في حديث ابن عباس- ﵄ قال:
стр. 318
" لعن رسول الله ﷺ زائرات القبور والمتخذين عليها المساجد والسرج" قال: رواه أهل السنن الأربعة، وقال الترمذي " حديث حسن " وفي بعض نسخه "صحيح " (١) .
٢- ولما نقل من كتاب " الرد على الجهمية " للامام أحمد بن حنبل رجع إلى أكثر من نسخة، ففي أحد النصوص: " ولا يكون شيئين مختلفين، وفي نسخة ولا يوصف بوصفين مختلفين ... " وفي نص آخر: تبين للناس أنهم لا يأتون بشيء- وفي نسخة: لا يثبتون شيئا- ... " (٢) .
٣- وأيضا في كتاب"الحيدة"لعبد العزيز الكناني رجع إلى اكثر من نسخة (٣) ، وطرح رأيه في إحداها وناقشه (٤) .
٤- ولما نقل عن الرازي نصا فيه"فقد التزمه أصحابنا" قال: وفي نسخة "بعض أصحابنا " (٥) .
هـ- تصويبه لما يرى من أخطاء بعد نقل النص كما هو:
١-ومن أمثلة ذلك أن الاخنائي احتج في رده على ابن تيمية بحديث موضوع صحفه ليحتج به، ولفظه كما ذكره: " من صلى علي عند قبري سمعته، ومن صلى على نائيا سمعته" قال شيخ الإسلام:"هكذا في النسخة التي أحضرت إلي مكتوبة عن المعترض، وقد صحح على قوله " سمعته " وهو غلط
стр. 319
فإن لفظ الحديث "من صلى على عند قبري سمعته، ومن صلى علي نائيا بلغته" هكذا ذكره الناس " (١) . ثم ذكر من رواه وكلام العلماء في إسناده ورجاله، وما يغني عنه من الأحاديث الأخرى (٢) .
٢- ولما نقل عن أبي محمد بن عبد المالكي من كتابه في أصول السنة والتوحيد، نقل كلامه حول المعارف فذكر أنه قال: " فأول الكلام الواقع في الخلاف في المعارف فجمهور قول المعتزلة أن جميعها اضطرار، قلت: كأنه بالعكس " (٣) ، وفي نص آخر قال أبو محمد بن عبد: " فعز ربنا أن يقوم بالعلل فيصير دليلا بعدما كان مدلولا"، هكذا رأيته في الكتاب، إنما أراد: فيصير مدلولا بعدما كان دليلا " (٤) .
هذا منهج شيخ الاسلام، جاء الكلام حوله طويلا، لكثرة كتبه وتنوعها، وطولها، ولعل ما سبق يعين على إعطاء صورة واضحة لذلك.
* * *
стр. 320
الفصل الثالث: أبو الحسن الأشعري
أولا: عصره.
ثانيا: نسبه ومولده ووفاته.
ثالثا: ثناء العلماء عليه.
رابعا: شيوخه.
خامسا: تلاميذه.
سادسا: مؤلفاته.
سابعا: أطوار حياته العقدية:
أ- طور الأشعري الأول (الاعتزال) .
ب- رجوعه عن الاعتزال وتاريخه وأسبابه.
ج- مذهب الأشعري بعد رجوعه: وهل كان طورا أو طورين.
ثامنا: عقيدته.
стр. 321
أولا: عصر الأشعري:
عاش أبو الحسن الأشعري-﵀ بين سنتي ٢٦٠ هـ- ٣٢٤ هـ- على الأرجح، وعاش في البصرة وبغداد في العراق، بلد الخلافة العباسية التي بقيت داخلة تحت حكمهم إلى أن شطت الخلافة سنة ٦٥٦ هـ.
ويتميز عصر الأشعري بما يلي:
١- ضعف الدولة العباسية، بسبب ضعف الخلفاء، الذي بدأ في عهد الخليفة أبى إسحاق محمد المعتصم بالله [خلافته: ٢١٨- ٢٢٧ هـ] ، وذلك حين بدأ نفوذ الأتراك يزداد لما اكثر منهم، حتى ضاقت فيهم بغداد فبنى لهم سامراء (١) التى أصبحت عاصمة الخلافة وكان ذلك سنة ٢٢١ هـ، وقد استمرت عاصمة للخلفاء من بعده إلى أن تحول عنها الخليفة أبو العباس أحمد المعتمد على الله [خلافته: ٢٥٦- ٢٧٩ هـ] ، حيث استقرت دار الخلافة مرة أخري في بغداد (٢) .
وهؤلاء الأتراك- الذين أصبحوا جند الخلافة- أصبح نفوذهم كبيرا حتى أنهم صاروا ينصبون من يشاءون ويعزلون أو يقتلون من يشاءون من الخلفاء، وكان الوزير هو الذي يتولى تدبير شؤون البلاد، وليس للخليفة إلا الاسم. وقد عاصر أبو الحسن الأشعري ستة من الخلفاء أولهم المعتمد على الله وآخرهم أبو العباس أحمد الراضي بالله [خلافته: ٣٢٢- ٣٢٩ هـ] .
٢- كما يتميز عصره ببعض القلاقل والأحداث من أهمها ثورة الزنج التي
стр. 322
استمرت قرابة خمسة عشر عاما من سنة ٢٥٥ هـ إلي سنة ٢٧٠ هـ (١) ، وفها ابتداء أمر القرامطة سنة ٢٧٨ هـ الذين أشاعوا الفتن وحربوا الخلافة العباسية واستمرت تحركاتهم ردحا من الزمن (٢) ،
وإقامة الدولة العبيدية الفاطمية في المغرب سنة ٢٩٦ هـ (٣) ، ثم في مصر بعد ذلك، واستقلال الطولونيين بحكم مصر وسوريا من سنة ٢٦٤ هـ إلي سنة ٢٩٢ هـ بعد أن كانوا ولاة على مصر من قبل العباسيين (٤) وبلغ من قوة هذه الدولة وضعف الخلفاء أن الخليفة المعتمد عزم على الذهاب إلى ابن طولون في مصر لاستبداد أخيه الموفق، ثم عمل أخوه على إرجاعه، وكان ذلك سنة ٢٦٩ هـ قبل وفاة أحمد بن طولون بعام (٥) .
٣- أما من الناحية العلمية، فتميز هذا العصر بوجود عدد من العلماء في الحديث والفقه والعقيدة ومن أبرز أعلام هذا العصر:
- داود بن على الظاهري، الذي توفي سنة ٢٧٠ هـ (٦) .
- والربيع بن سليمان، صاحب الشافعي، توفي سنة ٢٧٠ هـ (٧) .
- وابن ماجه، صاحب السنن، توفي سنة ٢٧٣ هـ (٨) .
стр. 323
- وأبو بكر المروزى- أحد أجلاء أصحاب الإمام أحمد، توفي سنة ٢٧٥ هـ (١) .
- وأبو داود السجستاني- صاحب السنن- ت ٢٧٥ هـ وهو من تلاميذ
الإمام أحمد، توفي بالبصرة (٢) .
- ابن قتيبة: عبد الله بن مسلم عالم وخطيب أهل السنة. ت ٢٧٦ (٣) هـ في بغداد.
- الترمذى- صاحب السنن- ت ٢٧٩ هـ (٤) .
- عثمان بن سعيد الدارمي، الذى كان " جذعا في أعين المبتدعة، قيما بالسنة " (٥) . توفي سنة ٢٨٠ هـ.
- إبراهيم بن إسحاق الحربي، أحد تلامذة الامام أحمد، وكان يشبه به في وقته، توفي سنة ٢٨٥ هـ (٦) .
- عبد الله بن إلامام أحمد ت ٢٩٠ هـ (٧)
- محمد بن نصر المروزي، المحدث الشافعي، ت ٢٩٤ هـ (٨) .
- النسالمط- صاحب السنن، ت ٣٠٣ هـ (٩) .
- الطبري- صاحب التفسير، ت ٣١٠ هـ (١٠) .
стр. 324
- ابن خزيمة- إمام الأئمة محمد بن إسحاق- ت ٣١١ هـ (١) .
- الطحاوي- أحمد بن محمد بن سلامة- ت ٣٢١ هـ (٢) .
وغيرهم من العلماء، وهم كثير، لكن لم نشر إليهم اختصارا.
٤-كما وجد عدد من أهل الكلام والاعتزال والتصوف، وغيرهم، كما وجدت بعض الأحداث، فإضافة إلى القرامطة كان للخوارج بعض التحركات (٣) ، كما عزم الخليفة المعتضد سنة ٢٨٤ هـ على لعن معاوية- ﵁ على المنابر (٤) ، كما كان عام ٣٢١ هـ ابتداء ظهور دولة بني بويه الشيعية (٥) .
ومن أشهر أهل الكلام والتصوف والرفض:
- أحمد بن مخالد، مولى المعتصم، وكان من دعاة المعتزلة، ت ٢٦٩ هـ (٦) .
- وابن الراوندي الملحد، كان معتزليا ثم خرج عليهم، ت ٣٠٠ هـ (٧) .
- والجبائي، أبو على محمد بن عبد الوهاب، ت ٣٥٣ هـ (٨) .
- والكعبى، عبد الله بن أحمد البلخي شيخ المعتزلة، ت ٣١٩ هـ (٩) .
- والجبائي، أبو هاشم، ت ٣٢١ هـ (١٠) .
стр. 325
- سهل بن عبد الله التستري، ت ٢٨٣ هـ (١) .
- والحزاز أحمد بن عيسى، أول من تكلم في الفناء والبقاء، ت ٢٨٦ هـ (٢) .
- الجنيد، أبو القاسم الجنيد بن محمد القواريرمم! ا، سيد الطائفة الصوفية،
ت ٢٩٨ هـ (٣) .
- الحلاج، قتل سنة ٣٠٩ هـ (٤) .
- الشلمغاني، قتل سنة ٣٢٢ هـ (٥) .
- الكليني الرافضي: محمد بن يعقوب صاحب الكافي، توفي سنة ٣٢٩ هـ (٦) كما كان من العلماء الذين كانت لهم ميول إلى أقوال أهل الكلام:
- الصبغي: أحمد بن إسحاق، ولد سنة ٢٥٨ هـ، وتوفي سنة ٣٤٢ هـ وكانت له قصة مع ابن خزيمة حول الكلام ومذهب ابن كلاب (٧) .
- وأبو علي الثقفي: محمد بن عبد الوهاب، من ولد الحجاج، ولد سنة ٢٤٤ هـ وتوفي سنة ٣٢٨ هـ، قال عنه الصبغى: " ما عرفنا الجدل والنظر حتى ورد أبو علي الثقفي العراق " (٨) ، وكان ممن خالف ابن خزيمة.
стр. 326
- الماتريدي: محمد بن محمد بن محمود، أبو منصور، إمام الماتريدية،
توفي سنة ٣٣٣ هـ (١) .
٥-كما كان للحنابلة أحيانا نفوذ في بغداد، وكانت تقع بينهم وبين غيرهم بعض الفتن (٢) ، وفي سنة ٣٢٣ هـ كان لهم نفوذ عظيم في عهد عالمهم البربهاري- أبو محمد الحسن بن على بن خلف الذي توفي سنة ٣٢٨ هـ (٣) - ثم خرج توقيع الخليفة الراضى ضدهم بتهمة التشبيه حتى اختفى واستتر شيخهم وتوفى وهو مستتر (٤) .
هذا عصر الأشعري الذي عاش فيه، وهو يدل على قوة أهل السنة بأعلامهم الكبار، الذي كان لهم نفوذ كبير وصل إلى أن يصدر الأمر من المعتضد إلى الوراقين ببغداد- سنة ٢٧٩ هـ- أن يحلفوا أن لا يبيعوا كتب الكلام والفلسفة، وأن لا يمكن أحد من القصاص والطرقية والمنجمين ومن أشبههم من الجلوس في المساجد ولا في الطرقات (٥) .
стр. 327
ثانيا: نسبه ومولده ووفاته:
هو الشيخ أبو الحسن على بن إسماعيل بن أبي بشر- إسحاق- بن سالم بن إسماعيل بن عبد الله بن موسى بن بلال بن أبي بردة بن أبي موسى الأشعري - صاحب رسول الله ﷺ فأبو الحسن الأشعري ينتهي نسبه الى هذا الصحابي الجليل، واسمه عبد الله بن قيس بن حضار الأشعري اليماني (١) .
اختلف في تاريخ ولادته فقيل سنة ٢٦٠ هـ، وقيل سنة ٢٦٦ هـ (٢) ، وقيل سنة ٢٧٠ هـ (٣) ، والأول هو الأرجح الذي عليه اكثر مترجميه، كما أنه يتناسب مع ماذكر (٤) في حياته من تحوله عن الاعتزال وهو في الأربعين، وهو الذي رجحه الخطيب البغدادي وابن عساكر.
стр. 328
فأما أبوه إسماعيل فكان سنيا جماعيا حديثيا، ويدل على ذلك أنه أوصى عند وفاته إلى زكريا بن يحى الساجى (١) ، وفيه دلالة علي أن أباه توفي وابنه أبو الحسن صغير، ولذلك عاش في كنف زوج أمه الجبائي.
وكان مولد أبي الحسن في البصرة ولذلك يقال له البصري، وكانت أسرته من ولد الصحابي أبي موسى الأشعري- رضى الله عنهـ قد سكنوا هذه المدينة. أما وفاته، فقد قيل: إنه توفي سنة ٣٢٠ هـ، وقيل: ٣٣٠ هـ وهو أرجحها، وقد رجحه ابن عساكر (٢) .
ثالثا: ثناء العلماء عليه:
أثنى عليه العلماء- وخاصة علماء الأشاعرة- وتركز ثناؤهم على ما كان
له من نسب، وماقام به من الرد على المعتزلة والملحدة وغيرهم، فيقول الخطيب البغدادي: " أبو الحسن الأشعري المتكلم صاحب الكتب والتصانيف في الرد على الملحدة وغيرهم من المعتزلة والرافضة والجهمية والخوارج، وسائر أصناف المبتدعة " (٣) ، ويروى عن أبي بكر بن الصيرفي (٤) أنه قال: " كانت المعتزلة قد رفعوا رؤوسهم حتى أظهر الله تعالى الأشعري فجحرهم في أقماع السمسم " (٥) .
ويقول القاضى عياض عند ترجمته: " وصنف لأهل السنة التصانيف،
стр. 329
وأقام الحجج على إثبات السنة وما نفاه أهل البدع من صفات الله تعالى ورؤيته وقدم كلامه وقدرته، وأمور السمع الواردة من الصراط، والميزان، والشفاعة، والحوض وفتنة القبر التى نفت المعتزلة، وغير ذلك من مذاهب أهل السنة والحديث، فأقام الحجج الواضحة عليها من الكتاب والسنة والدلائل الواضحة العقلية، ودفع شبه المبتدعة ومن بعدهم من الملحدة والرافضة، وصنف في ذلك التصانيف المبسوطة التي نفع الله بها الأمة " (١) .
ويقول الذهبى: " ولأبى الحسن ذكاء مفرط، وتبحر في العلم، وله أشياء حسنة، وتصانيف جمة تقضى له بسعة العلم " (٢) ويقول: " رأيت لأبي الحسن أربعة تواليف في الأصول يذكر فيها قواعد مذهب السلف في الصفات وقال فيها: تمر كما جاءت، ثم قال: وبذلك أقول وبه أدين، ولا تؤول " (٣) .
أما ابن عساكر في الكتاب الذي أفرده في ترجمته والدفاع عنه، فقد مدحه كثيرا، وجعله من المجددين، وذكر الروايات الواردة في مدح قومه وأسرته. وكذلك السبكي في طبقات الشافعية- ذلك الكتاب الذي يصح أن يسمي " طبقات الأشاعرة "- فقد بالغ في مدح شيوخ الأشاعرة ونقل أقوالهم وعقائدهم (٤) ، ولذلك فمن المتوقع أن يمدح الأشعري عندما يصل إلي ترجمته، وكان مما قال فيه: " شيخنا وقدوتنا إلى الله تعالى، الشيخ أبو الحسن الأشعري البصري شيخ طريقة أهل السنة والجماعة، وإمام المتكلمين، وناصر سنة سيد المرسلين والذاب عن الدين، والساعي في حفظ عقائد المسلمين، سعيا يبقى أثره إلى يوم يقوم الناس لرب العالمين، إمام حبر، وتقى بر، حمى جناب الشرع
стр. 330
من الحديث المفترى وقام في نصرة ملة الإسلام فنصرها نصرا مؤزرا...." (١)
وغيرهم من العلماء الذين مدحوه وأثنوا على ماقام به من نصر السنة والرد على المبتدعة من المعتزلة وغيرهم، لكنه لم يسلم من القدح والذم، فقد ذمه أبو على الأهوازي (٢) وألف كتابا في مثالبه (٣) ، كا شنع عليه ابن حزم (٤) ، وابن الجوزي والمقبلى (٥) .
رابعا: شيوخه:
لم يكن الأشعري مشهورا بالرواية عن أهل الحديث، سوى بعض الروايات التى رواها في تفسيره عن بعض شيوخه، أما مذهبه الفقهي فقد تنازع الانتساب إليه كل من الشافعية والمالكية والحنفية، كا هو واضح في قائمة الكتب التي ترجمت له، وكما صرح بذلك بعض العلماء (٦) ، والأرجح أنه كان شافعي المذهب، وهو الذى عليه اكثر.
стр. 331
وأهم شيوخه:
١- أبو علي محمد بن عبد الوهاب الجبائي، شيخه في الاعتزال قبل رجوعه.
٢- زكريا بن يحيى الساجي، محدث البصرة وشيخها ومفتيها، المتوفي سنة ٣٠٧ هـ، يقول الذهبي: " أخذ عنه أبو الحسن الأشعري مقالة السلف في الصفات، واعتمد عليها أبو الحسن في عدة تآليف " (١) وسبقت الإشارة إلى أن والده لما توفي أوصى إلى الساجى، وممن ذكر تتلمذه على الساجى ابن عساكر (٢) والسبكى (٣) والبغدادي (٤) .
٣- أبو إسحاق المروزي: إبراهيم بن أحمد المروزي، صاحب أو العباس بن سريج وأكبر تلامذته، انتهت إليه رئاسة المذهب الشافعي، توفي سنة ٣٤٠ هـ (٥) ، وممن ذكر تتلمذ الأشعري عليه الخطيب البغدادى وابن خلكان (٦) ، فقد ذكروا أنه كان يجلس إلى حلقته في بغداد.
٤- أبو العباس بن سريج: أحمد بن عمر بن سريج القاضي البغدادى ولد سنة ٢٤٠ هـ، توفي سنة ٣٠٣ هـ (٧) ، قال ابن كثير عن الأشعري: " وتفقه بابن سريج " (٨) .
стр. 332
٥- أبو بكر القفال الشاشي: محمد بن على بن إسماعيل القفال الكبير، توفي سنة ٣٦٥ هـ (١) ، ذكر السبكي: " أن القفال أخذ علم الكلام عن الأشعري، وأن الأشعري كان يقرأ عليه الفقه، كما كان هو يقرأ عليه الكلام " (٢) ، وذكر ابن عساكر عن القفال أنه " كان في أول أمره مائلا عن الاعتدال قائلا بمذاهب أهل الاعتزال (٣) " وذكر السبكي أنه رجع إلى مذهب الأشعر ى (٤) .
٦- أبو خليفة الجمحي: الفضل بن الحباب، واسم الحباب: عمرو بن محمد بن شعيب، ولد أبو خليفة سنة ٢٠٦ هـ، وتوفي ٣٠٥ هـ، قال عنه الذهبي: " وكان ثقة، صادقا مأمونا أديبا، فصيحا مفوها، رحل إليه من الآفاق وعاش مئة عام سوى أشهر " (٥) . وممن ذكر تتلمذ الأشعري عليه ابن عساكر والذهبي والسبكي (٦) .
٧- سهل بن نوح.
٨- عبد الرحمن بن خلف الضبي.
٩- محمد بن يعقوب المقبري، أو المقري.
ذكر تتلمذ الأشعري على هؤلاء الثلاثة ابن عساكر والسبكي (٧) .
стр. 333
خامسا: تلاميذه:
تتلمذ على الأشعري كثيرون، ولا شك أن قصة رجوعه وماصاحبها كان سببا في انكباب كثير من التلاميذ عليه، والظاهر أن هذه التلمذة انما كانت- في الغالب- في مجال العقيدة وما آمن به الشيخ الأشعري بعد رجوعه عن الاعتزال.
وإذا كان تلاميذه كثيرين فإن أخصهم به كما يقول السبكي أربعة:
ابن مجاهد، وأبو الحسن الباهلي، وبندار خادمه، وأبو الحسن الطبري (١) . ونذكر هؤلاء، ئم نذكر بعض تلاميذه:
١- ابن مجاهد: محمد بن أحمد بن محمد بن يعقوب الطائي البغدادي،
توفي سنة ٣٧٠ هـ، تتلمذ عليه الباقلاني (٢) .
٢- أبو الحسن الباهلي: توفي في حدود سنة ٣٧٥ هـ، تتلمذ عليه أبو إسحاق الإسفراييني، وابن فورك والباقلاني، وكان يلقي عليهم دروسه من وراء حجاب بسبب أنهم يرون السوقة فلا يريد أن يروه بالعين التي رأوا فيها اولئك، وكان زاهدا صوفا (٣) .
٣- أبو الحسين بندار بن الحسين الشيرازي الصوفي: خادم أبي الحسن الأشعري، وكان من أصحاب الشبلي، توفي سنة ٣٥٣ هـ (٤)
٤- أبو الحسن علي بن مهدي الطبري، توفي في حدود سنة ٣٨٠ هـ (٥) .
стр. 334
٥- أبو بكر القفال الشاشي، وهو من شيوخ الأشعري أيضا وتقدم.
٦- ابن خفيف: أبو عبد الله محمد بن خفيف الشيرازي الصوفي، توفي
سنة ٣٧١ هـ، كانت له رحلة إلى الأشعري وله معه حكايات (١) .
٧- أبو الحسن عبد العزيز بن محمد الطبرى المعروف بالدمل، نشر مذهب الأشعري بالشام (٢) .
٨- أبو سهل الصعلوكي، محمد بن سليمان بن محمد، ولد سنة ٢٧٦ هـ، وتوفي سنة ٣٦٩ هـ (٣) .
٩- أبو زيد المروزي: محمد بن أحمد بن عبد الله، ت ٣٧١ هـ (٤) .
وغيرهم (٥) .
سادسا: مؤلفاته:
لأبي الحسن الأشعري مؤلفات كثيرة، قال ابن حزم إنها خمسة وخمسون
стр. 335
مصنفا، وقال غيره: إنها اكثر من ثمانين وثلاثمائة مصنف (١) .
ولا حاجة إلى سرد هذه المصنفات، فقد سبق أن سردها غير واحد (٢) ،ولكن أشير الى مؤلفاته التي وصلت الينا، ثم إلى كتاب ابن فورك " مجرد مقالات الشيخ أبي الحسن الأشعري
فمصنفاته التي وصلت إلينا حتى الآن:
١- مقالات الاسلاميين واختلاف المصلين:
وهو من أهم كتب المقالات وأوثقها وأدقها في نسبة الأقوال إلى أصحابها، ويلاحظ في هذا الكتاب:
أ- التكرار، فكثيرا ما يكرر الأقوال، وخاصة حين يتكلم عن الطوائف وأقوالها، ثم يعيد الكلام عن بعض الموضوعات وأقوال الطوائف فيها.
ب- معرفة الأشعري بمذاهب أهل الكلام، وخاصة المعتزلة، ولذلك فصل أقوالهم ومذاهبهم، وفروق أقوالهم الدقيقة.
ج- ذكره بالتفصيل لأقوال شيخه في الاعتزال، الجبائي، ويعتبر من أهم المصادر لأقوال الجبائي- الذي لم يصل إلينا من مؤلفاته شيء-، وهو يدل على مدى تأثير الجبائي على الأشعري في المرحلة الأولي من حياته.
د- ذكره لأقوال السلف- الذين يسميهم أهل الحديث وأهل السنة بإجمال، لأنه لم يكن خبيرا بتفاصيل أقوالهم، ولهذا نسب إليهم
стр. 336
ما لم يقولوه، فمثلا قال عنهم: إنهم يقولون عن الله إنه " ليس بجسم.... (١) وليس مذهب السلف بهذا الإطلاق، كما ذكر عنهم أنهم يقولون: " ان أحدا لا يستطع أن يفعل شيئا قبل أن يفعله ... " (٢) وهذا أيضا ليس مذهب أهل السنة.
وأهم طبعات الكتاب طبعة ريتر، وطبعة محمد محي الدين عبد الحميد
التي أضاف إليها حواشي جيدة، وإن كان قد اعتمد على طبعة ريتر ولم يشر إلى فروق النسخ.
٢- اللمع في الرد على أهل الزيغ والبدع:
لم يشك أحد في نسبته إلى الأشعري، وقد بين فيه كثيرا من القضايا الكلامية التي رد فيها على المعتزلة، وشرح فيها مذهبه خاصة في مسائل: وجود الصا نع، والقرآن، والإرادة، والرؤية، والقدر- والكسب- والاستطاعة، ثم مسائل التعديل والتجوير والايمان، والوعد والوعيد والإمامة.
وسيأتي- إن شاء اللهـ تفصيل آخر عنه، وقد طبع مرتين: بتحقيق مكارثي، وحمودة غرابة.
٣- رسالته إلى أهل الثغر:
وسماه ابن عساكر: " جواب مسائل كتب بها إلى أهل الثغر (٣) في تبيين ما سألوه عنه من مذهب أهل الحق (٤) ، وهذا الثغر العظيم المسمي باب الأبواب
стр. 337
يسكن فيه أناس كثيرون مختلفوا اللغات، وقد ذكر الإصطخري أنها نيف وسبعون لغة حتي أن الجار لا يعرف لغة جاره، ومع ذلك فهو من ثغور الإسلام العظيمة، فهو يحمي ظهور المسلمين وينذرهم إذا قدم العدو، والذين سألوا الأشعري يظهر أنهم كانوا من العلماء ولهذا قال في مقدمة الرسالة: أما بعد أيها الفقهاء والشيوخ من أهل الثغر ... (١) .
أما موضوعها فيشتمل على مقدمة طويلة حول الاستدلال ومنهج الرسل فيه،
مع بيان أنهم لم يدعوا إلى دليل الاعراض الذي دعا إليه المعتزلة وأهل الكلام، ويستغرق هذا مايقرب من نصف الرسالة، ثم بعد ذلك عرض لما أجمع عليه السلف في مسائل العقيدة المختلفة، الصفات، والرؤية، والقدر، والنبوة، والإيمان، ومرتكب الكبيرة، وعذاب القبر، والصراط، والشفاعة، والصحابة. وغيرها. والشيء الملفت في هذه الرسالة ما ورد في مقدمتها من قول الأشعري: "ووقفت أيدكم الله على ما ذكرتموه من إحمادكم جوابي على المسائل التى كنتم أنفذتموها إلي في العام الماضي وهو سنة سبع وستين ومئتين " (٢) ، هكذا في المخطوطة التي اعتمد عليها من طبع هذه الرسالة، والأشعري ولد علي القول الراجح سنة ٢٦٠ هـ وهو أيضا أقدم ما أرخت به ولادته؛ إذ الأقوال الأخرى فيها أن ولادته بعد هذا إما في سنة ٢٦٦ هـ أو سنة ٢٧٠ هـ، وعلي أقصى التقديرات يكون عمر الأشعري ثماني سنوات، والرسالة إنما ألفها بعد رجوعه عن الاعتزال.
والحل الأقرب ما أشار إليه بعض الباحثين (٣) من أنه ربما يكون هناك سهومن الناسخ للمخطوطة وأن صوابه ٢٩٧ هـ، فيكون تاريخ رسالته هذه الى أهل الثغر سنة ٢٩٨ هـ، وهذا التاريخ يعطى دلالة على زمن تحول الأشعري
стр. 338
عن الاعتزال وأنه كان قبل الثلاثمائة- ولو بقليل- وبه يظهر خطأ من جعل هذه الرسالة مما ألفه الأشعري بعد سنة ٣٢٠ هـ بدون دليل يذكره (١) . وهذه الرسالة طبعت في بعض الدوريات في تركيا (٢) ، وأخيرا طبعت
عام ١٤٠٧ هـ بتحقيق محمد السيد الجليند، كا أنها حققت فى الجامعة الاسلامية في المدينة وطبعت أيضا، وهى بتحقيق عبد الله شاكر.
٤- الإبانة عن أصول الديانة:
وهو من أهم كتب الأشعري، وأكثرها إثارة للجدل، لأنه يحوي جوانب من العقيدة تخالف ما عليه متأخرو الأشعرية، خاصة في مسائل الصفات الخبربة والعلو والاستواء.
ونسبته إلى الأشعري مشهورة، ففضلا عن النسخ الخطية التي تنسب هذا الكتاب إليه فإن جمهرة من جلة العلماء نسبوه إليه، وفيهم من دافع عن الأشعرية- في المحن التى مروا بها- من خلال بيان صحة اعتقاد الأشعري الذي ينتسبون إليه، وذلك بالنقل من هذا الكتاب مما يوافق مذهب أهل السنة، ومن هؤلاء العلماء: البيهقي، والصابوني، وابن عساكر، ونصر المقدسي، وأبو بكر، السمعاني (٣) ، وابن تيمية وابن القيم (٤) ، حتى الأهوازي الذى ألف في مثالب،
стр. 339
الأشعري ورد عليه ابن عساكر لم ينكر نسبة الإبانة الى الأشعري، بل قال: إن الحنابلة لم يقبلوا من الأشعري ما أظهره فى الابانة (١) ، وهذا دليل على أنه يقر بانه له (٢) .
ومع ذلك لم يسلم هذا الكتاب من اعراض بعض الأشعرية المتقدمين عنه، وصل إلى حد الانكار، مما أوقع الشك عند بعض المعاصرين حول نسبته الى الأشعري (٣) ..
ومن أمثلة الانكار ما ذكره ابن درباس المتوفي سنة ٦٠٥ هـ في معرض حديثه عن إحدى نسخ الإبانة الموجودة عند بعض العلماء فإنه قال: ولقد عرضها بعض أصحابنا على عظيم من عظماء الجهمية المنتمين افتراء إلى أبي الحسن الأشعري ببيت المقدس فأنكرها وجحدها، وقال: ماسمعنا بها قط ولا هى من تصنيفه، واجتهد آخرا في إعمال رويته ليزيل الشبهة بفطنته فقال بعد تحريك لحيته: لعله ألفها لما كان حشويا فما دريت من أي أمريه أعجب؟ أمن جهله بالكتاب مع شهرته وكثرة من ذكره في التصانيف من العلماء، أو من جهله بحال شيخه الذي يفتري عليه بانتمائه إليه واشتهاره قبل توبته بالاعتزال بين الأمة عالمها وجاهلها" (٤) .
стр. 340
ومن أسباب الشك أن ابن فورك لم يذكر الإبانة عند ذكره لمؤلفات الأشعري، بل ولم ينقل منها حين جمع مقالات الأشعري، أو مقالات ابن كلاب مع مقارنتها بأقوال الأشعري، وهذا مثير للانتباه فعلا، لأن الأشعرية يفتخرون بهذا الكتاب ويؤكدون نسبته إلى الأشعري ليبينوا عدم انحراف أمامهم وأنهم تبع له، فكيف يجهل ابن فورك هذا الكتاب المهم؟. وإذا كان ابن فورك قد توفي سنة ٤٠٦ هـ فإن تلميذه الذى يروى عن شيخه ابن فورك في أسانيدهـ الإمام الحافظ أبا بكر البيهقي المولود سنة ٣٨٤ هـ- أثبت نسبة الإبانة للأشعرى ونقل عنه في بعض كتبهـ كما تقدم قربيا- والبيهقي- المحدث الفقيهـ أجل من ابن فورك الذي غلب عليه علم الكلام (١) .
ولابن تيمية كلام مهم حول هذا الموضوع- نثبته هنا لعلاقته بكتاب الإبانة ونسبته إلى الأشعري، فإنه قال بعد ذكره للعلماء الذين أثبتوه ونقلوا عنه - " فإن قيل: فابن فورك وأتباعه لم يذكروا هذا؟، قيل له سببان:
أحدها: أن هذا الكتاب ونحوه صنفه ببغداد في آخر عمره لما زاد استبصاره في السنة، ولعله لم يفصح في بعض الكتب القديمة بما أفصح به فيه وفي أمثاله وإن كان لم ينف فيها ما ذكره هنا في الكتب المتأخرة، ففرق بين عدم القول وبين القول بالعدم ... ثم نقل ابن تيمية ماذكره ابن عساكر عن ابن فورك وماذكره من مؤلفات الأشعري وتعقب ابن عساكر له،....
السبب الثاني: أن ابن فورك وذويه كانوا يميلون الى النفي في مسألة الاستواء ونحوها، وقد ذكرنا فيما نقله هو من ألفاظ ابن كلاب- وهو من
стр. 341
المثبتين لذلك- كيف تصرف في كلامه تصرفا يشبه تصرفه في ألفاظ النصوص الواردة في إثبات ذلك كما فعله في كتابه تأويل شكل النصوص، فكان هواه في النفي يمنعه من تتبع ماجاء في الاثبات من كلام أئمته وغيرهم، وكذلك فيما نقله من كلام الأشعري كيف زاد فيه ونقص مع أن المنقول نحو ورقتين (١) ، فلعله قد عمل ذلك فيما نقله من كلام ابن كلاب، إذ لم نجد نحن نسخة الأصول التي نقل منها، حتى نعلم كيف فعل فيها. وفيما نقله تحريف بين، لكن مأخذه في ذلك مأخذ من ينسب فتاويه وعقائده إلى السنة والشريعة النبوية لظنه أن هذا هو الحق الذي لا تأتي بخلافه، فكذلك هو يظن أن مازاده ونقصه يوجبه بعض أصول ابن كلاب والأشعري، وإن كان فيما ظهر من كلامهما خلافه، وهذا أصل معروف لكثير من أهل الكلام والفقه يسوغون أن ينسب إلي النبي ﷺ نسبة قولية توافق ما اعتقدوه من شريعته حتي يضعوا أحاديث توافق ذلك المذهب ولينسبونها إلي النبي، لكن ابن فورك لم يكن من هؤلاء (٢) ، وإنما هو من الطبقة الثانية الذين ينسبون إلي الأئمة ما يعتقدون هم أنه الحق فهذا واقع في كثير من طائفته، حتي أن في زماننا في بعض المجالس المعقودة قال كبير القضاة: إن مذهب الشافعي المنصوص عنه كيت وكيت، وذكر القول الذى يعلم هو وكل عا لم أن الشافعي لم يقله، ونقل القاضيان الآخران عن أبي حنيفة ومالك مثل ذلك، فلما روجع ذلك القاضي قيل له: هذا الذى نقلته عن الشافعي من أين هو؟، أى أن الشافعي لم يقل هذا، فقال: هذا قول العقلاء، والشافعي عاقل لا يخالف العقلاء، وقد رأيت في مصنفات طوائف من هؤلاء ينقلون عن أئمة الإسلام المذاهب التي لم ينقلها أحد عنهم لاعتقادهم أنها حق، فهذا أصل ينبغى أن يعرف.
" ومن أسباب ذلك أيضا أن الأشعري ليس له كلام كثير منتشر في تقرير مسألة العرش والمباينة للمخلوقات، كما كان لابن كلاب إمامه، وذلك لأنه تصدى للمسائل التي كان المعتزلة تظهر الخلاف فيها كمسألة الكلام والرؤية وانكار القدر والشفاعة في أهل الكبائر ونحو ذلك، وأما العلو فلم يكونوا يظهرون
стр. 342
الخلاف فيه إلا لخاصتهم لانكار جمهور المسلمين لذلك، وانما كان سلف الأمة وأئمتها يعلمون ما يضمرون من ذلك بالاستدلال، فالأشعري تصدي لرد ما اشتهر من بدعهم فكان اظهر خلافهم في القرآن والرؤية من شعار مذهبه التي لم يتنازع فيها أصحابه وإن كانوا قد يفسرون ذلك بما يقارب قول المعتزلة بخلاف مالم يكونوا يظهرون مخالفته فإنه كان أدخل في السنة وأعظم في الأمة وأثبت في الشرع والعقل مما أظهروا مخالفته...." (١) .
ولعل هذا النص- الطويل- يعين على فهم تجاهل بعض الأشاعرة لهذا الكتاب الذى يعتبر من الكتب التي ترد على نفاة العلو والاستواء من الأشعرية المنتسبين إلى مؤلفه. وهذا الذى ذكره شيخ الإسلام عن ابن فورك ليس ببعيد وسيأتي مثال عملي على ذلك عند الكلام على كتاب " مجرد مقالات الأشعري،. والخلاصة: أن كتاب الإبانة ثابت للأشعري، أما طبعاته فقد طبع عدة طبعات في الهند ومصر ولبنان كما طبعته جامعة الامام محمد بن سعود الإسلامية. وأهم طبعاتهـ التي اشتهرت مؤخرا- تلك الطبعة المحققة على أربع نسخ خطية مع دراسة مطولة عن الأشعري ومؤلفاته ونهجه، وقامت بها الدكتورة فوقية حسين محمود، ونشرته دار الأنصار سنة ١٣٩٧ هـ، ومع ذلك فهناك ملاحظات على هذه الطبعة لا يجوز السكوت عنها، أهمها ملاحظتان: الأولى: كثرة الأخطاء والتحريفات، إما بسبب الطباعة، أو بسبب الخطأ في قراءة بعض الكلمات أو الجمل، وقد يوضع ماهو خطأ حتما في الأصل، ثم تجد الصواب في الحاشية جاءت به إحدى النسخ الخطية، ولأجل هذه الملاحظات أصبحت قراءة النص متعبة وتحتاج الى أن تكون بين يديك الطبعات الأخرى.
أما الملاحظة الأخرى: فتهون الأولى أمامها، ألا وهي اعتماد إحدى النسخ الخطية التي انفردت بزيادات ليست موجودة في النسخ الأخرى، وقد أثبت
стр. 343
هذه الزيادات في النص الأصلى وأشير إليها في الحاشية، وهذه النسخة حفلت بزيادات من نوع خاص- وهو ما يضفي ظلالا من الشك عليها- وقد أثار هذا انتباه المحققة فقالت في حديثها عن هذه النسخة في الدراسة: (وقد اعتبرتها النسخة الأم لأنها تخلو من التقديم والتأخير المخلين بالمعنى، وليس بها خروم ذات قيمة، بخلاف النسخ الأخرى، ولأن ناسخها كان يضبط الألفاظ الى حد كبير، غير أنه يجب أن يلاحظ أن مابها من زيادات في حاجة إلى المراجعة الدقيقة، لاستبعاد ماعلق به من عبارات مدسوسة، فقد ظهر رغم أن هذه الزيادات تؤكد بصفة عامة اتجاه السلف تصريح يخالف هذا الاتجاه، مثال ذلك ما ورد في صفحة (٨١) لتفسير الاستواء من أنه بالقهر والقدرة، فهذا تصريح لابد وأنه بيد أحد قراء المخطوط الميالين إلى الاعتزال والذين هم في نفس الوقت على جهل بحقيقة الأمور، ويؤكد هذا تعليقة بصفحة (٨٢) نصها [وهي في المطبوعة في الحاشية ص ١٢٠] ،: " قف على هذا الباب، فإن المؤلف تسامح في إيراده هذه العبارات فإنها تدل على الجهات تصريحا وعلي الجسمية ضمنا، يدل الكلام هنا على أن صاحبه يتجه إلى التنزيه المطلق الذى يقول به المعتزلة والذي ترتب عليه نفي الصفات، على نحو ما بينا قبل ذلك، خاصة وأن الالتزام باتجاه السلف في هذه الزيادات واضح لكل فاحص مدقق.
ويلاحظ أننا لم نقع على تاريخ نسخ هذا الأصل يسبب انتهاء الميكروفيلم مباشرة بعد نهاية النص، كما أنه بدأ ببدايته، وهي بخط معتاد، وقد رمزت إليها بالحرف " س " (١) . هذا ما قالته المحققة عن هذه النسخة.
وهنا لابد من التعليق بما يلي:
١- كيف تجعل هذه النسخة هي الأصل- عند التحقيق- مع أنها مجهولة الناريخ والناسخ؟ وهل كون ناسخها يضبط الألفاظ مسوغا لذلك؟ ثم هى مخرومة الآخر فعيبها مثل عيب النسخ الأخرى، ووجود الزيادات المدسوسة
стр. 344
تقتضي صرف النظر عنها لا جعلها أصلا ثم إدخال الزيادات في النص المحقق، على الأقل جعلها نسخة ثانوية.
٢- القول بأن هذه الزيادات كتبت بيد أحد الميالين إلى الاعتزال لا دليل عليه، بل الراجح أنه أحد متأخري الأشعرية النافين للعلو [الجهة] وللصفات الخبرية كالوجه واليدين بناء على انها مستلزمة للتجسيم.
٣- حفلت هذه النسخة بزيادات لا تتمشي مع الإثبات الذي جاء به هذا الكتاب، خاصة في مسألة الاستواء والعلو، وإذا كانت زيادة "بالقهر والقدرة" في تفسير الاستواء واضحة في هذا، ولذلك لم تثبتها المحققة فهناك عبارات أخري قريبة من هذه العبارة وقد انفردت بها هذه النسخة ومن ذلك:
أ- في ص ٢١ في فصل إبانة قول أهل الحق والسنة ورد في النسخ الثلاث مايلي: " وأن اللة مستو علي عرشه كما قال: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ . أما في نسخة (س) صاحبة الزيادات فجاءت العبارة هكذا:
" وأن الله تعالى استوى على العرش على الوجه الذى قاله وبالمعني الذي أراده، استواء منزها عن المماسة"في المطبوعة الممارسة"، والاستقرار والتمكن والحلول والانتقال، لا يحمله العرش، وحملته محمولون بلطف قدرته، ومقهورون في قبضته، وهو فوق العرش، وفوق كل شيء الى تخوم الثرى، فوقية لا تزيده قربا إلي العرش والسماء، بل هو رفيع الدرجات عن العرش، كما أنه رفيع الدرجات عن الثرى وهو مع ذلك قريب من كل موجود، وهو أقرب إلى العبد من حبل الوريد، وهو علي كل شيء شهيد".
فانظر إلى الفرق بينهما، وهل هذه الزيادة متوافقة مع مذهب السلف كما تدعى المحققة؟ هل قوله "استواء منزها عن المماسة والاستقرار والتمكن والحلول والانتقال " وقوله "فوقية لا تزيده قربا إلي العرش والسماء" هل هذا موافق لما يثبته السلف من صفة العلو؟ والأشعري في هذه المسألة انما قال بقول السلف خلافا لمتأخري الأشعرية.
стр. 345
ثم إن هذا النص المقحم منقول بحروفه من كتاب الأربعين للغزالي (١) .
ب- في ص ١٢٦- حول اثبات صفة اليدين لله تعالى ورد ما يلي تعقيبا على أحد الأحاديث:" وغرس شجرة طوبى [في المطبوعة طولى] بيده، (أى بيد قدرته سبحانه) ، فهذه العبارة الشارحة انفردت بها نسخة (س) ، دون باقى النسخ، وهو تأويل لصفة اليد بما يوافق قول متأخرى الأشعرية وليس هو قول الأشعري، بل رد عليه وناقشه فيما بعدص ١٣٠- ١٣٢، ولا شك أن هذه الزيادة مدسوسة.
ج- هناك زيادات أخرى أو نقص انفردت به هذه النسخة وهي إن لم تكن ذات بال إلا أنها تدل على ما نحن بصدده، فمثلا في ص ١٥٦ سطر ٣ ورد عبارة " وجب أن ينفي ذلك عن الله تعالى" بينما الصواب مافي النسخ الأخرى " وجب أن لا ينفى ذلك عن الله تعالى"، وفي ص ١٩٣ سطر ١٠- ١١ وردت زيادة "أعاذنا الله من ذلك" وقد انفردت بها نسخة "س" وهي عبارة زائدة مخلة بسياق الكلام إلا إذا وضعت في مكان آخر كأن تكون بعد قوله " وأجلهم".
د- وهناك فروق أخرى- ملفتة للانتباهـ لكن شاركتها نسخة أخرى- خاصة نسخة "د"- لكنها مخالفة للنسخ المطبوعة الأخرى (٢) .
هذا ما يتعلق بكتاب الابانة، نسبته إلى الأشعري، ونسخه، وقد طال الكلام حوله لأن له علاقة بما سيأتي من الكلام عن أطوار الأشعري وعقيدته،
стр. 346
ولو اعتمدت الدراسة علي مافي هذه الطبعة بزياداتها لصار للدراسة مسار مختلف.
٥- رسالة استحسان الخوض في علم الكلام:
وتسمي " رسالة في الرد على من ظن أن الاشتغال بالكلام بدعة" (١) ، ومضمونها الرد على من زعم أن الاشتغال بعلم الكلام والمصطلحات الحادثة بدعة لم تكن في زمن النبي ﷺ وأصحابهـ ﵃.
وقد طبعت هذه الرسالة مرتين (٢) ، وقد شكك بعض الباحثين في نسبتها إلى الأشعري (٣) ، لكن الرسالة مروية بالإسناد، ولها نسخة خطية، كما أن هناك تشابها في بعض العبارات مع اللمع الثابت نسبته الى الأشعري (٤) ، ولعلها هي المقصودة برسالة الحث على البحث التي ذكرها ابن عساكر (٥) ، ولا يمنع أن تكون من مؤلفات الأشعري الأولى.
٦- رسالة في الايمان - في ورقتين-، حققها شبيتا (٦) .
٧- العمد في الرؤية: وصلت قطعة صغيرة منه ذكرها ابن عساكر وفيها
ذكر الأشعري أسماء مؤلفاته (٧) .
٨- كتاب تفسير القرآن: رد فيه على شيخه الجبائي، وعلى البلخي،
стр. 347
وقد وصلت قطعة منه أثبتها ابن عساكر (١) ، وقد سماه أبو بكر بن العربي بالمختزن (٢) فقال: "وانتدب أبو الحسن الى كتاب الله فشرحه في خمسمائة مجلد وسماه بالمختزن، فمنه أخذ الناس كتبهم ومنه [في المطبوعة ومنهم] أخذ عبد الجبار الهمذاني كتابه في تفسير القرآن الذي سماه بالمحيط في مائة سفر قرأته في خزانة المدرسة النظامية بمدينة السلام [ثم ذكر قصة إحراق نسخة تفسير الأشعري، ثم قال:] ففقدت بين أيدي الناس إلا أني رأيت الأستاذ الزاهد الإمام أبا بكر ابن فورك يحكي عنه، فلا أدري وقع على بعضه أم أخذه من أفواه الرجال" (٣) .
* * *
هذه مؤلفات الأشعري التي وصلت الينا، وهي قليلة جدا بالنسبة لمؤلفاته الكثيرة التى عرفت أسماؤها، وقد وصلت بعض أقوال الأشعري عن طريق مصادر أخرى نسبت بعض الأقوال إليه ومن أهمها كتب الأشاعرة أمثال: الجويني، والبغدادي، والشهرستاني، والرازي، إلا أن هناك كتابا لابن فورك حاول فيه أن يجرد مقالات أبي الحسن الأشعري معتمدا علي مجموعة كبيرة من كتبه أكثرها لم يصل الينا، ولأهمية هذا الكتاب بالنسبة لأقوال الأشعري نذكر نبذه عنه في هذا المكان:
стр. 348
كتاب ابن فورك هذا اسمه " مجرد مقالات الشيخ أبي الحسن الأشعري" (١) ، وكان مخطوطا ثم طبع هذا العام ١٩٨٧ م بتحقيق دانيال جيماريه، وقد اعتمد ابن فورك في كتابه على كتب الأشعري التالية: الادراك، الأصول الكبير، الإيضاح، التفسير، الرد على البلخي في أدب الجدل، الرؤية الكبير، زيادات النوادر، الصفات الكبير، العمد، في أدب الجدل، في أصول الفقه، في أفعال النبي، في الإمامة، اللمع، المختزن، المختصر في التوحيد والقدر، المسائل المنثورة، مسألة في الاجتهاد، مسألة تعريف عجز المعتزلة عن جواب الجسمية، مسألة العجز، المعرفة، المقالات، الموجز، نقض الاستطاعة على الجبائي، النقض على ابن الراوندى في الصفات، النقض على أصول الجبائي، النقض على أوائل الأدلة للبلخى، النقض على الجبائي والبلخي، نقض اللطيف على الإسكافي، النوادر (٢) .
فهذه ٣٢ كتابا من مؤلفات الأشعري اعتمد علها ابن فورك ونقل عنها، وكان من المفترض أن يكون هذا المجرد من أهم الكتب التي تدل على أقوال الأشعري خاصة في مؤلفاته المفقودة- وهي كثيرة- الا أن منهج ابن فورك في كتابه هذا وطريقته في النقل لم تسلم من ملاحظة جوهرية تؤثر على قيمة الكتاب الى حد كبير.
يقول ابن فورك في المقدمة: " أما بعد، فقد وقفت على ما سألتم أسعدكم الله بطاعته من شدة حاجتكم إلى الوقوف على أصول مذاهب شيخنا أبي الحسن علي بن إسماعيل الأشعري- ﵁، وما تبنى عليه أدلته وحججه على المخالفين، وأن أجمع لكم منها متفرقها في كتبه ما يوجد منها منصوصا له،
стр. 349
ومالا يوجد منصوصا له أجبنا فيه على حسب مايليق بأصوله وقواعده، وأعرفكم مع ذلك ما اختلف قوله فيه في كتبه، وما قطع به منهما، ومالم يقطع بأحدهما، ورأينا أن أحدهما أولي بمذهبه وأليق بأصوله فنبهنا عليه" (١) ، ويوضح أكثر في الخاتمة فيقول: " وقد كنا شرطنا في أول الكتاب أنا نذكر ماوجدنا عنه فيه نصا منه عليه في كتاب له معروف وننسبه الى ذلك الكتاب إذا لم يكن ذلك من المشهور الذى لا يحتاج الي ذكره الحكاية عنه لشهرته وإن لم نجد عنه فيه نصا عليه ووجدنا أصوله تشهد بذلك وقواعده عليه تبني نسبناه إليه على هذا الوجه، وما وجدنا له معنى ما حكيناه عنه أضفناه إليه على أنه معنى مذهبه، وقلنا في جميع ذلك: انه كان يقول كذا وكذا، وتفصيل ذلك على الوجه الذي بينا، وطريقنا في نسبة ذلك إليه من جهة القول ومن طريق أنه قال جارية على الرسم الذى كشفنا عنه" (٢) .
ومن هذين النصين يتبين منهجه في كتابه، وكيف أنه أجاز لنفسه أن ينسب اليه مالم يقله، ويقول- لأنه يرى أنه جار على أصول مذهبه:- إنه كان يقول كذا وكذا، فما الذي يميز نصوص الأشعري عن نصوص ابن فورك التي أدخلها، وكيف ينسب الانسان إلى الأشعري قولا من هذا الكتاب ومؤلفه نهج فيه هذا النهج؟ لو أن ابن فورك نقل نصوص الأشعري من كتبه ثم أضاف أو علق، وميز هذا من هذا لكانت للكتاب مكانة وأهمية لا تقدر.
وحتى لا يصبح الكلام نظريا، وحتى يتبين مستوي التغيير الذى أحدثه ابن فورك في أقوال الاشعرى، نضرب لذلك بأمثلة مما نقله من كتبه الموجودة ين أيدينا:
أ- يقول ابن فورك في المجرد- في مسألة رؤية اللهـ: "وحكى في كتاب المقالات عن رقبة بن مصقلة وسليمان التيمي أنه قال: " رأيت الله تعالى في النوم فقال لي: اكرمت مثوى سليمان التيمي" (٣) .
стр. 350
لكن عبارة الأشعري في المقالات هكذا: " وروى عن رقبة بن مصقلة أنه قال: رأيت رب العزة في النوم فقال: لأكرمن مثواه، يعني سليمان التيمي، صلي الفجر بطهر العشاء أربعين سنة" (١) . ومن يدقق يجد فروقا كثيرة.
ب- ذكر ابن فورك في كتابه هذا في مسألة القدرة المحدثة وهل تخلو عن العلم في اكتساب الفعل المحكم بها، فذكر أن الأشعري اختلف جوابه، وأنه ذكر في بعض كتبه أن ذلك سائغ، ثم قال: " وهو ماذكره في كتاب اللمع" في قوله: " ولو وجدت قدرة الحياكة مع عدم الإحسان لها لوجدت مع قدرتها لا محالة" (٢) .
وعند الرجوع إلى اللمع نجد العبارة مختلفة، ولتوضيح المعنى نذكر النص كاملا ونشير الي العبارة التي نقلها ابن فورك، يقول الأشعري في الكلام عن الاستطاعة:" فإن قالوا: إذا كان في عدم الإحسان للحياكة عدم الحياكة، فلم لا يكون في وجود الإحسان لها وجودها؟ قيل: إن الحياكة تعدم لعدم قدرتها لا لعدم إحسانها، ولو عدمت الحياكة لعدم الإحسان لها لوجدت بوجود الإحسان لها. فلما لم يكن ذلك كذلك، وكان الإحسان لها يجامعه العجز علم أنها إنما تعدم لعدم القدرة عليها، [ولو أجرى الله تعالى العادة أن يخلق القدرة عليها مع عدم الإحسان لها لوقعت القدرة عليها لا محالة] " (٣) ، والعبارة- الأخيرة هي العبارة التي نقلها ابن فورك، ويلاحظ ما بينهما من فرق، إذ عبارة اللمع تربطها بإجراء الله العادة.
ج- ذكر في المجرد عبارة حول العلم (٤) ، وحين تبحث عن العبارة في الكتاب المنقول عنه وهو اللمع تجد أول العبارة ولا تجد باقيها (٥) .
стр. 351
فهذه المقارنات تدل على أن حكاية ابن فورك لأقوال الأشعري لا تؤخذ قضية مسلمة على أنها عبارته وكلامه، خاصة وأن المسائل التي ذكرها في كتابه هذا- مما لا يوجد في كتب الأشعري المطبوعة- كثيرة جدا، سواء في جليل المسائل أو دقيقها، ولعل المقارنة بين هذا الكتاب، ما يذكره الأشعري في كتبه المطبوعة، أو ما ينسبه اليه من ينقل أقوال الأشعري من بقية علماء الأشعرية كالجويني، والبغدادى والشهرستاني والرازي، تؤدى إلى استخلاص فائدة علمية من هذا الكتاب.
وهذا الكتاب يعطي مضمون ما في كتب الأشعري الكلامية التي لم تصل إلينا، وكيف أنه خاض في كثير من المسائل على منهج المتكلمين، وذلك حين خاض في قضايا كثيرة من دقيق المسائل التي نجدها عند بعض علماء الأشعرية كالشهرستاني والجويني والرازي والآمدي وغيرهم.
سابعا: أطوار حياته العقدية:
مر الشيخ أبو الحسن الأشعري في حياته بأطوار، منها ماهو متفق عليه بين العلماء والمترجمين له، ومنها ماوقع حوله خلاف، وقد شغل الناس قديما وحديثا في هذا الأمر، ولا شك أن التطور الذي حدث لمذهب الأشعرية- بعد الأشعري- كان من أسباب طرق هذا الموضوع الذي يتصل بمؤسسه ومن ينتسبون إليه؛ وذلك من خلال علاقته ودوره في هذا التطور الذي حدث للمذهب الأشعري، وشيء آخر وهو محاولة الدفاع عن هذا المذهب من خلال بيان سلامة عقيدة من ينتسبون إليه ورجوعه إلى مذهب السلف.
والملاحظ أن بعضا ممن كتب عن الأشعري وتطرق لهذا الموضوع لم يتجرد من مغالبة الهوي والميل مع أو ضد الأشعري، فجاء كلامه وأسلوبه متضمنا للمدح أو الذم، ومع ذلك فهناك من حاول الإنصاف، ووضع الأمر موضعه الصحيح، والتوفيق بيد الله .
стр. 352
وسيكون الكلام حول هذا الموضوع من خلال ما يلي:
أ- طور الأشعري الأول، المتفق عليه.
ب- رجوعه عن الاعتزال وتاريخه وأسبابه.
ب- مذهب الأشعري بعد رجوعه: هل كان طورا واحدا أو طورين؟.
أ- طور الأشعري الأول (مرحلة الاعتزال) :
لم يشك أحد في أن الأشعري نشأ على مذهب المعتزلة، وأنه أقام علي ذلك فترة طويلة من الزمن، وليس أدل على ذلك من اعترافه هو حين قال فى كتابه " العمد" يعدد مؤلفاته: " وألفنا كتابا كبيرا في الصفات [وهو اكبر كتبه] سميناه كتاب: الجوابات في الصفات عن مسائل أهل الزيغ والشبهات، نقضنا فيه كتابا كنا ألفناه قديما فيها على تصحيح مذهب المعتزلة، لم يؤلف لهم كتاب مثله، ثم أبان الله سبحانه لنا الحق فرجعنا عنه فنقضناه وأوضحنا بطلانه" (١) ، وفي هذا النص نلمح المستوى الذى وصل إليه في مرحلة الاعتزال، وكيف أنه صار يؤلف الكتب على مذهبهم، بل إن هذا الكتاب المنقوض يذكر أنه لم يؤلف للمعتزلة مثله.
أما المصادر التي ترجمت له فتذكر ذلك، فابن النديم يقول: " ابن أبي بشر وهو أبو الحسن على بن إسماعيل بن أبي بشر الأشعري من أهل البصرة، وكان أولا معتزليا ثم تاب من القول بالعدل وخلق القرآن في المسجد الجامع بالبصرة في يوم الجمعة" (٢) .
ويذكر السجزي (٣) المتوفي سنة ٤٤٤ هـ في رسالته إلى أهل زبيد
стр. 353
المسماة: " الرد على من أنكر الحرف والصوت "رواية عن خلف المعلم (١) - المتوفي سنة ٣٧١ هـ- من فقهاء المالكية أنه قال: "أقام الأشعري أربعين سنة على الاعتزال، ثم أظهر التوبة، فرجع عن الفروع وثبت على الأصول" (٢) ، أى أصول المعتزلة التي بنوا عليها نفي الصفات، مثل دليل الاعراض وغيره.
ويذكر ابن عساكر أن أبا القاسم حجاج بن محمد الطرابلسي قال:
"سألت أبا بكر إسماعيل بن أبي إسحاق الأزدي القيرواني المعروف بابن عزرة (٣) ﵀ عن أبي الحسن الأشعري-﵀ فقلت له: قيل لى عنه: أنه كان معتزليا، وأنه لما رجع عن ذلك أبقي للمعتزلة نكتا لم ينقضها، فقال لي: الأشعري شيخنا وإمامنا ومن عليه معولنا، قام على مذاهب المعتزلة أربعين سنة، وكان لهم إماما، ثم غاب عن الناس فى بيته خمسة عشر يوما، فبعد ذلك خرج الى الجامع فصعد المنبر....." (٤) وذكر قصته.
ومما ينبغي ملاحظته أن بداية نبوغه وطلبه للعلم قد لا تكون بدأت على مذهب المعتزلة، لأن أباهـ الذي لا يعرف متى كانت وفاتهـ قد أوصى بولده إلى الساجي الإمام المحدث، ومن المحتمل أن يكون قد تتلمذ عليه وعلى أمثاله من العلماء فترة، إلى أن تحول إلى مذهب الاعتزال على يد الجبائي، ويذكر بعض مترجمي الأشعري سببا وجيها لهذه الصلة القوية بينه وبين الجبائي، وذلك حين يذكرون أن الجبائي تزوج بامه (٥) ، وبذلك صار الأشعري ربيبا عنده،
стр. 354
خاصة إذا كان هذا الزواج في حياة الأشعري المبكرة، حيث يكون التأثير أقوى، والتتلمذ على يد علماء السنة- إن حصل- لم يكن قد بلغ مرحلة النضج وا لاستقلال.
وعلى أي حال فمما لا خلاف فيه أن الأ شعري تتلمذ على يد الجبائي المعتزلي فمن الجبائي وما أهم آرائه؟.
الجبائي هو أبو علي محمد بن عبد الوهاب بن سلام بن خالد بن حمران بن أبان، مولي عثمان بن عفان- رضى الله عنهـ، الجبائي (١) البصري، ولد سنة ٢٣٤- أو- ٢٣٥ هـ ودرس الاعتزال على شيخ المعتزلة أبي يعقوب يوسف ابن عبد الله الشحام الذى انتهت عليه رئاسة المعتزلة في البصرة، ولما توفي الشحام سنة ٢٦٧ هـ تبوأ مكانه في رئاسة المعتزلة تلميذه أبو على الجبائي، الذي عده ابن المرتضي على رأس الطبقة الثامنة من طبقات المعتزلة (٢) ، وبقي أبو علي ينافح عن مذهب المعتزلة ويرد على من خالفه من المعتزلة وغيرهم، فكان ممن رد عليه أبو الحسن الخياط، والصالحي والجاحظ والنظام وغيرهم من المعتزلة، كما رد على تلميذه أبي الحسن الأشعري الذى كانت له أيضا كتب كثيرة في الرد كل من شيخه الجبائي، ولم يصل إلينا شيء من كتبه، وآراؤه مبثوثه في كتب المقالات - وأهمها كتاب الأشعري- وفى كتب المعتزلة وأهمها كتب عبد الجبار الهمذاني. ومن أبرز تلاميذ الجبائي أبو الحسن الأشعري- الذى ترك الاعتزال- وابنه أبو هاشم الجبائي الذى صار إماما للمعتزلة بعد والده، وقد توفي أبو على الجبائي سنة ٣٠٣ هـ (٣) .
стр. 355
وأهم ما يلاحظ في حياة الجبائي أنه عاش في فترة انحسار الأعتزال، التي بدات في عهد المتوكل- تولي الخلافة سنة ٢٣٢ هـ-، حين أبطل ما دعا إليه من قبله من الخلفاء من محاربة أهل السنة والدعوة إلي مذهب المعتزلة من القول بخلق القرآن وغيره، والإمام أحمد الذى نصر الله به أهل السنة توفي في أول حياة الجبائي سنة ٢٤١ هـ.
ومع ذلك فلم يصل الأمر الى منع دراسة وتدريس الجدل وعلم الكلام، وإنما أبطل المتوكل ما تبنته الدولة من نصرة المعتزلة وفرض مذهبهم على الناس، ولذلك بقيت بعض المساجد في البصرة وبغداد وغيرها يتولى التدريس فيها أو في بعض حلقاتها بعض المعتزلة (١) .
وقد سبق في بيان أحوال عصر الأشعري؛ أنه في عام ٢٧٩ هـ صدر الأمر بمنع الوراقين من بيع كتب الفلسفة والكلام (٢) ، وقد استمر هذا الانحسار بالنسبة للمعتزلة إلى مجىء البويهيين الذين دخلوا بغداد سنة ٣٣٤ هـ، ومالوا إلى التشيع والاعتزال.
في هذه الفترة عاش الجبائي، وتزعم حركة الاعتزال بعد شيخه الشحام، واستطاع بتبنيه لمذهب شيوخه، وبآرائه التجديدية في مذهب الاعتزال أن يكون له طائفة أو فرقة سميت بالجبائية.
ومن الملفت للنظر حقا أن يكون رجوع الأشعري عن الاعتزال في هذه الفترة التي انحسر فيها مذهب المعتزلة، فكيف يفسر هذا الفرح العظيم لأهل السنة؟ هل كان الجدل بين أهل السنة والمعتزلة في تلك الفترة قويا دون أن يبرز على السطح، أم أن الصراع الذي تلا هذه الفترة حين ظهرت للمعتزلة مكانة وسلطة في عهد البويهيين جعلت علماء السنة يستعيدون الأحداث السابقة التي تدعم مواقفهم ومنها قصة الأشعري؟. فصاروا ينشرونها ويؤلفون حولها.