← Акыда

Акыда · id 12766

موقف ابن تيمية من الأشاعرة

عبد الرحمن بن صالح المحمود

Полный текст (1 361 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

فهذه المقارنات تدل على أن حكاية ابن فورك لأقوال الأشعري لا تؤخذ قضية مسلمة على أنها عبارته وكلامه، خاصة وأن المسائل التي ذكرها في كتابه هذا- مما لا يوجد في كتب الأشعري المطبوعة- كثيرة جدا، سواء في جليل المسائل أو دقيقها، ولعل المقارنة بين هذا الكتاب، ما يذكره الأشعري في كتبه المطبوعة، أو ما ينسبه اليه من ينقل أقوال الأشعري من بقية علماء الأشعرية كالجويني، والبغدادى والشهرستاني والرازي، تؤدى إلى استخلاص فائدة علمية من هذا الكتاب. وهذا الكتاب يعطي مضمون ما في كتب الأشعري الكلامية التي لم تصل إلينا، وكيف أنه خاض في كثير من المسائل على منهج المتكلمين، وذلك حين خاض في قضايا كثيرة من دقيق المسائل التي نجدها عند بعض علماء الأشعرية كالشهرستاني والجويني والرازي والآمدي وغيرهم. سابعا: أطوار حياته العقدية: مر الشيخ أبو الحسن الأشعري في حياته بأطوار، منها ماهو متفق عليه بين العلماء والمترجمين له، ومنها ماوقع حوله خلاف، وقد شغل الناس قديما وحديثا في هذا الأمر، ولا شك أن التطور الذي حدث لمذهب الأشعرية- بعد الأشعري- كان من أسباب طرق هذا الموضوع الذي يتصل بمؤسسه ومن ينتسبون إليه؛ وذلك من خلال علاقته ودوره في هذا التطور الذي حدث للمذهب الأشعري، وشيء آخر وهو محاولة الدفاع عن هذا المذهب من خلال بيان سلامة عقيدة من ينتسبون إليه ورجوعه إلى مذهب السلف. والملاحظ أن بعضا ممن كتب عن الأشعري وتطرق لهذا الموضوع لم يتجرد من مغالبة الهوي والميل مع أو ضد الأشعري، فجاء كلامه وأسلوبه متضمنا للمدح أو الذم، ومع ذلك فهناك من حاول الإنصاف، ووضع الأمر موضعه الصحيح، والتوفيق بيد الله .

стр. 352

وسيكون الكلام حول هذا الموضوع من خلال ما يلي: أ- طور الأشعري الأول، المتفق عليه. ب- رجوعه عن الاعتزال وتاريخه وأسبابه. ب- مذهب الأشعري بعد رجوعه: هل كان طورا واحدا أو طورين؟. أ- طور الأشعري الأول (مرحلة الاعتزال) : لم يشك أحد في أن الأشعري نشأ على مذهب المعتزلة، وأنه أقام علي ذلك فترة طويلة من الزمن، وليس أدل على ذلك من اعترافه هو حين قال فى كتابه " العمد" يعدد مؤلفاته: " وألفنا كتابا كبيرا في الصفات [وهو اكبر كتبه] سميناه كتاب: الجوابات في الصفات عن مسائل أهل الزيغ والشبهات، نقضنا فيه كتابا كنا ألفناه قديما فيها على تصحيح مذهب المعتزلة، لم يؤلف لهم كتاب مثله، ثم أبان الله سبحانه لنا الحق فرجعنا عنه فنقضناه وأوضحنا بطلانه" (١) ، وفي هذا النص نلمح المستوى الذى وصل إليه في مرحلة الاعتزال، وكيف أنه صار يؤلف الكتب على مذهبهم، بل إن هذا الكتاب المنقوض يذكر أنه لم يؤلف للمعتزلة مثله. أما المصادر التي ترجمت له فتذكر ذلك، فابن النديم يقول: " ابن أبي بشر وهو أبو الحسن على بن إسماعيل بن أبي بشر الأشعري من أهل البصرة، وكان أولا معتزليا ثم تاب من القول بالعدل وخلق القرآن في المسجد الجامع بالبصرة في يوم الجمعة" (٢) . ويذكر السجزي (٣) المتوفي سنة ٤٤٤ هـ في رسالته إلى أهل زبيد

стр. 353

المسماة: " الرد على من أنكر الحرف والصوت "رواية عن خلف المعلم (١) - المتوفي سنة ٣٧١ هـ- من فقهاء المالكية أنه قال: "أقام الأشعري أربعين سنة على الاعتزال، ثم أظهر التوبة، فرجع عن الفروع وثبت على الأصول" (٢) ، أى أصول المعتزلة التي بنوا عليها نفي الصفات، مثل دليل الاعراض وغيره. ويذكر ابن عساكر أن أبا القاسم حجاج بن محمد الطرابلسي قال: "سألت أبا بكر إسماعيل بن أبي إسحاق الأزدي القيرواني المعروف بابن عزرة (٣) ﵀ عن أبي الحسن الأشعري-﵀ فقلت له: قيل لى عنه: أنه كان معتزليا، وأنه لما رجع عن ذلك أبقي للمعتزلة نكتا لم ينقضها، فقال لي: الأشعري شيخنا وإمامنا ومن عليه معولنا، قام على مذاهب المعتزلة أربعين سنة، وكان لهم إماما، ثم غاب عن الناس فى بيته خمسة عشر يوما، فبعد ذلك خرج الى الجامع فصعد المنبر....." (٤) وذكر قصته. ومما ينبغي ملاحظته أن بداية نبوغه وطلبه للعلم قد لا تكون بدأت على مذهب المعتزلة، لأن أباهـ الذي لا يعرف متى كانت وفاتهـ قد أوصى بولده إلى الساجي الإمام المحدث، ومن المحتمل أن يكون قد تتلمذ عليه وعلى أمثاله من العلماء فترة، إلى أن تحول إلى مذهب الاعتزال على يد الجبائي، ويذكر بعض مترجمي الأشعري سببا وجيها لهذه الصلة القوية بينه وبين الجبائي، وذلك حين يذكرون أن الجبائي تزوج بامه (٥) ، وبذلك صار الأشعري ربيبا عنده،

стр. 354

خاصة إذا كان هذا الزواج في حياة الأشعري المبكرة، حيث يكون التأثير أقوى، والتتلمذ على يد علماء السنة- إن حصل- لم يكن قد بلغ مرحلة النضج وا لاستقلال. وعلى أي حال فمما لا خلاف فيه أن الأ شعري تتلمذ على يد الجبائي المعتزلي فمن الجبائي وما أهم آرائه؟. الجبائي هو أبو علي محمد بن عبد الوهاب بن سلام بن خالد بن حمران بن أبان، مولي عثمان بن عفان- رضى الله عنهـ، الجبائي (١) البصري، ولد سنة ٢٣٤- أو- ٢٣٥ هـ ودرس الاعتزال على شيخ المعتزلة أبي يعقوب يوسف ابن عبد الله الشحام الذى انتهت عليه رئاسة المعتزلة في البصرة، ولما توفي الشحام سنة ٢٦٧ هـ تبوأ مكانه في رئاسة المعتزلة تلميذه أبو على الجبائي، الذي عده ابن المرتضي على رأس الطبقة الثامنة من طبقات المعتزلة (٢) ، وبقي أبو علي ينافح عن مذهب المعتزلة ويرد على من خالفه من المعتزلة وغيرهم، فكان ممن رد عليه أبو الحسن الخياط، والصالحي والجاحظ والنظام وغيرهم من المعتزلة، كما رد على تلميذه أبي الحسن الأشعري الذى كانت له أيضا كتب كثيرة في الرد كل من شيخه الجبائي، ولم يصل إلينا شيء من كتبه، وآراؤه مبثوثه في كتب المقالات - وأهمها كتاب الأشعري- وفى كتب المعتزلة وأهمها كتب عبد الجبار الهمذاني. ومن أبرز تلاميذ الجبائي أبو الحسن الأشعري- الذى ترك الاعتزال- وابنه أبو هاشم الجبائي الذى صار إماما للمعتزلة بعد والده، وقد توفي أبو على الجبائي سنة ٣٠٣ هـ (٣) .

стр. 355

وأهم ما يلاحظ في حياة الجبائي أنه عاش في فترة انحسار الأعتزال، التي بدات في عهد المتوكل- تولي الخلافة سنة ٢٣٢ هـ-، حين أبطل ما دعا إليه من قبله من الخلفاء من محاربة أهل السنة والدعوة إلي مذهب المعتزلة من القول بخلق القرآن وغيره، والإمام أحمد الذى نصر الله به أهل السنة توفي في أول حياة الجبائي سنة ٢٤١ هـ. ومع ذلك فلم يصل الأمر الى منع دراسة وتدريس الجدل وعلم الكلام، وإنما أبطل المتوكل ما تبنته الدولة من نصرة المعتزلة وفرض مذهبهم على الناس، ولذلك بقيت بعض المساجد في البصرة وبغداد وغيرها يتولى التدريس فيها أو في بعض حلقاتها بعض المعتزلة (١) . وقد سبق في بيان أحوال عصر الأشعري؛ أنه في عام ٢٧٩ هـ صدر الأمر بمنع الوراقين من بيع كتب الفلسفة والكلام (٢) ، وقد استمر هذا الانحسار بالنسبة للمعتزلة إلى مجىء البويهيين الذين دخلوا بغداد سنة ٣٣٤ هـ، ومالوا إلى التشيع والاعتزال. في هذه الفترة عاش الجبائي، وتزعم حركة الاعتزال بعد شيخه الشحام، واستطاع بتبنيه لمذهب شيوخه، وبآرائه التجديدية في مذهب الاعتزال أن يكون له طائفة أو فرقة سميت بالجبائية. ومن الملفت للنظر حقا أن يكون رجوع الأشعري عن الاعتزال في هذه الفترة التي انحسر فيها مذهب المعتزلة، فكيف يفسر هذا الفرح العظيم لأهل السنة؟ هل كان الجدل بين أهل السنة والمعتزلة في تلك الفترة قويا دون أن يبرز على السطح، أم أن الصراع الذي تلا هذه الفترة حين ظهرت للمعتزلة مكانة وسلطة في عهد البويهيين جعلت علماء السنة يستعيدون الأحداث السابقة التي تدعم مواقفهم ومنها قصة الأشعري؟. فصاروا ينشرونها ويؤلفون حولها.

стр. 356

أما أهم آراء أبي علي الجبائي، فهي مبنية على مذهب المعتزلة القائم على أصولهم الخمسة، ومع أن الجبائي يعتبر إماما للمعتزلة في زمانه الا أنه انفرد بآراء تستوقف الناظر، ولن نتعرض لجميع آرائه فقد كتبت حولها مع آراء ابنه أبي هاشم رسالة علمية (١) ، ولكن نذكر منها ما يلفت النظر ويعين على فهم الأجواء التي عاشها الأشعري في فترة تتلمذه عليه: ا- في مسألة كلام الله، قال بقول المعتزلة: أنه مخلوق، لكنه أتى برأى جديد وهو قوله: " إن الله تعالى يحدث عند قراءة كل قارى كلاما لنفسه في محل القراءة" (٢) ، وقوله " كلام الله يوجد مع قراءة كل قارىء، ثم الكلام عنده حروف تقارن الأصوات المتقطعةعلى مخارج الحروف، وليست هي أصواتا" (٣) وقوله "إذا اجتمع طائفة من القراء على تلاوة آية، فيوجد بكل واحد منهم كلام الله، والموجود بالكلام كلام واحد" (٤) ، فهل كان قوله: إن الله يحدث عند قراءة كل قارى كلاما لنفسه، وقوله إن الكلام بلا أصوات يقرب من الكلام النفسي الذى قال به الأشعرية (٥) ؟.، ومما يلاحظ أن الأشعري شنعوا عليه في قوله: إن الصوت كامن في الحروف في المصاحف، وقد علق ابن المرتضي على ذلك بقوله: " فالشيخ أبو على خاف ما خاف أهل الأثر في المرتبة الأولى من الكفر في مخالفة السمع، فتكلف مخالفة المعقول في كون الصوت في الحروف المكتوبة، وفي إحداث صوت من الله مع صوت كل قارى، حتى

стр. 357

يكون السامع لكل قارئ سامعا لكلام الله على الحقيقة كما سمعه موسى ﵇ " (١) . ٢- وهو ينكر الرؤية لكنه لا يكفر من أثبتها كما يقول المعتزلة (٢) . ٣- من أصول المعتزلة إنفاذ الوعيد وأن أهل الكبائر لابد أن يخلدوا في النار وقد قال الجبائي بذلك، لكنه قال بأنه يجوز على الله العفو وهذا مخالف لسائر المعتزلة، يقول الأشعري عن المعتزلة: "واختلفوا هل كان في العقل يجوز أن يغفر الله لعبده ذنبا ويعذب غيره على مثله، أم لا على مقالتين: فأجاز ذلك بعضهم وهو الجبائي، وأنكره أكثرهم " (٣) . ٤- يرى أن العلة لا توجب معلولها، والسبب لا يجوز أن يكون موجبا للمسبب، ومعلوم أن أكثر المعتزلة يقولون: ان الأسباب موجبة لمسبباتها (٤) ، والجبائي " يصف ربه بالقدرة على أن يجمع بين النار والقطن ولا يخلق إحراقا وأن يسكن الحجر في الجو فيكون ساكنا لا على عمد من تحته، واذا جمع بين النار والقطن فعل ما ينفي الا حراق وسكن النار فلم تدخل بين أجزاء القطن فلم يوجد إحراق" (٥) . فهذا القول يقرب مما أخذ به الأشعرية من إنكار الأسباب (٦) . ٥- وفي الكسب كان له رأي متميز عن المعتزلة، يقول الأشعري:

стр. 358

" واختلف الناس في معني مكتسب، فقال قوم من المعتزلة: معناه أن الفاعل فعل بآلة وبجارحة وبقوة مخترعة، وقال الجبائي: معني المكتسب هو الذي يكتسب نفعا أو ضررا أو خيرا أو شرا، أو يكون اكتسابه للمكتسب غيره كاكتسابه للأموال وما أشبه ذلك واكتسابه للمال غيره، والمال هو الكسب له في الحقيقة وإن لم يكن له فعلا، قال الأشعري: والحق عندى أن معني الاكتساب هو أن يقع الشيء بقدرة محدثة فيكون كسبا لمن وقع بقدرته" (١) . وقد خالف الجبائي سائر المعتزلة في معنى أن الله خالق (٢) ، بل وقال: إن الله " لا يقدر على عين فعل العبد بدليل التمانع ... " (٣) . ٦- وقوله في إرادة العبد خالف فيه سائر المعتزلة، يقول الأشعري: " وأجمعت المعتزلة إلا الجبائي أن الإنسان يريد أن يفعل ويقصد إلى أن يفعل، وإن إرادته لأن يفعل لا تكون مع مراده ولا تكون إلا متقدمة للمراد، وزعم الجبائي: أن الإنسان إنما يقصد الفعل في حال كونه، وأن القصد لكون الفعل لا يتقدم الفعل، وأن الإنسان لا يوصف بأنه في الحقيقة مريد أن يفعل، وزعم أن إرادة البارئ مع مراده" (٤) . ٧- قوله بالشريعة العقلية، يقول الشهرستاني عنه وعن ابنه أبي هاشم:" وأثبتا شريعة عقلية وردا الشريعة النبوية الى مقدرات الأحكام ومؤقتات الطاعة التي لا يتطرق اليها عقل ولا يهتدى اليها فكر، وبمقتضي العقل والحكمة يجب على الحكيم ثواب المطيع وعقاب العاصي، إلا أن التأقيت والتخليد فيه يعرف

стр. 359

بالسمع " (١) ، وهذا كلام خطير يدل على مقدار النبوة عند هؤلاء، فالصلاة تجب بالعقل، لكن توقيتها فجرا وظهرا وعصرا يعرف عن طريق النبي، فالنبي جاء بالحكم الوضعي دون الحكم التكليفي، وهذا القول- لشناعتهـ يظهر أن الجبائي لم يسطره في كتاب ولم يكن مذهبا مصرحا به عنده كما يقول عبد الجبار الهمذاني (٢) ، وهذه عادة الجبائي (٣) . ٨- ومن الأمور المثيرة والتي قال بها الجبائي قولهـ على مذهبهـ إن بغداد- في عهدهـ دار كفر، يقول الأشعري: "واختلفوا هل الدار دار إيمان أم لا؟ فقال اكثر المعتزلة والمرجئة: الدار دار إيمان، وقالت الخوارج من الأزارقة والصفرية: هي دار كفر وشرك، وقالت الزيدية: هي دار كفر نعمة، وقال جعفر بن مبشر ومن وافقه هي دار فسق. وقال الجبائي: كل دار لا يمكن فيها أحد أن يقيم بها أو يجتاز بها إلا بإظهار ضرب من الكفر، أو باظهار الرضي بشيء من الكفر، وترك الإنكار له فهي دار كفر، وكل دار أمكن القيام بها والاجتياز بها من غير اظهار ضرب من الكفر أو إظهار الرضي بشيء من الكفر وترك الإنكار له فهي دار إيمان"، ويعلق الأشعري على رأى الجبائي قائلا:" وبغداد على قياس الجبائي دار كفر لا يمكن المقام بها عنده الا بإظهار الكفر الذي هو عنده كفر أو الرضي، كنحو القول إن القرآن غير مخلوق، وأن الله لم يزل متكلما به، وأن الله سبحانه أراد المعاصي وخلقها، لأن هذا كله عنده كفر، وكذلك القول في مصر وغيرها على قياس قوله، وفي سائر أمصار المسلمين، وهذا هو القول بأن دار الإسلام دار كفر ومعاذ الله من ذلك" (٤) . ٩- ومن أقواله العجيبة أيضا رأيه في النبوة، يقول الأشعري: " واختلفوا

стр. 360

في النبوة هل هي ثواب أو ابتداء، فقال قائلون: هي ابتداء، وقال قائلون: هى جزاء على عمل الأنبياء، هذا قول عباد، وقال الجبائي: يجوز أن تكون ابتداء" (١) ، فهل قوله يجوز أن تكون النبوة ابتداء فيه ميل إلى أولئك الذين يقولون: إن النبوة قد تكون مكتسبة؟. ١٠- والجبائي كان يتوقف في المفاضلة بين علي وأبي بكر- ﵄، (٢) ثم مال أخيرا إلى تفضيل على، وألف كتابا لعباد بن سليمان في تفضيل أبي بكر (٣) ، ويروي أن الجبائي هم أن يجمع بين المعتزلة والشيعة (٤) . ١١- أما موقفه من السنة فهو موقف باقي المعتزلة، وقد أورد بعض مترجميه أن أحدهم سأله عن حديث في الاحكام ورد بإسناد فقبله، ولما أورد نفس هذا الإسناد في حديث حجاج آدم وموسى رده (٥) . هذه أهم آراء الجبائي- البارزة- مع ملاحظة أنه يتبني مذهب المعتزلة ويقول بأقوالهم، فهل كان لهذه الأقوال والتناقضات أثر في موقف الأشعري ورجوعه عن مذهب الاعتزال؟ إن أقوال وحياة الجبائي يلاحظ فيها مايلي: أ- خروجه عن بعض آراء أهل الاعتزال، قد يكون أحيانا خروجا على إجماعهم. ب- شناعة بعض أقواله: كقوله بالشريعة العقلية، أو دار الكفر، أو أن النبوة يجوز أن تكون ابتداء. ج- عدم تصريحه ببعض آرائه ومواقفه، ولعل الأشعري الذي كان قريبامنه مطلع عليها كلها، وحين نعلم أن الجبائي قد تعرض لمصادرة أمواله،

стр. 361

وأن شيخه الشحام كان مقدما عند قائد الزنج، الذين أثاروا فتنة عظيمة (١) ، وأن ذلك كان وقت أفول نجم المعتزلة، فلا يستبعد أن تكون له بعض المواقف. والله أعلم. هذه مرحلة الأشعري الأولى، وقد تبوأ فيها مكانة عالية خاصة عند شيخه الجبائي، الذى كان ينيبه في بعض مناظراته، يقول ابن عساكر- عن العسكرى-: " كان الأشعري تلميذ الجبائي يدرس عليه فيتعلم منه ويأخذ عنه، لا يفارقه أربعين سنة، وكان صاحب نظر في المجالس، وذا إقدام على الخصوم، ولم يكن من أهل التصنيف، وكان اذا أخذ القلم يكتب وربما ينقطع وربما يأتي بكلام غير مرضي، وكان أبو على صاحب تصنيف وقلم، إذا صنف يأتي بكل ما أراد مستقصي، وإذا حضر المجالس وناظر لم يكن بمرض، وكان إذا دهمه الحضور في المجالس ييعث الأشعري ويقول له نب عني، ولم يزل على ذلك زمانا" (٢) ، وقد دافع ابن عساكر عما في هذه الحكاية من رداءة تصنيفه بأن ذلك كان في أول أمره قبل اهتدائه (٣) . ب- رجوعه عن الاعتزال وأسبابه: أعلن الأشعري رجوعه عن الإعتزال، فقد غاب في بيته ثم خرج إلى الناس بعد صلاة الجمعة وأعلن رجوعه عليهم، وإنه يتبرأ من جميع أقواله السابقة، وأظهر بعض مؤلفاته الجديدة، والملاحظ أن مترجمي الأشعري يشيرون الى أن مدة مقامه في الاعتزال أربعين سنة، فإذا كان الأشعري ولد سنة ٢٦٠ هـ والجبائي توفي سنة ٣٠٣ هـ ورجوع الأشعري كان قبل وفاة الجبائي لأن الجبائي نفسه رد على الأشعري، فالأولي أن يعتبر هذا الكلام تقريييا وأن المقصود أن رجوع الأشعري كان وهو قريب من الأربعين في عمره، ولذلك عبر البعض بأن إقامة الأشعري في الاعتزال كانت عدة سنين (٤) .

стр. 362

ولما كان رجوع الأشعري عن الاعتزال بعد هذه المدة التي تعتبر طويلة إضافة الى المفاجأة في ذلك، فقد كثرت الأقوال في أسباب رجوعه، ويمكن حصر أهمها فيما يلي: ا- فالنوع الأول من الأسباب المباشرة للتحول: الرؤيا، وتتعدد الروايات في ذلك، فمنها ما ورد " أن الشيخ أبا الحسن-﵀ لما تبحر في علم كلام الاعتزال وبلغ غاية، كان يورد الأسئلة على أستاذيه في الدرس، ولا يجد فيها جوابا شافيا فتحير في ذلك، فحكى عنه أنه قال: وقع في صدري في بعض الليالي شيء مما كنت فيه من العقائد، فقمت وصليت ركعتين، وسألت الله تعالى أن يهديني الطريق المستقيم، وقمت فرأيت رسول الله ﷺ في المنام فشكوت إليه بعض مابي من الأمر فقال رسول الله ﷺ عليك بسنتي، فانتبهت وعارضت مسائل الكلام بما وجدت في القرآن والأخبار، فأثبته ونبذت ماسواه ورائي ظهريا" (١) ، وهذه الرواية ينتهي اسنادها الى بعض الأصحاب، دون تحديد، وفي رواية أخرى أطول: وأنه رأى النبي ﷺ في المنام في رمضان عدة مرات، ويطلب منه نصرة المذاهب المروية، وان الأشعري قال له في رؤياه اياه ليلة سبع وعشرين: كيف أدع مذهبا تصورت مسائله وعرفت أدلته منذ ئلاثين سنة لرؤيا، فقال لي لولا أني أعلم أن الله تعالى يمدك بمدد من عنده لما قمت عنك حتى أبين لله وجوهها وكأنك تعد إتياني اليك هذا رؤيا، أو رؤياى جبريل كانت رؤيا، إنك لا تراني في هذا المعنى بعدها، فجد فيه فإن الله سيمدك بمدد من عنده، قال فاستيقظت وقلت مابعد الحق الا الضلال، وأخذت في نصرة الأحاديث في الرؤية والشفاعة والنظر وغير ذلك، فكان يأتيني شيء ما سمعته من خصم قط، ولا رأيته في كتاب فعلمت أن ذلك من مدد الله تعالى الذي بشرني به رسول الله ﷺ " (٢) ، وهي رواية تنتهي إلى مجاهيل، ويورد القاضي عياض هذه الرواية بلا إسناد ويذكر أن الرسول ﷺ

стр. 363

قال لى في المنام: " إنما قلت لك اطلب علم الكلام، واعمل بمسألة الرؤية، ولم أقل لك نح الكلام،، وأنه لما رآه ليلة سبع وعشرين قال له الأشعري لما سأله ما الذى عملت فيما قلت لك؟: " فقلت: يارسول الله، كيف أدع مذهبا نصرته أربعين سنة، وصنفت فيه، ورسخت؟ يقول الناس: هذا رجل موسوس يدع المذاهب بالمنامات"، فغضب غضبا شديدا وقال: كذلك كانوا يقولون لي: موسوس ومجنون، وماضيعت حق الله تعالى لقول الناس، وتعد هذه من جملة المنامات؟ أتردد اليك في الشهر ثلاث مرات، ثم تقول: إنه منام، هذه اعتذارات كلها باطلة فدعها، ولا تعرج عليها...." (١) . ويلاحظ ما دخل هذه الروايات من زيادات حتى يقول الرسول: انظر علم الكلام، وقد يكون لمسألة الرؤية أصل، لكن ليس بهذه الأساليب والروايات التي لم يتصل سند شيء منها. ٢- النوع الثاني من الأسباب: مناظراته لشيخه الجبائي، وأشهر هذه المناظرات: مناظرته حول الصلاح والأصلح فقد أوردها ابن خلكان في ترجمة الجبائي فقال:" وعنه أخذ الشيخ أبو الحسن الأشعري شيخ السنة وعلم الكلام، وله معه مناظرة روتها العلماء، فيقال: إن أبا الحسن المذكور سأل أستاذه أبا على الجبائي عن ثلاثة إخوة: أحدهم كان مؤمنا برا تقيا، والثاني كان كافرا فاسقا شقيا، والثالث كان صغيرا، فماتوا، فكيف حالهم؟ فقال الجبائي: أما الزاهد ففي الدرجات، وأما الكافر ففي الدركات، وأما الصغير فمن أهل السلامة، فقال الأشعري: ان أراد الصغير أن يذهب الى درجات الزاهد هل يؤذن له؟ فقال الجبائي: لا، لأنه يقال له: إن أخاك إنما وصل إلى هذه الدرجات بسبب طاعاته الكثيرة، وليس لك تلك الطاعات، فقال الأشعري: فإن قال ذلك الصغير: التقصير ليس مني، فإنك ما أبقيتني ولا أقدرتني على الطاعة، فقال الجبائي: يقول البارى جل وعلا: كنت أعلم أنك لو بقيت لعصيت وصرت مستحقا للعذاب الأليم، فراعيت مصلحتك، فقال الأشعري: فلو قال الأخ الكافر: يا اله العالمين، كما علمت حاله فقد علمت حالى، فلم راعيت مصلحته

стр. 364

دوني؟ " [وفي بعض نسخ الوفيات الخطية] : فقال الجبائي للأشعرى: إنك مجنون، فقال: لا، بل وقف حمار الشيخ في العقبة" (١) ، وبسبب انقطاع الجبائي رجع الأشعري عن الاعتزال (٢) ، وهناك مناظرة أخرى حول هل يسمي الله عاقلا فقد " دخل رجل على الجبائي فقال: هل يجوز أن يسمي الله تعالى عاقلا؟ فقال الجبائي: لا، لأن العقل مشتق من العقال، وهو المانع، والمنع في حق الله محال، فامتنع الإطلاق. قال الشيخ أبو الحسن فقلت له: فعلى قياسك لا يسمي الله سبحانه حكيما؟ لأن هذا الاسم مشتق من حكمة اللجام، وهي الحديدة المانعة للدابة من الخروج ويشهد لذلك قول حسان بن ثابت- ﵁: فنحكم بالقوافي من هجانا ونضرب حين تختلط الدماء (٣) وقول الآخر: أبني حنيفة حكموا سفهاءكم إني أخاف عليكم أن أغضبا (٤) أى نمنع بالقوافي من هجانا، وامنعوا سفهاكم، فإذا كان اللفظ مشتقا من المنع، والمنع على الله محال لزمك أن تمنع إطلاق حكيم عليه قال: فلم يحر جوابا، الا أنه قال لي: فلم منعت أنت أن يسمي الله سبحانه عاقلا، وأجزت أن يسمي حكيما؟ قال: فقلت له: لأن طريقي في مأخذ أسماء الله الإذن الشرعي دون القياس اللغوى، فأطلقت حكيما لأن الشرع أطلقه، ومنعت عاقلا لأن الشرع منعه، ولو أطلقه الشرع لأطلقته" (٥) .

стр. 365

والمناظرات بين الأشعري والجبائي كثيرة، وواضح أن بعضها كان بعد رجوع الأشعري (١) ، وقد تكون من عوامل عدم ثقته بمذهب الاعتزال. ٣- أن سبب رجوعه حيرته وتكافؤ الأدلة عنده،-روي ابن عساكر عن ابن عذرة أنه قال عن الأشعري: " قام على مذاهب المعتزلة أربعين سنة، وكان لهم لهم إماما ثم غاب عن الناس في بيته خمسة عشر يوما، فبعد ذلك خرج إلى الجامع فصعد المنبر وفال: معاشر الناس: اني تغيبت عنكم في هذه المدة لأني نظرت فتكافأت عندي الأدلة، ولم يترجح عندي حق على باطل، ولا باطل كل حق، فاستهديت الله ﵎ فهداني إلى اعتقاد ما أودعته في كتبي هذه، وانخلعت من جميع ماكنت أعتقده؟ انخلعت من ثوبي هذا، وانخلع من ثوب كان عليه ورمى به ودفع الكتب الى الناس فمنها: كتاب اللمع، وكتاب أظهر فيه عوار المعتزلة سماه بكتاب كشف الأسرار وهتك الأستار، وغيرهما، فلما قرأ تلك الكتب أهل الحديث والفقه من أهل السنة والجماعة أخذوا بما فيها، وانتحلوه واعتقدوا تقدمه واتخذوه إماما حتى نسب مذهبهم اليه" (٢) . ٤- وبعضهم يربط أسباب رجوعه بعوامل خارجية، فمحنة الامام أحمد، ثم ماجرى بعد ذلك من انتصاره وأفول نجم أعدائه من المعتزلة في عهد المتوكل، وأن الناس ملوا كثرة المماجكات والمحن التي شهدوها فكرهوا هذه الطائفة، فولد هذا لدى الأشعري كراهية هذا المذهب فرجع عنه (٣) . ٥- أن أسباب رجوعه نشأة الأشعري الحديثية، والفقهية، فأبوه كان

стр. 366

محدثا جماعيا، وأوصي به الى الساجي المحدث، ثم بعد ذلك صار الأشعري يتردد على حلقة الفقيه أبو إسحاق المروزى الشافعي، فتأثر بذلك خاصة وأن موقف أهل الحديث من المعتزلة معروف، كذلك الإمام الشافعي كان له موقف من آراء المعتزلة بل وعلم الكلام، فلم يستطع الأشعري أن يجمع بين كونه شافعي المذهب يتعبد به ويدرس على شيوخه وبين آرائه الاعتزالية التي تعظم العقل، وترد أحاديث السنة فرجع عن مذهب المعتزلة (١) . والبعض عرض هذا السبب بأسلوب آخر، وهو أن الأشعري أراد أن يجمع بين الفقهاء والمحدثين وبين أهل الكلام، الذين اشتد بينهم العداء، وأن الأشعري لما رأى ذلك ساءل نفسه وما الذي يمنع من الجمع بين الفقه وعلم الكلام، فأتي بمذهبه الذى توسط فيه بين المعتزلة والمحدثين (٢) . والبعض يذكر هذا السبب وأن الذى دعا الأشعري إلي تحوله ما رآه من انقسام المسلمين عقائديا، ما بين معتزلة يفرطون في النزعة العقلية، ومن يقابلهم من أهل النص، فأراد أن يسهل للأمة الإسلامية مخرجا وسطا بينهما (٣) . ٦- وهناك أسباب أخرى ذكرها أعداؤه ليشنعوا عليه (٤) . هذه أهم ما أورد من أسباب لتحول الأشعري، وقد سبق عند الحديث عن الجبائي وآرائه التلميح إلى ما قد يكون من أسباب نبذه لمذهب المعتزلة، ومع ذلك فكل ما ذكر لا يرقى أى منها إلى درجة اليقين، إذ لم يرد عن الأشعري

стр. 367

بطريق صحيح أو في أحد كتبه المعتمدة السبب المباشر لتحوله ورجوعه، لذلك لابد من التماس ذلك في أكثر من سبب، علما بأن الرجوع إلى الحق ونبذ الباطل إنما هو عودة إلى الهداية الموافقة للفطرة، وهو أمر يقذفه الله في قلب عبده المؤمن، فليس الأمر غرييا أو مخالفا للمعقول حتي يتلمس له السبب، والله أعلم. * * * ج- مذهب الأشعري بعد رجوعه [ هل كان طورا أو طورين؟] : اختلف العلماء والباحثون- بعد اتفاقهم علي العطور الأول الذي هو طور الاعتزال- هل مر الأشعري بعد تحوله بطور أو طورين؟، ويمكن تحديد الأقوال كما يلي: الأول: أن الأشعري- بعد تحولهـ بقي على طور واحد، وأنه في هذه المرحلة تابع ابن كلاب، لكن كانت له آراء مستقلة توسط فيها بين المعتزلة والمثبتة، نشأ عنها ما يسمى بالمذهب الأشعري، وهذا قول الأشعرية، أما كتاب الإبانة فإما أن يتغافلوا عنه، أو يقولوا بإثباته، لكنهم يفسرون مافيه من الإثبات بأن ذلك جاء على طريقة "التفويض" وأن هذا لا يتعارض مع القول بتأويل بعض الصفات (١) . وهذا القول يقول به أيضا بعض العلماء من غير الأشاعرة، وهؤلاء يقولون: إن الأشعري سار علي طريقة ابن كلاب، فبقيت عليه بقايا من مذهب الاعتزال، أما كتاب الإبانة فيرون أنه مع أنه يقرب فيه كثيرا من مذهب السلف ق الاستدلال بالنصوص، إلا أن ما أثبت فيه هو مذهبه قبل ذلك، ولذلك فليس فيه ما يعارض كتبه السابقة، والمباحث التي ركز عليها في كتاب " اللمع"

стр. 368

لم يركز عليها في كتاب الإبانة، فليس بينهما تعارض، وليس في الإبانة ما بدل على رجوعه عن مذهب ابن كلاب (١) . فهذان رأيان يتفقان في أن الأشعري مر بعد الاعتزال بمرحلة واحدة، ويختلفان في التفسير والتحليل. الثاني: أن الأشعري بعد تحوله مر بطورين: أ- طور التوسط والسير علي طريقة ابن كلاب. ب- وطور الإثبات والتخلي عن طريقة ابن كلاب والسير علي منهاج أهل السنة والجماعة كما في " الإبانة". لكن أصحاب هذا القول اختلفوا علي قولين متعارضين: أحدهما: أن الأشعري مر أولا بطور التوسط والسير علي طريقة ابن كلاب وألف في ذلك كتبه المختلفة التي اشتهرت وتناقلها الناس، ثم رجع في الآخر إلى مذهب السلف من خلال تأليفه للإبانة وذلك في آخر عمره في بغداد (٢) .

стр. 369

الآخر: العكس: وهو أن الأشعري، انتقل أولا إلى مذهب السلف، - الذي يسمونه مذهب الحنابلة- فألف الابانة في حال الحماس والاندفاع، ثم بعد ذلك انتقل إلى الطور الأخير الذي توسط فيه، وألف فيه كتبه ومنها اللمع، فهؤلاء يبنون قولهم علي أن الإبانة قبل اللمع (١) . هذه أهم الأقوال الواردة في مسألة رجوع الأشعري-﵀ ويمكن تلخيصها كما يلي: ١- إن الأشعري تحول عن الاعتزال إلى التوسط، أو ما يسمي بمذهب الأشعري، وان ما رجع إليه هو الحق. ٢- أنه رجع الى مذهب السلف والقول الحق- الذي هو مذهب الإمام أحمد -ولم تختلف أقواله ولا كتبه. ٣- أنه رجع الى المذهب الحق لكنه تابع ابن كلاب وبقيت عليه بقايا اعتزالية. ٤- أنه رجع أولا إلى التوسط ومتابعة ابن كلاب، ثم رجع إلى مذهب السلف رجوعا كاملا.. ٥- أنه رجع أولا إلى مذهب السلف، ثم انتقل إلى التوسط واستقر عليه. مناقشة هذه الأقوال: أما بالنسبة للقول الأول والثاني فمبنيان علي أن ما سطره الأشعري في كتبه إنما هو المذهب الحق الذي يقولون به، فالأشاعرة المتأخرون الذين انحرفوا

стр. 370

كثيرا عن مذهب السلف إذا نوقشوا في أقوالهم وانها مخالفة لأقوال السلف ولأقوال شيخهم الأشعري لا يقرون بذلك، وانما يقولون: ان السلف والأشعري قصدوا من الاثبات التفويض، ولا مانع من تفويض النصوص، أو تأويلها بما يوافق المعقول، وأن الأشعري ومن جاء بعده انما أرادوا دعم العقيدة بالحجج والقواعد الكلامية، لذلك تنتقل القضية مع هؤلاء من مسألة رجوع الأشعري الى مسألة أوسع الا وهي مذهب الأشعرية ومدى قربه أو بعده من مذهب السلف، وفصول الرسالة القادمة متضمنة لمناقشة ذلك. أما رأى الدكتور فاروق دسوقي- ومن وافقهـ فبناه على أن الأشعري من المثبتة، وأنه قال بأقوال أهل السنة والإمام أحمد، وبنى ذلك على أنه ليس هناك تعارض بين اللمع والإبانة، وأن مباحثهما متقاربة، وإنما الاختلاف فقط في الأسلوب والطريقة، لأن الأشعري هدف من اللمع الرد على أهل الزيغ والبدع، وهدف من الابانة بيان الأدلة على أصول الديانة، فخلص من هذه الدراسة والمقارنة الى أن الأشعري رجع إلى مذهب الإمام أحمد، وهذا القول ربما يكون له وجاهة- مع بعض التحفظ أيضا- لو أن الأشعري ليس له الا هذان الكتابان، أما وقد ثبت أن للأشعري كتبا كثيرة نقل منها العلماء، وهي تدل علي أن للأشعري بعض الآراء الكلامية التي لا توافق مذهب السلف، فبصبح هذا الرأى ضعيفا جدا. ثانيا: أما بالنسبة للقول الرابع والخامس، فالخلاف بينهما مبني على الإبانة واللمع أيهما أسبق، وبتحقيق الأمر في ذلك يتبين رجحان أحدهما. وخلاصة أدلة من يرى أن كتاب الابانة ألفه الأشعري أولا ما يلي: أ- قول ابن خلكان بعد ذكره لقصة رجوع الأشعري وانخلاعه من ثوب كان عليه:" ودفع للناس ما كتبه علي طريقة الجماعة من الفقهاء والمحدثين" (١) ، والإبانة هو الذى كتبه الأشعري على هذه الطريقة.

стр. 371

٢- أن العادة أن الإنسان إذا انتقل من عقيدة إلى عقيدة يكون متحمسا لعقيدته الجديدة، وأن الأشعري في أول فترة انتقاله كان متحمسا لعقيدة السلف، يعيش رد فعل لحياته الأولى، فمن الملائم- والحالة هذهـ أن الأشعري قد ألف كتابه الإبانة، التى يعلن فيها صراحة تمسكه بأقوال الإمام أحمد بن حنبل-﵀ (١) . ٣- أن المطلع على اللمع، يرى أنه يمثل فترة نضوج فكري، فهو يعرض فيه الأدلة والمناقشات بشكل جيد، فالأشعري في هذا الكتاب أقوي حجة وبيانا فلذلك من المفترض أن يكون ألفه في مرحلته الأخيرة (٢) . أما أدلة الذين يقولون إن الإبانة آخر كتب الأشعري فهي كما يلي: ١- ما رواه ابن عساكر عن ابن عذرة في قصة رجوع الأشعري وفيها: " فبعد ذلك خرج إلى الجامع فصعد المنبر وقال: يا معشر الناس: إني إنما تغيبت عنكم في هذه المدة لأني نظرت فتكافأت عندي الأدلة، ولم يترجح عندي حق علي باطل، ولا باطل على حق، فاستهديت الله ﵎ فهداني الى اعتقاد ما أودعته في كتبي هذه، وانخلعت من جميع ما كنت أعتقده كما انخلعت من ثوبي هذا، وانخلع من ئوب كان عليه ورمى به ودفع الكتب إلى الناس فمنها كتاب "اللمع" وكتاب أظهر فيه عوار المعتزلة سماه بكتاب " كشف الأسرار وهتك الأستار وغيرهما" (٣) ، فهذا دليل على تقدم اللمع على الإبانة. ٢- أن الأشعري لما ذكر مؤلفاته في كتابه " العمد" لم يذكر منها الإبانة وقد ذكر ابن فورك أن هذه المؤلفات ألفها فى سنة عشرين وثلاثمائة، فلو كانت

стр. 372

من ضمنها لذكرها، ولما أضاف ابن فورك ما ألفه بعد ذلك لم يذكر الابانة- وقد سبق عند الحديث عن الابانة ضمن مؤلفات الأشعري- التفصيل في ذلك، لكن ابن عساكر الناقل عن ابن فورك يذكر الإبانة وينقل منها نصوصا، فهذا يدل علي أن الإبانة من آخر ما ألفه الأشعري، مع أن الأشعري يذكر في قائمة كتبه كناب اللمع وهذا يدل علي تقدم اللمع علي الإبانة (١) . ٣- قصة الأشعري مع شيخ الحنابلة في بغداد البربهاري (٢) ، فقد روي القاضي أبو يعلى أنه " لما دخل الأشعري الى بغداد جاء الى البربهاري، فجعل يقول: رددت علي الجبائي وعلى أبي هاشم، ونقضت عليهم وعلي اليهود والنصارى والمجوس، وقلت لهم، وقالوا واكثر الكلام في ذلك، فلما سكت قال البربهاري: ما أدرى مما قلت قليلا ولا كثيرا، ولا نعرف إلا ما قاله أبو عبد الله أحمد بن حنبل، قال: فخرج من عنده وصنف كتاب الإبانة فلم يقبله منه، ولم يظهر ببغداد إلى أن خرج منها" (٣) ، وقد ضعف ابن عساكر هذه الرواية فى قوله في آخرها "ولم يظهر ببغداد الى أن خرج منها" بأن الأشعري إذ صار إليها لم يفارقها ولا رحل عنها فإن بها منيته (٤) ، وابن عساكر إنما ينكر هذه القصة لا تأخر الإبانة. ٤- دليل عقلي وهو أن الإنسان يغلب عليه التدرج شيئا فشيئا في تنقلاته، لأن الإنسان يتضح له الأمر شيئا فشيئا، فينتقل إليه خطوة خطوة، وهذا ما حدث للأشعري (٥) .

стр. 373

٥- أن مجموعة من العلماء قالوا بأن الإبانة آخر مؤلفات الأشعري، ومنهم: ١- إمام القراء أبو على الحسن بن على بن إبراهيم الفارسى ذكر انه صنف الإبانة في بغداد لما دخلها (١) . ٢- أبو القاسم عبد الملك بن عيسى بن درباس المتوفي سنة ٦٠٥ هـ، فإنه قال في رسالته في الذب عن الأشعري: " أما بعد: فاعلموا معاشر الإخوان وفقنا الله وإياكم للدين القويم وهدانا أجمعين للصراط المستقيم بأن كتاب الإبانة عن أصول الديانة الذي ألفه الإمام أبو الحسن على بن إسماعيل الأشعري هو الذي استقر عليه أمره فيما كان يعتقده " (٢) . ٣- وشيخ الإسلام ابن تيمية في مواضع عديدة من كتبه (٣) . ٤- وابن قيم الجوزية، نقل منه في بعض كتبه وأشار إلى أنه آخر مؤلفاته (٤) . ٥- وابن العماد الحنبلي في شذرات الذهب ذكر أنه آخر مؤلفاته فقال: "وهو آخر كتاب صنفه وعليه يعتمد أصحابه في الذب عنه عند من يطعن عليه" (٥) . ٦- وابن كثير كما نقل عنه الزبيدي (٦) .

стр. 374

٧- والشيخ إبراهيم بن مصطفي الحلبي، المتوفي سنة ١١٩٠ هـ في كتابه " اللمعة في تحقيق مباحث الوجود والحدوث والقدر وأفعال العباد" (١) . ٨- والشيخ إبراهيم بن حسن الكوراني، المتوفي سنة ١١٠١ هـ كما في القول الجلى (٢) . ٩- والشيخ خالد النقشبندى الشافعى شيخ مشايخ الألوسي كما في جلاء العينين (٣) . ١٠- والشيخ نعمان خير الدين الألوسى في كتابه جلاء العينين (٤) . ١١- والشيخ محب الدين الخطيب في تعليقه على المنتقي من منهاج الإعتدال (٥) . وغيرهم (٦) ، وهؤلاء هم الذين نصوا على أن " الابانة" آخر مؤلفات الأشعري أما الذين ذكروا الإبانة ونسبوها إلى الأشعري فكثيرون. هذه خلاصة أدلة الذين يقولون بتأخر الإبانة عن اللمع، وهي كما يلاحظ أدلة علمية تعتمد على نقل العلماء وأقوالهم. أما أدلة القول الأول فليس في واحد منها ما ينص على تأخر اللمع وتقدم الإبانة؛ فعبارة ابن خلكان مجملة، وجميع

стр. 375

الذين يميلون إلى المذهب الأشعري يقولون ان كتبه كلها تسير على طريقة الفقهاء والمحدثين لا يفرقون بين الإبانة واللمع، أما الدليل النفسي وأن الإنسان عند انتقاله يكون متحمسا فيقابله دليل نفسي آخر وهو التدرج الذى ورد في أدلة القول الثاني، أما مسألة النضج ففى الإبانة مناقشات للمعتزلة لا تقل قوة عن مافي اللمع، فيتبين بذلك أن الإبانة آخر مؤلفات الأشعري، ويتبين أيضا ضعف هذا القول الذى يقول: ان الأشعري رجع أولا إلى مذهب السلف ثم استقر على التوسط. ثالثا: من خلال المناقشة السابقة تبين أن القول الأول مع ظهور ضعفه فهو خارج محل النقاش فهو يقوم على دعوى أن الأشعري يتأول أحيانا الصفات الخبرية، وأنه قال بالتفويض، أو المجاملة للحنابلة حين ألف الإبانة والا فليس هذا معتقده، وكل هذا من أجل تبرير التطور الذى حدث للمذهب الأشعري حين انحرف الأشعرية عن كثير من آراء شيخهم أبو الحسن-رحمه الله تعالى-- كما تبين أن القول الثاني والقول الخامس ضعيفان. وبقي من الأقوال: ا- القول الثالث: أنه رجع الى الحق لكنه تابع ابن كلاب وبقيت عليه بقايا اعتزالية وكلامية. ٢- والقول الرابع: أنه رجع أولا إلى قول ابن كلاب ثم رجع أخيرا إلى مذهب السلف وقبل المناقشة وبيان أدلة الفريقين ثم الترجيح نعرض لما يلي: ١- أن نسبة الأقوال إلى شخص إنما تأتي من خلال كتبه وأقواله المروية عنه، وكثيرا ما يشهر عن أحد من العلماء أقوال فتنسب اليه هذه الأقوال ويتناقلها الناس خاصة اذا كانت مسطرة في كتاب أو كتب اشتهرت باسمه فإذا ما رجع هذا العالم عن أقواله هذه فربما لاتشتهر بحيث تستدرك ما عرف أولا عنه، وخاصة إذا تبني الأقوال الأولى أناس وشرحوها ودرسوها للناس على أنها القول الحق،

стр. 376

فالغالب أنها هي التي تنتشر وتشتهر وتبقى أقواله المتأخرة خافتة وضعيفة، ولا يحتج بها إلا عند الرد على الخصوم أو عند الحاجة، وهذا الكلام ينطبق على كثير من أعلام أهل الكلام، فالجويني مثلا اشتهرت كتبه الأشعرية كالشامل والإرشاد ولمع الأدلة، وتناقلها الناس، لكن رجوعه في آخر عمره إلى عقيدة السلف وما سطره في النظامية لا يكاد يعتمد على أنه قوله ومذهبه الذي يجب أن ينسب إليه، ومثله الرازى الذى ألف كتبا فلسفية وكلامية على مذهب الأشاعرة، انتشرت وتناقلها الناس ولكن رجوعه ووصيته في آخر عمره لا تكاد تذكر فيما ينسب إليه من العقائد. وهذا نفسه ينطق على الأشعري فكتبه الكلامية انتشرت وتناقلها الناس، ومن يطالع مجرد مقالات أبو الحسن الأشعري الذى ألفه ابن فورك- على مافيه من ملاحظات- والذى اعتمد فيه على عدد كبير من مؤلفات الأشعري المفقودة يرى العجب من الآراء الكلامية والمنطقية، ومع ذلك فهي التي انتشرت ونسبت إلى الأشعري أما ما ذكره في المقالات من أقوال أهل الحديث وماسطره في الإبانة فلا تجد لهـ في الغالب- ذكرا لدى الأشعرية المتأخرين. لذلك فحينما نناقش قضية رجوع الأشعري قد لا تكون هناك فائدة كبيرة لأولئك الذين أشربوا المذهب الأشعري في أطواره الأخيرة، وإنما هو منهج في بيان مذهب السلف والرد على متأخرى الأشعرية بأقوال شيخهم أبي الحسن وانهم لم يقولوا بما قاله في كتبه المتأخرة كالإبانة وغيره، وان أقواله إنما تدعم ما يقوله من يسير على مذهب السلف أهل السنة والجماعة. ٢- أن أهم ما يميز مذهب ابن كلاب- الذي تابعه الأشعري بعد رجوعه عن الاعتزال- قوله في مسألة الكلام والصفات الاختيارية لله تعالى، أما الصفات اللازمة لله تعالى فهو يثبتها مثل السمع والبصر والعلم والقدرة، ومثل اليدين والوجه والعينين والعلو والاستواء وغيرها لكنه قال بامتناع أن تقوم الصفات الاختيارية بذات الله مما يتعلق بمشيئته وقدرته من الأفعال والكلام وغير ذلك، وعلل ذلك بأنه يستلزم حلول الحوادث بذات الله تعالى وما لم يخل من الحوادث

стр. 377

فهو حادث واضطر لطرد هذا الأصل أن يقول في مسألة كلام الله: إنه ليس إلا مجرد المعنى وان الحروف ليست من كلام الله. كما أنه بناء على هذا الأصل لم يثبت لله صفة الرضي والغضب. فهذه الطريقة لم تكن موجودة قبل ابن كلاب، بل كان الناس قبله على قولين فقط، قول المعتزلة والجهمية والنفاة، وقول السلف الذين يثبتون لله جميع الصفات سواء كانت لازمة لذاته أو تتعلق بمشيئته وقدرته، فلما جاء ابن كلاب أثبت الصفات لكنه نفي ما يتعلق بمشيئته وقدرته، واتبعه على ذلك جماعة منهم الأشعري (١) . ٣- أما الأدلة على كون الأشعري قد تابع ابن كلاب فيتضح من خلال النصوص التالية: أ- يقول الأشعري في اللمع في الدلالة على اثبات الصانع- بعد أن ذكر دليل خلق الإنسان-: "فإن قالوا: فما يؤمنكم أن تكون النطفة لم تزل قديمة؟ قيل لهم: لو كان ذلك كما ادعيتم لم يجز أن يلحقها الإعتمال والتأثير، ولا الانقلاب والتغيير، لأن القديم لا يجوز انتقاله وتغيره، وأن يجري عليه صفات الحدث.." (٢) ، والصفات الاختيارية التي تدل على أن الله يتكلم إذا شاء متى شاء، وأنه ينزل ويأتي كما يليق بجلاله وعظمته هى عند الأشعري من الحوادث التي لا يجوز أن تحل بذاته تعالى. ب- ويقول في مسألة كلام الله وأنه قديم أزلي: "دليل آخر على أن الله لم يزل متكلما: ان الكلام لا يخلو أن يكون قديما أو حديثا، فإن كان محدثا لم يخل أن يحدثه في نفسه، أو قائما بنفسه، أو في غيره، فيستحيل أن يحدثه في نفسه لأنه ليس بمحل للحوادث ... ثم يقول: وإذا فسدت الوجوه التي

стр. 378

لا يخلو الكلام منها لو كان محدثا صح أنه قديم وأن الله تعالى لم يزل به متكلما" (١) . فنفى أن يحدثه في نفسه أى أن يتكلم به إذا شاء متى شاء، وعلل ذلك بأنه ليس محلا للحوادث ثم أثبت أن كلامه قديم وأن الله لم يزل به متكلما. ج- وفي مسألة الارادة يقول بعد ذكره لدليل الكلام:"وهذا الدليل على قدم الكلام هو الدليل على قدم الإرادة لله تعالى لأنها لو كانت محدثة لكانت لا تخلو من أن يحدثها في نفسه أو في غيره أو قائمة بنفسها، فيستحيل أن يحدثها في نفسه لأنه ليس بمحل للحوادث، ويستحيل أن يحدثها قائمة بنفسها لأنها صفة والصفة لا تقوم بنفسها كما لا يجوز أن يحدث علما وقدرة قائمين بأنفسهما، ويستحيل أن يحدثها في غيره لأن هذا يوجب أن يكون ذلك الغير مريدا بإرادة الله تعالى، فلما استحالت هذه الوجوه التي لا تخلو الإرادة منها لو كانت محدثة، صح أنها قديمة، وأن الله لم يزل مريدا بها" (٢) . د- ويقول الأشعري في رسالته الى أهل الثغر في باب ذكر ما أجمع عليه السلف من الأصول: "وأجمعوا على إثبات حياة الله لم يزل بها حيا، وعلما لم يزل به عالما، وقدرة لم يزل بها قادرا، وكلاما لم يزل به متكلما، وإرادة لم يزل بها مريدا، وسمعا وبصرا لم يزل به سميعا بصيرا، وعلى أن شيئا من هذه الصفات لا يصح أن يكون محدثا؛ إذ لو كان شيء منها محدثا لكان تعالى قبل حدثها موصوفا بضدها، ولو كان كذلك يخرج عن الأهلية وصار إلى حكم المحدثين (٣) ، الذي يلحقهم النقص ويختلف عليهم صفات الذم والمدح، وهذا يستحيل على الله ، وإذا استحال ذلك عليه وجب أن يكون لم يزل بصفة الكمال، إذا كان لا يجوز عليه الانتقال من حال من الكمال" (٤) . وهذا واضح في نفي الصفات الاختيارية له تعالى.

стр. 379

هـ- وقال في إثبات صفات الله وأنها صفات له على الحقيقة لا على المجاز، وذكر الحياة والقدرة والعلم والكلام والسمع والبصر والإرادة، ثم قال: " واجب- إذا أثبتنا هذه الصفات له على ما ذكرته العقول واللغة والقرآن والإجماع عليها- أن لا تكون محدثة، لأنه تعالى لم يزل موصوفا بها، ولا يجب أن تكون أعراضا لأنه ليس بجسم، وإنما توجد الأعراض في الأجساد، وتدل بأعراضها فيها وتعاقبها عليها على حدثها، ويجب أن لا تكون غيره ، لأن غير الشىء هو مفارقته له على وجه من الوجوه، والباريء لا تجب مفارقة صفاته له من قبل أن مفارقتها له ما يوجب حدثه وخروجه عن الإلهية، وهذا يستحيل عليه كما لا يجب أن تكون نفس الباريء جسما أو جوهرا أو محدودا، أو في مكان دون مكان، أو غير ذلك، مما لا يجوز عليه من صفاتنا لمفارقته لنا، فلذلك لا يجوز على صفاته ما يجوز على صفاتنا ... " (١) ، وهذا واضح في أنه لا يرى مفارقة صفات الله له لأن هذا يوجب حدثه، كما نفى أن يكون تعالى في مكان دون مكان، ولذلك قال في صفة المجيء: " وأجمعوا على أنه يجيء يوم القيامة والملك صفا صفا، لعرض الأم وحسابها وعقابها وثوابها، فيغفر لمن شاء من المذنبين، ويعذب منهم من يشاء كما قال، وليس مجيئه حركة ولا زوالا، وإنما يكون المجيء حركة وزوالا إذا كان الجائي جسما أو جوهرا، فإذا ثبت أنه ليس بجسم ولا جوهر لم يجب أن يكون مجيئه نقلة أو حركة، ألا ترى أنهم لا يرون بقولهم: جاءت زيدا الحمي، أنها تنقلت إليه أو تحركت من مكان كانت فيه، إذ لم تكن جسما ولا جوهرا وإنما مجيئها إليه وجودها به " (٢) ثم قال عن صفة النزول: " وأنه ينزل إلى سماء الدنيا كما روي عن النبي ﷺ ، وليس نزوله تعالى نقلة لأنه ليس بجسم ولا جوهر، وقد نزل الوحي على النبى ﷺ عند من خالفنا" (٣) ، وهذا واضح لا يحتاج إلى بيان.

стр. 380

و ويقول الأشعري في صفة الرضا والغضب: " وأجمعوا على أنه يرضي عن الطائعين له (١) ، وأن رضاه عنهم إرادته لنعيمهم، وأنه يحب التوابين ويسخط على الكافرين ويغضب عليهم وأن غضبه إرادته لعذابهم وأنه لا يقوم لغضبه شيء" (٢) . فهذا نص في تأويل الرضا والغضب. هذه آراء الأشعري الدالة على أنه سلك طريق ابن كلاب في مسألة الصفات، فهل رجع عن هذا القول إلى مذهب السلف؟. الذين يرون أته رجع رجوعا كاملا: أ- تصريح الأشعري في الإبانة برجوعه واتباعه للإمام أحمد، فإنه قال:" قولنا الذي نقول به وديانتنا التي ندين بها: التمسك بكتاب الله ربنا ، وبسنة نبينا محمد ﷺ ، وما روي عن السادة، الصحابة والتابعين وأئمة الحديث، ونحن بذلك معتصمون، وبما كان يقول به أبو عبد الله أحمد ابن محمد ابن حنبل- نضر الله وجهه، ورفع درجته، وأجزل مثوبتهـ قائلون، ولما خالف قوله مخالفون؛ لأنه الإمام الفاضل والرئيس الكامل، الذي أبان الله به الحق، ودفع به الضلال وأوضح به المنهاج، وقمع به بدع المبتدعين، وزيغ الزائفين، وشك الشاكين فرحمة الله عليه من إمام مقدم، وجليل معظم، وكبير مفهم" (٣) ، فهذا تصرج منه برجوعه إلى مذهب السلف الذين يمثلهم الامام أحمد، وأنه قائل بأقواله، مخالف لما خالفها، والإمام أحمد- نفسهـ كان شديدا على الكلابية، ولذلك هجر الحارث المحاسبي لكونه كلابيا. ٢- قول الحافظ ابن عساكر معلقا على النص السابق للأشعري حين نقله ونقل ماذكره من اعتقاده، قال:"فتأملوا رحمكم الله هذا الاعتقاد ما أوضحه

стр. 381

وأبينه، واعترفوا بفضل هذا الامام العالم الذى شرحه وبينه، وانظروا سهولة لفظه فما أفصحه وأحسنه، وكونوا ممن قال الله فهم ﴿الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ﴾ [الزمر: ١٨] وتبينوا فضل أبي الحسن واعرفوا إنصافه واسمعوا وصفه لأحمد بالفضل، واعترافه، لتعلموا أنهما كانا في الإعتقاد متفقين، وفي أصول الدين ومذهب السنة غير مفترقين" (١) . ٣- تتلمذ الأشعري على الحافظ زكريا الساجي، الذي توفي سنة ٣٠٧ هـ يقول الذهبي:"وكان الساجي شيخ البصرة وحافظها، وعنه أخذ أبو الحسن الأشعري الحديث ومقالات أهل السنة" (٢) وقال أيضا عنه:"وعنه أخذ أبو الحسن الأشعري الأصولى تحرير مقالة أهل الحديث والسلف" (٣) . ويقول شيخ الإسلام ابن تيمية: " قلت: زكريا بن يحيى الساجي أخذ عنه أبو الحسن الأشعري ما أخذه من أصول أهل السنة والحديث وكثير مما نقل في كتاب: مقالات الإسلاميين من مذهب أهل السنة والحديث" (٤) ، فهذا يدل على رجوع الأشعري الي مذهب أهل السنة والحديث. ٤- أن الأشعري في مقالات الإسلاميين الذي يعتبر من مؤلفاته المتأخرة فرق بين مقالة أهل السنة والحديث ومقالة ابن كلاب وأصحابه، ثم لما ذكر مقالة أهل الحديث قال:"وبكل ما ذكرنا من قولهم نقول واليه نذهب" (٥) ، ولما ذكر مقالة ابن كلاب- في مواضع متفرقة- لم يقل: إنه يقول بقوله، وهذا دليل على أنهـ في تلك الفترة- لم يكن متابعا له. ٥- قول الإمام ابن كثير:"ذكروا للشيخ أبي الحسن الأشعري ثلاثة أحوال: أولها: حال الاعتزال التي رجع عنها لا محالة.

стр. 382

الحال الثاني: اثبات الصفات العقلية السبعة، وهي الحياة والعلم والقدرة والارادة والسمع والبصر والكلام، وتأويل الجزئية كالوجه واليدين والقدم والساق ونحو ذلك (١) . الحال الثالث: أثبات ذلك كله من غير تكييف ولا تشبيه جريا على منوال السلف وهي طريقته في الإبانة التي صنفها آخرا وشرحها الباقلاني، ونقلها ابن عساكر " (٢) . ٦- وأهم المسائل في مذهب الأشعرية التي تميزهم مسألة كلام الله، ونصوصه في الإبانة تدل على أنه يقول بقول أهل السنة وأنه لا يقول بالكلام النفسي، يقول:"وقد قال الله تعالى: ﴿وكلم الله موسى تكليما﴾ [النساء:١٦٤] ، والتكليم هو المشافهة بالكلام، ولا يجوز أن يكون كلام المتكلم حالا في غيره، مخلوقا في شيء سواه، كما لا يجوز ذلك في العلم" (٣) ، ثم يقول عن القرآن " فإن قال قائل: حدثونا أتقولون ان كلام الله في اللوح المحفوظ؟ قيل له: كذلك نقول، لأن الله تعالى قال: ﴿بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ﴾ [البروج: ٢١- ٢٢] ، فالقرآن في اللوح المحفوظ، وهو في صدور الذين أوتوا العلم، قال الله تعالى: ﴿بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾ [العنكبوت: ٤٩] ، وهو متلو بالألسنة، قال الله تعالى: ﴿لا تحرك لسانك لتعجل به﴾ [القيامة: ١٦] ، والقرآن مكتوب في مصاحفنا في الحقيقة، كما قال تعالى: ﴿فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ﴾ [التوبة:٦] ، (٤) ، فهو يصرح أنه محفوظ مسموع متلو مكتوب كل ذلك في الحقيقة.

стр. 383

٧- يقول الشيخ حافظ الحكمي الذي رجح رجوعه الى مذهب السلف حتى في مسألة الكلام التى كان يقول فيها بقول ابن كلاب، وذلك حين شرح الأقوال فى مسألة الكلام نقلا عن الصواعق لابن القيم، فذكر المذهب الخامس - مذهب الأشعري- ومن وافقه أنه معنى واحد قائم بذات الرب، لأنه ليس بحرف ولا صوت ولا ينقسم، ثم ذكر أن هذا المذهب مبني على مسألة انكار قيام الأفعال والأمور الاختيارية بالرب تعالى، وهي مسألة حلول الحوادث (١) . لكن الشيخ حافظ-﵀ عقب قائلا: " وأقول: والحق يقال، لا شك أن ابن القيم هذا وشيخه ابن تيمية- رحمهما الله تعالى- من أعلم من صنف في المقالات والملل والنحل وأدراهم بمواردها ومصادرها وأبصرهم برد الباطل منها وإدحاضه، وأوفاهم تقريرا لمذهب السلف أهل السنة والجماعة، وأشدهم تمسكا به ونصرة له، واكملهم تحريرا لبراهينه عقلا ونقلا، واكثرهم اشتغالا بهذا الباب وتنقيبا عن عامل البدع واجتثاثا لأصولها، ولكن هذا الذى ذكرهـ رحمه الله تعالى- عن الأشعري في مسألة القرآن هو الذي وجدناه عمن ينتسب إلى الأشعري، ويسمون أنفسهم أهل الحق، ويقررون ذلك ويكررونه في كتبهم، ويناظرون عليه، وأما أبو الحسن الأشعري نفسهـ رحمه الله تعالى- فالذى قرره في كتاب الإبانة، الذي هو من آخر ما صنف هو قول أهل الحديث ساقه بحروفه، وجاء به برمته، واحتج فيه ببراهينهم العقلية والنقلية، ثم نقل أقوال الأئمة في ذلك كأحمد بن حنبل، ومالك بن أنس، والشافعي، وأصحابه، والحمادين، والسفيانين، وعبد العزيز بن الماجشون، والليث بن سعد، وهشام وعيسى بن يونس، وحفص بن غياث، وسعد بن عامر، وعبد الرحمن بن مهدي، وأبي بكر بن عياش، ووكيع، وأبي عاصم النبيل، ويعلى بن عبيد، ومحمد بن يوسف، وبشر بن المفضل، وعبد الله ابن داود، وسلام بن أبي مطيع، وابن المبارك، وعلي بن عاصم، وأحمد بن يونس، وأبي نعيم، وقبيصة ابن عقبة، وسليمان بن داود، وأبي عبيد القاسم ابن سلام، وغيرهم، ولولا

стр. 384

خوف الإطالة لسقنا فصول كلامه بحروفه، فإنه وإن أخطأ في تأويل بعض الآيات، وأجمل في بعض المواضع، فكلامه يدل على أنه مخالف للمنتسبين إليه من المتكلمين في مسألة القرآن، كما هو مخالف لهم في إثباته الاستواء، والنزول، والرؤية، والوجه، واليدين، والغضب، والرضا، وغير ذلك، وقد صرح في مقالاته (١) ، بأنه قائل بما قال الإمام أحمد ابن حنبل وأئمة الحديث، معتقد ما هم عليه، مثبت لما أثبتوه، محرم ما أحدث المتكلمون من تحريف الكلم عن مواضعه وصرف اللفظ عن ظاهره، وإخراجه عن حقيقته، وبالجملة فبينه وبين المنتسبين اليه بون بعيد، بل هو برىء منهم، وهم منه براء، والموعد الله وكفي بالله حسيبا، وهو حسبنا ونعم الوكيل ولا حول ولا قوة الا بالله" (٢) . هذه أدلة الذين يرون رجوع الأشعري رجوعا كاملا الى مذهب السلف. الذين يرون أنه بقى كلابيا: أما الذين يرون أنه بقى كلابيا ولم يكن رجوعه كاملا فأشهرهم ابن حزم (٣) ، وعبد الجبار الهمذاني (٤) ، وشارح الطحاوية ابن أبي العز (٥) ، وهو قول ابن تيمية وابن القيم، وهذه بعض أقوالهما في ذلك- أما شارح الطحاوية فهو ناقل عنهما-: ١- يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: " وأبو الحسن الأشعري لما رجع عن مذهب المعتزلة سلك طريقة ابن كلاب، ومال الى أهل السنة والحديث، وانتسب إلى الامام أحمد، كما قد ذكر ذلك في كتبه كلها، كالإبانة والموجز والمقالات وغيرها، وكان مختلطا بأهل السنة والحديث كاختلاط المتكلم

стр. 385

بهم" (١) ، فهو ينسبه إلى مقالة ابن كلاب، ومع ذلك لا يغفل انتسابه إلى الإمام أحمد ولا كتابه الابانة، بل ينسب كلابيته إليه والى المقالات والموجز، ثم بعد كلامه عن الأشعري واثباته الصفات الخبرية وأنه ليس له فيها قولان، وإنما لأتباعه فيها قولان يقول:"وأما مسألة قيام الأفعال الاختيارية به: فإن ابن كلاب والأشعري وغيرهما ينفونها، وعلى ذلك بنوا قولهم في مسألة القرآن وبسبب ذلك وغيره تكلم الناس فيهم في هذا الباب بما هو معروف في كتب أهل العلم، ونسبوهم الى البدعة، وبقايا بعض الاعتزال فيهم " (٢) ، ولم يستثن الإبانة من هذا الحكم العام (٣) . ٢- ولما ذكر أن متأخرى الأشعرية مالوا إلى نوع من التجهم بل الفلسفة، وفارقوا قول الأشعري وأئمة أصحابه قال:"والذى كان أئمة السنة ينكرونه على ابن كلاب والأشعري بقايا من التجهم والاعتزال، مثل اعتقاد صحة طريق الأعراض وتركيب الأجسام، وانكار اتصاف الله بالأفعال القائمة التي يشاؤها ويختارها، وأمثال ذلك من المسائل التي أشكلت على من كان أعلم من الأشعري بالسنة والحديث وأقوال السلف والأئمة، كالحارث المحاسبي، وأبي علي الثقفي، وأبي بكر بن اسحاق الصبغي ... " (٤) . ٣- ولما ذكر قول من قال في كلام الله بأن حروف القرآن ليست من كلام الله وأن كلام الله معني قائم بذاته هو الأمر والنهي والخبر عقب بقوله:" وهذا القول أول من أحدثه ابن كلاب، ولكنه هو ومن أتبعه عليه كالأشعري وغيره يقولون مع ذلك: أن القرآن محفوظ بالقلوب حقيقة، متلو بالألسن حقيقة مكتوب في المصاحف حقيقة ... " (٥) ، وهذا نص مهم جدا في بيان رأى شيخ

стр. 386

الإسلام في هذا النص الوارد في الإبانة، والذى هو أحد الأدلة للذين يقولون برجوع الأشعري عن مذهب ابن كلاب الى قول أهل السنة. ٤- وذكر ابن القيم الأقوال في كلام الله ومنها قول الأشعري فقال:" المذهب الخامس: مذهب الأشعري ومن وافقه: انه معنى واحد، قائم بذات الرب، وهو صفة قديمة أزلية، ليس بحرف ولا صوت، ولا ينقسم، ولا له أبعاض، ولا له أجزاء..... (١) . ٥- وهناك كلام مهم لشيخ الإسلام ابن تيمية حول الابانة، ومن اعتقد مافيه، فإنه قال:"فأما من قال منهم بكتاب الابانة الذى صنفه الأشعري في آخر عمره، ولم يظهر مقالة تناقض ذلك فهذا يعد من أهل السنة، لكن مجرد الانتساب الى الأشعري بدعة، لا سيما وأنه بذلك يوهم حسنا بكل من انتسب هذه النسبة، وينفتح بذلك أبواب شر" (٢) ، وقد قال ذلك لبيان أن الأشعرية حين يصفهم بعض علماء السنة بأنهم جهمية إنما يقصدون نفاة الصفات الخبرية، أما من قال بالإبانة ولم يظهر مقالة تناقض مافيها فليس بأشعري، ويلاحظ هنا ما يلي: أ- أن كلام ابن تيمية هنا حول الصفات الخبرية التي أولها متأخرو الأشعرية وليس الكلام عن كلام الله الذي كرر شيخ الإسلام ان الاشعرى متبع فيه لابن كلاب. ب- أنه قال هنا:"ولم يظهر مقالة تناقض ذلك"، ولا شك أن للأشعري أقوالا في مسألة الكلام تخالف مذهب السلف، فهل يرى شيخ الإسلام أن على الأشعري أن يعلن في الابانة- أو غيرهـ براءته من أقواله الأخري التي وافق فيها ابن كلاب؟. ج- وشيخ الإسلام لا يجعل أقوال الأشعري كلها بمنزلة واحدة في قربه

стр. 387

من مذهب السلف، فهو يرى أنه لما قدم بغداد أخذ أمورا أخرى من مذهب أهل السنة غير التي أخذها في البصرة، يقول:"والأشعري وإن كان من تلامذة المعتزلة ثم تاب، فإنه كان تلميذ الجبائي، ومال الى طريقة ابن كلاب، وأخذ عن زكريا الساجي أصول الحديث بالبصرة، ثم لما قدم بغداد أخذ عن حنبلبة بغداد أمورا أخرى، وذلك آخر أمره كما ذكره هو وأصحابه في كتبهم" (١) . فمنزلة الإبانة- عند شيخ الإسلام- ليست كمنزلة كتبه التي ألفها قبل قدومه إلى بغداد. د- والدليل على أن شيخ الإسلام قصد من قوله: من قال بالإبانة فليس بأشعرى- لأثبات الصفات الخبرية- أن في إلإبانة أقوالا في بعض المسائل، لا توافق مذهب السلف ومنها مسألة الإستطاعة فإن الأشعري قال:"وان أحدا لا يستطع أن يفعل شيئا قبل أن يفعله" (٢) ، وكذلك مسألة القدرة فإنه ذكر أن الكافرين غير قادرين على الإيمان وقال:"ووجب أن يكون الله تعالى اختص بالقدرة على الإيمان للمؤمنين" (٣) وفي تفسير قوله تعالى: ﴿وما خلقت الجن والأنس إلا ليعبدون﴾ [الذاريات:٥٦] قال "إن الله تعالى إنما عنى المؤمنين دون الكافرين " (٤) ، وهذا بناء على أصل قوله في القدرة والتعليل. هـ- وأن تيمية كتب كتبه وقد اطلع على ما وصل اليه من كتب الأشعري ومنها المقالات، والإبانة، واللمع، ورسالته الى أهل الثغر، ولم يذكر في موضع أن الأشعري ترك طريقة ابن كلاب، بل كثيرا ما يمتدح ابن كلاب ويذكر أنه اكثر أثباتا واتباعا للسنة من الأشعري، وكتاب الإبانة نقل عنه كثيرا خاصة في كتبه التي رد فيها على أشاعرة عصره الذين خالفوا الأشعري في كثير من أقواله.

стр. 388

ومما سبق يمكن أن نستخلص أدلة من يرى أنه بقى على كلابيته فيما يلي: ا- أن الأشعري لم يذكر في الإبانة رجوعه عن مذهب ابن كلاب، وأن عباراته المتعلقة بمسألة القرآن وكلام الله ركزعلى الرد على المعتزلة القائلين بخلق القرآن، ولو كان يعتقد بطلان مقالة ابن كلاب- التي اتبعها- لرد عليها، وأبطلها، فدل ذلك على أن عباراته الموافقة لمذهب أهل السنة لا تعارض ما يعتقده من مذهب ابن كلاب. ٢- أن الأشعري لو كان رجوعه كاملا إلى مذهب السلف لما شنع عليه بعض علماء أهل السنة وأنكروا بعض أقواله. الترجيح: قد يكون من الصعب على الإنسان الترجيح في هذه المسألة، خاصة وأن علماء أفاضل قالوا فيها بقولهم وأدلوا برأيهم، فالفصل بينهم- مع قصر الباع وضعف القدرة- أمر شديد على النفس، ولكن لما كان الأمر لا بد فيه من ترجيح رأيت أن أدلي بدلوي في ذلك، والله الموفق. ومنهج الترجيح قائم على تتبع كلام الأشعري في الإبانة، ومقارنته ببعض كتبه التي صرح فيها بما يوافق قول ابن كلاب ومن خلال المقارنه يتبين هل بقى كلابيا أم أنه رجع عن ذلك الى مذهب السلف؟: ومن المعلوم أن مذهب ابن كلاب القول بأن كلام الله أزلي، ومنع أن الله يتكلم إذا شاء متى شاء، فعندهم لا يجوز أن يقال: إن الله إذا شاء تكلم وإذا شاء لم يتكلم، كما أنه إذا شاء خلق، وإذا شاء لم يخلق لأن هذا يلزم منهـ على زعمهم- حلول الحوادث بذات الله تعالى، والله تعالى ليس محلا للحوادث، وحتى يفروا من هذا قالوا بأزلية الصفات، ولم يفرقوا بين صفات الذات كالعلم والحياة والقدرة، وصفات الفعل كالكلام والرضا والغضب، ومع هذا فهم يقولون إن القرآن كلام الله غر مخلوق، ويثبتون الصفات الواردة، وقد لا ينتبه الى حقيقة مذهبهم الا من استفصل في ذلك. ولذلك جرت

стр. 389

قصة ابن خزيمة- إمام الأئمة- مع جماعة من كبار أصحابه (١) لما نمى إلى علمه أنهم مع إثباتهم للصفات يقولون بقول ابن كلاب، فجرت لهم معه محنة طويلة استتيبوا ورجعوا، ولهذا قال ابن خزيمة عنهم:" من زعم هؤلاء الجهلة أن الله لا يكرر الكلام، فلاهم يفهمون كتاب الله، إن الله قد أخبر في مواضع أنه خلق آدم، وكرر ذكر موسى، وحمد نفسه في مواضع، وكرر ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ [الرحمن] ، ولم أتوهم أن مسلما يتوهم أن الله لا يتكلم بشيء مرتين وهذا قول من زعم أن كلام الله مخلوق، ويتوهم أنه لا يجوز أن يقول: خلق الله شيئا واحدا مرتين" (٢) . ولما اجتمعوا لمصالحة ابن خزيمة " فقال له أبو علي الثقفي: ما الذي أنكرت أيها الأستاذ من مذاهبنا حتى نرجع عنه؟ قال: ميلكم الى مذهب الكلابية، فقد كان أحمد بن حنبل من أشد الناس على عبد الله ابن سعيد بن كلاب، وعلى أصحابه مثل الحارث وغيره، حتى طال الخطاب بينه وبين أبي علي في هذا الباب، فقلت: قد جمعت أنا أصول مذاهبنا في طبق، فأخرجت إليه الطبق، فأخذه وما زال يتأمله وينظر فيه، ثم قال: لست أرى هاهنا شيئا لا أقول به، فسألته أن يكتب عليه خطه ان ذلك مذهبه، فكتب آخر تلك الأحرف، فقلت لأبي عمرو الجيري: احتفظ أنت بهذا الخط حتى ينقطع الكلام، ولا يتهم واحدا منا بالزيادة فيه، ثم تفرقنا، فما كان بأسرع من أن فصده أبو فلان وفلان وقالا: ان الأستاذ لم يتأمل ماكتب في ذلك الخط، وقد غدروا بك وغيروا صورة الحال، فقبل منهم، فبعث إلى أبي عمرو الجيري لاسترجاع خطه منه، فامتنع عليه أبو عمرو، ولم يرده حتى مات ابن خزيمة، وقد أوصيت أن يدفن معي، فأحاجه بين يدي الله تعالى فيه" (٣) . وقد أورد الذهبي جزءا من هذا الاعتقاد الذى كتبوه وفيه: " القرآن كلام الله تعالى، وصفة من صفات ذاته، ليس شيء من كلامه مخلوقا،

стр. 390

ولا مفعولا ولا محدثا (١) ، فمن زعم أن شيئا منه مخلوق أو محدث، أو زعم أن الكلام من صفة الفعل فهو جهمي ضال مبتدع، وأقول: لم يزل الله متكلما، والكلام له صفة ذات، ومن زعم أن الله لم يتكلم إلا مرة، ولم يتكلم إلا ما تكلم به، ثم انقضى كلامه، كفر بالله...." (٢) . وهذا الكلام موافق لمذهب الكلابية، فقد جعل الكلام صفة ذات، وليس صفة فعل، وجعله أزليا، ثم ذكر كفر من زعم أن الله لم يتكلم إلا مرة ولم يتكلم إلا ما تكلم به وهذا حق، لكن قوله بعد ذلك ثم انقضى كلامه كفر بالله يدل على أنه يقصد أن كلام الله لازم لذاته كالعلم، وهذا قول الكلابية الذين يقولون لو قلنا إنه يتكلم بكلام بعد كلام لحلت فيه الحوادث والتغير وهذا محال على الله. بعد هذا الاستطراد نذكر عبارات الأشعري وكلامه في الإبانة لننظر هل فيه ما يوافق مذهب ابن كلاب ام لا؟: ا- يقول في باب: أن القرآن كلام الله غير مخلوق: " فلما كان الله لم يزل عالما، إذ لم يجز أن يكون لم يزل بخلاف العلم موصوفا، استحال أن يكون لم يزل بخلاف الكلام موصوفا، لأن خلاف الكلام الذي لا يكون معه كلام سكوت أو آفة، كما أن خلاف العلم الذى لا يكون معه علم جهل أو شك أو آفة، ويستحيل أن يوصف ربنا جل وعلا بخلاف العلم، وكذلك يستحيل أن يوصف بخلاف الكلام من السكوت والآفات، فوجب لذلك أن يكون لم يزل متكلما، كما وجب أن يكون لم يزل عالما " (٣) . ويلاحظ في هذا النص أن الأشعري جعل كلام الله أزليا (٤) كما أن علم الله أزلي، ثم ذكر أنه يستحيل أن يكون لم يزل بخلاف الكلام موصوفا،
следующие страницы →