أما البغدادي فقد وصفه بأنه " امام أهل السنة ... الذي زادت تصانيفه في الكلام على مئة وخمسين كتابا" (١) ، وقد أشار البغدادي كثيرا الى أقواله في ثنايا كتابه " أصول الدين ".
وفي كتاب " الأسماء والصفات" للبيهقي نص مهم عن القلانسي ومنزلته وعلاقته بالكلابية، وذلك عند حديثه عن الفتنة التي وقعت بين ابن خزيمة والكلابية من تلامذته كالثقفي والصبغي، يقول البيهقي:" أخبرنا أبو عبد الله الحافظ قال: سمعت أبا الحسن علي بن أحمد الزاهد البوشنجي يقول: دخلت على عبد الرحمن بن أبي حاتم الرازي بالري فأخبرته بما جرى بنيسابور بين أبي بكر ابن خزيمة وبين أصحابه فقال: ما لأبي بكر والكلام؟ إنما الأولى بنا وبه أن لا نتكلم فيما لم نتعلمه، فخرجت من عنده حتى دخلت على أبي العباس القلانسي فقال: كأن بعض القدرية من المتكلمين وقع الى محمد بن إسحاق فوقع لكلامه عنده قبول، ثم خرجت الى بغداد فلم أدع بها فقهيا ولا متكلما إلا عرضت عليه تلك المسائل فما منهم أحد إلا وهو يتابع أبا العباس القلانسي على مقالته، ويغتم لأبي بكر محمد بن اسحاق فيما أظهره" (٢) .
والذين ساقوا القصة: كالبيهقي، والبوشنجي كلابية لذلك فهم يرون تخطئة أمام الأئمة ابن خزيمة في موقفه من أصحابه الكلابية، والقصة تدل بالنسبة للقلانسي على:
١- أنه كان مقيما بالري، من المدن الكبرى المشهورة قرب خراسان.
٢- أن مقالته كانت منتشرة وأقواله معروفه.
٣- أنه كان يقول بقول الكلابية.
стр. 457
- ومن أبرز أقواله:
١- أنه يقول بتقديم العلوم النظرية على الحسية خلافا للأشعري (١) .
٢-كما أجاز وجود الكلام لما ليس بحي خلافا للاشعرية الذين جعلوا الحياة شرطا في وجود الكلام (٢) .
٣- وافق ابن كلاب أن الله قديم بقدم بمعنى هو قائم به، خلافا للأشعري
الذى يقول: انه قديم لذاته (٣) .
٤- وفي صفة اليدين قال القلانسي أن التثنية ترجع الى اللفظ لا الى الصفة (٤) ويفسر البغدادي ذلك حين يقول:"وزعم بعض أصحابنا أن اليدين صفتان لله ، وقال القلانسي هما صفة واحدة " (٥) .
٥- وقال في الاستواء على العرش أن معناه:"كونه فوق العرش بلا مماسة" (٦) .
٦- أنه يقول: " بوجوب المعارف العقلية على العاقل من جهة العقل" (٧) .
٧- كما توقف في التفضيل بين على وعثمان (٨) .
هذه أهم أقوال القلانسي، ويجعل شيخ الإسلام القلانسي من العراقيين الذين هم أكثر إثباتا من أهل خراسان وإن كان الجميع كلابية فيقول:"كما أن العراقيين المنتسبين الى أهل الإثبات من أتباع ابن كلاب كأبي العباس القلانسي وأبي الحسن الأشعري، وأبي الحسن على بن مهدي الطبري، والقاضي أبي بكر
стр. 458
ابن الباقلاني وأمثالهم أقرب الى السنة وأتبع لأحمد بن حنبل وأمثاله، من أهل خراسان المائلين الى طريقة ابن كلاب" (١) .
* * *
هؤلاء هم أهم أعلام مدرسة ابن كلاب قبل الأشعري الذى وافقهم في أبرز أقوالهم مع زيادة في الشرح والتفصيل ولذلك نسب إليه هذا المذهب.
* * *
موقف السلف من الكلابية:
لما كانت موازين علماء أهل السنة ثابتة، ومنطلقاتهم مرتكزة على أساس متين لم تتغير مواقفهم من أهل الأهواء الذين يستحدثون بدعهم في كل زمن. ولذلك حذر السلف من أهل الكلام عموما وردوا بدعهم بل حذروا من علم الكلام الذى دخل منه الجهمية والمعتزلية والقدرية والرافضة وغيرهم.
والكلابية- وان كانوا موافقين لأهل السنة في الرد على الجهمية والمعتزلة والرافضة وغيرهم- إلا أنهم تلبسوا بأشياء من أقوال أهل الكلام وبدعهم، ومن ثم ذمهم السلف وحذروا من أقوالهم التي خالفوا فها أهل السنة، وهذه نماذج لمواقف السلف منهم:
أ- موقف الامام أحمد من الكلابية، فقد كان-﵀ معاصرا لزعمائهم ولذلك حذر منهم، ومواقفه من الحارث المحاسبي مشهورة، والإمام أحمد وإن كان لا يعجبه تصوف الحارث الا أن سبب هجره والتحذير منه إنما كان لقوله بأقوال أهل الكلام ويجمع على هذا جميع مترجمي المحاسبي تقريبا (٢) ،
والعجب من السبكي حين يجعل موقف الامام أحمد من المحاسبي من كلام الأقران
стр. 459
الذين لا يقبل قول بعضهم في بعض (١) ، ولا شك أن القاعدة التي ذكرها السبكي لها قيمة كبرى في الجرح والتعديل ولكن تطبيقه لها هنا لم يصادف محلا، لأن الإمام أحمد انتقد عقيدة المحاسبي والبراهين واضحة جلية في دخوله علم الكلام وقوله ببعض أقوالهم، ولو سلمت هذه القاعدة بإطلاق لما قبل قول السلف في معاصريهم من المعتزلة والرافضة والجهمية والقدرية وغيرهم، وهذا مالا يقول به السبكي ولا غيره.
ب- موقف الامام ابن خزيمة:
كان في زمن ابن خزيمة علمان من أعلام الكلابية:
أحدهما: أبو علي الثقفي، وهو شيخ خراسان أبو على محمد بن عبد الوهاب ابن عبد الرحمن بن عبد الوهاب، الثقفي، النيسابوري، الشافعي، الواعظ الزاهد ولد سنة ٢٤٤ هـ، قال عنه الصبغي:"ما عرفنا الجدل والنظر حتى ورد أبو علي الثقفي من العراق" (٢) ، وقال أبو عبد الرحمن السلمي:"كان إماما في أكثر علوم الشرع، مقدما في كل فن منه، عطل أكثر علومه واشتغل بعلم الصوفية وتكلم فيه أحسن كلام" (٣) ، وقال عنه البغدادي:"شيخ العلوم على الخصوص والعموم" وقال:"وتصانيف الثقفي ونقوضه على أهل الأهواء زائدة على مئة كتاب" (٤) وقال عنه الذهبي:"ومع علمه وكماله خالف الإمام ابن خزيمة في مسائل التوفيق والخذلان، ومسألة الايمان، ومسألة اللفظ، فألزم البيت، ولم يخرج منه الى أن مات وأصابه في ذلك محن" (٥) توفى الثقفي سنة ٣٢٨ هـ (٦) .
стр. 460
والثاني: أبو بكر الصبغي، وهو الإمام أبو بكر أحمد بن إسحاق بن أيوب بن يزيد، النيسابورى الشافعي المعروف بالصبغي، ولد سنة ٢٥٨ هـ كان يخلف إمام الأئمة ابن خزيمة في الفتوى بضع عشرة سنة، ومن تصانيفه كتاب الأسماء والصفات، وكتاب الايمان، وكتاب القدر، وكتاب الخلفاء الأربعة، وكتاب الرؤية، وكتاب الأحكام، وكتاب الإمامة، توفى سنة ٣٤٢ هـ (١) ، والعجيب أن ابن فورك الذي رد على كتاب التوحيد لابن خزيمة، رد أيضا على أحد كتب الصبغي وهو كتاب " الأسماء والصفات" (٢) . هذان الامامان: الثقفي والصبغي كانا من أخص تلامذة ابن خزيمة، وولكنهما مع إثباتهما للصفات كما يثبتها إلا أنهما يقولان بقول ابن كلاب أن الله لا يتكلم إذا شاء متى شاء وإنما كلامه أزلى، فلما علم بذلك ابن خزيمة ثارت ثائرته وغضب عليهم وعلى من معهم ممن يقول بقولهم، وجرت بينه وبينهم وقائع استتيبوا من قولهم، وهي قصة طويلة ذكرها الحاكم في تاريخ نيسابور، ونقل بعض أحداثها شيخ الإسلام ابن تيمية والذهبي (٣) .
ج- أما غير الامام أحمد وابن خزيمة، فأبو عبد الرحمن السلمي كان يلعن الكلابية (٤) ، وكذلك أبو نصر السجزى (٥) ،وغيرهما (٦) .
стр. 461
موقف ابن تيمية من الأشاعرة
الجزء الثاني
стр. 462
المبحث الثاني: الماتريدية وعلاقتهم بالأشعرية
أولا: الأشعري والماتريدي
بعد الحديث عن الكلابية- شيوخ الأشاعرة - وقبل الحديث عن نشأة المذهب الأشعري لابد من الإشارة إلى نشأة مذهب مشهور نشأ مواكبا لمذهب الأشاعرة، واشتهر كشهرتهم ألا وهو المذهب الماتريدي.
وقد عاصر الأشعري المتوفي سنة ٣٢٤هـ اثنان من العلماء كان لما كتبوه في العقيدة أثر كبير فيمن جاء بعدهم:
أحدهما: الطحاوي، في مصر (توفي سنة ٣٢١هـ) .
والثاني: أبو منصور الماتريدي. في ما وراء النهر (توفي سنة ٣٣٣هـ) .
أما الطحاوي: فهو أبو جعفر أحمد بن محمد بن سلامة بن عبد الملك، الأزدي، الحجري، المصري، الطحاوي، الحنفي، ينسب إلى بلدة طحا من أعمال مصر ولد سنة ٢٣٩هـ وكان في أول أمره شافعيا - لأن خاله المزني، صاحب الشافعي - ثم تحول إلى مذهب أي حنيفة وصار أحد أعلامه في مصر، كما صار أحد أعلام الحديث (١) ، وتوفي سنة ٣٢١ هـ، له كتب كثيرة من أهمها:
стр. 463
شرح معاني الآثار، ومشكل الآثار، والشروط الصغير، والعقيدة، المسماة عقيدة الطحاوي، وتسمي بيان السنة والجماعة (١) ، وهذه كلها مطبوعة كما أن له مؤلفات أخرى ذكرها مترجموه (٢) .
وعقيدة الطحاوي تلقاها العلماء بالقبول، حتى قال فيها تاج الدين السبكي - وهو شافعي أشعري جلد: " وهذه المذاهب الأربعة - ولله الحمد - في العقائد واحدة، إلا من لحق منها بأهل الإعتزال والتجسيم. وإلا فجمهورها على الحق يقرون عقيدة أبي جعفر الطحاوي، التي تلقاها العلماء سلفا وخلفا بالقبول " (٣) .
وقد اشتهرت هذه العقيدة التي كتبها الطحاوي وشرحها كثيرون (٤) ، ولكن غالبية هؤلاء كانوا على مذهب الماتريدية، ولذلك فقد أولوا عبارات الطحاوي وشروحها على وفق مذهبهم، ونقلوا في هذه الشروح أقوال أثمة الماتريدية، بل ردوا على الأشعرية عند شرحهم للمسائل التي خالفوهم فيها (٥) .
стр. 464
وقد قيض الله لهذه العقيدة من يشرحها على وفق مذهب السلف- ﵏ وهو الإمام علي بن علي بن أبي المعز الحنفي المتوفي سنة ٧٩٢ هـ (١) .
وقد انتهج فيه مؤلفه نهجا ممتازا حيث ركز على تقرير مذهب السلف، والرد على من سبقه من الشراح، خاصة في فهمهم وتفسيرهم لبعض عبارات الطحاوي الموهمة، مثل قوله: " وتعالى عن الحدود والغايات، والأركان والأعضاء والأدوات، لا تحويه الجهات الست كسائر المبتدعات " (٢) ، حيث فهم بعض الشراح أن الطحاوي يؤول العلو والصفات الخبرية، فبين ابن أبي العز خطأهم في هذا الفهم " ومع ذلك رجح أن الأولي الابتعاد عن مثل هذه العبارات الموهمة (٣) . ومثل قول الطحاوي - حول الإيمان -: " وأهله في أصله سواء" (٤) ، وقوله عن أهل الكبائر وأنهم لا يخلدون.. " بعد أن لقوا الله عارفين " (٥) ، وقوله في الاستطاعة وتكليف ملا يطاق: " ولا يطيقون إلا ما كلفهم به (٦) ، فبين ما في مثل هذه العبارات من إشكال أن إيهام. وقد اعتمد ابن أبي العز في شرحه على كلام ابن تيمية وابن القيم ﵏ وطبع هذا الشرح عدة طبعات وكتب له القبول والانتشار في أنحاء العالم الإسلامي - والحمد لله -.
стр. 465
أما الماتريدي: فهو محمد بن محمد بن محمود الماتريدي السمرقندي، أبو منصور، وماتريد محلة بسمرقند فيما وراء النهر (١) ، تتلمذ على عدة شيوخ من أشهرهم أبو نصر العياضي (٢) , وأبو بكر الجوزاني (٣) ، ومحمد بن مقاتل الرازي (٤) ، ونصير بن يحيى (٥) وغيرهم، كما تتلمذ عليه عدة أشهرهم الحكيم السمرقندي (٦) وأبو الحسن الرستغفني (٧) ، وأبو محمد البزدوي (٨) ، وغيرهم.
والماتريدي حنفي المذهب هو وشيوخه وشيوخ شيوخه الذين تتلمذوا على أصحاب أبي حنيفة، ولأبي منصور كتب كثيرة في الفقه وأصوله وفي التفسير وعلم الكلام، وغالب كتبه الكلامية في الرد على معتزلة عصره (٩) ، والرد على الباطنية والروافض، ولم يصل إلينا من هذه الكتب سوى كتاب التأويلات المسمى تأويلات أهل النسة، وقد وصل كاملا وله عدة نسخ خطية (١٠) ، وكتاب
стр. 466
التوحيد الذي طبع بتحقيق فتح الله خليف، وقد نسبت إليه كتب أخرى منها: العقيدة - التي شرحها السبكي (١) - وشرح الفقه الأكبر (٢) ،
وقد كانت وفاة الماتريدي سنة ٣٣٣هـ (٣) ،
- منهج الماتريدي وعقيدته:
- لا يبعد الماتريدي كثيرا عن أبي الحسن الأشعري، فهو خصم لدود للمعتزلة، وقد خالفهم في المسائل التي اشتهروا بمخالفة أهل السنة فيها مثل مسائل الصفات، وخلق القرآن، وإنكار الرؤية، والقدرة، وتخليد أهل الكبائر في النار، والشفاعة، وغيرها، وقد ألف في ذلك كتبا مستقلة، ومع ذلك فالماتريدي لم ينطلق في ردوده عليهم من منطلق منهج السلف - رحمهم الله تعالى - وإنما كان متأثرا بمناهج أهل الكلام، ولذلك وافقهم في بعض الأصول الكلامية، والتزم لوازمها فأدى به ذلك إلى بعض المقالات التي لا تتفق مع مذهب السلف، وإنما كان فيها قريبا من مذهب الأشعرية.
стр. 467
ومن المسائل التي تميز بها مذهب الماتريدي:
١- القول بوجوب النظر وإبطال التقليد في مسائل العقيدة ولذلك يقول: "ثبت أن التقليد ليس مما يعذر صاحبه" (١) ، وهذا قريب من مذهب بعض الأشاعرة الذين لا يصححون إيمان المقلد.
٢- ومصادر المعرفة عنده: الأعيان (الحس) ، والخير، والنظر (٢) .
٣- الاستدلال على إثبات الصانع بدليل حدوث الأجسام المبني على عدم خلوها من الأعراض، ومالا يخلو من الحوادث فهو حادث (٣) ، والماتردي لا يقتصر على هذا الدليل، وإنما يذكر أدلة أخرى (٤) ، والعجيب أن الماتريدي يعتز بإجابته أحد شيوخ الاعتزال عن الاعتراض على دليل حدوث الأجسام (٥) .
٤- استدلاله في بعض مسائل العقيدة بالسمع والعقل (٦) .
٥- والماتريدي يثبت الصفات العقلية لله تعالى كالسمع والبصر والقدرة، والإرادة والإحياء والإماتة والرزق، وغيرها من صفات الذات وصفات الفعل ولذلك فهو يقول بأزلية صفات الفعل ومنها صفة التكوين التي قال إنها أزلية، وهي من المسائل الكبار التي تميز بها مذهب الماتريدية عن مذهب الأشعرية، وأصل الخلاف فيها أن الأشاعرة - ومعهم المعتزلة - يقولون: الفعل هو المفعول،
стр. 468
فالتكوين أو الخلق هو عين المكون أو المخلوق، لذلك قالوا بحدوث صفات الفعل لله تعالى مثل الخلق، وأن الله لم يكن خالقا ثم خلق، قالوا: فلو قلنا بقدم صفات الفعل لله تعالى للزم من ذلك قدم المفعول، وهذا يبطل القول بقدم الصانع وحدوث العالم. أما الماتريدية فعندهم أن الفعل غير المفعول، والتكوين غير المكون، ولذلك فهم يقولون بأزلية صفات الفعل لله تعالى من الخلق والإحياء والرزق، وإن كان المفعول منها حادثا، يقول الماتريدي بعد كلام:" والأصل أن الله تعالى إذا أطلق الوصف له، وصف بما يوصف به من الفعل، والعلم، ونحوه، يلزم الوصف به في الأزل، وإذا ذكر معه الذي هو تحت وصفه به من المعلوم، والمقدور عليه، والمراد، والمكون، يذكر فيه أوقات تلك الأشياء لئلا يتوهم قدم تلك الأشياء" (١) ، وأوضح في تفسيره فقال في قوله تعالى: ﴿إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [البقرة: ١١٧] : " ثم الآية ترد على من يقول بان خلق الشيء هو ذلك هو ذلك الشيء نفسه، لأنه قال: " إذا قضي أمرا"، ذكر " قضي "، وذكر " أمرا "، وذكر " كن فيكون "، ولو كان التكوين والمكون واحدا لم يحتج إلى ذكر كن في موضع [العبارة (٢) ] عن التكوين، فالكن تكوينه، فيكون المكون، فيدل أنه غيره، ثم لا يخلو التكوين: إما أن لم يكن فحدث، أو كان في الأزل ...
" (٣) ، ثم رجح أنه موصوف به في الأزل، وأن الشيء يكون في الوقت الذي أراد كونه فيه (٤) ، والماتريدي بنى قوله على الفرار من حلول الحوادث بذاته تعالى الذي يلزم به الأشاعرة حين يقولون بحدوث صفات الفعل لله تعالى (٥) .
стр. 469
٦- والماتريدي من نفاة الصفات الاختيارية لله تعالى تبعا لمنعه حلول الحوادث بذات الله تعالى، ويبني ذلك على مسألة دليل حدوث الأجسام (١) ، وفي مسألة كلام الله قال بأنه أزلي وأنه لا يتجرأ ولا يتبعض وبنى في الرد على الكعبي والمعتزلة - في قولهم بخلق القرآن - على منع حدوث كلام الله، والقول بأنه أزلي (٢) ، أما ما سمعه موسى ﵊ فالله " أسمعه بلسان موسى، وبحروف خلقها، وصوت أنشأه، فهو أسمعه ما ليس بمخلوق" (٣) ، وقد رد شارح الطحاوي - ابن أبي العز - على الماتريدي قوله هذا (٤) ، ويؤول الماتريدي الصفات الفعلية مثل صفة الاستواء فيقول - بعد ذكره الأقوال فيه -: " وجملة ذلك أن إضافة كلية الأشياء إليه، وإضافته عزوجل إليها، يخرج مخرج الوصف له بالعلو والرفعة، ومخرج التعظيم له والجلال ... وإضافة الخاص إليه يخرج مخرج الاختصاص له بالكرامة والمنزل ... [و] الأصل فيه أن الله سبحانه كان ولا مكان، وجائز ارتفاع الأمكنة، وبقاؤه على ما كان، فهو على ما كان، وكان على ما عليه الآن، جل عن التغير والزوال والاستحالة والبطلان، إذ ذلك أمارات الحدث التي بها عرف حدث العالم" (٥) ، وبعد أن يؤصل الماتريدي هذا الأصل يذكر الأقوال في الاستواء من أنه بمعنى الاستيلاء أو العلو والارتفاع، أو التمام، ثم يرجح التفويض لاحتماله أحد هذه المعاني أو غيرها فيقول: " فيجب القول بالرحمن على العرض استوى، على ما جاء به التنزيل، وثبت ذلك في العقل، ثم لا تقطع تأويله على شيء لاحتماله غيره مما ذكره، واحتماله أيضاً ما لم يبلغنا مما يعلم أنه غير محتمل شبه الخلق" (٦) ،
والعجيب أنه يقيس ذلك على مسألة الرؤية.
стр. 470
٧- ينكر الماتريدي أن يكون الله في جهة العلو، ويؤول بعض الأدلة مثل رفع الأيدي إلى السماء تأويلات عجيبة (١) ، ولذلك فهو يثبت الرؤية ويرى أن الاستدلال لها بالسمع وحده، والرؤية عنده تكون بلا مقابلة (٢) .
٨- يقول بأن الله فاعل مختار على الحقيقة، وهو خالق كل شيء، والعبد مختار لما يفعله وهو فاعل كاسب (٣) ، وبعد أن يذكر قولي الجبرية والقدرية يقول: " والعدل هو القول بتحقيق الأمرين" (٤) ، ثم يذكر الفرق في أحوال العبد بين أفعاله الاضطرارية والاختيارية (٥) .
٩- يقسم الماتريدي قدرة العبد واستطاعته إلى قسمين: " أحدهما: سلامة الأسباب وصحة الآلات، وهي تتقدم الأفعال ... والثاني: معنى لا يقدر على تبين حدة الشيء يصار إليه سوى أنه ليس إلى للفعل، لا يجوز وجوده بحال إلى ويقع به الفعل عندما يقع معه (٦) ، والقدرة الثانية هي التي لا تكون إلى مع الفعل - وهذا قول الأشعري - وقد رد الماتريدي على المعتزلة في قولهم " إنها تكون قبل الفعل" (٧) ، ومما سبق يتضح أن كسب الماتريدي يعطي العبد الاختيار، وهذا ما يخالف - قليلا - كسب الأشعري، والماتريدي أيضا يقول بأنه لا يجوز تكليف مالا يطاق (٨) .
١٠- والماتريدي يميل إلى القول بالتحسين والتقبيح العقلي (٩) ، كما يثبت
стр. 471
التعليل والحكمة في أفعال الله تعالى (١) ، وهذان الأمران يخالف فيهما الأشعري.
١١- والإيمان عند الماتريدي هو التصديق، ومحله القلب، ويستدل لذلك بدليل السمع والعقل (٢) ، ويرى التفريق بين التصديق والمعرفة، ويعقد لذلك مسألة مستقلة (٣) ، وهو بهذا يرد على الجهمية القائلين بأن الإيمان هو المعرفة. والماتريدي يرد على القائلين بأن الإيمان قول باللسان (٤) ، كما يرد على الذين يدخلون الأعمال في مسمى الإيمان (٥) ، وعلى ضوء ذلك فالماتريدي يمنع من الاستثناء في الإيمان (٦) .
١٢- ويوافق الماتريدي أهل السنة في حكم مرتكب الكبيرة، ولذلك فهو يرد على المعتزلة والخوارج في ذلك (٧) ، ويقرن ذلك بمسألة الشفاعة، وإنها رد عليهم (٨) .
١٣- وفي موضوع "الإرجاء" المنسوب إلى الحنفية عقد الماتريدي له مسألة مستقلة، ذكر فيها ما ورد من الأقوال فيهـ حيث إن كل طائفة تتهم الأخرى بالإرجاء - كما دافع عما نسب إلى القائلين بعدم دخول الأعمال في مسمى الإيمان من أنهم مرجئة، ويقول: إن تهمة الإرجاء واقعة إما على الجبرية حين أرجت أفعال الخلق إلى الله تعالى ولم تجعل للخلق فيها حقيقة البتة، وإما على من يسميهم بالحشوية حين يستثنون في الإيمان (٩) ، أما مسألة الفرق بين الإيمان والإسلام فيرجع أنهما بمعنى واحد (١٠) .
стр. 472
هذه أهم أقوال وآراء الماتريدي، التي وردت مفصلة في تفسيره وفي كتاب التوحيد، وبالمقارنة بين أقواله وأقوال أبي الحسن الأشعري يتبين أنهما قد اتفقا في بعض المسائل الأصولية مثل إثبات بعض الصفات، ومنع حلول الحوادث، وصحة دليل حدوث الأجسام، والكسب، وغيرها، ومع ذلك فبينهما عدة فروق أهمها:
أ - إن الماتريدي قال: بأزلية صفة التكوين لله تعالى ولم يفرق بين صفات الذات والفعل.
ب - وانه يقول: بأن موسى سمع الصوت المخلوق حين كلمه ربه تعالى.
جـ - وفي مسألة العلو والاستواء، فالماتريدي ينفي العلو ويؤول الاستواء أو يفوضه، بخلاف الأشعري الذي يثبت العلو والاستواء - وإن روي عنه في الإستواء معنى آخر.
د - قال الماتريدي بالتحسين والتقبيح العقلي، والأشعري قال بالشرعي فقط.
هـ- قول الماتريدي بالتحسين بالحكمة والتعليل، بخلاف الأشعري.
و منع الماتريدي تكليف مالا يطاق، بخلاف الأشعري الذي جوزه.
ز - وفي الكسب - مع قوله به كما يقول الأشعري - إلا أنه مال إلى إعطاء العبد حرية في الاختيار، ولذلك فقدرة العبد عنده مؤثرة بخلاف الأشعري.
ح - وفي الإيمان قال إنه التصديق وهذا ما قال به الأشعري، إلا أنه خالفه في دخوله الأعمال في الإيمان وجواز الاستثناء فيه، وهذان منعهما الماتريدي.
ط - أما رؤية الله فقد أثبتها الماتريدي سماعا فقط، أما الأشعري فاستدل مع أدلة السمع بدليلين عقليين، أحدهما الوجود، والآخر أن الله يرى الأشياء.
стр. 473
ثانيا: مقارنة بين الأشعرية والماتريدية:
تكون على إثر الأشعري مذهب الأشعرية، وعلى إثر الماتريدي مذهب الماتريدية ولكل من المذهبين أعلامه ورجاله، وكتبه ومتونه العقيدية، ومع غلبة المذهب الأشعري في العالم الإسلامي وانتشاره، إلا أن المذهب الماتريدي بقي متميزا نوعا ما، ولعل ارتباط كل واحد من المذهبين بمذهب فقهي مخالف للآخر كان له أثر في ذلك (١) .
وليس المقصود هنا متابعة التطور الذي حدث لأحدهما أو كليهما، ولا تفصيل المقارنة بين المذهبين، ولكن يمكن الإشارة بإجمال إلى الملاحظات التالية:
١٤- تبين أنه لم يكن هناك لقاء بين الأشعري والماتريدي، إذ لم يجمعهما مكان ولا حتى منطقة معينة، فالأشعري عاش ومات في العراق، والماتريدي عاش ومات في بلاد ما وراء النهر، كما لم يجمعهما شيخ أو شيوخ تتلمذوا على أيديهم، والسؤال الذي يطرح هنا هو: إذا كان الأمر كذلك فم يفسر التوافق بين الرجلين في المنهج والموقف من المعتزلة وممن يسمونهم بالمشبهة؟ أحد الباحثين أجاب بعد إيراد هذا التساؤل بقوله: " ويمكن تفسير وجوه الشبه بينهما في الآراء بأنه يرجع إلى تشابه منهج كل منهما إلى حد ما في التوسط بين العقل والنقل" (٢) ، وهذا التفسير تحصيل حاصل، لأن السؤال يرد مرة أخرى: لماذا كان منهج كل منهما أدى إلى التوسط بين العقل والنقل؟، الحقيقة أنه ليست هناك إجابة واضحة لهذا التساؤل، وإن كان انتشار المذهب الكلابي في العراق والري وخراسان - كما في قصة ابن خزيمة مع الكلابية - ما يدفع إلى القول باحتمال أن يكون هذا المذهب الذي ظهر فيه تلامذة - تناءت بهم الديار -
стр. 474
قد انتشر أيضا في بلاد ما وراء النهر، خاصة وأن تلك المنطقة كانت كما يقول المقدسي تغص بمختلف الطوائف والفرق (١) ، ولذلك فمن المحتمل أن يكون الماتريدي أو أحد شيوخه قد تلقى هذا المذهب عن بعض أعلام أو أتباع الكلابية.
١٥- تطور المذهب الأشعري - كما سيأتي - وكان تطوره بالقرب من مذهب المعتزلة أو بالالتصاق بالفلسفة أو التصوف، أما المذهب الماتريدي فلم يقع في التطور، بل بقيت أقوال الماتريدي - الذي لم يحدث له تطور كما حدث للأشعري - هي المعتمدة لدى متأخري الماتريدية كأبي المعين النسفي (٢) ، ونجم الدين أبي حفص النسفي (٣) ، ونور الدين الصابوني (٤) ، وابن الهمام (٥) ، وغيرهم، فهؤلاء وإن كان قد يقع لبعضهم مخالفة لمذهب شيخهم، إلا أن الأمر لا يصل إلى مستوى التطور الذي حدث للمذهب الأشعري.
١٦- اهتم العلماء ببيان الفروق بين مذهبي الأشاعرة والماتريدية، وقسموا الفروق أحيانا إلى لفظية ومعنوية (٦) .
стр. 475
١٧- على الرغم من وجود الفروق بين المذهبين إلا أنه قد وقع نوع امتزاج بينهما، ومن أبرز الأمثلة على ذلك:
أ - ما فعله ابن الهمام في كتابه المشهور، "المسايرة" حيث اعتمد على كتاب الرسالة القدسية - وهي المسماة قواعد العقائد التي ألفها الغزالي لأهل القدس، ثم أدخلها ضمن إحياء علوم الدين - وكان هدف ابن الهمام أن يختصر كتاب الغزالي إلا أنه بعد أن بدأ بالكتابة رأي أن يزيد عليه زيادات مهمة، ولم يزل يزيد فيها - كما يقول - "حتى خرج عن القصد الأول، فلم يبق إلا كتابا مستقلا، غير أنه يسايره في تراجمه، وزدت عليها خاتمة ومقدمة " (١) ، ولذلك سمى كتابه المسايرة، فابن الهمام اعتمد على أحد كتب الأشاعرة، وهذا وحده كاف للتدليل على ما كان بين المذهبين من تقارب، لذلك فابن الهمام؛ وإن ذكر قول الأشعرب - بناء على ما في كتاب الغزالي - إلا أنه أعقبه بذكر مذهب الماتريدي، انظر كأمثلة على ذلك مسألة سماع موسى لكلام الله وهل سمع الكلام النفسي أم يستحيل أن يسمع ما ليس بصوت (٢) ، وفي مسألة صفات الأفعال لله، وصفة التكوين، والعجيب في هذه المسألة أن ابن الهمام ذكر قولي الماتريدية والأشعرية، ثمن رجح قول الأشعرية معتمدا على أن مذهب أبي حنيفة وأصحابه الذين ذكر عقيدتهم الطحاوي يخالف ما ذهب إليه الماتريدي ومن جاء بعده (٣) ، وقد تعقب ابن الهمام شارحو كتابه وضعفوا ما رجحه (٤) ،
ومن المسائل التي ذكر الخلاف فيها مسألة التحسين والتقبيح (٥) ، وتكليف ما لا يطاق (٦) ،وغيرها.
стр. 476
ب - لما ألف النسفي - عمر بن محمد - متن العقيدة الذي سمي بالنسفية اعتني يشرحها - من منطلق المذهب الأشعري - بعض الحنفية، ومنهم سعد الدين التفتازاني (١) ، في شرحه المشهور الذي اشتهر ووضعت له حواش عديدة، انظر كمثال على منهجه كلامه حول صفة التكوين (٢) .
جـ - ألف البزدوي (٣) ، كتابا في أصول الدين، حاول فيه أن يجمع بين طريقتي الأشعرية والماتريدية.
د - ومن الأمثلة على تداخل المذهبين أن نور الدين الصابوني الماتريدي رجح - خلافا لشيخ الماتريدية - أن دليل الرؤية الوجود (٤) ، ومن المعلوم أن الماتريدي يحتج للرؤية بالسمع فقط، أما معاصره فخر الدين الرازي - وهو دليل الوجود (٥) ، ثم في الأخير رجح مذهب الماتريدي ونص على ذلك، ذاكرا اسم الماتريدي (٦) .
стр. 477
هذه لمحات في مذهب الماتريدي والماتريدية، وبها يتبين كيف دخل في مذهب الأشاعرة وامتزج به، وهذا ما يفسر إغفال كثير من العلماء - ومنهم شيخ الإسلام ابن تيمية - في كتبهم وردودهم لذكرهم إلا في مسائل معينة اشتهروا بالخلاف فيها (١) .
* * *
стр. 478
المبحث الثالث: نشأة المذهب الأشعري وانتشاره
عرضنا فيما سبق لمذهب ابن كلاب ومدرسته، وتبين أن مذهبهم في الصفات وكلام الله هو مذهب أبي الحسن الأشعري، والأشعري كان أحد تلامذة الكلابية، لذلك فلتحديد نشأة الأشعرية لا ينفك الأمر من حالين:
الحالة الأول: النظر إلى حقيقة المذهب الذي تميز به الأشاعرة عن غيرهم، فهنا لا ترتبط النشأة بأبي الحسن الأشعري، وإنما ترتبط بابن كلاب ومدرسته الكلابية.
الحالة الثانية: النظر إلى التشمية، فلا شك أن التسمية بالأشاعرة أو المذهب الأشعري مرتبطة بأبي الحسن الأشعري وتلامذته من بعده.
ويتضح الفرق بالنسبة لمن كان معاصرا للأشعري وتتلمذ على ابن كلاب أو تلامذته دون الأشعري وتلامذته مع أنه يقول بقول ابن كلاب الذي هو قول الأشعري، فمثل هذا أشعري الاعتقاد لكنه لا ينسب إلا إلى ابن كلاب، وفي خراسان وغيرها من بلاد الإسلام النائية قد توجد مثل هذه النماذج، ولذلك لما عرض شيخ الإسلام ابن تيمية لنشأة المذهب الكلابي في كلام الله ربطه بابن كلاب ومدرسه، فقال: " وكان ... قد نبغ في آواخر عصر أبي عبد الله [أحمد ابن حنبل] من الكلابية ونحوهم؛ أتباع أبي محمد عبد الله بن سعيد ابن كلاب البصري، الذي صنف مصنفات رد فيها على الجهمية والمعتزلة وغيرهم، وهو من متكلمة الصفاتية، وطريقته يميل فيها إلى مذهب أهل الحديث والسنة، لكن فيه نوع من البدع، لكونه أثبت قيام الصفات بذات الله ولم يثبت قيام الأمور الاختيارية بذاته، ولكن له في الرد على الجهمية - نفاة الصفات والعلو - من الدلائل والحجج وبسط القول ما بين به فضله في هذا الباب، وإفساده لمذاهب
стр. 479
نفاة الصفات بأنواع من الأدلة والخطاب، وصار ما ذكره معونة ونصيرا وتخليصا من شبههم لكثير من أولي الألباب، حتى صار قدوة وإماما لمن جاء بعده من هذا الصنف الذين أثبتوا الصفات، وناقضوا نفاتها، وإن كانوا قد شاركوهم في بعض أصولهما الفاسدة، التي أوجبت فساد بعض ما قالوه من جهة المعقول ومخالفته لسنة الرسول ".
" وكان ممن اتبعه الحارث المحاسبي وأبو العباس القلانسي، ثم أبو الحسن الأشعري، وأبو الحسن بن مهدي الطبري، وأبو العباس الصبغي، وأبو سليمان الدمشقي، وأبو حاتم البستي، وغير هؤلاء، المثبتين للصفات المنتسبين إلى السنة والحديث، المتلقبين بنظار أهل الحديث ".
" وسلك طريقة ابن كلاب - في الفرق بين الصفات اللازمة كالحياة، والصفات الاختيارية، وإن الرب يقوم به الأول دون الثاني - كثير من المتأخرين، من أصحاب مالك، والشافعي، وأحمد، كالتيميين أبي الحسن التيمي، وابنه أبي الفضل التيمي، وابن ابنه رزق الله التيمي، وعلى عقيدة الفضل التي ذكر أنها عقيدة أحمد اعتمد أبو بكر البيهقي فيما ذكره من مناقب أحمد بن الاعتقاد".
" وكذلك سلك طريقة ابن كلاب هذه أبو الحسن بن سالم وأتباعه " السالمية" والقاضي أبو يعلي وأتباعه كابن عقيل وأبي الحسن بن الزاغوني، وهي طريقة أبي المعالي الجويني، وأبي الوليد الباجي، والقاضي أبي بكر بن العربي، وغيرهم، لكنهم افترقوا في القرآن، وفي بعض المسائل على قولين - بعد اشتراكهم في الفرق الذي قرره ابن كلاب -" (١) .
فالأصل الذي قرره ابن كلاب قال به هؤلاء كلهم، وفيه الأشاعرة وغيرهم ممن لا ينسب إليهم كالسالمية وبعض الحنابلة.
ومع مرور الزمن بدأت تنقرض النسبة إلى ابن كلاب لتحل محلها النسبة
стр. 480
إلى الأشعري، والسؤال الذي يطرح هنا هو: إذا كان قول ابن كلاب هو الأصل فلماذا لم ينسب إليه مذهب الأشاعرة وإنما نسب إلى أبي الحسن الأشعري؟
ويمكن الجواب عن هذا السؤال من خلال الأمور التالية:
١- إن أبا الحسن الأشعري لم يكن صورة طبق الأصل لابن كلاب ومدرسته، وأتباعه له في أصل معين لا يعني أنه في جميع آرائه وأقواله كان متابعا له، فمثلا مع أن الأشعري قال بنفي حلول الحوادث بذات الله وهو ما يسمى بالصفات الاختيارية القائمة بالله، وهذا هو الأصل الذي قال به ابن كلاب ومدرسته، إلا أن الأشعري خالف ابن كلاب في جوانب من مسألة الكلام التي هي أهم المسائل، فإنه قال بأزلية الأمر والنهي، أما ابن كلاب فقال بحدوث ذلك، وعدم التطابق بين آراء الرجلين له دلالته في تحديد نسبة المذهب إلى أحدهما، خاصة وأن مسألة الكلام من أهم المسائل التي تميز المذهب الأشعري لأن غيرها من المسائل قد شارك غير الأشاعرة القول فيها.
٢- إن ابن كلاب جاء في وقت محنة أهل السنة من جانب المعتزلة، ولما زالت المحنة برز في مجتمع الإسلام كعلم من أعلام أهل السنة الإمام أحمد ابن حنبل، أما بان كلاب ومن اتبعه فردودهم على المعتزلة والجهمية وإن كانت قوية إلا أنهم شابوها بشيء من البدع، فإذا أضيف إلى ذلك تحذير أئمة أهل السنة كالإمام أحمد وغيره من هؤلاء، فلا شك أن قدرة ابن كلاب في التأثير على الناس ستكون محصورة في نطاق معين لا تتعداه، وهذا ما حدث (١) .
أما أبو الحسن الأشعري فقد جاء بعد هدوء العاصفة، وركون الناس إلى أن مذهب أهل السنة هو الغالب المسيطر، لذلك لما قام الأشعري في الرد على المعتزلة كانت الأوضاع مهيأة لاشتهاره وتبني مجموعة من الأعلام لمذهبه.
стр. 481
٣- من الأمور المهمة قصة انتقال الأشعري عن الاعتزال إلى مذهب السلف فمن المعلوم أنه قد بلغ مكانة ومنزلة في مذهب المعتزلة حتى صار صنوا لأحد أعلامها، ينوب عنه في الدروس والمناقشات الاعتزالية، وحتى صار يؤلف الكتب لدعم مذهبهم، وهي كتب صارت معتمدة في مذهبهم حتى قال الأشعري عن أحدها بعد بعد أن نقضه ورد عليه: " إنه لم يؤلف لهم كتاب مثله" (١) ، وفي ظل هذه الأوضاع التي تنبي عن وجود نهضة اعتزالية - تعيد إليها سابق عزها - إذا بالعالم الإسلامي يفاجأ بهذا القرار الخطير يتخذه أشهر أعلام المعتزلة معلنا رجوعه التام عن جميع أقوال المعتزلة، ويتبع ذلك بكشف ضلالاتهم، والرد عليهم بأسلوب كلامي قوي يوازي ما عند المعتزلة من قدرة وأساليب.
والمفاجأة إذا وقعت بهذا المستوى ينسي الناس معها تفاصيل الأمور، من مثل أن الأشعري لم يكن رجوعه إلى مذهب السلف كاملا، وأن لديه بعض البقايا من أصول المعتزلة - وتنحصر القضية في رد العدو الأكبر " المعتزلة " ولا شك أن الرد عليهم وكشف ضلالاتهم في ذلك الوقت جهاد وأي جهاد، يقول ابن عساكر - فيما رواه عن ابن عذرة - في قصة رجوع الأشعري وصعوده المنبر وإعلان ذلك على الملأ: " ودفع الكتب إلى الناس فمنها كتاب اللمع وكتاب أظهر فيها عوار المعتزلة سماه بكتاب " كشف الأسرار وهتك الأستار " وغيرها، فلما قرأ تلك الكتب أهل الحديث والفقه من أهل السنة والجماعة أخذوا بما فيها، وانتحلوه، واعتقدوا تقدمه، واتخذوه إماما، حتى نسب مذهبهم إليه، قال لي أبو بكر - أي ابن عذرة - فصار عند المعتزلة ككتابي أسلم وأظهر عوار ما تركه فهو أعدي الخلق إلى أهل الذمة، وكذلك الأشعري أعدي الخلق إلى المعتزلة، فهم يشنعون عليه من الأشانيع ونيسبون إليه الأباطيل" (٢) .
٤- ومن أسباب نسبة المذهب إلى الأشعري كثرة مؤلفاته، ورسائله، فمؤلفاته قد تزيد على ثلاثمائة كتاب، كما أن الأسئلة كانت تأتيه من الآفاق ويكتب
стр. 482
في ذلك رسائل مختلفة، وسرعان ما تشتهر وتنتشر بين الناس، وهذا بخلاف ابن كلاب الذي كانت مؤلفاته قليلة، ولم تكن تلقى قبولا بسبب موقف أئمة أهل السنة منه، بل وصل الأمر إلى أن يتستر الكلابية بما عندهم كما حدث لتلامذة ابن خزيمة الموافقين لابن كلاب، لم يستطيعوا أن يظهروا ما عندهم فضلا عن أن ينشروه أو يدرسوه.
٥- وأخيرا يأتي دور تلاميذ الأشعري، ومن جاء بعدهم من تلامذتهم في ترسيخ نسبة المذهب إليه في دروسهم وكتبهم، إضافة إلى دورهم في نشره والدفاع عنه، يقول القاضي عياض عن الأشعري: " فلما كثرت تواليفه، وانتفع بقوله، وظهر لأهل الحديث والفقه ذبه عن السنن والدين، تعلق بكتبه أهل السنة وأخذوا عنه، وتفقهوا في طريقه (١) ، وكثر طلبته وأتباعه لتعلم تلك الطرق في الذب عن السنة، وبسط الحجج والأدلة في نصر الملة، فسموا باسمه، وتلاهم أتباعهم وطلبتهم فعرفوا بذلك، وإنما كانوا يعرفون قبل ذلك بالمثبتة، سمة عرفتهم بها المعتزلة؛ إذا أثبتوا من السنة والشرع ما نفوه، فبهذه السمة أولا كان يصرف أئمة الذب عن السنة من أهل الحديث كالمحاسبي، وابن كلاب، وعبد العزيز بن عبد الملك المكي، والكراسي، إلا أن جاء أبو الحسن، وأشهر نفسه، فنسب طلبته والمتفقهة عليه في علمه ونسبه، كما نسب أصحاب الشافعي إلى نسبة وأصحاب مالك وأبي حنيفة وغيرهم من الأئمة إلى أسماء أئمتهم الذين فكذلك أبو الحسن، وتفقهوا بطرقهم في الشريعة، - وهم لم يحدثوا فيها ما ليس منها - فكذلك أبو الحسن، فأهل السنة من أهل المشرق والمغرب بحججه يحتجون، وعلى منهاجه يذهبون، وقد أثني عليه غير واحد منهم، وأثنوا على مذهبه وطريقة (٢) .
- أسباب انتشار المذهب الأشعري:
لاشك أن مذهب الأشاعرة انتشر في أنحاء العالم الإسلامي، حتى كاد يستقر في بعض الأزمنة أن مذهبهم هو مذهب أهل السنة والجماعة، ومع
стр. 483
أن هناك مواقف لكثير من العلماء من المذهب الأشعري إلا أن هذه المواقف كثيرا ما تأخذ شكل صراع مذهبي تنتقل بسببه القضية إلى إطار آخر، ومن ثم يكثر الخصام وتتعدد الاتهامات، ويحمل كل فريق على الآخر، ثم قد يصاحب البعض الهوي والتعصب المذهبي، فيزاد في الكلام وينقص، ويحمل على غير محامله، ويسيء كل طرف الظن بالطرف الآخر، ولذلك قلما تنتهي مناقشة من هذه المناقشات إلى اتفاق على رأي واحد يكون مبنيا على أسس سلمية من مذهب ومنهج أهل السنة والجماعة حيث يدعي الطرفان أنهم لا يخالفونه.
وهذا تفسير لما حدث، وإلا فالواجب أن يكون رائد كل مسلم الوصول إلى الحق بالأدلة الصحيحة. ومذهب أهل السنة والجماعة إنما هو ما كان عليه رسول الله ﷺ وأصحابه والتابعون لهم بإحسان، ومن ثم فعلى كل عالم أن لا يجعل الانتساب إلى طائفة أو جماعة - غير أهل السنة - شعارا له يفاصل عليه ويوالي ويعادي من أجله.
وقد يقول قائل: إذا كان مذهب الأشاعرة فيه ما فيه من هنات وعليه ما عليه من ملاحظات فلماذا انتشر في العالم الإسلامي؟ ولماذا تبناه جمهرة من جلة العلماء من أهل الفقه والحديث؟ يجيب على ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية من وجوه:
" أحدهما: كثرة الحق الذي يقولونه، وظهور الإثارة النبوية عندهم.
الثاني: لبسهم ذلك بمقاييس عقلية، بعضها موروث عن الصابئة، وبعضها مما ابتدع في الإسلام، واستيلاء ما في ذلك من الشبهات عليهم، وظنهم أنه لم يمكن التمسك بالإثارة النبوية من أهل العقل والعلم إلا على هذا الوجه.
الثالث: ضعف الإثارة النبوية الدافعة لهذه الشبهات، والموضحة لسبيل الهدي عندهم.
стр. 484
الرابع: العجز والتفريط الواقع في المنتسبين إلى السنة والحديث، تارة يروون مالا يعلمون صحته، وتارة يكونون كالأميين الذين لا يعلمون الكتاب إلا أماني، ويعرضون عن بيان دلالة الكتاب والسنة على حقائق الأمور" (١) .
أما أهم أسباب انتشار مذهب الأشاعرة في العالم الإسلامي فيمكن تلخيصها في الأمور التالية:
١- أفول نجم المعتزلة، مع ظهور المذهب الأشعري كخصم لمذهبهم (٢) .
٢- نشأة المذهب في حاضرة الخلافة العباسية " بغداد "، ولا شك أن أنظار الناس في شتى الأقطار تتجه في الغالب إلى دار الخلافة، ففيها الفقهاء والمحدثون والمقرئون، كما أنها من أهم البلدان التي يرحل إليها العلماء ليسمعوا الروايات أو يحدثوا فيها بمروياتهم، فلما نشأ المذهب الأشعري في بغداد وهي على هذه الحالة كثر المتلقون لهذا المذهب، الناقلون له إلى كل مكان، وهذا - مثلا - بخلاف مذهب الماتريدي الذي نشأ في زمن الأشعري لكنه كان في بلاد ما وراء النهر فلم ينتشر كانتشار المذهب الأشعري (٣) .
٣- تبني بعض الأمراء والوزراء لمذهب الأشاعرة واحتضان رجالهم له، ومن أبرز هؤلاء:
- الوزير نظام الملك (٤) ، الذي تولى الوزارة لسلاطين السلاجقة، فتولى الوزارة لالب أرسلان وملكشاة مدة ثلاثين سنة، من سنة ٤٥٥-٤٨٥هـ،
стр. 485
والسلاجقة جاءوا على أثر البويهيين الشيعة الذين كانوا يوالون الدولة الفاطمية الباطنية، ولما استولى السلاجقة على بغداد وقضوا عليهم سنة ٤٤٧هـ لم تمض سنوات قليلة حتى حدثت فتنة البساسيري - أحد القواد الأتراك الموالين لبني بويه - وكان ذلك سنة ٤٥٠ هـ، وكان من آثارها أن احتل بغداد وأعلن الخطبة للخليفة المستنصر بالله العلوي العبيدي، وأمر بأن يؤذن بحي على خير العمل، وعزل الخليفة العباسي القائم بأمر الله وكتب عليه عهدا أن لا حق له في الخلافة ولا لبني العباس وأرسل العهد إلى الخليفة الفاطمي في القاهرة، وقد استمرت فتنة البسايري سنة كاملة حتى قضي عليها السلاجقة وأعيد الخليفة العباسي. لذلك جاءت دولة السلاجقة لتنصر أهل السنة ضد أهل الرفض والبدعة، والوزير نظام الملك من اعظم وزرائهم أثرا وخطرا وكانت له جهود عظيمة في حرب الحركات الباطنية والإسماعلية وتحدث عنها طويلا في كتابه المشهور سياست تامة أو سير الملوك (١) ،
ومن أهم آثاره المدارس النظامية التي أنشئت في مدن عديدة منها: البصرة، أصفهان، وبلخ، وهراة، ومرو، والموصل، وأهمها وأكبرها المدرسة النظامية في نيسابور وفي بغداد، وقد جعلهما مع أوقافهما وقفا على أصحاب الشافعي أصلا وفرعا (٢) ، وكان نظام الملك معظما للصوفية وللقشيري والجويني وغيرهما من أعلام الأشعرية، وقد كان هؤلاء يلقون دروسهم في هذه المدارس على المذهب الشافعي، ويدرسون أصول العقيدة الأشعرية، فكان لذلك دور عظيم في نشرها (٣) .
- المهدي بن تومرت، مهدي الموحدين، توفي سنة ٥٢٤ هـ، فقد دعا إلى المذهب الأشعري وتبناه وكان له دور عظيم في نشره (٤) .
стр. 486
ج-- نور الدين محمود بن زنكي، الذي جاهد الصلبيين، وقد ولد سنة ٥١١ هـ وتوفي سنة ٥٦٩هـ (١) ، وكان من آثاره أنه بنى أكبر دار للحديث في دمشق ووكل مشيختها إلى ابن عساكر صاحب " تبيين كذب المفتري" (٢) ، كذلك أنشأ في حلب سنة ٥٤٤هـ المدرسة النفرية النورية، وكانت للشافعية، وتولى التدريس فيها قطب الدين مسعود بن محمد النيسابوري (٣) ، وكان أحد أساتذة المدرسة النظامية في نيسابور، وكان أحد أعلام أهل الكلام على المذهب الأشعري، وفي عهد نور الدين بدأت صلة قطب الدين مسعود بصلاح الدين الأيوبي، وتوثقت فيما بعد - كما سيأتي -.
ولا شك أن لهذه المدارس، والمدارس النظامية (٤) ، متمثلة بأولئك العلماء الذين درسوا فيها أثرا عظيما في مقاومة التيار الباطني الإسماعيلي، ومعلوم أن من أعظم آثار نور الدين وصلاح الدين القضاء على الدولة الفاطمية الباطنية في مصر، حيث حلت محلها دولة سنية حكمها صلاح الدين الأيوبي نائبا لنور الدين ثم مستقلا بعد وفاته ﵏.
د- صلاح الدين الأيوبي: يقول المقريزي: " وأما العقائد فإن السلطان صلاح الدين حمل الكافة على عقيدة أبي الحسن علي بن إسماعيل الأشعري تلميذ أبي علي الجبائي، وشرط ذلك في أوقافه التي بديار مصر كالمدرسة الناصرية بجوار قبر الإمام الشافعي من القرافة، والمدرسة الناصرية التي عرفت بالشريفية" (٥) ،ثم يقول عن المذهب الأشعري: " فلما ملك السلطان الملك الناصر صلاح
стр. 487
الدين يوسف بن أيوب ديار مصر كان هو وقاضيه صدر الدين عبد الملك بن عيسى بن درباس الماراني (١) ، على هذا المذهب قد نشأ عليه منذ كانا في خدمة السلطان الملك العادل نور الدين محمود بن زنكي بدمشق، وحفظ صلاح الدين في صباه عقيدة ألفها له قطب الدين أبو المعالي مسعود بن محمد بن مسعود النيسابوري، وصار يحفظها صغار أولاده، فلذلك عقدوا الخناصر وشدوا البنان على مذهب الأشعري، وحملوا في أيام دولتهم كافة الناس على التزامه، فتمادى الحال على ذلك جميع أيام الملوك من بني أيوب، ثم في أيام مواليهم الملوك من الأتراك (٢) ، وإذا كان قطب الدين مسعود قد ألف لصلاح الدين عقيدة (٣) ، فإن الفخر الرازي قد ألف كتابه المشهور " أساس التقديس " - الذي نقضه شيخ الإسلام ابن تيمية- للملك العادل محمد بن أيوب بن شادي أخو صلاح الدين. المتوفى سنة ٦١٥ هـ (٤) ،
أما ابنه الأشرف بن العادل فقد مال إلى الحنابلة وأهل السنة في العقيدة، وجرت بينه وبي العز بن عبد السلام- وهو أشعري - مناقشة ومحنة طويلة (٥) .
٤- ومن أسباب انتشار المذهب الأشعري أن جمهرة من العلماء اعتمدوه ونصروه، وخاصة فقهاء الشافعية والمالكية المتأخيرن (٦) ، والأعلام الذين تبنوه: الباقلاني، وابن فورك، والبيهقي، والإسفراييني، والشيرازي،
стр. 488
والجويني، والقشيري، والبغدادي، والغزالي، والرازي، والآمدي، والعز ابن عبد السلام، وبدر الدين ابن جماعة، والسبكي، وغيرهم كثير، ولم يكن هؤلاء أشاعرة فقط، بل كانوا مؤلفين ودعاة إلى هذا المذهب، ولذلك ألفوا الكتب العديدة، وتخرج على أيديهم عدد كبير من التلاميذ.
كما انتشر في أنحاء عديدة بواسطة هؤلاء، ففي الحجاز انتقل إليه المذهب الأشعري بواسطة أبي ذر الهروي (١) ، كما انتقل عن طريقه إلى المغرب عن طريق المغاربة الذين كانوا يأتون إلى الحج، وكان ممن له أثر في نشره في المغرب بين المالكية أبو بكر الأبهري، والباقلاني وتلامذته (٢) ، والباجي وابن العربي (٣) ، وغيرهم، كما دافع كل من ابن أبي زيد القيرواني، وأبي الحسن القابس عن الأشعري (٤) .
ويذكر المقريزي أنه قد انتشر في العراق نحو سنة ٣٨٠هـ وانتقل منه إلى الشام (٥) ، وممن انتشر على يديه في الشام أبو الحسن عبد العزيز بن محمد الطبري المعروف بالدمل (٦) .
وفي العصور المتأخرة كان لتبني كثير من دور العلم والجامعات عقيدة ومذهب الأشاعرة دور في نشره، ومن أهمها الجامع الأزهر في مصر مع ماله من مكانة علمية في العالم الإسلامي.
стр. 489
هذه أهم أسباب انتشار المذهب الأشعري، وهي تدل على مدى تغلغل هذا المذهب بين الناس، وإن كانت الجمهرة الغالبة للمسلمين تؤمن بهذا الدين وعقيدته بإجمال وتعظم السلف ومنهجهم، لأنه لا تعرف المداخل الكلامية والقضايا العقلية التي يعتمدها أهل الكلام.
стр. 490
المبحث الرابع: عقيدة الأشعرية
بعد عرض نشأة الأشعرية، وأسلاف الأشاعرة، وأسباب انتشار مذهبهم، لابد لاستكمال الموضوع من عرض عقيدة الأشاعرة، ولما كان المذهب الأشعري قد مر بعدة أطوار حتى في حياة مؤسسة فضلا عن التطورات الأخرى الكبيرة التي مر بها هذا المذهب عبر القرون، فإن هناك صعوبة في تحديد العقيدة الأشعرية والصعوبة تأتي من خلال مايلي:
١- هل المعتبر في تحديد المذهب ما يقوله مؤسسة فقط، أم لابد أن يدخل في ذلك ما قاله الأتباع؟ وفي مذهب الأشاعرة كثيرا ما يعرض المتأخرون مذهب الأشاعرة كما طوروه، ثم إذا رد عليهم أو هوجموا ورموا بالابتداع رجعوا يحتجون بأقوال شيخهم الأشعري التي تخالف في كثير منها أقوالهم ومنهجهم.
٢- هل المعتبر في المذهب: الأقوال أو الأشخاص؟ أي أن أحد الأعلام إذا عرف عنه أنه أحد أئمة الأشاعرة المنافحين عن مذهبهم، هل تصبح جميع أقواله في إطار التزامه لأصول المذهب مذهبا وعقيدة أشعرية؟ أم أن المعتبر الأقوال الموافقة للمذهب الأشعري فقط؟ وإذا كان فما المقياس في تحديد هذه الأقوال؟ ومن الأمثلة على ذلك أن الفخر الرازي يعتبر من أهم أعلام وأئمة الأشعرية وله في ذلك جهود ومؤلفات كبرى، ومع ذلك فقد دخل في الفلسفة وألف فيها أحيانا كتبا مستقلة، ففي هذه الحالة هل يؤخذ الرازي وكتبه على أنه أشعري أراد موج عقيدة الأشاعرة بالفلسفة، أو تفصل الفلسفة عنده عن العقيدة الأشعرية وتعتمد أقواله الموافقة لها فقط؟
٣- الرجوع عن المذهب، كثيرا ما وقع لأعلام الأشاعرة، ومع انتشار الكتب التي تمثل المرحلتين لعلم ما، تصبح نسبة الأقوال إليه غير مستقرة على
стр. 491
وضع معين، فالأشعري نفسه هل تعرض أقواله من خلال الإبانة فقط، وما عداها لا قيمة له لأن المفترض أن يكون قد رجع عنه، أو لابد من اعتماد كتبه الأخرى التي شاعت وتلقفها الناس واعتمدوها ... وهكذا بقية أعلامن الأشاعرة.
٤- التطور الذي وقع في المذهب الأشعري - كما سبق - هل يعتبر الطور الأول أو الثاني أو الثالث، إذا قيل يعتمد ما استقر عليه مذهب الأشاعرة، فما المصدر في ذلك؟
هذه أهم الصعوبات في تحديد عقيدة الأشعرية، ومن ثم فقد ترجح أن يكون العرض لها كما يلي:
أ - بالنسبة للأشعري، فقد سبق عرض عقيدته عند ترجمته، وأبرز سمات عقيدته:
١- إثبات أن الله موجود واحد، أزلي، وأن العالم حادث.
٢- إثبات صفات الله تعالى، دون تفريق بين الخبرية والعقلية، ومن ذلك إثبات صفات السمع والبصر، والحياة، والإرادة، والكلام، والقدرة، والعلم، واليدين والوجه، والعين، والاستواء والنزول، والعلو والمجيء، وغيرها مما هو ثابت في الكتاب أو السنة.
٣- أما الصفات الإختيارية فلا يثبتها صفات قائمة بالله تتعلق بمشيئته واختياره، بل إما أن يؤولها أو يثبتها أزلية وذلك خوفا من حلول الحوادث بذات الله.
٤- الإيمان بكلام الله، وأن القرآن كلام الله غير مخلوق، لكن الكلام -عنده - أزلي، لا يتعلق بمشيئته وإرادته.
٥- إثبات الرؤية، وأن المؤمنين يرون ربهم يوم القيامة.
٦- الإيمان بالقدر، مع القول بالكسب، وأن الاستطاعة لا تكون إلا مع الفعل.
стр. 492
٧- الإيمان قول وعمل يزيد وينقص، ومرتكب الكبيرة مؤمن فاسق.
٨- وفي الإمامة، والصحابة، وأمور المعاد، وغيرها يقول كما قال أهل السنة.
ب - أما بالنسبة لعقيدة الأشاعرة بعد الأشعري فلا يتم هذا إلا بعد عرض التطور الذي حدث لمذهبهم، وهذا ما سيتم توضيحه في الفصل التالي - إن شاء الله -.
стр. 493
الفصل الخامس: تطور مذهب الأشاعرة وأشهر رجالهم إلى عهد ابن تيمية
стр. 494
الفصل الخامس: تطور مذهب الأشاعرة
من الأمور المسملة لدى الأشاعرة وغيرهم أن أقوال الأشاعرة تعددت واختلفت في مسائل عديدة من مسائل العقيدة، وكل علم من أعلامهم حوت مؤلفاته ورسائله آراء توصل إليها إما باجتهاده أو تقليدا لأحد أعلام عصره أو مدرسته ممن تلقى على يديه العلوم والمعارف، فأصبح ذا منهج مستقل، ثم قد يرجع عن بعض أقواله في مؤلف أومؤلفات أخرى فتكثر الأقوال وتتعدد المناهج.
ويعتبر الأشاعرة مثل هذا الاختلاف أو التعدد في الأقوال اجتهادا داخل المذهب لا يؤثر عليه، ويجددون التفسير المناسب لمثل لذلك، فيقولون مثلا في بعض الصفات الخبرية، قال قدماء أصحابنا أو شيوخنا بإثباتها مع التفويض ونفي التشبيه، ثمن يذكرون القول الثاني بالتأويل تنزيها لله عن مشابهة المخلوقات، والقولان - عندهم - صحيحان ولا تعارض بينهما، والعجيب أن يتلقى الأشاعرة بعضهم عن بعض مثل هذا، لا يتوقفون عنده، ولا يثيرهم ما فيه من تناقض.
والحق أن التطور في المذهب الأشعري لم يكن في مسألة من المسائل بحيث لا يؤبه له، ولا يلفت النظر، بل كان تطورا في الأصول والمناهج، ويتعدى ذلك إلى مسائل عديدة في العقيدة، وقد كان أبرز مظاهر التطور في المذهب الأشعري ما يلي:
أ - القرب من أهل الكلام والاعتزال.
ب - الدخول في التصوف، والتصاق المذهب الأشعري به.
ج-- الدخول في الفلسفة، وجعلها جزءا من المذهب.
стр. 495
هذه أهم الخطوط العامة لما وقع من التطور فيه، وقد تكون هناك تطورات جزئية، لكنها تدخل ضمن أحد هذه الأمور، وهناك بعض الظواهر في المذهب الأشعري قد تلفت نظر المطلع، وذلك مثل ظاهرة ارتباط المذهب الشافعي الفقهي بالمذهب الأشعري، ومثله المالكي، ولكن هذه لا تعدو أن تكون دعوى يدعيها بعض المتحمسين للمذهب الأشعري، وأقرب الأمثلة على ذلك السبكي في طبقات الشافعية، فقد حاول أن يجعل من كتابه هذا ما يمكن أن يسمي بطبقات الأشعرية، ويلاحظ ذلك من يطلع على التراجم في هذا الكتاب وأسلوبه في عرض كل ترجمة، ولا شك أن المدارس النظامية وبعض أعلام الشافعية كان لهم أثر فيما يلمس من تبني جمهرة كبيرة من فقهاء الشافعية للمذهب الأشعري، ولكن ليس بهذه الصورة التي يدعيها هؤلاء، كما أنه ليس كل الحنابلة مثبتة على وفق مذهب السلف، بل فيهم أعداد مالت إلى مذهب الأشاعرة أو إلى ما هو أشد غلوا منه.
والجزم في مثل هذه الأمور - التي لا يمكن أن يحصر من لهم علاقة بها من الأعلام، على مختلف الأزمنة والأمكنة- نوع من المجازفة يأباها النظر الفاحص والتتبع الدقيق، ومع ذلك فظاهرة تبني بعض أعلام الشافعية للمذهب الأشعري مما لا ينكر.
وقد يرد في الذهن تساؤل عن أسباب حدوث هذا التطور في مذهب الأشاعرة، وهل كان المذهب يحمل في داخله دواعي مثل ذلك؟ ثم لماذا كان التطور في هذه الاتجاهات المنحرفة ولم يكن في الرجوع إلى مذهب السلف، والتخلي عن البقايا الكلامية والاعتزالية؟.
لعل في عرض النقاط التالية شيئا من التحليل والتعليل، والأمر قبل كل شيء بيد الله تعالى، فهو الذي يصرف قلوب عباده كما يشاء، ولو شاء لجمعهم على الهدى:
١- إن الانحراف يبدأ في الغالب صغيرا، ثم يكبر، والمتتبع لأغلب المقالات، يجدها تبدأ صغيرة ثم يزداد انحرافها وغلوها مع الزمن، والمذهب الأشعري لما أن حوى منذ البداية انحرافا معينا سواء كان بالدخول في علم الكلام، أو تبني بعض آراء المعتزلة - وهذا كله مما يخالف مذهب السلف ومنهجهم -