← Акыда

Акыда · id 12766

موقف ابن تيمية من الأشاعرة

عبد الرحمن بن صالح المحمود

Полный текст (1 361 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.

стр. 421

مع القدرة علم المكتسب وإرادته، وكما هو واضح لا علاقة لهما بالقدرة هل هي مؤثرة أو لا، يوضح ذلك قول الأشعري في اللمع:"فإن قال: فهل اكتسب الانسان الشيء على حقيقته كفرا باطلا وإيمانا حسنا؟ قيل له: هذا خطأ، وإنما معنى اكتسب الكفر أنه كفر بقوة محدثة وكذلك قولنا اكتسب الإيمان إنما معناه أنه آمن بقوة محدثة من غير أن يكون اكتسب الشي على حقيقته بل الذى فعله علي حقيقته هو رب العالمين" (١) . - تكليف مالا يطاق: صرح الأشعري بجواز تكليف مالا يطاق (٢) ، ويستدل لذلك بعدة أدلة منها قصة أبي لهب ونزول السورة فيه، يقول: " ويقال لهم قد قال الله ﵎: ﴿تبت يدا أبي لهب وتب. ما أغنى عنه ماله ومما كسب. سيصلى نارا ذات لهب﴾ [المسد:١- ٣] وأمره مع ذلك بالإيمان، فأوجب عليه أن يعلم أنه لا يؤمن، وأن الله صادق في إخباره عنه أنه لا يؤمن، وأمره مع ذلك أن يؤمن ولا يجتمع الايمان والعلم بأنه لا يكون ولا يقدر القادر على أن يؤمن وانه يعلم أنه لا يؤمن، وإذا كان هذا هكذا فقد أمر الله سبحانه أبا لهب بما لا يقدر عليه لأنه أمره أن يؤمن وأنه يعلم أنه لا يؤمن" (٣) ، والأشعري يفرق بين عدم الاستطاعة للعجز عن الشيء وعدم الاستطاعة للاشتغال بضده، فيقول:"فإن قال قائل: أليس قد كلف الله تعالى الكافر الإيمان؟ قلنا له: نعم، قال: فيستطيع الإيمان، قيل له: لو استطاعه لآمن، فإن قال: فكلفه مالا يستطيع؟ قيل له: هذا كلام على أمرين: إن أردت بقولك: إنه لا يستطيع الإيمان لعجزه عنه فلا، وان أردت أنه لا يستطيعه لتركه والاشتغال بضده فنعم" (٤) ، وهذا تفصيل جيد يزيل الإشكالات الواردة حول تكليف مالا يطاق.

стр. 422

- إنكار التعليل: يصرح الأشعري بنفي التعليل في أفعال اللهـ خلافا لأهل السنة الذين يقولون بهـ ويقول:"وأجمعوا على أنه غير محتاج إلى شيء مما خلق، وأنه يضل من يشاء ويهدي من يشاء، وينعم على من يشاء ويعز من يشاء، ويغفر لمن يشاء، ويغني من يشاء، وانه لا يسأل في شيء من ذلك عما يفعل، ولا لأفعاله علل، لأنه مالك غير مملوك، ولا مأمور ولا منهي، وانه يفعل ما يشاء" (١) ، ولذلك يتأول الآية الواردة في ذلك وهي قوله تعالى: ﴿وما خلقت الجن والأنس إلا ليعبدون﴾ [الذاريات:٥٦] بأن المقصود: أنه أراد بعض الجن والإنس وهم العابدون لله منهم" (٢) ، أى انه عني المؤمنين دون الكافرين (٣) . والآية نص في إثبات حكمة الله في خلق الجن والانس، وانه خلقهم للعبادة فهي نص في إثبات التعليل، وقول الأشعري ضعيف كما سيأتي. - التحسين والتقبيح: قال بالتحسين والتقبيح الشرعي فقط، يقول عن أهل السنة:"وأجمعوا على أن القبيح من أفعال خلقه كلها مانهاهم عنه وزجرهم عن فعله، وأن الحسن ما أمرهم به أو ندبهم إلى فعله وأباحه لهم، وقد دل الله على ذلك بقوله: ﴿وما أتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا﴾ [الحشر: ٧] " (٤) . ولا يقبح من الله شيء،"فلا يقبح منه أن يعذب المؤمنين ويدخل الكافرين الجنان، وانما نقول: انه لا يفعل ذلك لأنه أخبرنا أنه يعاقب الكافرين وهو لا يجوز عليه الكذب في خبره" (٥) ،ويعلل ذلك بأن الله هو المالك القاهر وانه لا آمر

стр. 423

فوقه، يقول:" والدليل على أن كل مافعله فله فعله أنه المالك القاهر الذي ليس بمملوك ولا فوقه مبيح ولا آمر ولا زاجر ولا حاظر ولا من رسم له الرسوم وحد له الحدود، فإذا كان هذا هكذا لم يقبح منه شيء إذ (١) كان الشيء انما يقبح منا لأنا تجاوزنا ماحد ورسم لنا، وأتينا مالم نملك إتيانه، فلما لم يكن الباري مملكا ولا تحت آمر لم يقبح منه شيء، فإن قال: فإنما يقبح الكذب لأنه قبحه؟ قيل له: أجل، ولو حسنه لكان حسنا ولو أمر به لم يكن عليه اعتراض (٢) ، ومذهب الأشعري هذا يأتي في الطرف المقابل لمذهب المعتزلة الذين قالوا بالتحسين والتقبيح العقلي، والحق مذهب السلف وهو التفصيل. و قوله في الإيمان: صرح في الإبانة " أن الإيمان قول وعمل يزيد وينقص" (٣) ، وفصل ذلك في الرسالة فقال:"وأجمعوا على أن الايمان يزيد يالطاعة وينقص بالمعصية، وليس نقصانه عندنا شكا فيما أمرنا بالتصديق به ولا جهلا به، لأن ذلك كفر، وإنما هو نقصان في مرتبة العلم وزيادة البيان، كما يختلف وزن طاعتنا وطاعة النبي ﷺ وإن كنا مؤدين للواجب علينا" (٤) ، وقوله: إن الإيمان قول وعمل، ويزيد، وينقص هو قول أهل السنة والجماعة. ولكنه في اللمع فسره بالتصديق بالله، واحتج بإجماع أهل اللغة على أن الإيمان هو التصديق، كما احتج بقوله تعالى: ﴿وما أنت بمؤمن لنا﴾ [يوسف:١٧] أي بمصدق لنا، ويقول الناس:" فلان يؤمن بعذاب القبر والشفاعة"، ويريدون: يصدق (٥) . هذا ما هو موجود في كتبه، وقد نسب اليه متأخرو الأشعرية وغيرهم

стр. 424

انه يقول: إنه المعرفة (١) ، كما نسبوا إليه قولا آخر؛ انه التصديق وان القول باللسان والعمل بالأركان غير داخلين فيه (٢) . أما قوله في مرتكب الكبيرة فهو قول أهل السنة: انه مؤمن بأيمانه فاسق بكبيرته وانه لا يخلد في النار (٣) . ز- قوله في: الشفاعة، وعذاب القبر، والحوض، والصراط، والإمامة والصحابة: وقوله فيها جميعا: هو قول السلف- رحمهم الله تعالى- كما ذكر ذلك في أواخر كتبه كلها. هذا هو أبو الحسن الأشعري الذي تنسب اليه طائفة الأشعرية ولعل ما سبق عرضه من حياته، وأطواره وعقيدته يعطي صورة واضحة نوعا ما لهذا العلم الذي تكونت من بعده مدرسة مشهورة انتسبت اليه واشتهرت باسمه. * * *

стр. 425

الفصل الرابع: نشأة الأشعرية وعقيدتهم المبحث الأول: أسلاف الأشعرية "الكلابيه" وموقف السلف منهم. المبحث الثاني: الماتريدية وعلاقتهم بالأشعرية. المبحث الثالث: نشأة المذهب الأشعري وانتشاره. المبحث الرابع: عقيدة الأشاعرة.

стр. 426

المبحث الأول: أسلاف الأشعرية "الكلابية" وموقف السلف منهم ارتبطت نشأة الأشعرية بالشيخ أبي الحسن الأشعري-﵀ الذي أصبح فيما بعد شيخهم عند الإطلاق، يرجعون إلى أقواله، ويحاولون السير على ما سطره في كتبه من آراء. والفصل السابق كان عن هذا الإمام وحياته وعقيدته، وفي هذا الفصل محاولة استكمال موضوع النشأة في الحديث عن الذين تأثر بهم الأشعري ثم تأثر بهم تلامذته من بعده، وأهم الطوائف التي يوجد لها صدي في عقائد الأشعرية هي: ١- المعتزلة والجهمية. ٢- أهل السنة. ٣- الكلابية. أما المعتزلة فلا شك أن منهجهم الكلامي والعقلي كان ذا أثر مباشر أو غير مباشر على الكلابية ثم الأشعرية، وهؤلاء وإن ردوا على المعتزلة وبينوا فساد أقوالهم الا أنهم لم يخرجوا سالمين من المعركة كما خرج أعلام السلف، بل اضطروا تحت وطأة الردود الكلامية والمناقشات العقلية أن يسلموا لهم بعض أصولهم وان يلتزموا لوازمها، وبذلك بدأت بوادر الاختلاف والانحراف في مذهبهم تبعد بهم عن مذهب السلف الخالص. أما الجهمية فهم في الصفات شيوخ المعتزلة، وفي القدر على النقيض من مذهبيهم، والأشعرية في مسألة القدر مالوا إلى مذهب الجبر. وأما أهل السنة فهم يجمعون ما عند الطوائف من حق، ويردون على الباطل الموجود عند كل طائفة، والأشعري لما رجع عن مذهب المعتزلة- وكذلك

стр. 427

الأشعرية الذين أتبعوهـ ساروا على مذهب السلف واتبعوا منهجهم في كثير من المسائل، وقد وقفوا مع أئمة السلف في الرد على سائر الطوائف في هذه المسائل، ولا شك أن تأثرهم بأئمة أهل السنة وانتسابهم اليهم مشهور لا يحتاج إلى أدلة. أما الكلابية فهم أسلاف الأشعرية حقا، وقد اندمجوا فيهم حتي وصل الأمر- بعد انتشار مذهب الأشعرية- الى أن يطلق اسم الطائفتين على الأخرى، وإن كان الغلب في التسمية للأشعرية، ولما كانت نشأة الأشعرية ترتبط كثيرا بنشأة الكلابية كان لابد من الحديث عن أهم أعلام هذه الطائفة وأهم أقوالهم وآرائهم، أما المعتزلة والجهمية وأهل السنة فأقوالهم وآراؤهم معروفة وقد كتب عنها الكثير، ومن أهم أعلام الكلابية: ابن كلاب، والمحاسبي، والقلانسي. أولا: ابن كلاب: هو عبد الله بن سعيد بن كلاب القطان البصرى، أبو محمد (١) ، ويقال: " عبد الله بن محمد (٢) ، والأول أشهر، ويلقب كلابا- مثل خطاف- وزنا ومعنى، لأنه كان لقوته في المناظرة يجتذب من يناظره ويجره إليه كما يجتذب الكلاب الشيء (٣) .

стр. 428

قال عنه الذهبي:"رأس المتكلمين بالبصرة في زمانه" (١) ، وذكر ابن النديم أنه كانت له مع عباد بن سليمان- المعتزلي- مناظرات (٢) ، ونقل السبكي عن والد الفخر الرازي (٣) ؛ أنه قال في آخر كتابه " غاية المرام في علم الكلام":"ومن متكلمي أهل السنة في أيام المأمون عبد الله بن سعيد التميمي، الذي دمر المعتزلة في مجلس المأمون، وفضحهم ببيانه، وهو أخو يحيى بن سعيد القطان، وارث علم الحديث وصاحب الجرح والتعديل" (٤) ، قال السبكي معلقا:"وكشفت عن يحيى بن سعيد القطان هل له أخ اسمه عبد الله؟ فلم أتحقق إلى الآن شيئا، وإن تحققت شيئا ألحقته إن شاء الله " (٥) ، والصواب أنه ليس أخا له كما حققه ابن حجر (٦) والزبيدي (٧) . ولمناقشات ابن كلاب للمعتزلة ومخالفته لهم فقد اتهم بأنه ابتدع أقواله ليدس دين النصارى في ملة المسلمين، وأنه أرضي أخته النصرانية بذلك لما اعترضت على اسلامه، وقد فند هذا القول وكذبه شيخ الإسلام ابن تيمية (٨) ، والذهبي (٩) .

стр. 429

ولم تشر المصادر إلى شيوخ ابن كلاب، أما تلامذته فأشار الذهبي إلى أن ممن قيل انه أخذ عنه الكلام: داود الظاهرى، والحارث المحاسبي، ثم ذكر الذهبي أن ابن النجار ذكر لابن كلاب ترجمة لم يحررها وأنه ذكر فيها أنه كان في أيام الجنيد (١) - سيد الطائفة الصوفية- وذكر السبكي أنه وجد بخط الذهبي حاشية على تاريخ ابن النجار كتب فيها بإزاء ما ذكره من حكاية طويلة - بين ابن كلاب والجنيد- مانصه:"لا يصح؛ فإن ابن كلاب له ذكر في زمان أحمد بن حنبل، فكيف يتم له هذا مع الجنيد" (٢) ، قال السبكي مؤيدا "والأمر كما قال" (٣) . ومن المعلوم ان الحنيد قد توفي سنة ٢٩٨ هـ، أما ولادته فقد كانت سنة نيف وعشرين ومئتين، وأما ابن كلاب فقد توفي بعد الأربعين ومئتين (٤) ، وحددها صاحب هدية العارفين بسنة ٢٤١ هـ (٥) ، ومن ثم فليس مستبعدا- من الناحية التاريخية- أن يلتقي به وهو في شبابه. وقد ذكر عبد القاهر البغدادي أن من تلامذة ابن كلاب عبد العزيز المكي (٦) ،

стр. 430

والحسين بن الفضل البجلى (١) ، والجنيد (٢) ، وقد قرن الكلاعي-كما نقل عنه ابن عساكر- بين عبد العزيز المكي والحارث المحاسبي وابن كلاب في الزهد ومقاومة أهل البدع فقال بعد إشارته إلى محنة خلق القرآن وتورع أحمد ابن حنبل عن مجادلتهم- وانهم موهوا بذلك على الملوك: "وكان في ذلك الوقت من المتكلمين جماعة كعبد العزيز المكي والحارث المحاسبي وعبد الله بن كلاب وجماعة غيرهم وكانوا أولي زهد وتقشف لم ير واحد منهم أن يطأ لأهل البدع بساطا ولا أن يداخلهم، فكانوا يردون عليهم ويؤلفون الكتب في إدحاض حججهم إلى أن نشأ بعدهم وعاصر بعضهم بالبصرة أيام إسماعيل القاضي ببغداد أبو الحسن علي بن إسماعيل بن أبي بشر الأشعري ﵁ ... " (٣) وسياق هذا الكلام جاء لبيان فضائل الأشعري وأنه صار يؤلف ويقصد أهل البدع ليناظرهم (٤) ، وإلا فعبد العزيز المكي ناقش المعتزلة في مجلس المأمون وأثبت ذلك في كتابه الحيدة (٥) ، وابن كلاب ذكر بعض مترجميه أنه دمر على المعتزلة في مجلس المأمون.

стр. 431

أما مؤلفات ابن كلاب فقد ذكر له صاحب الفهرست: كتاب الصفات، وكتاب خلق الأفعال، وكتاب الرد على المعتزلة (١) ، أما صاحب هدية العارفين فقد ذكر له كتاب الرد على الحشوية، ولم يذكر الرد على المعتزلة (٢) . وقد تقدم أن وفاة ابن كلاب كانت بعد سنة ٢٤٠ هـ وحددها البعض بسنة ٢٤١ هـ. - أهم أقوال ابن كلاب: لم يصل الينا شيء مما ذكر من مؤلفات ابن كلاب، ولذلك فالاعتماد في بيان آرائه وأقواله إنما يكون بواسطة الناقلين عنه أو عن بعض كتبه، وأهم مصدر لذلك ماكتبه الأشعري في المقالات، والنتف التي نقلها شيخ الإسلام ابن تيمية عن بعض كتبه. وقد سبق- في الفصل الماضي- عند الحديث عن الأشعري ذكر أهم آراء ابن كلاب بإجمال، ويمكن تفصيل ذلك فيما يلي: أ- قوله في الأسماء والصفات: يثبت ابن كلاب الأسماء والصفات لله تعالى، يقول الأشعري: " قال عبد الله ابن كلاب: لم يزل الله تعالى عالما قادرا، حيا، سميعا، بصيرا، عزيزا، عظيما، جليلا، متكبرا، جبار ا، كريما، جوا د ا، وا حدا، صمد ا، فرد ا، باقيا، أولا، ربا، الها، مريدا، كارها، راضيا عمن علم أنه يموت مؤمنا وإن كان أكثر عمره كافرا، ساخطا على من علم أنه يموت كافرا وإن كان أكثر عمره مؤمنا، محبا، مبغضا، مواليا، معاديا، قائلا، متكلما، رحما نا، بعلم وقدرة وحياة وسمع وبصر وعزة وعظمة وجلال، وكبرياء، وجود، وكرم، وبقاء، وإرادة وكراهة، ورضي وسخط، وحب وبغض، وموالاة ومعاداة، وقول

стр. 432

وكلام، ورحمة، وأنه قديم لم يزل بأسمائه وصفاته، وكان يقول: معنى أن الله عالم أن له علما، ومعني أنه قادر أن له قدرة، ومعنى أنه حي أن له حياة، وكذلك القول في سائر أسمائه وصفاته" (١) . كما يثبت الصفات الخبرية كالوجه واليدين والعين وقال: " أطلق اليد والعين والوجه خبرا، لأن الله أطلق ذلك، ولا أطلق غيره، فأقول: هي صفات لله كما قال في العلم والقدرة والحياة أنها صفات" (٢) . كما يثبت لله صفة الاستواء والعلو، يقول في كتاب الصفات- في باب القول في الاستواء-: " فرسول الله ﷺ ، وهو صفوة الله من خلقه، وخيرته من بريته، وأعلمهم جميعا به، يجيز السؤال بأين، ويقوله، ويستصوب قول القائل: انه في السماء، ويشهد له بالإيمان عند ذلك، وجهم بن صفوان وأصحابه لا يجيزون الأين زعموا، ويحيلون القول به، ولو كان خطأ كان رسول الله ﷺ أحق بالانكار له، وكان ينبغي أن يقول لها (٣) : لا تقولى ذلك فتوهمين أن الله محدود، وأنه في مكان دون مكان، ولكن قولى إنه في كل مكان لأنه الصواب دون ما قلت، كلا لقد أجازه رسول الله ﷺ مع علمه بما فيه وانه أصوب الأقاويل، والأمر الذى يجب الإيمان لقائله، ومن أجله شهد لها بالإيمان حين قالته، فكيف يكون الحق في خلاف ذلك، والكتاب ناطق به وشاهد له؟ " (٤) .

стр. 433

وقال ابن كلاب:" ولو لم يشهد لصحة مذهب الجماعة في هذا الفن خاصة الا ماذكرنا من هذه الأمور لكان فيه ما يكفي، كيف وقد غرس في بنيه الفطرة ومعارف الآدميين من ذلك مالا شيء أبين منه ولا أوكد؟ لأنك لا تسأل أحدا من الناس عنه، عربيا ولا عجميا، ولا مؤمنا ولا كافرا فتقول: أين ربك؟ إلا قال: في السماء إن أفصح، أو أومأ بيده أو أشار بطرفه إن كان لا يفصح، لا يشير إلى غير ذلك من أرض ولا سهل ولا جبل، ولا رأينا أحدا داعيا له إلا رافعا يديه إلى السماء، ولا وجدنا أحدا غير الجهمية يسأل عن ربه فيقول: في كل مكان كما يقولون، وهم يدعون أنهم أفضل الناس كلهم فتاهت العقول، وسقطت الأخبار، واهتدى جهم وحده وخمسون رجلا معه، نعوذ بالله من مضلات الفتن" (١) . ورد ابن كلاب على من يقول: إن الله لا داخل العالم ولا خارجه، فقال: " وأخرج من النظر والخبر قول من قال: لا في العالم ولا خارج منه، فنفاه نفيا مستويا، لأنه لو قيل له: صفه بالعدم ما قدر أن يقول فيه أكثر منه، ورد أخبار الله نصا، وقال في ذلك مالا يجوز في خبر ولا معقول، وزعم أن هذا هو التوحيد الخالص. والنفي الخالص عندهم هو الإثبات الخالص، وهم عند أنفسهم قياسون " (٢) . وقال مجيبا على شبهتهم: " فإن قالوا: هذا إفصاح منكم بخلو الأماكن منه، وانفراد العرش به، قيل: إن كنتم تعنون خلو الأماكن من تدبيره وأنه عالم بها فلا، وإن كنتم تذهبون الى خلوها من استوائه عليها كما استوى على العرش فنحن لا نحتشم أن نقول: استوى الله على العرش، ونحتشم أن نقول: استوى على الأرض، واستوى على الجدار، وفي صدر البيت" (٣) .

стр. 434

كما يذكر مناقشات أخرى لنفاة العلو (١) . ب- صفات الفعل: مع أن ابن كلاب يثبت الأسماء والصفات كما سبق الا أنه ينفي منها ما يتعلق بمشيئة الله وإرادته، بناء على نفي حلول الحوادث بذات الله تعالى، وهو بهذا قد وافق المعتزلة على هذا الأصل المقرر عندهم المبني على دليل حدوث الأجسام وهو أن من قامت به الحوادث لا يخلو منها، فنفوا جميع الصفات عن الله تعالى بناء على ذلك، أما ابن كلاب فقد خالفهم فأثبت لله الصفات الذاتية والمعنوية وجعلها أزلية (٢) ، ونفي الصفات الاختيارية لموافقته لهم على هذا الأصل، ويمكن عرض مذهبه وبيان الأدلة على أنه يقول بهذا الأصل، من خلال ما يلي: ١- قوله بأزلية الصفات كلها دون أن يفرق بين صفات الذات وصفات الفعل، فيجعل صفات الرضي والسخط والمحبة والكرم والجود أزلية كالسمع والبصر والحياة، حتى لا يفهم منها ما يدل على الصفات الاختيارية له تعالى (٣) . ٢- قوله بالموافاة: وأنه اللة لم يزل راضيا عمن يعلم أنه يموت مؤمنا، وإن كان أكثر عمره كافرا، ساخطا على من يعلم أنه يموت كافرا وإن كان أكثر عمره مؤمنا (٤) ، ومعنى ذلك أن الله لا يرضي عن المؤمن- الذى كان كافرا- بعد سخطه عليه لئلا يقال: إن الله حدث له أمر لم يكن موجودا من قبل. ٣- انه حين أثبت العلو والاستواء ربطهما بما يدل على أنه يقول بنفي

стр. 435

صفات الفعل لله تعالى كما يشاء، يقول الأشعري عن ابن كلاب:"وكان ويزعم أن الباري لم يزل ولا مكان ولا زمان قبل الخلق، وأنه على مالم يزل، وأنه مستو على عرشه كما قال، وأنه فوق كل شيء تعالى" (١) ، ولو أخذت العبارات الأولى لتوهم أن ابن كلاب ينفي العلو والاستواء لنفيه الزمان والمكان قبل الخلق وانه بعد الخلق على مالم يزل، لكن إثباته للإستواء والعلو ففي هذا التوهم، ولكن من مجموع الكلام يتضح مذهبه في نفي أن تكون لله صفة اختيارية. ٤- نفيه لبعض صفات الفعل أن تكون من هذا النوع، يقول الأشعري: "وقال ابن كلاب: الوصف لله بأنه كريم ليس من صفات الفعل" (٢) ، ولا شك أن الله كريم أزلا، لكن أيضا يتكرم على عباده بما يشاء كما يشاء متى شاء فهو أيضا صفة فعل. ٥- جعله ولاية الله وعداوته ورضاه وسخطه من صفات الذات لا من صفات الفعل (٣) ، وهذا معنى قوله: إنها أزلية. ٦- قوله في مسألة الكلام، وجعله مثل صفة العلم والقدرة، يقول الأشعري: " وقال ابن كلاب: ان الله لم يزل متكلما، والكلام من صفات النفس كالعلم والقدرة" (٤) ، ويقول:"إن كلامه قائم به كما أن العلم قائم به، والقدرة قائمة به" (٥) . ومن خلال الأدلة والنقول السابقة عن ابن كلاب يتبين أن ابن كلاب- مع مخالفته للمعتزلة- قد التزم هذا الأصل وقال به، وهذا ما لم يمار فيه أحد من الباحثين (٦) .

стр. 436

هذه أهم مسألة تميز بها مذهب ابن كلاب، وقد تلقاها عنه تلاميذه كما تلقاها بعد ذلك الأشاعرة وصارت جزءا من مذهبهم، وقد كانت من أهم الأسباب في موقف علماء السلف من الكلابية ورميهم بالابتداع والأمر بهجرهم، كما كانت أيضا من أهم الأسباب في عدم قبول مذهب الأشعرية والطعن فيه من جانب علماء السلف. ج- قوله في الكلام والقرآن: بنى ابن كلاب قوله على الكلام والقرآن فى نفي الصفات الاختيارية لئلا يقال: إن الله تعالى تحل فيه الحوادث، لذلك قال بأزلية الكلام وأنه قائم بالله كالعلم والقدرة، وأنه ليس بحروف ولا أصوات ولا ينقسم ولا يتجزأ ولا يتبعض ولا يتغاير، وأنه معنى واحد، وأن القرآن الذى يتلى هو حكاية عن كلام الله مع قوله: إن القرآن غير مخلوق، يقول الأشعري مفصلا مذهبه في ذلك: "قال عبد الله بن كلاب: إن الله سبحانه لم يزل متكلما، وأن كلام الله سبحانه صفة له قائمة به، وأنه قديم بكلامه، وأن كلامه قائم به، كما أن العلم قائم به، والقدرة قائمة به، وهو قديم بعلمه وقدرته، وأن الكلام ليس بحروف ولا صوت، ولا ينقسم ولا يتجزأ ولا يتبعض ولا يتغاير، وأنه معني واحد بالله ، وأن الرسم هو الحروف المتغايرة، وهو قراءة القرآن، وأنه خطأ أن يقال: كلام الله هو هو أو بعضه أو غيره، وأن العبارات عن كلام الله سبحانه تختلف وتتغاير، وكلام الله سبحانه ليس بمختلف ولا متغاير، كما أن ذكرنا لله يختلف ويتغاير، والمذكور لا يختلف ولا يتغاير، وانما سمى كلام الله سبحانه عربيا لأن الرسم الذى هو العبارة عنه (١) - وهو قراءتهـ عربي، فسمى عربيا لعلة، وكذلك سمى عبرانيا لعلة، وهي أن الرسم الذي هو

стр. 437

عبارة عنه عبراني، وكذلك سمى أمرا لعلة وسمى نهيا لعلة، وخبرا لعلة، ولم يزل الله متكلما قبل أن يسمى كلامه أمرا وقبل وجود العلة التي لها سمى كلامه أمرا، وكذلك القول في تسمية كلامه نهيا وخبرا، وأنكر أن يكون الباري لم يزل مخبرا أو لم يزل ناهيا، وقال: إن الله لا يخلق شيئا إلا قال له كن، ويستحيل أن يكون قوله كن مخلوقا" (١) . وهذا النص الطويل يوضح كيف كان مذهب ابن كلاب في هذه المسألة العظيمة- مسألة كلام الله والقرآن- منحرفا عن مذهب السلف، وكيف تأثر به الأشعرية فيما بعد، مع ملاحظة الفرق بينه وبينهم في هذه المسألة فإنه قال هنا: " ولم يزل الله متكلما قبل أن يسمي كلامه أمرا وقبل وجود العلة التي لها سمي كلامه أمرا ... الخ، فهو يقول: إن كلام الله لا يتصف بالأمر والنهي والخبر في الأزل، وان هذه الأمور حادثة مع قدم الكلام، أما الأشعرية فيقولون بأزلية الكلام النفسي وكذلك وصفه بكونه أمرا أو نهيا أو خبرا كل ذلك أزلى، وقد أشار السبكي الى هذه المسألة في ترجمته لابن كلاب فقال:" ثم زاد هو وأبو العباس القلانسي على سائر أهل السنة فذهبا الى أن كلامه تعالى لا يتصف بالأمر والنهي والخبر في الأزل؛ لحدوث هذه الأمور وقدم الكلام النفسي، وإنما يتصف بذلك فيما لا يزال فألزمهما أئمتنا أن يكون القدر المشترك موجودا بغير واحد من خصوصياته" (٢) ، ويقصد السبكي بأهل السنة الأشعرية. وابن كلاب يقول بأن القرآن كلام الله غير مخلوق (٣) ويرد على المعتزلة في ذلك، لكنه ينكر أن يتكلم الله بصوت، كما يقول: إن كلام الله معني واحد قائم بذات الله تعالى، و "ان ما نسمع التالين يتلونه هو عبارة عن كلام الله ، وان موسى ﵇ سمع الله متكلما بكلامه، وأن معنى قوله:

стр. 438

﴿فأجره حتى يسمع كلام الله﴾ [التوبة: ٦]- معناه: حتى يفهم كلام الله ويحتمل على مذهبه أن يكون معناه حتي يسمع التالين يتلونه " (١) ، ولا شك أن إنكاره أن كلام الله بصوت، قوله إنه معنى واحد، وان القرآن عبارة عن كلام الله، كل ذلك مما أحدثه ابن كلاب وهو مخالف لمذهب السلف. وهذه المسألة- مسألة كلام اللهـ مرتبطة بالمسألة السابقة مسألة الصفات الاختيارية وبسببهما أعلن السلف البراءة من مذهبهم هذا، وهجروهم ونسبوهم إلى الاعتزال والابتداع. د- رأيه في أحكام الصفات: يقصد بأحكام الصفات ما يتعلق بها من أمور كالقدم وهل الصفة هي الذات أو غيرها، وهل هي متغايرة أم لا؟: ١- يرى ابن كلاب أنه لا ينبغي أن يقال عن صفات الله وحدها إنها قديمة، وإنما يقال: الله بصفاته قديم (٢) ، وابن كلاب أراد الهرب من القول بتعدد القدماء مع الله حين يطلق على كل صفة لوحدها أنها قديمة، وهذا يبين وجه التهمة التي اتهمه بها خصومه من انه يدعو إلى النصرانية سرا، فنفاة الصفات اتهموه بذلك لإثباته الصفات لله، وهذا كذب عليه كما سبق. ٢-كما يرى أن الصفات والأسماء لا يقال هي الله ولا هي غيره وانها قائمة بالله تعالى (٣) ، وهذا القول موافق لمذهب السلف لأن إطلاق أحد الأمرين يحتمل معنى باطلا، ومن ثم فلابد من الاستفصال (٤) . ٣- أما مسألة كل صفة وهل هي الصفة الأخرى أو غيرها فيرى ابن كلاب "أن صفات الباري لا تتغاير، وأن العلم لا هو القدرة ولا غيرها،

стр. 439

وكذلك كل صفة من صفات الذات لاهي الصفة الأخرى ولا غيرها" (١) ، وهذا قول موهم، فابن كلاب وان قصد بهذا ماقصده في الفقرة السابقة من أن الصفات لا يقال هي الله ولا غيره حتي لا يتعدد القدماء، الا أنه بقوله: إنه لا يقال الصفة هي الأخرى ولا غيرها يقرب قليلا من أقوال النفاة الذين يرجعون صفات الله كلها إلى صفة واحدة كالعلم أو الإرادة، ولهذا لما نقل الأشعري مقالة أبي الهذيل العلاف المعتزلي في هذه المسألة قال: " وأما أبو الهذيل من المعتزلة فإنه أثبت العزة والعظمة والجلال والكبرياء، وكذلك في سائر الصفات التي يوصف بها لنفسه وقال: هي الباريء، كما قال في العلم والقدرة، فإذا قيل له: العلم هو القدرة؟ قال: خطأ أن يقال هو القدرة، وخطأ أن يقال هو غير القدرة، وهذا نحو ما أنكر من قول عبد الله بن كلاب" (٢) . والشاهد من هذا عبارة الأشعري الأخيرة. هـ- الرؤية: يثبت ابن كلاب الرؤية كما أثبتها أهل السنة (٣) ، ويبني ذلك على أن كل قائم بنفسه يرى (٤) ، وابن كلاب يثبت العلو والاستواء ولذلك لا يرد على إثباته للرؤية ما ورد على متأخري الأشعرية الذين أثبتوا الرؤية ونفوا العلو والاستواء (٥) . و القضاء والقدر: ذكر الأشعري أن ابن كلاب يقول فيه بقول أهل السنة وهو اثبات القدر

стр. 440

من الله تعالى، لكن سياق الأشعري لمذهب أهل السنة في القدر ليس دقيقا (١) ، وقد أوضح البغدادي جانبا من مذهب ابن كلاب في القدر فقال:"قال شيخنا أبو محمد عبد الله بن سعيد: أقول في الجملة: إن الله أراد حدوث الحوادث كلها خيرها وشرها، ولا أقول في التفصيل: انه أراد المعاصي وان كانت من جملة الحوادث التي أراد حدوثها، كما أقول في الجملة عند الدعاء: ياخالق الأجسام ولا أقول في الدعاء يا خالق القرود والخنازير والدم والنجاسات، وان كان هو الخالق لهذه الأشياء كلها" (٢) ، وهذا موافق لقول أهل السنة. أما مسألة الكسب فلم تذكر المصادر أن له كلاما فيه، والمشهور أن هذه المسألة مما أحدثه وقال به الأشعري من بعد. ز- الإيمان: أول مسائل الإيمان تعريفه، ويذهب ابن كلاب إلى أن الإيمان هو الإقرار باللسان والمعرفة، يقول البغدادي: " وكان عبد الله بن سعيد يقول: ان الإيمان هو الإقرار بالله وبكتبه وبرسله إذا كان ذلك عن معرفة وتصديق بالقلب، فإن خلا الإقرار عن المعرفة بصحته لم يكن إيمانا" (٣) ، ويقول السبكي مبينا رأي ابن كلاب وأنه لا يخالف قول الأشعرية انه التصديق: " انه إقرار باللسان والمعرفة وهذا المذهب يعزي إلأى عبد الله بن سعيد بن كلاب، وكان من أهل السنة والجماعة على الجملة، وله طول الذيل في علم الكلام وحسن النظر، ولم يتضح لي بعد شدة البحث انفصال مذهبه عن مذهب القائلين بأنه التصديق، فإن الإقرار باللسان والمعرفة يستدعي سبق المعرفة ... " (٤) ،

стр. 441

والسبكي يريد أن لا يجعل ابن كلاب مخالفا لجمهور الأشعرية، وهناك فرق بين من يجعل الإيمان هو التصديق فقط ومن يضيف إليه الإقرار باللسان، كما أن هناك فرقا بين مذهب هؤلاء ومذهب السلف الذين يدخلون الأعمال في مسمى الإيمان. ويرى ابن كلاب-كما يرى جمهور أهل السنة- صحة إيمان المقلد وأنه يحكم له بالإسلام (١) ، وكذلك مذهبه في مرتكب الكبيرة (٢) . هذه أهم آراء وأقوال ابن كلاب كان المصدر في عرضها الكتب الناقلة لمذهبه سوى بعض النصوص القليلة من كتبه في اثبات العلو والاستواء، وبها يتبين كيف كان ابن كلاب شيخا للأشعري، وأن المسائل الكبرى التي ميزت المذهب الأشعري- كمسألة الصفات الاختيارية والكلام- قد سبقهم إليها ابن كلاب، وهذا يفسر جانبا من جوانب نشأة المذهب الأشعري، تسبق وجود أبي الحسن نفسه. وليس هذا في مذهب ابن كلاب نفسه، بل في مدرسته التى سار على طريقه فيها علماء آخرون، كالمحاسبي والقلانسي وغيرهما. ثانيا: الحارث المحاسبي: أ- ترجمته: هو الحارث بن أسد المحاسبي البغدادي (٣) ، أبو عبد الله، ولد بالبصرة ولكنه انتقل إلى بغداد وعاش فيها، وكانت ولادته سنة ١٦٥ هـ تقرييا، أما وفاته فقد كانت سنة ٢٤٣ هـ.

стр. 442

وقد حظى المحاسبي- نظرا لاشتهاره بالتصوف- بترجمات عديدة في كتب الرجال والتراجم والطبقات (١) ،كما أفردت عنه دراسات (٢) ، وهذا ما لم يحظ به ابن كلاب والقلانسي وغيرهما من الكلابية. ويمكن الإشارة إلى لمحات في حياته: ١- كان أبوه رجلا موسرا، ولكنه لم يكن على وفاق مع ابنه في المذهب الكلابي، والمشهور أن أباه كان قدريا يقول بقول المعتزلة في القدر (٣) ، وقيل بل كان واقفيا (٤) ، أي يتوقف في مسألة القرآن فلا يقول: هو مخلوق ولا غير مخلوق، وشذ السبكي فقال: إن أباه كان رافضيا (٥) ، وكان من آثار ذلك ما ورد من قصة الحارث معه حين دعاه أمام الناس إلى أن يطلق أمه، وكذلك لما توفى لم يأخذ من تركته شيئا لهذا السبب، وقد كان مبعث هذا أنه يرى كفر المعتزلة. ٢- كان المحاسبي ذا صلة بأهل الحديث، وقد روى عن جماعة منهم (٦) ، والظاهر أنه انصرف عن ذلك بانشغاله في التصوف والتأليف فيه، ومع ذلك فقد ترجم في كتب الرجال، وقال فيه الذهبي: " صدوق في نفسه

стр. 443

وقد نقموا عليه بعض تصوفه وتصانيفه" (١) ،وقال فيه ابن حجر"مقبول" (٢) وليست له رواية عن أحد من أصحاب الكتب الستة. ٣- كان معارضا للفرق المنحرفة في عصره وخاصة المعتزلة والرافضة، والجهمية، والخوارج والمرجئة (٣) ، وأشد مواقفه ماكان مع المعتزلة، وقد رد عليها طويلا في كتابه (فهم القرآن) ، كما لم تخل كتبه الصوفية من فضح لأحوالهم وغرورهم، ومن ذلك قوله فيهم:" فرقة ضالة مضلة، لا تفطن لضلالتها، لاتساعها في الحجاج، ومعرفتها بدقائق مذاهب الكلام، وحسن العبارة بالرد على من خالفها، فهم عند أنفسهم من القائلين على الله بالحق، والرادين لكل ضلالة، لا أحد أعلم منهم بالله، ولا أولى به منهم، وكل الأمم ضالة سواهم، وان الله لا يعذب مثلهم، بل لاينجو أحد في زمانهم غيرهم، وغيرهم من المغترين يدعي ذلك وينتحله، ويشهد عليهم بالاكفار. فهم فرق كثيرة كفر بعضها بعضا، وكل فرقة منها مغترة، لاترى أن أحدا يقول عليه بالحق غيرها" (٤) ، والمحاسبي الذى يقول هذا الكلام ممن عاصر محنة القول بخلق القرآن، من أولها الى نهايتها، فهو خبير بأحوالهم، ولذلك لم يوافق على القول بخلق القرآن، إن لم ينله فيها ما نال أئمة أهل السنة من المحنة (٥) . ٤- ترك المحاسبي مجموعة من المؤلفات، وغالبها ذو صبغة صوفية، ولذلك عني بنشرها من لهم اهتمام بهذا الشأن، ومن كتبه:

стр. 444

- رسالة المسترشدين، حققها عبد الفتاح أبو غدة. - الرعاية لحقوق الله ، طبع عدة مرات آخرها بتحقيق عبد القادر عطا - المسائل في الزهد. - المسائل في أعمال القلوب والجوارح. - المكاسب [طبع بتحقيق محمد عثمان الخشت باسم الرزق الحلال] . - العقل، وهذه الأربعة نشرها جميعا عبد القادر عطا، ثم طبع المكاسب مستقلا، كما طبع الزهد بتحقيق مصطفى عبد القادر عطا. - التوبة، تحقيق عبد القادر عطا. - النفوس، طبع بتحقيق عبد القادر عطا. - النصائح الدينية، طبع باسم الوصايا، تحقيق عبد القادر عطا. - القصد والرجوع الى الله، طبع مع الكتاب السابق. - من أناب إلى الله، طبع مع كتاب الوصايا. - الصلاة- طبع مع كتاب الوصايا، كما طبع بتحقيق " محمد عثمان الخشت" - التوهم، طبع عدة مرات، ومنها طبعة مكتبة النهضة الإسلامية طبعة دار الوعي بحلب، وبتحقيق عبد القادر عطا مع مجموع" الوصايا" - فهم القرآن، طبع مع كتاب العقل بتحقيق شكرى القوتلي. - كتاب العلم، طبع تحقيق محمد المعابد مزالي. - البعث والنشور، طبع بتحقيق محمد عيسى رضوان. - معاتبة النفس، طبع مع الكتاب السابق.

стр. 445

وكتاب فهم القرآن هو الذي يحوي بعض آراء المحاسبي الكلامية، وعليه اعتمد شيخ الإسلام ابن تيمية في نقل أقواله (١) . ٥- وأبرز قضية في حياة المحاسبي هجر الإمام أحمد له، وأمره الناس بهجره حتى انه لما مات لم يصل عليه إلا أربعة نفر، وقل من يترجم له إلا ويتعرض لهذه المسألة، ومن أهم أسباب ذلك دخوله في علم الكلام وموافقته لبعض أقوالهم وكلامه في التصوف. مذهب الحارث وأقواله: يعتبر الحارث من متقدمي أهل الكلام الذين عاصروا أئمة أهل السنة، ووقفوا معهم ضد كثير من أقوال المعتزلة وخاصة في مسائل القرآن وأنه غير مخلوق، والقدر والوعد والوعيد، كما وقفوا معهم ضد الطوائف الأخرى المنحرفة، ولذلك فالمحاسبي ومن في طبقته أكثر إثباتا وأحسن اتباعا ممن جاء بعدهم كالأشعري وطبقته. ولكن مع موافقته لأهل السنة في ذلك إلا أن في أقواله ما يخالف منهجهم من جانبين، أحدهما: التصوف، والآخر: آراؤه في العقيدة، وفي كل من الجانبين كان المحاسبي شيخا للأشعرية كما يقول البغدادي (٢) . - التصوف عند المحاسبي: أما الجانب الأول فقد كان المحاسبى أحد رواده الكبار، الذين كونوا مدرسة كبرى ربطت بين الكلام والتصوف فيما بعد. وهذا من أبرز ماطرأ على المذهب الأشعري من تطور-كما سيأتي إن شاء اللهـ.

стр. 446

وحتى تتضح الصورة بالنسبة لتصوفه لابد من الإشارة إلى ما يلي: ١- أن تصوف المحاسبي لم يكن كتصوف غيره في الغلو والانحراف، بل كان كثيرا ما يشير إلى وجوب الالتزام بالكتاب والسنة، ومتابعة الشرع، وإذا كان المحاسبي يركز على أعمال القلوب وخطرات النفوس، ومسائل تتعلق ببواطن الأعمال ومقاصد الإنسان فيها كالنية، والمراقبة، والتوكل، والتيقظ، والعجب، والرياء، والحسد وغيرها- ويطيل الكلام في كل واحدة منها بما ير اه من وسائل إصلاح النفس- الا أنه يأمر مع ذلك باتباع الشرع بفعل الأوامر واجتناب النواهي، يقول في آداب النفوس:"ثم اعلم يا أخي أن الله جل ذكره قد افترض فرائض ظاهرة وباطنة، وشرع لك شرائع، دلك عليها، وأمرك بها، ووعدك على حسن أدائها جزيل الثواب، وأوعدك على تضييعها أليم العقاب رحمة لك، وحذرك نفسه شفقة منه عليك، فقم يا أخي بفرائضه، والزم شرائعه، ووافق سنة نبيه ﷺ ، واتبع آثار أصحاب نبيه والزم سيرتهم، وتأدب بآدابهم واسلك طريقهم ... " (١) ويقول عن أول منزلة من الرعاية لحقوق الله أنها: "الرعاية عند الخطرات، بعد اعتقاد جمل حقوق الله تعالى، فلا تخطر بقلبه خطرة من أعمال قلبه الا جعل الكتاب والسنة دليلين عليها، فلم يقبلها باعتقاد الضمير، ولا يتركها يسكن قلبه في مجال الفكر من التمني وغيره، الا أن يشهد له العلم أن الله تعالى قد أمر بها وندب إليها أو أذن فيها بأسبابها وعللها ووقتها وإرادته فيها؛ فإنه قد يقبل الخطرة يرى أنها داعية الى سنة وهي بدعة، وقد يرى أنها داعية إلى طاعة وهي معصية، وقد يرى أنها داعية إلى خير وهي شر ... " (٢) وكثيرا ما يذكر الأدلة على بعض الأمور التي يذكرها من الكتاب والسنة وأقوال الصحابة (٣) .

стр. 447

ولذلك شنع المحاسبي على بعض متصوفة عصره وانحرافاتهم، فذكر أنواعا من غرورهم بما عندهم وعدم مطابقة أقوالهم وقال بعد كلام طويل عنهم:"وإنما أطلت الوصف في هذه الفرقة لأنها عظيمة غرتها، قد غلب ذلك على كثير ممن يتعبد ويرى أنه من النساك العاملين لله " (١) ،كما يرد على الذين يقعد بهم توكلهم الى التواكل وترك الكسب والعمل مثل شقيق البلخي الذي زعم أن الحركة في الكسب معصية (٢) ، بل-رد على من زعم أن القعود وترك العمل أفضل من الحركة، ويفصل رده عليهم من وجوه (٣) ، ثم يعرض لأقوال العلماء في مسائل عملية كثر الجدال حولها مثل الورع وحده، والعزلة عن الناس ومجانبتهم، والشبهة ومعناها، وجوائز السلطان، وغير ذلك (٤) ، وقد عرض لهذه المسائل بشكل جيد، كما رد على بعض الصوفية الذين يبيحون لأنفسهم بعض المحرمات مثل النظر المحرم ويرد حججهم الباطلة (٥) ،كمايرد على بعض الصوفية الذين يقولون بإيمان فرعون (٦) . ٢- يركز المحاسبي على مسألة " العقل"، وله كتاب في ذلك، وهو وإن كان يميل إلى أقوال أهل الكلام إلا أنه يركز في مسألة " العقل" على ربطه بأعمال القلوب وأن الذى عقل عن ربه هو الذى يخافه ويعظمه، ولذلك ذكر معاني العقل الواردة فيه وهي: أ- انه " غريزة جعلها الله في الممتحنين من عباده، أقام به على البالغين للحلم الحجة ... " (٧) .

стр. 448

ب- والمعنى الثاني: أنه "الفهم لإصابة المعنى، وهو البيان لكل ماسمع من الدنيا والدين أو مس أو ذاق أو شم، فسماه الخلق عقلا، وسموا فاعله عاقل" (١) . ج- والمعنى الثالث: هو البصيرة والمعرفة بتعظيم قدر الأشياء النافعة والضارة في الدنيا والآخرة، ومنه العقل عن الله تعالى" (٢) ويستمر في شرح ذلك مركزا على جوانب من أحوال النفس وخطراتها من الخوف واليقين، وحسن البصر بدين الله، وما يتعلق بذلك. فالمحاسبي بهذا التركيز على هذه الجوانب دون غيرها مما يتعلق بأمور العقيدة والإيمان، ومعرفة سنة رسوله ﷺ وأحكام الشريعة، انما يفتح الطريق لمنهج سلوكي صوفي قد لايقف عند حد معين. ٣- أدى التصوف بالمحاسبي الى أن تكون له مواقف من علماء عصره من أهل الحديث والفقه ينعي فيها اهتمامهم بهذه الأمور وتركيزهم عليها، يقول عنهم:"فأما المغترون بالعلم فهم فرق شتى على قدر منازلهم فيه، فمنهم: فرقة تغتر بكثرة الرواية وحسن الحفظ مع تضييع واجب حق الله ، وتخيل نفس أحدهم اليه وعدوه أن مثله لا يعذب لأنه من العلماء دائمة العباد الحافظين على المسلمين علمهم ... والفرقة الثانية: يغتر أحدهم بالفقه في العلم بالحلال والحرام، وبالبصر في الفتيا والقضاء، فهو يغتر كغرة الحافظ للعلم وأعظم منه غرة حتي لا يرى أن أحدا أعلم بالله منه لأنه قد علم الحلال والحرام والفتيا والقضاء٠٠٠" (٣) ، وإذا كان في عصر المحاسبي قد يوجد من تكون فيه مثل هذه الصفات التي ذكرها إلا أن ما يعترض عليه أسلوبه في العرض حين يقول بعد كلامه حول طرق نفي الاغترار عند أهل الحديث: "فإذا ألزم قلبه ذلك انتفت عنه الغرة بما حفظ من العلم، واهتم بطلب معانيه والتفكر فيه والقيام

стр. 449

به، فلم يغتر بما حفظ، وعد نفسه جاهلا بالعلم بعد حفظه له، وأسوأ حالا ممن لم يحفظه ولم يدرسه ولم يروه" (١) . فالمحاسبي بهذا الكلام إنما يرسم منهجا ارتضاه وينتقد من خالفه، ولو كان من أهل الحديث والسنة، ولاشك أن هؤلاء هم الذين حفظوا للأمة الحديث النبوى وميزوا صحيحه من ضعيفه، وفي هذا من الجهاد والطاعة والعمل الصالح والتقرب إلى الله والمنزلة عنده مالا يبلغه زهد الزاهدين وعزلتهم. وقد عاب المحاسبي في كتاب العلم من يهتم بالفقه ومعرفة الحلال والحرام فيما يتنازع الناس فيه فقال:"أما ما تولد من ذلك [أى من أحكام الحلال والحرام] لتنازع الناس وتجاذبهم للدنيا فقد يستغنى عنه بعض الناس إذا قام به الغير، وقد يكون الرجل في جميع عمره لا تنوبه مسألة من بعض تلك المسائل" (٢) ، ثم بعرضه منهجه ونقده لهم بقوله:"فلو أن رجلا تبحر في نحو هذه المسائل وغاص في فنونها فقيل له: ما النية؟ وما عزيمتها؟ وأى شيء محلها من القلب؟ وماذا يدخل عليها من الفساد من قبل النفس ومن قبل العدو؟ أو قيل له: ما الورع؟ عجز عن جوابه، فللورع منازل يحتاج إلى معرفتها، فهذه أصول من أصول الدين التي يحدث فيها عند منازعة النفس وادخالها فها ماليس ينبغي أن يدخل فيها بتفرع القول فيها أكثر من تفرعه في الحلال والحرام، وهو أولى في التعليم والحفظ على الأمة من ذلك ٠٠٠" (٣) ، ويقول في موضع آخر:"فاتق الله ياعبد الله ولا تدع العلم بمعرفة الفتيا فإن العلم هو العلم بالله " (٤) ، ويدعو الى أتباع آثار الصوفية الذين هم الخاصة ويأمر بسلوك طريقهم (٥) .

стр. 450

وقد فسر محقق كتاب العلم هذا الهجوم بأنه موجه من المحاسبي الى الإمام أحمد بن حنبل وأصحابه (١) ، وسواء قصد المحاسبى الإمام أحمد أو لم يقصده فواضح من أقواله أنه يقصد طائفة من أهل الحديث الذين عنوا بالروايات ونقلها وتمحيصها وإفتاء الناس على ضوئها. وبذلك يتضح أن تصوف المحاسبي ومنهجه مائل عن منهج أهل السنة الذي يقوم على الوسطية والتوازن والجمع بين العلم والعمل. أقواله في العقيدة: ترد أقوال المحاسبى في الغالب مقرونة برأي ابن كلاب، ولذلك فهما متقاربان في كثير من مسائل العقيدة، ولذا سيقتصر الكلام هنا على بعض أقواله التي ذكرها في كتابه (فهم القرآن) . ا- إثباته للصفات: يصف المحاسبي من يمتدحهم من الخاصة بأنهم "وصفوه بصفاته الكاملة ونزهوه من كل مالا يليق" (٢) ، فهو يثبت الصفات بإجمال، وسيتضح أنه ينفي منها مايتعلق بمشيئة الله من الصفات الاختيارية. كما يثبت أن القرآن كلام الله " إذ تكلم الله به تكليما من نفسه من فوق عرشه، من فوق سماواته" (٣) . ويقرر أن الصفات لا يجوز نسخها فيقول:" لا يحل لأحد أن يعتقد أن مدح الله جل ثناؤه ولا صفاته ولا أسماءه يحوز أن ينسخ جل وعز وصف نفسه بصفاته الكاملة ومدح نفسه بمدحه الطاهرة وبأسمائه الحسنى، فمن أجاز النسخ بها أجاز أن يبدل أسماءه الحسنى فيبدلها قبيحة سوى وصفاته الكاملة

стр. 451

العلية فيكون دنية ناقصة سفلى، ومدحه الطاهرة فيكون مذمومة دنية، جل وتعالى عن ذلك علوا كبيرا" (١) . ويحتج لبعض الصفات بالعقل مع دليل السمع مثل صفة العلم (٢) . ٢- إثباته للعلو والاستواء: ذكر أدلة ذلك من نصوص القرآن ورد على الذين يقولون:"إن الله في كل مكان (٣) ، ثم قال:" وأما قوله ﴿على العرش استوى﴾ [طه: ٥] .. ﴿وهو القاهر فوق عباده﴾ [الأنعام: ١٨] و ﴿أأمنتم من في السماء﴾ [الملك: ١٦] و ﴿إذا لابتغوا إلى ذي العرش﴾ بالإسراء: ٤٢] فهذه وغيرها مثل قوله: ﴿إليه يصعد الكلم الطيب﴾ [فاطر: ١٠] وقوله: ﴿ثم يعرج إليه﴾ [السجدة: ٥] ، فهذا مقطع يوجب أنه فوق العرش، فوق الأشياء، منزه عن الدخول في خلقه لا يخفي عليه منهم خافية، لأنه أبان في هذه الآيات أن ذاته بنفسه فوق عباده لأنه قال: ﴿أأمنتم من في السماء أن يخسف بكم الأرض﴾ [الملك: ١٦] ،يعني فوق العرش، والعرش على السماء لأن من كان فوق شيء على السماء فهو في السماء، وقد قال مثل ذلك ﴿فسيحوا في الأرض﴾ [التوبة: ٢] ، يعني على الأرض، لايريد الدخول في جوفها ... " (٤) ويستمر في عرض الأدلة، ويناقش أدلة الحلولية في مسألة المعية وان آية ﴿ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم ولا خمسة إلا هو سادسهم﴾ [المجادلة: ٧] مبدوءة بالعلم ومختومة به، ويناقش ذلك بشكل موسع وقوي (٥) .

стр. 452

٣-كما يذكر أن القرآن غير مخلوق ويرد على المعتزلة الذين يسميهم الضلال، ويذكر أدلتهم وينااقشها بالتفصيل (١) . ٤- كما يذكر مسألة الوعد والوعيد ويرد على المعتزلة ويذكر مذهب أهل السنة في ذلك ويورد أقوالهم وأقوال الخوارج في مذهبهم في مرتكب الكبيرة (٢) ، ويناقش على ضوء ذلك مسألة الشفاعة وكيف أنكرها المعتزلة لقولهم بالوعيد على أهل الكبائر (٣) . ٥- مذهبه في الصفات الاختيارية: يوافق المحاسبي ابن كلاب في نفي هذه الصفات، بناء على نفي حلول الحوادث بذات الله تعالى، ونصوص المحاسبي في ذلك واضحة جدا: أ- يقول عن القرآن وعظمته:"ومن عقل عن الله جل ذكره ما قال فقد استغني به عن كل شيء، وعز به من كل ذل، لا تتغير حلاوته، ولا تخلق جدته في قلوب المؤمنين به على كثرة الترداد والتكرار لتلاوته، لأن قائله دائم لا يتغير، ولا ينقص، ولا يحدث به الحوادث (٤) ، وهذا منطلق الكلابية في نفي ما يتعلق بمشيئته وقدرته. ب- ويقول في مسألة علم الله:"والله جل ذكره لا تحدث فيه الحوادث، لأنا لم نجهل موت من مات أنه سيكون، وكذلك علمنا أن النهار سيكون صبيحة ليلتنا، ثم يكون فنعلم أنه قد كان من غير جهل منا تقدم أنه سيكون، فكيف بالقديم الأزلي الذي لا يكون موت ولا نهار ولا شيء من الأشياء إلا وهو يخلقه ونحن لا نخلق شيئا، وكذلك قوله: ﴿لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله ءامنين﴾ [الفتح: ٢٧] وقوله: ﴿وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا

стр. 453

مترفيها﴾ [الإسراء: ١٦] وقوله: ﴿إنما قولنا (١) لشيء إذا أردناه أن نقول له كن فيكون﴾ [النحل: ٤٠] ، ليس ذلك ببدء منه لحدوث إرادة حدثت له ولا أن يستأنف مشيئة لم تكن له، وذلك فعل الجاهل بالعواقب الذى يريد الشيء وهو لايعلم العواقب، فلم يزل تعالى يريد ما يعلم أنه يكون، لم يستحدث إرادة لم تكن، لأن الارادات إنما تحدث على قدر مالم يعلم المريد، فأما من لم يزل ما يكون ومالا يكون من خير وشر فقد أراد على علم لا يحدث له بداء إذا كان لا يحدث فيه علم به" (٢) ، والمحاسبي يقرر مسألة أزلية صفات الله تعالى لينفي ما يتعلق بمشيئة الله تعالى من صفات الأفعال، ولذلك يقول معلقا على الآية: ﴿إذا اردناه أن نقول له كن فيكون﴾ [النحل:٤٠] ، وقوله: ﴿وإذا أدرنا أن نهلك قرية..﴾ [الإسراء:١٦] : "فإنه لم يزل يريد، قبل أن يحدث الشيء أن يحدثه في وقت إحداثه، فلم يزل يريد احداثه في الوقت المؤخر، فإذا جاء الوقت فهو أيضا يريد أن يحدثه فيه، فبإرادته أحدثه في ذلك الوقت الذى فيه أحدثه، فإرادة الله جل وعز دائمة لأنه مريد قبل الوقت الذى يحدث فيه المخلوقات، وفي الوقت الذى أحدثه فيه ... " (٣) ، ولا يحتاج هذا الى تعليق سوى التناقض الذى يفيده قوله " فإذا جاء الوقت فهو أيضا يريد أن يحدثه فيه" لأن هذه الإرادة إن كانت هي الإرادة الأزلية فلا فائدة من قوله هذا، وإن كانت إرادة حادثة نقض قوله. ج- ومما يدل على كلابيته ونفيه الصفات الاختيارية أن تقوم بالله قوله في صفتي السمع والبصر:" وكذلك قوله : ﴿إنا معكم مستمعون﴾ [الشعراء:١٥] ليس معناه احداث سمع، ولا تكلف لسمع مايكون من المتكلم في وقت كلامه، وانما معنى (انا معكم مستمعون) ، ﴿فسيرى الله عملكم﴾ [التوية:٩٤] أي المسموع والمبصر لن يخفي على سمعي ولا على بصرى أن أدركه

стр. 454

سمعا وبصرا لا بالحوادث في الله جل وعز وتعالى عن ذلك، وكذلك قوله: ﴿اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله﴾ [التوبة:١٠٥] لا يستحدث بصرا ولحظا محدثا في ذاته تعالى عن ذلك" (١) ، ثم يرد المحاسبي على من خالفه في هذا ممن يثبت لله الصفات الاختيارية فيقول:" وقد ذهب قوم (٢) أن لله جل وعز اسماعا حادثا في ذاته، فذهب الى ما يعقل من الخلق أنه يحدث فيهم علة لسمع ما يكون من قول عند سمعه للقول، لأن المخلوق اذا سمع الشيء حدث له عنه فهم عما أدركته أذنه من الصوت، وكذلك ذهب الى أن رؤية تحدث له، قال أبو عبد الله: وهذا خطأ، وانما معنى (سيرى) و (إنا معكم مستمعون) أن المسموع والمبصر لم يخف على عيني ولا على سمعي أن أد ركه سمعا وبصرا لا بالحوادث في الله جل وعز، ومن ذهب الى أنه يحدث له استماع مع حدوث المسموع، وإبصار مع حدوث المبصر فقد أدعى على الله مالم يقل ولإنما على العباد التسليم كما قال، وانه عالم سميع بصير ولا يريد مالم يكن، وإنما معني (حتى يعلم) حتى يكون المعلوم، وكذلك حتى يكون المبصر والمسموع، ولا يخفى على الله أن يعلمه موجودا ويراه موجودا ويسمعه موجودا بغير حدوث علم في الله جل وعز، ولا سمع ولا بصر، ولا يعني حدوثا في ذات الله، جل الله عن الحوادث في نفسه وتعالى عن البداوات في علمه وإرادته علوا كبيرا" (٣) . ثم يذكر نصوص العلو والاستواء وأن ذلك لا يدل على حلول الحوادث (٤) . وهذه النصوص- وهي من المصادر القليلة التي بقيت من كتب الكلابية - تبين إلى أي حد كان رسوخ هذه المسألة عندهم، حتى ان المحاسبي يجزم

стр. 455

ويقطع بما يراه ويخطئ من خالفه وكأنها من مسائل أصول أهل السنة المسلمة. وهذا يفسر موقف أهل السنة الصلب من الكلابية وخاصة موقف الامام أحمد ﵀ من الحارث المحاسبي. - هل رجع الحارث عن قوله؟: ينسب الكلاباذي الى الحارث المحاسبي قولا في القرآن يخالف قول ابن كلاب، فابن كلاب- كما سبق- يقول: إن كلام الله ليس بحرف ولا صوت، أما الحارث فقد نسب اليه الكلاباذي أنه يقول:"وقالت طائفة منهم: كلام الله حروف وصوت، وزعموا أنه لايعرف كلامه الا كذلك مع إقرارهم أنه صفة الله تعالى، في ذاته غير مخلوق، وهذا قول الحارث المحاسبي" (١) ، فهذا القول قد يدعم ماذكره شيخ الإسلام ابن تيمية عن معمر ابن زياد أن الحارث رجع عن أقواله (٢) . ثالثا: أبو العباس القلانسي: يرتبط اسم القلانسي بابن كلاب كثيرا، ومع اشتهاره إلا أن كتب التراجم لم تعن بترجمته كما فعلت مع ابن كلاب والمحاسبي، ولذلك فتاريخ ولادة القلانسي ووفاته غير معروفين سوي أنه كان معاصرا لأبي الحسن الأشعري، والذي ذكر ابن عساكر عنه أنه "أبو العباس أحمد بن عبد الرحمن بن خال القلانسي الرازي، من معاصري أبي الحسن-﵀ لا من تلامذته كما قال الأهوازي، وهو من جملة العلماء الكبار الأثبات، واعتقاده موافق لاعتقاده في الإثبات" (٣) .

стр. 456

أما البغدادي فقد وصفه بأنه " امام أهل السنة ... الذي زادت تصانيفه في الكلام على مئة وخمسين كتابا" (١) ، وقد أشار البغدادي كثيرا الى أقواله في ثنايا كتابه " أصول الدين ". وفي كتاب " الأسماء والصفات" للبيهقي نص مهم عن القلانسي ومنزلته وعلاقته بالكلابية، وذلك عند حديثه عن الفتنة التي وقعت بين ابن خزيمة والكلابية من تلامذته كالثقفي والصبغي، يقول البيهقي:" أخبرنا أبو عبد الله الحافظ قال: سمعت أبا الحسن علي بن أحمد الزاهد البوشنجي يقول: دخلت على عبد الرحمن بن أبي حاتم الرازي بالري فأخبرته بما جرى بنيسابور بين أبي بكر ابن خزيمة وبين أصحابه فقال: ما لأبي بكر والكلام؟ إنما الأولى بنا وبه أن لا نتكلم فيما لم نتعلمه، فخرجت من عنده حتى دخلت على أبي العباس القلانسي فقال: كأن بعض القدرية من المتكلمين وقع الى محمد بن إسحاق فوقع لكلامه عنده قبول، ثم خرجت الى بغداد فلم أدع بها فقهيا ولا متكلما إلا عرضت عليه تلك المسائل فما منهم أحد إلا وهو يتابع أبا العباس القلانسي على مقالته، ويغتم لأبي بكر محمد بن اسحاق فيما أظهره" (٢) . والذين ساقوا القصة: كالبيهقي، والبوشنجي كلابية لذلك فهم يرون تخطئة أمام الأئمة ابن خزيمة في موقفه من أصحابه الكلابية، والقصة تدل بالنسبة للقلانسي على: ١- أنه كان مقيما بالري، من المدن الكبرى المشهورة قرب خراسان. ٢- أن مقالته كانت منتشرة وأقواله معروفه. ٣- أنه كان يقول بقول الكلابية.

стр. 457

- ومن أبرز أقواله: ١- أنه يقول بتقديم العلوم النظرية على الحسية خلافا للأشعري (١) . ٢-كما أجاز وجود الكلام لما ليس بحي خلافا للاشعرية الذين جعلوا الحياة شرطا في وجود الكلام (٢) . ٣- وافق ابن كلاب أن الله قديم بقدم بمعنى هو قائم به، خلافا للأشعري الذى يقول: انه قديم لذاته (٣) . ٤- وفي صفة اليدين قال القلانسي أن التثنية ترجع الى اللفظ لا الى الصفة (٤) ويفسر البغدادي ذلك حين يقول:"وزعم بعض أصحابنا أن اليدين صفتان لله ، وقال القلانسي هما صفة واحدة " (٥) . ٥- وقال في الاستواء على العرش أن معناه:"كونه فوق العرش بلا مماسة" (٦) . ٦- أنه يقول: " بوجوب المعارف العقلية على العاقل من جهة العقل" (٧) . ٧- كما توقف في التفضيل بين على وعثمان (٨) . هذه أهم أقوال القلانسي، ويجعل شيخ الإسلام القلانسي من العراقيين الذين هم أكثر إثباتا من أهل خراسان وإن كان الجميع كلابية فيقول:"كما أن العراقيين المنتسبين الى أهل الإثبات من أتباع ابن كلاب كأبي العباس القلانسي وأبي الحسن الأشعري، وأبي الحسن على بن مهدي الطبري، والقاضي أبي بكر

стр. 458

ابن الباقلاني وأمثالهم أقرب الى السنة وأتبع لأحمد بن حنبل وأمثاله، من أهل خراسان المائلين الى طريقة ابن كلاب" (١) . * * * هؤلاء هم أهم أعلام مدرسة ابن كلاب قبل الأشعري الذى وافقهم في أبرز أقوالهم مع زيادة في الشرح والتفصيل ولذلك نسب إليه هذا المذهب. * * * موقف السلف من الكلابية: لما كانت موازين علماء أهل السنة ثابتة، ومنطلقاتهم مرتكزة على أساس متين لم تتغير مواقفهم من أهل الأهواء الذين يستحدثون بدعهم في كل زمن. ولذلك حذر السلف من أهل الكلام عموما وردوا بدعهم بل حذروا من علم الكلام الذى دخل منه الجهمية والمعتزلية والقدرية والرافضة وغيرهم. والكلابية- وان كانوا موافقين لأهل السنة في الرد على الجهمية والمعتزلة والرافضة وغيرهم- إلا أنهم تلبسوا بأشياء من أقوال أهل الكلام وبدعهم، ومن ثم ذمهم السلف وحذروا من أقوالهم التي خالفوا فها أهل السنة، وهذه نماذج لمواقف السلف منهم: أ- موقف الامام أحمد من الكلابية، فقد كان-﵀ معاصرا لزعمائهم ولذلك حذر منهم، ومواقفه من الحارث المحاسبي مشهورة، والإمام أحمد وإن كان لا يعجبه تصوف الحارث الا أن سبب هجره والتحذير منه إنما كان لقوله بأقوال أهل الكلام ويجمع على هذا جميع مترجمي المحاسبي تقريبا (٢) ، والعجب من السبكي حين يجعل موقف الامام أحمد من المحاسبي من كلام الأقران

стр. 459

الذين لا يقبل قول بعضهم في بعض (١) ، ولا شك أن القاعدة التي ذكرها السبكي لها قيمة كبرى في الجرح والتعديل ولكن تطبيقه لها هنا لم يصادف محلا، لأن الإمام أحمد انتقد عقيدة المحاسبي والبراهين واضحة جلية في دخوله علم الكلام وقوله ببعض أقوالهم، ولو سلمت هذه القاعدة بإطلاق لما قبل قول السلف في معاصريهم من المعتزلة والرافضة والجهمية والقدرية وغيرهم، وهذا مالا يقول به السبكي ولا غيره. ب- موقف الامام ابن خزيمة: كان في زمن ابن خزيمة علمان من أعلام الكلابية: أحدهما: أبو علي الثقفي، وهو شيخ خراسان أبو على محمد بن عبد الوهاب ابن عبد الرحمن بن عبد الوهاب، الثقفي، النيسابوري، الشافعي، الواعظ الزاهد ولد سنة ٢٤٤ هـ، قال عنه الصبغي:"ما عرفنا الجدل والنظر حتى ورد أبو علي الثقفي من العراق" (٢) ، وقال أبو عبد الرحمن السلمي:"كان إماما في أكثر علوم الشرع، مقدما في كل فن منه، عطل أكثر علومه واشتغل بعلم الصوفية وتكلم فيه أحسن كلام" (٣) ، وقال عنه البغدادي:"شيخ العلوم على الخصوص والعموم" وقال:"وتصانيف الثقفي ونقوضه على أهل الأهواء زائدة على مئة كتاب" (٤) وقال عنه الذهبي:"ومع علمه وكماله خالف الإمام ابن خزيمة في مسائل التوفيق والخذلان، ومسألة الايمان، ومسألة اللفظ، فألزم البيت، ولم يخرج منه الى أن مات وأصابه في ذلك محن" (٥) توفى الثقفي سنة ٣٢٨ هـ (٦) .

стр. 460

والثاني: أبو بكر الصبغي، وهو الإمام أبو بكر أحمد بن إسحاق بن أيوب بن يزيد، النيسابورى الشافعي المعروف بالصبغي، ولد سنة ٢٥٨ هـ كان يخلف إمام الأئمة ابن خزيمة في الفتوى بضع عشرة سنة، ومن تصانيفه كتاب الأسماء والصفات، وكتاب الايمان، وكتاب القدر، وكتاب الخلفاء الأربعة، وكتاب الرؤية، وكتاب الأحكام، وكتاب الإمامة، توفى سنة ٣٤٢ هـ (١) ، والعجيب أن ابن فورك الذي رد على كتاب التوحيد لابن خزيمة، رد أيضا على أحد كتب الصبغي وهو كتاب " الأسماء والصفات" (٢) . هذان الامامان: الثقفي والصبغي كانا من أخص تلامذة ابن خزيمة، وولكنهما مع إثباتهما للصفات كما يثبتها إلا أنهما يقولان بقول ابن كلاب أن الله لا يتكلم إذا شاء متى شاء وإنما كلامه أزلى، فلما علم بذلك ابن خزيمة ثارت ثائرته وغضب عليهم وعلى من معهم ممن يقول بقولهم، وجرت بينه وبينهم وقائع استتيبوا من قولهم، وهي قصة طويلة ذكرها الحاكم في تاريخ نيسابور، ونقل بعض أحداثها شيخ الإسلام ابن تيمية والذهبي (٣) . ج- أما غير الامام أحمد وابن خزيمة، فأبو عبد الرحمن السلمي كان يلعن الكلابية (٤) ، وكذلك أبو نصر السجزى (٥) ،وغيرهما (٦) .
следующие страницы →