← Акыда

Акыда · id 12766

موقف ابن تيمية من الأشاعرة

عبد الرحمن بن صالح المحمود

Полный текст (1 361 стр.). Показаны 631–670 · переход к 636.

стр. 631

الجائزات من ذلك كله إن لم يمكن اجتماعها في التأويل، ولا تخرج في ذلك عن منهاج العلماء، فقد اهتدى من اقتدى، ولن يأت أحد بأحسن مما أتى به من سبق أبداً " (١) ، وما منهجه في كتابه " قانون التأويل " وغيره (٢) إلا أكبر دليل على أشعريته. وابن العربي - مع أشعريته - تميز بأمور: ١- منها حياته الخاصة وجهوده الكبيرة في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، حتى جرى له لما تولى القضاء أمور كثيرة سببت عداء كثير من الناس له (٣) . ٢- تحقيقات أصولية وحديثية وفقهية أودعها كتبه المختلفة في الحديث والتفسير والأصول. ٣- دوره العظيم في الدفاع عن الصحابة وما جرى بينهم، والرد على مختلف الطوائف المنحرفة عن مذهب السلف في هذا الباب، وقد جاء ذلك في قسم من كتابه العواصم من القواصم (٤) . أما الشهرستاني (٥) فقد اشتهر بكتابيه الملل والنحل ونهاية الإقدام، كما كانت له ردود على الفلاسفة في كتابه " مصارعة الفلاسفة " وأكثر ما يميز مذهبه ومنهجه:

стр. 632

١- العناية بنقل أقوال الناس، وقد تمثل هذا بوضوح في كتابه " الملل والنحل " حيث اشتهر كأحد مؤرخي الفرق في ملية وغيرها، كما تمثل هذا أيضاً في بقية كتبه، فهو في مصارعة الفلاسفة ينقل أقوال الفلاسفة - وعلى رأسهم ابن سينا - بحروفها ثم يعقبها بالنقض والمناقشة، وكذلك فعل في كتابه نهاية الإقدام فإنه نقل أقوال أئمة الأشاعرة والمعتزلة. ٢- عرض المذهب الأشعري - بأقوال أئمته - وقد كان عنوان كتابه نهاية الإقدام في علم الكلام، يحمل دلالة معينة، فيها الانتصار للأشاعرة ومذهبهم الكلامي، ولم يكن الشهرستاني صاحب منهج محدد، بل كان ناقلاً لأقوال من سبقه، حاكماً بينها في بعض الأحيان (١) ، وفي الكتاب ردود على من يسميهم أهل التشبيه من الكرامية وغيرهم مع قسوته عليهم (٢) ، كما أن فيه ردوداً على المعتزلة وسماهم مرة بالخناثي لأنهم ليسوا مع الفلاسفة ولا الأشاعرة (٣) . ٣- الإقرار بالحيرة حتى وهو يؤلف كتابه في علم الكلام، ولذلك قال في أول صفحة من نهاية الإقدام، مستشهداً. لقد طفت في تلك المعاهد كلها ... وسيرت طرفي بين تلك المعالم فلم أرَ واضعاً كف حائر ... على ذقن أو قارعاً سن نادم (٤)

стр. 633

ولم يخل الكتاب من عبارات الحيرة (١) . ٤- رد على الفلاسفة ردوداً قوية، لكنه مع ذلك تأثر بأقوالهم، ومن أبشع الأمور التي تأثر فيها بهم قوله بجواز وجود الجواهر العقلية والنفوس الفلكية المجردة (٢) . * * * وابن عساكر (٣) اشتهر كمدافع عن المذهب الأشعري في كتابه المشهور شهرة واسعة: " تبيين كذب المفتري فيما نسب إلى الإمام الأشعري " (٤) ، وقد كان لخليفته الحديثية والتاريخية أثر في منهج الكتاب وقدرته على الدفاع عن أبي الحسن الأشعري، كما أن هذا الكتاب يصح أن يسمى: طبقات الأشاعرة، لأنه ترجم لأعلامهم منذ الأشعري وإلى عصره.

стр. 634

- فخر الدين الرازي: ت ٦٠٦هـ. هو محمد بن عمر بن الحسن بن علي، فخر الدين أبو عبد الله، القرشي البكري، الطبرستاني، الرازي (١) ، ولد سنة ٥٤٤هـ، تتلمذ على والده ضياء الدين (٢) المعروف بخطيب الري، ولذلك اشتهر ولده الفخر بابن خطيب الري، ولما توفي والده تتلمذ علي الكمال السمناني (٣) ، ومجد الدين الجيلي (٤) الذي لازمه الفخر حتى في أسفاره وقد أخذ عنه الفلسفة كما أخذ عن أبيه ضياء الدين الفقه وعلم الكلام. وحياة الرازي (٥) برز فيها جانبان: الأول: رحلاته المتكررة، إلى كل من خوارزم، وطوس، وبلاد ما وراء النهر، وهراة التي استقر ومات بها، وقد جرت له في رحلاته مناظرات عديدة

стр. 635

مع المعتزلة والكرامية وغيرهم، وكثيراً ما تشتد الخصومة بينه وبين معارضيه فيضطر إلى مغادرة المكان الذي هو فيه. الثاني: اتصاله بالملوك والسلاطين، وتأليفه أغلب كتبه لهم، وقد استفاد من صلته بهم - خاصة خوارزم شاه وولده محمداً - مالاً وجاهاً عريضاً، وقد توفي الرازي سنة ٦٠٦ هـ. أما تلاميذ الرازي فهم كثيرون - بخلاف شيوخهـ ومن أبرزهم: أفضل الدين الخونجي (١) - صاحب المنطق - وأثير الدين الأبهري (٢) ، وتاج الدين الأرموي (٣) وغيرهم (٤) . أما مؤلفاته فكثيرة جداً شملت فنون التفسير، والفقه، وأصوله، وعلم الكلام والفلسفة، والبلاغة، وغيرها، وقد استقصى الحديث عنها - مع بيان مخطوطاتها وما طبع منها - محمد صالح الزركان في كتابه " فخر الدين الرازي وآراؤه الكلامية والفلسفية " (٥) ، وأهم كتبه المطبوعة: ١- التفسير. ٢- المحصول في أصول الفقه. ٣- المباحث المشرقية.

стр. 636

٤- محصل أفكار المتقدمين والمتأخرين من العلماء والحكماء والمتكلمين. ٥- أساس التقديس. ٦- معالم أصول الدين. ٧- لوامع البينات شرح أسماء الله تعالى والصفات. ٨ - شرح الإشارات والتنبيهات لابن سينا. ٩- الأربعين في أصول الدين. ١٠- عصمة الأنبياء. ١١- مناظرات فخر الدين الرازي في بلاد ما وراء النهر. ١٢- نهاية الإيجاز في دراية الإعجاز. ١٣- اعتقادات فرق المسلمين والمشركين. ١٤- مناقب الإمام الشافعي. ١٥- الخمسين في أصول الدين. ١٦- لباب الإشارات. أما المخطوطة فمنها. ١٧- المطالب العالية، طبع منه جزء يتعلق بالنبوات، ولم يتمه وهو من أواخر كتبه. ١٨- أقسام اللذات، آخر كتبه. ١٩- الملخص في الحكة والمنطق. ٢٠- شرح عيون الحكمة لابن سينا. ٢١- نهاية العقول. وغيرها كثير.

стр. 637

- منهج الرازي وأثره في تطور المذهب الأشعري . أولاً: يمثل الرازي مرحلة خطيرة في مسيرة المذهب الأشعري، فهذا الإمام الشافعي الأشعري (١) ترك مؤلفات عديدة دافع فيها عن المذهب الأشعري بكل ما يملكه من حجج عقلية، كما أنه أفاض في بعضها في دراسة الفلسفة فوافق أصحابها حيناً وخالفهم حيناً آخر، بل وصل الأمر به إلى أن يؤلف في السحر والشرك ومخاطبة النجوم. وقد اختلفت آراء الناس فيه بين مادح وقادح، ومدافع عنه منافح، وناقد له جارح، وقد انتهى في آخر عمره إلى أن الحق في الرجوع إلى مذهب أهل الحديث وهو الاستدلال بالكتاب والسنة، ولكن بقيت المشكلة في مؤلفاته الكلامية والفلسفية التي انتشرت وتلقفها المهتمون بهذه الأمور، لذلك اختلفت أقوال الناس فيه وفي مؤلفاته: فالسبكي - على عادته في أمثاله - كال له المدح كيلاً بلا حساب، حتى وصل الأمر إلى أن يقول فيه " وله شعار أوى الأشعري من سننه إلى ركن شديد، وعتزال المعتزلي علماً أنه ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد " (٢) ، وفي معيد النعم لما هاجم الفلسفة وأعلامها كابن سينا والفاراي ونصير الدين الطوسي وهاجم الذين حاولوا مزج الفلسفة بكلام علماء الإسلام أورد على نفسه هذا الاعتراض قائلاً: " فإن قلت: فقد خاض حجة الإسلام الغزالي والإمام فخر الدين الرازي في علوم الفلسفة ودونوها، وخلطوها بكلام المتكلمين فهلا تنكر عليهما؟ " - ثم أجاب قائلاً -:" قلت: إن هذين إمامان جليلان، ولم يخض واحد منهما في هذه العلوم حتى صار قدوة في الدين، وضربت الأمثال باسمهما في معرفة على الكلام على طريقة أهل السنة والجماعة من الصحابة والتابعين فمن بعدهم، فإياك أن تسمع شيئاً غير ذلك، فتضل ضلالاً مبيناً، فهذان إمامان عظيمان وكان حقاً عليهما نصر المؤمنين وإعزاز هذا الدين بدفع ترهات أولئك المبطلين، فمن وصل إلى مقامهما لا ملام عليه بالنظر في الكتب الفلسفية، بل هو مثاب مأجور " (٣) ، وليس هذا موضع مناقشة هذه الفكرة التي يطرحها

стр. 638

السبكي مدافعاً فيها عن شيوخه من الأشاعرة، وإنما القصد الاستشهاد بأقوال الذين دافعوا عن الرازي وفلسفته، وكان منهم ابن خلكان الذي قال عنه بعد تعداده لمؤلفاته: " وكل كتبه ممتعة، وانتشرت تصانيفه في البلاد، ورزق فيها سعادة عظيمة، فإن الناس اشتغلوا بها ورفضوا كتب المتقدمين، وهو أول من اخترع هذا الترتيب في كتبه: وأتى فيه بما لم يسبق إليه " (١) ، كما دافع عنه أبو حيان والصفدي وأبو شامة (٢) . أما الذين انتقدوه فكثيرون جداً، منهم ابن جبير الذي قال عنه في رحلته - كما نقل الصفدي -: " دخلت الري فوجدت ابن خطيبها قد التفت عن السنة وشغلهم بكتب ابن سينا وأرسطو " (٣) ، ونقل أبو شامة أن الشناعات عليه قائمة بأشياء منها " أنه كان يقول: قال محمد التازي (٤) يعني العربي: يريد النبي ﷺ ، وقال محمد الرازي، يعني نفسه، ومنها أنه كان يقرر في مسائل كثيرة مذاهب الخصوم وشبههم بأتم عبارة فإذا جاء إلى الأجوبة اقتنع بالإشارة " (٥) ، ثم مدحه ودافع عنه، وقال في بعض المغاربة: " يورد الشبه نقداً، ويحلها نسيئة " (٦) ، وقال الطوفي الصرصري المتوفى سنة ٧١٦هـ: " وأجمع ما رأيته من التفاسير لغالب علم التفسير كتاب القرطبي، وكتاب مفاتيح الغيب، ولعمري كم فيه من زلة وعيب، وحكى لي الشيخ شرف الدين

стр. 639

النصيبي (١) المالكي أن شيخه الإمام الفاضل سراج الدين المغربي السرمساحي (٢) ، المالكي صنف كتاب المآخذ على مفاتيح الغيب، وبين ما فيه من البهرج والزيف في نحو مجلدين، وكان ينقم عليه كثيراً، خصوصاً إيراده شبه المخالفين في المذهب والدين على غاية ما يكون من القوة وإيراد جواب أهل الحق منها على غاية ما يكون من الوحي (٣) ، ولعمري إن هذا لدأبه في غالب كتبه الكلامية والحكمية، كالأربعين، والمحصل، والنهاية، والمعالم، والمباحث المشرقية، ونحوها، وبعض الناس يتهمه في هذا وينسبه إلى أنه ينصر بهذا الطريق ما يعتقده ولا يجسر على التصريح به، ولعمري إن هذا ممكن، لكنه خلاف ظاهر حاله، فإنه ما كان يخاف من قول يذهب إليه، أو اختيار ينصره، ولهذا تناقضت آراؤه في سائر كتبه، وإنما سببه عندي، أنه كان شديد الاشتياق إلى الوقوف على الحق كما صرح به في وصيته التي أملاها عند موته، فلهذا كان يستفرغ وسعه ويكد قريحته في تقرير شبه الخصوم، حتى لا يبقى لهم بعد ذلك مقال، فتضعف قريحته عن جوابها على الوجه، لاستفراغه قوتها في تقرير الشبه ... " (٤) ، وقال الذهبي عنه - وقد ترجم له في الميزان في حرف الفاء باسم الفخر -: " رأس في الذكاء والعقليات لكنه عرى عن الآثار، وله تشكيكات على مسائل من دعائم الدين تورث الحيرة نسأل الله أن يثبت الإيمان في قلوبنا، وله كتاب السر المكتوم في مخاطبة النجوم، سحر صريح، فلعله تاب من تأليفه إن شاء الله تعالى " (٥) . أما الشهرزوري المتوفى سنة ٣٨٧هـ، تقريباً - فقد نقده نقداً لاذعاً - من منطلق فلسفي إشراقي (٦) وقال عنه " له مصنفات في أكثر العلوم

стр. 640

إلا أنه لا يذكر في زمرة الجكماء المحققين، ولا يعد في الرعيل الأول من المدققين، أورد على الحكماء شكوكاً وشبهاً كثيرة وما قدر أن يتخلص منها، وأكثر من جاء بعده ضل بسببها، وما قدر على التخلص منها" (١) ، ويقول عنه أيضاً: " هو شيخ مسكين، متحير في مذاهبه التي يخبط فيها خبط عشواء" (٢) . هذه أقوال الناس فيه مدحاً وذماً، ومنها يتبين كيف كان الرازي - بمؤلفاته العديدة ذا أثر واضح فيمن جاء بعده من الأشاعرة الذين رأوا فيه علماً من أعلامهم المنافحين عن مذهبهم ضد مخالفيهم من مختلف الطوائف. ثانياً: هناك مسألة تحتاج إلى بيان، وهي أن الرازي بلا شك خاض في علم الكلام والفلسفة، فعلى أي وجه كان خوضه فيهما؟ وما خلاصة منهجه وعقيدته؟ هل كان فيلسوفاً مثل ابن سينا والفارابي وغيرهما؟ أم كان متكلماً مناهضاً للفلسفة؟ أم أنه متكلم متفلسف يؤيد الفلاسفة حيناً ويؤيد المتكلمين حيناً آخر؟ أم أنه مر بمراحل في حياته، يميل إلى الفلسفة في مرحلة ثم يتخلى عنها إلى علم الكلام في مرحلة لاحقة؟ (٣) . هذه أهم الأقوال في حقيقة منهج الرازي وعقيدته التي سطرها في كتبه، والأقوال الثلاثة الأولى منها لا تعارض بينها، لأن من وصفه بأنه فيلسوف فقد بنى قوله على كتبه الفلسفية الواضحة كالمباحث المشرقية وشرح الإشارات، وشرح عيون الحكمة، وهذه كتب نهج فيها الرازي نهج الفلاسفة وهو وإن ناقشهم فيها أحياناً أو جعل فيها قسماً للإلهيات فذلك لأن كتب الفلاسفة الإسلام نفسها فيها أشياء من هذا ولم تخرج كتبهم عن أن تكون كتباً فلسفية، ومن قال إنه متكلم - أشعر - فقد بنى ذلك على كتب الرازي التي تبنى فيها

стр. 641

-بقوة- مذهب الأشاعرة كالأربعين وأساس التقديس ونهاية العقول والمعالم وغيرها وهؤلاء جعلوا خوضه في الفلسفة مثل خوض الغزالي فيها وإنما هو للرد على الفلاسفة ونقض أقوالهمن ومن قال إنه متكلم متفلسف فقد عبر فعلاً عن ما تحويه كتبه من موافقة لأهل الفلسفة وأهل الكلام. أما القول الرابع وهو أن الرازي مر بمراحل فقد تبناه الدكتور محمود قاسم، وتابعه في ذلك تلميذه محمد صالح الزركان، وعلى هذا الرأي بنى رسالته العلمية عن الرازي (١) ، فذكر - في كل مسألة من مسائل الفلسفة أو العقيدة - أن الرازي مر فيها بمرحلتين أو أكثر حسب ما هو موجود في كتبه المختلفة، ونظراً لأن هذه الدراسة انتشرت وتناقل أفكارها كثير من الباحثين، فأود أن أسجل عليها الملاحظات التالية وهي ملاحظات تفيد في التعرف على منهج الرازي وعقيدته: أ - يقول الزركان " نظراً إلى اختلاف آراء الرازي في معظم المسائل فقد تبادر إليّ بادئ الأمر أنني حيال تناقض واضطراب، وبالفعل كتبت الرسالة مفسراً ما أجده من تعارض آرائه بالتناقض، إلا أن أستاذنا الدكتور محمود قاسم رأى - بعد أن قرأ ما كتبت - أن الأمر ليس تناقضاً، بل هو تطور، وعندئذ عدت إلى أوراقي أقرؤها واضعاً واضعاً نصب عيني الترتيب الزماني لمؤلفات الرازي، فاتضح لي صدق نظرة أستاذنا ومن ثم اضطررت إلى تغيير أكثر ما دونته أولاً" (٢) ، والذي يتبادر إلى الذهن من هذا الكلام أنه قصد من تغيير منهجه في الدراسة إلى أن يتخلص من الحكم بتناقض الرازي، وليس هناك مبرر واضح لهذا التغيير، وكل إنسان ألف كتباً عديدة لابد أن يكون قد ألفها في أزمان متتالية، والتطور إنما يكون للآراء والأفكار، ولو أن الرازي كان أشعرياً في أول أمره ثم تحول إلى الفلسفة ورد على الأشاعرة، أو بالعكس، لكان هذا تطوراً واضحاً، ولكن من خلال تتبع مؤلفاته تبين أنه ألف ف وقت مبكر كتباً فلسفية وأشعرية،

стр. 642

وكذا في وسط حياته، ومثله في آخر حياته، ثم إن الرازي في واحد من كتبه المتقدمة التي وافق فيها بعض آراء الفلاسفة وصف بعض أقوالهم بأنها خرافات، وقال: إنه لا يقبل مقالات الأولين (١) ، فكيف يقال: إنه في أول أطواره كان أرسطياً مشائياً؟ وإن كتابه " المباحث المشرقية" يمثل هذه المرحلة؟ والرازي يتناقض في الكتاب الواحد من كتبه، وقد ذكر الزركان مثالاً على ذلك (٢) ، فهل يقال في مثل هذا: إن مذهبه قد تطور؟ ب - سار الزركان في دراسته على تتبع جزئيات المسائل، وعرض تطور مذهبه في كل واحدة منها على حده، ومن المعلوم أن المسائل يترتب بعضها على بعض، فمن وافق الفلاسفة أو المعتزلة أو الأشاعرة فلا بد أن تكون موافقته لعموم المسائل التي يقوم عليها هذا المذهب - خاصة الأصولية منها -، والمتتبع لما عرضه الباحث لتطور مذهب الرازي في كل مسألة لا يرى أنه تسير نسقاً متقارباً - ولا أقول واحداً - والسبب في ذلك أن الرازي - وهو المكثر في تآليفه - كان يرجح في كل مسألة ما يتوصل إليه عند كتابتها، ثم قد يعود إلى المسألة نفسها في كتاب آخر ويرجح ترجيحاً مخالفاً لترجيحه الأول، والناظر فيما كتبه الباحث حيال ثلاث من أهم المسائل الفلسفية والكلامية، وهي مسألة: هل الوجود زائد على الماهية، والمثل الأفلاطونية، وتماثل الأجسام (٣) وتطور مذهب الرازي في كل واحد منها، يستنتج منها أنه كان مضطرباً بشكل واضح وأن من الصعوبة بمكان القول بأن مذهبه تطور فيها. جـ - يقول الرازي في كتابه في الفرق عن الفلاسفة - وقد صنفهم ضمن الفرق الخارجين عن الإسلام بالحقيقة والاسم -: " مذهبهم أن العالم قديم وعلته مؤثرة بالإيجاب، وليست فاعلة بالاختيار، وأكثرهم ينكرون علم الله تعالى،

стр. 643

وينكرون حشر الأجسام، وكان أعظمهم قدراً أرستطاليس، وله كتب كثيرة، ولم ينقل تلك الكتب أحد أحسن مما نقله الشيخ الرئيس أبو علي بن سينا الذي كان في زمن محمود بن سبكتكين، وجميع الفلاسفة يعتقدون في تلك الكتب اعتقادات عظيمة" ثم يقول بعد هذا مباشر مبيناً أسباب دراسته لكتبهم: " وكنا نحن في ابتداء اشتغالنا بتحصيل علم الكلام تشوقنا إلى معرفة كتبهم لنرد عليهم، فصرفنا شطراً صالحاً من العمر في ذلك حتى وفقنا الله تعالى في تصنيف كتب تتضمن الرد عليهم ككتاب نهاية العقول، وكتاب المباحث المشرقية، وكتاب الملخص، وكتاب شرح الإشارات ... [وذكر كتباً أخرى] .. وهذه الكتب بأسرها تتضمن شرح أصول الدين وإبطال شبهات الفلاسفة وسائر المخالفين، وقد اعترف الموافقون والمخالفون أنه لم يصنف أحد المتقدمين والمتأخرين مثل هذه المصنفات، وأما المصنفات الأخرى التي صنفناها في علم آخر فلم نذكرها هنا" ثم يقول عن الاتهامات التي وجهت إليه بسبب كتبه: " ومع هذا فإن الأعداء والحساد لا يزالون يطعنون فينا وفي ديننا، مع ما بذلنا من الجد والاجتهاد في نصرة اعتقاد أهل السنة والجماعة، ويعتقدون أني لست على مذهب أهل السنة والجماعة، وقد علم العالمون أنه ليس مذهبي ولا مذهب أسلافي إلا مذهب أهل السنة والجماعة، ولم تزل تلامذتي ولا تلامذة والدي في سائر أطراف العالم يدعون الخلق إلى الدين الحق والمذهب الحق، وقد أبطلوا جميع البدع، وليس العجب من طعن هؤلاء الأضداد الحساد بل العجيب من الأصحاب والأحباب كيف قعدوا عن نصري والرد على أعدائي " (١) ، وهذا الكلام يدل على أن الرازي وهو يؤلف في الفلسفة كان قاصد للرد على أصحابها من منطلق مذهبه الأشعري، ولكنه لما خاض في هذه الأمور اجتهد في عرض مذاهبهم وأقوالهم وحجبهم بأسلوبه، كما فعل الغزالي في مقاصد الفلاسفة، وكانت للرازي في أثناء عرضه لهذه الأمور ترجيحات وافق في بعضها مذهب الفلاسفة، ولم يكن في وقت من الأوقات فلسفياً خالصاً حتى يقال: إن مذهبه قد تطور.

стр. 644

د - هناك جانب لابد من الانتباه إليه بالنسبة للذين خاضوا في الفلسفة من علماء الأشاعرة، وهو أنهم يحرصون كثيراً على إخفاء ما عندهم من عقائد توافق مذاهب الفلاسفة، ولذلك فهم يكتمون بعض أمورهم ويلمحون لذلك في مواضع من كتبهم، وأبرز الأمثلة على ذلك الغزالي - كما سبق - أما الرازي فكان خوضه في علوم الفلاسفة صريحاً حتى هاجمه وانتقده - بسبب ذلك - بعض علماء الأشاعرة ومع ذلك فوصل الأمر به إلى إخفاء بعض الأمور، ومن الأمثلة على ذلك: ١- قوله في المباحث المشرقية حين عرض لمسألة العقول والجواهر المجردة التي قال بها الفلاسفة: " هذا ما نقوله في هذا الموضع وهذا الفصل من كلامنا، وهو مشتمل على رموز ونكت من استحضر الأصول الماضية وقف عليها، وظفر منها بالحق الذي لا محيص عنه، ولكنا تركناها مستورة لئلا يصل إليها إلا من هو أهلها " (١) . ٢- وفي شرحه لكتاب الإشارات والتنبيهات قال بعد ذكر قول ابن سينا في آخرها: " خاتمة ووصية: إني قد مخضت لك في هذه الإشارات عن زبدة الحق، وألقمتك قفيّ الحكم في لطائف الكلم، فصنه عن الجاهلين والمبتذلين، ومن لم يرزق الفطنة الوقادة، والدربة والعادة، وكان صغاه مع الغاغة، أو كان من ملاحدة هؤلاء الفلاسفة ومن همجهم، فإن وجدت من تثق بنقاء سريرته واستقامة سيرته وبتوقفه عما يتسرع إليه الوسواس، وبنظره إلى الحق بعين الرضا والصدق، فآته ما يسألك منه، مدرجاً، مجزأ، مفرقاً، تستغرس مما تسلفه لما تستقبله، وعاهده بالله وبأيمان لا مخارج لها، ليجرى فيما تأتيه مجراك متأسياً بك، فإن أذعت هذا العلم، أو أضعته فالله بيني وبينك وكفى بالله وكيلاً " (٢) ، قال الرازي معلقاً على هذا الكلام: " وأنا أيضاً أوصيك يا أخي في الدين وصاحبي في طلب اليقين أن تعمل بهذا الشرح ما أمرك الشيخ به،

стр. 645

وأن لا تعدل عن قانون قوله، فإنك بعد إطلاعك على ما فيه، ووقوفك على حقائقه ومعانيه تعلم أن الضنة إن حسنت في المشروح فهي واجبة في الشرح لكثرة ما فيها من الحقائق الدقيقة والمباحث العميقة " (١) . ٣- والرازي - مثل الغزالي- يقسم الناس إلى خواص وعوام، فيقول في معرض تعداده لما ذكره العلماء من فوائد للمتشابهات في القرآن: " الوجه الخامس - وهو السبب الأقوى في هذا الباب - أن القرآن كتاب مشتمل على دعوة الخواص والعوام بالكلية، وطبائع العوام تنبو في أكثر الأمر عن إدراك الحقائق، فمن سمع من العوام في أول الأمر إثبات موجود ليس بجسم ولا بمتحيز ولا مشار إليه، ظن أن هذا عدم ونفي فوقع في التعطيل، فكان الأصلح أن يخاطبوا بألفاظ دالة على بعض ما يناسب ما يتوهمونه ويتخيلونه، ويكون ذلك مخلوطاً بما يدل على الحق الصريح" (٢) ، وليس المقصود رد ما في كلامه من الباطل، وإنما بيان منهجه وأنه يقسم الناس إلى عوام وخواص. فهذه الشواهد - من كلامه - تدل على أن الرازي يوافق الفلاسفة ويحسن الظن بعلومهم ويعتقد أنها لا تخالف علم الكلام (٣) ، وهذا يدل على خطورة مذهبه ومنهجه، وأنه متكلم متفلسف خلط هذا بهذا، وقد اقتدى به كثير ممن أتى بعده. ثالثاً: من القضايا المتعلقة بمنهج الرازي أنه يعتبر من الذين خلطوا الكلام بالفلسفة، وقد انتقده في ذلك بعض متأخري الأشعرية حتى قال السنوسي في شرح السنوسية الكبرى عنه "وقد يحتمل أن يكون سبب دعائه بهذا ما علم من حاله من الولوع بحفظ آراء الفلاسفة وأصحاب الأهواء وتكثير الشبه لهم، وتقوية إيرادها، ومع ضعفه عن تحقيق الجواب عن كثير منها على ما يظهر من تآليفه،

стр. 646

ولقد استرقوه في بعض العقائد فخرج إلى قريب من شنيع أهوائهم، ولهذا يحذر الشيوخ من النظر في كثير من تآليفه " (١) ، وقال أيضاً في شرحه لعقيدته الأخرى "أم البراهين": " وليحذر المبتدي جهده أن يأخذ أصول دينه من الكتب التي حشيت بكلام الفلاسفة وأولع مؤلفوها بنقل هوسهم وما هو كفر صراح من عقائدهم التي ستروا نجاستها بما ينبههم على كثير من اصطلاحاتهم وعباراتهم التي أكثرها أسماء بلا مسميات، وذك ككتب الإمام الفخر في علم الكلام، وطوالع البيضاوي ومن حذا حذوهما في ذلك، وقل أن يفلح من أولع بصحبة الفلاسفة " (٢) ، وأشعرية الرازي لا يتطرق إليها أي شك، وهو وإن خالفهم أحياناً أو ردّ على بعض أعلام الأشاعرة إلا أنه وضع بعض التآليف التي أصبحت فيما بعد عمدة يعتمد عليها الأشاعرة، وذلك مثل كتابه المحصل، والمعالم، والأربعين، والخمسين، وأساس التقديس، وهذا الأخير يعتبر من أقوى كتبه الأشعرية وأهمها ولذلك أفرد له شيخ الإسلام ابن تيمية كتاباً من أهم كتبه وأكبرها - وهو وإن كان لم يصل إلينا كاملاً - إلا أن الذين ذكروه تحدثوا عنه بما يفيد أنه أكبر من درء تعارض العقل والنقل، وما وجد من هذا الكتاب - مطبوعاً ومخطوطاً - يدل على أن شيخ الإسلام تتبع أقوال الرازي كلمة كلمة وعبارة عبارة ونقضها وبين ما فيها من مخالفة لمذهب السلف، وقد ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية في مقدمة رده على الرازي مكانته ومنزلته بين أتباعه فقال: " فلهذا ذكرت ما ذكره أبو عبد الله محمد بن عمر الرازي، المعروف بابن خطيب الري، الإمام المطلق في اصطلاح المقتدين به من أهل الفلسفة والكلام، المقدم عندهم يجعلونه في زمنه ثاني الصديق في هذا المقام لما رده في ظنهم من أقاويل الفلاسفة بالحجج العظام، والمعتزلة ونحوهم، ويقولون: إن أبا حامد ونحوه لم يصل إلى تحقيق ما بلغه هذا الإمام، فضلاً عن أبي المعالى ونحوه ممن عندهم فيما يعظمونه من

стр. 647

العلم والجدل بالوقوف على نهاية الإقدام، وأن الرازي أتى في ذلك منتهى نهاية العقول والمطالب العالية بما يعجز عنه غيره من ذوي الإقدام، حتى كان فهم ما يقوله عندهم هو غاية المرام، وإن كان فضلاؤهم مع ذلك معترفين بما في كلامه من كثر التشكيك في الحقائق، وكثرة التناقض في الآراء والطرائق، وأنه موقع لأصحابه في الحيرة والاضطراب، غير موصل إلى تحقيق الحق الذي تسكن إليه النفوس وتطمئن إليه الألباب، لكنهم لم يروا أكمل منه في هذا الباب، فكان معهم كالملك مع الحجاب، وكان له من العظمة والمهابة في قلوب الموافقين له والمخالفين ما قد سارت به الركبان، لما له من القدرة على تركيب الاحتجاج والاعتراض في الخطاب " (١) . أما ما يدل على دخوله في الفلسفة فأمور: أ - اهتمامه بكتب ابن سينا وغيره، ففي المباحث المشرقية اعتمد كثيراً على أقوال ابن سينا ونقلها، كما أنه شرح الإشارات، واختصرها، وشرح عيون الحكمة - وكلها لابن سينا - وقد سبق نقل كلام الرازي في مدحه وأنه قال عنه أنه أحسن من نقل كتب الأقدمين من الفلاسفة، واهتمام الرازي بهذه الكتب بحد ذاته يدل على إعجابه بها، وهو وإن نقد بعض فصولها إلا أنه في نفس الوقت وافقهم على ما في الفصول الأخرى. ب - لم يقتصر الأمر على شرح كتب الفلاسفة، بل دافع عنها، حتى أنه لما ورد بخاري وسمع أن أحداً من أهلها أورد إشكالات على إشارات ابن سينا، رد عليه وناقشه في قصة ذكرها القزويني (٢) ، كما أنه دافع عن عموم الفلاسفة فقال في إحدى المناسبات: " وإذا أمكن تأويل كلام القوم على الوجه الذي فصلناه فأي حاجة بنا إلى التشنيع عليهم وتقبيح صورة كلامهم " (٣) .

стр. 648

جـ - لما ذكر الأقوال في المعاد وهل يكون للروح أو للجسد والروح ذكر قول القائلين بالمعاد الروحاني والجسماني معاً - وقال بعد ذكر عنوان هذا الفصل -: " أعلم أن كثيراً من المحققين قالوا بهذا القول، وذلك لأنهم أرادوا الجمع بين الحكمة والشريعة"، ثم قال بعد شرح قولهم: " فهذا المعنى لم يقم على امتناعه برهان عقلي، وهو جمع بين الحكمة النبوية والقوانين الفلسفية فوجب المصير إليه " (١) ، ونصوص المعاد من أوضح ما ورد بيانه في القرآن، ومع ذلك فالرازي يرى وجوب المصير إلى هذا القول لموافقته للقوانين الفلسفية. د - موافقته لأقوال الفلاسفة في بعض المسائل التي اختصوا بها، وهو وإن رجع عن بعضها إلا أن أقواله وترجيحاته بقيت مدونة في كتبه، ومن أهم الأمثلة على ذلك: ١- قوله بالعقول المجردة، وأن لكل ملك نفساً (٢) ، ويرى أن دليل المتكلمين على إبطال ما قاله الفلاسفة من وجود العقول المجردة دليل ضعيف (٣) . ٢- قوله بالمثل الأفلاطونية في بعض كتبه، فقد أثبتها في الملخص في الحكمة والمنطق (٤) ، وقال في شرح الإشارات: " ما قامت الدلالة القاطعة على فسادها " (٥) ، ولكنه في المباحث المشرقية أبطلها (٦) . ٣- وأخطر قضية قال بها ووافق فيها فلاسفة قوله بالتنجيم وأن الكواكب أرواحاً تؤثر في الحوادث الأرضية، وكذلك قوله في السحر، وتأليفه في ذلك كتاباُ مستقلاً سماه " السر المكتوم في مخاطبة النجوم" وقد أثار هذا الكتاب جدلاً

стр. 649

حول صحة نسبته إليه، واختلف حوله، بين نافٍ، وشاكٍ، ومثبتٍ، وقد عرض الزركان الخلاف حوله، واستقصى أقوال العلماء في ذلك، ثم رجح صحة نسبته إليه (١) ، وممن رجح ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية في مواضع متفرقة من كتبه (٢) ، وكتاب السر المكتوم أشار إليه الرازي وأحال عليه في بعض كتبه (٣) ، وقد وصل إلينا وطبع في الهند، إلا أن الذي يدل دلالة قاطعة على صحة نسبة هذا الكتاب إليه أنه ذكر هذه المسألة في كتاب من أواخر كتبه وأشهرها - ولم يتمه - وهو كتاب المطالب العالية، وقد قال فيه - عند حديثه عن السحر وأقسامه وهو القسم الثالث في كتاب النبوات - "اعلم أنا ما رأينا إنساناً عنده في هذا العلم شيء معتبر، وما رأينا كتاباً مشتملاًِ على أصول معتبرة في هذا الباب إلا أنا لما تأملنا حصلنا فيه أصولاً وجملاً، فمن جاء بعدنا وفاز بالفوائد والزوائد في هذا الباب فليكن شاكراً لنا حيث رتبنا له هذه الأصول المضبوطة والقواعد المعلومة " (٤) ، ثم يقول: " ثبت بالدلائل الفلسفية أن مبادئ حدوث الحوادث في هذا العالم هو الأشكال الفلكية والاتصالات الكوكبية، ثم إن التجارب المعتبرة في علم الأحكام [أي أحكام النجوم] انضافت إلى تلك الدلائل، فقويت تلك المقدمة جداً " (٥) ، ثم ذكر الأدلة على صحة هذا العلم وأن منها إطباق من قديم الدهر على التمسك بعلم النجوم (٦) ، ثم قال بعد ذكره لوجوه صعوبة هذا العلم: " فهذا ضبط الوجوه المذكورة في بيان أن الوقوف على أحوال هذا العلم بالتمام والكمال صعب، إلا أن العقلاء اتفقوا على أن ما لا يدرك كله لا يترك كله، فهذا العلم وإن كان صعب المرام

стр. 650

من هذه الوجوه إلا أن الاستقراء يدل على حصول النفع العظيم فيه، وإذا كان كذلك وجب الاشتغال بتحصيله والاعتناء بشأنه، فإن القليل منه كثير بالنسبة لمصالح البشر " (١) ، وله بعد ذلك كلام غريب وخطير في هذا الباب (٢) . وقد كان من آثار هذا الشرك الصريح، أنه ذكر أن من الأنواع المعتبرة في هذا الباب اتخاذ القرابين وإراقة الدماء، فقال: " إنه لما دلت التجارب عليها وجب المصير إليها" (٣) ، بل قال بتعظيم المزارات والقبور وأن الدعاء عندها فيه فائدة فقال في معرض ذكره لحجج القائلين بأن النفس جوهر روحي مفارق - وهو ما رجحه في كتابه هذا-: " الحجة الثالثة: جرت عادة العقلاء بأنهم يذهبون إلى المزارات المشرفة، ويصلون وتصدقون عندها، ويدعون في بعض المهمات فيجدون آثار النفع ظاهرة، ونتائج القول لائحة، حكى أن أصحاب أرسطو كانوا كلما صعبت عليهم مسألة ذهبوا إلى قبره وبحثوا فيها كانت تنكشف لهم تلك المسألة، وقد يتفق أمثال هذا كثيراً عند قبور الأكابر من العلماء والزهاد في زماننا، ولولا أن النفوس باقية بعد البدن، وإلا لكانت تلك الاستعانة بالميت الخالي من الحس والشعور عبثاً، وذلك باطل " (٤) . هذه أقوال هذا الإمام الذي يقتدي به الكثيرون، ولعل الرازي قد تاب من ذلك قبل وفاته ولا حول ولا قوة إلا بالله، ونعوذ به من زيغ القلوب، ونسأله الثبات على دينه الحق إلى أن نلقاه. ٤- ومن المسائل التي كان قوله فيها مضرباً، وكثيراً ما يميل فيها إلى أقوال الفلاسفة، مسألة النبوة، وخصائص النبي (٥) .

стр. 651

رابعاً: تصوف الرازي. تصوف الرازيقريب مما انتهى إليه تصوف الغزالي، فهو تصوف فلسفي، يقوم على أن التجرد بالرياضة مع العلم والفلسفة يقودان إلى إلى الكشوفات المباشرة (١) ، ولذلك حين يدلل على مذهبه في بقاء النفس الذي وافق فيه الفلاسفة يذكر منها: " أن عند الرياضيات الشديدة يحصل للنفس كمالات عظيمة وتلوح لها الأنوار وتنكشف لها المغيبات " (٢) ، ولما وصل إلى النمط التاسع في الإشارات والتنبيهات وهو في "مقامات العارفين"، قال الرازي في شرحه: " هذا الباب أجل ما في هذا الكتاب، فإنه رتب علوم الصوفية ترتيباً ما سبقه إليه من قبله ولا لحقة من بعده" (٣) ، وقال معلقاً على كلامه في التفريق والجمع - وهما من اصطلاحات الصوفية-: " لقد وفق المصنف في هذا الفصل حتى جمع في هذه الألفاظ القليلة جميع مقامات السالكين إلى الله، واعلم أن السالكين إلى الله تعالى لا بد وأن يتكلفوا الإعراض عن لذات الدنيا وشهواتها، ولا يزالون في كلفة وتكلف من ذلك إلى أن يزول عن قلبهم حبها والميل إليها، وهو الدرجة الثانية إلا أن منتهى سعيهم وثمرة اجتهادهم ليس إلا محو ما سوى الله عن القلب،.. [ثم يذكر الدرجة الثالثة والرابعة، ثم يقول] فهذه درجات التخلية وهي في لسان الحكمة درجات الرياضيات السلبية، وفي لسان محققي الصوفية درجات التخلق بنعوت، وأما درجات الرياضيات الإيجابية المسامة عند المحققين بالترقي في مدارج الكمال فهي التخلق بأخلاق الله بقدر الطاقة البشرية.. وقد اتفقت كلمة العارفين على أن مقامات السالكين إلى الله لا تخلو عن الفرق والجمع، وأما الفرق ففيما سوى الله، وأما الجمع ففي الله.." (٤) ، ويرى الرازي

стр. 652

أن المريد إذا لم يكن عالماً فلا بد له من شيخ محقق (١) ، كما يرى أن السماع له آثار في تحريك القلب ورياضته (٢) . وأبرز الكتب التي ذكر فيها أموراً كثيرة تتعلق بالتصوف كتابه في شرح أسماء الله الحسنى الذي سار فيه على طريقة القشيري والغزالي في كتابيهما عن أسماء الله، وذلك في ذلك الاسم ومعناه ثم ذكر حال الصوفية والشيوخ مع هذا الاسم ودلالته عندهم، ولما ذكر الدعاء وأنه أعظم مقامات العبودية دلل على ذلك بأدلة منها " أن الداعي ما دام يبقى خاطره مشغولاً بغير الله فإنه لا يكون دعاؤه خالصاً لوجه الله، فإذا فنى عن الكل وصار مستغرقاً في معرفة الأحد امتنع أن يبقى بينه وبين الحق وساطة " (٣) ، وأطال القول في تفسير " هو" وذكر أن له هيبة عظيمة عند أرباب المكاشفات (٤) ، ويقول: " إن لفظ هو.. نصيب المقربين السابقين الذين هم أرباب النفوس المطمئنة وذلك لأن لفظ هو إشارة، والإشارة تفيد تعين المشار إليه بشرط أن لا يحضر هناك شيء سوى ذلك الواحد " (٥) ، ويقول عن موسى والخضر، ومعلوم اعتقاد الصوفية في الخضر -: " ثم إن موسى ﵇ لما كملت مرتبته في علم الشريعة بعثه الله إلى هذا العالم ليعلم موسى ﵇ أن كمال الدرجة في أن ينتقل الإنسان من علوم الشريعة المبنية على الظواهر إلى علوم الباطن المبنية على الإشراف على البواطن والتقطع على حقائق الأمور" (٦) . وإذا أضيف إلى كلامه هنا ما سبق أن ذكره حول النفوس المجردة يتبين أن تصوفه بناه على جوانب فلسفية قريبة مما ذكره ابن سينا وقد سبقت الإشارة إلى مدى إعجاب الرازي بأقواله في ذلك.

стр. 653

على أن مما يلفت الانتباه في تصوف الرازي - والصوفية تقول بالجبر في القدر لاستغراقهم في توحيد الربوبية - أنه صرح بالقول بالجبر فقال: " فثبت بهذا أن أفعال العباد بقضاء الله وقدره، وأن الإنسان مضطر باختيار، وأنه ليس في الوجود إلا الجبر " (١) ، وقال: " إن صدور الفعل عن العبد يتوقف على داعية يخلقها الله تعالى، ومتى وجدت تلك الداعية كان الفعل واجب الوقوع، وإذا كان كذلك كان الجبر لازماً (٢) ، بل قال في شرح الإشارات: "إن العارف لا يكون له همة في البحث عن أحوال الخلق، ولا يغضب عند مشاهدة المنكر لعلمه بسر الله في القدر" (٣) ، وبذلك يلتقي مع غلاة الصوفية في مقالاتهم الخطيرة، وأحوالهم المبطلة للشرائع. خامساً: حيرته وتناقضه، ورجوعه. يعتبر الرازي من أكثر الأشاعرة اضطراباً في أقواله، وهذا بالنظر إلى مجمل أقواله في جميع كتبه، ومن يتتبع الدراسة التي قام بها الزركان يرى ذلك واضحاً في كل مسألة من المسائل التي ذكرها، وهي كثيرة جداً، كما أنه في بعض المسائل أعلن حيرته أو شكه، وفي آخر أمره رجع إلى طريقة القرآن وفضلها، ولعل من أسباب هذه الأمور في منهجه خوضه في المسائل الفلسفية والكلامية، وتقريره لكل مسألة بالأدلة التي أوردها أصحابها وزيادته على ذلك بأدلة من عنده يرى أنها تصلح أن تكون دليلاً لهم، ولذلك قال في مقدمة المباحث المشرقية بعد أن بين أنه لخص أقوال الفلاسفة واجتهد في تحريرها: " ثم نضم إليه أصولاً وفقنا الله إلى تحريرها وتحصيلها وتفصيلها مما لم يقف عليه أحد من المتقدمين ولم يقدر على الوصول إليه أحد من السالكين" (٤) ، ويقول في نهاية العقول

стр. 654

عن سبب تأليفه: " وكثر إلحاحهم عليّ بتصنيف كتاب في أصول الدين مشتمل على نهاية الأفكار العقلية، وغاية المباحث العلمية، صنفت هذا الكتاب بتوفيق الله تعالى لي بحق ملتمسهم، وأوردت فيه من الحقائق والدقائق ما لا يكاد يوجد في شيء من كتب الأولين والآخرين، والسابقين واللاحقين، من المخالفين والمخالفين، والمرافقين والمفارقين" (١) ، ثم ذكر كيف أنه يستقصي أدلة كل مذهب ويورد الأسئلة والجوابات ويتعمق في بحار المشكلات " على وجه يكون انتفاع صاحب كل مذهب بكتابي هذا ربما كان أكثر من انتفاعه بالكتب التي صنفها أصحاب ذلك المذهب " (٢) ،بل إنه ذكر أنه إذا لم يجد دليلاً لأصحب ذلك المذهب استنبط أقصى ما يمكن أن يقال في تقريره (٣) . وهذه الأمور - في منهجه - لا شك في تأثيرها على أسلوبه في الوصول إلى الحقائق في كل مسألة، وهي مفسرة لهذا التناقض والشك والحيرة في كتبه، وقد تكون هناك أسباب أخرى. وبروز هذه الجوانب في كتبه ومنهجه واضح، ومع ذلك فيمكن الإشارة إلى ما يلي: أ - كثيراً ما يأتي الرازي بعبارات الشك والإشكال والحيرة، فمثلاً يقول في مسألة حدوث العالم وأنه ليس من شرطه أن يكون مسبوقاً بالعدم قال بعد ذكر الأدلة " وعلى هذه الطريقة إشكال" ثم ذكره وقال: " فقد بطلت هذه الحجة، فهذا شك لابد وأن يتفكر في حله" (٤) ، ويقول في مسألة أخرى: " ولكن لابد من فرق بين البابين، وهو مشكل جداً " (٥) ، وفي الأربعين قال

стр. 655

حول دليل حدوث العالم: " هذا مما نستخير الله فيه " (١) ، وقال: " هذا سؤال صعب وهو ما نستخير الله فيه " (٢) ، وقال: " الحيلة ترك الحيلة " (٣) ، وفي نهاية العقول ذكر إشكالات حول منع حلول الحوادث (٤) ، وتوقف في مسألة الجوهر الفرد (٥) ، بل توقف في كتابه المباحث المشرقية حول مسألة فلسفية (٦) . ب - أما تناقضه فكثير، فمثلاً في أساس التقديس قال بتماثل الأجسام (٧) ، محتجاً به على نفي العلو والصفات الخبرية، ولكنه في المباحث المشرقية، وشرح الإشارات رد ذلك وقال بعدم تماثلها (٨) ، وفي صفة المحبة قال بتأويلها بالإرادة كما فعل الأشاعرة، ولكنه في أحد مواضع من التفسير قال: " ثبت أن جزم المتكلمين بأنه لا معنى لمحبة الله إلا إرادة إيصال الثواب ليس لهم على هذا الحصر دليل قاطع، بل أقصى ما في الباب أن يقال لا دليل على إثبات صفة أخرى سوى الإرادة فوجب نفيها، لكنا بينا في كتاب نهاية العقول أن هذه الطريقة ضعيفة ساقطة" (٩) وهذه المسألة التي ذكرها في نهاية العقول أشار فيها أولاً إلى أن القول بأن كل مالا دليل عليه يجب نفيه، مردود (١٠) ، ثم ذكر في موضع آخر - في مسألة أدلة الأشاعرة على وجوب حصر الصفات بالسبع - أن هذه القاعدة من أدلتهم فقال: " أقوى ما قيل فيه أن الله تعالى كلفنا بمعرفته فلا بد من طريق

стр. 656

إلى ذلك، وإلا وقع التكليف بالمحال، والطريق لنا إلى ذلك ليس إلا أفعال الله تعالى، وأفعال الله تعالى لا تدل على هذا العدد من الصفات، بدليل أنا لو قدرنا ذاتاً موصوفة بهذا القدر من الصفات، فإنه يصح منه الإليهة، فثبت أن ما وراء هذه الصفات لم يوجد عليه دلالة أصلاً فوجب نفيها " - ثم قال معقباً-: " وقد عرفت ما يمكن أن يقال على هذه الطريقة وما فيها" (١) . ومن أبرز الأمثلة على تناقض الرازي أنه في جميع كتبه قرر أن الأدلة النقلية لا تفيد القطع واليقين فلا يحتج بها في العقائد (٢) ، ومن هذه الكتب نهاية العقول حيث فصل الكلام وأطال فيه (٣) ، فلما وصل في هذا الكتاب إلى مسألة صفة السمع والبصر ضعف دليل الأشاعرة العقللي في إثباتهما، ثم رجح أن الأولى الاستدلال لها بنصوص السمع، لكنه أورد هذا الاعتراض: " لئن سلمنا إمكان جملها على حقائقها، لكنكم قلتم في أول الكتاب: إن التمسك في المسائل القطعية لظواهر الآيات غير جائز" ثم أجاب بقوله: " نحن ما ذكرنا ذلك السؤال هناك لاعتقادنا أنه لا يمكن الجواب عنه، بل الجواب عنه إجماع الأمة على جواز التمسك بنصوص الكتاب والسنة في المسائل القطعية، وفي هذا الموضوع كلام طويل " (٤) ، يقول الزركان معقباً على كلام الرازي هذا: " على أن قوله الأخير لن يغني فتيلاً، بل هو مجرد مخلص لا أقل ولا أكثر، وذلك بدليل أني لم أرَ له في كافة كتبه إلا القول بأن النصوص ظنية الدلالة، وأنها لا تتقدم على العقليات، والدليل على أنه مخلص أيضاً أنه قال: " وفي هذا الموضع كلام طويل" مع انه لم يبين شيئاً من هذا الكلام الطويل ولو مختصراً، رغم أن الموقف يحتاج إلى البت في هذه المسألة" (٥) ، وأقول ماذا سيكون تعليق الرازي

стр. 657

لو أنه وجد مثل هذه الطريقة المتناقضة في الاحتجاج استخدمها أحد مخالفيه - خاصة المثبتة-؟. ج- رجوعه: لم يكن الرازي بعيداً عن مذهب السلف، فهو يشير إليه أحياناً لكن ضمن مناقشاته الكلامية والفلسفية، والملاحظ أن عرضه له كثيراً ما يأتي مشوهاً (١) ، فلما كان آخر حياته صرح بترجيحه لمذهب السلف وذلك في كتابيه المتأخرين المطالب العالية وأقسام اللذات، ثم في وصيته قبل وفاته: ١- ففي المطالب العالية لما ذكر أدلة وجود الله رجح طريقة القرآن ثم قال: " ونختم هذه الفصول بخاتمة عظيمة النفع، وهي أن الدلائل التي ذكرها الحكماء والمتكلمون وإن كانت كاملة قوية، إلا أن هذه الطريقة المذكورة في القرآن عندي أنها أقرب إلى الحق والصواب، وذلك أن تلك الدلائل دقيقة ولسبب ما فيها من الدقة انفتحت أبواب الشبهات، وكثرت السؤالات، وأما الطريق الوارد في القرآن فحاصله راجع إلى طريق واحد، وهو المنع من التعمق، والاحتراز عن فتح باب القيل والقال، وحمل الفهم والعقل على الاستكثار من دلائل العالم الأعلى والأسفل، ومن ترك التعصب وجرب مثل تجربتي علم أن الحق ما ذكرته" (٢) . ٢- وفي أقسام اللذات - آخر كتبه - قال: " وأما اللذة العقلية فلا سبيل إلى الوصول إليها والتعلق بها، فلهذا السبب نقول ياليتنا بقينا على العدم الأول وليتنا ما شهدنا هذا العالم، وليت النفس لم تتعلق بهذا البدن، وفي هذا المعنى قلت: نهاية إقدام العقول عقال ... وغاية سعي العالمين ضلال.. (٣)

стр. 658

- قم قال- " واعلم أن بعد التوغل في هذه المضايق، والتعمق في الاستكشاف عن أسرار هذه الحقائق رأيت الأصوب والأصلح في هذا الباب طريقة القرآن العظيم والفرقان الكريم، وهو ترك التعمق والاستدلال بأقسام أجسام السموات والأرضين على وجود رب العالمين، ثم المبالغة في التعظيم من غير خوض في التفاصيل.." (١) . ٣- وفي وصيته المشهورة قال فيها: " لقد اختبرت الطرق الكلامية والمناهج الفلسفية فما رأيت فيها فائدة تساوي الفائدة التي وجدتها في القرآن " ثم قال: " ديني متابعة الرسول محمد ﷺ ، وكتابي القرآن العظيم، وتعويلي في طلب الدين عليهما " (٢) . سادساً: أثره فيمن جاء بعده ويمكن أن يلاحظ ذلك فيما يلي: أ - أن من جاء بعده من الأشاعرة اعتمد - في تقرير أصول المذهب الأشعري- على ما كتبه الرازي، لأنه استقصى ما يمكن أن يقال مما جاء له المتقدمون من الأشاعرة وزاد على ذلك، ومن ثم أصبحت كتبه مصادر ميسرة ومستوعبة لأدلة الأشاعرة في تقرير مذهبهم والرد على خصومهم. ب - كانت للرازي اجتهادات في المذهب الأشعري، وصلت إلى حد القرب من المعتزلة أحياناً، والرد على أدلة الأشاعرة وتضعيفها أحياناً أخرى، مع النقد لأعلام الأشاعرة في مناسبات مختلفة، ومن الأمثلة على ذلك. ١ - نقده للغزالي، وللبغدادي، وللشهرستاني، وقد جاء نقده لهؤلاء في مناظراته في بلاد ما وراء النهر (٣) .

стр. 659

٢- وفي مسألة الرؤية ضعف دليل الأشاعرة العقلي، واقتصر في إثباتها على السمع (١) - وقد سبقت الإشارة إلى هذا عند الحديث عن الماتريدية -. ٣- كما نقد ليل الأشاعرة على إثبات صفة السمع والبصر - وقد مرَّ قريباً-. ٤- وكذا في صفة المحبة بين - كما تقدم - أنه لا دليل لهم على تأويلها بالإرادة. ٥- وفي حصرهم الصفات الثابتة بسبع نقدهم نقداً قوياُ كما سلف. ٦- أما في صفة الكلام، فيعتبر الرازي من الذين ناقشوا حقيقة الخلاف بين الأشعرية والمعتزلة، وقد ضعف أدلة الأشاعرة العقلية لإثبات هذه الصفة (٢) ، بل بين أن منازعة الأشاعرة للمعتزلة في هذه المسألة ضعيفة (٣) ، وصرح بأن الحروف والأصوات محدثة (٤) . ٧- اعتذاره لنفاة الصفات بأنهم أرادوا بنفيها إثبات كمال الوحدانية لله تعالى (٥) ، بل مال إلى مذهب المعتزلة في الصفات حين رد صفتي الإرادة والقدرة إلى صفة العلم (٦) . ٨ - كما نقد الاستدلال بالإحكام والإتقان على العلم، وهو من أدلة الأشاعرة المشهورة (٧) .

стр. 660

٩- دافع عن تكفير المعتزلة والخوارج والروافض، وناقش الأوجه التي كفر بها بعضهم بعضاً، ومن ذلك تكفير الأشاعرة لغيرهم (١) ، وفي مسألة الجهل بصفات الله رجح أنه لا يكفر الجاهل بها، وعلل ذلك بأنه يلزم منه تكفير كثير من أئمة الأشعرية بسبب خلافهم في إثبات الصفات (٢) ، كما رجح أن أهل التقليد ناجون خلافاً لكثير من الأشعرية (٣) ، وليس المقصود هنا تصويب الرازي أو تخطئته في هذه الأمور التي قرب فيها من منهج أهل السنة، وإنما المقصود أنه خالف فيها كثيراً من شيوخه الأشاعرة. ١٠- تصريحه بالجبر في مسألة القدر - كما تقدم - وذلك خلافاً لشيوخه الذين ينكرون أن يكون قولهم بالكسب يؤدي إلى الجبر. إلى غيرها من المسائل، التي كان للرازي فيها تأثير فيمن جاء بعده، وذلك بالبعد عن منهج السلف والقرب من بعض فرق الضلال كالمعتزلة وغيرهم كما كان له أيضاً تأثير في وجود الترجيحات المخالفة لمذهب الأشاعرة. جـ - ومن الآثار البارزة في المنهج متابعة من جاء بعده له في خلط علوم الفلسفة بعلم الكلام، يقول ابن خلدون: " ولما وضع المتأخرون في علوم القوم [أي الفلاسفة] ودونوا فيها، ورد عليهم الغزالي ما رد منها، ثم خلط المتأخرون من المتكلمين مسائل علم الكلام بمسائل الفلسفة، لعروضها في مباحثهم وتشابه موضوع علم الكلام بموضوع الإلهيات، ومسائله بمسائلها، فصارت كأنها فن واحد، ثم غيروا ترتيب الحكماء في مسائل الطبيعيات والإلهيات، وخلطوهما فناً واحداً، قدموا الكلام في الأمور العامة، ثم أتبعوه بالجسمانيات وتوابعها، ثم بالروحانيات وتوابعها إلى آخر العلم، كما فعله ابن الخطيب في المباحث المشرقية، وجميع من بعده ممن علماء الكلام " (٤) ، والمتتبع لكتب البيضاوي

стр. 661

والتفتازاني والإيجي وغيرهم يلاحظ هذا المنهج واضحاً، حتى إن مباحث الإلهيات - وهي المقصودة - لا تأخذ من الكتاب الواحد منها إلا جزءاً صغيراً في آخر الكتاب، والباقي كله مقدمات منطقية وطبيعية وفلسفية، وقد علل هؤلاء المتأخرون هذا الخلط بمثل قول التفتازاني المتوفى سنة ٧٩١هـ،: " لما كان من الباحث الحكمية مالا يقدح في العقائد الدينية ولم يناسب غير الكلام من العلوم الإسلامية خلطها بمسائل الكلام إفاضة للحقائق، وإفادة لما عسى أن يستعان به التقصي عن المضائق وإلا فلا نزاع في أن أصل الكلام لا يتجاوز مباحث الذات والصفات والنبوة والإمامة والمعاد وما يتعلق بذلك من أحوال الممكنات" (١) . * * * وقبل الانتقال إلى الأشاعرة الذين عاصروا شيخ الإسلام ابن تيمية أود الإشارة إلى اثنين من أعلام الأشاعرة المشهورين جاءا بعد الرازي وهما: - أبو الحسن الآمدي: المتوفى (٢) سنة ٦٣١هـ. وقد اشتهر بكتابه الكبير الذي لا يزال مخطوطاً وهو أبكار الأفكار، وقد اختصره في كتابه الآخر غاية المرام في علم الكلام، وهو مطبوع، ومنهج الآمدي يقرب من منهج الرازي في بعض الأمور ومنها:

стр. 662

١- خلطه علم الكلام بالفلسفة، وهو يُعنى كثيراً بالمصطلحات وبيانها. ٢- نقده لأدلة الأشاعرة في المسائل المختلفة وتضعيفها، فهو مثلاً يقول عن دليل الشهرستاني على حدوث العالم بعد أن نقله بطوله: " وهو عند التحقيق سراب غير حقيقي " (١) ، كما أنه في مسألة حلول الحوادث يستعرض جميع أدلة الأشاعرة على نفيها ثم يضعفها واحداً واحداً (٢) ، وإن كان رجح نفيها بدليل اختاره (٣) ، وكذلك أيضاً اعترض على جواب الأشاعرة عن الاعتراض الموجه لهم حين نفوا الجهة بأن الرؤية لا تكون إلا في جهة فأجابوا عن ذلك بمثال المرآة وأن الإنسان يرى نفسه فيها لا في وجهه، فالآمدي قال عن هذا الجواب " لكن فيه نظر، وهو مما لا يكاد يقوى " (٤) . ٣- ميله إلى التصوف الفلسفي، حتى أنه قال في الأبكار في معرض بيانه أن المعرفة قد تحصل بعدة أمور فذكر منها " طريق السلوك والرياضة، وتصفية النفس وتكميل جوهرها حتى تصير متصلة بالعوالم العلوية، عالمة بها مطلعة على ما ظهر وبطن من غير احتياج إلى دليل ولا تعلم ولا تعليم " (٥) . ٤- الحيرة وإيراد الإشكالات، ومن الأمثلة ذلك قوله في دليل إثبات الصانع الذي أتى به المتكلمون: " وإن أمكن بيان ذلك فهو مما يطول ويصعب تحقيقه جداً على أرباب العقول " (٦) ، وقال عن مسألة خلق الأعمال وقول المعتزلة فيها: " وهو موضع غمرة ومحز إشكال " (٧) ، وفي مسألة من أهم المسائل

стр. 663

في مذهب الأشاعرة وهي القول بأن كلام الله واحد، أورد الاعتراض الذي يقول: لم لا يقال: إن الصفات كالسمع والبصر والكلام والحياة لا ترجع إلى الذات، مثل القول بأن الكلام واحد مع أنه متنوع، فأجاب الآمدي بقوله: " وما أوردوه من الإشكال على القول باتحاد الكلام وعود الاختلاف إلى التعلقات والمتعلقات فَمُشْكِل، وعسى أن يكون عند غيري حله، ولعسر جوابه فر بعض أصحابنا إلى القول بأن كلام الله تعالى القائم بذاته خمس وصفات مختلفة وهي الأمر والنهي والخبر والاستخبار والنداء " (١) . ٥- ومما يلاحظ على الآمدي - مثل الرازي - التقرب إلى سلاطين زمانه - ومن حولهم - بإهداء كتبه إليهم (٢) ، ولعل مرد ذلك إلى نوع من طلب الحماية من اعتراض عموم علماء المسلمين وفقهائهم عليه. - أما ما خالف فيه الآمدي الرازي فأمور: ١ - منها: أنه مع غلبة الحيرة عليه حتى في الأصول الكبار إلا أن تناقضه أقل من تناقض الرازي، والآمدي يورد أدلة من سبقه بخلاف الرازي الذي يوردها ويستنبط من عنده أدلة أخرى جديدة، مما يوقعه في التناقض. ٢- والآمدي كثيراً ما يرد على الرازي، بل له كتاب لا يزال مخطوطاً اسمه المآخذ على الإمام الرازي أو تلخيص المطالب العالية ونقده (٣) ، كما رد عليه في مسألة حلول الحوادث وقول الرازي: إنها لازمة لجميع الطوائف (٤) . ٣- والآمدي لا يتزعزع يقينه في أن أدلة السمع ظنية لا تفيد اليقين، بخلاف الرازي الذي يشكك أحياناً في أدلة العقل فيحيل على أدلة السمع، وقد

стр. 664

رد الآمدي عليه في هذه المسائل، فرد عليه في تعويله على إثبات صفة الكلام على أدلة السمع (١) ، وكذلك في إثبات صفة السمع والبصر (٢) ، وفي إثبات الرؤية (٣) ، وبين صحة الدليل العقلي لها. والآخر: عز الدين بن عبد السلام (٤) : ت ٦٦٠هـ. الإمام العلم المشهور، وهو أحد تلامذة الآمدي، ويلاحظ أن وفاته كانت قبل ولادة شيخ الإسلام ابن تيمية بسنة واحدة تقريباً، وقد تميز العز بن عبد السلام بكونه من أعلام العلماء العاملين المجاهدين، الذين يقتدى بهم فئات عظيمة من الناس من العلماء وغيرهم، ولذلك فدفاعه عن مذهب الأشاعرة وتقريره له في كتبه له أثره في الناس، وقد كانت إحدى محنة الكبار بسبب مسألة الحرف والصوت، وقد ألف في ذلك عقيدته المسماة "الملحة في اعتقاد أهل الحق" قرر فيها مذهب الأشاعرة في كلام الله وإنكارالحرف والصوت وشنع على مخالفيه من الحنابلة، ووصفهم بالحشو وأغلظ عليهم، وقد أفرد ولده عبد اللطيف ما جرى له في رسالة (٥) ، ونقلها السبكي، الذي نقل أيضاً

стр. 665

" الملحة " بكاملها (١) ، ومما تجدر ملاحظته أن شيخ الإسلام رد على العز في رسالته هذه -وأغلظ عليه أحياناً - مع أنه مدحه في أول الجواب عن الفتوى (٢) . والأدلة على أشعرية العز واضحة، وقد سجل خلاصة لعقيدته في كتابه المشهور قواعد الأحكام (٣) ، أما تأويله لبعض الصفات، فواضح في كتابه الإشارة إلى الإيجاز فقد أول صفات المجيئ، والقبضة، واليدين، والنزول، والضحك، والفرح، والعجب، والاستواء، والمحبة، والغضب، والسخط وغيرها (٤) ، وهو ممن ينفي العلو والفوقية ويتأولهما (٥) ، كما أن الشيخ له ميل إلى التصوف، فقد ذكر في كتابه القواعد أنواع العلوم التي يمنحها الأنبياء والأولياء فذكر منها: " الضرب الثاني: علوم إلهامية، يكشف بها عما في القلوب، فيرى أحدهم من الغائبات ما لم تجر العادة بسماع مثله.. ومنهم

стр. 666

من يرى الملائكة والشياطين والبلاد النائية، بل ينظر إلى ما تحت الثرى، ومنهم من يرى السموات وأفلاكها وكواكبها وشمسها وقمرها على ما هي عليه، ومنهم من يرى اللوح المحفوظ ويقرأ ما فيه، وكذلك يسمع أحدهم صرير الأقلام وأصوات الملائكة والجان، ويفهم أحدهم منطق الطير، فسبحان من أعزهم وأدناهم" (١) ، وهذا تصوف غالٍ، وقد أباح في فتاويه السمع وذكر أنواعه، ومنع من الرقص المصاحب له (٢) . والملاحظ في منهج العز ﵀ أنه مع قسوته على مخالفيه في مسألة كلام الله إلا أنه ذكر في بعض كتبه وفتاويه وجوهاً من الأعذار لهم، فذكر في الفتاوي مثلاً أن معتقد الجهة لا يكفر (٣) ، كما ذكر أن من قال بالحرف والصوت مسلم ويجب رد السلام عليه (٤) ، أما في القواعد فقد ذكر أن مسائل قدم كلام الله، والصفات الخبرية كالوجه واليدين، والجهة، وغيرها" مما لا يمكن تصويب للمجتهدين فيه، بل الحق مع واحد منهم، والباقون مخطئون خطأ معفواً عنه لمشقة الخروج منه والانفكاك عنه ولا سيما قول معتقد الجهة ... " (٥) . الأشاعرة المعاصرون لشيخ الإسلام ابن تيمية عاصر شيخ الإسلام عدد كبير من علماء الأشاعرة، وجرت بينه وبينهم جولات ومناظرات أدت إلى سجنه مرات عديدة، كما أنها كانت سبباً في تأليفه لعدد كبير من رسائله وكتبه، والملاحظ أنه ﵀ ركز في مواقفه العلمية - أما العملية فسبق شرحها في ترجمته - على الرد على شيوخ أشاعرة عصره، والسبب أن هؤلاء المعاصرين له إنما كانوا يرددون أقوال وحجج من سبقهم، ولم يكن أحد منهم ذا تميز مؤثر بحيث يصبح في منزلة الغزالي أو الرازي أو الآمدي أو غيرهم من الذين كانت لهم شخصيات مستقلة.

стр. 667

ولهذا السبب سيقتصر العرض هنا على ذكر من وصل إلينا شيء من كتبهم العقدية، وسيكون العرض مختصراً جداً، مع محاولة التركيز على من كانت بينه وبين شيخ الإسلام مناظرة ك صفي الدين الهندي ، أو جاء له ذكر في بعض أحداث محنته كبدر الدين بن جماعة (١) ، مع عدم إغفال من كان لهم تأثير فيمن جاء بعدهم كالبيضاوي والإيجي. - صفي الدين الهندي (٢) : ت ٧١٥هـ وقد سمى كتابه " الرسالة التسعينية في الأصول الدينية" لأنها مشتملة على تسعين مسألة، وقد أشار في أولها إلى ما جرى بين ابن تيمية والأشاعرة (٣) ، وقد حذا في رسالته هذه حذو الرازي (٤) ، وذكر القانون الكلي الذي يقدم فيه العقل على النقل عند التعارض (٥) ، كما أوّل حديث الجارية " أين الله " بتأويل عجيب (٦) ، وفي مسألة حلول الحوادث رد على الرازي حين قال إن أكثر العقلاء قالوا به (٧) ، وفي مسألة حوادث لا أول لها ناقشها وكأنه يعرض بشيخ الإسلام ابن تيمية (٨) ، كما أنه رد على الرازي في قوله في الرؤية: وإنها حالة انكشاف بنوع من العلم (٩) ، وفي الجملة فليس في هذه الرسالة جديد لا في الأدلة ولا في العرض، ويغلب عليه فيها المنهج العقلي.

стр. 668

- بدر الدين بن جماعة (١) : ت ٧٣٣هـ وله مؤلفات كثيرة في الحديث وعلوم القرآن وغيرها، أما كتبه في العقيدة فلم يصل إلينا إلا كتابه الذي سماه: " كتاب إيضاح الدليل في قطع حجج أهل التعطيل، ولا يزال مخطوطاً، وقد نحا فيه منحى الأشاعرة، وذكر في أوله انتشار مذهب المعطلة (المعتزلة) والمشبهة، ثم ذكر أن مذهب المعتزلة " قد محى في بلادنا رسمه، ولم يبقَ فيها إلا ذكره واسمه، وأما مذهب التشبيه فإن جماعات من الأغوام (٢) المجانيين للعلماء الأعلام أحسنوا الظن في بعض من ينسب ذلك إليهم، واعتمدوا في تقليد دينهم عليهم، إذ كان هذا المذهب أقرب إلى ذهن العامي وفهمه" (٣) ، ثم ذكر أنه أورد ما تمسكوا به من الآيات والأخبار، وما يتعين عليه حملها مما يوافق مذهب الأشاعرة، وقد سار على طريقتهم فأوّل العلو والاستواء (٤) ، وبقية الصفات الفعلية والخبرية كالمجيء والوجه، واليدين، والعين، والساق، والقدم، والنزول، والضحك، والفرح، والعجب، وغيرها (٥) ،ومما يلاحظ في منهجه أنه ذكر أن العلماء قسمان: أهل تأويل وأهل تفويض (٦) ، ثم رجح التأويل لعدة وجوه، وذكر منها أنه لو قيل بالتفويض لتعطل معنى النصوص، وصار الخطاب بلفظ مهمل، وهذا الكلام مما يركز عليه شيخ الإسلام ابن تيمية كثيراً في الرد على المفوضة، لكن ابن جماعة ذكره لترجيح القول بالتأويل على القول بالتفويض، وفي معرض إنكاره للعلو ذكر القانون العقلي المشهور عند الأشاعرة (٧) ، كما أنه قال بأن العقلاء اتفقوا على وجود ما ليس في حيز ولا جهة كالعقول والنفوس (٨) ، وهو في هذا متأثر بالرازي والآمدي.

стр. 669

كما يلاحظ في منهجه أنه ذكر أولاً الآيات الدالة على الصفات وأوّلها، ثم ذكر الأخبار الصحيحة وأوّلها (١) ، ثم ذكر في القسم الثالث الأحاديث الضعيفة (٢) ، ولم يكتفِ ببيان ضعفها بل أكثر القول في تأويلها، وكأنه في هذا سار على منهج أبي الحسن الطبري، تلميذ الأشعري، وقد سبق الكلام عنه وعن كتابه المشابه لكتاب ابن جماعة، ومن أعجب ما أورده ابن جماعة في كتابه هذا أنه قال عن حديث النار وأن الله يضع عليها قدمه - أو رجله (٣) ، بعد أن رد على ابن خزيمة بشدة: " واعلم أن من العلماء من جزم بضعف هذا الحديث وإن خرجه الإمامان لأنهما ومن روياه عنه غير معصومين" (٤) ، وموطن العدب في هذا الكلام - وكله عجب- أن المعهود عند هؤلاء المؤولة أن يقول الواحد منهم: إن هذه الأحاديث آحاد لا تفيد اليقين فلا يحتج بها في العقائد، أما أن يقول قائل: إن ما اتفق عليه الشيخان وروياه من عدة طرق، حديث ضعيف لأن البخاري ومسلماً من رويا عنهم غير معصومين، فهذا غريب حقاً، خاصة إذا جاء من عالم مهتم بالحديث له مثل كتاب تذكرة السامع والمتكلم، والمنهل الروي (٥) ، وغيرهما، ويشبه هذا ما ذكره - نقلاً عن غيره - من احتمال التصحيف في حديث " ولا شخص أغير من الله " (٦) ، وغيره (٧) .

стр. 670

وليس في منهج ابن جماعة جديد -إذ هو مقلد لمن سبقه، وكأنه اعتمد على من سلك هذا المنهج في إيراد نصوص الصفات من الآيات والأحاديث والكلام في تأويلها، وذلك مثل أبي الحسن الطبري، وابن فورك، والبيهقي، وقد نص في بعض المواضع على نقله من الأخير (١) . - ناصر الدين البيضاوي (٢) : ت ٦٨٥هـ على الراجح. وهناك أقوال أخرى في وفاته منها أنه توفي سنة ٦٩١هـ (٣) ، وقيل أنها كانت سنة ٧١٩هـ (٤) ، ولكن الراجح أنه سنة ٦٨٥هـ، وهو الذي ذكره أغلب مترجميه (٥) ، أما ولادته فلم يذكر لها تاريخ لكن من المحتمل أنها كانت في أوائل القرن السابع أو قبله بقليل (٦) ،والبيضاوي عاش أغلب عمره بين شيراز وتبريز في بلاد فارس، والغرض من ذكر ما سبق بيان مدى معاصرته لابن تيمية، وأنه لم يقدم إلى الشام ولا إلى مصر، ومع ذلك اشتهرت مؤلفاته خاصة التنزيل، وكتابه طوالع في الأصول، في أصول الفقه، وتفسيره المسمى أنوار التنزيل، وكتابه طوالع الأنوار في علم الكلام، وكل هذه الكتب عنيَّ بها العلماء فشرحوها ووضعوا عليها حواشي عديدة، غالبها مطبوع، والذي يعنينا هنا كتابه الأخير الذي قال فيه السبكي: " أما الطوالع فهو عندي أجل مختصر ألف في علم
следующие страницы →