من يرى الملائكة والشياطين والبلاد النائية، بل ينظر إلى ما تحت الثرى، ومنهم من يرى السموات وأفلاكها وكواكبها وشمسها وقمرها على ما هي عليه، ومنهم من يرى اللوح المحفوظ ويقرأ ما فيه، وكذلك يسمع أحدهم صرير الأقلام وأصوات الملائكة والجان، ويفهم أحدهم منطق الطير، فسبحان من أعزهم وأدناهم" (١) ، وهذا تصوف غالٍ، وقد أباح في فتاويه السمع وذكر أنواعه، ومنع من الرقص المصاحب له (٢) .
والملاحظ في منهج العز ﵀ أنه مع قسوته على مخالفيه في مسألة كلام الله إلا أنه ذكر في بعض كتبه وفتاويه وجوهاً من الأعذار لهم، فذكر في الفتاوي مثلاً أن معتقد الجهة لا يكفر (٣) ، كما ذكر أن من قال بالحرف والصوت مسلم ويجب رد السلام عليه (٤) ، أما في القواعد فقد ذكر أن مسائل قدم كلام الله، والصفات الخبرية كالوجه واليدين، والجهة، وغيرها" مما لا يمكن تصويب للمجتهدين فيه، بل الحق مع واحد منهم، والباقون مخطئون خطأ معفواً عنه لمشقة الخروج منه والانفكاك عنه ولا سيما قول معتقد الجهة ... " (٥) .
الأشاعرة المعاصرون لشيخ الإسلام ابن تيمية
عاصر شيخ الإسلام عدد كبير من علماء الأشاعرة، وجرت بينه وبينهم جولات ومناظرات أدت إلى سجنه مرات عديدة، كما أنها كانت سبباً في تأليفه لعدد كبير من رسائله وكتبه، والملاحظ أنه ﵀ ركز في مواقفه العلمية - أما العملية فسبق شرحها في ترجمته - على الرد على شيوخ أشاعرة عصره، والسبب أن هؤلاء المعاصرين له إنما كانوا يرددون أقوال وحجج من سبقهم، ولم يكن أحد منهم ذا تميز مؤثر بحيث يصبح في منزلة الغزالي أو الرازي أو الآمدي أو غيرهم من الذين كانت لهم شخصيات مستقلة.
стр. 667
ولهذا السبب سيقتصر العرض هنا على ذكر من وصل إلينا شيء من كتبهم العقدية، وسيكون العرض مختصراً جداً، مع محاولة التركيز على من كانت بينه وبين شيخ الإسلام مناظرة ك صفي الدين الهندي ، أو جاء له ذكر في بعض أحداث محنته كبدر الدين بن جماعة (١) ، مع عدم إغفال من كان لهم تأثير فيمن جاء بعدهم كالبيضاوي والإيجي.
- صفي الدين الهندي (٢) : ت ٧١٥هـ
وقد سمى كتابه " الرسالة التسعينية في الأصول الدينية" لأنها مشتملة على تسعين مسألة، وقد أشار في أولها إلى ما جرى بين ابن تيمية والأشاعرة (٣) ، وقد حذا في رسالته هذه حذو الرازي (٤) ، وذكر القانون الكلي الذي يقدم فيه العقل على النقل عند التعارض (٥) ، كما أوّل حديث الجارية " أين الله " بتأويل عجيب (٦) ، وفي مسألة حلول الحوادث رد على الرازي حين قال إن أكثر العقلاء قالوا به (٧) ، وفي مسألة حوادث لا أول لها ناقشها وكأنه يعرض بشيخ الإسلام ابن تيمية (٨) ، كما أنه رد على الرازي في قوله في الرؤية: وإنها حالة انكشاف بنوع من العلم (٩) ، وفي الجملة فليس في هذه الرسالة جديد لا في الأدلة ولا في العرض، ويغلب عليه فيها المنهج العقلي.
стр. 668
- بدر الدين بن جماعة (١) : ت ٧٣٣هـ
وله مؤلفات كثيرة في الحديث وعلوم القرآن وغيرها، أما كتبه في العقيدة فلم يصل إلينا إلا كتابه الذي سماه: " كتاب إيضاح الدليل في قطع حجج أهل التعطيل، ولا يزال مخطوطاً، وقد نحا فيه منحى الأشاعرة، وذكر في أوله انتشار مذهب المعطلة (المعتزلة) والمشبهة، ثم ذكر أن مذهب المعتزلة " قد محى في بلادنا رسمه، ولم يبقَ فيها إلا ذكره واسمه، وأما مذهب التشبيه فإن جماعات من الأغوام (٢) المجانيين للعلماء الأعلام أحسنوا الظن في بعض من ينسب ذلك إليهم، واعتمدوا في تقليد دينهم عليهم، إذ كان هذا المذهب أقرب إلى ذهن العامي وفهمه" (٣) ، ثم ذكر أنه أورد ما تمسكوا به من الآيات والأخبار، وما يتعين عليه حملها مما يوافق مذهب الأشاعرة، وقد سار على طريقتهم فأوّل العلو والاستواء (٤) ، وبقية الصفات الفعلية والخبرية كالمجيء والوجه، واليدين، والعين، والساق، والقدم، والنزول، والضحك، والفرح، والعجب، وغيرها (٥) ،ومما يلاحظ في منهجه أنه ذكر أن العلماء قسمان: أهل تأويل وأهل تفويض (٦) ، ثم رجح التأويل لعدة وجوه، وذكر منها أنه لو قيل بالتفويض لتعطل معنى النصوص، وصار الخطاب بلفظ مهمل، وهذا الكلام مما يركز عليه شيخ الإسلام ابن تيمية كثيراً في الرد على المفوضة، لكن ابن جماعة ذكره لترجيح القول بالتأويل على القول بالتفويض، وفي معرض إنكاره للعلو ذكر القانون العقلي المشهور عند الأشاعرة (٧) ، كما أنه قال بأن العقلاء اتفقوا على وجود ما ليس في حيز ولا جهة كالعقول والنفوس (٨) ، وهو في هذا متأثر بالرازي والآمدي.
стр. 669
كما يلاحظ في منهجه أنه ذكر أولاً الآيات الدالة على الصفات وأوّلها، ثم ذكر الأخبار الصحيحة وأوّلها (١) ، ثم ذكر في القسم الثالث الأحاديث الضعيفة (٢) ، ولم يكتفِ ببيان ضعفها بل أكثر القول في تأويلها، وكأنه في هذا سار على منهج أبي الحسن الطبري، تلميذ الأشعري، وقد سبق الكلام عنه وعن كتابه المشابه لكتاب ابن جماعة، ومن أعجب ما أورده ابن جماعة في كتابه هذا أنه قال عن حديث النار وأن الله يضع عليها قدمه - أو رجله (٣) ، بعد أن رد على ابن خزيمة بشدة: " واعلم أن من العلماء من جزم بضعف هذا الحديث وإن خرجه الإمامان لأنهما ومن روياه عنه غير معصومين" (٤) ، وموطن العدب في هذا الكلام - وكله عجب- أن المعهود عند هؤلاء المؤولة أن يقول الواحد منهم: إن هذه الأحاديث آحاد لا تفيد اليقين فلا يحتج بها في العقائد، أما أن يقول قائل: إن ما اتفق عليه الشيخان وروياه من عدة طرق، حديث ضعيف لأن البخاري ومسلماً من رويا عنهم غير معصومين، فهذا غريب حقاً، خاصة إذا جاء من عالم مهتم بالحديث له مثل كتاب تذكرة السامع والمتكلم، والمنهل الروي (٥) ،
وغيرهما، ويشبه هذا ما ذكره - نقلاً عن غيره - من احتمال التصحيف في حديث " ولا شخص أغير من الله " (٦) ، وغيره (٧) .
стр. 670
وليس في منهج ابن جماعة جديد -إذ هو مقلد لمن سبقه، وكأنه اعتمد على من سلك هذا المنهج في إيراد نصوص الصفات من الآيات والأحاديث والكلام في تأويلها، وذلك مثل أبي الحسن الطبري، وابن فورك، والبيهقي، وقد نص في بعض المواضع على نقله من الأخير (١) .
- ناصر الدين البيضاوي (٢) : ت ٦٨٥هـ على الراجح.
وهناك أقوال أخرى في وفاته منها أنه توفي سنة ٦٩١هـ (٣) ، وقيل أنها كانت سنة ٧١٩هـ (٤) ، ولكن الراجح أنه سنة ٦٨٥هـ، وهو الذي ذكره أغلب مترجميه (٥) ، أما ولادته فلم يذكر لها تاريخ لكن من المحتمل أنها كانت في أوائل القرن السابع أو قبله بقليل (٦) ،والبيضاوي عاش أغلب عمره بين شيراز وتبريز في بلاد فارس، والغرض من ذكر ما سبق بيان مدى معاصرته لابن تيمية، وأنه لم يقدم إلى الشام ولا إلى مصر، ومع ذلك اشتهرت مؤلفاته خاصة التنزيل، وكتابه طوالع في الأصول، في أصول الفقه، وتفسيره المسمى أنوار التنزيل، وكتابه طوالع الأنوار في علم الكلام، وكل هذه الكتب عنيَّ بها العلماء فشرحوها ووضعوا عليها حواشي عديدة، غالبها مطبوع، والذي يعنينا هنا كتابه الأخير الذي قال فيه السبكي: " أما الطوالع فهو عندي أجل مختصر ألف في علم
стр. 671
الكلام" (١) ، وأبرز من شرحه شمس الدين أبو الثناء محمود بن عبد الرحمن الأصبهاني المتوفى سنة ٧٤٩هـ، والذي قدم دمشق سنة ٧٢٥هـ، وصار يتردد على شيخ الإسلام ابن تيمية ولازمه (٢) .
الطوالع يعتبر من كتب الأشاعرة التي نهجها متأخرو الأشعرية في الاعتماد على المقدمات الطويلة ثم ذكر ما يتعلق بالإلهيات، وقد استغرقت الإلهيات عند البيضاوي ما يقارب ثلث الكتاب فقط، والباقي في المقدمات العقلية والطبيعية وما شابهها (٣) ، وليس هناك جديد فيما عرضه في مسائل الإلهيات (٤) ، سوى أنه قال في مسألة كلام الله " والأطناب في ذلك قليل الجدوى " (٥) ، وكأنه ضاق بتناقضات من سبقه في ذلك، ولما عرض لصفات الاستواء واليدين والوجه والعين، ذكر خلاف الأشاعرة فيها ثم قال: " والأولى اتباع السلف في الإيمان بها والرد إلى الله تعالى" (٦) ، وفي مسألة القدر والكسب عند الأشاعرة قال: " وهو أيضاً مشكل، ولصعوبة هذا المقام أنكر السلف على المناظرين فيه " (٧) ، وقد تابعه الأصفهاني في شرحه وأحال على مذهب السلف في القدر، وأن يترك المناظرة فيه ويفوض علمه إلى الله تعالى (٨) .
والملاحظ عموماً على شرح
стр. 672
الأصفهاني لمتن الطوالع متابعة صاحبه، وتكرار عبارته، والإضافات التي يوردها قليلة.
- عضد الدين الإيجي (١) : ت ٧٥٦هـ.
أما ولادته فقيل: إنها بعد سنة ٦٨٠هـ (٢) ، وقيل بعد ٧٠٠هـ (٣) ، ومن كتبه: العقائد العضدية، متن مختصر وضعت عليه شروح وحواش عديدة، والكتاب الثاني المواقف في علم الكلام وهو كتاب متوسط يقع في ٤٣٠ صفحة، فقد قسمه إلى ستة مواقف، الأربعة الأولى منها في المقدمات المنطقية والمباحث الفلسفية، والموقف الخامس والسادس في الإلهيات التي بدأت في ص: ٢٦٦، والكتاب له شروح، عليها حواشٍ بلغت في طبعته الثانية ثمانية مجلدات كبار، وقد جاءت الإلهيات في الجزء الثامن فقط، وأكبر ما يميز كتاب المواقف ذلك التقسيم الجيد للمسائل حيث أنه يقسم الموقف إلى مراصد، وكل مرصد إلى مقاصد - وكل مقصد - إن احتاج - إلى مسالك، كما أن أسلوبه وعبارت قوية سلسة مع البعد عن التطويل في المناقشات، كما أنه اعتمد على أقوال كبار رجال الأشاعرة والترجيح بينها إن كان بينهم خلاف، وهو كثيراً ما يورد أقوال المعتزلة أو الفلاسفة ويناقشها.
ومنزلة هذا الكتاب عند الأشاعرة - ممن جاء بعده كبيرة - فهو يمثل الصياغة النهائية لمذهبهم، وهو أيضاً " يضارع ما بلغه المغني للقاضي عبد الجبار بالنسبة للمعتزلة، وما بلغه كتاب الشفاء لابن سينا بالنسبة للفلاسفة، وذلك أنه بشرح الجرجاني يعد حصيلة تراث الأشاعرة كما يعد المغني حصيلة تراث
стр. 673
المعتزلة، على أن النسق الذي اتبعه الإيجي في كتابه لم يجعل الكتاب مقصوراً في موضوعاته على علم الكلام، إذ اختلطت هذه الموضوعات بالفلسفة والمنطق حتى أصبحت هذه سمة علم الكلام لدى متأخري الأشاعرة، وإذا كانت هذه السمة معروفة لدى الرازي قبله فالواقع أن الإيجي كان تابعاً له في نسقه الكلامي، وإن كان قد تخلص من كثرة التفريعات المعروفة عن الرازي، هذا ولقد كان الإيجي أكثر اتساقاً من الرازي في موقفه الأشعري، فلم يُغلّب الفلسفة على علم الكلام تغليب الرازي، ولم يتناقض في آرائه بين مؤلفاته مما جعله أكثر تمثيلاً لعلم الكلام الأشعري من الرازي" (١) .
وقد كان دعم هذا الكتاب للمذهب الأشعري مع سهولته ودقة تبويبه أن أصبح مقرراً دراسياً في العصور المتأخرة لدى كثير من المعاهد والجامعات في بعض أنحاء العالم الإسلامي.
- أبو علي السكوني (٢) : ت ٧١٧هـ.
وقد عاش في بلاد المغرب، وترك عدة مؤلفات أهمها: التمييز لما أودعه الزمخشري من الاعتزال في تفسيره للكتاب العزيز - ولا يزال مخطوطاً - وعيون المناظرات، ولحن العوام فيما يتعلق بعلم الكلام - وهما مطبوعان -.
والذي دعا إلى اختيار هذا العلم ليمثل جهة المغرب في هذه المرحلة المعاصرة لحياة شيخ الإسلام ابن تيمية - إضافة إلى وصول كتبه إلينا- أمران:
أحدهما: أن بلاد المغرب لها تميز عن غيرها، فهي وإن قبلت المذهب الأشعري وانتشر فيها على يد الهروي والباقلاني وتلامذتهما إلا أنها رفضت تلك
стр. 674
الانحرافات التي أتى بها الغزالي والرازي وغيرهما، وأبو علي السكوني في كتبه يمثل هذا الاتجاه بوضوح، فهو أشعري الاعتقاد، منافح عند ضد مناوئيه، لكنه اعتمد في ذكره للمناظرات ونقل الأقوال على ما أثر عن الأشعري، وأبي إسحاق الإسفراييني، والباقلاني، والجويني، والشهرستاني، وابن فورك، وهؤلاء تكرر ذكرهم كثيراً (١) ، أما الغزالي فلم يرد له ذكر في المناظرات، موفي لحن العوام حذر من مواضع من كتابه الإحياء، وكتابه الآخر النفخ والتسوية (٢) ، وأما الرازي فقد انتقده في المناظرات في مواضع (٣) ، ولم ينقل عنه إلا مناظرة أحد النصارى (٤) ، أما في لحن العوام فقد انتقد التسمية بمفاتيح الغيب دون أن يذكر اسمه (٥) .
ومما يلاحظ أنه رد طويلاً على المنجمين (٦) ، والصوفية (٧) ، والفلاسفة (٨) ، وغيرهم.
والثاني: أن السكوني سلك في كتابيه أسلوباً - لم يسبق إليه فيما أعلم - في تأليف مستقل:
أ- أما في عيون المناظرات فقد عرض فيه المذهب الأشعري عن طريق جمعه للمناظرات التي وقعت من العلماء قبل الأشاعرة، أو من علماء الأشاعرة، وذلك في المسائل التي ردوا فيها على خصومهم وبينوا فيها مذهبهم، وقد جمع
стр. 675
السكوني في كتابه هذا مائة وستين مناظرة، وقال في أول الكتاب بعد أن ذكر علم التوحيد وأهميته: " قصدت إلى تعريفه بطريق ترغب في سمعه الآذان ويسهل مدركه على الأذهان، ويحمل على تحصيله من به أراد معرفة حقائق قواعد الإيمان، فألهمني الله سبحانه في ذلك إلى منهج تقرب فائدته، وتُرتجى بفضل الله عائدته وذلك أني رأيت القلوب كالمجبولة على حب سماع ما كان وما جرى في التاريخ في سالف الأزمان، ووجدت معظم قواعد هذا العلم الشريف قد تضمنتها عيون مناظرات وأشكال مناظرات جرت لأوّلي العلم في العالمين والأنبياء والمرسلين صلوات الله عليهم وسلامه أجمعين، إلى الخلفاء الراشدين، وصدور العلماء من المتقدمين والمتأخرين فرتبتها في هذا المجموع" (١) ، وقد ضمن كتابه هذا كثيراً من آراء الأشاعرة كدليل حدوث الأجسام (٢) ، وكلام الله (٣) ، ونفى العلو (٤) ، والرؤية بلا مقابلة (٥) ، وتكليف مالا يطاق (٦) ، والكسب (٧) ، وغيرها.
ب - أما كتابه لحن العوام فقد قصد منه أن يبين كثيراً من الألفاظ والعبارات التي تدور على ألسنة العوام مما له علاقة بالله وأسمائه وصفاته، وقد ذكر في المقدمة أنه لا يجوز إطلاق الأسماء لله إلا بما ورد به الشرع، ونقل عن الأشعري والباقلاني ما يؤيد ذلك، ثم سرد مجموعة كبيرة من العبارات والألفاظ التي ترد على ألسنة العامة وغيرهم، وبين ما فيها من مخالفة لما يجب لله تعالى، والكتاب بديع في أسلوبه وطريقته لولا أنه حشى تعليلاته بما يوافق مذهب الأشاعرة، مثل نفي العلو، وتأويل الاستواء والنزول (٨) ، وغيرها.
стр. 676
وفيما يتعلق بعصره فإنه بعد أن ذكر نفي العلو وتأويل الاستواء والنزول، ردّاً على من يسميهم بالكرامية والمجسمة والحشوية المشبهة، قال: " حتى ذكر بعض أغبيائهم أنه ينزل درجاً من المنبر.. ويقول للناس: ينزل ربنا كل ليلة إلى سماء الدنيا كنزولي من منبري هذا، وهذا جهل عظيم بما يجب للرب سبحانه ويستحيل عليه " (١) ، وهذه الحكاية ذكرها ابن بطوطة في رحلته وأن ذلك كان سنة ٧٢٦هـ، والغريب أن ابن بطوطة ذكر أنه رأى ابن تيمية بنفسه يقول هذا على المنبر، وهذه فرية واضحة لأن ابن تيمية كان وقت دخول ابن بطوطة دمشق في السجن (٢) ، أما ما ذكره السكوني فهو ناقل عن غيره، ولا يمكن أن يكون ناقلاً عن ابن بطوطة على القول الراجح في وفاته - أي السكوني - وهو سنة ٧١٧هـ.
وهذا يدل على انتشار هذه الفرية على شيخ الإسلام - أو غيره من علماء السلف - والظاهر أن ابن بطوطة تلقاها عن غيره ثم صاغها لتناسب حكاية الرحلات.
* * *
стр. 677
- خلاصة وتعقيب:
مما سبق يتبين كيف تطور المذهب الأشعري بدءاً من الأشعري وإلى عصر شيخ الإسلام ابن تيمية، ومنه يتبين كيف دخل هذا المذهب على يد أعلامه في متاهات كلامية وفلسفية، وصوفية، فقرب من الاعتزال، وخلط علومه بمقدمات الفلاسفة المنطقية وغيرها، وقرن ذلك بتصوف منحرف.
أما ما استقر عليه مذهب الأشاعرة، فلا يمكن تحديد ذلك بدقة، لاختلاف الأقوال وتعارضها، وقد يثبت بعضهم ما نفاه الآخرون، ومع ذلك فيمكن أن يقال: إن الأرضية التي استقر عليها هذا المذهب هو ما سطره الإيجي في كتابه المواقف، مع ملاحظة أنه يعرض أحياناً في بعض المسائل لعدة أقوال داخل المذهب الأشعري، ومع ملاحظة أن الأشاعرة حتى في العصور المتأخرة يعولون على كتب السابقين مثل كتب الأشعري والباقلاني والجويني والغزالي والرازي وغيرهم.
لذلك فيمكن أن يقال: إن المذهب الأشعري أخذ السمات التالية:
١- ضرورة المقدمات المنطقية والعقلية لتحديد المصطلحات، والإحالة عليها عند عرض ما يتعلق بها من موضوعات العقيدة.
٢- التمسك بدليل حدوث الأجسام، والتركيز على ضرورته لأجل الرد على القائلين بقدم العالم.
٣- استقرار القانون العقلي - عند تعارض العقل والنقل - الذي جاءوا به على أنه قانون مسلم، يلجأون إليه دائماً عندما يواجهون بالنصوص.
٤- خبر الآحاد لا يفيد اليقين، فلا يحتج به في العقائد ابتداءً، ولا مانع من الاحتجاج به في مسائل السمعيات، أو فيما لا يعارضه قانون عقلي.
٥- مسألة نفي العلو والجهة، أصبحت من المسائل المسلمة التي لا تقبل المناقشة.
стр. 678
٦- التوحيد هو توحيد الربوبية فقط، ويدخلون فيه نفي الصفات الخبرية التي تقتضي عندهم تجسيماً، لأن هذا يخالف - عندهم - حقيقة التوحيد، أما توحيد الألوهية فلا يشيرون إليه في كتبهم إلا من خلال موضوعات التصوف التي تدخلها الشركيات والانحرافات الكثيرة.
٧- في الصفات استقر الأمر على إثبات الصفات السبع العقلية- وخلاف باقٍ في صفة البقاء - أما ما عداها من الصفات فيجب تأويلها.
٨ - الصفات الخبرية: فيها قولان التأويل أو التقويض، وكلاهما متقاربان في النتيجة وهي القطع بنفي ما يدل عليه ظاهرها من الصفة اللائقة بالله تعالى.
٩- نفي الصفات الفعلية الاختيارية، وهي ما تسمى بمسألة حلول الحوادث.
١٠- كلام الله، أبقوا علا ما كان موجوداً عند شيوخهم من الأشاعرة، وهو القول بالكلام النفسي، وإنه أزلي، وإنه معنى واحد، أما ما يتعلق بالقرآن المتلو فقد يميلون إلى رأي المعتزلة.
١١- الرؤية الثابتة، لكن مع نفي العلو، ولم يتخلوا عن هذا التناقض الواضح إلا ما ظهر من ميل الرازي إلى تفسير الرؤية بأنها مزيد من الانكشاف العلمي، وهو قريب جداً من مذهب المعتزلة.
١٢- في القدر: بقيت كثير من قضاياه، كالكسب، وإنكار التعليل، والقول بالتحسين والتقبيح الشرعي فقط، وتكليف ما لا يطاق، والاستطاعة - على المذهب المشهور عنهم- أما القدرة التي للعبد وهل هي مؤثرة فقد تعددت أقوالهم فيها، وإن كان الغالب عليهم الميل إلى أنها غير مؤثرة.
١٣- الإيمان: مالوا فيه إلى مذاهب المرجئة، فقالوا إنه التصديق - وبعضهم يقول: إنه المعرفة - مع قولهم بوجوب الطاعات، وتأثيم العصاة وكذلك مالوا في مسائل زيادة الإيمان ونقصانه، ودخول الأعمال فيه، والاستثناء فيه
стр. 679
- إلى أقوال المرجئة - ومع قول بعضهم: أن الإيمان هو المعرفة إلا أنهم لا يلتزمون لوازم مذهب جهم الفاسدة.
١٤- النبوات يثبتونها بدلائلها التي هي المعجزات، ويميلون إلى ما قرره الباقلاني فيها.
١٥- وفيما يتعلق بحكمهم على من خالفهم، فقد بقي المذهب متأرجحاً بين التكفير لغالب الطوائف، والأعذار لهم.
١٦- أما مسائل:
- الإمامة والتفضيل بين الخلفاء الأربعة.
- والسمعيات من المعاد وأحوال القيامة والجنة والنار.
- والشفاعة، وعدم خلود أهل الكبائر في النار.
فم يتغير مذهبهم فيها، بل بقي موافقاً لمذهب أهل السنة والجماعة كتبهم تختلف وتتباين في كثير من تفاصيل هذه المسائل، وخاصة ما يتعلق بطرق الاستدلال لها، والله أعلم.
стр. 680
الباب الثاني: موقف ابن تيمية من الأشاعرة
تمهيد:
الفصل الأول: عرضه لجوانبهم الإيجابية، واعترافه بما عندهم من حق.
الفصل الثاني: منهجه العام في الرد على الأشاعرة.
الفصل الثالث: موقفه في الرد عليهم تفصيلاً.
وفيه مباحث:
المبحث الأول: في توحيد الألوهية والربوبية.
المبحث الثاني: في الأسماء والصفات.
المبحث الثالث: في القضاء والقدر.
المبحث الرابع: في الإيمان.
المبحث الخامس: في بقية أمور العقيدة التي خالفوا فيها أهل السنة والجماعة.
стр. 681
الفصل الأول: عرضه لجوانبهم الإيجابية واعترافه بما عندهم من حق
مقدمة:
أولاً: وصفهم بأنهم من أهل السنة في مقابل المعتزلة والرافضة.
ثانياً: تفضيله أقوالهم على أقوال غيرهم من المعتزلة والجهمية والفلاسفة.
ثالثاً: ذكره لإيجابيتهم وردودهم على الباطنية والملاحدة وغيرهم.
رابعاً: الأشاعرة يحمدون لما لهم من مساع وجهود مشكورة.
خامساً: إنصافه لأعلام الأشاعرة.
стр. 682
تمهيد
سبق في الباب الأول عرض موسع وشامل عن ابن تيمية وحياته ومنهجه وعن الأشاعرة ونشأتهم وتطور مذهبهم، وهذا الباب لبيان موقف ابن تيمية منهم سلباً وإيجاباً.
وإذا كان شيخ الإسلام ابن تيمية قد أنصف خصومه - من غير الأشاعرة - وهم أشد بعداً وانحرافاً منهم عن مذهب السلف، وقد سبق ذكر أمثلة لذلك في منهجه في الرد على الخصوم (١) - فلا شك أنه سيكون من أصول منهجه وموقفه من الأشاعرة إنصافهم وبيان مواقفهم الإيجابية، مع رده عليهم ومناقشته لهم في الأمور التي خالفوا فيها مذهب ومنهج السلف.
لذلك كان من مقتضيات تكامل المنهج - في هذا الباب - أن يأتي على فصلين:
أحدهما: بيان مواقفهم الإيجابية والاعتراف بما معهم من الحق.
والثاني: بيان مواقفهم السلبية، وذلك بالرد على الانحرافات التي وقعوا فيها ومناقشتها بالتفصيل.
وشيخ الإسلام من خلال هذا المنهج المتكامل سار على طريقة متوازنة، فالأشاعرة الذين رد عليهم طويلاً لم تمنعه هذه الملاحظات من أن يقول عنهم: إنهم من أهل السنة، وإنهم ليسوا كفاراً باتفاق المسلمين، كما لم تمنعه من التنويه بجهودهم العظيمة في الدفاع عن الإسلام، والرد على خصومه الحاقدين عليه من الفلاسفة والباطنية والرافضة والمعتزلة وغيرهم، وبالمقابل فاعتراقه بهذه الجهود لم ينسه أن هؤلاء بشر يصيبون ويخطئون، وأن ما وقعوا فيه من مخالفة لعقيدة السلف لا يجوز السكوت عنها، بل يجب بيان الحق للناس والرد على من خالفه ولو كان من أهل الفضل والعمل الصالح.
стр. 683
مقدمة
يعتبر شيخ الإسلام ابن تيمية من علماء السلف الذين انتقدوا مذهب الأشاعرة وقد ألف في ذلك كتباً مطولة، وكان معنياً ببيان تناقضاتهم ومخالفتهم لمذهب السلف، كما كان معنياً ببيان الأصول الفاسدة - وهي أصول فلسفية واعتزالية - التي أدت بهم إلى هذا الانحراف، ولذلك صار في عرف كثير من الباحثين تصنيفه على أنه خصم لدود للأِشاعرة، وفات هؤلاء أنه مع خصومته لهم وردوده القاسية عليهم لم ينسَ إنصافهم، كما لم ينسَ ما قاموا به من جهود عظيمة في كبح جماح كثير من الملاحدة والرافضة والمعتزلة وغيرهم.
والعجيب أن شيخ الإسلام لما أنصف خصومه لم ينصفوه بل رموه بعظائم الأمور، ولفقوا عليه كثيراً من التهم الباطلة، فكم من محنة جرت له في حياته بسببهم حتى لقي ربه وهو في السجن، أما بعد وفاته فليست حاله وحال كتبه أحسن منها في حياته، والكل سيقفون بين يدي حكم عدل لا يظلم مثقال ذرة.
وقبل أن نذكر نماذج من مواقفه الإيجابية من الأشاعرة لابد من بيان الملاحظات التالية:
١- أن شيخ الإسلام بنى ذلك على أصل ثابت عنده، وهو تفاوت الطوائف في القرب والبعد من الحق، فيسلك مع الأشاعرة هذا المسلك، يقول شيخ الإسلام معلقاً على مسألة تأثر الأشاعرة بالمعتزلة: " مع أنه يمكن بيان أن قول الأشعري أقرب إلى صريح المعقول من قول المعتزلة، كما يمكن أن يبين أن قول المعتزلة أقرب إلى صريح المعقول من قول الفلاسفة، لكن هذا يفيد أن هذا القول أقرب إلى المعقول وإلى الحق، ولا يفيد أنه هو الحق في نفس الأمر، فهذا ينتفع به من ناظر الطاعن على الأشعرية من المعتزلة، والطاعن على المعتزلة من الفلاسفة، فتبين له أن قول هؤلاء خير من قول أصحابك، فإنه كما أن كل من كان أقرب إلى السنة فقوله أقرب إلى الأدلة الشرعية، فكذلك قوله أقرب إلى الأدلة العقلية، ولا ريب أن هذا مما ينبغي سلوكه، فكل قول - أو قائل -
стр. 684
كان إلى الحق أقرب فإنه يبين رجحانه على ما كان عن الحق أبعد، ألا ترى أن الله تعالى لما نصر الروم على الفرس - وكان هؤلاء أهل الكتاب، وهؤلاء أهل أوثان - فرح المؤمنون بنصر الله لمن كان إلى الحق أقرب على من كان عنه أبعد. وأيضاً فيمكن القريب إلى الحق أن ينازع البعيد عنه في الأصل الذي احتج به عليه البعيد، وأن يوافق القريب إلى الحق للسلف الأول الذين كانوا على الحق مطلقاً" (١) .
ولذلك أنصف خصومه كلهم من الأشاعرة وغيرهم بناءً على هذه القاعدة.
٢- أن ذكره لجوانبهم الإيجابية لم يأتِ مستقلاً، وإنما جاء على أثر، أو في أثناء مناقشاته لهم، ولذلك تجده عندما يرد عليهم يقرن ذلك بذكر ما عندهم من حق، وكذلك إذا ذكر إيجابيتهم أو مدحهم يقرن ذلك بذكر ما عليهم من ملاحظات عامة.
٣- لم يكن شيخ الإسلام ابن تيمية يكيل المدح أو الذم جزافاً، بل يقرن ذلك بكثير من التحفظ، والسبب في ذلك أنه بنى منهجه على مقياس الاتباع لمنهج أهل السنة وليس على الأشخاص، إذ كل إنسان - مهماً كان - يؤخذ من قوله ويترك سوى رسول الله ﷺ .
٤- قال كلمة الحق في معاصريه، ومدح بعضهم، ولم تأخذه سورة الغضب والمحن التي مر بها بسببهم إلى أن يقول فيهم غير الحق، أو أن يغمط ما هم عليه من أتباع للسنة.
وعلى ضوء ما سبق يمكن توضيح هذا الجانب - أي ما ذكره ابن تيمية من إيجابية عند الأشاعرة واعترافه بما عندهم من حق - كما يلي:
أولاً: وصفهم بأنهم من أهل السنة في مقابل المعتزلة والرافضة:
١- يقول شيخ الإسلام في معرض ذكره لذم السلف لأهل الكلام من الأشاعرة وغيرهم: " وإن كان في كلامهم من الأدلة الصحيحة وموافقة السنة
стр. 685
ما لا يوجد في كلام عامة الطوائف، فإنهم أقرب طوائف أهل الكلام إلى السنة والجماعة والحديث، وهو يعدون من أهل السنة والجماعة عند النظر إلى مثل المعتزلة والرافضة وغيرهم، بل هم أهل السنة والجماعة في البلاد التي يكون أهل البدع فيها هم المعتزلة والرافضة ونحوهم " (١) ، ويلاحظ وصفه لهم بأنهم هم أهل السنة في البلاد التي يغلب فيها أهل البدعة من الرافضة والمعتزلة، وهذا منتهى الإنصاف والاعتراف.
٢- يقول عنهم شيخ الإسلام: إنه أقرب الطوائف إلى أهل السنة، بل دافع عنهم لما ذكر عن أبي إسماعيل الأنصاري صاحب ذم الكلام أنه من المبالغين في ذم الجهمية قال: " ويبالغ في ذم الأشعرية مع أنهم من أقرب هذه الطوائف إلى السنة" (٢) ، وقال في مناسبة أخرى: " وهم في الجملة أقرب المتكلمين إلى مذهب أهل السنة والحديث " (٣) . ويذكر عنهم أنهم من المتكلمين " المنتسبين إلى السنة " (٤) . ويصنفهم مع بقية أهل السنة ويقول عنهم أنهم " ليسوا كفاراً باتفاق المسلمين " (٥) ، وكثيراً ما ينعى على المعتزلة تشنيعهم عليهم ويقول: إن مذهب الأشاعرة ليس بهذه الشناعة (٦) .
ثانياً: تفضيله أقوالهم على أقوال غيرهم من المعتزلة والجهمية والفلاسفة:
١- فهو يذكر أنهم أقرب إلى السنة من غيرهم، يقول: إن الكلابية والكرامية والأشعرية أقرب إلى السنة والحق من جهمية الفلاسفة والمعتزلة ونحوهم باتفاق جماهير المسلمين " (٧) ، ويقول عن الأشعرية بعد ذكر مجمل عقائدهم: " فكان هؤلاء بينهم وبين أهل الوراثة النبوية قدر مشترك بما سلكوه من الطرق
стр. 686
الصابئة في أمر الخالق وأسمائه وصفاته، فصار في مذهبهم في الرسالة تركيب من الوارثتين، لبسوا حق ورقة الأنبياء بباطل ورثة أتباع الصائبة، كما كان في مذهب أهل الكلام المحض المبتدع - كالمعتزلة - تركيب ولبس (١) بين الإثارة النبوية وبين الإثارة الصابئة، لكن أولئك أشد أتباعاً للإثارة النبوية وأقرب إلى مذهب أهل السنة من المعتزلة ونحوهم من وجوه كثيرة " (٢) ، ويذكر أن الأشاعرة أصلح من المعتزلة وأقرب إلى السنة (٣) .
٢- يثني عليهم ويمدحهم بالمقارنة مع المعتزلة، ويرى " أن أهل الإثبات من المتكلمين - مثل الكلابية والكرامية والأشعرية - أكثر اتفاقاً وائتلافاً من المعتزلة " وأنهم خير منهم (٤) .
٣- وعند ذكره للجهمية والنجارية والضرارية في مسائل الصفات والقدر يقول: " الكلابية والأشعرية خير من هؤلاء في باب الصفات، فإنهم يثبتون لله الصفات العقلية، وأئمتهم يثبتون الصفات الخبرية في الجملة " (٥) .
٤- ويرى أنهم أقرب إلى السنة من المعتزلة في مسائل إثبات الرؤية، وكلام الله (٦) .
وهذا كله بناء على قاعدة أن كل من كان إلى السنة أقرب كان إلى الحق أقرب، ولاشك أن الأشاعرة أقرب إلى الحق والسنة من هؤلاء، فكيف بغيرهم ممن هو أشد انحرافاً كالفلاسفة وغيرهم (٧) .
стр. 687
ثالثاً: ذكره لإيجابيتهم وردودهم على الباطنية والملاحدة وغيرهم، ولاشك أن علماء الأشاعرة لهم دور عظيم في ذلك.
١- فالباطنية لما استفحل أمرهم كان لهم علماء أهل السنة بالمرصاد ومن أبرز علماء السنة الذين فضحوهم علماء الأشاعرة، ولذلك يقول شيخ الإسلام: " وكانت الرافضة والقرامطة- علماؤها وأمراؤها - قد استظهرت في أوائل الدولة السلجوقية، حتى غلبت على الشام والعراق، وأخرجت الخليفة القائم ببغداد إلى تكريت وحبسوه بها في فتنة البساسيري المشهورة، فجاءت بعد ذلك السلجوقية حتى هزموهم وفتحوا الشام والعراق، وقهروهم بخراسان وحجروهم بمصر، وكان في وقتهم من الوزراء مثل " نظام الملك"، ومن العلماء مثل أبي المعالي الجويني، فصاروا بما يقيمونه من السنة ويردونه من بدعة هؤلاء ونحوهم لهم من المكانة عند الأمة بحسب ذلك، وكذلك المتأخرون من أصحاب مالك الذين وافقهوه كأبي الوليد الباجي، والقاضي أبي بكر بن العربي ونحوهما، لا يعظمون إلا بموافقة السنة والحديث.." (١) ، والوزير نظام الملك الذي ذكره شيخ الإسلام يعتبر من أبرز من نصر المذهب الأشعري من خلال المدارس النظامية التي أنشأها في أنحاء متفرقة من العراق وخراسان، وهو يذكر فضله فيما قام به من دعم للسلاجقة السنة في مقابل البويهيين الشيعة، ولذلك مدح صلاح الدين الأيوبي - وقد كان يتبنى عقيدة الأشاعرة - فقال عن مصر: " ثم.. فتحها ملوك السنة مثل صلاح الدين، وظهرت فيها كلمة السنة المخالفة للرافضة " (٢) .
٢- كذلك أيضاً يشيد شيخ الإسلام بجهود العلماء - ومنهم علماء الأشاعرة - في فضحهم للباطنية وكشف أسرارهم، يقول عن ابن سينا وكونه من الإسماعيلية الباطنية: " وقد صنف المسلمون في كشف أسرارهم، وهتك أستارهم كتباً كباراً وصغاراً، وجاهدوهم باللسان واليد، إذ كانوا أحق بذلك من اليهود والنصارى، ولو لم يكن إلا كتاب " كيف الأسرار وهتك الأستار"
стр. 688
للقاضي أبي بكر محمد بن الطيب، وكتاب عبد الجبار بن أحمد، وكتاب أبي حامد الغزالي، وكلام أبي إسحاق، وكلام ابن فورك، والقاضي أبي يعلى، وابن عقيل، والشهرستاني، وغير هؤلاء مما يطول وصفه " (١) ، وقد أشاد بدورهم وفضحهم لشتى أصناف الباطنية من القرامطة، والإسماعيلية والنصيرية (٢) .
٣- وفي رده على ابن المطهر الحلي الرافضي، يرد عليه تشنيعه على الأشاعرة، ويعتذر لهم فيقول: " إن غالب شناعته على الأشعرية ومن وافقهم، والأشعرية خير من المعتزلة والرافضة عند كل من يدري ما يقول، ويتقي الله فيما يقول.. وإذا قيل: إن في كلامهم وكلام من قد يوافقهم أحياناً من أصحاب الأئمة الأربعة وغيرهم ما هو ضعيف، فكثير من ذلك الضعيف إنما تلقوه عن المعتزلة فهم أصل الخطأ في هذا الباب، وبعض ذلك أخطأوا فيه لإفراط المعتزلة في الخطأ، فقابلوهم مقابلة انحرفوا فيها، كالجيش الذي يقاتل الكفار فربما حصل منه إفراط وعدوان " (٣) .
٤- ويمتدح جهود العلماء - من الأشاعرة وغيرهم - في ردودهم على الفلاسفة (٤) ، ويرى أن أقوال الأشاعرة وأدلتهم في حدوث العالم مبطلة لحجة الفلاسفة على قدم العالم (٥) ، ويمتدح ردود الأشاعرة وغيرهم على ملاحدة الصوفية فيقول: " ومعلوم باتفاق المسلمين أن من هو دون الأشعرية كالمعتزلة والشيعة الذين يوجبون الإسلام ويحرمون ما وراءه، فهم خير من الفلاسفة الذين يسوغون التدين بدين المسلمين واليهود والنصارى، فكيف بالطوائف المنتسبين إلى مذهب أهل السنة والجماعة كالأشعرية والكرامية والسالمية وغيرهم؟
стр. 689
فإن هؤلاء مع إيجابهم دين الإسلام وتحريمهم ما خالفه يردون على أهل البدع المشهورين بمخالفة السنة والجماعة كالخوارج والشيعة والقدرية والجهمية، ولهم في تكفير هؤلاء نزاع وتفصيل " (١) ، ويذكر شيخ الإسلام أن ملاحدة الصوفية يتظاهرون عند أهل السنة بأنهم أشعرية (٢) .
رابعاً: الأشاعرة يحمدون لما لهم من مساع وجهود مشكورة:
وقد مر في الفقرة السابقة جزء من هذه الجهود في ردودهم وفضحهم للباطنية وغيرهم، أما هنا فنزيد الأمر إيضاحاً ببيان جهودهم المختلفة في الرد على أهل البدعة والدفاع عن أهل السنة، وهذه نماذج من أقوال شيخ الإسلام فيهم:
١- يقول بعد كلام طويل عن الأشاعرة، وتحذير العلماء منهم: " ثم إنه ما من هؤلاء إلا من له في الإسلام مساع مشكورة، وحسنات مبرورة، وله في الرد على كثير من أهل الإلحاد والبدع، والانتصار لكثير من أهل السنة والدين ما لا يخفى على من عرف أحوالهم، وتكلم فيهم بعلم وصدق وعدل وإنصاف، لكن لما التبس عليهم هذا الأصل المأخوذ ابتداء من المعتزلة، وهم فضلاء عقلاء احتاجوا إلى طرده والتزام لوازمه، فلزمهم بسبب ذلك من الأقوال ما أنكره المسلمون من أهل العلم والدين، وصار الناس بسبب ذك: منهم من يعظمهم لما لهم من المحاسن والفضائل، ومنهم من يذمهم لما وقع في كلامهم من البدع والباطل، وخير الأمور أوسطها، وهذا ليس مخصوصاً بهؤلاء، بل مثل هذا وقع لطوائف من أهل العلم والدين. والله تعالى يتقبل من جميع عباده المؤمنين الحسنات ويتجاوز لهم عن السيئات. ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْأِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلّاً لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ﴾ (٣) (الحشر:١٠) ".
стр. 690
٢- ويقول عن مجموعة من الأشاعرة وغيرهم: " الواحد من هؤلاء لم يعظمه من يعظمه من المسلمين إلا لما قام به من دين الإسلام، الذي كان فيه موافقا لما جاء به محمد ﷺ ، فإن الواحد من هؤلاء له مساع مشكورة في نصر ما نصره من الإسلام والرد على طوائف من المخالفين لما جاء به الرسول. فحمدهم والثناء عليهم بما لهم من السعي الداخل في طاعة الله ورسوله، وإظهار العلم الصحيح الموافق لما جاء به الرسول ﷺ ، والمظهر لباطل من خالف الرسول، وما من أحد من هؤلاء ومن هو أفضل منه إلا وله غلط في مواضع" (١) .
٣- وفي موضع آخر يذكر ما لهؤلاء من حسنات فإنها إما موافقة لأهل السنة، أو رد على أهل البدعة، فيقول في نص طويل: " وكذلك متكلمة أهل الإثبات مثل الكلابية، والكرامية، والأشعرية، إنما قبلوا واتبعوا واستحمدوا إلى عموم الأمة بما أثبتوه من أصول الإيمان الصانع وصفاته، وإثبات النبوة، والرد على الكفار من المشركين وأهل الكتاب، وبيان تناقض حججهم وكذلك استحمدوا بما ردوه على الجهمية، والمعتزلة، والرافضة، والقدرية من أنواع المقالات التي يخالفون فيها أهل السنة والجماعة".
"فحسناتهم نوعان: إما موافقة أهل السنة والحديث، وإما الرد على من خالف السنة والحديث ببيان تناقض حججهم".
"ولم يتبع أحد مذهب الأشعري ونحوه إلا لأحد هذين الوصفين أو كليهما (٢) ، وكل من أحبه وانتصر له من المسلمين وعلمائهم فإنه يحبه وينتصر له بذلك، فالمصنف في مناقبه، الدافع للطعن واللعن عنه - كالبيهقي والقشيري أبي القاسم، وابن عساكر الدمشقي - إنما يحتجون لذلك بما يقوله من أقوال أهل السنة والحديث، أو بما رد من أقوال مخالفيهم. لا يحتجون له عند الأمة وعلمائها وأمرائها إلا بهذين الوصفين، ولولا أنه كان من أقرب بني جنسه إلى
стр. 691
ذلك لألحقوه بطبقته الذين لم يكونوا كذلك كشيخه الأول أبي علي، وولده أبي الهاشم، لكن كان له من موافقة مذهب السنة والحديث في الصفات، والقدر، والإمامة، والفضائل، والشفاعة، والحوض، والصراط، والميزان، وله من الردود على المعتزلة، والقدرية، والرافضة، والجهمية، وبيان تناقضهم ما أوجب أن يمتاز بذلك عن أولئك، ويعرف له حقه وقدره ﴿قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا﴾ [الطلاق: ٣] ، وبما وافق فيه السنة والحديث صار من القبول والاتباع ما صار، لكن الموافقة التي فيها قهر المخالف وإظهار فساد قوله هي من جنس المجاهد المنتصر، فالراد على أهل البدع مجاهد ... " (١) .
٤- وللأشاعرة جهود في كسر سورة المعتزلة والجهمية، يقول ابن تيمية عن أعلامهم كابن مجاهد والباقلاني والأسفراييني وابن فورك: "وصار هؤلاء يردون على المعتزلة ما رده عليهم ابن كلاب والقلانسي والأشعري وغيرهم من مثبتة الصفات، فيبينون فساد قولهم بأن القرآن مخلوق وغير ذلك، وكان في هذا من كسر سورة المعتزلة والجهمية ما فيه ظهور شعار السنة، وهو القول بأن القرآن كلام الله غير مخلوق، وأن الله يرى في الآخرة، وإثبات الصفات والقدر وغير ذلك من أصول السنة " (٢) . وفي موضع آخر يذكر ما رده الأشعرية " من بدع المعتزلة والرافضة والجهمية وغيرهم، وبينوا من تناقضهم، وعظموا الحديث والسنة ومذهب الجماعة، فحصل بما قالوه من بيان تناقض أصحاب البدع الكبار وردهم ما انتفع به خلق كثير " (٣) .
٥- ويرى أن لهم حسنات وفضائل وسعيا مشكورا "وخطؤهم بع الاجتهاد مغفور " (٤) .
стр. 692
وهذه النقول لا تحتاج إلى تعليق، فهي تبين كيف أنه ﵀ وهو يرد عليهم ويناقشهم لم ينسَ فضائلهم وجهودهم، بل نوه بها في مواطن كثيرة تكون لنفس البشرية فيها محبة للتقليل من شأن الخصم وتنقيصه.
خامساً: إنصافه لأعلام الأشاعرة .
أنصف شيخ الإسلام أعلام الأشاعرة، وعلى الرغم من مناقشاته الشديدة لهم إلا أنه ذكر ما عندهم من إيجابية وما لهم من جهود عظيمة في خدمة الإسلام والدفاع عنه، وما سبق في الفقرات الماضية يدل على هذا ونزيد الأمر أيضاً بذكر أقواله في بعض أعلامهم.
ويعتمد منهج ابن تيمية في ذلك على أمرين:
أحدهما: أن القاعدة عنده التي يطبقها على الأشاعرة وغيرهم هي التفريق بين العقيدة المسطرة في الكتب وبين أصحابها، فهو يحكم على ما هو مدون أو منقول من عقائد هؤلاء وأدلتهم ومناقشاتهم، ويبين ما في ذلك من خطأ أو صواب، فإذا ما وصل في الحديث إلى الشخص نفسه، صاحب العقيدة فإنه ينظر إليه نظرة أخرى مبنية على:
أ - أنه قد يكون صادقاً في خدمته للإسلام، ولا يحمل غشاً لأهله، ولذلك فهو لا يتعمد الكذب والافتراء.
ب - أنه مجتهد، وأن هذا الذي قاله هو مبلغ علمه، أو أنه كان مقلداً لغيره في هذه المسائل.
جـ - ما مات عليه هذا العم، فقد يكون ممن رجع وتاب، وصرح بذلك أو أنه في آخر عمره رضي مسلك أهل الحديث.
والثاني: أن لهؤلاء الأعلام - على أخطائهم - جهوداً لا تنكر في الجهاد في سبيل الله، والدفاع عن العقيدة، والرد على أعدائها من الملاحدة والمتفلسفة والرافضة وغيرهم، وهي جهود تكون في موازينهم يوم القيامة ولا يحرمون أجرها عند الله تعالى.
стр. 693
هذه خلاصة منهجه في ذلك، يوضح فساد الأقوال، وأحياناً بعض مواقف أصحابها، ويبين تناقضهم، وحين يصل الأمر إلى الحكم على أشخاصهم يلتفت إلى أمور أخرى ينبغي أخذها بعين الاعتبار، وهذه نماذج لمواقفه من بعض أعلام الأشاعرة.
أ - أبو الحسن الأشعري:
دافع ابن تيمية عن شيوخ الأشاعرة - وعلى رأسهم ابن كلاب (١) - وكثيراً ما يقرن الأشعري بابن كلاب والكلابية، فيقول مثلاً: " لهذا كان المتكلمة الصفاتية كابن كلاب والأشعري وابن كرام خيراً وأصح طريقاً في العقليات والسمعيات من المعتزلة، والمعتزلة خيراً وأصح طريقاً في العقليات والسمعيات من المتفلسفة، وإن كان في قول كل من هؤلاء ما ينكر عليه وما خالف فيه العقل والسمع، ولكن من كان أكثر صواباً وأقوم قيلا كان أحق بأن يقدم على من هو دونه تنزيلاً وتفصيلاً " (٢) ، ويقول عنهما: " لا ريب أن قول ابن كلاب والأشعري ونحوهما من المثبتة للصفات ليس هو قول الجهمية، بل ولا المعتزلة، بل هؤلاء لهم مصنفات في الرد على الجهمية والمعتزلة وبيان تضليل من نفاها، بل هم تارة يكفرون الجهمية والمعتزلة، وتارة يضللونهم " (٣) .
أما الأشعري نفسه فكلامه حوله كثير:
١- ففي معرض دفاعه عنه ذكر أنه: " ابتلى بطائفتين، طائفة تبغضه وطائفة تحبه، كل منهما يكذب عليه، ويقول: إنما صنف هذه الكتب تقية وإظهاراً لموافقة أهل الحديث والسنة من الحنبلية وغيرهم، وهذا كذب على الرجل، فإنه لم يوجد له قول باطن يخالف الأقوال التي أظهرها، ولا نقل أحد من خواص أصحابه ولا غيرهم عنه ما يناقض هذه الأقوال الموجودة في مصنفاته، فدعوى المدعي
стр. 694
أنه كان يبطن خلاف ما يظهر دعوى مردوده شرعاً وعقلاً، بل من تدبر كلامه في هذا الباب - في مواضع - تبين له قطعاً أنه كان ينصر ما أظهره. ولكن الذين يحبونه ويخالفونه في إثبات الصفات الخبرية يقصدون نفي ذلك عنه لئلا يقال: إنهم خالفوه، مع كون ما ذهبوا إليه من السنة قد اقتدوا فيه بحجته التي على ذكرها يعولون، وعليها يعتمدون ".
" والفريق الآخر: دافعوا عنه لكونهم رأوا المنتسبين إليه لا يظهرون إلا خلاف هذا القول، ولكونهم اتهموه بالتقية، وليس كذلك، بل هو انتصر للمسائل المشهورة عند أهل السنة التي خالفهم فيها المعتزلة كمسألة الرؤية، والكلام، وإثبات الصفات، ونحو ذلك، لكن كانت خبرته بالكلام مفصلة، وخبرته بالسنة مجملة، فلذلك وافق المعتزلة في بعض أصولهم التي التزموا لأجلها خلاف السنة ... " (١) .
٢- كما يمتدح شيخ الإسلام ما عمله من بيان تناقض المعتزلة، خاصة وأنه الخبير بأقوالهم، يقول: -في بيان تناقض أهل الكلام -: " وهذا مما مدح به الأشعري فإنه بين من فضائح المعتزلة وتناقض أقوالهم وفسادهم ما لم يبينه غيره، لأنه كان منهم، وكان قد درس الكلام على أبي علي الجبائي أربعين سنة، وكان ذكياً، ثم إنه رجع عنهم وصنف في الرد عليهم، ونصر في الصفات طريقة ابن كلاب لأنها أقرب إلى الحق والسنة من قولهم، ولم يعرف غيرها، فإنه لم يكن خبيراً بالسنة والحديث وأقوال الصحابة والتابعين وغيرهم " (٢) . ويقول أيضاً عن المعتزلة: " والأشعري وغيره من متكلمة الإثبات انتدبوا لبيان تناقضهم في أصلهم، وأوعبوا في بيان تناقض الأقوال، وحكاية الأشعري مع الجبائي في الإخوة الثلاثة (٣) مشهورة (٤) .
стр. 695
٣- كما ذكر أن الأشعري كان ينتسب إلى الإمام أحمد، وأنه أقرب إليه من بعض الحنابلة، يقول: " وكان الأشعري أقرب إلى مذهب الإمام أحمد بن حنبل وأهل السنة من كثير من المتأخرين المنتسبين إلى أحمد الذين مالوا إلى بعض كلام المعتزلة كابن عقيل، وصدقة بن الحسين، وابن الجوزي، وغيرهم (١) ، ويقول: " والأشعري كان من أجل المتكلمين المنتسبين إلى الإمام أحمد ﵀ ونحوه، المنتصرين لطريقه، كما يذكر الأشعري ذلك في كتبه.. [ثم يقول] وأما الأشعري فهو أقرب إلى أصول أحمد من ابن عقيل وأتبع لها، فإنه كلما كان عهد الإنسان بالسلف أقرب كان أعلم بالمعقول والمنقول.. [ويقول] ولما أظهرت كلام الأشعري - ورآه الحنابلة - قالوا: هذا خير من كلام الشيخ الموفق.. " (٢) .
ويذكر أيضاً أن الأشعري أخذ مذهب أهل الحديث والسنة من شيخه المشهور زكريا بن يحيى الساجي (٣) .
٤- كما يذكر ما تميز به الأشعري من حرص على نصرة مذهب أهل الحديث، يقول عنه: " وهو دائماً ينصر في المسائل التي فيها النزاع بين أهل الحديث وغيرهم قول أهل الحديث، لكنه لم يكن خبيراً بمأخذهم، فينصره على ما يراه من الأصول التي تلقاها عن غيرها، فيقع في ذلك من التناقض ما ينكره هؤلاء هؤلاء، كما فعل في مسألة الإيمان ونصر فيها قول جهم مع نصره للاستثناء " (٤) ، وذكر أنه بين طريقة السلف في أصول الدين فقال: " حتى إن الأشعري نفسه وأمثاله قد بينوا طريقة السلف في أصول الدين، واستغنائها عن الطريقة الكلامية، كطريقة الإعراض ونحوها وإن القرآن نبه على الأدلة، من أهل الكلام الذين يقولون: إن الكتاب والسنة لا يدلان على أصول الدين بحال، وإن أصول الدين تستفاد بقياس العقل المعلوم من غيرهما " (٥) .
стр. 696
٥ - يذكر شيخ الإسلام أن الأشعري من مثبتة الصفات الخبرية، ويرد على الذين يزعمون أن له فيها قولين، يقول: " وأما الأشعري نفسه وأئمة أصحابه فلم يختلف قولهم في إثبات الصفات الخبرية، وفي الرد على من يتأولها، كمن يقول: استوى بمعنى استولى، وهذا مذكور في كتبه كلها كالموجز الكبير، والمقالات الصغيرة، والكبيرة، والإبانة، وغير ذلك، وهكذا نقل سائر الناس عنه، حتى المتأخرون كالرازي والآمدي، ينقلون عنه إثبات الصفات الخبرية، ولا يحكون عنه في ذلك قولين، فمن قال: إن الأشعري كان ينفيها، وإن له في تأويلها قولين فقد افترى عليه، ولكن هذا فعل طائفة من متأخري أصحابه كأبي المعالي ونحوه فإن هؤلاء أدخلوا في مذهبه أشياء من أصول المعتزلة" (١) ، كما دافع عن الأشعري فيما نسب إليه من أنه يقول: إن الله لم يكن قادراً على العل في الأزل " وبين شيخ الإسلام أن " من يبغض الأشعري ينسب إليه هذا، لتنفر عنه قلوب الناس " (٢) ، وكثيراً ما يشير شيخ الإسلام إلى أنه أقرب إلى السلف من كثير ممن أتى بعده (٣) ، وكثيراً ما ينقل من كتب الأشعري، ويستشهد بأقواله (٤) .
ب - الباقلاني والجويني:
يرى شيخ الإسلام أن الباقلاني فحل الطائفة الأشعرية (٥) ، ويقول عنه: إنه " أفضل المتكلمين المنتسبين إلى الأشعري، ليس فيهم مثله، لا قبله ولا بعده ... " (٦) ، ويذكر عنه أنه " أكثر إثباتاً بعد الأشعري في الإبانة " (٧) .
стр. 697
وقد امتدحه كثيراً في ردوده على الباطنية (١) ، ومواقفه العظيمة من النصارى (٢) .
أما الجويني فيدافع عنه على الرغم من كونه ممن مال إلى المعتزلة أكثر ممن سبقه من الأشاعرة، وبعد أن نقل عنه الأقوال في الكلام ونسبته إلى أهل السنة ما ليس من مذهبهم، رد عليه ابن تيمية وقال: " وأبو المعالي وأمثاله أجل من أن يتعمد الكذب، لكن القول المحكي قد يسمع من قائل لم يضبطه، وقد يكون القائل نفسه لم يحرر قولهم" (٣) ، ويذكر هذا في مناسبة أخرى ويرى أنه لم يتعمد الكذب لكنه كان قليل المعرفة بحال أهل السنة (٤) ، ويحتج بأقواله ويصححها في معرض ردوده على الجهمية (٥) ، وابن رشد (٦) .
جـ - الغزالي:
يعتبر شيخ الإسلام ابن تيمية من القلائل الذين عرفوا حقيقة ما انتهى إليه الغزالي في كتبه المختلفة، وأنه كان مائلاً إلى الفلسفة التي صاغها بعبارات ومصطلحات الصوفية، فأصبح متفلسفاً صوفياً إشراقياً (٧) ، ومع أن شيخ الإسلام نقده كثيراً وفي مناسبات مختلفة، ونقل ردود العلماء عليه (٨) ، إلا أنه أنصفه ومدحه وذلك من خلال:
١- بيانه أن الغزالي لا يتعمد الكذب، ولذلك لما نسب إلى الإمام أحمد أنه يقول بالتأويل رد عليه ابن تيمية بأنه: " نقله عن مجهول لا يعرف، وذلك المجهول أرسله إرسالاً عن أحمد، ولا يتنازع من يعرف أحمد وكلامه أن هذا كذب
стр. 698
مفترى عليه، ونصوصه المنقولة عنه بنقل الثقات الأثبات، المتواتر عنه برد هذا الهذيان الذي نقله عنه، بل إذا كان أبو حامد ينقل عن رسول الله ﷺ وعن الصحابة والتابعين من الأكاذيب لا يحصيه إلا الله، فكيف ما ينقله عن مثل أحمد"، ثم يعقب شيخ الإسلام مدافعاً عن الغزالي: " ولم يكن ممن يتعمد (١) الكذب، كان أجلّ قدراً من ذلك، وكان من أعظم الناس ذكاء وطلباً للعلم وبحثاً عن الأمور، ولما قاله كان من أعظم الناس قصداً للحق، وله من الكلام الحسن المقبول أشياء عظيمة، بليغة، ومن حسن التقسيم والترتيب ما هو به من أحسن المصنفين، لكن كونه لم يصل إلى ما جاء به الرسول من الطرق الصحيحة كان ينقل ذلك بحسب ما بلغه لاسيما مع هذا الأصل، إذ جعل النبوات فرعاً على غيرها (٢) .
٢- كما أن شيخ الإسلام يعترف للغزالي بجهوده في ردوده على الفلاسفة، ويمتدحه كثيراً في ذلك، ولما احتج الفلاسفة على نفي الصفات بالتركيب وما يلزم رد عليهم الغزالي ووافقه ابن تيمية فقال: " ما ذكره أبو حامد مستقيم، مبطل لقول الفلاسفة، وما ذكره ابن رشد إنما نشأ من جهة ما في اللفظ من الإجمال والاشتراك " (٣) ، ثم قال مناقشاً ابن رشد: " وهذه الطريق التي سلكها أبو حامد في مناظرته إخوانك وهي طريق صحيحة، وقد تبين أن ما ذكره أبو حامد عن احتجاجهم بلفظ المركب جواب صحيح " (٤) ، ويقول ابن تيمية عن ابن رشد " وقد رد على أبي حامد في تهافت التهافت رداً أخطأ في كثير منه، والصواب مع أبي حامد.. وقد تكلمت على ذلك وبينت تحقيق ما قاله أبو حامد في ذلك من الصواب الموافق لأصول الإسلام، وخطأ ما خالفه من كلام ابن رشد وغيره من الفلاسفة، وإن ما قالوه من الحق الموافق للكتاب والسنة لا يرد،
стр. 699
بل يقبل، وما قصر فيه أبو حامد من إفساد أقوالهم الفاسدة فيمكن رده بطريق أخرى يعان بها أبو حامد على قصده الصحيح ".
كما يمتدح شيخ الإسلام ردود الغزالي على الفلاسفة في مسألة إثبات الصانع وينقل ما ذكره من الطعن في طريقة ابن سينا وأمثاله، ثم يقول شيخ الإسلام معقباً: " وهذا الوجه الذي ذكره أبو حامد أحسن فيه، وكنت قد كتبت على توحيد الفلاسفة ونفيهم الصفات كلاماً بينت فيه فساد كلامهم في طريقة التركيب قبل أن أقف على كلام أبي حامد، ثم رأيت أبا حامد قد تكلم بما يوافق ذلك الذي كتبته" (١) ، كما يعترف له في مناسبات أخرى (٢) .
٣- ذكره لرجوعه في آخر عمره إلى الحديث، وأنه مات وهو يشتغل بالبخاري ومسلم (٣) ، ويذكر أنه رجع " واستقر أمره على التلقي من طريقة أهل الحديث، بعد أن يأس من نيل مطلوبه من طريقة المتكلمين والمتفلسفة والمتصوفة أيضاً " (٤) .
د - الرازي وغيره:
نظراً لأن الرازي ومن جاء بعده التصقوا بالفلسفة كثيراً، وانحرفوا عن أسلافهم الأشاعرة فقد كانت ردود ابن تيمية عليهم كثيرة وقوية، وكثيراً ما يوردها بنبرة قاسية تشبه ما يستخدمه من عبارات في ردوده على الفلاسفة والباطنية ومن شابههم من أهل الكفر والإلحاد، ومع ذلك فلم تخل مناقشاته له من الإنصاف حين يجد فيكلامه ما هو حق، فهو يقول عنه بعد نقله لأحد آرائه ومناقشاته: " قلت هذا هو الصواب، فإن بطلان الدور معلوم
стр. 700
بالضرورة " (١) ، ويقول عن إحدى مناقشاته للفلاسفة: " فتبين أن الذي ألزمهم إياه أبو عبد الله الرازي إلزام لا محيد عنه " (٢) ، كما يمتدح ما ذكره من إبطال الحلول وإلزام النصارى (٣) ، وكثيراً ما يذكر أن ما ذكره الرازي صحيح أو حق (٤) .
كما يفعل ذلك مع الآمدي (٥) ، ويقول عنه: " مع أنه من أفضل من تكلم من أبناء جنسه في هذه الأمور وأعرفهم بالكلام والفلسفة " (٦) ، كما يعترف لأثير الدين الأبهري (٧) ، ويقول عن - الرازي، والآمدي، والأرموي (٨) - إنهم من أفضل بني جنسهم من المتأخرين (٩) ، بل قال عن الآمدي: " كان من أحسنهم إسلاماً وأمثلهم اعتقاداً " (١٠) .
هـ - الأشاعرة المعاصرون لابن تيمية:
من يطلع على حياة شيخ الإسلام ابن تيمية وما جرى له من محن على يد الأشاعرة المعاصرين له وكيف أنه انتقل بسببهم من محنة إلى محنة ومن سجن إلى سجن، وما صاحب ذلك من مؤامرات وافتراءات عليه، من يطلع على تفاصيل ذلك قد يتصور أن موقف شيخ الإسلام منهم سيكون على غرار موقفهم
стр. 701
منه من السعي فيهم والانتقام منهم، ولكن الأمر لم يكن كذلك، بل صار له معهم موقفان، دالان على أدب وخلق رفيع:
أحدهما: عملي، حيث كان يدعو لهم، ويأتي الانتصار لنفسه - في حالة تمكنه من ذلك - وقد سبق تفصيل ذلك عند الحديث عن محن ابن تيمية في ترجمته، وهي مواقف تدل على نفس كريمة وتسامح عجيب.
والثاني: موقف نظري، عند مناقشته لهم، حيث كان يعتذر لهم، ويبين أنهم كانوا يقصدون الحق وأنهم مجتهدون، انظر إلى مثل قوله فيهم: " وأكثر الطالبين للعم والدين ليس لهم قصد من غير الحق المبين، لكن كثر في هذا الباب الشبه والمقالات، واستولت على القلوب أنواع الضلالات، حتى صار القول الذي لا يشك من أولي العلم والإيمان أنه مخالف للقرآن والبرهان، بل لا يشك في أنه كفر بما جاء به الرسول من رب العالمين، قد جعله كثير من أعيان الفضلاء أنه من محض العلم والإيمان، بل لا يشك في أنه مقتضى صريح العقل والعيان، ويظنون أنه مخالف لقواطع البرهان ".
" ولهذا كنت أقول لأكابرهم لو وافقتكم على ما تقولونه لكنت كافراً مريداً (١) ، لعلمي بأن هذا كفر بيّن، وأنتم لا تكفرون لأنكم من أهل الجهل بحقائق الدين، ولهذا كان السلف والأئمة يكفرون الجهمية في الإطلاق والتعميم وأما المعين منهم فقد يدعون له ويستغفرون له، لكونه غير عالم بالصراط المستقيم، وقد يكون العلم والإيمان ظاهراً لقوم دون آخرين، وفي بعض الأمكنة ولأزمنة دون بعض، بحسب ظهور دين المرسلين " (٢) .
وقد مدح شيخ الإسلام القاضي بدر الدين ابن جماعة وأيده (٣) ، ونقل السبكي في طبقاته أن تقي الدين ابن تيمية كان كثيراً ما يثني على والده تقي الدين السبكي، وأنه: " كان لا يعظم أحداً من أهل العصر كتعظيمه له" (٤) ،
стр. 702
كما ذكر في ترجمة علاء الدين الباجي -واسمه علي بن محمد بن عبد الرحمن - أنه: " لما رآه ابن تيمية عظمه، ولم يجر بين يديه بلفظة، فأخذ الشيخ علاء الدين يقول: " تكلم نبحث معك، وابن تيمية يقول: مثلي لا يتكلم بين يديك أنا وظيفتي الاستفادة منك " (١) .
هذه موقف شيخ الإسلام الإيجابية من الأشاعرة وفيها من بيان الحق والإنصاف ما يشهد له بالأمانة، ومع ذلك فهذه الجوانب لا ينبغي أن تؤخذ مجردة - وحدها - بل لابد أن يضاف إليها الجانب الثاني من منهجه في موقفه منهم، ألا وهو ردوده عليهم، وبيان ما في أقوالهم من مخالفة لعقيدة ومنهج أهل السنة، وهذا ما سنفصله في الفصلين التاليين بمباحثهما المختلفة - إن شاء الله -.
* * *
стр. 703
الفصل الثاني: منهجه العام في الرد على الأشاعرة
ويشمل المباحث التالية:
مقدمة:
أولاً: بيان جوانبهم الإيجابية.
ثانياً: الكتاب والسنة فيهما ما يغني عما ابتدعه هؤلاء، وحجية خبر الآحاد في العقيدة.
ثالثاً: مذهب السلف أسلم وأعلم وأحكم.
رابعاً: أن علم الكلام مذموم.
خامساً: جهلهم بالسنة وبمذهب السلف.
سادساً: إرجاع أقوالهم المخالفة لمذهب أهل السنة إلى أصول الفلاسفة والجهمية والمعتزلة.
سابعاً: لا تعارض بين العقل والنقل.
ثامناً: الرد على متأخري الأشاعرة بأقوال شيوخهم، وردود بعضهم على بعض.
تاسعاً: تناقض الأشاعرة.
عاشراً: حيرة الأشاعرة وشكهم ورجوعهم.
حادي عشر: تسلط الفلاسفة والباطنية على المتكلمين.
стр. 704
مقدمة
لقد كانت لشيخ الإسلام ابن تيمية مواقف إيجابية من الأشاعرة، أنصفهم فيها، وحمد ما قاموا به من الجهود الكبيرة في الدفاع عن الإسلام، ولكن هذه المواقف لم تمنعه من الرد على انحرافاتهم وأخطائهم ومناقشتها بالتفصيل، وقد بذل - رحمة الله - في ذلك جهوداً عظيمة، وألف فيه كتباً كثيرة، أرجع فيها الفروع إلى الأصول، والمسائل الصغيرة إلى أصولها الكبار، وبين الخلفيات والأسباب التي دعت هؤلاء إلى أن يقولوا بأقوال ويعتقدوا عقائدهم المخالفة للكتاب والسنة، وقد كان لخبرته بأصول أهل الضلال من الفلاسفة والجهمية والمعتزلة ومعرفته بمداخل مذاهبهم، وكيف يرتبون المسائل بعضها على بعض أثر كبير في قوة منهجه، وغوصه في حجبه، وإحراج خصومه عند الرد والمناقشة، وكان من آثار ذلك أن نال منه خصومه، واعتبروه خصمهم اللدود، ولما لم يقووا على مناقشته ورد ما أتى به مما يبهر العقول وينير السبيل لطالب الهدى، لجأوا إلى أساليب أخرى تبتعد عن مناقشة الحجة بالحجة والبرهان بالبرهان، من استعداء للسلطة، أو رميه بما هو بريء منه كذباً وزوراً، أو تشويه لأقواله وتصويرها بصورة تنفر منها نفوس عامة الناس كما فعل أشياخهم من قبل مع أشياخ أهل السنة حين رموهم بالحشو والتشبيه وغير ذلك مما هو مسطر مشهور في كتبهم، ولكن ذلك لم يثن عزم شيخ الإسلام - كما لم يثن شيوخ أهل السنة قبلهـ عن أن يبين للناس الحق، ويرد الباطل الذي جاء به أهل الكلام والفلسفة من الأشاعرة وغيرهم.
وقد كان اهتمام شيخ الإسلام بالرد على الأشاعرة كبيراً، ويكفي كمثال على ذلك أن كتابين من أكبر كتبه أفردهما في الرد عليهم، وهما كتاب نقض أساس التقديس، ودرء تعارض العقل والنقل، إضافة إلى الكتب العديدة التي أفردها في ذلك - وقد سبقت الإشارة إلى ذلك عند الحديث عن مؤلفات شيخ الإسلام ابن تيمة -.
وردود شيخ الإسلام عليهم ركزت على الأصول التي بنوا عليها مذهبهم، كما أنها لم تغفل الجزئيات والمسائل الفرعية العقدية، وذلك في مسائل توحيد الربوبية والألوهية، والصفات، والقدر، والإيمان، والنبوة، وغيرها.
стр. 705
ومن المفيد جداً قبل الدخول في مناقشاته وردوده التفصيلية على الأشاعرة استقراء منهجه العام في الرد عليهم، لأن هذه الخطوط العريضة توضح جوانب من منهجه قد لا تتضح من خلال الردود التفصيلية المطولة، كما أها تبرز الجوانب الجوهرية والملاحظات الأساسية على مذهب الأشاعرة، والتي بسببها وقعوا في الأخطاء والانحرافات التفصيلية.
وقد كانت لشيخ الإسلام لمحات وإشارات مهمة، نظراً لطول مراسه في هذا الباب، واهتمامه الشديد به:
١- فهو الخبير بالمذهب الأشعري - بل وكل مذهب رد عليه كما سبق في منهجه - والمتتبع لما كتبه عن الأشاعرة يرى هذا بارزاً، فاطلاعه على تاريخ المذهب الأشعري نشأة وتطوراً، وتاريخ رجاله، وما جرى لهم مع خصومهم من أحداث، وكذا كتبهم التي ألفوها خدمة لمذهبهم أو رداً على خصومهم، على مختلف البلدان والأزمان التي عاشوا فيها - اطلاعه على ذلك واسع جداً، إلى حد أن أحداً من أصحاب هذا المذهب نفسه لا يجاريه في ذلك.
وشيخ الإسلام حينما يرد على مقالة أحد الأشاعرة لا يكتفي بالرد عليها ونقضها مباشرة، وإنما يأتي بالردود من وجوه عديدة، فقائل هذه المقالة إن كانت له كتب أخرى، أو لشيوخه الذين تتلمذ عليهم، أو لشيوخ المذهب عموماً اطلع عليها واستخلص منها ما يرد على صاحب المقالة ويبين عدم ثقته هو أو ثقة شيوخه بهذا الكلام الذي يقوله في المقالة أو الكتاب المردود عليه، وقد أتى شيخ الإسلام في ذلك بأعاجيب.
٢- وقد اختار في ردوده ومناقشاته أن تكون مشتملة على نقل كلام رؤوس الطوائف، ويعلل ذلك بقوله - في معرض بيان أن المتكلمين ضعفت ردودهم على الفلاسفة لأنهم قابلوا الفاسد بالفاسد - " وإنما يحصل النور والهدى بأن يقابل الفاسد بالصالح، والباطل بالحق، والبدعة بالسنة، والضلال بالهدى، والكذب بالصدق، وبذلك يتبين أن الأدلة الصحيحة لا تعارض بحال، وأن المعقول الصريح مطابق للمنقول الصحيح " ثم يقول: " وقد رأيت من هذا عجائب فقل أن رأيت حجة عقلية هائلة لمن عارض الشريعة قد انقدح لي وجه