← Фикх шафии

Фикх шафии · id 127671

تحرير الفتاوي على التنبيه والمنهاج والحاوي

ابن العراقي

Полный текст (2 650 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

تحرير الفتاوى على «التنبيه» و «المنهاج» و «الحاوي» المسمى النكت على المختصرات الثلاث تأليف الإمام الحافظ الفقيه الأصولي ولي الدين أبي زرعة أحمد بن عبد الرحيم بن الحسين بن عبد الرحمن العراقي الكردي المهراني القاهري الشافعي - رحمه الله تعالى - (٧٦٢ هـ - ٨٢٦ هـ) تحقيق عبد الرحمن فهمي محمد الزّواوي [المجلد الأول]

стр. 2

دَارُ المِنْهَاجِ لبنان - بيروت - فاكس: ٧٨٦٢٣٠ الطَبعَة الأولَى ١٤٣٢ هـ - ٢٠١١ م جميع الحقوق محفوظة للناشر دَارُ المِنْهَاجِ لِلنَّشْرِ وَالتَّوْزِيع لِصَاحِبهَا عُمَرْ سَالِمْ بَاجْخَيفْ وَفَّقَهُ الله تَعَالى المملكة العربية السعودية - جدة حي الكندرة - شارع أبها تقاطع شارع ابن زيدون هاتف رئيسي: ٦٣٢٦٦٦٦ - الإدارة: ٦٣٠٠٦٥٥ المكتبة: ٦٣٢٢٤٧١ - فاكس: ٦٣٢٠٣٩٢ ص. ب: ٢٢٩٤٣ - جدة: ٢١٤١٦ لا يسمح بإعادة نشر هذا الكتاب أو أي جزء منه, وبأيِّ شكل من الأشكال, أو نسخه, أو حفظه في أي نظام إلكتروني أو ميكانيكي يمكن من استرجاع الكتاب أو أي جزء منه, وكذلك لا يسمح بالاقتباس منه أو ترجمته إلى أي لغة أخرى دون الحصول على إذن خطي مسبقاً من الناشر www.alminhaj.com E-Mail: info@alminhaj.com

стр. 3

تَحْرِيرُ الفَتَاوِي عَلى «التَّنبيهِ» وَ «المِنْهَاجِ» وَ «الحَاِوي» [١]

стр. 4

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ

стр. 5

﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ بقلم الدكتور محمد عبد الرحمن شميلة الأهدل جامعة الطائف الحمد لله رب العالمين، حمداً لا انقطاع له على الدوام، حمداً يوافي نعمه، ويدافع نقمه، ويكافئ مزيده، كما ينبغي لجلال وجهه وعظيم سلطانه، من رفع أهل الذكر إلى المحل الأسمى، وصيَّرهم مرجع الأمة إذا ادلهمت سحب المشكلات، وأمر بسؤالهم إذا جَدَّت معضلة من المعضلات، فقال جل وعلا: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾. وحض سبحانه على الرحلة من أجل التفقه في الدين، فقال جل وعزَّ: ﴿فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾. والصلاة والسلام على البشير النذير، السراج المنير، محمد بن عبد الله، خاتم رسل الله، وصاحب الحوض المورود، والمقام المحمود، والشفاعة والجود، الذي جعل التفقه في الدين من إرادة الله لصاحبه الخير؛ فقال: "من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين" (١)، وعلى آله الأطهار، وصحابته أسد الغابة الأبرار، والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين". أما بعد: فإن من أجلِّ الطاعات، وأشرف القربات: الاشتغال بعلم الفقه؛ تعلماً وتعليماً، وتفهماً وتفهيمًا، فمن أخذ به .. فقد أخذ بحظ وافر؛ لأنه زبدة المصدَرَين النيرين، وخلاصة أفكار الأئمة المجتهدين، وطريق السلف الصالح في كل عصر ومصر، ويرحم الله ابن الوردي إذ قال (٢): (من الرمل) اُطْلُب العلمَ ولا تكسَلْ فما ... أَبعدَ الخيرَ على أهل الكَسَل واحتفِل للفقه في الدين ولا ... تشتغِل عنهُ بمال وخَوَلْ لا تقُلْ قد ذهَبتْ أربابُهُ ... كل من سارَ على الدرب وَصل ولقد قيض الله تعالى لحفظ الشريعة الغراء أعلاماً موهوبين، وأفذاذًا مخبتين موفقين، وعلماء مخلصين، فأقام بهم معالم الدين، وأنفقوا أعمارهم في سبيل تشييد قواعده، وتثبيت دعائمه.

стр. 6

أعملوا أفكارهم في كتاب ربهم، واستناروا بسنة نبيهم ﷺ ، وفهم سلفهم الأئمة الأجلاء. وعكفوا على الاستنباط والغوص على المقاصد الشرعية، وصاروا من الراسخين في العلم، والسابقين إلى الفهم، فحينئذ نصبوا أنفسهم لهداية الخلق إلى الحق، ودونوا الكتب النافعة، والتصانيف البارعة، حوت من نفائس العلوم أعلاها، ومن دقائق المسائل أجلها، وعكفوا على هذه التصانيف لتحقيقها، والتأكد من سلامة محتواها. وهكذا سارت قافلة الفقه على هذه الوتيرة، فإن الأوائل المصنفين خلفهم جهابذة شرحوا المعمى، وفصلوا المجمل، ووضحوا المشكل، وخدموا الفقه خدمة ما وراءها مرمى، حتى آض مكيناً، متين البنيان، مشيد الأركان، يغدو ويروح في حلل التحقيق والتدقيق. (ب) ولقد كان لفقه الإمام الشافعي رحمه الله تعالى النصيب الأوفر، والحظ الأكبر من عناية العلماء به، وضبطه واستجلاء معارفه، ونصب قبابه، حتى صار المذهب منقحاً محرراً، مضبوطاً بقواعده وأصوله، وجادت أقلام أصحابه بآلاف المصنفات، ومئاتٍ من التحريرات والتعقبات، والاستدراكات والترجيحات، ومن هذه التحريرات هذا الكتاب المبارك، الموسوم بـ "تحرير الفتاوي على التنبيه والمنهاج والحاوي" (١) تأليف الإمام أبي زرعة أحمد بن عبد الرحيم العراقي (ت ٨٢٦ هـ). والمقصود بتحرير الفتاوي: تخليصها على وجه محمود، وتنقيحها وإصلاح ما خامرها من سقط، وهذا مستمد من المعنى اللغوي في قولهم: (تحرير الكتاب)، والمقصود: تقويمه وتخليصه، بإقامة حروفه، وتحسينه بإصلاح سقطه، والتحرير أيضاً: بيان المعنى بالكتابة (٢). والفتاوي: جمع فتوى، وعلم الفتاوى: (هو علم تروى فيه الأحكام الصادرة عن الفقهاء في الواقعات الجزئية؛ ليسهل الأمر على القاصرين من بعدهم) (٣). أما الفتوى ذاتها .. (فهي الحكم الشرعي الذي يبينه الفقيه لمن سأله عنه) (٤).

стр. 7

وبناء على هذا: فمعنى قوله: "تحرير الفتاوي أنه يُعنَى بذكر القول الراجح، الذي يلزم الفتيا به في المذهب، لقوة دليله، ووضوح تعليله، إضافة إلى عنايته بتبيين وتقويم وإصلاح ما أبهم في عبارات الكتب الثلاثة، والتعليق على ما يحتاج إلى تعليق منها، والتنبيه إلى دقائق العبارات، والغوص على لطيف الإشارات، وغير ذلك مما يظهر ملكة هذا الإمام الفقهية، والتمكن من قواعده، والتعريف بالراجح من الأقوال إذا احتدم الخلاف، وغير ذلك من الفوائد العزيزة، التي قيدتها يراعة هذا الإمام. (ج) أما الكتب الثلاثة التي عينها .. فأولها: "التنبيه"، وهو كتاب ألفه الإمام أبو إسحاق إبراهيم بن علي الشيرازي الفيروزآبادي المولود سنة (٣٩٣ هـ)، والمتوفى سنة (٤٧٦ هـ)، وهو إمام الشافعية في عصره بلا منازع، قال فيه الإمام النووي رحمه الله تعالى: (هو الإمام المحقق، المتقن المدقق، ذو الفنون من العلوم المتكاثرات، والتصانيف النافعة المستجادات، الزاهد العابد الورع ... ) إلى آخر التحلية المذهبة (١). ولكتاب "التنبيه" أهميته الخاصة، ومميزاته الفريدة، فهو أحد الكتب الخمسة المعتمدة المتداولة في المذهب، كما ذكر النووي رحمه الله تعالى (٢). وهذا الإمام النووي رحمه الله تعالى على جلالة قدره، وعلو كعبه، وحسن مصنفاته، يقول في "التنبيه": (هو من الكتب المشهورات النافعات المباركات، فينبغي لمريد نصح المسترشدين، وهداية الطالبين: أن يعتني بتقريبه وتحريره وتهذيبه) إلى أن قال: (فإذا علم ما ذكرته .. حصل منه أن مذهب الشافعي ﵁ العمل بما تضمنه "التنبيه" مع هذه الكراسة - يعني تصحيحه) (٣). وقد اهتم الشافعية بهذا الكتاب اهتماماً كبيراً، وأولوه عناية فائقة؛ فمن بين شارح ومختصر ومصحح، ومخرج لأحاديثه، ومبين لغريبه، وكأن الإمام أبا زرعة العراقي استجاب لطلب الإمام النووي حين دعا علماء الشافعية إلى العناية بتحريره وتهذيبه. أما الكتاب الثاني .. فهو "المنهاج" وإذا أطلق .. فالمراد به "منهاج" الإمام الرباني، والعلامة

стр. 8

المحقق يحيى بن شرف شيخ الإسلام محيي الدين أبي زكريا النووي نسبة إلى نوى من قرى دمشق، المولود سنة (٦٣١ هـ)، والمتوفى سنة (٦٧٦ هـ)، ذي المؤلفات الجليلة في علوم الدين، ومن احتل المرتبة السامية في قلوب المسلمين، وهو من العلماء الراسخين المحررين للمذهب، البارعين في التصنيف. وكتابه "المنهاج" أشهر من نار على علم، فقد احتل منزلة عظيمة عند الشافعية، فأكبوا عليه حفظاً وفهماً، وشرحاً وتحشيةً ونظماً، وتفانوا في خدمته، والثناء عليه. قال العلامة ابن العطار رحمه الله تعالى: (وقال لي العلامة جمال الدين بن مالك: "والله لو استقبلت من أمري ما استدبرت لحفظته"، وأثنى على حسن اختصاره، وعذوبة ألفاظه) (١). وقال الإمام السيوطي رحمه الله تعالى وصدق: (وهو الآن عمدة الطالبين والمدرسين والمفتين) (٢). وقال الإمام السخاوي رحمه الله تعالى: (إن من وفور جلالته وجلالة مؤلفه انتساب جماعة ممن حفظه إليه، فيقال له: المنهاجي، وهذه خصوصية لا أعلمها الآن لغيره من الكتب) (٣). وأما الكتاب الثالث .. فهو: "الحاوي الصغير" تأليف الشيخ الإمام نجم الدين عبد الغفار بن عبد الكريم القزويني، المولود سنة (٥٨٥ هـ) تقريباً، والمتوفى سنة (٦٦٥ هـ). قال الإمام السبكي رحمه الله تعالى عنه: (له اليد الطولى في الفقه والحساب وحسن الاختصار) (٤). وكتابه "الحاوي" من الكتب المعتبرة في المذهب، ولا سيما وهو قد اختصره من كتاب الإمام الرافعي المسمي "فتح العزيز"، ووصفه صاحب "كشف الظنون" بقوله: (وجيز اللفظ، بسيط المعاني، محرر المقاصد، مهذب المباني، حسن التأليف والترتيب، جيد التفصيل والتبويب؛ ولذلك عكفوا عليه بالشرح والنظم) (٥). وهذا العلامة ابن المقري رحمه الله تعالى يمدحه قائلاً: (لم يكن في المذهب مصنف أوجز ولا أعجز من "الحاوي" فإنه كتاب لا ينكر فضله، ولا يختلف اثنان في أنه ما صنف قبله مثله، ولقد أبدع الشيخ في تصنيفه وترصيعه) (٦).

стр. 9

(د) فهذه هي الكتب الثلاثة، وها هي قيمتها العلمية عند الشافعية، فإذا عرفت أن هذه الكتب الثلاثة هي عين أعيان المصنفات، وإنسان عيون المؤلفات .. أدركت أن الكتاب الذي يقوم بتحريرها وتقويمها وتتميمها لهو كتاب من الأهمية بمكان، وعلى طالب العلم أن يتلقفه فرحاً مستبشراً، فإن هذا المصنّف يجعل المفتي والمستفتي، والمدرس والطالب في اطمئنان وركون إلى ما يقيد من نفائس الاستدراكات. وكل الشافعية بمختلف طبقاتهم محتاجون إلى هذا الكتاب؛ لمعرفة الصحيح الراجح، وتمييز مقابله، ومعرفة مرتبته، وهذا مسلك أولي التحقيق والتدقيق. (هـ) وها هي دار المنهاج تقوم بنشر هذا السفر النفيس لأول مرة، بعد أن كان مطموراً في زوايا الدهاليز، يتلألأ حُسناً وجمالاً في ثوبه الجذاب القشيب، وها هي طلعة محياه تبهج الخاطر، وتسعد الناظر، ولا سيما وهو محلى بتلك التخريجات المفيدة، والإفادات النفيسة، التي ما تفتأ دار المنهاج تتحف بها قرّاءها الكرام، وتوجت الدار هذه الأعمال بالإشارات الفنية، والطباعة المضبوطة، والشكل الفني، والإخراج الممتاز؛ خدمة للعلم، وتقريباً للمعارف، وتيسيراً للوصول إلى مطالب هذا الكتاب الرائع. فشكر الله تعالى لصاحب الدار الشيخ أبي سعيد عمر بن سالم باجخيف، الذي سخر جميع إمكانياته المادية والفكرية لإخراج هذه الكنوز من معادنها، وإبراز هذا التراث بهذا الشكل المرضي. نفع الله تعالى به المسلمين أينما حلوا، وبارك في هذه الدار وصاحبها، وجزاه خير ما يجزي الصالحين. آمين. والحمد ربّ العالين

стр. 10

تمهيد إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله .. فلا مضل له، ومن يضلل .. فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾، ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾، ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (٧٠) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾. أما بعد: فإن الاشتغال بعلوم الدين من أهم الفضائل والأعمال التي يقوم بها الإنسان؛ ولذا تواترت النصوص والأخبار في الحث على طلبها وتعلمها وتعليمها، ومن ذلك علم الفقه. قال ابن الجوزي: (أعظم دليل على فضيلة الشيء النظر إلى ثمرته، ومن تأمل ثمرة الفقه .. علم أنه أفضل العلوم؛ فإن أرباب المذاهب فاقوا بالفقه على الخلائق أبداً وإن كان في زمن أحدهم من هو أعلم منه بالقرآن أو بالحديث أو باللغة). ولما أدرك سلف هذه الأمة ما للفقه في الدين من الفضل عند الله تعالي .. اشتغلوا به تعلماً وتعليماً وتأليفاً. ولا شك في أن تراثنا الفقهي تراث عظيم، وما طُبع منه يدل على ذلك، وبعض هذا التراث يتميز بخصائص معينة تزيد من هذه الأهمية؛ فبعض كتب الفقه في تراثنا تعد علامة بارزة في تاريخ التصنيف الفقهي؛ إما لأنها حلقة وسيطة في تاريخ التصنيف، ونقلة بين ما قبلها وما بعدها من كتب الفقه، وإما لروعة التصنيف ودقة التحليل والتعليل، أو لغير ذلك من خصائص التميز، ولا يزال هذا التراث بحاجة إلى مزيد من الجهود الجادة لاستخراج بقيَّة من درره المخطوطة، التي لا زالت حبيسة مكتبات العالم. وتحقيق المخطوط وإبرازه هو من نشر العلم الذي هو من أفضل الأعمال؛ ولذلك وقع اختياري على كتاب "تحرير الفتاوي على التنبيه والمنهاج والحاوي" للحافظ الإمام الفقيه الأصولي المفنن أبي زرعة أحمد بن الحافظ الكبير أبي الفضل عبد الرحيم بن الحسين، المعروف بابن العراقي. قال الحافظ ابن حجر: (تلقى الطلبة هذا الكتاب بالقبول ونسخوه وقرؤوه عليه).

стр. 11

وسبب تحقيقي لهذا الكتاب: أولاً: عِظَم شأن مؤلفه، وسيتبين ذلك من خلال الترجمة المفصلة له فيما سيأتي. ثانياً: قوة مادة الكتاب؛ فقد جمع ولي الدين العراقي فيه بين ثلاثة مختصرات تعد العمدة في الفقه الشافعي، وهي: "التنبيه في فروع الشافعية" لأبي إسحاق، إبراهيم بن علي الشيرازي، المتوفى سنة (٤٧٦ هـ). "الحاوي الصغير" للإمام نجم الدين، عبد الغفار بن عبد الكريم القزويني، المتوفى سنة (٦٦٥ هـ). "منهاج الطالبين" للإمام محيي الدين، أبي زكريا، يحيى بن شرف النووي، المتوفى سنة (٦٧٦ هـ). ولم يقتصر أبو زرعة في كتابه على عبارات الكتب الثلاثة، وإنما أضاف إليها فوائد وزيادات وتعليقات من بعض المصنفات البارزة في الفقه الشافعي منها: - "نكت النبيه على أحكام التنبيه" لأحمد بن عمر النشائي، المتوفى سنة (٧٥٨ هـ). - "السراج على نكت المنهاج" لشهاب الدين، أحمد بن لؤلؤ بن عبد الله بن النقيب، المتوفى سنة (٧٦٩ هـ). - "توشيح التصحيح" لتاج الدين، عبد الوهاب بن علي السبكي، المتوفى سنة (٧٧١ هـ). -"تصحيح الحاوي" لسراج الدين، عمر بن علي بن أحمد بن الملقن، المتوفى سنة (٨٠٤ هـ). - "تصحيح المنهاج" لسراج الدين، عمر بن رسلان البلقيني، المتوفى سنة (٨٠٥ هـ). وغير ذلك الكثير مما سيتضح للقارئ في الكتاب. ومما سبق تتبين أهمية الكتاب ومدى الحاجة الداعية إلى تحقيقه، والوقوف على محتواه الفقهي الزاخر بالفوائد الجمة المختلفة، فالحمد لله الذي أعانني على تحقيق هذا الكتاب وإخراجه إلى النور. وبما أن الكتاب يدور حول الكتب الثلاثة "التنبيه" و"المنهاج" و"الحاوي" .. قدمت بين يدي الكتاب بمقدمة بينت فيها ما يلي: - ترجمة الإمام الشيرازي، وبيان عناية العلماء بكتاب "التنبيه". - ترجمة الإمام القزويني، وبيان عناية العلماء بكتاب "الحاوي الصغير". - ترجمة الإمام النووي، وبيان عناية العلماء بكتاب "منهاج الطالبين". - ترجمة المؤلف ولي الدين العراقي.

стр. 12

- التعريف بكتاب "تحرير الفتاوي" ويشتمل على: ١ - توثيق نسبة الكتاب للمؤلف. ب- منهج المؤلف في "تحرير الفتاوي". ج- مصطلحات الكتاب. - التعريف بنسخ الكتاب المخطوطة. - منهج تحقيق الكتاب. * * *

стр. 13

ترجمة الإمام المجتهد المناظر, شيخ الشافعيّة إبراهيم بن علي بن يوسف الفيروزاباذيّ الشّافعيّ أبو إسحاق الشيرازي صاحب "التنبيه" رَحِمَهُ الله تعَالى (٣٩٩ - ٤٧٦ ه ـ) اسمه ونسبه هو الشيخ الإمام، القدوة المجتهد، شيخ الإسلام، أبو إسحاق، إبراهيم بن علي بن يوسف بن عبد الله الشيرازي الفِيرُوزاباذي. مولده ونشأته ولد سنة ثلاث وتسعين وثلاث مئة بـ (فِيروزاباذ) بُليدة بفارس، ونشأ بها. طلبه للعلم وشيوخه ارتحل الشيرازي إلى شيراز، وهناك قرأ على أبي عبد الله البيضاوي، وابن رامين صاحبي الداركي، ثم دخل البصرة، وقرأ الفقه بها على الخرزي، ثم ارتحل إلى بغداد، وفيها قرأ على القاضي أبي الطيب، وقرأ الأصول على أبي حاتم القزويني، وسمع الحديث من أبي بكر الباقلاني، وأبي علي بن شاذان، وغيرهم. قال ابن النجار: قرأ الفقه بشيراز على أبي القاسم الداركي، وعلى أبي الطيب صاحب الماسرجسي، وعلى الزجاج صاحب ابن القاص، وقرأ الكلام على أبي حاتم القزويني صاحب ابن الباقلاني، وخطه في غاية الرداءة. تلاميذه ومناصبه حدَّث عنه: الخطيب، وأبو الوليد الباجي، والحميدي، وإسماعيل بن السمرقندي، وأبو البدر الكرخي، والزاهد يوسف بن أيوب، وأبو نصر أحمد بن محمد الطوسي، وأبو الحسن بن عبد السلام، وأحمد بن نصر بن حمان الهمذاني.

стр. 14

قال السمعاني: لما خرج أبو إسحاق إلى نيسابور .. خرج معه جماعة من تلامذته كأبي بكر الشاشي، وأبي عبد الله الطبري، وأبي معاذ الأندلسي، والقاضي علي الميانجي، وقاضي البصرة ابن فتيان، وأبي الحسن الآمدي، وأبي القاسم الزنجاني، وأبي علي الفارقي، وأبي العباس بن الرُّطَبي. ودرس الشيخ في مسجد بباب المراتب إلى أن بنى له الوزير نظام الملك المدرسة، فانتقل إليها، وهو أول مدرس بها سنة (٤٥٩ هـ)، وكانت الطلبة ترتحل إليه من الشرق والغرب، وقال الشيخ أبو إسحاق ﵀: (لما خرجت في رسالة الخليفة إلى خراسان .. لم أدخل بلداً ولا قرية إلا وجدت قاضيها وخطيبها أو مفتيها من تلاميذي). مكانته وثناء العلماء عليه قال السمعاني: هو إمام الشافعية، ومدرس النظامية، وشيخ العصر، رحل الناس إليه من البلاد وقصدوه، وتفرد بالعلم الوافر مع السيرة الجميلة، والطريقة المرضية، صنف في الأصول والفروع، والخلاف والمذهب، وكان زاهداً ورعاً، متواضعاً ظريفاً، كريماً جواداً، طلق الوجه، دائم البِشر، مليح المحاورة. وقال شجاع الذهلي: إمام أصحاب الشافعي، والمقدم عليهم في وقته ببغداد، كان ثقة ورعاً، صالحاً عالماً بالخلاف علماً لا يشاركه فيه أحد. وقال محمد بن عبد الملك الهمذاني: حكى أبي قال: حضرت مع قاضي القضاة أبي الحسن الماوردي عزاء، فتكلم الشيخ أبو إسحاق واجلاً، فلما خرجنا .. قال الماوردي: ما رأيت كأبي إسحاق، لو رآه الشافعي .. لتجمل به. مصنفاته " المهذب"، "التنبيه"، "اللمع في أصول الفقه وشرحها"، "النكت في الخلاف"، "المعونة في الجدل"، "طبقات الفقهاء". وفاته توفي ليلة الحادي والعشرين من جمادى الآخرة، سنة ست وسبعين وأربع مئة ببغداد، وأُحضر إلى دار أمير المؤمنين المقتدي بالله، فصلى عليه صاحبه أبو عبد الله الطبري، ودفن بمقبرة باب أبرز.

стр. 15

عناية العلماء بكتاب "التنبيه " يُعد كتاب "التنبيه" أحد الكتب الخمسة المعتمدة في المذهب الشافعي، وقد بيّن النووي مكانة "التنبيه" في مقدمة "تصحيحه" عليه فقال: ("التنبيه" من الكتب المشهورات النافعات المباركات، فينبغي لمريد نصح المسترشدين، وهداية الطالبين أن يعتني بتقريبه وتحريره وتهذيبه). وخير شاهد على مكانة الكتاب عناية العلماء به؛ فتناولوه بالشرح والاختصار والتصحيح، وعنوا ببيان غريب ألفاظه، حتى بلغت هذه المؤلفات ما يزيد على المئة ما بين شرح واختصار، ونظم وتعليق، وتصحيح وتنكيت. ولبعضهم في مدحه: (من الكامل) يا كوكباً ملأ البصائر نوره ... من ذا رأى لك في الأنام شبيهاً كانت خواطرنا نياماً برهة ... فرزقن من تنبيهه تنبيهاً وله شروح كثيرة منها: شرح صائن الدين، عبد العزيز بن عبد الكريم الجيلي المعروف "بالمعيد". وشرح أبي طاهر الكرخي الشافعي، وهو كبير في أربع مجلدات. وشرح الإمام أبي الحسن، محمد بن مبارك، المعروف بابن الخل الشافعي، المتوفى سنة (٥٥٢ هـ) وهو مجلد سماه "توجيه التنبيه"، وهو أول من تكلم على "التنبيه"، وليس في شرحه تصوير المسألة، لكنه عللها بعبارة مختصرة. وشرح الإمام أبي العباس، أحمد بن الإمام موسى ابن يونس الموصلي، المتوفى سنة (٦٢٢ هـ). وشرح الإمام تاج الدين، عبد الرحمن بن إبراهيم المعروف بالفركاح الشافعي، المتوفى سنة (٦٩٠ هـ). وشرح ولده برهان الدين، إبراهيم بن الفركاح، المتوفى سنة (٧٢٩ هـ). وشرح شمس الدين، محمد بن عبد الرحمن الحضرمي، المتوفى سنة (٦١٣ هـ)، سماه "الإكمال لما وقع في التنبيه من الإشكال والإجمال". وشرح موفق الدين، حمزة بن يوسف الحموي الشافعي، المتوفى سنة (٦٧٠ هـ)، أجاب فيه عن الإشكالات الواردة عليه، وسماه "المبهت". وشرح الشيخ نجم الدين، محمد بن عقيل البالسي، المتوفى سنة (٧٢٩ هـ). وشرح الإمام علم الدين، عبد الكريم بن علي العراقي الشافعي، المتوفى سنة (٧٠٤ هـ).

стр. 16

وشرح شمس الدين، محمد بن أبي منصور المعروف بابن السبتي، فرغ من تأليفه سنة (٧٠٦ هـ). وشرح شهاب الدين، أحمد بن العامري اليمني الشافعي، المتوفى سنة (٧٢١ هـ). وشرح كمال الدين، أحمد بن عيسى بن رضوان العسقلاني، المعروف بابن القليوبي، المتوفى سنة (٦٨٩ هـ). وشرح الشيخ علي بن أبي الحزم القرشي، المعروف بابن النفيس المتطبب الشافعي، المتوفى سنة (٦٨٧ هـ). وشرح علاء الدين، علي بن عبد الكافي السبكي، المتوفى سنة (٧٤٧ هـ). وشرح جلال الدين، أحمد بن عبد الرحمن الكندي، المتوفى سنة (٦٧٧ هـ). وشرح الدزماري، المتوفى سنة (٦٤٣ هـ) وهو في مجلد سماه "رفع التمويه عن مشكل التنبيه". وشرح الحافظ زكي الدين، عبد العظيم بن عبد القوي بن عبد الله المنذري الشافعي، المتوفى سنة (٦٥٦ هـ). وشرح الإمام محيي الدين، يحيى بن شرف بن مري بن الحسن النووي الشافعي، المتوفى سنة (٦٧٦ هـ) وهو شرح غريب سماه "التحرير". وشرح الشيخ مجد الدين، أبي بكر بن إسماعيل بن عبد العزيز السنكلومي الشافعي، المتوفى سنة (٧٤٠ هـ) وهو شرح كبير حسن، لخصه من الرافعي وابن الرفعة، وسماه "تحفة النبيه في شرح التنبيه". "وشرح القاضي جمال الدين، محمد بن عبد الله الرَّيمي اليمني الشافعي، المتوفى سنة (٧٩١ هـ). وشرح ضياء الدين، محمد بن إبراهيم المناوي، المتوفى سنة (٧٤٦ هـ). وشرح قطب الدين، محمد بن عبد الصمد بن عبد القادر السنباطي، المتوفى سنة (٧٢٢ هـ) وله شرح آخر ليس بتام، ونكت أيضًا. وشرح بدر الدين، محمد بهادر بن عبد الله الزركشي، المتوفى سنة (٧٩٤ هـ). وشرح نجم الدين، محمد بن علي البالسي الشافعي المتوفى سنة (٨٠٤ هـ). وشرح شرف الدين، عبد الله بن محمد الفهري التلمساني المتوفى سنة (٦٤٤ هـ). وشرح نجم الدين، أحمد بن محمد بن علي، المعروف بابن الرفعة الشافعي، المتوفى سنة (٧١٦ هـ) سماه "كفاية النبيه".

стр. 17

وشرح أحمد بن عيسى العسقلاني سماه "الإشراق في شرح تنبيه أبي إسحاق". وشرح الإمام محب الدين، أحمد بن عبد الله الطبري المكي، المتوفى سنة (٦٩٤ هـ) وله نكت على "التنبيه" كبرى، وصغرى، وله "مختصر التنبيه"، سماه "مسلك النبيه في تلخيص التنبيه" هو كبير، وله مختصر آخر وهو صغير، سماه "تحرير التنبيه لكل طالب نبيه". وشرح تقي الدين، أبي بكر بن محمد الحصني الشافعي، المتوفى سنة (٨٢٩ هـ). وشرح الإمام أبي حفص، عمر بن علي بن الملقن الشافعي، المتوفى سنة (٨٠٤ هـ) وهو كبير، سماه "الكفاية"، وله "أمنية النبيه فيما يرد على التصحيح والتنبيه"، وله شرح آخر سماه "غنية الفقيه"، وشرح آخر سماه "هادي النبيه" في مجلد، واختصره في جزء للحفظ سماه "إرشاد النبيه إلى تصحيح التنبيه". و"تصحيح التنبيه" لجمال الدين، محمد بن الحسين الإسنوي الشافعي، المتوفى سنة (٧٧٧ هـ) سماه "تذكرة النبيه". وشرح القاضي تقي الدين، أبي بكر بن أحمد، المعروف بابن قاضي شهبة الشافعي الدمشقي، المتوفى سنة (٨٥١ هـ) وله نكت على "التنبيه" أيضاً. وشرح الإمام العلامة موفق الدين، علي بن أبي بكر الأزرق اليمني، المتوفى سنة (٨٠٩ هـ)، سماه "التحقيق الوافي بالإيضاح الشافي"، شرح التنبيه. وشرح قطب الدين، محمد بن محمد الخيضري الشافعي، المتوفى سنة (٨٩٤ هـ) سماه "مجمع العشاق على توضح تنبيه الشيخ أبي إسحاق". وشرح الشيخ جلال الدين، عبد الرحمن بن أبي بكر السيوطي، المتوفى سنة (٩١١ هـ). وعلى "التنبيه" تعليقة لبرهان الدين الفزاري سماها "الإقليد". و"للتنبيه" مختصرات منها: مختصر تاج الدين، عبد الرحيم بن محمد الموصلي، المتوفى سنة (٦٧١ هـ) سماه "النبيه في اختصار التنبيه"، وله "التنويه في فضل التنبيه". ومختصر الشيخ جلال الدين، محمد بن أحمد المحلي الشافعي، المتوفى سنة (٨٦٤ هـ). ومختصر أبي الفرج، مفضل بن مسعود التنوخي سماه "اللباب". ومختصر شرف الدين، أبي القاسم هبة الله بن عبد الرحيم البارزي الحموي الشافعي، المتوفى سنة (٧٣٨ هـ). و"للتنبيه" منظومات منها: نظم أبي عبد الله، محمد بن عبد الله الشيباني اليمني، المتوفى سنة (٦٧٥ هـ).

стр. 18

ونظم جعفر بن أحمد السراج، المتوفى سنة (٥٠٠ هـ). ونظم سعيد الدين، عبد العزيز بن أحمد الديري، المتوفى سنة (٦٩٧ هـ). ونظم ضياء الدين، علي بن سليم الأذرعي، المتوفى سنة (٧٣٠ هـ) في ستة عشر ألف بيت. ونظم الشيخ الإمام حسين بن عبد العزيز بن الحسين السباعي، خطيب حمص. ونظم الشهاب أحمد بن سيف الدين بيلبك الظاهري، المتوفى سنة (٧٥٣ هـ) سماه "الروض النزيه في نظم التنبيه". وعلى "التنبيه" نكات منها: نكت كمال الدين، أحمد بن عمر بن أحمد النشائي القاهري، المتوفى سنة (٧٥٧ هـ). ونكت ابن أبي الصيف اليمني، المتوفى سنة (٦٠٩ هـ). رحم الله الإمام الشيرازي, ونفع المسلمين به وبعلومه .. آمين

стр. 19

ترجمة الإمام الفقيه البارع، شيخ الشّافعيّة عبد الغفّار بن عبد الكريم بن عبد الغفّار الشافعيّ نجم الدّين القزوينيّ صاحب "الحاوي الصغير" رَحِمَهُ الله تعَالى ( ... -٦٦٥ ه ـ) اسمه ونسبه هو الإمام نجم الدين، عبد الغفار بن عبد الكريم بن عبد الغفار القزويني الشافعي. مولده لم أقف فيما بحثت عنه في كتب التراجم على تاريخ مولده ولا مكان ولادته، وذكرت كتب التراجم أنه مات وقد قارب الثمانين، وأنه توفي سنة (٦٦٥ هـ) فيمكن تقدير مولده سنة (٥٨٥ هـ). شيوخه - الشيخة عفيفة بنت أحمد بن عبد الله الأصبهانية الفارفانية (ت ٦٠٦ هـ). - الإمام عبد الكريم بن محمد بن عبد الكريم بن الفضل القزويني، أبو القاسم الرافعي، صاحب الشرح الكبير (ت ٦٢٣ هـ). تلاميذه - عز الدين، أحمد بن إبراهيم بن عمر الفرج الواسطي الفاروثي (ت ٦٩٤ هـ). - ولده الشيخ جلال الدين، محمد بن عبد الغفار بن عبد الكريم بن عبد الغفار القزويني (ت ٧٠٩ هـ). - صدر الدين، إبراهيم بن محمد بن المؤيد بن حَقُوَيه الجويني (ت ٧٢٢ هـ). - سعد الدين بيله الجيلي. مصنفاته " الحاوي الصغير"، "اللباب"، "العجاب شرح اللباب"، "جامع المختصرات ومختصر الجوامع"، وكتاب في الحساب.

стр. 20

ثناء العلماء عليه قال الذهبي: العلامة الأوحد ... كان أحد الأئمة الأعلام. وقال اليافعي: الفقيه الإمام، العلامة البارع المجيد، الذي ألين له الفقه كما ألين لداوود الحديد ... أحد الأئمة الأعلام، وفقهاء الإسلام. وقال السبكي: الشيخ الإمام نجم الدين ... كان أحد الأئمة الأعلام، له اليد الطولى في الفقه والحساب، وحسن الاختصار ... وكان من الصالحين. وقال ابن الملقن: العلامة شيخ الشافعية، نجم الدين، كان من كبار علماء قزوين. وقال ابن العماد: العلامة المجيد ... أحد الأئمة الأعلام، وفقهاء الإسلام. وفاته توفي ﵀ في شهر المحرم سنة خمس وستين وست مئة من الهجرة. عناية العلماء بكتاب "الحاوي الصغير " يعد "الحاوي الصغير" في الفروع للشيخ نجم الدين، عبد الغفار بن عبد الكريم القزويني الشافعي من الكتب المعتبرة بين الشافعية، وقيل: إنه اختصار لكتاب "فتح العزيز شرح الوجيز" للرافعي، وممن ذهب إلى هذا القول الذهبي واليافعي وابن حجر، وقيل: إن أصل كتاب "الحاوي" هو كتاب "اللباب" للمصنف نجم الدين عبد الغفار القزويني، وممن ذهب إلى هذا القول زكريا الأنصاري، وهو كتاب وجيز اللفظ، بسيط المعاني، محرر المقاصد، مهذب المباني، حسن التأليف والترتيب، جيد التفصيل والتبويب؛ ولذلك عكفوا عليه بالشرح والنظم، فمن شروحه: شرح قطب الدين، أحمد بن الحسن بن أحمد الغالي الشافعي، المتوفى سنة (٧٧٩ هـ) وسماه "توضيح الحاوي"، وعليه حاشية للشيخ بدر الدين، حسن بن عمر بن حبيب الحلبي الشافعي، المتوفى سنة (٧٧٩ هـ) وسماها "التوشيح"، أورد فيها زوائد مفيدة من إظهار الفتاوي، وكشف بعض أسرار "الحاوي". ومنها شرح أبي عبد الله، محمد بن سبط المصنف، سماه "الحاوي" أيضاً. وشرح الإمام أبي عبد الله، محمد الناشري اليمني الشافعي، المتوفى سنة (٨٧٤ هـ) وسماه "إيضاح الفتاوي في النكت المتعلقة بالحاوي".

стр. 21

وشرح الشيخ علاء الدين، علي بن إسماعيل القونوي، المتوفى سنة (٧٢٩ هـ) ذكر فيه من شروحه شرح الشيخ علاء الدين الطاووسي، يحيى بن عبد اللطيف القزويني الشافعي مدرس المستنصرية ببغداد، وشرح الشيخ الإمام ضياء الدين، عبد العزيز بن محمد الطوسي الشافعي، المتوفى سنة (٧٠٦ هـ) المسمى بـ"المصباح" فأخذ القونوي ما فيهما، فزاد على تعليقة علاء الدين، وأسقط أكثر ما في "المصباح" فصار شرحاً وسيطاً. وشرح أبي البقاء، محمد بن عبد البر القفطي السبكي الشافعي المتوفى سنة (٧٧٧ هـ). وشرح سراج الدين، عمر بن علي بن الملقن، المتوفى سنة (٨٠٤ هـ) في مجلدين ضخمين، ولم يوضع عليه مثله سماه" خلاصة الفتاوي في تسهيل أسرار الحاوي"، وله "تصحيح الحاوي". وشرح بهاء الدين، أحمد بن علي بن السبكي الشافعي، المتوفى سنة (٧٧٣ هـ) شرع في قطعة طويلة، ولم يكمله. وشرح الشيخ فخر الدين، أحمد بن الحسن الجاربردي، المتوفى سنة (٧٤٦ هـ) ولم يكمله أيضاً، وهو كبير ممزوج، وسماه "الهادي". وشرح قطب الدين، محمد بن محمود التحتاني الرازي، المتوفى سنة (٧٦٦ هـ) ولم يكمله، وعليه حاشية لتاج الدين، علي بن عبد الله التبريزي، المتوفى سنة (٧٤٦ هـ). وشرح عثمان بن عبد الملك الكردي المصري الشافعي، المتوفى سنة (٧٣٨ هـ). وشرح شرف الدين، هبة الله بن عبد الرحيم بن البارزي الحموي الشافعي، المتوفى سنة (٧٣٨ هـ)، سماه "مفتاح الحاوي"، وله "توضيح الحاوي" أيضاً، وله كتاب آخر على "الحاوي" سماه "تيسير الفتاوي في تحرير الحاوي"، ذكر فيه أنه ذكر مسائل "الحاوي" وأوضحها ببسط عبارته المشكلة، وتفصيل ألفاظه المجملة، فيكون كالشرح إلا أنه غير ممتاز عن المتن. وشرح السيد ركن الدين، حسن بن محمد الإستراباذي الشافعي، المتوفى سنة (٧١٧ هـ). وشرح القاضي شهاب الدين، أحمد بن إسماعيل بن الحسباني الشافعي، المتوفى سنة (٨١٦ هـ). وشرح شهاب الدين، أحمد بن عبيد الله الغزي العمري الشافعي، المتوفى سنة (٨٢٢ هـ). وشرح القاضي زين الدين، زكريا بن محمد الأنصاري، المتوفى سنة (٩١٠ هـ) وسماه "بهجة الحاوي". و"تصحيح الحاوي" لشهاب الدين، أحمد بن محمد بن الصاحب، المتوفى سنة (٧٨٨ هـ).

стр. 22

و"تصحيح الحاوي" أيضًا للشيخ شهاب الدين، أحمد بن حسين بن حسن بن أرسلان الرملي القدسي الشافعي، المتوفى سنة (٨٤٤ هـ). وعلى "الحاوي" نكت للقاضي جلال الدين، عبد الرحمن بن عمر البلقيني الشافعي، المتوفى سنة (٨٢٤ هـ). و"مختصر الحاوي" لشرف الدين، إسماعيل بن أبي بكر بن المقري اليمني، المتوفى سنة (٨٣٦ هـ) وسماه "الإرشاد"، و"مختصره" أيضاً لشهاب الدين، أحمد بن حمدان الأذرعي، المتوفى سنة (٧٨٣ هـ). وللحاوي منظومات منها: نظم الملك المؤيد، إسماعيل بن علي الأيوبي، المعروف بصاحب حماة، المتوفى سنة (٧٣٢ هـ) وشرح هذا المنظوم للقاضي شرف الدين، هبة الله بن عبد الرحيم بن البارزي الحموي، المتوفى سنة (٧٣٨ هـ). ونظم زين الدين، علي بن حسين بن قاسم، المعروف بابن شيخ العوينة، الموصلي الشافعي، المتوفى سنة (٧٥٥ هـ). ونظم زين الدين، عمر بن مظفر الوردي الشافعي، المتوفى سنة (٧٤٩ هـ) سماه "البهجة الوردية"، وهي خمسة آلاف بيت، ولها شروح منها: شرح الشيخ شهاب الدين، أحمد بن الحسين بن أرسلان الرملي الشافعي، المتوفى سنة (٨٤٤ هـ) كتب قطعة منه، ولم يكمله. وشرح الفاضل أبي زرعة، أحمد بن عبد الرحيم العراقي، المتوفى سنة (٨٢٦ هـ). وشرح القاضي زكريا بن محمد الأنصاري، المتوفى سنة (٩١٠ هـ) وسماه "الغرر البهية"، وله حاشية على شرح أبي زرعة، وحاشية عليه أيضاً للقاضي يحيى بن المناوي. رحم الله الإمام القزويني, وأعاد عليه من شآبيب رحمته ... آمين

стр. 23

ترجمة شيخ الإسلام, إمام الأئمّة الأعلام أبو زكريّا يحيى بن شرف بن مري بن حزام محيي الدّين النَّوويّ صاحب "المنهاج" رَحِمَهُ الله تعَالى (٦٣١ - ٦٧٦ ه ـ) اسمه وكنيته ولقبه اسمه: يحيى بن شرف بن مري بن حسن بن حسين بن محمد بن جمعة بن حزام، الحزامي الحوراني، الدمشقي الشافعي. وكنيته: أبو زكريا، جرياً على العادة فيمن كان اسمه يحيى؛ ولم يكن له ولد أصلاً؛ لأنه لم يتزوج. ولقبه: محيي الدين، وقد كان ﵀ يكره أن يلقب به. مولده وصفته اتفق المؤرخون على تحديد شهر محرم من عام واحد وثلاثين وست مئة للهجرة لزمن ولادته. وصفته: قال الذهبي: كان أسمر، كث اللحية، ربعة مهيباً، قليل الضحك، عديم اللعب، بل جد صرف، يقول الحق وإن كان مراً، لا يخاف في الله لومة لائم. نشأته وطلبه للعلم عاش الإمام النَّووي صباه في نشأة مميّزة عن غيره ممَّن هو في سنَه من الصّبيان، يكشف لنا ملامح طفولته موقفٌ حكاه من تفرَّس فيه النَّجابة حين رآه في مقتبل نشأته؛ إذ يقول الشيخ ياسين بن يوسف المراكشي ﵀: (رأيت الشَّيخ مُحْيِي الدّين، وهو ابن عشر سنين بنَوى والصَّبيان يكرهونه على اللّعب معهم، وهو يهرب منهم، ويبكي لإكراههم، ويقرأ القرآن في هذه الحالة، فوقع في قلبي محبته، وجعله أبوه في دكان فجعل لا يشتغل بالبيع والشِّراء عن القرآن، قال: فأتيت الذي يقرئه القرآن فوصَّيته به، وقلت له: هذا الصَّبي يرجى أن يكون أعلم أهل زمانه وأزهدهم، وينتفع الناس به، فقال لي: أمنجم أنت؛ ! فقلت: لا، وإنما أنطقني الله بذلك)،

стр. 24

واجتمع الشيخ ياسين بن يوسف المراكشي بأبيه شرف، ووصَّاه به، وحرَّضه على حفظ القرآن والعلم فحرص عليه؛ ولذا فقد قرأ القرآن ببلده، وختمه وقد ناهز الاحتلام. وقال صاحب "الطبقات الوسطى": فلما كان ابن تسع عشرة سنة .. قدم به والده إلى دمشق، فسكن بالمدرسة الرواحية، وحفظ "التنبيه" في نحو أربعة أشهر ونصف، وحفظ ربع "المهذب"، ولازم الشيخ كمال الدين إسحاق بن أحمد المغربي، ثم حج مع والده ثم عاد، وكان يقرأ كل يوم اثني عشر درساً على المشايخ، شرحاً وتصحيحاً، فقهاً وحديثاً وأصولاً، ونحواً ولغة إلى أن برع، وبارك الله له في العمر اليسير، ووهبه العلم الكثير. ثناء العلماء عليه قال الشيخ قطب الدين موسى اليونيني الحنبلي: المحدث الزاهد، العابد الورع، المفتخر في العلوم، صاحب التصانيف المفيدة، كان أوحد زمانه في الورع والعبادة، والتقلل من الدنيا، والإكباب على الإفادة، والتصنيف مع شدة التواضع، وخشونة الملبس والمأكل، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر. وقال الحافظ الذهبي: الشيخ الإمام القدوة، الحافظ الزاهد، العابد الفقيه، المجتهد الرباني، شيخ الإسلام، حسنة الآنام، محيي الدين، صاحب التصانيف التي سارت بها الركبان، واشتهرت بأقصى البلدان. وقال اليافعي: شيخ الإسلام، مفتي الآنام، المحدث المتقن، المدقق النجيب، الحبر المفيد القريب والبعيد، محرر المذهب وضابطه ومرتبه، أحد العباد الورعين الزهاد، العالم العامل، المحقق الفاضل، الولي الكبير، السيد الشهير، ذو المحاسن العديدة، والسير الحميدة، والتصانيف المفيدة، الذي فاق جميع الأقران، وسارت بمحاسنه الركبان، واشتهرت فضائله في سائر البلدان، وشوهدت له الكرامات، وارتقى في أعلى المقامات، ناصر السنة، ومعتمد الفتاوى، ذو الورع الذي لم يبلغنا مثله عن أحد في زمانه ولا قبله. وقال الحافظ ابن كثير: الشيخ الإمام، العالم العلامة، شيخ المذهب، وكبير الفقهاء في زمانه، ومن حاز قصب السبق دون أقرانه، وكان من الزهادة والعبادة، والتحري والورع، والانجماح عن الناس، والتخلي لطلب العلم، والتحلي به على جانب لا يقدر عليه غيره، ولا يضيع شيئاً من أوقاته. وقال تاج الدين السبكي ﵀: كان يحيى ﵀ سيداً وحصوراً، وليثاً على النفس هصوراً، وزاهداً لم يبال بخراب الدنيا إذا صير دينه ربعاً معموراً، له الزهد والقناعة، ومتابعة

стр. 25

السالفين من أهل السنة والجماعة، والمصابرة على أنواع الخير، لا يصرف ساعة في غير طاعة، هذا مع التفنن في أصناف العلوم فقهاً، ومتون أحاديث، وأسماء رجال. ولغة وتصوفاً، وغير ذلك. شيوخه في الفقه: تاج الدين الفزاري المعروف بالفركاح، والكمال إسحاق المغربي، وعبد الرحمن بن نوح، ثم عمر بن أسعد الإربلي، وأبو الحسن سلار بن الحسن الإربلي. في الحديث: إبراهيم بن عيسى المرادي الأندلسي ثم المصري ثم الدمشقي، وأبو إسحاق إبراهيم بن أبي حفص عمر بن مضر الواسطي، وزين الدين أبو البقاء خالد بن يوسف بن سعد، والرضي بن البرهان، وعبد العزيز بن محمد بن عبد المحسن الأنصاري. في علم الأصول: القاضي أبو الفتح عمر بن بندار بن عمر بن علي بن محمد التفليسي الشافعي. في النحو واللغة: أحمد بن سالم المصري، وابن مالك، والفخر المالكي. تلاميذه قال تلميذه ابن العطار: وسمع منه خلق كثير من العلماء والحفاظ، والصدور والرؤساء، وتخرج به خلق كثير من الفقهاء، وسار علمه وفتاويه في الآفاق ... إلخ. وممن أخذ عنه: الصدر الرئيس الفاضل، أبو العباس، أحمد بن إبراهيم بن مصعب، والشمس محمد بن أبي بكر بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن النقيب، والبدر محمد بن إبراهيم بن سعد الله بن جماعة، والشهاب محمد بن عبد الخالق بن عثمان بن مزهر الأنصاري الدمشقي المقري، وشهاب الدين، أحمد بن محمد بن عباس بن جعوان، والفقيه المقرئ أبو العباس، أحمد الضرير الواسطي الملقب بالجلال. والنجم إسماعيل بن إبراهيم بن سالم بن الخباز. مصنفاته مؤلفاته في الحديث: "شرح مسلم"، "رياض الصالحين", "الأربعين النووية"، "خلاصة الأحكام من مهمات السنن وقواعد الإسلام"، "شرح البخاري" كتب منه جزءاً يسيراً، ولم يستكمله، الأذكار المسمى بـ"حلية الأبرار وشعار الأخيار في تلخيص الدعوات والأذكار". وفي علوم الحديث: "الإرشاد"، "التقريب"، "الإشارات إلى بيان الأسماء المبهمات". وفي الفقه: "روضة الطالبين"، "المجموع شرح المهذب" ولم يستكمله، وقد أكمله السبكي والمطيعي، "المنهاج"، "الإيضاح"، "التحقيق".

стр. 26

وفي التربية والسلوك: "التبيان في آداب حملة القرآن"، "بستان العارفين". وفي التراجم والسير: "تهذيب الأسماء واللغات" ,"طبقات الفقهاء". وفي اللغة: القسم الثاني من "تهذيب الأسماء واللغات"، "تحرير التنبيه". وفاته قال ابن العطار: بلغني مرضه، فتوجهت من دمشق لعيادته، فَسُرّ بذلك، ثم أمرني بالرجوع إلى أهلي، فودعته بعد ما أشرف على العافية في يوم السبت العشرين من رجب، فلما كانت ليلة الثلاثاء في الرابع والعشرين منه سنة ست وسبعين وست مئة للهجرة .. انتقل إلى جوار ربه رحمه الله تعالى. عناية العلماء بكتاب "المنهاج " " منهاج الطالبين" مختصر "المحرر" في فروع الشافعية للإمام محيي الدين أبي زكريا يحيى بن شرف النووي الشافعي المتوفى سنة (٦٧٦ هـ). وهو كتاب مشهور متداول بينهم، اعتنى بشأنه جماعة من الشافعية، فشرحه الشيخ تقي الدين، علي بن عبد الكافي السبكي، ولم يكمله، بل وصل إلى الطلاق، وسماه "الابتهاج" وتوفي سنة (٧٥٦ هـ) وكمله ابنه بهاء الدين أحمد، المتوفى سنة (٧٧٣ هـ). وشرحه محمد بن علي العاياتي، المتوفى سنة (٨٥٠ هـ). والشيخ جلال الدين، محمد بن أحمد المحلي، المتوفى سنة (٨٦٤ هـ) سماه "كنز الراغبين شرح منهاج الطالبين". وشرحه شهاب الدين، أحمد بن حمدان الأذرعي، المتوفى سنة (٧٨٣ هـ) شرحين، اسم أحدهما "قوت المحتاج"، وقد اختصره شمس الدين، محمد بن محمد الغزي، المتوفى سنة (٨٠٨ هـ) وله "سلاح الاحتياج في الذب عن المنهاج"، والآخر "الغنية". وعليه نكت لشهاب الدين بن النقيب. وشرحه الشيخ مجد الدين، أبو بكر بن إسماعيل السنكلومي، المتوفى سنة (٧٤٠ هـ). وسراج الدين، عمر بن علي بن الملقن الشافعي، المتوفى سنة (٨٠٤ هـ) وسماه "الإشارات إلى ما وقع في المنهاج من الأسماء والمعاني واللغات"، ثم اختصره وسماه "العجالة"، وله "تحفة المحتاج إلى أدلة المنهاج". وأحمد بن العماد الأقفهسي، المتوفى سنة (٨٠٨ هـ).

стр. 27

وشرحه الشيخ جمال الدين، عبد الرحيم بن حسن الإسنوي، بلغ فيه إلى المساقاة، وسماه "الفروق"، وتوفي سنة (٧٧٢ هـ). وأكمل الشيخ بدر الدين، محمد بن عبد الله الزركشي ذلك الشرح، وتوفي سنة (٧٩٤ هـ). وشرح قطعة منه نور الدين، فرج بن محمد الأردبيلي، المتوفى سنة (٧٤٩ هـ) شرحاً حافلاً، وصل فيه إلى أثناء ربع البيوع في ستة مجلدات، قال ابن حجر في " "الدرر": ماله نظير في التحقيق. انتهى. وشرحه سراج الدين، عمر بن رسلان البلقيني، وسماه "تصحيح المنهاج"، وتوفي سنة (٨٠٥ هـ). ولولده جلال الدين، عبد الرحمن نكت على الأصل ولم تتم، وتوفي سنة (٨٢٤ هـ). وشرحه الشيخ شرف بن عثمان الغزي شرحاً بسيطاً في نحو عشرة مجلدات، ومتوسطاً، وصغيراً في مجلدين، وتوفي سنة (٧٧٩ هـ). وعلق الشيخ جلال الدين، محمد بن عمر النصيبيني شرحاً في أربعة مجلدات سماه "الإبهاج"، وتوفي سنة (٩٢١ هـ). والشيخ بدر الدين، أبو البركات، محمد بن محمد، المعروف بابن رضي الدين الغزي، شرحه شرحين: أحدهما: سماه "ابتهاج المحتاج". وشرحه الشيخ جلال الدين، عبد الرحمن بن أبي بكر السيوطي، وسماه "درة التاج في إعراب مشكل المنهاج"، وتوفي سنة (٩١١ هـ) ونظمه أيضاً، وسماه "الابتهاج"، ولم يتم. وشرحه القاضي زكريا بن محمد الأنصاري، المتوفى سنة (٩٢٨ هـ). واختصره الشيخ أثير الدين، أبو حيان، محمد بن يوسف الأندلسي، وسماه "الوهاج في اختصار المنهاج"، وتوفي سنة (٧٤٥ هـ). وشرحه الشيخ الإمام، محمد بن فخر الدين الأبار المارديني، وسماه "البحر المواج". وشرح قطعة منه الشيخ تاج الدين، أبو نصر، عبد الوهاب بن محمد الحسيني، المتوفى سنة (٨٧٥ هـ). وشرحه تقي الدين، أبو بكر بن محمد الحصني، المتوفى سنة (٨٢٩ هـ). ونظم "المنهاج" شهاب الدين، أحمد بن محمد الطوخي، المتوفى سنة (٨٩٣ هـ). وممن شرحه الشيخ كمال الدين، محمد بن موسى الدميري الشافعي، المتوفى سنة (٨٠٨ هـ) سماه "النجم الوهاج"، وقد صدر محققاً لأول مرة من دار المنهاج. ومن شروح "المنهاج" شرحان كبيران: أحدهما: "إرشاد المحتاج إلى توجيه المنهاج"،

стр. 28

والآخر "بداية المحتاج" كلاهما للشيخ بدر الدين، أبي الفضل، محمد بن أبي بكر، المعروف بابن شهبة الأسدي الفقيه الشافعي، المتوفى سنة (٨٧٤ هـ)، وقد صدر "بداية المحتاج" عن دار المنهاخ لأول مرة. وشرحه نجم الدين، أبو الفضل، محمد بن عبد الله بن قاضي عجلون، المتوفى سنة (٨٧٦ هـ) وسماه "هادي الراغبين إلى منهاج الطالبين"، وله "تصحيح المنهاج" أولاً في مطول عمل عليه توضيحاً، ومتوسطاً، ومختصراً سماه "التاج في زوائد الروضة على المنهاج". وشرحه الشيخ تقي الدين، أبو بكر، أحمد بن قاضي شهبة، وهو ولد المذكور آنفاً، المتوفى سنة (٨٥١ هـ). والإمام أبو الفتح، محمد بن أبي بكر المراغي المدني الشافعي، المتوفى سنة (٨٥٩ هـ) سماه "المشرع الروي في شرح منهاج النووي". وشرحه أبو الفضل، أحمد بن علي بن حجر الهيتمي المكي، المتوفى سنة (٩٧٤ هـ) وسماه "تحفة المحتاج بشرح المنهاج". وشرحه أيضًا العلامة شمس الدين، محمد بن أحمد بن حمزة الرملي، المتوفى سنة (١٠٠٤ هـ) وسماه "نهاية المحتاج إلى شرح المنهاج". وشرحه العلامة شمس الدين، محمد بن محمد الشربيني، المعروف بالخطيب الشربيني، المتوفى سنة (٩٧٧ هـ) وسماه "مغني المحتاج إلى معرفة ألفاظ المنهاج". وشرحه الإمام العلامة إبراهيم بن أبي القاسم المكي المعروف بابن مطير الحكمي المتوفى سنة (٩٥٨ هـ)، سماه "الديباج شرح المنهاج"، وسوف يصدر عن دار المنهاج بعون الله لأول مرة. رحم الله الإمام النوويّ، وروّى ثراه برحمته الواسعة ... آمين

стр. 29

ترجمة الإمام الحافظ المحدّث، الأصوليّ الفقيه أحمد بن عبد الرّحيم بن الحسين الشافعيّ وليّ الدين، أبو زرعة، ابن العراقي رحمه الله تعالى (٧٦٢ - ٨٢٦ ه ـ) اسمه ونسبه هو وليّ الدين، أبو زُرعة، أحمد بن عبد الرحيم بن الحسين بن عبد الرحمن بن إبراهيم بن أبي بكر بن إبراهيم، الكرديُّ الأصل، المهرانيُّ القاهريُّ الشافعي، المعروف بابن العراقيِّ. مولده ولد في سحر يوم الاثنين، الثالث من ذي الحجَّة، سنة اثنتين وستِّين وسبع مئة بالقاهرة. أسرته ولد وليّ الدين في بيت عرف بالعلم والمعرفة، وتميز فيه غير واحد من أفراده، فقد كان جدُّه الحسين بن عبد الرحمن ممَّن صحب الشيخ تقيّ الدين القنائيّ، واختص بخدمته، وأحضر ولده عبد الرحيم عليه، وتوفي سنة (٧٢٨ هـ). ووالده الحافظ المتقن، العلامة زين الدين، أبو الفضل، عبد الرحيم، فريد دهره، ووحيد عصره، شهد له بالتفرد في فنه أئمة عصره وأوانه، سمع الكثير، وأخذ عنه الجم الغفير، ولد بمنشأة المهرانيِّ ونشأ بها، وسمع مشايخها، ورحل إلى الشام والحجاز، فاستفاد وأفاد، وأخذ عنه الكثير، وله مصنفات في الحديث وغريب القرآن والأصول، وولي قضاء المدينة الشريفة، وتوفي سنة (٨٠٦ هـ). ووالدته أم أحمد، عائشة بنت طغاي العلائيِّ، كانت خيِّرة صالحة، رحلت مع زوجها عبد الرحيم إلى الشام سنة (٧٦٥ هـ) وسمعت معه من الشيوخ، وجاورت مع زوجها بالحرمين الشريفين، وتوفيت سنة (٧٨٣ هـ). وأما إخوانه وأخواته .. فقد كان له أخ شقيق يسمى بمحمد، ويكنى بأبي حاتم، ولد سنة (٧٧٠ هـ)

стр. 30

كما ذكر الولي في "الذيل على العبر"، وفي وفيات (٧٨٤ هـ) وفاة أخيه أبي الوفاء، إبراهيم بن عبد الرحيم عن قريب من أربع سنوات، وحزن والده عليه. ومن أخواته كبراهن، وتدعى خديجة، تزوجها الحافظ نور الدين الهيثمي. وكان ولي الدين ضيق الحال. كثير العيال. وكان متزوجاً من أخت يحيى بن محمد، شرف الدين المناوي. وأما أولاده .. فجاء ذكرهم في كتب التراجم؛ ومنهم: - أبو الوفاء، عبد الوهاب بن أحمد تاج الدين، يعرف كأبيه بابن العراقي، أسمعه أبوه على أبيه وغيره، وناب في القضاء، وأجاز له خلق من أماكن شتى، ومات في حياة والده (٨١٨ هـ). - أم أيمن بركة، ولدت في شوال سنة (٧٩٣ هـ) وأحضرت على جدها ورفيقه الحافظ الهيثمي، وأجاز لها أبو هريرة بن الذهب، وأبو الخير بن العلائي وآخرون، وحدثت، وتزوجها ناصر الدين بن النيدي، وتوفيت سنة (٨٤١ هـ). نشأته هكذا قيض الله تعالى لوليّ الدين أسرة كريمة، وجّهته نحو طلب العلم، وكان والده شيخه الأول الذي سمع منه، وأول ما بصرت عينه من شيوخ الدرس والتعليم. وتوسم الوالد في ولده حبَّ العلم ورغبته فيه، فبكر به يصحبه معه إلى مجالس العلماء على عادة أهل عصره، فأحضره مجالس العلماء قبل الثالثة من عمره، فأحضره على المسند أبي الحرم محمد القلانسي، ومحب الدين أحمد الخِلاطي، وناصر الدين التونُسيِّ، والشِّهاب ابن العَطَار، والعِزِّ ابن جَمَاعة، والجَمَال ابن نُباتَة، وغيرهم كثير. رحلاته وشيوخه ولَمَّا بلغ وليُّ الدّين الثَّالثة من عُمُره؛ أعني: سنة (٧٦٥ هـ) .. رحل به أبوه إلى الشام، وهي أوَّل رحلة لوليّ الدّين، فأحضره بها على عدد من علمائها البارعين، وحُفَّاظها المتميِّزين، منهم: الحافظان شمس الدّين الحُسَينيُّ، وتقيّ الدِّين ابن رافع، والمُحَدِّث أبو الثناء المَنْبجيُّ، وأبو حَفْص الشَّحْطُبِيُّ، والشَّرف ابن يعقوب الحريريُّ، والعماد ابن الشِّيْرَجِيّ، والمُسَنِد ابن أُمَيلَة، وابن الهَبَل، وابن السُّوقيّ، وسِتُّ العرَب بنت ابن البُخَاري، وغيرهم. ثُمَّ واصل والده رحلته إلى بيت المَقْدِس، فأحضر ولده على الإمام المُسنِد بُرهان الدِّين الزَّيتاويِّ، ومحمَّد بن حامد وغيرهما.

стр. 31

وكان والده قد استحصل له إجازة عدد من العلماء الشَّاميين في وقته، منهم: علاء الدّين العُرْضيّ، وابن الجُوخيِّ، وابن شيخ الدَّولة وآخرون. ولما عاد من هذه الرحلة برفقة والده إلى القاهرة .. سارع إلى حفظ القرآن الكريم، وحفظ عدداً من المختصرات والمتون في فنون شَتَّى، ثُمَ بادر فطلب بنفسه واجتهد في استيفاء شيوخ الديار المصريَّة، وأخذ عمَّن دبَّ ودَرَج، وكان من أبرز شيوخه: أبو البقاء السُّبكيُّ، والبهاء ابن خليل، والحَرَاويُّ، والبهاء ابن المُفَسِّر، وجُوَيرية، والباحي، وغيرهم. ولمَّا دخلت سنة ثمان وستِّين وسبع مئة .. رحل إلى مكَّة المُكَرَّمة والمدينة المُنورة مع أبيه، وكان قد رافقهما في هذه الرحلة الإمام الشَّيخ شهاب الدين أحمد بن لُؤلُؤ ابن النَّقيب، فخرجوا من القاهرة إلى المدينة النَّبويَّة، فسمع بها وليّ الدين على البَدْر ابن فَرْحُون، وأقاموا بها مدَّة، ثمَّ واصلوا السَّير إلى مَكَّة المُكَرَّمة، فسَمِعَ بها على أبي الفَضْل النُّويريِّ، ومحمد بن عبد المُعْطي، وأحمد بن سالم بن ياقوت، وأم الحسَن فاطمة بنت أحمد الحَرَازيّ، والعفيف النشاوري، والكمال محمد بن حبيب، والبهاء ابن عقيل النحويِّ، وخلق سواهم. ثم عاود الرحلة إلى الشام ثانياً، وذلك بعد سنة ثمانين وسبع مئة بصحبة رفيق والده، وصديقه الحميم الحافظ نور الدّين الهَيثميِّ، وعند وصولهما الشَّام كانت تلك الطبقة من العلماء التي سمع عليها أوَّل مرَّة -أعني سنة (٧٦٥ هـ) - قد اختارهم الله تعالى إلى جواره، فأخذ عن الموجودين من علماء دمشق، منهم: الحافظ أبو بكر ابن المُحبّ، وناصر الدين ابن حمزة، وغيرهما. وفي سنة اثنتين وعشرين وثمان مئة رحل وليُّ الدّين إلى مكة المكرمة؛ لأداء فريضة الحج؛ ولكنه كان في هذه الرحلة أستاذاً لا طالباً، كما هو شأنه في الرّحلات السَّابقة، فقد كان في قِمَّة نُضُوجه الفكري والعلمي، فأملى في مكة المكرمة والمدينة النبويَّة عِدة مجالس، حضرها جمع كبير من العلماء والطَّلبة. وفي الحقيقة: إن الإمام وليَّ الدين من العلماء الذين عُرفوا بكثرة السَّماع والشُّيوخ، والاختلاف إلى دور العلم وحلقات الدُّروس، وما أصدق ما وصفه به السَّخَاويّ حين قال: (وأخذ عمَّن دَبَّ ودَرَج) من حيث كثرة المسموعات والشيوخ، إلا أنه في الوقت نفسه لازم عدداً من العلماء المُتَميّزين في فنون شتى مُدة طويلة، حَتَّى عُرِفَ بملازمته لهم، وتخرُّجه بهم، منهم: - والده الحافظ زين الدين، عبد الرحيم العراقي (ت ٨٠٦ هـ). - الفقيه شهاب الدين، أحمد بن لُؤلُؤ ابن النَّقيب (ت ٧٦٩ هـ). - جمال الدين، عبد الرحيم بن الحسن الإسنَويُّ (ت ٧٧٢ هـ). - جمال الدين، محمد بن أحمد بن عبد المُعطي المكي (ت ٧٧٦ هـ).

стр. 32

- شيخ النُّحاة، أحمد بن عبد الرحيم التُّونسيُّ (ت ٧٧٨ هـ). - ضياء الدين، عُبيد الله العَفيفيُّ القَزوينيُّ (ت ٧٨٠ هـ). - بُرهان الدين، إبراهيم بن موسى الأَبْناسِيُّ (ت ٨٠٢ هـ). - سِراج الدين، عُمَر بن عليّ الأَنصاريُّ ابن المُلقّن (ت ٨٠٤ هـ) - سِراج الدين، عُمَر بن رسلان بن نصير البُلْقِينيُّ (ت ٨٠٥ هـ). - الحافظ نور الدين، عليّ بن أبي بكر الهَيثميُّ (ت ٨٠٧ هـ). وكان لهذه الملازمة أثرها في نفس ولي الدين، فمال إلى الحديث والفقه وأصوله وصَنَّف الكثير فيها، وشارك أيضاً مشاركة حسنة في علوم أخرى. تلاميذه لما اشتهر الحافظ وليُّ الدين وذاع صيته بين الناس، وبلغت سمعته أرجاء البلاد المصرية، فأصبح ملحوظاً من طلبة العلم ورواد المعرفة .. سارعوا بالرحلة إليه، والأخذ عنه، والسماع عليه. قال السخاوي: (وقد كثرت تلامذته والآخذون عنه؛ بحيث إنه قل من فضلاء سائر المذاهب من لم يأخذ عنه). ومنهم: - شرف الدين، يعقوب المغربي المالكي (ت ٧٨٣ هـ). - تقي الدين، أبو الطيب، محمد بن أحمد بن علي الحسني الفاسي المكي (ت ٨٣٢ هـ). - شمس الدين، محمد بن محمد بن أحمد المناوي الجوهري الشافعي (ت ٨٤٠ هـ). - القاضي شمس الدين، أبو عبد الله، محمد بن علي بن محمد بن يعقوب القاياتي المصري (ت ٨٥٠ هـ). - زين الدين، أبو النعيم، رضوان بن محمد بن يوسف بن سلامة العقبي (ت ٨٥٢ هـ). - القاضي بدر الدين، أبو الإخلاص، محمد بن أحمد بن محمد القرشي الإسكندري، المعروف بابن التنسي (ت ٨٥٣ هـ). - زين الدين، عبد الرحمن بن محمد بن محمد بن يحيى السندبيسي النحوي (ت ٨٥٦ هـ). - كمال الدين، محمد بن محمد بن عثمان بن محمد الجهني الأنصاري الحموي (ت ٨٥٦ هـ). - القاضي بدر الدين، أبو المحاسن، محمد بن محمد بن عبد المنعم البغدادي القاهري الحنبلي (ت ٨٥٧ هـ).

стр. 33

- عز الدين، عبد السلام بن أحمد بن عبد المنعم القيلوي البغدادي الحنفي (ت ٨٥٩ هـ). - القاضي وليّ الدين، أبو البقاء، محمد بن محمد بن عبد اللطيف السنباطي القاهري المالكي (ت ٨٦١ هـ). - كمال الدين، محمد بن عبد الواحد بن عبد الحميد بن مسعود السيواسي الإسكندري، ابن الهمام (ت ٨٦١ هـ). - علم الدين، أبو التقى، الصالح بن عمر بن رسلان بن نصير الكناني العسقلاني البلقيني (ت ٨٦٨ هـ). - الحافظ تقي الدين، أبو الفضل، محمد بن محمد بن محمد بن فهد القرشي الهاشمي المكي (ت ٨٧١ هـ). - شرف الدين، أبو زكريا، يحيى بن محمد بن محمد بن محمد بن أحمد بن مخلوف المناوي المصري الشافعي (ت ٨٧١ هـ). - تقي الدين، أبو العباس، أحمد بن محمد بن محمد بن علي الشمني القسطنطيني الحنفي (ت ٨٧٢ هـ). - القاضي حسام الدين، أبو عبد الله، محمد بن أبي بكر بن حريز الحسيني المنفلوطي، المعروف بابن حريز (ت ٨٧٣ هـ). - القاضي صلاح الدين، أحمد بن محمد بن بركوت، الحبشي الأصل المكيني (ت ٨٨١ هـ). - القاضي شهاب الدين، محمد بن أحمد بن حسن بن إسماعيل الكحكاوي العينتابي الحنفي (ت ٨٨٥ هـ). - القاضي عز الدين، أبو البركات، أحمد بن إبراهيم بن نصر الله بن أحمد الكناني العسقلاني (ت ٨٨٦ هـ). - القاضي وليّ الدين، أحمد بن أحمد بن عبد الخالق بن عبد المحيي الأسيوطي الشافعي (ت ٨٩١ هـ). مكانته العلمية وثناء العلماء عليه حظي ولي الدين بحافظة قوية، ونبوغ مبكر، وذكاء شديد، كما وجدنا عناية كبيرة به من والده، حيث ارتحل به إلى الشام والحجاز أكثر من مرة، فأخذ عن كبار العلماء، فكان لذلك نتيجة طيبة جعلته يتصف بالعلم الغزير، والاطلاع الواسع، فعلا شأنه، وارتفعت مكانته العلمية. وقد تضافرت أقوال العلماء من معاصريه ومن بعدهم على الاعتراف بعلمه وفضله، إلى جانب

стр. 34

تواضعه وحسن خلقه، فقد وصفه تلميذه تقي الدين الفاسي، فقال: (هو أكثر فقهاء عصرنا هذا حفظاً للفقه، وتعليقًا له وتخريجاً، وفتاويه على كثرتها مستحسنة، ومعرفته للتفسير والعربية والأصول متقنة، وأما الحديث .. فأوتي فيه حسن الرواية، وعظيم الدراية في فنونه). وأشاد السخاوي بعلمه وفضله وتواضعه، فقال: (برع في الحديث والفقه وأصوله، والعربية والمعاني والبيان، وشارك في غيرها من الفضائل، وأذن له في غير واحد من شيوخه بالإفتاء والتدريس، واستمر يترقى لمزيد ذكائه، حتى ساد وظهرت نجابته ونباهته، واشتهر فضله وبهر عقله مع حسن خُلُقه وخَلْقه، ونور خطه، ومتين ضبطه وشرف نفسه وتواضعه، وشدة انجماعه وصيانته وديانته وأمانته وعفته). وقال البرهان الحلبي: (وكان بعد موت الجلال البلقيني أوحد فقهاء مصر والقاهرة، وعليه المعتمد في الفتيا). وقال ابن تغري بردي: (كان إماماً فقيهاً عالما، حافظاً محدثاً أصولياً، محققاً واسع الفضل، غزير العلم، كثير الاشتغال). وقال الحافظ ابن حجر: (واستيعاب فضائله يطول، وكان من خير أهل عصره بشاشة وصلابة في الحكم، وقياماً في الحق، وطلاقة وجه، وحسن خلق، وطيب عشرة). وقال الداوودي: (وبرع في الفنون، وكان إماماً محدثاً، حافظاً فقيهاً محققاً، أصولياً صالحا، له الخبرة التامة بالتفسير والعربية). وقال بدر الدين العيني: (كان عالماً فاضلاً، له تصانيف في الأصول والفروع، وفي شرح الأحاديث، ويد طولى في الإفتاء، وكان آخر الأئمة الشافعية بالديار المصرية). وقال ابن هداية: (كان أعجوبة أهل زمانه، قوي الفكر، موجه الاعتراض، حلَاّل الألفاظ الموهمة، ومفصل العبارات المجملة). وقال السيوطي: (كان إماماً محدثا، حافظا محققا، أصوليا صالحا). إلى غير ذلك من النصوص التي وردت في مصادر ترجمته، والتي تبين ثناء العلماء عليه، وتقديرهم له، وتشير إلى نبوغه في أكثر من ميدان. المناصب التي شغلها تولى ولي الدين التدريس وهو شاب في حياة أبيه وشيوخه، وكان لما عُرف عنه من سعة علم، وذكاء مفرط، أثره الجلي في تأهله لتولي تلك المناصب حتى قال أبوه ممتدحاً دروسه: [من البسيط] دروس أحمد خير من دروس أبه ... وذاك عند أبيه منتهى أربه

стр. 35

ووصفها تلميذه الحافظ ابن فهد بقوله: (دروسه من محاسن الدروس، يجري فيها من غير تلعثم ولا تحريف). وتولى التدريس في عدد من مدارس القاهرة ودور العلم، ومن الأماكن التي درس فيها الحديث: المدرسة الظاهرية البيبرسية، والمدرسة القانبيهية، والمدرسة القراسنقرية، وجامع ابن طولون، والمدرسة الفاضلية، والمدرسة الجمالية الناصرية، وتولى مشيخة التصوف فيها، ومسجد علم دار. كما كان له مجالس للإملاء، ومجالس للتحديث في أماكن كثيرة ومختلفة، داخل القاهرة وخارجها، وقد بلغت مجالسه التي أملاها أكثر من ست مئة مجلس. أما دار الحديث الكاملية .. فعندما تولى والده قضاء المدينة عهد بها إلى ابنه، ولكن وثب عليه شيخه السراج ابن الملقن فانتزعها منه. كما عمل ولي الدين في القضاء، فناب في القضاء العماد أحمد بن عيسى الكركي في سنه نيف وتسعين وسبع مئة فمن بعده، وأضيف إليه في بعض الأوقات قضاء منوف وعملها وغير ذلك، وسار فيه سيرة حسنة، واستمر في النيابة نحو عشرين سنة، ثم تَرَفّع عن ذلك، وفرَّغ نفسه للإفتاء والتدريس والتصنيف، إلى أن اختاره الملك الظاهر ططر إلى قضاء الديار المصرية في منتصف شوال سنة أربع وعشرين وثمان مئة، وذلك عقب موت الجلال البلقيني، فسار فيه أحسن سيرة بعفة ونزاهة، وحرمة وصرامة، وشهامة ومعرفة، وكانت مدة ولايته سنة وأقل من شهرين، ففي يوم السبت سادس ذي الحجة سنة خمس وعشرين وثمان مئة، وفي عهد الملك الصالح محمد بن الظاهر ططر صُرف ولي الدين عن القضاء؛ وذلك لإقامته العدل، وعدم محاباته لأحد، وتصميمه على أمور لا يحتملها أهل الدولة، حتى شق على كثيرين، وتمالؤوا عليه. مصنفاته ذكرت مصادر ترجمته عدداً من آثاره النفيسة، وقد رتبتها على نسق حروف المعجم، وهي: - الأجوبة المرضية عن الأسئلة المكية، الواردة عليه من ابن فهد. - أخبار المدلسين. - الأربعون في الجهاد. - الإطراف بأوهام الأطراف للمزّيّ. - إكمال شرح الأحكام لوالده. - إكمال شرح والده على ترتيب المسانيد وتقريب الأسانيد.

стр. 36

- الأمالي في الحديث. - البيان والتوضيح لمن أخرج له في الصحيح وقد مس بضرب من التجريح. - تحرير الفتاوي على التنبيه والمنهاج والحاوي، وهو كتابنا هذا. - التحرير لما في منهاج الأصول من المعقول والمنقول. - تحفة التحصيل في ذكر رواة المراسيل. - تحفة الوارد بترجمة الوالد. - التذكرة المفيدة. - تراجم رجال منهاج الأصول. - التعقيبات على الرافعي. - تنقيح اللباب للمحاملي، وهو اختصار لـ"لباب" المحاملي. - جمع حواشي البلقيني على الروضة. - جمع طرق حديث المهدي. - الجواهر البهية شرح الأربعين النووية. - حاشية على الكشاف للزمخشري. - الحكم بالصحة والحكم بالموجب. - حل الرموز وكشف الكنوز. - الدليل القويم على صحة جمع التقديم. - الذيل على ذيل والده على العبر للذهبي. - الذيل على ذيل والده على وفيات أبي الحسين بن أيبك الدمياطي. - الذيل على الكاشف في أسماء رجال الكتب الستة للذهبي. - شرح أبيات من ألفية والده في الحديث. - شرح سنن أبي داوود، ولم يكمله، وصل إلى أثناء سجود السهو في سبع مجلدات، وجزء الحج والصيام. - شرح الصدر بذكر ليلة القدر. - شرح قطعة من كتاب الدقائق في الرقائق. - شرح متن منهاج الأصول. - شرح منظومة الوضوء لوالده. - شرح النجم الوهاج في نظم المنهاج لوالده.

стр. 37

- شرح نظم الاقتراح في الاصطلاح لوالده. - شرح نكت أبي إسحاق الشيرازي في علم الجدل. - طرح التثريب في شرح التقريب. - فتاوى، رتبها على الأبواب الفقهية. - فضل الخيل وما فيها من الخير والنيل. - فهرست مروياته على وجه الاختصار. - كتاب في الأحكام. - كتاب ما ضعف من أحاديث الصحيحين. - مختصر الكشاف للزمخشري. - مختصر المنسك الكبير لابن جماعة. - مختصر المهمات في الفقه. - المستفاد من مبهمات المتن والإسناد. - المعين على فهم أرجوزة ابن الياسمين في الجبر والمقابلة. - النكت على الإيضاح في المناسك للنووي. - النهجة المرضية شرح البهجة الوردية. - الغيث الهامع شرح جمع الجوامع. وفاته مرض بالطحال فتداوى بشرب الخل كل يوم، فعوفي وحج، ولما عُزِل .. عاد إليه وجعٌ فظنه الطحال. فتداوى بالخل فإذا به وجع الكبد، فحمي كبده، وعالجه الأطباء أزيد من شهرين، ثم عرض له وعك، وحمى عظيمة إلى أن آل أمره إلى الإسهال. ثم مات مبطوناً شهيدًا آخر يوم الخميس السابع والعشرين من شهر شعبان سنة ست وعشرين وثمان مئة، وصلي عليه صبيحة يوم الجمعة بالأزهر في مشهد حافل شهده خلق من الأمراء والقضاة، والعلماء والطلبة، ودفن إلى جانب والده بتربة طشتمر من الصحراء، وتأسف الخيرون على فقده. ﵀ وإيانا, وجزاه الله عن الإسلام والمسلمين خير الجزاء ... آمين

стр. 38

التعريف بكتاب "تحرير الفتاوي " أ - توثيق نسبة الكتاب للمؤلف أجمعت المصادر كلها على صحة نسبة كتاب "تحرير الفتاوي على التنبيه والمنهاج والحاوي" لولي الدين أبي زرعة العراقي. فقال السخاوي في ترجمته عند عدّ مصنفاته: (والنكت على المختصرات الثلاثة، جمع فيها بين نكت ابن النقيب على "المنهاج"، ونكت النشائي على "التنبيه"، و"تصحيح الحاوي" لابن الملقن، و"التوشيح" للتاج السبكي مع زيادات من كلام البلقيني وغيره، سماها "تحرير الفتاوي"). واتفقت فهارس المخطوطات -كالفهرس الشامل، وفهارس الأزهرية، ودار الكتب المصرية، وكذا كتب البيبلوجرافيا- على نسبة الكتاب لأبي زرعة العراقي. وثبت في غلات النسخ الخطية اسم الكتاب منسوباً لأبي زرعة العراقي. ونقل بعض العلماء نصوصًا من "تحرير الفتاوي" مع نسبة الكتاب لأبي زرعة العراقي، منها: قال في "الفتاوى الفقهية الكبرى": قول أبي زرعة في الكتابة في "تحريره": قوله -يعني: "المنهاج"-: (ولو قال: "كاتبتك وأنا مجنون أو محجور عليّ") أي: بسفه طارئ أو بفلس، فلو كان لصبى أو سفه مقارن للبلوغ .. لم يحتج لقوله: (إن عرف سبق ما ادعاه). وهذه مسألة (٦٥٣٣) بتمامها في كتاب "تحرير الفتاوي". وقال أيضاً في "الفتاوى الفقهية الكبرى": قال الولي أبو زرعة في "تحريره": صح عن الشيخ عز الدين بن عبد السلام وابن دقيق العيد، وهما سيدا المتأخرين علماً وورعاً، وجاء ذكر هذا الكلام تحت مسألة (٦١١٨). وقال في "حاشية الرملي": قال ابن العراقي في "تحريره": ولذلك أفتيت في وصيين على يتيمين شرط عليهما الاجتماع على التصرف بصحة بيع عقار أحد الطفلين للطفل الآخر بشرط مباشرة أحد الوصيين الإيجاب والآخر القبول؛ فإن ذلك صادر عن رأيهما. انتهى. وجاء ذكر هذا الكلام تحت مسألة (٣٣١٣). وقال في "نهاية المحتاج" تعقيباً على كلام ذكره للبلقيني: قال تلميذه العراقي في "تحريره": ومقتضاه أنه يأخذ مع الحاجة؛ إما قدر النفقة له كما رجحه الرافعي ثمَّ، أو الأقل من نفقته وأجرة مثله كما رجحه النووي، وجاء ذكر هذا الكلام تحت مسألة (٣٠٢٢).

стр. 39

ب- منهج المؤلف في "تحرير الفتاوي " بيّن المؤلف منهجه في تأليف الكتاب فقال في مقدمته: (فهذا تعليق على "التنبيه" و"المنهاج" و"الحاوي"، محكم لتحرير الفتاوي، أذكر فيه ما يرد على العبارة، وما يجاب به عنها، وحيث أقول: (قولهم) .. فالمراد: أصحاب الكتب الثلاثة المذكورة، وإذا قلت: (قولهما) .. فمرادي: "التنبيه" و"المنهاج" إلا أن يكون ذلك بعد تنكيت على "المنهاج" و"الحاوي"، أو على "التنبيه" و"الحاوي"، وأقول: (قولهما) .. فمرادي: الكتابان المتقدم ذكرهما قبل ذلك، لا "التنبيه" و"المنهاج"، وإذا اتفقت عباراتهم في المعنى .. اكتفيت بعبارة واحد منهم، وإن تفاوتت في المعنى .. بينت التفاوت بينها، وأتبع ترتيب "المنهاج" في الأبواب والمسائل). والتزم المؤلف في كتابه بمنهجه المذكور، وكان دقيقاً في نقله لعبارات الكتب الثلاثة، ولا يذكر عبارات الكتب الثلاثة كاملة، وإنما يذكر فقط ما يريد التعليق عليه، ولا يكتفي في تنكيته بالمقارنة بين عبارة الكتب الثلاثة؛ بل يرجح مع التعليل مبيناً الأولى والأصح والأسلم من الاعتراض، وبعد أن يذكر عبارة أحد المختصرات؛ يشرع في ذكر ما يرد عليها من اعتراضات، ويجيب عنها، كما يهتم بذكر ما يدخل تحت العبارة، وما يخرج منها، وما يستثنى. واتبع في ترتيب الكتاب كما نص في مقدمته على ترتيب كتاب "منهاج الطالبين" من حيث تقسيم الكتاب إلى كتب وأبواب وفصول، والتزم فيما ذكره من عنوان الكتاب بمثل ما جاء في "المنهاج"، إلا في موضعين: أحدهما: كتاب الجراح، سماه (كتاب الجنايات)، وقال: (كذا عبر به "التنبيه" و"الروضة"، وهو أحسن من تعبير "المنهاج" و"المحرر" بالجراح؛ لأن الجناية قد تكون بغير جراح؛ كالمثقل والتجويع ونحوهما، لكن الجراح أغلب طرقها؛ فلذلك عبر به "المنهاج"). ثانيهما: كتاب الجزية، سماه (باب عقد الذمة وضرب الجزية)، وقال: (كذا في "التنبيه"، وحذف ابن يونس في "النبيه" ضرب الجزية؛ لأنها من موجبات عقد الذمة، فلا يترجم بها بابه، واقتصر "المنهاج" على الجزية). وقد يشير إلى اختلاف العناوين في "التنبيه" و"الحاوي"، ويقارنه بما أثبته هو من عنوان مطابق لـ "المنهاج"، ثم يذكر الأحسن معللاً ما رجحه. واتبع أيضاً في ترتيب المسائل داخل الكتاب أو الباب أو الفصل ترتيب "المنهاج"، والمسائل التي انفرد بها "التنبيه" أو "الحاوي" ولا توجد في "المنهاج" .. يرجئها إلى آخر الباب،

стр. 40

ولا يذكر جميع مسائل الكتب الثلاثة؛ بل يتخير منها ما يحتاج إلى تعليق، أو تحرير، أو بيان راجح، أو تقييد مطلق، أو تفصيل مجمل. وحوى الكتاب كثيراً من المناقشات والحوارات العلمية التي جرت بينه وبين شيوخه وعلماء عصره؛ كوالده، وشيخه البلقيني، وكذا نقولات كثيرة من كتب الفتاوى، وكثيراً ما ينقل نصوصاً كاملة دون تصريح أو إشارة إلن مصدر نقله، وقد يكون نقله حرفياً؛ وبخاصة في نقله من "السراج على نكت المنهاج" لشيخه شهاب الدين ابن النقيب، وإذا كان التنكيت على "التنبيه" .. فكثيراً ما ينقل عن "نكت النبيه على أحكام التنبيه" للنشائي، ويمكن القول: إن الكتاب جامع للمختصرات الثلاثة ونكتها وتصحيحها وشروحها. وقد يرى الناظر في الكتاب لأول وهلة أن المصنف مجرد جامع لأقوال أئمة المذهب، إلا أن الدارس للكتاب والمستقرئ لمسائله يتضح له منهجية المصنف في اختياراته، وذلك بالانتقاء من آراء العلماء ونقولاتهم ما يفيد أنه الراجح عنده وإن لم يصرح به. ويعد الكتاب مرجعا لمعرفة الراجح من المذهب الشافعي؛ فقد اهتم المؤلف بذكر رأي الشيخين: الرافعي والنووي وترجيحاتهما، مضيفاً إليهما اختيارات السبكي، وهذا الذي استقر عليه المتأخرون. ومن اهتمام المؤلف بذكر رأي الرافعي والنووي أنه يعقد أحياناً مقارنة بين أقوال الرافعي في كتبه والنووي في كتبه، فيذكر كلام الرافعي مثلاً في"الشرح الكبير" ويقارنه بما في "الشرح الصغير" و"المحرر" و"التذنيب"، وكذلك في كلام النووي يعقد مقارنة بين كلامه في "التحقيق" و"شرح المهذب" و"الروضة" و"المنهاج" و"الأذكار" و"شرح مسلم". ولم يستدل المصنف بالآيات القرآنية ولا الأحاديث والآثار إلا قليلاً؛ لأن موضوع الكتاب: الجمع بين المختصرات الثلاثة، والتنكيت والتعليق عليها، وتحرير الراجح المفتى به؛ فنزّل المصنف أقوال أئمة المذهب منزلة الأدلة، وعليها يعلق، وبها يستشهد. ج- مصطلحات الكتاب وتنقسم إلى: مصطلحات خاصة بكتب الشافعية، ومصطلحات خاصة بالمؤلف في كتابه "تحرير الفتاوي". أولًا: مصطلحات كتب الشافعية: - الأقوال: هي اجتهادات الإمام الشافعي رحمه الله تعالى، سواء كانت قديمة أو جديدة. - القول القديم: هو ما قاله الإمام الشافعي قبل انتقاله إلى مصر تصنيفاً أو إفتاء، سواء أكان رجع عنه -وهو الأكثر- أم لم يرجع عنه، ويسمى أيضًا بالمذهب القديم.
следующие страницы →