← Фикх шафии

Фикх шафии · id 127671

تحرير الفتاوي على التنبيه والمنهاج والحاوي

ابن العراقي

Полный текст (2 650 стр.). Показаны 1191–1230 · переход к 1196.

стр. 1191

يقفه، أو وُهب له فقبله الناظر. . فإنه يباع عند الحاجة قطعا، كذا في "أصل الروضة" (١)، ويرد على القطع أن في "البيان": كل ما اشْتُرِيَ للمسجد من الحصر والخشب والآجر والطين لا يجوز بيعه؛ لأنه في حكم المسجد (٢). ثانيهما: تقييد الجذع المنكسر بأن لا يصلح إلا للإحراق لم يذكره "الحاوي"، بل اقتصر على قوله: (وجذعه المنكسر) وزاد: (وداره المنهدمة) (٣)، وأصل ذلك أن الرافعي والنووي بعد ذكرهما الجذع الذي لا يصلح إلا للإحراق، قالا: ويجري الخلاف في الدار المنهدمة، وفيما إذا أشرف الجذع على الانكسار والدار على الانهدام. انتهى (٤). ولا شك أن جريان الخلاف في هذه الصور بالترتيب، وأنها أولى بمنع البيع، فاختار "الحاوي" التسوية، لكن تقييده الجذع بالمنكسر يخرج المشرف على الانكسار، والدار بالانهدام يخرج المشرفة على ذلك، والحق: المنع في هذه الصور، وقد استبعد السبكي الجواز في الدار؛ فإن الأرض موجودة، وقال: الحق: منع البيع. انتهى. وإذا بيعت. . قالوا: يصرف ثمنها في مصالح المسجد، قال الرافعي: والقياس: أن يُشْتَرى بثمن الحصير حصير لا غيرها، ويشبه أنه مرادهم (٥). فصل [في النظر على الوقف وشرطه] ٣٠١٧ - قول "الحاوي" [ص ٣٩٦]: (والتولية لعدل كاف نصبه) أي: ولو نفسه، كما صرح به "التنبيه" و" المنهاج" (٦). ٣٠١٨ - قول "التنبيه" [ص ١٣٧]: (وإن لم يشترط. . نظر فيه الموقوف عليه في أحد القولين، والحاكم في الآخر) الثاني هو الأصح، وعليه مشى "الحاوي" و"المنهاج"، وعبر بالمذهب (٧)، والخلاف في "الروضة" وأصلها وجهان لا قولان (٨)، لكن نشأ التعبير بالمذهب من

стр. 1192

بنائه على أقوال المالك، وعبارة "المحرر": (الذي ينبغي أن يُفتى به أخذًا من كلام معظم الأئمة: إن كان على جهة عامة. . فالحاكم، وإن كان على معين. . فكذا إن قلنا: الملك لله) (١). وقال في "المطلب": هذا في الوقف الذي لا يضاهي التحرير، أما ما يضاهيه؛ كالمسجد والمقبرة والرباط. . فالذي يقتضيه كلام الجمهور: أن النظر في ذلك للإمام، وأن الواقف فيه كغيره. ٣٠١٩ - قول "المنهاج" [ص ٣٢٣]: (وشرط الناظر: العدالة والكفاءة والاهتداء إلى التصرف) كذا في "المحرر" (٢)، وليس في "الحاوي" ولا في "الشرحين" و"الروضة" ذكر الاهتداء للتصرف، وهو مفهوم من الكفاءة؛ لأن من لا يهتدي إلى التصرف. . لا كفاءة فيه، فكأنه بيان وتفسير لها، ولو فوض النظر إلى متصف بهما فاختلت إحداهما. . انتزع منه. قال في "المطلب": ويشبه أن يكون لمن يستحق النظر بعده كموته، واستبعده السبكي إذا لم ينص عليه الواقف، وقال: ينظر الحاكم؛ لأن الثاني لم يجعل له النظر إلا بعد الأول. وقياس ما ذكره السبكي أن المشروط له النظر أولًا لو رغب عنه. . نظر الحاكم مدة حياته، فإذا مات. . انتقل للمشروط له بعده، وقد ذكر السبكي أنه لا ينعزل إلا أن له الامتناع من التصرف، ويقيم القاضي مقامه، ورد قول ابن الصلاح: ينصب الحاكم ناظرًا، أو أوله. ٣٠٢٠ - قول "المنهاج" [ص ٣٢٣]- والعبارة له - و"الحاوي" [ص ٣٩٦]: (ووظيفته: العمارة والإجارة وتحصيل الغلة وقسمتها) زاد في "الشرحين" و"الروضة": (وحفظ الأصول والغلات على الاحتياط) (٣)، وظاهر كلامهم أنه ليس له التولية والعزل، وكذا ذكر الشيخ عز الدين بن عبد السلام في "القواعد الكبرى" في الطلبة: أن تنزيلهم للمدرس لا للناظر؛ لأنه أعرف بأحوالهم ومراتبهم. قال في "المهمات": وسكت عن الصوفية، وفي إلحاقهم بالفقهاء نظر. قلت: ومحل ذلك: إذا لم يصرح الواقف بجعل ذلك للناظر. وقال السبكي: وتعلق بذلك بعض فقهاء الزمان ظانًا أن كلام الرافعي وغيره للحصر، فقال: إن تولية التدريس للحاكم لا للناظر، قال: وعندي أن له ذلك، وللحاكم الاعتراض فيما لا يسوغ، وفي ولاية من هو أصلح للمسلمين، ثم أشار إلى أن التولية مفهومة من القسمة على المستحقين؛ لأن الاستحقاق بعد التعيين، فإذا فوض له الصرف. . فقد فوض له ما يستلزمه، قال: وهل تولية

стр. 1193

المدرس الذي أبهمه الواقف إلا بمنزلة تعيين الفقير الذي أبهمه الموكل في الصدقة؟ . انتهى. وحيث جعلنا للناظر العزل. . لم يلزمه بيان مستنده كما أفتى به جمع من متأخري الشافعية، الشيخ عز الدين الفاروثي والقاضي شهاب الدين بن الجويني، والشيخ صدر الدين بن الوكيل، والشيخ [برهان الدين] (١) ابن الفركاح، وأفتى به شيخنا الإمام البلقيني لما سألته عن ذلك، ووافق هؤلاء الجماعة الشيخ شرف الدين أحمد المقدسي، لكن قيده بما إذا كان الناظر موثوقًا بعلمه ودينه. وقال في "التوشيح": لا حاصل لهذا القيد؛ فإنه إن لم يكن كذلك. . لم يكن ناظرًا، وإن أراد علمًا ودينًا زائدين على ما يحتاج إليه النظار. . فلا يصح، قال: ثم في أصل الفتيا وقفه من قبل أن الناظر ليس كالقاضي العام الولاية، فلم لا يطالب بالمستند؟ وقد صرح شريح في "أدب القضاء" بأن متولي الوقف إذا ادعى صرفه على المستحقين وهم معينون وأنكروا. . فالقول قولهم، ولهم المطالبة بالحساب، وكذا قال غيره، وحكى وجهين في أنه هل للإمام مطالبته بالحساب إذا لم يكونوا معينين؟ . انتهى. قلت: الحق: تقييد المقدسي، وله حاصل؛ فليس مناظر يقبل قوله في عزل المستحق من وظيفته من غير إبداء مستنده في ذلك إذا نازعه المستحق؛ فإن عدالته ليست قطعية، فيجوز أن يقع له الخلل، وعلمه بذلك قد يختل، فيظن ما ليس بقادح قادحًا، بخلاف من تمكن في العلم والدين، وكان فيه قدر زائد على ما يكفي في مطلق النظار من تمييز بين ما يقدح وما لا يقدح، ومن ورع وتقوى يحولان بينه وبين متابعة الهوى، وقد قال شيخنا الإمام البلقيني في "حاشية الروضة" مع فتواه بما تقدم: إن عزل الناظر للمدرس وغيره تهورًا من غير طريق مسوغ لا ينفذ، ويكون قادحًا في نظره، فيحمل كل من جوابيه على حالة كما قدمته، والله أعلم. ويشهد لكلام الشيخ هذا ما في "زيادة الروضة" قبيل الغنيمة عن الماوردي: أن ولي الأمر إذا أراد إسقاط بعض الأجناد المثبتين في الديوان بسبب. . جاز، وبغير سبب. . لا يجوز (٢). ٣٠٢١ - قول "المنهاج" [ص ٣٢٣]- والعبارة له - و"الحاوي" [ص ٣٩٦]: (وللواقف عزل من ولاه ونصب غيره، إلا أن يشرط نظره حال الوقف) فيه أمران: أحدهما: أنه يتناول ما إذا سكت عن النظر؛ لأنه لم يخرج منه إلا حالة شرطه النظر لذلك الشخص، والاستثناء معيار العموم، وفي حالة سكوته لا نظر له، وإنما النظر للحاكم على الصحيح كما تقدم، فكيف يولي ويعزل؟

стр. 1194

ثانيهما: أنه يفهم جواز العزل بلا سبب، وفيه ما تقدم، وملخصه: أنه لا يجوز له فيما بينه وبين الله تعالى فعل ذلك إلا بسبب يقتضيه، وأنه إن وثق بعلمه وورعه. . لم يحتج إلى بيان السبب، وإلا. . احتيج إليه، والله أعلم. ٣٠٢٢ - قول "الحاوي" [ص ٣٩٦]: (ويأخذ ما شرطه له) أي: وإن زاد على أجرة المثل، كما صرح به الماوردي، ويتناول أيضًا: ما إذا شرط الواقف النظر والمعلوم لنفسه، والأرجح في "الروضة": جوازه (١)، لكن يتقيد بأجرة المثل، كما قال ابن الصلاح (٢)، ولا يجوز الزيادة إلا من أجاز الوقف على نفسه، فالممتنع صورة واحدة، وهي: ما إذا جمع بين شرطه لنفسه وزيادته على أجرة المثل، فإن لم يشرط شيئًا. . ففي استحقاق الأجرة الخلاف في مسألة الغسال، وإذا قلنا بالأصح: أنه لا أجرة له، فرفع الناظر الأمر إلى الحاكم ليقرر له أجرة. . فهو كما إذا تبرم الولي بحفظ مال الطفل ورفع الأمر إلى القاضي ليثبت له أجرة، قاله شيخنا الإمام البلقيني. قلت: مقتضى تشبيهه بالولي أن يأخذ مع الحاجة؛ إما قدر نفقته كما رجحه الرافعي هناك (٣)، وإما الأقل من نفقته وأجرة المثل كما قاله النووي (٤)، وقد صرح ابن الصلاح في "فتاويه" بأنه يستقل به من غير حاكم، وذلك يأتي هنا، والله أعلم. ٣٠٢٣ - قول "المنهاج" [ص ٣٢٣]: (وإذا أجر الناظر فزادت الأجرة في المدة أو ظهر طالبٌ بالزيادة. . لم ينفسخ العقد في الأصح) احترز بالناظر عما إذا أجر الموقوف عليه بحق الملك وجوزناه. . فإن العقد لا يتأثر بالزيادة قطعًا كإجارة المطلق. ٣٠٢٤ - قول "التنبيه" [ص ١٣٧]: (فإن وقف على الفقراء. . جاز أن يصرف إلى ثلاثة منهم) يستثنى منه: ما إذا وقف على فقراء بلد معين وكانوا محصورين. . فإنه يجب استيعابهم كما ذكره النووي في "التصحيح" و"الروضة" في (الوصية) (٥)، والوقف مثله، وقد ذكره شيخنا الإسنوي في (الوقف) في "تصحيحه" بلفظ الصواب (٦)، وقد يفهم منه جواز الصرف للمكفي بنفقة غيره اللازمة له؛ فإنه فقير في نفسه، لكن الأظهر في "الشرح الصغير": المنع. ٣٠٢٥ - قوله: (وإن وقف على قبيلة كبيرة. . بطل في أحد القولين، وصح في الآخر، ويجوز أن يصرف إلى ثلاثة منهم) (٧) الأظهر: الثاني.

стр. 1195

٣٠٢٦ - قول "الحاوي" [ص ٣٩٩]: (وإن اندرس شرط الواقف. . يسوَّى) فيه أمران: أحدهما: قال الرافعي بعد ذكره هذا: وحكى بعض المتأخرين أن الوجه التوقف إلى اصطلاحهم، وهو القياس (١)، وما ذكره عن بعض المتأخرين جزم به الإمام في "النهاية" (٢). ثانيهما: قال في "الروضة": قولهم: (جعل بينهم) هو فيما إذا كان في أيديهم، أو لا يد لواحد منهم، أما لو كان في يد بعضهم. . فالقول قوله (٣). ٣٠٢٧ - قول "التنبيه" [ص ١٣٧]: (فإن مات الموقوف عليه في أثناء المدة. . انفسخت الإجارة) محله: فيما إذا كان هو الذي عقدها بنفسه؛ لكون الواقف جعل لكل مستحق النظر على حصته خاصة، والانفساخ من حين الموت دون الماضي في الأظهر، أما لو أجر الناظر المطلق. . لم تنفسخ الإجارة بموت الموقوف عليه، ولا بموت الناظر، وقد سبق إيضاح ذلك في الإجارة حيث ذكره "المنهاج" (٤). قال في "الكفاية": فلو أجر البطن الأول بدون أجرة المثل وجوزناه. . فيظهر هنا الجزم بالانفساخ.

стр. 1196

كتابُ الهِبَة ٣٠٢٨ - قول "المنهاج" [ص ٣٢٤]: (التمليك بلا عوض هبة) قد يقال: إنه أحسن من قول "الحاوي" [ص ٤٠٠]: (الهبة: تمليك بلا عوض) لاقتضاء العبارة الثانية حصر الهبة في التمليك، مع أن الهبة قد لا يكون فيها تمليك، كما إذا أهدى لغني من لحم أضحية أو هدي أو عقيقة. . فإنه لا يملكه كما صرحوا به في بابه، وعبارة "المنهاج" لا تقتضي حصر الهبة في ذلك. ٣٠٢٩ - قوله: (فإن: ملك محتاجًا لثواب الآخرة. . فصدقةٌ) (١) فيه أمران: أحدهما: أن الإعطاء بقصد التقرب صدقة، وإن كان لغني غير محتاج كما ذكروه في موضعه، وممن صرح به النووي في "شرح المهذب"، ونفى الخلاف فيه (٢)، قال السبكي: فما ذكره هو أظهر أنواع الصدقة، والغالب منها فلا مفهوم له. انتهى. ولذلك لم يذكر "الحاوي" الحاجة فقال [ص ٤٠٠]: (ولثواب الآخرة. . صدقةٌ). ثانيهما: أنه لو ملك شخصًا لحاجته من غير استحضار ثواب الآخرة. . ينبغي أن يكون صدقة أيضًا، كما ذكره السبكي، وحينئذ. . فينبغي الاقتصار في تعريف الصدقة على أحد الأمرين: إما حاجة المملك، أو قصد ثواب الآخرة. ٣٠٣٠ - قوله: (فإن نقله إلى مكان الموهوب له إكرامًا. . فهديةٌ) (٣) فيه أمور: أحدها: لو عبر بـ (الواو) كما في "المحرر". . لكان أحسن (٤)؛ لأنه قد يفهم من (الفاء) أنها قسم من الصدقة، وليس كذلك، بل هي قسيمتها. ثانيها: قوله: (إكرامًا) (٥) هي عبارة "المحرر" و"الشرح الصغير"، وفي "الروضة" وأصلها: (إعظامًا له أو إكرامًا) (٦)، قال السبكي: والظاهر: أنه ليس شرطًا، والشرط هو النقل؛ ولهذا لا يدخل العقار في الهدية. ثالثها: ليس في عبارة الغزالي تخصيص الهدية بالمنقول (٧)، وقد حكاها في "الروضة" في

стр. 1197

(أدب القضاء)، وأقره عليها، وصرحوا في النذر بأنه لو قال: لله عليّ أن أهدي هذا البيت أو الأرض أو نحوهما مما لا ينتقل .. صح ذلك، وباعه ونقل ثمنه، وذلك يقتضي إطلاق الهدية على غير المنقول. رابعها: لا منافاة بين الصدقة والهدية؛ فقد يجتمعان بأن يملك محتاجًا لثواب الآخرة، وينقله إلى مكانه إكرامًا، فيكون ذلك صدقة وهدية، وعبارة "الحاوي" [ص ٤٠٠، ٤٠١]: (وبالنقل إكرامًا .. هدية) فلا يرد عليه الأمر الأول خاصة. تَنْبِيْهٌ [الهبة أعم من الصدقة والهدية] قد ظهر بما ذكراه أن الصدقة والهدية نوعان من الهبة، فهي أعم منهما، وكل صدقة وهدية هبة، ولا عكس، وقد صرح بذلك الرافعي وقال: لو حلف لا يهب، فتصدق .. حنث، ولا عكس، ثم قال: وهذا في التطوع، أما الزكاة .. فكوفاء الدين، فلا تمليك فيها من جهة المزكي، فإذا حلف لا يهب .. لم يحنث بها، وإذا حلف لا يتصدق .. حنث بها. انتهى (١). وهذا يقتضي أن الصدقة من وجه أعم من الهبة، فبينهما عموم وخصوص من وجه إلا أن يقال: أطلقت الصدقة هنا وأريد بها: صدقة التطوع، فليست الزكاة داخلة في ذلك، والعموم المفهوم من اللفظ غير مراد، والله أعلم. ٣٠٣١ - قول "التنبيه" [ص ١٣٨]: (ولا يصح شيء من الهبات إلا بالإيجاب والقبول) يستثنى منه: الهدية والصدقة، فلا يشترط فيهما ذلك، بل يكفي البعث من هذا والقبض من ذاك، وقد صرح "المنهاج" و"الحاوي" بالهدية، فيرد عليهما الصدقة؛ لاعتبارهما أولًا الإيجاب والقبول (٢)، وعبارة "المنهاج" [ص ٣٢٤]: (وشرط الهبة: إيجاب وقبول لفظاً)، وفي تسميته شرطًا تسامح، بل هو ركن، فإن قلت: إذا خرج من كلام "التنبيه" الهدية والصدقة .. فلم جمع الهبات (٣)؟ قلت: ليدخل فيها العمرى والرقبى، وكما تصح الهبة بإيجاب وقبول .. تصح بالإيجاب والاستيجاب كالبيع، وقد ظهر بذلك أن "المنهاج" أراد بالهبة في قوله [ص ٣٢٤]: (وشرط الهبة: إيجاب وقبول) غير ما أراده أولًا بقوله: (التمليك بلا عوضٍ هبةٌ) فأراد هناك: المعنى الأعم

стр. 1198

المتناول للهدية والصدقة، وهنا: ما عداهما، وأما "الحاوي" فإنه مزج تعريف الهبة باعتبار الإيجاب والقبول فيها، فامتنع أن يريد بهما مَعْنَيَيْنِ مختلفين (١)، لكنه بعد ذكر الهدية قال: (ويكفي فيها البعث والقبض) (٢)، ولو قال: (فيهما) ليتناول الصدقة؛ فإنها مذكورة قبلها .. لكان أحسن، وقد أحسن "الحاوي" بقوله عطفًا على المنفي [ص ٤٠٠]: (أو تأخير قبول) .. فصرح باشتراط الفور في القبول، وليس ذلك في "التنبيه" و"المنهاج"، لكن يبدر إلى الفهم اعتبار ذلك في الهبة كغيرها من العقود، والله أعلم. ٣٠٣٢ - قول "التنبيه" [ص ١٣٨]: (ولا تصح إلا من جائز التصرف في ماله غير محجور عليه) قيل: في قوله: (غير محجور عليه) يجوز أن يكون تأكيدًا، ويجوز أن يجعل احترازًا عن المفلس، والمكاتب يهب دون إذن السيد. قلت: وإن جُعل جواز التصرف بمعنى إطلاق التصرف .. كان قوله: (غير محجور عليه) احترازًا عن المحجور عليه بالسفه ونحوه، ويكون المراد بجواز التصرف: البلوغ والعقل، كما قال في البيع: (لا يصح إلا من مطلق التصرف غير محجور عليه) (٣)، وقال الرافعي: ترك الغزالي العاقدين؛ لوضوح أمرهما (٤). قال في "المهمات": لكن سيأتي من كلامه في اللقيط في الكلام على نفقته مسألة هي محل نظر، وقد توقف هو فيها، وهي: ما إذا وهب للجهة؛ كالمساكين واللقطاء .. هل يصح أم لا؟ وقال هنا: وفي اللقيط بصحة تمليك المسجد، ويقبله القيم، ونقل في الوصية عن بعضهم: أنه إذا أوصى للمسجد وأراد تمليكه .. لم يصح، وقال: تقدم ما يخالفه، قال في "المهمات": والمسألة ذات نظر متوقفة على نقل صريح. انتهى. وظهر بذلك أن أمر الموهوب له ليس واضحًا؛ لحصول التردد في أنه هل يشترط فيه التعيين أم لا؟ بل تصح هبة الجهة، وعرف الماوردي الموهوب له بأنه: من صح أن يحكم له بالملك من مكلف وغيره (٥). ٣٠٣٣ - قول "التنبيه" [ص ١٣٨]: (فإن قال: "أعمرتك هذه الدار وجعلتها لك حياتك ولعقبك من بعدك" .. صح) عبارة "المنهاج" [ص ٣٢٤]: (لورثتك) بدل (عقبك)، وهي

стр. 1199

أوضح، وجمع في "الروضة" وأصلها بينهما، فقال: (لورثتك أو لعقبك) (١)، واستشكل السبكي التعبير بالعقب؛ فإنه قد لا يكون وارثًا كابن البنت، وقال: كيف يعدل عن ظاهر لفظه، ويحمل العقب الذي قد لا يرث على الوارث الذي قد لا يكون عقبًا. ويجاب: بأنهم عدلوا عنه؛ لأجل الحديث، وتبعه في "المهمات"، وبالغ في ذلك، فقال: إنه متدافع غير مستقيم، ولا ينبغي هذه المبالغة؛ لوروده في الحديث، وغاية ما في ذلك التجوز بحمل العقب على الوارث، وبينهما اجتماع، فلا يُنكر في اللغة إطلاقه عليه، وبتقدير أن يكون العقب على بابه .. فالمدار في التمليك على قوله: (أعمرتك)، ولا عبرة بما بعده من الألفاظ، وقد يكون معناه: ولعقبك إن كان لك عقب، وسكت عما إذا لم يكن له عقب. ٣٠٣٤ - قول "التنبيه" [ص ١٣٨]: (وإن لم يذكر العقب .. صح أيضًا، ويكون له في حياته ولعقبه من بعد موته) لا يصح التعبير هنا بالعقب، وإنما هي بعده للورثة، وقد تسمحنا في لفظ المعمر بذكر العقب اتباعًا للحديث لما قدمناه، وأما الحكم بأنه بعده لعقبه .. فلا يغتفر؛ فإنه الآن في بيان الحكم الشرعي، وهناك في اللفظ الصادر من المعمر. ٣٠٣٥ - قوله: (وقيل: فيه قول آخر: أنه باطل، وقيل: فيه قول آخر ... إلى آخره) (٢) لا تردد أن فيه قولًا قديمًا، لكن اختلفوا في كيفيته على وجوه، أظهرها: البطلان؛ فقوله: (وقيل فيه قول آخر: أنه باطل) هو الأصح في كيفية هذا القول؛ ولهذا قال " المنهاج" [ص ٣٢٤]: (ولو اقتصر على: "أعمرتك" .. فكذا في الجديد) أي: لم يذكر معه: (هي لك ولورثتك) لا أنه لم يذكر معه شيئًا آخر؛ فإنه لو ضم إليه: (هي لك عمرك، أو مدة عمرك، أو ما عشت، أو ما حييت) .. فالحكم كذلك. ٣٠٣٦ - قول "التنبيه" [ص ١٣٨]: (وإن قال: "جعلتها لك حياتك فإذا مت رجعت إليَّ" .. بطل في أحد القولين، وصح في الآخر، وترجع إليه بعد موته) الأصح: الصحة، ولا ترجع إلى الواهب، بل تكون لورثة الموهوب له، وعليه مشى "المنهاج" و"الحاوي" (٣)، وهو المحكي في "المهذب" بدل الثاني (٤). قال شيخنا الإمام البلقيني: وليس لنا موضع يصح فيه العقد مع وجود الشرط الفاسد المنافي لمقتضاه إلا هذا. انتهى.

стр. 1200

وقال بعضهم: هذان القولان مفرعان على القديم في المسألة قبلها، وهما الوجهان المحكيان في كيفيته، ولم يذكر "التنبيه" التفريع على الجديد، وهو: الصحة مطلقًا. قال في "الكفاية": وجعل البطلان في كلام الشيخ هو الوجه؛ يعني: المرجوح تفريعًا على الجديد، والثاني هو القديم في حالة الإطلاق؛ يعني: المرجوح في كيفيته أخف من أن يقال له: إنك اقتصرت على القديم وما فرعت على الجديد. قال النشائي: ولا يخفى ما في هذا الاعتذار من إطلاق قول على وجه مرجوح في التفريعين، بل اقتصاره على القولين وترك القول بالصحة المطلقة ينافي تصحيح الرقبى، ولهذا ادعى هنا أنه صحح العمرى استنباطًا من الرقبى. انتهى (١). ٣٠٣٧ - قوله: (وإن قال: "أرقبتك هذه الدار فإن مت قبلي عادت إليّ، وإن متُ قبلك استقرت لك") (٢) لا يحتاج إلى ذكر هذا التفسير، بل الاقتصار على قوله: (أرقبتك) (٣) حكمه كذلك، وإنما يحتاج إليه مع قوله: (وهبتك) ولهذا قال "المنهاج" [ص ٣٢٤]: (وإن قال: "أرقبتك" أو "جعلتها لك رقبى؛ أي: إن مت قبلي" ... إلى آخره)، فجعل هذا تفسيرًا للرقبى لا صادرًا من الواهب، وقال "الحاوي" [ص ٤٠٠]: (أو وهبت منك عمرك على أنك إن مت قبلي عاد إليَّ، وإن مت قبلك استقر عليك، أو جعلته لك رقبى، أو أرقبته لك)، فذكر هذا التفسير مع لفظ الهبة لا مع لفظ الرقبى، كما ذكرته. ٣٠٣٨ - قول "التنبيه" [ص ١٣٨]: (صح، ويكون حكمه حكم العمرى) كيف يجزم هنا بالصحة، ويحكي في التي قبلها قولين: البطلان، أو الصحة والرجوع إليه بعد موته؟ ! وهذه أولى بالبطلان مما تقدم؛ ولهذا قال "المنهاج" في هذه الصورة [ص ٣٢٤]: (فالمذهب: طرد القولين الجديد والقديم) أي: ومقابله القطع بالبطلان، وقال بعضهم: إن المجزوم به هنا في "التنبيه" تفريع على الجديد (٤)، وقوله: (ويكون حكمه حكم العمرى) أي: الصورة الأخيرة منها، لكنه لم يذكر حكم تلك الصورة على الجديد كما تقدم، وإنما ذكره على القديم، فأحال على ما لم يذكره. ٣٠٣٩ - قول "التنبيه" [ص ١٣٨]: (ولا يجوز هبة المجهول، ولا هبة ما لا يقدر على تسليمه، ولا ما لم يتم ملكه عليه كالمبيع قبل القبض) يفهم صحة هبة ما عدا ذلك، وإن لم يصح بيعه؛ فإن

стр. 1201

شروط المبيع خمسة، أشار إلى اعتبار ثلاثة منها، وهي: العلم به، والقدرة على تسليمه، والملك؛ لأنه إذا امتنع هبة ما لم يتم ملكه عليه .. فما لم يملكه أصلًا أولى بذلك. وبقي: أن يكون طاهرًا، منتفعًا به، فلم يعتبرهما، وذلك يقتضي صحة هبة الكلب، وجلد الميتة قبل الدباغ، والخمرة المحترمة، وبه جزم النووي في الأواني من زيادته في الجلد (١)، لكن الذي في "الروضة" وأصلها هنا تصحيح المنع في الكل (٢)، وحط "الحاوي" الهبة على البيع، فقال [ص ٤٠٠]: (فيما يباع) وذلك يقتضي دورانها معه طردًا وعكسًا، وكذا في "الكفاية"، واستثنى "المنهاج" حبتي الحنطة، فقال [ص ٣٢٤]: (وما جاز بيعه .. جاز هبته، وما لا .. فلا، إلا حبتي الحنطة ونحوها) وهذا الاستثناء ليس في "المحرر"، وهو ساقط من بعض نسخ "المنهاج". وقال شيخنا ابن النقيب: رأيته في أصل المصنف على الحاشية بخطه مصححًا عليه وفوقه (خ) إشارة إلى أنه نسخة، وقال في "الدقائق": إنه يصح قطعًا، قال شيخنا ابن النقيب: وكأنه سبق قلم أو وهم؛ ففي "شرح الرافعي" في تعريف اللقطة: أن ما لا يتمول؛ كحبة حنطة وزبيبة .. لا تباع ولا توهب، وأسقطه في "الروضة" لأنه في ضمن بحث. انتهى (٣). والحق: الجواز، وإنما ذكرنا كلام الرافعي؛ ليعرف الخلاف في ذلك، وإليه مال السبكي؛ فإن الصدقة بثمرة تجوز، وهي نوع من الهبة، وحينئذ .. فيستثنى ذلك من كلام "الحاوي"، ودخل في قولهما: (ما جاز بيعه .. جاز هبته) المنافع؛ فإنها تباع بالإجارة، وفي هبتها وجهان حكاهما الرافعي عن "الجرجانيات" (٤). وقال في "المهمات": ذكر الرافعي في الإقرار ما يرجح أنها إعارة؛ فإنه جعل قوله: (هذه الدار لك هبة سُكنى) إقرار بالعارية. انتهى (٥). فقوله: (وهبتك سكناها) إنشاء للعارية، وجزم به الماوردي (٦)، ورجح السبكي الوجه الآخر، وقال: إنها على ما اقتضاه كلام ابن الرفعة هبة منافع لا تلزم إلا بالقبض، وقبضها باستيفائها، فيرجع متى شاء، وليس قبضها كما في الإجارة بقبض العين؛ لأن ذاك لأجل استقرار الأجرة والتصرف في المنفعة، ووافقه على ذلك شيخنا الإمام البلقيني، فحكى عن الشيخ

стр. 1202

أبي حامد: أنه حكى عن الشافعي في القديم: أن كل ما (١) صح أن يلزم بالوصية بعد الوفاة .. جاز أن يلزم بالفعل حال الحياة أصله العتق، ثم قال: قيل له: يبطل بما إذا أوصى بخدمة عبد لرجل سنة؛ فإن هذا يلزم بالوصية بعد الموت، ومع هذا لا يلزم بفعله حال الحياة؛ لأنه لو ملكه منفعة عبد سنة بغير عوض .. لم يلزمه ... إلى آخر كلامه، قال شيخنا: فقوله: (قيل له) إما أن يكون للشافعي .. فيكون نصًا في مقصودنا، وإما أن يكون لأبي حامد وهو الأقرب .. فيكون جواب الشيخ يقتضي بقاء عموم كلام الشافعي، فيكون فيه إشارة إلى المسألة، قال شيخنا: والذي يظهر أنه يكون مأخوذًا على طريق الهبة، وأنه لا يلزم بمجرد إقباض الدار، بل ما استقر من المنافع .. يلزم فيه كهبة بعض المزوجات نوبتها، وفائدة ذلك، وأن لا تكون الدار عارية: أنها لو انهدمت .. لم يضمنها المتهب، هذا كلام شيخنا في حاشية "الروضة"، ولكن سماعي منه: أنه تمليك لمنافع الدار يلزم بقبض الدار، والحق: ما ذكره في حاشيته، وقبله السبكي، ويوافقه ما في "المهذب" في الإقرار: لو قال: هذه الدار هبة سُكْنَى .. له أن يمنعه من سكناها؛ لأنه هبة منافع لم يتصل بها القبض، فجاز الرجوع فيها. انتهى (٢). على أن فيه إشكالًا، وهو: أن استيفاء المنافع إتلاف لها، فكيف يملكها بعد تلفها؟ . ٣٠٤٠ - قول "المنهاج" في أمثلة ما لا يصح بيعه ولا هبته [ص ٣٢٤]: (ومغصوب) يستثنى منه: ما إذا وهبه للغاصب أو لغيره ممن يقدر على انتزاعه منه .. فإنه يصح كالبيع، لكن كيفية الخلاف فيهما مختلفة، فإن وهبه لقادر على انتزاعه .. صح، أو لعاجز .. بطل في الأصح، وإن باعه لعاجز .. لم يصح، أو لقادر .. صح في الأصح، والفرق بينهما أن الهبة لا تملك إلا بالتسليم، وهو لا يجب حتى يمتنع فيما يمتنع تسليمه بخلاف البيع. ٣٠٤١ - قوله: (إن هبة الدين لغير المدين باطلة في الأصح) (٣)، عبر في "الروضة" بالمذهب (٤)، وصحح جماعة الصحة تبعًا لنص الشافعي، وهو مبني على بيعه لغير من هو عليه إن صح، وهو الأظهر في "الروضة" (٥)، فالهبة أولى، وإن بطل وهو الأظهر في "المنهاج" .. فوجهان، أصحهما: المنع، فإن صحت .. ففي لزومها قبل القبض وجهان، وقيد صاحب "البيان" وغيره الدين بأن يكون مستقرًا (٦)، وقيده بعضهم بأن يكون على مليء باذل.

стр. 1203

٣٠٤٢ - قول "التنبيه" [ص ١٣٨]: (فإن وهب له ما في يده، أو رهنه عنده .. لم يصح القبض حتى يأذن له فيه، ويمضي زمان يتأتى فيه القبض، وقيل: في الرهن لا يصح إلا بالإذن، وفي الهبة يصح بغير إذن، وقيل: فيهما قولان) الأصح: طريقة القولين، وأصحهما: اعتبار الإذن فيهما، وأما طريقة القطع بذلك .. فقد استغربها الرافعي. ٣٠٤٣ - قوله: (ويستحب لمن وهب لأولاده أن يسوي بينهم) (١) المراد: أن يعطي الأنثى بقدر الذكر، كما أوضحه "المنهاج" (٢)، وقيل: كقسمة الإرث، ولا يختص ذلك بالأب، بل الأم والأجداد والجدات كذلك، وكذا الولد إذا وهب لوالديه .. يستحب التسوية بينهما، قال الدارمى: فإن فضّل .. فضل الأم، ولفظ الاستحباب لا يفهم منه كراهة التفضيل مع أنه مكروه، وله الرجوع، لكن الأولى أن يعطي الآخر مثله. ٣٠٤٤ - قول "التنبيه" [ص ١٣٨]: (وإن وهب الأب أو الأم أو أبوهما أو جدهما شيئًا للولد .. جاز له أن يرجع فيه) لو عبربـ (سائر الأصول) كما في "المنهاج" أوبـ (الأصل) كما في "الحاوي" .. لكان أخْصَرَ وأعم (٣). ٣٠٤٥ - قول "التنبيه" [ص ١٣٨]: (وإن تصدق عليه .. فالمنصوص: أنه يرجع، وقيل: لا يرجع) جزم الرافعي والنووي في باب العارية بالثاني، وصححه في "الشرح الصغير" هنا، لكن الأول هو الأظهر عند الرافعي في "الشرح الكبير" والنووي هنا (٤)، وعليه مشى "المنهاج" في بعض نسخه، وليس في "المحرر"، وذكر الهدية أيضًا، فقال: (والهدية في الرجوع كالهبة، وكذا الصدقة في الأظهر). وقال شيخنا الإمام البلقيني: إنما يرجع في التصدق المتطوع به وغير ضيافة الله تعالى، فأما المتصدق به الواجب في زكاة أو فدية أو كفارة .. فلا رجوع للوالد فيه، وكذا لو أرسل إليه لحم أضحية تطوع وهو فقير أو غني .. فإنه لا ينبغي أن يرجع؛ لأنه إنما يرجع ليستفيد التصرف، والتصرف في مثل هذا ممتنع، وقال شيخنا: قلته تخريجًا، ولم أر من تعرض له. ٣٠٤٦ - قول "التنبيه" [ص ١٣٩]: (وإن أفلس الموهوب له وحجر عليه وعليه ديون .. فقد قيل: يرجع، وقيل: لا يرجع) الأصح: أنه لا يرجع، وهو مفهوم من قول "المنهاج" [ص ٣٢٥]:

стр. 1204

(وشرط رجوعه: بقاء الموهوب في سلطنة المتهب) و"الحاوي" [ص ٤٠١]: (ما يليه) أي: ما دام باقيًا في ولايته. ٣٠٤٧ - قول "التنبيه" فيما إذا رهنه أو وهبه [ص ١٣٩]: (لم يرجع) محله: بعد القبض؛ ولذلك قال "المنهاج" [ص ٣٢٥]: (لا برهنه وهبته قبل القبض). ٣٠٤٨ - قول "التنبيه" [ص ١٣٩]: (وإن عاد المبيع أو الموهوب .. فقد قيل: لا يرجع، وقيل: يرجع) الأصح: الأول، وعليه مشى "المنهاج" و"الحاوي"، ولم يقيدا بالمبيع والموهوب، بل أطلقا زوال الملك وعوده (١)، فيرد عليهما ما إذا ارتد الموهوب له وقلنا بزوال ملكه ثم أسلم .. فالأصح: الرجوع، ولو وهبه عصيرًا فتخمر وتخلل .. فله الرجوع على المذهب، وحكى بعضهم وجهين في زوال الملك بالتخمر، ووجهين في عود الرجوع تفريعًا على الزوال. ٣٠٤٩ - قول "التنبيه" [ص ١٣٩]: (وإن وطئ الواهب الجارية الموهوبة .. كان ذلك رجوعًا، وقيل: لا يكون رجوعاً) الأصح: أنه ليس برجوع، وعليه مشى "المنهاج" و"الحاوي" (٢). ٣٠٥٠ - قول "المنهاج" [ص ٣٢٥]: (ومتى وهب مطلقًا .. فلا ثواب إن وهب لدونه) أي: في الرتبة، وألحق الماوردي بذلك هبة الغني للفقير؛ لأن المقصود نفعه، وهبة المكلف لغيره؛ لعدم صحة الاعتياض منه، وهبة الأهل والأقارب؛ لأن المقصود الصلة، وهبة العدو؛ لأن المقصود التآلف، والهبة للعلماء والزهاد، ولمن أعان بجاه أو مال؛ لأن المقصود مكافأته (٣)، قال السبكي: فهذه الأنواع لا ثواب في هبتهم. ٣٠٥١ - قول "التنبيه" [ص ١٣٩]: (وإن وهب ممن هو أعلى منه .. ففيه قولان، أحدهما: لا يلزمه الثواب)، وهو الأظهر، وعليه مشى "المنهاج" و"الحاوي" (٤)، والهدية في ذلك كالهبة، قال النووي: إنه الظاهر، وجزم به السبكي، وأما الصدقة .. فثوابها عند الله، لا على المتهب قطعًا، وروى طاووس حديثًا مرفوعًا "الواهب أحق بهبته ما لم يُثَبْ"، وقال الشافعي: لو اتصل حديث طاووس .. لقلت به (٥)، وقد ذكر بعضهم: أنه وصله ابن عمر وابن عباس وغيرهما (٦)، قال في "المطلب": وقد قال: إذا صح الحديث .. فهو مذهبي.

стр. 1205

٣٠٥٢ - قول "التنبيه" [ص ١٣٩]: (والثاني: يلزمه، وفي قدر الثواب أقوال) رجح الرافعي أنها أوجه (١)، وعليه مشى "المنهاج" حيث عبر بالأصح (٢)، وذكر بعضهم أنها مخرجة، فيصح التعبير عنها بالقول والوجه. ٣٠٥٣ - قول "التنبيه" [ص ١٣٩]: (والثاني: يلزمه قدر الموهوب) هو الأصح تفريعًا على هذا القول، وعليه مشى "المنهاج"، لكنه عبر بقيمة الموهوب (٣)، ومقتضاه تعين النقد، وليس كذلك؛ فإنه لا يتعين للثواب جنس، بل الخيرة فيه إلى الواهب، وعبارة "الروضة" والرافعي في كتبه: (قدر قيمة الموهوب) (٤)، فأسقط "المنهاج" لفظة: (قدر) .. فأوهم ما تقدم، والمعتبر قيمة يوم القبض، وقيل: يوم الثواب، فلو أثابه بقريب من المشروط .. ففي إجباره على قبوله وجهان، قال في "الروضة": الأصح، أو الصحيح: لا يجبر (٥). ٣٠٥٤ - قولهما: (فإن لم يُثِبْه .. فللواهب الرجوع) (٦) تبين به معنى لزوم الثواب؛ فإن المتبادر إلى الفهم منه إلزام المتهب به، وإنما معناه: أنه إن أراد .. أثاب، واستقر ملكه، وإن أراد .. رد، فإذا لم يُثِبْ .. فللواهب أن يرجع فيما وهب. ٣٠٥٥ - قول "التنبيه" تفريعًا على لزوم الثواب وعدمه [ص ١٣٩]: (وإن شرط ثوابًا معلومًا .. ففيه قولان) الأظهر: الصحة، وقد ذكره "المنهاج" (٧). ٣٠٥٦ - قولهما: (ويكون حكمه حكم البيع) (٨) مقتضاه: ثبوت خيار المجلس فيه، لكن المصحح في "الروضة" وأصلها في الخيار خلافه، وخرج شيخنا الإمام البلقيني على ذلك ما لو أفلس المتهب .. فللواهب الرجوع إن جعلناه بيعًا، وإلا .. فلا. ٣٠٥٧ - قول "المنهاج" [ص ٣٢٦]: (أو مجهول .. فالمذهب: بطلانه) فصل في "التنبيه" ذلك، وهو: إنا إن قلنا بلزوم الثواب .. صح، أو بعدم لزومه .. لم يصح (٩). * * *

стр. 1206

كتابُ اللُّقَطة ٣٠٥٨ - قول "التنبيه" [ص ١٣١]: (إذا وجد الحر الرشيد لقطة في غير الحرم في موضع يأمن عليها .. فالأولى: أن يأخذها، وإن كان في موضع لا يأمن عليها .. لزمه أن يأخذها، وقيل: فيه قولان في الحالين، أحدهما: يجب الأخذ، والثاني: يستحب) فيه أمور: أحدها: أن الأصح: طريقة القولين في الحالين، وأصحهما: الاستحباب، وعليه مشى "المنهاج" و"الحاوي" (١). ثانيها: محل ذلك: ما إذا وثق بأمانة نفسه، كما في "المنهاج" (٢)، وعبر عنه "الحاوي" بـ (أمن الخيانة) (٣)، قال في "المنهاج" [ص ٣٢٧]: (ولا يستحب لغير الواثق، ويجوز في الأصح) والمراد به: من ليس فاسقًا في الحال، لكنه يخشى طروء الخيانة، وهل بين التعبير بغير الواثق وخائف الخيانة تفاوت أم لا؟ اختار ابن الرفعة أن بينهما تفاوتًا، والسبكي خلافه، وللسبكي هنا إشكال، وهو أنهم جزموا في غير الواثق بعدم الاستحباب مع حكاية وجه بالوجوب. وأجاب عنه: بأن الوجوب لحق المالك، فالملتقط يجاهد نفسه لأجله، والاستحباب يمكنه معه الترك، فأخذه مع الخوف خطر يمكنه اجتنابه. ثالثها: اختار السبكي الوجوب على الواثق عند خوف الضياع، كما في "التنبيه"، وقال: لا يتحقق القول بعدم الوجوب في هذه الصورة عن أحد، ولا ينبغي أخذه من إطلاق النصين، وتصرف الأصحاب فيهما، والنقل أمانة، فإنا لو سئلنا عمن قال به .. لم نجد من ننقله عنه، وإن كان كلام أكثر الأصحاب كالصريح فيه، لكنه تصرف منهم في النص، بل في "النهاية" و"البسيط" في هذا القسم وجه: أنه لا يستحب، وهو في غاية البعد، ومع بعده ينبغي تخصيصه بقاصد التملك، وإلا .. فلا وجه له (٤). رابعها: تقييده ذلك بغير الحرم ليس في "المنهاج" و"الحاوي" وغيرهما، وقد يفهم أن واجد اللقطة في الحرم لا يجري فيه الطريقان، وهما التفصيل بين خوف الضياع وعدمه وإجراء القولين في الحالين، وليس كذلك، وإنما ذكره لما ذكره بعد ذلك من أنه مخير بين الالتقاط للحفظ والالتقاط

стр. 1207

للتملك، ولقطة الحرم يتعين فيها الحفظ، ولا .. يجوز اختيار تملكها. خامسًا: أورد عليه: أن غير الحرم يشمل دار الحرب، وحكمه: أنه إن كان فيها مسلم فلقطة، هالا .. فغنيمة، وقيل: للواجد، ولا يرد عليه ذلك؛ لأنه إنما تكلم على اللقطة، وحيث لم يكن فيها مسلم .. ليست لقطة، فلا يرد عليه إلا أن يقال: هي لقطة صورة وإن لم تكن لقطة حكمًا. ٣٠٥٩ - قول "التنبيه" [ص ١٣٢]: (ويستحب أن يشهد عليها، وقيل: يجب) عبر عنه "المنهاج" بالمذهب (١)؛ لأن الأصح: فيه طريقة الوجهين، وقيل: قولان، وقيل: بالقطع بالمنع، والمفهوم من لفظ "التنبيه" الإشهاد على أوصاف اللقطة، وعبارة "المنهاج" [ص ٣٢٧]: (على الالتقاط)، وكذا قال "الحاوي" [ص ٤٠٢]: (عليه) أي: على اللقط المتقدم ذكره، وفي المسألة وجهان، صحح البغوي الثاني، قال: ويجوز أن يذكر جنسها (٢)، وتوسط الإمام، وقال: لا يستوعب الصفات، بل يذكر بعضها (٣)، وصححه النووي، ولم يقل بوجوبه على عينها (٤)، وفيه احتمال لابن الرفعة، ثم إن هذا الخلاف أطلقه الرافعي، وخصه ابن الرفعة بقول الوجوب (٥). ٣٠٦٠ - قول "التنبيه" [ص ١٣٢]: (وإن كان كافرًا .. فقد قيل: يلتقط ويملك، وهو الأصح) محله: في الذمي؛ ولذلك عبر به "المنهاج"، وعبر بالمذهب (٦)؛ لأن فيه طريقة قاطعة، وإن كان الأصح فيه: طريقة الوجهين. ٣٠٦١ - قول "التنبيه" في الفاسق [ص ١٣٢]: (فإذا التقط .. أقر في يده في أحد القولين، وانتزع في الآخر، ويسلم إلى ثقة) الأظهر: الثاني، وعليه مشى "المنهاج" و"الحاوي" (٧)، ومحل الخلاف: ما إذا لم تكن العين معرضة للضياع، فإن كان ممن لا تؤمن غائلته وذهابه بالمال .. انتزعت قطعًا، قاله في "البسيط". ٣٠٦٢ - قول "التنبيه" [ص ١٣٢]: (وهل ينفرد بالتعريف؟ فيه قولان) الأظهر: أنه يضم له من يشرف عليه، وعليه مشى "المنهاج" و"الحاوي" (٨).

стр. 1208

٣٠٦٣ - قولهما: (وينزع الولي لقطة الصبي) (١) يقتضي استقلاله بذلك، ولا خلاف فيه، لكن عبارة الشافعي ﵁: (ضمها القاضي إلى وليه) (٢) وأوِّلت بما إذا رفعت إليه، وقال ابن الرفعة: إنه أحوط، ولو قيل باشتراطه .. لم يبعد. ٣٠٦٤ - قولهما: (ويتملكها للصبي إن رأى ذلك حيث يجوز الاقتراض له) (٣) قال ابن الصباغ: عندي يجوز مع منع الاقتراض؛ لإلحاقه بالاكتساب، وقال النووي: إنه شذوذ عن الأصحاب، وضعيف دليلًا (٤). وقال شيخنا الإمام البلقيني: ليس ضعيفًا؛ لأنه وإن كان اقتراضًا .. لا يتحقق فيه طلب البدل، فقد لا يظهر الطالب، وهو الكثير، فهو متحقق الانتفاع متوهم المطالبة، والمحقق لا يترك للمتوهم، بخلاف الاقتراض من معين. ٣٠٦٥ - قولهما: (ويضمن الولي إن قصَّر في انتزاعه حتى تلف في يد الصبي) (٥) هو مفرع على صحة التقاطه لا على مقابله، قاله المتولي، وخص الإمام ذلك بقولنا: إن أخذه لا يُبرئ الصبي، وإلا .. فيضمن (٦)، لتركه الصبي في ورطة الضمان، ويجوز أن يضمن أيضًا وإن جعلنا أخذه مُبْرِئًا، والمجنون في ذلك كالصبي، وكذا السفيه، إلا أنه يصح تعريفه دونهما. ٣٠٦٦ - قول "التنبيه" [ص ١٣٢]: (وإن كان الواجد عبدًا .. ففيه قولان) الأظهر: بطلان التقاطه، وعليه مشى "المنهاج" و"الحاوي" (٧)، ومحل ذلك: إذا لم يأمره السيد به ولم ينهه عنه، فإن قال: (متى وجدت لقطة .. فخذها وأتني بها) .. فقيل: بالقولين، وقيل: يصح قطعًا، وإليه ميل الإمام (٨)، وفي "الشرح الصغير": أن هذه الطريقة أقوى، وقوى السبكي ذلك إن نوى سيده، ولو نهاه .. فقطع الإصطخري بالمنع، وقواه النووي (٩)، وطرد أكثرهم القولين. قال ابن الرفعة: وهذا ظاهر إن قصد سيده، فإن قصد نفسه .. ظهر قول الإصطخري. ٣٠٦٧ - قول "المنهاج" [ص ٣٢٧]: (ولا يُعتدُّ بتعريفه) مفرع على أنه لا يصح التقاطه، فإن

стр. 1209

صححناه .. صح تعريفه، كما صرح به "التنبيه" (١)، أي: ولو بغير إذن السيد في الأصح. ٣٠٦٨ - قول "التنبيه" [ص ١٣٢]: (فإن تلفت في يده .. ضمنها في رقبته) الأصح فيما إذا علم سيده بها ولم ينتزعها منه: أنه لا يختص التعلق بالرقبة، بل يتعلق بسائر أموال السيد أيضًا، فإن أقرها في يده وهو أمين، فلا ضمان، أو خائن .. تعلق بالسيد أيضًا، وهل يزول التعلق برقبة العبد؟ نقل فيه الماوردي وجهين (٢)، وكلام الرافعي والنووي يقتضي بقاؤه؛ فإنهما لم يتعرضا للخلاف إلا في الأمين (٣)، وبه يشعر كلام السبكي، لكن جزم الروياني والقاضي حسين والجرجاني بزواله. ٣٠٦٩ - قول "التنبيه" [ص ١٣٢]: (وإن كان مكاتبًا .. ففيه قولان، أحدهما: أنه كالحر يعرف ويملك) هو الأظهر إن كانت كتابته صحيحة، وقد ذكره "المنهاج" فقال [ص ٣٢٧]: (المذهب: صحة التقاط المكاتب كتابةً صحيحة)، ولا يفهم من ذلك تصحيح طريقة القطع؛ فالأصح: طرد القولين فيه، لكن الأصح هنا باتفاق الأصحاب: الصحة، وعليه مشى "الحاوي"، ولم يقيدها بالصحيحة (٤). ٣٠٧٠ - قول "التنبيه" تفريعًا على منع التقاطه [ص ١٣٢]: (فإذا أخذ .. انتزع الحاكم من يده وعرفه، ثم يتملك المكاتب) الأصح تفريعًا عليه: أنه لا يتملك، بل يحفظها الحاكم لصاحبها. ٣٠٧١ - قوله: (فإن كان نصفه حرًا ونصفه عبدًا .. فهو كالحر على المنصوص) (٥) لو عبر بـ (البعض) كـ "المنهاج" و"الحاوي" (٦) .. لكان أحسن، ليتناول ما إذا كانت حريته أقل من النصف وأكثر منه. ٣٠٧٢ - قوله: (وإن كان بينهما مهايأة .. فهل تدخل اللقطة فيها؟ فيه قولان) (٧) الأظهر: دخولها، فيكون لصاحب النوبة، وعليه مشى "المنهاج" (٨)، والاعتبار بيوم الالتقاط على الصحيح، وقيل: بيوم التملك.

стр. 1210

فصلٌ [في التقاط الممتنع من صغار السباع] ٣٠٧٣ - قولهم في الممتنع من صغار السباع: (إن وُجد بمفازة .. فللقاضي التقاطه للحفظ) (١)، قال السبكي: ينبغي أن يكون ذلك عند خوف الضياع بحيث يكون أخذه أحفظ لها، وإلا .. فلا ينبغي أن يتعرض لها. ٣٠٧٤ - قول "التنبيه" [ص ١٣٣]: (وإن كان غيره .. فقد قيل: يجوز، وقيل: لا يجوز) الأصح: الجواز، وعليه مشى "المنهاج" و"الحاوي" (٢)، ومحل الخلاف: في زمن الأمن، فيجوز في زمن الفساد قطعًا، وفي الرافعي عن صاحب "التلخيص": أنه استثنى: ما إذا وجد بعيرًا في أيام منى في الصحراء مقلدًا تقليد الهدايا .. فحكى عن النص: أنه يأخذه، ويعرفه أيام منى، فإن خاف فوت وقت النحر .. نحره، ويستحب استئذان الحاكم، ثم قال الرافعي: ولك أن تقول: الاستثناء غير منتظم وإن قلنا: يؤخذ؛ لأن الأخذ الممنوع منه إنما هو الأخذ للتملك، ولا شك أن هذا البعير لا يؤخذ للتملك (٣). وقال النووي: قد سبق في جواز أخذ البعير لآحاد الناس للحفظ وجهان، فإن منعناه .. ظهر الاستثناء، وإن جوزناه - وهو الأصح - .. ففائدة الاستثناء جواز التصرف فيه بالنحر (٤). واعترضه في "المهمات": بأن الكلام في الأخذ لا في التصرف، قال: على أن الالتقاط المذكور كما أنه ليس للتملك ليس للحفظ، فإن فيه تصرفًا، فيقال للرافعي: والأخذ الجائز أيضًا إنما هو للحفظ وليس هذا له، إلا أن هذا لا يدفع سؤال الرافعي. ٣٠٧٥ - قولهم: (ويحرم التقاطه لتملك) (٥) يستثنى: زمن النهب والفساد، فيجوز أخذه للتملك في الصحراء وغيرها، قاله المتولي، وأقروه عليه، وإذا عرف مالكه، فأخذه ليرده عليه، قاله الماوردي، قال: ويكون أمانة في يده إلى أن يصل إليه، حكاه عنه في "الكفاية"، وأقره (٦). ٣٠٧٦ - قول "التنبيه" [ص ١٣٣] فيما إذا التقطه للتملك: (ضمن، وإن سلمه إلى الحاكم ..

стр. 1211

برئ من الضمان) هو في كلام الرافعي والنووي أصح الوجهين (١)، واستشكله في "المهمات" لأنه غاصب، وفي أخذ الحاكم المال المغصوب اضطراب، والمنصوص: أنه لا يأخذه. ٣٠٧٧ - قول "المنهاج" [ص ٣٢٨]: (وإن وُجد بقرية .. فالأصح: جواز التقاطه للتملك) في معنى القرية ما هو قريبٌ منها، ولا يرد ذلك على "التنبيه" و"الحاوي" لأن المسألة مأخوذة من مفهوم تعبير "التنبيه" في المنع بالمهلكة، و"الحاوي" بالمفازة (٢)، وما قرب من القرية ليس مهلكة ولا مفازة، وقد تردد في "الروضة" وأصلها في أن هذا الخلاف قولان أو وجهان (٣)، وقال في "الشرح الصغير": وجهان، وقيل: قولان. ٣٠٧٨ - قولهم فيما لا يمتنع منها - والعبارة "للمنهاج" -: (ويتخير آخذه من مفازةٍ؛ فإن شاء عَرَّفَهُ وتملكه، أو باعه وحفظ ثمنه وعرفها ثم تملكه، أو أكله وغرم قيمته إن ظهر مالكه) (٤) فيه أمور: أحدها: ذكر الماوردي خصلة رابعة، وهو: أن يتملكها في الحال ليستبقيها حية لدَرٍّ أو نسلٍ، قال؛ لأنه لما استباح تملكها مع استهلاكها .. فأولى أن يستبيح تملكها مع استبقائها (٥). فإن قلت: قد ذكر "التنبيه" خصلة رابعة غير هذه، وهو: حفظها على صاحبها (٦). قلت: تكلم "المنهاج" و"الحاوي" على التقاطها للتملك (٧)، وليس من أقسام ذلك: حفظها على صاحبها، وإنما هو قسيم الالتقاط للتملك، وتكلم صاحب "التنبيه" على الأعم، فدخل هذا القسم، وهو الالتقاط للحفظ. فإن قلت: فهل له بعد الالتقاط للحفظ التملك؟ قلت: فيه وجهان حكاهما الماوردي، وحكى في عكسه - وهو رفع ملكه عنها بعد تملكها - وجهين أيضًا، وعلى الجواز، فهي مضمونة (٨). ثانيها: قال في "المهمات": سيأتي فيما إذا التقط ما يمكن تجفيفه كالرطب أنه إن كان الحظ في بيعه .. باعه، وإن كان في تجفيفه .. جففه، وقياسه هنا: وجوب مراعاة الأحظ.

стр. 1212

قلت: صرح به الماوردي، فقال في اختيار البيع: جاز إن كان البيع أحظ من الاستبقاء (١). ثالثها: ذكر "المنهاج" جميع الضمائر لعودها على ما لا يمتنع، إلا قوله في الخصلة الثانية: (باعه وحفظ ثمنه وعرفها)، وصحح بخطه فوق قوله: (وعرفها)، وهو عائد على اللقطة، ولم يقل: (وعرفه) لئلا يتوهم عوده إلى الثمن، وذكر "الحاوي" جميع الضمائر، ولو أنثاها كما فعل "التنبيه" .. لكان أولى؟ لعودها على اللقطة. رابعها: قد يفهم من تعبير "المنهاج" استقلال الملتقط بالبيع (٢)، وليس كذلك، وإنما يبيع بإذن الحاكم على الأصح، وقد ذكره "التنبيه" فقال [ص ١٣٣]: (فإن أراد البيع .. دفع إلى الحاكم، فإن لم يكن .. باع بنفسه وحبس ثمنه) و"الحاوي" فقال [ص ٤٠٣]: (باع بالحاكم إن كان). خامسها: تعبير "التنبيه" في الخصلة الأولى بقوله [ص ١٣٣]: (يُعرفها سنة ثم يتملكها) أحسن من قول "المنهاج" [ص ٣٢٨]: (عرفه وتملكه) لدلالة التعبير بـ (ثم) على أن التملك بعد التعريف، إلا أن تدخل في تعبير "المنهاج" بـ (الواو) الخصلة الرابعة التي حكيناها عن الماوردي، ونقول: عبارته شاملة؛ لتقدم التعريف على التملك، ولتقدم التملك على التعريف، والظاهر: أن ذلك غير مقصود له؛ لأنه لم يحك هذه الخصلة الرابعة في كتبه، بل اقتضى كلامه نفيها، فحكى في "الروضة" تبعا للرافعي فيما لا يؤكل كالجحش ونحوه وجها بجواز التملك في الحال، وصحح: المنع إلا بعد التعريف على ما هو شأن اللقطة (٣). سادسها: قول "التنبيه" [ص ١٣٣]: (فهو بالخيار بين أن يحفظها على صاحبها ويتبرع بالإنفاق عليها) قد يفهم تعيين التبرع عند إرادة الحفظ، وليس كذلك، بل إن أراد الرجوع .. أنفق بإذن الحاكم، فإن لم يجد حاكمًا .. أشهد كما في نظائره، وقيد الماوردي الرجوع حيث أذن الحاكم، أو أشهد بما إذا لم يكن حمى للمسلمين، فإن كان .. فلا رجوع له، بل هو متطوع بالنفقة. وقال الروياني: أذن له الحاكم يومًا أو يومين، ولا يزيد على ذلك، فإن جاء صاحبها، وإلا .. باعها. انتهى. فهذان شرطان لإذن الحاكم في النفقة: فقد الحمى، وعدم الزيادة على يومين، وحكى الماوردي في الرجوع عند الإشهاد للعجز عن الحاكم وجهين (٤)، قال الإمام: ويجوز بيع جزء منها

стр. 1213

لنفقة باقيها، وفيه احتمال لشيخه؛ لأنه يؤدي إلى أن تأكل نفسها (١)، وقطع به أبو الفرج الزاز، قال: ولا يستقرض على المالك أيضًا لهذا المعنى، قال الرافعي: لكنه يخالف ما سبق في هرب الجمَّال ونحوه (٢)، قال النووي: الفرق بينه وبين هرب الجمال ظاهر؛ فإن هناك لا يمكن البيع لتعلق حق المستأجر، وهنا يمكن، فلا يجوز الإضرار بمالكها من غير ضرورة (٣). واعترضه الإسنوي والبلقيني: بأن البيع ممكن في هرب الجمال أيضًا، والإجارة لا تمنع البيع، ولا يتخرج على الخلاف في بيع المستأجر؛ لأنه محل ضرورة، كما ذكروه في موضعه. ٣٠٧٩ - قول "الحاوي" [ص ٤٠٣]: (ويأكله إن فسد؛ كالشاة، أو في الصحراء) تبع فيه الغزالي (٤)، فإنه لما ذكر ما يفسد كالطعام .. قال: وفي معناه: الشاة؛ فإنه طعام، ويحتاج إلى العلف، ومقتضاه: جواز أكلها في العمران، وعليه مشى في "التعليقة"، والأكثرون على خلافه، وعليه مشى "التنبيه" و"المنهاج"، وعبر عنه بالأصح (٥)، وتبع " المحرر" في كون الخلاف وجهين (٦)، وهو في "الروضة" و"الشرحين" قولان (٧)، وحمل البارزي كلام "الحاوي" على الشاة التي تفسد لمرض ونحوه، وقال بعضهم: لعل قوله: (أو في الصحراء) من غلط النسخ؛ إذ بحذفها .. لا إيراد. ٣٠٨٠ - قول "التنبيه" [ص ١٣٣]- والعبارة له - و"الحاوي" [ص ٤٠٣] (وإن وجد جارية تحل له .. لم يجز أن يلتقطها للتملك، بل يأخذها للحفظ) مفهومه أنها إذا كانت لا تحل له كمجوسية ومحرمة، أو كان عبدًا .. فله التقاطه للتملك، وهو كذلك بشرط كونه غير مميز، أو يكون الزمان زمان نهب، وقد ذكر ذلك "المنهاج"، إلا أنه لم يذكر الحالة الثانية، فقال: (ويجوز أن يلتقط عبدًا لا يميز) (٨). قال شيخنا ابن النقيب: وكذا أمةٌ، وعبر في "المحرر" بالمملوك (٩)، وهو أقرب إلى الشمول، ولو عبر بـ (الرقيق) كـ "الروضة" .. لكان أحسن (١٠).

стр. 1214

قلت: قد ذكر ابن حزم الظاهري أن لفظ العبد يتناول الأمة (١). ٣٠٨١ - قولهم في الهريسة ونحوها: (إنه مخير بين أن يأكل وبين أن يبيع) (٢) قد يفهم استواء الأمرين، وليس كذلك، فالمستحب البيع، كما قاله القاضي أبو الطيب. ٣٠٨٢ - قول "التنبيه" في الهريسة ونحوها [ص ١٣٣]: (فإن أكل .. عزل قيمته مدة التعريف، وعرف سنة ثم يتصرف فيها، وقيل: يعرف، ولا يعزل القيمة) فيه أمور: أحدها: أن الأصح: الثاني، وهو أنه لا يعزل القيمة؛ لأن بقاؤه في الذمة أحفظ. ثانيها: كلامه تفريعًا على الأول يقتضي أنه هو الذي يعزلها، وقد حكاه في "الكفاية" عن جماعة، لكن المجزوم به في "الروضة" وأصلها أنه يرفع الأمر إلى الحاكم ليقبض عن المالك (٣)، وعبر عنه شيخنا الإسنوي في "تصحيحه" بالصواب (٤). ثالثها: تناول كلامه ما إذا كان ذلك في الصحراء، وقد قال الإمام في هذه الصورة: إنه لا يجب التعريف، لعدم فائدته (٥)، وصححه الرافعي في "الشرح الصغير". ٣٠٨٣ - قول "المنهاج" في هذه المسألة [ص ٣٢٨]: (وقيل: إن وجده في عمران .. وجب البيع) يقتضي أنه وجه، وقد حكاه في "الروضة" قولًا (٦). ٣٠٨٤ - قولهم في الملتقط للحفظ: (لم يلزمه التعريف) (٧) وحكاه "المنهاج" عن الأكثرين، ورجح الإمام والغزالي وجوبه (٨)، قال في "الروضة": وهو أقوى، وهو المختار (٩)، وصححه في "شرح مسلم" (١٠). وقال في "الكفاية": وعليه جرى البغوي، وظاهر كلام الماوردي يقتضي الجزم به (١١)، وقد يستدل له بما روى النسائي عن عياض من قوله: "ولا يكتم" (١٢).

стр. 1215

وقال السبكي: ولك أن تقول: الكتمان إنما يكون إذا طلب منه، فكتم، وبدونه لا يكون كتمانًا، ويبعد أن يجب لأجل غيره، وأقصى ما في الممكن أن يقال: يجب عليه إما التعريف أو رفع يده عنها، فمتى أوجبناه .. أمكن التخلص عنه بدفعها إلى الحاكم أو بطريق آخر. انتهى. ويستثنى من ذلك: لقطة الحرم .. فيجب تعريفها قطعًا، قال في "الروضة" من زيادته: قال أصحابنا: ويلزم الملتقط لها الإقامة للتعريف أو دفعها إلى الحاكم، ولا يجيء هنا الخلاف السابق فيمن التقط للحفظ .. هل يلزمه التعريف؟ بل يجزم هنا بوجوبه؛ للحديث (١). ٣٠٨٥ - قول "المنهاج" [ص ٣٢٨]: (فلو قصد بعد ذلك خيانة .. لم يصر ضامنًا في الأصح) لا يختص ذلك بالملتقط للحفظ، بل لو التقط للتملك، ثم قصد الخيانة .. كان كذلك؛ ولهذا قال "الحاوي" [ص ٤٠٣]: (وهو أمانة وإن قصد الخيانة بعد الأخذ)، أما لو فعل الخيانة فيه .. فإنه يصير ضامنًا بلا شك، ومهما صار ضامنًا في الدوام بالخيانة أو بقصدها ثم أقلع وأراد التعريف والتملك .. فله ذلك كما نقله الرافعي عن تصحيح البغوي، وقال: لكن إيراد "الوجيز" يشعر بترجيح مقابله؛ ويؤيده أنهم شبهوا الوجهين بالوجهين فيما إذا أنشأ سفرًا مباحًا ثم غيّر قصده إلى معصية .. هل يترخص؟ وميل الأصحاب إلى منع الترخص أشد. انتهى (٢). وهو مشعر بترجيح المنع، لكن صحح في "أصل الروضة" الجواز (٣)، وهذه غير المسألة المذكورة في "المنهاج" بقوله [ص ٣٢٨]: (وليس له بعده أن يُعرِّف ويتملك على المذهب) تلك فيما إذا أخذ بقصد الخيانة من الأول. ٣٠٨٦ - قول "المنهاج" [ص ٣٢٩]: (ويعرف جنسها وصفتها وقدرها وعفاصها ووكائها) زاد "التنبيه" [ص ١٣٢]: (وعائها)، وفسر الجمهور العفاص: بأنه الوعاء، وقال الخطابي: أصله الجلد الذي يُلبَس رأس القارورة، ويتعين حمل كلام "التنبيه" عليه؛ لذكره الوعاء، وأهملا معرفة نوعها، وهذه المعرفة عقب الأخذ كما قاله المتولي وغيره، وأكثر الروايات صريحة فيه، وفي رواية لمسلم: "عرِّفها سنة، ثم اعْرفْ وكائها وعفاصها، ثم استنفق بها" (٤)، وهي دالة على تأخر هذه المعرفة عن التعريف، ويجمع بينهما: بأن هذا تعرّفٌ آخر عند إرادة التملك، فيندب له حينئذ أن يتحقق أمرها قبل التصرف فيها، وهذه المعرفة الأولى والثانية مستحبة. ٣٠٨٧ - قولهم: (ثم يعرفها) (٥) قد يفهم تعيين تعريفها بنفسه، وليس كذلك، بل له ذلك بما

стр. 1216

دونه أيضًا، ولكن لا يسلمها له، ويجب أن لا يكون تعريفه على سبيل البسط والمجون، ولا يشترط في المعرف العدالة إذا حصل الوثوق بقوله، وقال الجيلي والنووي في "نكته": متى غلب على ظنه أنه إذا عرفها أخذها منه السلطان لجوره .. لم يجز التعريف، بل تكون أمانة في يده أبدًا. ٣٠٨٨ - قولهما: (على أبواب المساجد) (١) أي: عند خروج الناس من الصلاة. يفهم أنه لا يعرف في نفس المساجد، وهو كذلك، إلا أن الشاشي قال في "المعتمد": أصح الوجهين: جواز التعريف في المسجد الحرام بخلاف بقية المساجد، قال في "المهمات": وهو ظاهر في تحريمه في بقية المساجد، وليس كذلك، فالمنقول الكراهة، وقد جزم به النووي في "شرح المهذب" (٢). قلت: المعتمد التحريم، فهو ظاهر كلامهم، وقد صرح به القاضي حسين في "تعليقه"، فقال: أما داخل المسجد .. فلا يجوز التعريف فيه، والماوردي، وحكى الاتفاق عليه فقال في لقطة الحرم: اختلفوا في جواز إنشادها في المسجد الحرام مع اتفاقهم على تحريم إنشادها في غيره من المساجد على وجهين، أصحهما: جوازه اعتبارًا بالعرف، وأنه مجمع الناس. انتهى (٣). فكيف يقال: إن التحريم خلاف المنقول؟ . ٣٠٨٩ - قول "التنبيه" [ص ١٣٢]: (وفي الموضع الذي وجدها فيه) محله: ما إذا كان في العمران، فإن كان في صحراء .. فيعرف في مقصده، ولا يكلف أن يعدل إلى أقرب البلاد إليه؛ ولهذا قال "الحاوي" [ص ٤٠٣]: (في بلده، وأيّ بلدٍ إن وجد في صحراء). ٣٠٩٠ - قول "التنبيه" [ص ١٣٢]: (سنة) ليس المراد: استيعاب السنة بالتعريف فيها كل يوم؛ ولذلك قال "المنهاج" [ص ٣٢٩]- والعبارة له - و"الحاوي" [ص ٤٠٣]: (على العادة، يعرّف أولًا كل يوم طرفي النهار، ثم في كل يومٍ مرةً، ثم كل أسبوعٍ، ثم كل شهرٍ) وهنا مسألتان: إحداهما: لو التقط اثنان .. قال ابن الرفعة: يعرف كل منهما سنة، وقال السبكي: نصف سنة. الثانية: قال شيخنا الإمام البلقيني: لو مات الواجد في أثناء مدة التعريف، فهل يبني الوارث على ما مضى، أو يستأنف؟ لم يتعرضوا له، والأقرب: الاستئناف، كما في حول الزكاة لا يبني الوارث على حول المورث على أصح القولين.

стр. 1217

قلت: الأرجح: البناء؛ لحصول المقصود به، وأما الزكاة: فقد انقطع حول المورث؛ لخروج الملك عنه بموته، فيستأنف الوارث الحول لإبتداء الملك، والله أعلم. ٣٠٩١ - قول "الحاوي" [ص ٤٠٣]: (سنة متصلة) يفهم أمرين: أحدهما: اتصالها بالالتقاط، وأصح الوجهين - وهو الذي يقتضيه كلام الجمهور -: أنه لا يجب ذلك، والمعتبر تعريف سنة متى كان، وقال شيخنا الإمام البلقيني: محل الوجهين: مع الإمكان، فإن تعذر .. سقط وجه وجوب البدار، قال: ومحل جواز التأخير: ما لم يغلب على ظن الملتقط أنه يفوت معرفة المالك بالتأخير، فإن غلب على ظنه ذلك .. وجب البدار، ولم يتعرضوا له. انتهى. قلت: في "النهاية" تفريعًا على أنه لا تجب المبادرة: لو تمادى التأخير مدة تنسى فيها اللقطة .. هل ينفع التعريف بعد ذلك؟ فيه وجهان، قال: ومن يصير إلى التعريف يقول: حق المعرّف أن يؤرخ وجدان اللقطة في تعريفه، ويسنده إلى وقته (١). ثانيهما: أن تكون السنة [متوالية] (٢)، وهو الذي صححه الرافعي في "المحرر" (٣)، وصحح النووي: الاكتفاء بها متفرقة (٤)، وهو الذي صححه في "التنبيه" (٥)، وعبارة "المنهاج" [ص ٣٢٩]: (ولا تكفي سنة متفرقة في الأصح). قلت: الأصح: تكفي، وفي "الشرح" حكاية الأول عن الإمام، والثاني عن العراقيين والروياني (٦)، ومقتضاه: ترجيح الاكتفاء؛ لأن القائلين به أكثر، لكنه رجح الأول في "المحرر" كما تقدم. ٣٠٩٢ - قول "المنهاج" [ص ٣٢٩]: (ويذكر بعض أوصافها) مثل قول "الحاوي" [ص ٤٠٣]: (بذكر صفاتٍ) وفي "التنبيه" [ص ١٣٢]: (فيقول: من ضاع له شيء، أو من ضاع له دنانير) قال ابن الرفعة: وهي صريحة في التخيير، وبه صرح جماعة، ويجوز أن تكون إشارة إلن خلاف للأصحاب في وجوب ذكر شئ من الصفات، فإن وجب .. فقيل: يكفي ذكر الجنس وقال الإمام: لا يكفي (٧)، وفي أصل "الروضة" بعد تصحيح أنّ ذكر بعض أوصافها مستحب: فإن

стр. 1218

شرطناه .. فهل يكفي ذكر الجنس؛ بأن يقول: من ضاع منه دراهم؟ قال الإمام: عندي أنه لا يكفي، ولكن يتعرض للعفاص والوكاء ومكان الالتقاط وزمنه، ولا يستوعب الصفات، ولا يبالغ فيها؛ لئلا يعتمدها الكاذب، فإن بالغ .. ففي مصيره ضامنًا وجهان، زاد في "الروضة": أصحهما: الضمان (١). وعبارة السبكي تفريعًا على الاشتراط: هل يجب ذكر الجنس كدراهم؟ وجهان، أصحهما: لا، بل يكفي أن يتعرض للعفاص والوكاء والمكان والتاريخ. قال شيخنا ابن النقيب: وهذا صريح ما في "البسيط" وظاهر "النهاية"، وهو خلاف نقل الرافعي وابن الرفعة (٢)، أي؛ لأنهما جعلا الخلاف في الاكتفاء بالجنس، وهو جعله في وجوب ذكره. ٣٠٩٣ - قول "المنهاج" [ص ٣٢٩]: (ولا يلزمه مؤنة التعريف إن أخذ لحفظ، بل يرتبها القاضي من بيت المال أو يقترض على المالك) فيه أمور: أحدها: أن مقتضاه: صرفها من بيت المال أو بالاقتراض، ولو فرعنا على أنه لا يجب التعريف في هذه الحالة كما تقدم عن الأكثرين، والذي في "الروضة" وأصلها: إن قلنا: لا يجب التعريف .. فهو متبرع إن عرّف، وإن قلنا: يجب .. فليس عليه مؤنته، بل يرفع الأمر إلى القاضي، وذكر ما تقدم (٣)، فلم يذكره إلا تفريعًا على الوجه الآخر، وهو الوجوب، وكذا قال الإمام والغزالي (٤)، والحق ما في "المحرر" و"المنهاج" (٥)، وإليه ذهب السبكي، وهو الذي يدل عليه كلام أكثر الأصحاب، ومنهم القاضي الحسين والبغوي والخوارزمي (٦). ثانيها: ظاهر قوله: (يرتبها من بيت المال) أنه على سبيل الصرف الذي لا رجوع به؛ لأنه ذكر في مقابلته الاقتراض، وأصرح منه تعبير "أصل الروضة" بقوله: (ليبذل أجرته من بيت المال) (٧)، وقال ابن الرفعة: إن ذلك على سبيل القرض. ثالثها: زاد في "أصل الروضة": أو يأمر الملتقط به ليرجع، كما في هرب الجمَّال. انتهى (٨).

стр. 1219

وهو داخل في الاقتراض، وزاد ابن الرفعة والسبكي: بيع جزء من اللقطة، قال السبكي: ومعنى تفويض الأمر إلى القاضي: أنه يفوض إلى اجتهاده، قال: فهذه أربعة أشياء يجتهد فيها. رابعها: ظاهره تعين الرفع إلى القاضي، وقال الماوردي: فإن لم يستأذنه مع القدرة، وأشهد بالرجوع .. ففيه وجهان (١)، قال ابن الرفعة: وهما كالوجهين في أنه هل له تسليمها إلى من يعرفها بغير إذنه مع القدرة؟ . ٣٠٩٤ - قوله: (وإن أخذ لتَمَلُّكٍ .. لزمته، وقيل: إن لم يتملك .. فعلى المالك) (٢) يقتضي أنه إذا تملك: ثم ظهر المالك ورجع فيها .. لم يجيء هذا الوجه، وتعبير "الروضة" و"الشرحين" بظهور المالك (٣)، يشمل ظهوره بعد التملك، ويقتضي أن المؤنة في هذه الصورة على هذا الوجه على المالك أيضًا، وهو الذي قرره السبكي، وقال: لو عبر "المنهاج" بـ (ظهور المالك) .. لكان أخلص، ويمكن أن يؤول قول "المنهاج" [ص ٣٢٩]: (لم يتملك) على أن معناه: لم يحصل الملك له ولم يستمر، وهو بعيد. ٣٠٩٥ - قول "المنهاج" [ص ٣٢٩]: (والأصح: أن الحقير لا يُعرَّف سنة، بل زمنًا يُظن أن فاقده يُعرِض عنه غالبًا) فيه أمور: أحدها: أنه يتناول حقيرًا لا يتمول لقلته؛ كحبة بر أو زبيبة واحدة، والمنقول: أنه لا يُعرّف أصلًا، ويستبد به وَاجِدُهُ؛ ولذلك قال "الحاوي" [ص ٤٠٣]: (حالًا إن لم يتمول). ثانيها: رجح صاحب "التنبيه" اعتبار السنة في القليل أيضًا، فقال [ص ١٣٢]: (وظاهر المذهب: أنه لا فرق بين القليل والكثير)، ونص عليه الشافعي، فقال: (وسواء قليل اللقطة وكثيرها)، حكاه المزني في "مختصره" (٤)، ولم يحك فيه الماوردي خلافًا في المذهب، وصححه العراقيون وجماعة من الخراسانيين كالقاضي حسين وغيره، وقال السبكي: إنه المشهور في المذهب، قال: وهو الذي أختاره؛ لعموم الحديث. انتهى. وذكر الرافعي أن مقابله أشبه باختيار المعظم (٥)، وفيه نزاع، وأعجب منه قول الغزالي في "البسيط": إنه لا يجب تعريف القليل المتمول سنة اتفاقًا، فعمد إلى ما هو منصوص الشافعي والمشهور عند أصحابه والمختار من الدليل، فأنكره بالكلية، ولم يثبته.

стр. 1220

ثالثها: ظاهره: أن التعريف في زمن إعراض الفاقد، وليس كذلك، وإنما هو في زمن فقد الإعراض، فإذا جاء زمن الإعراض .. انتهى التعريف، فكان ينبغي أن يقول: (لا يعرض)، أو يقول: (يطلبه)، أو يقول: (إلى زمن يظن أن فاقده يعرض عنه)، فيجعل ذلك الزمن غاية لترك التعريف لا ظرفًا للتعريف، ولذلك عبر في "الروضة" و"الشرحين" بقوله: مدة يظن في مثلها طلب فاقده له، فإذا غلب على الظن إعراضه .. سقط (١)، وفي "شرح مسلم": زمنًا يظن أن فاقده لا يطلبه في العادة أكثر من ذلك الزمان (٢)، وعبر عنه "الحاوي" بقوله [ص ٤٠٣]: (وما يَقِلّ إن عرّف بقدره) أي: له تملك القليل المتمول إن عرفه بقدر ما يليق به، ولا يخفى ما في عبارته من الإجحاف. ٣٠٩٦ - قول "التنبيه" [ص ١٣٢]: (وقيل: إن كان قليلًا .. كفاه أن يعرفه في الحال) الأصح تفريعًا على هذا الوجه - وهو الاكتفاء في القليل بما دون السنة -: أنه لا يكتفى بتعريفه في الحال، بل يعرفه إلى أن يظن إعراض فاقده عنه كما تقدم. ٣٠٩٧ - قوله: (وقُدّر بالدرهم) (٣) يقتضي أن الدرهم على هذا الوجه قليل، وعليه مشى في "الكفاية"، والذي في "الروضة" وأصلها: أن ما دون الدرهم قليل، والدرهم كثير (٤)، وعزاه ابن يونس في "التنويه" إلى حكاية جمهور النقلة لهذا الوجه، والأصح: أنه ما يقل أسف فاقده عليه، ولا يطول طلبه له غالبًا. فصلٌ [كيفية تملك اللقطة بعد التعريف] ٣٠٩٨ - قول "التنبيه" [ص ١٣٢]: (فإذا عرّف، فاختار التملك .. ملك) قد يفهم الاكتفاء بالنية، وليس كذلك، ولهذا قال "المنهاج" [ص ٣٢٩]: (حتى يختاره بلفظٍ كتملكت)، ثم شرط ذلك: أن يكون قصد التملك في ابتداء التعريف، فلو عرف من غير قصد التملك، ثم بدا له قصده .. عرّفه سنة من يومئذ، ولا يعتد بما عرفه من قبل. ٣٠٩٩ - قول "التنبيه" [ص ٣٢٩]- والعبارة له - و"الحاوي" [ص ٤٠٥]: (وإن جاء بعد التملك .. أخدها مع الزيادة المتصلة دون المنفصلة) ينبغي فيما إذا كانت المنفصلة موجودة عند

стр. 1221

التملك؛ كأن يتملكها وهي حامل ثم تضع عنده .. أن يرجع المالك في الولد بناء على أن الحمل يعلم، وهو الأصح، كما في نظيره من الرد بالعيب والفلس، أشار إليه في "المهمات". ٣١٠٠ - قول "المنهاج" [ص ٣٢٩]- والعبارة له - و"الحاوي" [ص ٤٠٥]: (وإن تلفت .. غرم مثلها أو قيمتها يوم التملك) أي: المثل في المثلي، والقيمة في المتقوم، أطبق عليه الأصحاب فيما وقفت عليه. قال في "الكفاية": وقضية ما حكيناه من أن ملك اللقطة كملك المقترض: أن يكون الواجب فيما له مثل صوري رد المثل الصوري على الأصح، كما في القرض، ثم قيل: إن الضمان يثبت في ذمة الملتقط من يوم التلف، وصححه الرافعي والنووي (١)، وقيل: لا، وإنما تتوجه المطالبة إذا جاء المالك، واختاره السبكي؛ لأن التملك كان مجانًا، فإذا رجع المالك .. انتقض، ووجب الرد بأمر الشارع فسخًا لذلك التملك كرجوع الأب، قال: وليس من شرط المطالبة، تقدم ثبوت الضمان في ذمته كما أشار إليه الرافعي، بل بالفسخ كما قلناه. ٣١٠١ - قول "المنهاج" [ص ٣٣٠]: (وإذا ادعاها رجلٌ ولم يصفها ولا بينة .. لم تُدفع إليه) وهو مفهوم "التنبيه" و"الحاوي" (٢)، ومحله: ما إذا لم يعلم الملتقط أنها له، فإن علم ذلك .. لزمه دفعها له. ٣١٠٢ - قولهم: (إنه يلزم الدفع بالبينة) (٣) يتناول الشاهد واليمين؛ فإن ذلك حجة في الأموال، وهذا معلوم من القاعدة العامة، ومع ذلك فنص عليه الشافعي والأصحاب، وممن حكى النص عن "الأم" القاضي حسين في "تعليقه" (٤)، ومن العجيب نقل السبكي المسألة عن نصر المقدسي في "تهذيبه" .. فأوهم انفراده به، والمسألة بخصوصها في عدة من الكتب المشهورة. ٣١٠٣ - قولهم: (فيما إذا وصفها وظن صدقه .. جاز الدفع) (٥) محله: ما إذا كان الواصف واحدًا، فإن وصفها جماعة .. قال القاضي أبو الطيب: أجمعنا على أنها لا تُسلم لهم. ٣١٠٤ - قول "المنهاج" [ص ٣٣٠]: (فإن دفع، فأقام آخر بينة بها .. حُوِّلَت إليه) أي: دفع بالوصف وظن الصدق، فأما لو دفع بالبينة .. جاءت أقوال تعارض البينتين.

стр. 1222

٣١٠٥ - قولهما: (لا تحل لقطة الحرم للتملك) (١)، قال "المنهاج" [ص ٣٣٠]: (على الصحيح)، وهذا موافق لما في "الروضة" من أن الخلاف وجهان (٢)، وصرح الرافعي في "شرحيه" بأنه قولان (٣)، وحكاه الروياني عن القفال وغيره بعد أن حكى المنع عن النص وأنها كغيرها عن بعض الأصحاب، وتصحيح أبي عبد الله الحسين "شارح التلخيص"، وعبارة "التنبيه" قد توافق هذا؛ فإنه قال: (إن الأول ظاهر المذهب) ثم حكى الثاني بلفظه، قيل: وظاهره أنه وجه، وحكى الماوردي والروياني وجهين في لقطة عرفة ومصلى إبراهيم؛ لأنه حل، لكنه مجتمع الحاج (٤)، ويدل للمنع حديث [عبد الرحمن بن عثمان التيمي] (٥): (أن النبي ﷺ نهى عن لقطة الحاج)، رواه مسلم في "صحيحه" (٦)، وهو يعم لقطته في الحرم وفي موضع الحج، وهو عرفات، ولا يتعدى إلى منازلهم في الطريق؛ لأنه ليس مجمع جميعهم، وإنما يجمع أهل قطر واحد، وفي "سنن أبي داوود" من حديث على بإسناد صحيح في حرم المدينة: "ولا تلتقط لقطتها إلا لمن أشاد بها" (٧). وذهب إليه شيخنا الإمام البلقيني، فقال: إن لقطة المدينة كمكة لا تحل إلا لمنشد، لكن صرح الروياني في "البحر" بخلافه، والتمسك بالحديث أولى، والله أعلم. * * *

стр. 1223

كتابُ اللَّقِيط ٣١٠٦ - قولهما: (التقاط المنبوذ فرض على الكفاية) (١) لم يذكرا صفة المنبوذ، وفي "الحاوي" [ص ٤٠٥]: (لقط طفلٍ)، فوصف المنبوذ بأنه طفل، وهو متناول للمميز وغيره، وفي المميز تردد للإمام (٢)، قال الرافعي والنووي: والأوفق لكلام الأصحاب أنه يلتقط لحاجته إلى التعهد (٣). قال السبكي: والبالغ المجنون في ذلك كالصبي، ولكن ذكر الصبي في الحد؛ لأنه الغالب، والمجنون في ذلك نادر. ٣١٠٧ - قول "التنبيه" [ص ١٣٤]: (ويستحب أن يشهد عليه وعلى ما معه، وقيل: يجب ذلك) الثاني أصح، وعليه مشى "المنهاج"، فقال [ص ٣٣١]: (ويجب الإشهاد عليه في الأصح)، و"الحاوي" فقال [ص ٤٠٥]: (بالإشهاد)، ولم يذكر الإشهاد على ما معه، وهو في "الروضة" وأصلها عن النص (٤)، لكن لم يفصحا عن كونه واجبًا أو مستحبًا، ونص "المختصر" صريح في الوجوب، فقال: (وجب أن يشهد بما وَجَدَ له، وأنه منبوذ) (٥)، وتعبير "المنهاج" بـ (الأصح) يقتضي ترجيح طريقة الخلاف، وأنه وجهان (٦)، والمرجح في "الروضة": طريقة القطع بالوجوب (٧)، ومقابلها وجهان أو قولان، وهما مخرجان من نصه هنا، وفي اللقطة: فلو ترك الإشهاد مع وجوبه .. لم يثبت له ولاية الحضانة، ويجوز انتزاعه منه، قاله في "الوسيط" (٨). قال الرافعي: وهذا يشعر باختصاص الإشهاد الواجب بابتداء الالتقاط (٩). قال في "الكفاية": وفيما ادعاه من الإشعار انظر. قلت؛ لأن معناه أنه لا يثبت له ولاية الحضانة ما لم يشهد، فلا يشعر باختصاص الوجوب

стр. 1224

بالابتداء، فمتى أشهد .. ثبتت له الولاية، ذكره السبكي، ويشهد له أن عبارة "البسيط": ومن يوجب الإشهاد يجعله شرطًا حتى يتخلف حكم الالتقاط وولاية الحضانة عند فقد الإشهاد، فكأنه يقول: هذه ولاية، فلا تثبت ما لم تستند إلى شهادة، ثم قال السبكي: ولا يبعد أن يقال: الوجوب على الفور، فمتى أخره .. فسق وخرج عن الأهلية، فلا يفيده الإشهاد بعد ذلك إلا أن يتوب، فيكون كالتقاط جديد. انتهى. ومحل الخلاف: في الملتقط، أمّا من سَلم الحاكم له اللقيط .. فالإشهاد في حقه مستحب قطعًا، ذكره الماوردي وغيره (١). ٣١٠٨ - قول "الحاوي" [ص ٤٠٥]: (وحضانته لحرٍّ مسلمٍ عدلٍ رشيدٍ) زاد "المنهاج" [ص ٣٣١]: (التكليف) ليخرج الصبي والمجنون، وهو مفهوم من العدالة، وقال "التنبيه" [ص ١٣٤]: (وإن التقطه حرٌ أمين مسلم مقيم .. أقر في يده)، فلم يذكر الرشد، وقال في "الكفاية": إنه لم يذكر العدالة أيضًا، وليس كذلك؛ فالأمانة بمعنى العدالة، وفي (الوقف) من الرافعي: شرط الناظر: الأمانة، وفي "المنهاج": العدالة (٢)، فدل على ترادفهما. قال السبكي: والأكثرون اشترطوا العدالة أو الستر، والرافعي اقتصر على العدالة (٣). قلت: لم يُرد إلا العدالة الظاهرة التي يدخل تحتها الستر؛ بدليل قوله بعده: وأما من ظاهر حاله الأمانة إلا أنه لم يختبر .. فلا ينتزع من يده، لكن يوكل به القاضي من يراقبه بحيث لا يعلم؛ لئلا يتأذى، فإذا وثق به .. صار كمعلوم العدالة، ثم قال بعده: من ظهرت عدالته بالاختبار .. يقدم على المستور على الأصح (٤). وقال الماوردي فيمن يوثق به على نفسه دون ماله: أنه يقر في يده، وينزع المال، وفي عكسه: لا يقر، وفي نزع المال وجهان. انتهى (٥). ومقتضاه: أن الإنسان قد يكون أمينًا في شيء دون شيء، وقال السبكي: لعل المراد المستور: المنحط عن درجة العدالة، فإذن الفاسق ليس بأهل جزمًا، وإنما التردد في المستور، ولا يخفى أن اشتراط الإسلام في الملتقط محله: في اللقيط المحكوم بإسلامه، فللكافر التقاط الكافر، وقد صرح به "الحاوي" (٦).

стр. 1225

٣١٠٩ - قول "التنبيه" [ص ١٣٤]: (فإن أخذه عبد .. انتزع منه) محله: ما إذا لم يكن بإذن السيد، فإن كان بإذنه .. فهو الملتقط، والعبد نائبه، وقد ذكره "المنهاج" و"الحاوي" (١) وكذا لو علم بالتقاط العبد، فأقره عنده، ذكره "المنهاج" (٢). ٣١١٠ - قول "الحاوي" [ص ٤٠٥]: (ومن القنِّ والمكاتب بإذن السيد لَقْطُهُ) أي: من السيد، تبع "الوجيز" في أن إذن السيد للمكاتب كإذنه للعبد (٣)، ومحله ما إذا قال: التقطه لي، وإلا .. فهو على الخلاف في تبرعاته بإذنه، قال الرافعي: لكن الظاهر هنا: المنع؛ لأنه ليس من أهل الولاية (٤). ٣١١١ - قول "التنبيه" [ص ١٣٤]: (وإن كان أحدهما مقيمًا والآخر ظاعنًا .. فالمقيم أولى) هذا تفريع على منع الخروج به إلى البادية، فإن جوزناه - وهو الأصح كما سيأتي - .. فهما سواء. ٣١١٢ - قول "المنهاج" [ص ٣٣١]- والعبارة له - و"الحاوي" [ص ٤٠٥]: (فإن استويا .. أقرع) أي: وتشاحا، صرح به "التنبيه"، وهو واضح (٥). ٣١١٣ - قوله: (وإن ترك أحدهما حقه .. أقر في يد الآخر) (٦) محله: قبل القرعة، أما لو ترك حقه بعد خروج القرعة له .. لم يجز، كما قاله الرافعي والنووي، وأجرى الماوردي الخلاف فيه (٧). ٣١١٤ - قوله: (وإن أقاما بينتين متعارضتين .. سقطتا في أحد القولين) (٨) هو الأظهر، قال ابن يونس: فيُرجَع إلى القافة، ونسبه إلى السهو ابن عمه في "التنويه على النبيه"، ومقابله - وهو الاستعمال - يتعين معه القرعة، ولا يجيء الوقف؛ لأنه يضر الطفل، ولا القسمة؛ لعدم إمكانها. ٣١١٥ - قولهم - والعبارة لـ "المنهاج" -: (وإذا وجد بلديٌّ لقيطًا ببلدٍ .. فليس له نقله إلى باديةٍ) (٩) يستثنى: ما لو قربت البادية بحيث يسهل المراد منها على النص، وقول الجمهور بناء على أن المعنى في المنع خشونة عيش البادية. ٣١١٦ - قول "التنبيه" [ص ١٣٤]: (وإن كان ظاعنًا إلى بلد آخر .. ففيه وجهان) الأصح: أن له

стр. 1226

ذلك، وعليه مشى "المنهاج" و"الحاوي" (١)، ومحله: عند أمن الطريق وتواصل الأخبار، فإن كان مخوفًا أو انقطعت الأخبار بينهما .. لم يقر قطعًا، ولم يفرق الجمهور بين مسافة القصر ودونها، وقطع الماوردي فيما دونها بالجواز، وجعل الخلاف في مسافة القصر، وتبعه في "الكفاية". ٣١١٧ - قول "التنبيه" [ص ١٣٤]: (فيما إذا كان اللقيط في البادية وأخذه بدوي ينتقل من موضع إلى موضع .. فقد قيل: يقر، وقيل: لا يقر) الأصح: أنه يقر، وعليه مشى "المنهاج" (٢)، وهو ظاهر إطلاق "الحاوي" قوله [ص ٤٠٥]: (ومن كلٍّ إلى مثله). ٣١١٨ - قولهم: (ونفقته في ماله) (٣) زاد "المنهاج" [ص ٣٣١]: (العام؛ كوقف على اللقطاء، أو الخاص)، قال السبكي: ليس ريع الوقف على اللقطاء في الحقيقة ماله، بل مال الجهة العامة، وكذا قوله بعد: (فإن لم يعرف له مال) (٤) أي: لا عام ولا خاص، فيه تجوز، والمعنى: ما يستحق أن يصرف إليه منه وإن لم يكن ملكه، وزاد في "الروضة" وأصلها مع الوقف على اللقطاء: الوصية لهم (٥)، وزاد الغزالي: أو وُهِبَ لهم (٦)، قال الرافعي: الهبة لغير معين مما يستبعد، فيجوز تنزيله على ما في "الوسيط" من الوصية بالهبة له، ويجوز أن تنزل الجهة العامة منزلة المسجد حتى يجوز تمليكها بالهبة كالوقف، ويقبله القاضي. انتهى (٧). واختار السبكي هذا الثاني، وقال في "المهمات": الوقف لا يشترط فيه القبول إذا كان على الجهة، وقياس الهبة كذلك، وهل يتخير بين العام والخاص، أو يقدم الخاص فلا ينفق من العام إلا عند تعذره؟ قال في "التوشيح": لم أجد فيه نقلًا. قلت: مقتضى إطلاقهم التخيّر، والأفقه تقديم الخاص. ٣١١٩ - قول "التنبيه" [ص ١٣٣]: (فإن كان معه مال متصل به أو تحت رأسه .. فهو له) لو قال: (تحته) كما في "المنهاج" و"الحاوي" .. لكان أعم (٨)، ودخل في عبارتهم ما كان تحت فراشه، وهو الأصح، وعبارة "الروضة": وكذا المصبوبة تحته وتحت فراشه، وفي التي تحته

стр. 1227

وجه ضعيف (١)، ومقتضاه: القطع بأن الذي تحت فراشه له مع حكاية الخلاف فيما هو تحته بلا واسطة، وهذا فاسد، والصواب: عكسه، وبه صرح الماوردي (٢)، ويمكن رد عبارة الرافعي إليه. ٣١٢٠ - قول "المنهاج" [ص ٣٣٢]: (وإن وُجد في دار .. فهي له) أي: ليس فيها غيره، وكذا الخيمة، وفي البستان وجهان في "الحاوي" (٣)، وطردهما صاحب "المستظهري" في الضيعة (٤)، قال النووي: وهو بعيد، فينبغي القطع بالمنع (٥). قلت: وطردهما الماوردي أيضًا في الضيعة (٦). ٣١٢١ - قولهم: (وليس له مال مدفون تحته) (٧) يتناول ما لو كان معه أو في الدفين رقعة مكتوب فيها أنه له، وهو الموافق لكلام الأكثرين، وصحح الغزالي في هذه الصورة أنه له (٨)، قال الإمام: ليت شعري ما يقول لو دلت على دفين بعيد (٩)، قال النووي: مقتضاه: أن نجعله للقيط؛ فإن الاعتماد على الرقعة لا على كونه تحته (١٠). ٣١٢٢ - قول "التنبيه" [ص ١٣٣]: (وإن كان بقربه .. فقد قيل: هو له، وقيل: ليس له) الأصح: الثاني، وعليه مشى "المنهاج" و"الحاوي" (١١)، ومحل الخلاف: في موضع منقطع قليل المارة، فإن كثر طارقوه .. فهو لقطة، قاله الماوردي (١٢). ويقرب منه تقييد ابن يونس في "التنبيه" الخلاف بما إذا كان بقربه وحده؛ ليحترز به عما إذا كان هناك غيره، قال السبكي: لم يتعرضوا لضبط القرب، والمحال عليه فيه العرف، قال: وصورته في الدفين والأمتعة القريبة إذا لم نحكم له بالمكان؛ كصحراء وشارع ومسجد، فإن كان كدار ونحوها .. فإطلاقهم في (باب الركاز) يقتضي أنه له، وسبقه إلى هذا النووي في "نكته".

стр. 1228

٣١٢٣ - قولهم: (وإن لم يكن له مال .. وجبت نفقته في بيت المال) (١) أي: من سهم المصالح، وهو متناول لما إذا كان محكومًا بكفره؛ بأن وجد في بلد كفر ليس بها مسلم، وهو الأصح، وصحح جماعة منهم ابن الرفعة والسبكي مقابله، ولكن لا يُضَيَّع، بل يجمع الإمام أهل الذمة الذين وُجد فيهم ويُقَسِّط نفقته عليهم. ٣١٢٤ - قول "التنبيه" [ص ١٣٤]: (وإن لم يكن .. ففيه قولان، أحدهما: يستقرض له في ذمته، الثاني: يقسط على المسلمين من غير عوض) الأظهر: الأول، وعليه مشى "المنهاج" و"الحاوي" وعبر بقوله: (يستقرض من أغنياء البقعة عليه) (٢). ٣١٢٥ - قول "المنهاج" [ص ٣٣٢]: (ولا يُنفِقُ عليه منه إلا بإذن القاضي قطعًا) ليست دعوى القطع في "المحرر" (٣)، ولا في "الروضة" وأصلها، بل فيهما وجه حكاه ابن كج: أنه إن أنفق بغير إذنه .. لا يضمن (٤)، ومقتضاه: أن الإذن ليس شرطًا، ويوافقه أن في الرافعي في (الدعوى) عن الشيخ أبي محمد والقفال خلافًا في أن الملتقط يستقل بالإنفاق أو يرفع الأمر إلى القاضي (٥). ٣١٢٦ - قول "التنبيه" [ص ١٣٤]: (فإن أذن له الحاكم .. جاز، وقيل: فيه قولان، أصحهما: الجواز) هذه الثانية طريقة الأكثرين، لكن قال الرافعي: الأحسن: الأولى (٦). ٣١٢٧ - قوله فيما إذا لم يكن حاكم: (وإن أشهد .. ففيه قولان، وقيل: وجهان، أحدهما: يضمن، والثاني: لا يضمن) (٧) الأصح: أن الخلاف وجهان، وقد جزم به الرافعي والنووي (٨)، وأصحهما: عدم الضمان، وعليه مشى "الحاوي" (٩). فصلٌ [في الأمور التي يحكم فيها بإسلام الصبي] ٣١٢٨ - قول "المنهاج" [ص ٣٣٢]: (إذا وُجد لقيط بدار الإسلام وفيها أهل ذمة، أو بدارٍ فتحوها وأقروها بيد كفار صلحًا أو بَعْدَ ملكها بجزيةٍ وفيها مسلمٌ .. حُكم بإسلام اللقيط) فيه أمور:

стр. 1229

أحدها: أن قوله: (وفيها مسلم) يعود للصور الثلاثة، وإن كان قد يتبادر إلى الفهم عوده للأخيرتين فقط؛ لتقييده الأولى بقيد آخر، وهو أن يكون فيها أهل ذمة، لكن الأول ليس قيدًا كما سنذكره، وقد أفرد "التنبيه" الأولى، وقيدها بذلك، فقال [ص ١٣٣]: (وإن وجد في بلد المسلمين وفيه مسلمون)، لكن عبارته تفهم أنه لو لم يكن فيها إلا مسلم أو مسلمان .. لم يكن الحكم كذلك، وليس كذلك؛ فمسلم واحد كافٍ كما ذكره "المنهاج" (١). ثانيها: ظاهر عبارتهما: أنه لا فرق بين أن يكون المسلم ساكنا مستوطنًا، أو مقيمًا لم يرد الاستيطان، أو مجتازًا، وكذا عبر به "التنبيه" في المسلم الذي ببلاد الكفر (٢)، لكن اعتبر "المنهاج" في ذاك السكن، وجمع "الحاوي" بينهما، واعتبر فيهما السكن، فقال [ص ٤٠٦]: (واللقيط مسلمٌ إن وجد حيث سكن مسلم)، وهذا يتناول داري الإسلام والكفر. وقال شيخنا ابن النقيب: لعل "المنهاج" يكتفي بمجرد إقامة يسيرة تمنع من قصر الصلاة؛ فهي رتبة بين المجتاز والساكن المتوطن (٣). قلت: الظاهر: الاكتفاء في دار الإسلام بأن يكون فيها مسلم ولو مجتازًا؛ تغليبًا لحرمتها، وكذا عبر به فيها في "أصل الروضة" مع تعبيره في دار الكفر بالسكن (٤). ثالثها: قوله: (وفيها أهل ذمة) قد يفهم منه أنه قيد، وليس كذلك، بل المراد: ولو كان فيها أهل ذمة. رابعها: كلامه يفهم في الصورتين الأخيرتين - وهما ما فتحه المسلمون وأقروه بيد الكفار، إما قبل الملك أو بعده - أنهما ليستا دار إسلام؛ لذكرهما في مقابلة دار الإسلام، وليس كذلك، وعبر "التنبيه" عن الأولى ببلد المسلمين، وعن الأخيرتين ببلد فتحه المسلمون (٥)، وذلك يقتضي أنهما ليسا بلد المسلمين، وقد يقال: إنه لا يقتضي أنهما ليسا دار إسلام؛ فدار المسلمين أخص من دار الإسلام، ولا يلزم من نفي الأخص نفي الأعم، وقال السبكي: في إطلاق دار الإسلام على الضرب الثاني وهو: ما فتح صلحًا، وأقر أهله عليه انظر. خامسها: بقي من دار الإسلام قسم رابع، وهو: ما كان المسلمون يسكنونه فغلب عليه الكفار وانتزعوه منهم؛ كطرسوس وقرطبة ونحوهما، وقد ذكره "التنبيه" فقال [ص ١٣٣]: (أو في بلد

стр. 1230

كان لهم ثم أخذه الكفار) لكن شرطه: أن يكون فيه مسلم كما تقدم، وسكوت "التنبيه" عنه؛ لفهمه من طريق الأولى من ذكره في بلد المسلمين. وقال في "أصل الروضة" في تسمية الأصحاب هذه دار إسلام: قد يوجد في كلامهم ما يقتضي أن الاستيلاء القديم يكفي لاستمرار الحكم، ورأيت لبعض المتأخرين تنزيل ما ذكروه على ما إذا كانوا لا يمنعون المسلمين منها، فإن منعوهم .. فهي دار كفر (١). وقال السبكي: يصح أن يقال فيها: كانت دار إسلام، ثم صارت دار كفر صورة لا حكمًا. ٣١٢٩ - قول "التنبيه" [ص ١٣٤]: (وإن وُجد في بلد الكفار وفيه مسلمون .. فقد قيل: هو مسلم، وقيل: هو كافر) فيه أمور: أحدها: أن الأصح: أنه مسلم، وعليه مشى "المنهاج" و"الحاوي" (٢). ثانيها: أن وجود مسلم واحد كاف في ذلك، وقد عبر به "المنهاج" و"الحاوي" (٣). ثالثها: لا يكتفى بوجود مسلم فيه، بل العبرة بسكناه، كما عبر به "المنهاج" و"الحاوي" (٤)، وقد تقدم ذكره، وقد تناولت عبارتهم التاجر والأسير، وصرح "المنهاج" بذكرهما (٥)، ورتب الإمام الأسير على التاجر، وأولى بعدم الإسلام؛ لأنه مضبوط، وقال: يشبه أن الخلاف في قوم ينتشرون في البلد، أما من في المطامير .. فيتجه أنه لا أثر لهم، كما لا أثر للمجتازين (٦). ٣١٣٠ - قول "المنهاج" [ص ٣٣٢]: (فإذا كان أحد أبويه مسلمًا وقت العلوق .. فهو مسلم) ثم قال: (ولو علق بين كافرين ثم أسلم أحدهما .. حكم بإسلامه) أي: إذا كان ذلك قبل بلوغ الولد، ولا يختص ذلك بالأبوين؛ فإسلام أحد الأجداد أو الجدات ولو كان غير وارث؛ كأبي الأم كإسلام أحد الأبوين إن كان الأب معدومًا، فإن كان موجودًا .. فكذلك على الأصح عند الرافعي والنووي (٧)، ولذلك عبر "الحاوي" [ص ٤٠٦] بـ (أحد أصوله)، وصحح ابن الرفعة والسبكي مقابله، وفي "الكفاية" عن الماوردي في تبعيته للأجداد والجدات أوجه، ثالثها: إن كان الأب أو الأم موجودًا .. لم يتبع، وإلا .. تبع، ويرد على تعبير "المنهاج" بـ (الصبي) (٨)، و"الحاوي"
следующие страницы →