← Фикх шафии

Фикх шафии · id 127671

تحرير الفتاوي على التنبيه والمنهاج والحاوي

ابن العراقي

Полный текст (2 650 стр.). Показаны 2311–2350 · переход к 2316.

стр. 2311

قال شيخنا في " تصحيح المنهاج ": والأرجح: أنه يلغو، وإذا كان القاضي ألغا الشرط .. فإلغاء النهي أولى، قال: وتلخص من ذلك أن المعتمد في التولية بشرط أن يقضي بمذهب غيره: أن التقليد باطل، وأنه يلغو ما صدر من أمر ونهي مخالفين لعقيدة الحاكم. ٥٩٠٠ - قول " التنبيه " [ص ٢٥١]: (فإن تحاكم رجلان إلى رجل يصلح للقضاء، فحكماه في مال .. ففيه قولان، أحدهما: أنه لا يلزم ذلك الحكم إلا أن يتراضيا به بعد الحكم، والثاني: يلزم بنفس الحكم) الأظهر: الثاني كما في " المنهاج "، فقال [ص ٥٥٨]: (ولا يُشترط الرضا بعد الحكم في الأظهر) و" الحاوي " فقال [ص ٦٦٧]: (والحكم على [التراضي] (١) برضاه الأول)، وهل يستثنى من ذلك: ما إذا كان لا يحكم لكل منهما كالأبعاض؟ فيه وجهان حكاهما الرافعي عن السرخسي (٢)، وينبغي ترجيح المنع؛ لأنه لا يزيد على الحاكم بالولاية. واستثنى من ذلك شيخنا في " تصحيح المنهاج ": الوكيلين؛ فلا يكفي تحكيمهما، بل المعتبر تحكيم الموكلين، والوليين، فلا يكفي تحكيمهما إذا كان مذهب المحكم يضر بأحدهما، والمحجور عليه بالفلس، فلا يكفي رضاه إذا كان مذهب المحكم يضر بغرمائه، والمأذون له في التِّجارة وعامل القراض لا يكفي تحكيمهما، بل لا بد من رضا المالك، وإن كان هناك ديون .. فلا بد من رضا الغرماء، والمكاتب إذا كان مذهب المحكم يضر به .. لا بد من رضا السيد، والمحجور عليه بالسفه لا أثر لتحكيمه، قال: ولم أر من تعرض لذلك (٣). وفي كلام " التنبيه " و" المنهاج " أمور: أحدها: أنه خرج بقول " التنبيه " [ص ٢٥١]: (رجلان) " والمنهاج " [ص ٥٥٨]: (خصمان) التحكيم في التزويج فلا خصومة، وليس هناك إلا رجل واحد، وفي النص الذي حكاه يونس ابن عبد الأعلى ما يقتضي الاكتفاء بتحكيم المرأة من غير نظر إلى إدخال الزوج في التحكيم، قال شيخنا في " تصحيح المنهاج ": وكذا قال به جمع من الأصحاب، والأرجح: اعتبار إدخال الزوج في التحكيم؛ لأنه الذي يقبل، وهو ركن في النكاح، ولو كان الزوج سفيهًا .. فلابد من إذن وليه له في النكاح، والتحكيم من وليه، فإن صدر من السفيه بعد إذن الولي .. ففي الاكتفاء به تردد، والأرجح: المنع. ثانيها: مقتضى تعبيرهما برجل: أنهما لو حكما رجلين .. لم يجز، وليس كذلك، بل يجوز كما هو مجزوم به في تحكيم أهل القلعة.

стр. 2312

ثالثها: قال شيخنا في " تصحيح المنهاج ": محل الخلاف في غير النازلين من القلعة على حكم المحكم؛ فإنه إذا حكم بأمر .. لم يحتج بعد الحكم قطعًا، قال: ويستثنى منه أيضًا: اللعان، فإذا قلنا بدخول التحكيم فيه وهو الأظهر .. لم يشترط الرضا بعد صدور اللعان من الزوج قطعًا؛ لحصول الفرقة باللعان؛ ولهذا قال الماوردي: إذا قلنا: لابد من الرضا بعد الحكم .. لا يدخل التحكيم في اللعان. رابعها: قال شيخنا أيضًا: من العراقيين من يحكي هذا الخلاف قولين، ومنهم من يحكيه وجهين، ولم أجد للشافعي ما يقتضي إثبات القولين، وقال الماوردي: إنه نص عليهما في اختلاف العراقيين (١)، وليس كذلك؛ فالموجود في اختلاف العراقيين جواز هذا التحكيم وعدمه، لا اعتبار رضا جديد. ٥٩٠١ - قول " التنبيه " [ص ٢٥١]: (وإن رجع فيه أحدهما قبل أن يحكم .. فقد قيل: يجوز، وقيل: لا يجوز) الأصح: الأول، وعليه مشى " المنهاج " و" الحاوي " (٢). ٥٩٠٢ - قول " التنبيه " [ص ٢٥١]: (وإن تحاكما إليه في النكاح واللعان والقصاص وحد القذف .. فقد قيل: يجوز، وقيل: لا يجوز، وقيل: على القولين) الأصح: طريقة الخلاف، والأصح منه: الجواز في غير عقوبة لله تعالى من حد وتعزير، وعليه مشى " المنهاج " فقال [ص ٥٥٨]: (ولو حكم خصمان رجلًا في غير حد لله تعالى .. جاز مطلقًا) ثم قال: (وقيل: يختص بمال دون قصاص ونكاح ونحوهما)، والتقييد بغير حد الله تعالى ليس في " المحرر " (٣)، ولا بد منه، وكان ينبغي التعبير بالعقوبة كما عبرت به؛ ليتناول التعزير، ومسألة العقوبة واردة على إطلاق " الحاوي "، وطريقة القطع بالجواز غريبة ليست في الرافعي و" الروضة "، ونسبها في " الكفاية " عن حكاية ابن الصباغ وغيره عن الأكثرين، وأن النووي صححها، ولم يصحح إلا الجواز من حيث هو، وأما القطع به .. فلم يذكره، وظاهر كلامهم أن الخلاف جار في تعاطي ذلك وإثباته، وفرض ذلك في " الكفاية " في الإثبات، ثم قال: ولو كان الترافع في النكاح لأجل العقد .. فالأصح عند الروياني وغيره: الصحة مع القدرة على الحاكم، وصور الجيلي مسألة القصاص وحد القذف بما إذا طلب المستحق .. هل له إثباته بالبينة واستيفاؤه؟ والمصحح في " الروضة " وأصلها: أنه ليس للمحكم الحبس، بل غايته الإثبات والحكم (٤)، وعليه مشى " الحاوي " فقال [ص ٦٦٧]: (بلا حبس وعقوبة).

стр. 2313

قال شيخنا في " تصحيح المنهاج ": ومقتضاه: أنه ليس له أن يوكل بالمستحق عليه من يلازمه، وصرح في " النهاية " عن والده الشيخ أبي محمد بأنه ليس إليه استيفاء العقوبات، وإنما إليه إثباتها؛ فإن إقامتها استقلالٌ عظيم وخرمٌ لأبهة الولاية، وصحح ما قاله والده (١)، وتبعه عليه الغزالي (٢)، وحمل شيخنا في " تصحيح المنهاج " قوله: (في غير حد لله تعالى) على ما إذا كان مستقلًا، فإن كان في ضمن تحكيم في حق آدمي .. تناوله حكم المحكم، قال: وذلك في صورتين: أحدهما: إذا حكم الزوجان في اللعان، فلاعن الزوج بأمر المحكم .. توجب حد الزنا على الزوجة ضمنًا، ولها رفعه باللعان، قال: وإنما قلنا هذا؛ لأنهم وجهوا منع التحكيم في العقوبة المتمحضة لحق الله تعالى بأنه لا طالب لها متعين، فيتعذر التحكيم فيها، وفي هذه الصورة الزوج طالب لنفي حد القذف عنه، والزوجة طالبة لحد القذف، فإذا لاعن .. سقط عنه حد القذف ووجب حد الزنا عليها؛ لصحة التحكيم من الزوجين في اللعان المتضمن لإثبات حد الزنا، قال: ولم أر من تعرض لذلك، قال: ولو حكماه في أمر القذف، فأقام الزوج بنية بزناها .. سقط حد القذف عن الزوج، وفي وجوب حد الزنا عليها تردد؛ لتضمن اللعان إيجاب حد الزنا، وقد يسقط حد القذف ولا يجب حد الزنا. الثانية: حكم السارق والمالك في المال المسروق، فأنكر ونكل وحلف المالك، وقلنا: يثبت القطع باليمين المردودة عند الحاكم .. فكذلك المحكم، ولو أقام بينة .. ففي ثبوت القطع تردد. ٥٩٠٣ - قول " المنهاج " [ص ٥٥٨]: (وفي قول: لا يجوز) جرى على طريقة القولين، ولم يحك الرافعي غيرها، لكن طريقة العراقيين القطع في المال، وحكاها في " الكفاية " عن الجمهور، وعليها مشى " التنبيه "، فلم يحك خلافًا في التحكيم في المال، وإنما حكى الخلاف في أنه يلزم بنفس الحكم أم لا (٣). وقال شيخنا في " تصحيح المنهاج ": محل هذا القول فيما إذا لم يكن أحد المحكمين الإمام والآخر منازعه في الإمامة .. فيجوز هنا التحكيم قولًا واحدًا؛ لإجماع الصحابة في قضية على ومعاوية ﵃، وكذا لا خلاف في تحكيم الإمام وأهل قلعة من الكفار في نزولهم على حكم فلان، وكذا إذا خلا الزمان عن قيام الإمام بأحكام الإسلام فينفذ حكم المحكم قطعًا، ذكره الإمام في " الغياثي "، قال شيخنا: وينبغي هنا أن يستوفي العقوبات المتعلقة بالآدميين ويحبس في حقوقهم.

стр. 2314

٥٩٠٤ - قوله: (ولا ينفذ حكمه إلا على راض به) (١) و" الحاوي " [ص ٦٦٧]: (والحكم على الراضي) قال في " أصل الروضة ": قال السرخسي: وإنما يشترط رضا المتحاكمين إذا لم يكن أحدهما القاضي نفسه، فإن كان .. فهل يشترط رضا الآخر؛ فيه اختلاف نص، والمذهب: أنه لا يشترط، وليكن هذا مبنيًا على جواز الاستخلاف إن جاز؛ فالمرجوع إليه نائب القاضي (٢). وقال ابن الرفعة: لا يحسن هذا البناء؛ فإن ابن الصباغ وغيره قالوا: إن التحاكم إلى الشخص لا يكون تولية. وقال شيخنا في " تصحيح المنهاج " وقضية هذا البحث: أنا إن لم نجوز الاستخلاف .. اشترط الرضا من الجانبين، وهو ظاهر، قال: وقضية ذلك: أن يشترط الرضا من الجانبين في التنازع مع الإمام في مال إذا جعلناه محكمًا من متنازعين ولم يجعله نائب الإمام، وقال الشيخ أبو حامد في تحاكم عمر وأبَيّ إلى زيد بن ثابت ﵃: فدل على أن حكمه لازم إجماعًا منهم على ذلك، وقال في " الشامل ": لا يصير برضا الإمام بحكمه حاكمًا. ٥٩٠٥ - قول " التنبيه " [ص ٢٥١]: (ويجوز أن يكون في البلد قاضيان وأكثر، ينظر كل واحد منهم في موضع) كذا لو اختص أحدهما بزمن أو نوع، ذكره " المنهاج "، قال [ص ٥٥٨]: (وكذا إن لم يخص في الأصح، إلا أن يشرط اجتماعهما على الحكم) وفيه أمور: أحدها: أن عبارة " المنهاج " [ص ٥٥٨]: (ولو نصب قاضيين) فقد يفهم اختصاص ذلك باثنين، ورفع " التنبيه " هذا الإبهام بقوله: (وأكثر) ولكنه لم يذكر لذلك حدًا، وقد قال الماوردي: إن كثروا - يعني: والصورة إثبات الاستقلال لكل واحد - .. لم يصح جزمًا، ولم يحد الكثرة بشئ، وفي " المطلب " بعد حكايته لجواز أن يناط ذلك بقدر الحاجة .. وعندي أن يرجع في ذلك إلى العرف. ثانيها: قال شيخنا في " تصحيح المنهاج ": إن ظاهره التخصيص بمكان الحكم، وهذا لا يخلص في الجزم بالجواز؛ لأنه إذا خصص مكان الحكم، ولكن عمم مكان الطلب .. فلا يجزم فيه بالجواز؛ لأن المعنى المذكور في توجيه المنع من تنازع الخصمين في اختيارهما وفي إجابة داعيهما موجود هنا، قال: فالصواب أن يقال: وخصص كلًا منهما بمكان حكمًا وطلبًا. ثالثها: أن محل الخلاف: فيما إذا جعلهما أصلين، فإن جعل أحدهما .. أصلًا والآخر خليفة عنه .. جاز قطعًا؛ لأن المعنى المقتضي للمنع: تنازع الخصمين في اختيارهما وإجابة داعيهما، وهنا يجاب داعي الأصل كالإمام مع القاضي.

стр. 2315

رابعها: أن تعبيره بالأصح يقتضي أنه وجه، وقد نص عليه الشافعي كما حكاه في " البحر "، وقوة مقابله مع أنه ضعيف جدًا. خامسها: دخل في قوله: (وكذا إن لم يخص) (١) قسمان: أحدهما: أن ينص على التعميم، ويثبت لكل منهما الاستقلال، وفيه الوجهان، والآخر: أن يطلق، فلا يشرط اجتماعًا ولا استقلالًا؛ فقال صاحب " التقريب ": يحمل على إثبات الاستقلال تنزيلًا للمطلق على ما يجوز، وقال غيره: التولية باطلة، قال النووي: الأول أصح، وبه قطع في " المحرر " (٢). قال شيخنا ابن النقيب: وليس في " المحرر " إلا هذا الإطلاق الذي في " المنهاج "، فهو ظاهر في التعميم (٣). وقال في " المهمات ": ما ذكره من قطع " المحرر " غلط، بل حكى وجهين. قلت: لم يقل النووي أن " المحرر" قطع بالجواز، بل قال: إنه قطع بما قاله في " التقريب "، وهو إلحاق صورة الإطلاق بصورة إثبات الاستقلال، وتلك فيها وجهان؛ فهذه أيضًا كذلك، فلا إيراد عليه. قال في " المهمات ": ويحتاج إلى الفرق بين هذه المسألة وبين ما إذا قال الموصي: أوصي (٤) إلى من شئت أو إلى فلان، ولم يقل: عني ولا عنك .. فصحح البغوي: أنه يحمل على كونه عن الوصي حتى لا يصح، ولم ينزل المطلق على ما يجوز. قلت: ويمكن الفرق: بأن الأصل منع وصاية الوصي إلا إن صرح الموصي بأن يوصي عنه، بخلاف تولية القضاء؛ فإنه جائز، والظاهر من اللفظ إرادة الاستقلال. سادسها: ما ذكره من البطلان عند شرط اجتماعهما على الحكم قاله في " النهاية " (٥)، وقال شيخنا في " تصحيح المنهاج ": إنه ليس بمعتمد، والذي نقوله أحد وجهين إما صحة التولية وإلغاء الشرط [وهو الأرجح] (٦)، وإما صحة الشرط ولا يحكمان إلا بما يتفقان عليه، وهو الذي في زوائد العمراني عن القاضي أبي حامد، وقال: إنهما يجريان مجرى القاضي الواحد؛ ويؤيده صورة النزول من القلعة على حكم اثنين؛ فإنه جائز، ولا يحكمان إلا بما يتفقان عليه.

стр. 2316

فصلٌ [فيما يقتضي انعزال القاضي أو عزله وما يذكر معه] ٥٩٠٦ - قول " المنهاج " [ص ٥٥٨]: (جن قاضٍ، أو أغمي عليه، أو عَمِيَ، أو ذهبت أهلية اجتهاده وضبطه بغفلةٍ أو نسيان .. لم ينفذ حكمه) قد يُفْهِمُ بقاءه على ولايته وإن لم ينفذ حكمه؛ كمن هو في غير ولايته، وفائدته استمرار ثوابه، وليس كذلك، فلو قال: (انعزل) كما عبر به " الحاوي " (١) .. لكان أولى، وهذا هو مراده؛ لقوله بعده: (فإن زالت هذه الأحوال .. لم تعد ولايته في الأصح) (٢). ويستثنى من العمى: ما لو عمي بعد سماع البينة وتعديلها .. فالأصح: أنه ينفذ قضاؤه في تلك الواقعة إن لم يحتج إلى الإشارة، كما ذكره في " الروضة " في الشهادات (٣)، ولا يخفى أن تعبير " المنهاج " بذهاب أهلية اجتهاده ... إلى آخره، أعم من تعبير " الحاوي " عن ذلك بالنسيان. ٥٩٠٧ - قول " المنهاج " [ص ٥٥٨]: (وكذا لو فسق في الأصح) نازع شيخنا في " تصحيح المنهاج " في إثبات خلاف ذلك، وقال: لا يعرف في شيء من كتب الطريقين، وإنما حكى الإمام في " النهاية " عدم انعزاله عن بعض الأصوليين (٤)، قال: والصواب الذي يقتضيه كلام الشافعي ﵁ وأصحابه: القطع بالانعزال بالفسق المنافي لابتداء الولاية. ٥٩٠٨ - قوله: (فإن زالت هذه الأحوال لم تعد ولايته في الأصح) (٥) قال شيخنا في " تصحيح المنهاج ": محله في غير المريض الذي حصل له ما يمنعه من الاجتهاد من غير حصول إغماء؛ فإنه وإن لم ينفذ حكمه فيه .. لا ينعزل إذا كان مرجو الزوال، فإذا زال المانع .. فولايته مستمرة قطعًا، ذكره الماوردي (٦)، وهو الصواب، ولا توقف فيه. ٥٩٠٩ - قوله: (وللإمام عزل قاض ظهر منه خللٌ، أو لم يظهر وهناك أفضل منه أو مثله وفي عزله به مصلحة كتسكين فتنة، وإلا .. فلا) (٧) فيه أمور: أحدها: أن ذلك لا يختص بالإمام؛ فالقاضي مع نوابه كذلك؛ ولذلك لم يقيده " الحاوي "

стр. 2317

بالإمام (١)، وقال الماوردي: للقاضي عزل خليفته من غير موجب بناء على انعزاله بموته (٢)، وكذا قال السبكي في تصنيف له: له عزله لمصلحة وغيرها؛ لأنه يستعين به، ولو باشر الأحكام كلها بنفسه .. لجاز، فكيف يحجر عليه إذا استناب أن لا يعزل إلا لمصلحة، لكن الأولى أن لا يفعله إلا لمصلحة؛ لما فيه من كسر القلوب بغير فائدة، وقال شيخنا في " تصحيح المنهاج ": الأرجح عندنا: خلاف ما ذكر الماوردي. ثانيها: قد يفهم من قوله: (ظهر منه خلل) ثبوته، وليس كذلك؛ ففي " أصل الروضة " عن " الوسيط ": أنه يكفي فيه غلبة الظن (٣)، وجزم به في " الشرح الصغير "، وعبارة " الحاوي " [ص ٦٥٩]: (ويُعزل بخلل). ثالثها: محل جواز عزله بالخلل ما إذا كان غير متعين، فإن لم يصلح غيره .. لم يعزل بمجرد الخلل الذي لا يقتضي انعزاله، ذكره شيخنا في " تصحيح المنهاج "، وقال: وهذا لا توقف فيه وإن لم يصرحوا به، ولكنهم ذكروا ما يقتضيه. رابعها: قد يفهم أن قوله: (وفي عزله به مصلحة) أن يعود للصورتين قبله، وليس كذلك؛ فإنما يعود للثانية فقط، وهي ما إذا كان هناك مثله، وعبارة " الحاوي " صريحة في ذلك؛ لقوله [ص ٦٥٩]: (وأصلح، ومصلحة) فعطفها عليها يقتضي أنها غيرها. خامسها: أن عبارته تقتضي أنه لا يعزل بدونه إذا كان فيه مصلحة، وليس كذلك، بل المثل والدون في هذا سواء، وقد تناول الدون قول " الحاوي " [ص ٦٥٩]: (ومصلحة). سادسها: ذكر في " المحرر " في العزل بالمثل قيدًا آخر أسقطه " المنهاج "، وهو: أن لا يكون في عزله به فتنة (٤)، ولا يستغنى عنه بقوله: (وفي عزله به مصلحة) فقد يكون الشيء مصلحة من وجه ومفسدة من جهة أخرى. ٥٩١٠ - قول " المنهاج " [ص ٥٥٩]: (لكن ينفذ العزل في الأصح) و" الحاوي " [ص ٦٥٩]: (ودونه نفذ) لا يخفى أن محله في غير المتعين، ثم في " النهاية " عن الأصحاب: أنه إن عزله بمن هو دونه .. لم ينفذ على ظاهر المذهب، أو بمن هو مثله .. فعلى قولين، كذا رتبه القاضي، وقال الإمام: الوجه القطع بنفوذه في كل صورة (٥).

стр. 2318

قال شيخنا في " تصحيح المنهاج ": وظهر بذلك أن الذي ذكره في " المنهاج " مخالف للطريقين معًا. ٥٩١١ - قول " المنهاج " [ص ٥٥٩]: (والمذهب: أنه لا ينعزل قبل بلوغه خبر عزله) يفهم انعزاله ببلوغ خبره، وبه صرح " الحاوي " (١)، واستثنى منه شيخنا في " تصحيح المنهاج " ما إذا لم يبلغ نوابه خبر عزله .. فولايته مستمرة حكمًا، وإن كان لا ينفذ حكمه، ويستحق ما رتب له على الوظيفة لسدها بنائبه، قال: والقياس في عكسه: أن النائب لا ينعزل حتى يبلغ أصله خبر العزل، وينفذ حكمه كما ينفذ حكم أصله، قال: ولم أر من تعرض له. ٥٩١٢ - قول " المنهاج " [ص ٥٥٩]: (وإذا كتب الإمام إليه: " إذا قرأت كتابي .. فأنت معزول "، فقرأه .. انعزل) لا يتوقف ذلك على القراءة الحقيقية، فلو تأمله وعرف ما فيه .. انعزل، وفي " النهاية " في الطلاق: لم يختلف علماؤنا أنها إذا طالعته وفهمت ما فيه .. أنه يقع الطلاق وإن لم تتلفظ بشيء (٢). ٥٩١٣ - قوله: (وكذا إن قُرئ عليه في الأصح) (٣) مخالف لنظيره في الطلاق، قال في " المهمات ": والصواب التسوية بين البابين، وعدم الاكتفاء بها. وقال شيخنا في " تصحيح المنهاج ": العزل بذلك قاله الصيدلاني، وفرق بينه وبين الطلاق: بأن تفاصيل الصفات مرعية في تعليق الطلاق، وأمر العزل يُرعى فيه الإعلام، ولا يرد على دقائق الصفات، ولو راعى الإمام غير الإعلام .. لكان في مقام [العابث] (٤)، قال الإمام: وهو حسن، ولكن اتفق الأصحاب على التسوية بين هذا وبين الطلاق في الوفاق والخلاف (٥). ٥٩١٤ - قوله: (وينعزل بموت القاضي وانعزاله مَنْ أُذِنَ له في شغلٍ معينٍ كبيع مال [يتيم]) (٦) (٧)، قال شيخنا في " تصحيح المنهاج ": إن كان له يتيم .. فهذا قيم يتيم، وقيم اليتيم لا ينعزل بموت القاضي ولا بانعزاله كما سيأتي. قلت: قيم اليتيم متصرف في جميع أموره، وهذا مأذون له في قضية خاصة، وهي البيع، فلم يجعله القاضي قيمه، وإنما استعان به في أمر مخصوص، والله أعلم.

стр. 2319

٥٩١٥ - قول " المنهاج " [ص ٥٥٩]: (والأصح: انعزال نائبه المطلق إن لم يؤذن له في الاستخلاف، أو قيل له: " استخلف عن نفسك "، أو أطلق، فإن قيل له: " استخلف عني " .. فلا) و" الحاوي " [ص ٦٥٩]: (وبنعزل ونائبه، لا العام عن الإمام) ما ذكراه في حالة الإطلاق مخالف ما صححاه في نظيره من الوكالة من أنه يكون نائبًا عن الأول حتى لا ينعزل بعزل الثاني. قال في " المهمات ": ولعل العكس أقرب، لكن حكيا عن تصحيح البغوي فيما لو قال الموصي للوصي: أوص، وأطلق .. أنه كما لو قال: (عنك) حتى لا يصح، وصححا فيما لو قال: أعتق عبدك على ألف .. أنه كما لو قال: (عن نفسك). وذكر شيخنا في " تصحيح المنهاج ": أن التفصيل المذكور هنا لا يعرف في شيء من كتب المذهب، إلا في كلام البغوي والخوارزمي، قال: والأرجح عندنا: ما حكاه الشيخ أبو حامد عن عامة أصحابنا: بأنه لا ينعزل مطلقًا كالإمام إذا مات. وفي " أصل الروضة " عن السرخسي: أن الإمام لو نصب نائبًا عن القاضي .. لا ينعزل بموت القاضي وانعزاله؛ لأنه مأذون له من جهة الإمام، قال الرافعي: ويجوز أن يقال: إذا كان الإذن مقيدًا بالنيابة ولم يبق الأصل .. لم يبق النائب. انتهى (١). ويوافق هذا البحث حكاية الماوردي وجهين في أنه هل للقاضي عزل هذا الذي استنابه الإمام عن القاضي؟ فإنه متى كان له عزله .. انعزل بموته (٢). ٥٩١٦ - قول " المنهاج " [ص ٥٥٩]: (ولا ينعزل قاضٍ بموت الإمام) زاد " الحاوي " [ص ٦٥٩]: (وانعزاله) واستثنى منه شيخنا في " تصحيح المنهاج ": ما إذا أقامه قاضيًا ليحكم بين الإمام وبين خصمائه .. فإنه ينعزل بموت الإمام؛ لزوال المعنى المقتضي لذلك، قال: ولم أر من تعرض لذلك، وفقهه واضح. قلت: ليس هذا قاضيًا عامًا، وإنما هو مأذون له في شغل معين، فينعزل بموته، ولو لم يتعذر ذلك الشغل، فكيف وقد تعذر بموت أحد الخصمين، والله أعلم. ٥٩١٧ - قول " المنهاج " [ص ٥٥٩]: (ولا يقبل قوله بعد انعزاله: " حكمت بكذا ") فيه أمران: أحدهما: يستثنى منه: ما إذا انعزل بالعمى .. فتقدم إن له إنشاء الحكم إذا استوفى الشروط قبله، ولم يحتج لإشارة؛ فالإقرار به أولى، ذكره شيخنا في " تصحيح المنهاج "، وقال: لم من أر من تعرض له، وهو فقه دقيق.

стр. 2320

ثانيهما: في معنى قوله: (حكمت بكذا) ثبت عندي كذا، وعقدت نكاح فلانة على فلان، وبعت كذا على محجوري بالحكم، فلو قال: (صرفت مال الوقف لجهته العامة، أو في عمارته التي تقتضيها الحال) .. قبل قوله بلا يمين، ولو قال: المال الذي في يد هذا الأمين سلمته له زمن قضائي، وهو لزيد، وصدقه الأمين على أنه تسلمه منه، وادعى أنه لعمرو .. فالقول قول القاضي بلا يمين، وهل يغرم الأمين لعمرو؟ فيه وجهان، قال شيخنا في " تصحيح المنهاج ": والأرجح: أنه لا يغرم له شيئًا، ولو لم يصدقه الأمين في تسلمه منه فالقول قول الأمين. ٥٩١٨ - قوله: (فإن شهد مع آخر بحكم حاكم جائز الحكم .. قبلت في الأصح) (١) و" الحاوي " [ص ٦٦٠]: (ويشهد بشاهدٍ إن قضى به قاضٍ) محله: ما إذا لم يعلم القاضي أنه يعني نفسه؛ فإن للرافعي احتمالين في أن الخلاف فيما إذا لم يعلم القاضي أنه يعني نفسه، فإن علم .. فهو كما لو أضاف إلى نفسه، أو الخلاف فيما إذا علم، وإلا .. قبل قطعًا، وصحح النووي: الأول (٢). لكن قال شيخنا في " تصحيح المنهاج ": قد يظهر أن الثاني أرجح؛ لأن القاضي إذا علم .. جاز الوجهان في الرد وعدمه، فإذا لم يعلم .. فالقبول مقطوع به؛ إذ لا خلل في لفظ الشاهد ولا في علم القاضي. انتهى. وفي " المهمات ": أن الاحتمال الثاني لا يتصور هنا؛ لأنه علل المنع؛ فإنه قد يريد نفسه، ولو كان محلهما: ما إذا علم .. لم يصح هذا التعليل؛ لأنه تعليل لمحل النزاع، ثم قال: إن كلام الأصحاب يدل على الاحتمال الثاني؛ فإن الإمام علل وجه المنع بأن الظاهر أنه يعني نفسه (٣)، وعلله الماوردي بجواز أن يكون هو الحاكم به (٤)، وعلل البغوي القبول بأن الظاهر أنه يريد حكم غيره (٥)، ويوافقه قوله في " فتاويه " فيما لو باع دارًا، فغصبت من المشتري، فشهد له البائع بالملك .. يقبل، ولا يرد القاضي شهادته بعلمه أنه باعها كما لا ترد شهادة من علم أنه شهد بالملك بظاهر اليد، وإن كان لو صرح لم يقبل، فلو صرح الشاهد الآخر بأن المعزول حكم به .. قبل على الاحتمال الثاني؛ لأنا لا نعتني تفريعًا عليه إلا بتصحيح الصيغة، قاله الرافعي (٦). قال شيخنا في " تصحيح المنهاج ": وهو مردود؛ فإن الشهادة على حاكم واحد لم يتم النصاب

стр. 2321

فيها، ولو علم القاضي أن المعزول يريد نفسه .. فليس قاطعًا بذلك عند أداء الشهادة؛ لجواز أن يريد غيره، فلم تتفق الشاهادتان على حاكم واحد تعين في أداء شهادتهما وَحْدَتُه. ٥٩١٩ - قول " المنهاج " [ص ٥٥٩]: (ولو ادعى شخصٌ على معزولٍ أنه أخذ ماله برشوةٍ أو شهادة عبدين مثلًا .. احضر وفُصِلَتْ خصومتهما) و " التنبيه " [ص ٢٥٣، ٢٥٤]: (فإن ادعى عليه مالًا غصبه أو رشوة أخذها على حكم .. أحضره) فيه أمران: أحدهما: قد يفهم تعين إحضاره، وليس كذلك، فله إرسال وكيله، ذكره في " المطلب "، قال شيخنا في " تصحيح المنهاج ": وهو واضح؛ لأن في إحضاره من [الإهانة] (١) ما لا يستحقه بمجرد الدعوى. ثانيهما: قال شيخنا أيضًا: مقتضاه: أنه يحلفه هنا بلا خلاف، بخلاف الصورة التي ستأتي بعدها، وليس كذلك؛ فقد قال القاضي أبو الطيب: إن فيها الخلاف الآتي بعدها، وبه جزم ابن الصباغ، فقال: كان القول قول المعزول بلا يمين. ٥٩٢٠ - قول " التنبيه " [ص ٢٥٤]: (وإن قال: " حكم عليّ بشهادة فاسقين أو عبدين " .. فقد قيل: يحضره، وقيل: لا يحضره حتى يقيم المدعي بينة أنه حكم عليه) فيه أمور: أحدها: محل الخلاف: ما إذا لم يذكر مالًا، وقد قيده به " المنهاج " (٢)، فإن ادعى أنه أخذه منه بشهادتهما ودفعه إلى فلان .. أحضره قطعًا. ثانيها: الأصح في " المنهاج " و" التصحيح " الأول (٣)، وكذا صححه في " أصل الروضة " (٤)، مع أن الرافعي إنما نقل تصحيحه في " الشرح " عن الروياني وغيره، وتصحيح مقابله عن البغوي (٥)، وكلامه في " الشرح الصغير " يقتضي ترجيح الثاني؛ فإنه اقتصر على حكاية ترجيحه عن البغوي، ولم ينقل ترجيح الأول عن أحد، وكذا قال في " المحرر " عن الثاني: رجحه مرجحون (٦). قال في " الدقائق ": وليس ما في " المنهاج " مخالفًا لما في " المحرر " لأنه لا يمنع أن الأول رجحه آخرون أو الأ كثرون، قال: وقد صحح هو الأول في "الشرح " وصححه آخرون. انتهى (٧).

стр. 2322

وقد عرفت أنه لم يصححه في " الشرح "، وإنما حكى تصحيحه عن الروياني وغيره مع نقل تصحيح مقابله عن البغوي، وعادته في " المحرر " إذا اقتصر على حكاية ترجيح أحد الوجهين ولو مبهمًا بقوله: (رجح) .. اعتمد في " المنهاج " ترجيحه، فما باله خالف هنا عادته. وقال شيخنا الإسنوي في " التنقيح ": إن اقتضى ما في " المحرر " عكس ما صححه في " المنهاج " .. فالمخالفة واضحة، وإن لم يقتض تصحيحه من غير تنبيه عليه. وقال في " التوشيح ": هذا الثاني هو الذي ظهر من كلام الوالد رحمه الله تعالى ترجيحه، ذكره في كتاب التعريف. ثالثها: ليس المراد على الوجه الثاني: أن البينة تقام في غيبته ويحكم بها، بل المراد: أن لا يحضره إلا بعد التثبت؛ بأن يقيم بينة بعلم القاضي بها أن لدعواه حقيقة، فإذا حضر وادعى عليه .. شهدوا في وجهه. ٥٩٢١ - قول " التنبيه " [ص ٢٥٤]: (فإن حضر وقال: " حكمت عليه بشهادة حرين عدلين " .. فالقول قوله مع يمينه، وقيل: القول قوله من غير يمين، والأول أصح) كذا صححه في " المنهاج " من زيادته (١)، ولم يصرح في " الروضة " بتصحيح، وعبارته: صدق بيمينه على الأصح عند العراقيين والروياني كالمودع وسائر الأمناء، وقيل: يصدق بلا يمين، وبه قال ابن القاص والإصطخري وصاحب " التقريب " والماوردي، وصححه الشيخ أبو عاصم والبغوي (٢). وحكى النشائي في " نكته ": أن الرافعي قال: والأحسن ما صححه الشيخ أبو عاصم ... إلى آخره (٣)، وهو تحريف، وإنما قال: وهذا أحسن وأصح عند الشيخ أبي عاصم ... إلى آخر كلامه (٤)، فأسقط في " الروضة " لفظة (أحسن)، وفهم في " المهمات " أن قوله: إنه أحسن من عند الرافعي غير منقول عن أبي عاصم؛ ولذلك اقتصر عليه في " الشرح الصغير " و" المحرر " فقال: أحسنهما بلا يمين (٥)، ولم يذكر فيهما ترجيح غيره عن أحد، ويوافقه كلام " أصل الروضة " في الباب الثالث من الدعوى والبينات (٦)، وحكى في " التوشيح " عن والده: أنه صححه، وعليه مشى " الحاوي " فقال فيمن لا يحلف [ص ٦٨٧]: (والقاضي وإن عُزِلَ). وقال شيخنا في " تصحيح المنهاج ": إنه الأصح المعتمد؛ فإن منصب القضاء والشهادات شرع

стр. 2323

للمصلحة العامة، فلا يليق بمن يقوم به تحليفه فيما يتعلق به؛ لئلا يؤدي إلى الرغبة عنه؛ ولهذا لا يحلف المتولي كما سيأتي، ثم نازع شيخنا في نسبة تصحيح التحليف للعراقيين؛ بأن صاحب " الشامل " حكى الوجهين بلا ترجيح، وجزم فيما إذا قال المدعي: أخرج عقارًا أو عينًا من يدي دفعها لفلان بغير حق، فقال المعزول: فعلت هذا بحق من بينة أو إقرار .. أن القول قول المعزول بلا يمين. ٥٩٢٢ - قول " المنهاج " [ص ٥٥٩]: (ولو ادُّعِيَ على قاضٍ جورٌ في حكمٍ .. لم تسمع، وتشترط بينة) علله الرافعي وغيره: بأن هذا الباب لو فتح .. لاشتد الأمر، ورغب القضاة والشهود عن القضاء والشهادة (١). وعلله السبكي: بأن القاضي نائب الشرع، والدعوى على النائب كالدعوى على المستنيب، والدعوى على الشرع لا تسمع، فإن فرض قيام بينة عادلة .. فقد خرج عن نيابة الشرع، فتسمع إذ ذاك، قال: وهذه العلة ترد على الشيخ أبي حامد قوله: إن قياس المذهب: تحليف القاضي كسائر الأمناء، فيقال: الفرق بينه وبينهم أنه أمين الشرع، بخلافهم. وذكر شيخنا في " تصحيح المنهاج ": أن محل عدم إحضاره عند فقد البينة: إذا لم يكن المشكو إليه الإمام .. فللإمام إحضاره إن رأى ذلك؛ لأنه ليس نقصًا في حقه، قال: وكذا نائب الإمام العام، فأما قاض مثله .. فليس له ذلك، إلا إذا اشتهر جور ذلك القاضي .. فيستغنى بذلك عن البينة. ٥٩٢٣ - قوله: (وإن لم تتعلق بحكمه .. حَكَمَ بينهما خليفته أو غيره) (٢) قال السبكي: هذا إذا كانت الدعوى بما لا يقدح فيه، ولا يخل بمنصبه، ولا يوجب عزله، فإن كانت بقادح .. فالقطع بأنها لا تسمع، ولا يحلف، ولا طريق للمدعي حينئذ إلا البينة، قال: ولا يعارض قولهم بسماع الدعوى على المعزول بالغصب والإتلاف؛ لأمرين: أحدها: أن الإتلاف والغصب قد يكون بغير تعمد للباطل، فليس بقادح. والثاني: أنه بعد العزل، وكلامنا هنا في حال الولاية، فالمتولي نائب الشرع، والمعزول ليس نائب الشرع الآن، قال: وسواء كانت الدعوى تتعلق بالحكم أم خارجة عنه .. فإن يده يد الشرع، ثم قال: بل أقول: سواء أكان يقدح فيه أم لا يقدح .. ينبغي أن يصان منصبه عن الابتذال بالدعوى والتحليف ما لم يظهر للقاضي عنده صحة دعوى المدعي، ومتى لم يظهر .. يبنى الأمر على الظاهر، ومتى ثبت عنده من أمانته، قال: بل أقول: كل من ثبتت عدالته وادعي عليه بدعوى ..

стр. 2324

ينبغي للقاضي أن ينظر فيها، وفي إنكار ذلك العدل لها، فإن كان يمكن أن تكون عن سهو وغفلة أو اجتهاد وتأويل ونحوه بحيث لا يخل بعدالته .. فيسمعها ويفصلها بيمين أو ببينة كغيرها، إلا أن يظهر له من المدعي تعنت .. فيدفعه، وإن كان إنكاره لا يمكن أن يكون إلا قادحًا فيه .. فينبغي أن لا تسمع دعوى المدعي وطلبه تحليفه إلا أن يأتي ببينة، وذلك لأن ما يدعيه والحالة هذه مخالف لما ثبت من عدالته، وله طريق وهو البينة، ولم يقم لنا دليل من الشرع على أن كل دعوى مسموعة، بل على أن الناس لو أعطوا بدعواهم .. لادعى ناس دماء رجال وأموالهم، ولكن البينة على المدعي واليمين على المدعى عليه. ومعنى هذا: دفع أن يعطى الناس بدعواهم، وإنما يعطى المدعي حيث يعطى بالبينة أو بإقرار المدعى عليه، وإن لم يكن كذلك .. فلا يعطى ويحلف المدعى عليه حيث تسمع دعوى المدعي، وأما متى تسمع؛ فليس في اللفظ تعرض لبيان، وهو مفوض إلى رأي القاضي، فإن رآها محتملة .. سمعها، أو مستحيلة .. ردها، وقد تختلف حال احتمالها، وهو مفوض إلى اجتهاده، وقد يستوي الأمران عنده .. فيسمعها بشروطها على من يسوغ سماع الدعوى عليه، وعند قوة كذبه ينبغي ألا يسمعها؛ فليس في الشرع ما يوجب سماع كل دعوى، ألا ترى أن في القسامة لما قوي جانب المدعي في اللوث .. كانت اليمين في جانبه، وترجح على جانب المدعى عليه؛ فلذلك إذا قوي جانب المدعى عليه .. ينبغي أن تندفع عنه اليمين حتى تقوم بينة تكون الحجة فيها أقوى من ظاهر حاله؛ فباب القسامة فتح لنا اعتماد الظنون. انتهى. فصلٌ [في آداب القضاء وغيرها] ٥٩٢٤ - قول " التنبيه " [ص ٢٥١]: (وإذا ولى الإمام رجلًا .. كتب له العهد) و" المنهاج " [ص ٥٦٠]: (ليكتب الإمام لمن يوليه) قد يفهم وجوبه، وليس كذلك، بل هو استحباب صرح بذلك جمع من الأصحاب، ولا خلاف فيه، قاله شيخنا في " تصحيح المنهاج "؛ ولهذا لم يذكره " الحاوي "، ولا يختص ذلك بالإمام؛ فقاضي الإقليم إذا ولى نائبًا في عمل من إقليمه .. يستحب أن يكتب له تقليدًا بما فوضه إليه وبما يشترطه عليه. ٥٩٢٥ - قول " التنبيه " [ص ٢٥١]: (وأشهد على التولية شاهدين) أحسن من قول " المنهاج " [ص ٥٦٠]: (ويُشهد بالكتاب شاهدين) لأن الاعتماد على التولية دون الكتاب، قال الأصحاب: ليس هذا على قواعد الشهادات؛ إذ ليس هناك قاض يؤدي عنده الشهادة، قاله في " أصل الروضة " (١).

стр. 2325

وفي كلام الماوردي: أن الشاهدين يشهدان عند أهل البلد بالولاية، وأقام صاحب " المطلب " هذين الكلامين وجهين. قال شيخنا في " تصحيح المنهاج ": وعندي أنه إذا كان المدار على الإخبار، وأنه ليس على قواعد الشهادات .. فينبغي أن يكتفى بواحد؛ لأن هذا من باب الخبر، قال: ولم أر من تعرض لذلك. ٥٩٢٦ - قول " التنبيه " [ص ٢٥١]: (وقيل: إن كان البلد قريبًا بحيث يتصل به الخبر .. لم يلزمه الإشهاد) هو الأصح، وعليه مشى " المنهاج " فقال [ص ٥٦٠]: (وتكفي الاستفاضة في الأصح) وظاهره تبعًا " للمحرر " الاكتفاء بها ولو كان البلد بعيدًا (١)، لكن رجح في " الروضة " وأصلها: أن ذلك في البلد القريب، ثم قال: ومن الأصحاب من أطلقهما ولم يفرق بين القريب والبعيد، قال ويشبه أن لا يكون خلاف ويكون التعويل على الاستفاضة (٢). ومشى " الحاوي " على الإطلاق كما سنحكي عبارته، وظاهر قول " التنبيه " [ص ٢٥١]: الم يلزمه الإشهاد) لزوم الإشهاد في غير هذه الصورة، وليس كذلك، وإنما المراد توقف الثبوت على الإشهاد؛ ولذلك قال " الحاوي " [ص ٦٥٩]: (ويثبت بشاهدين أو شهرةٍ) وظاهره انحصار ثبوته في ذلك، وعليه يدل قول "المنهاج " [ص ٥٦٠]: (لا مجرد كتاب على المذهب) وأراد به: القطع بذلك؛ فإن عبارة "الروضة": هو المذهب والمفهوم من كلام الجمهور، وذكر الغزالي فيه وجهين (٣). وهذه الطريقة هي التي في " المحرر " فقال: (فيه وجهان)، أظهرهما: لا (٤). وقال شيخنا في " تصحيح المنهاج ": مقتضاه: أن الخلاف في مجرد الكتاب، وليس كذلك، بل الخلاف في الكتاب مع قول المتولي وظهور مخايل الصدق، وهو مقتضى نصوص الشافعي، بل نصه في " الرسالة " في تثبيت خبر الواحد يقتضي الاكتفاء بقول من تولى العمل إذا كان معروفًا بالصدق عند أهل عمله (٥). ٥٩٢٧ - قول " المنهاج " [ص ٥٦٠]: (ويبحث القاضي عن حال علماء البلد وعدوله) زاد " التنبيه " [ص ٢٥١]: (قبل دخوله) وفي " الروضة ": إذا أراد الخروج إلى بلد قضائه .. سأل، فإن لم يتيسر .. ففي الطريق، فإن لم يتيسر .. فحين يدخل (٦).

стр. 2326

٥٩٢٨ - قول " المنهاج " [ص ٥٦٠]: (ويدخل يوم الإثنين) عبارة " التنبيه " [ص ٢٥١]: (والمستحب أن يدخل صبيحة يوم الإثنين) فزاد دخوله صبيحته، قال: (وإن فاته .. دخل السبت أو الخميس) (١)، وعبارة " الروضة ": قال الأصحاب: فإن تعسر يوم الاثنين .. فالخميس، وإلا .. فالسبت (٢). فبيّن تقديم الخميس على السبت. ٥٩٢٩ - قولهم - والعبارة " للتنبيه " -: (وأول ما ينظر فيه أمر المحبسين) (٣) قال الإمام: إنه على وجه الوجوب (٤)، وفي الرافعي في أواخر الآداب: إنه سنة (٥)، ولو قال " التنبيه ": (المحبوسين) .. لكان أولى من المحبسين، وأفصح. قال شيخنا في " تصحيح المنهاج ": ومحله: ما إذا لم يكن هناك أمر أهم منه؛ كالنظر في المحاجير الجائعين الذين تحت نظره، وما أشرف على الهلاك من الحيوانات في التركات وغيرها، وما أشرف من الأوقاف وأملاك محاجيره على السقوط بحيث يتعين الفور في تداركه ونحو ذلك (٦)، وذكر الماوردي: أنه قبل النظر في المحبسين يتسلم المحاضر والسجلات من القاضي المنصرف، وأموال الأيتام والضوال والوقوف، والذي ذكرناه أهم وأولى. انتهى (٧). ٥٩٣٠ - قول " التنبيه " [ص ٢٥٣]: (فمن حبس بحق .. رده إلى الحبس) و" المنهاج " [ص ٥٦٠]: (فمن قال: " حبست بحق " .. أدامه) ليس على إطلاقه، بل إن كان حدًا .. أقامه، وأطلقه، وإن كان مالًا .. أمر بأدائه، فإن ادعى الإعسار .. فعلى ما سبق في التفليس، فإن لم يؤد ولم يثبت إعساره .. رد إلى الحبس، وإن أدى أو ثبت إعساره ... نؤدي عليه؛ لاحتمال خصم آخر، فإن لم يحضر أحد .. أطلق. ولا إيراد على " المحرر " لأنه عبر بقوله: (أمضي الحكم عليه) (٨)، وهو صادق بما فصلناه. ويستثنى من ذلك: ما إذا حبس تعزيرًا ورأى القاضي إطلاقه، وقد صرح به " الحاوي " فقال [ص ٦٦٠]: (وللتعزير إن رأى) وفيه تقييد لإطلاق الغزالي إطلاقه؛ فإن الرافعي قال بعد نقله عنه:

стр. 2327

وأن معظم الكتب ساكتة عنه، ولو بانت [خيانته] (١) عند الثاني ورأى إدامة حبسه .. فالقياس: الجواز (٢). وفي " الكفاية " عن " الحاوي " و" البحر ": لو قال: حبسني تعزيرًا للرد كان مني .. فقد استوفى حبس التعزير بعزل الأول، وإن لم يستكمل مدة حبسه مع بقاء نظر الأول؛ لأن الثاني لا يعزر لذنب كان مع غيره (٣)، وحكاه في " المهمات " عن " المحيط " لمحمد بن يحيى. ٥٩٣١ - قول " المنهاج " [ص ٥٦٠]: (أو ظلمًا .. فعلى خصمه حجة) أورد عليه: أنها عبارة غير مستقيمة، ولا مطابقة " للمحرر " فإن الذي فيه إنما هو فيما إذا قال: حبست ظلمًا (٤)، وكذا قال في " الحاوي " [ص ٦٦٠]: (وعلى خصم زاعم الظلم الحجة) ولما عبر " التنبيه " [ص ٢٥٣] بقوله: (ومن حبس بغير حق) .. قال: (خلاه)، وكيف يستقيم مع الجزم بأنه محبوس ظلمًا أن يقول لخصمه: أقم حجة بما عرفنا أنه ظلم والقاضي لا يقضي بخلاف علمه؟ وإنما يستقيم هذا الحكم - وهو إلزام خصمه الحجة - إذا كان هو القائل: حبس ظلمًا، وخصمه ينازعه. كذا أورد. والحق أنه لا يرد؛ لأن قول " المنهاج ": (ظلمًا) هو معمول قول المحبوس: (حبست) فهو في ذلك " كالمحرر " و" الحاوي ". ونازع شيخنا في " تصحيح المنهاج " في هذا الحكم، وقال: إنه ممنوع؛ فإن الظاهر: أن حبس الحاكم بحق، فالمحبوس حينئذ هو المدعي وخصمه هو المدعى عليه؛ فالقول قول خصمه بيمينه، ولا يكلف حجة؛ لأن معه حجة سابقة، وقد اعترف المحبوس بها، وهي أن الحاكم حبسه، وقد جزم الفوراني بأنه لا يقبل قوله، وقال الماوردي فيما إذا ادعى أن الحاكم حبسه بغير حق لغير خصم: إن شهدت بينة بأنه حبس بحق .. عزر في جرحه لحابسه، أو ظلمًا .. نادى ثلاثًا في حضور خصم إن كان له، وأطلق بعد الثلاث إن لم يحضر، وإن لم تقم بينةٌ بأحدهما .. أعاده إلى الحبس حتى ييأس بعد الكشف من ظهور حق عليه، وطالبه بكفيل بنفسه ثم أطلقه، ثم قال: فإن قيل: فالكفالة في النفس لا تصح إلا فيمن ثبت عليه حق قبل الحبس من جملة الحقوق، فإن عدم كفيلًا .. استظهر في بقاء حبسه على طلب كفيل، ثم أطلقه عند إعوازه، وهو غاية ما يقدر عليه القاضي من استظهاره (٥)، قال شيخنا: والذي أوقع الرافعي في جزمه بهذا الحكم المخالف

стр. 2328

للقواعد والشواهد كلام الغزالي تبعًا لإمامه، قال: والذي عندنا في ذلك أنه إن قال: حبست لغير خصم، فحضر رجل وقال: أنا خصمه، فأنكره .. اتجه أن القول قول المحبوس بيمينه، وعلى خصمه الحجة، وبهذا صوره ابن الصباغ وطائفة، وإن قال: حبست لفلان بغير حق .. فلا سبيل هنا إلى تصديق المحبوس بيمينه، وتكليف خصمه الحجة. انتهى. وقال الرافعي في قول " الوجيز ": (فيطلق كل من حبس بظلم) فإن المراد منه: إذا اعترف الخصم بأنه ظلمه، أو كان القاضي عالمًا وقلنا: يقضي بعلمه، فأما إذا قال المحبوس: أنا مظلوم .. فهو مذكور من بعد (١). قال في " المهمات ": وتخريجه الإطلاق من الحبس عند علم القاضي بالظلم على القضاء بالعلم باطل؛ فإنه ذكر بعد هذا أن القاضي لا يقضي بخلاف علمه بالإجماع، فلو رده إلى الحبس حتى يؤدي الحق المدعى به .. لكان قاضيًا بخلاف ما يعلمه. ٥٩٣٢ - قول " المنهاج " [ص ٥٦٠]- والعبارة له - و" الحاوي " [ص ٦٦٠]: (فإن كان غائبًا .. كتب إليه ليحضر) قال شيخنا في " تصحيح المنهاج ": أطلق إحضار هذا الغائب ولو بمسافة القصر فما فوقها بقضية لم يتوجه عليه فيها طلب وتعطل عليه أحواله وينفق فيها أمواله، وقد اعترف المحبوس أن القاضي حبسه للمذكور وإجابته إلى إحضاره من العجائب أن يصير المطلوب المحبوس طالبًا لمن له الحق عليه بمقتضى الظاهر من حبس القاضي المنصرف، وليس في الشريعة ما يشهد لهذا. قلت: ليس المراد إلزامه بالحضور، بل إعلامه بذلك؛ ليلحن بحجته في إدامة حبس المحبوس إن كانت له بذلك حجة. وعبارة " أصل الروضة ": وإن ذكر خصمًا غائبًا .. فقد قيل: يطلق قطعًا، والأصح: أنه على وجهين، فإن قلنا: لا يطلق .. حبس، أو يؤخذ منه كفيل ويكتب إلى خصمه في الحضور، وإن لم يفعل .. أطلق حينئذ. انتهى (٢). وليس فيه تصريح بترجيح، لكن في بعض النسخ: على الوجهين؛ أي: فيما إذا كان خصمه ظاهرًا، ومقتضاه: تصحيح أنه لا يطلق كالحاضر، وعبارة الرافعي: فإن قلنا: يطلق .. فيحبس، أو يؤخذ منه كفيل، فذكر الكفيل تفريعًا على الإطلاق، ولم يخير بينه وبين الحبس تفريعًا على عدمه (٣)، فعبارة " الروضة " في ذلك غير مطابقة له.

стр. 2329

٥٩٣٣ - قول " الحاوي " [ص ٦٦٠]: (ونودي إن زعم الجهل، فإن لم يحضر .. أطلق) أي: بعد تحليفه على ما ادعاه؛ ولذلك قال " التنبيه " [ص ٢٥٣]: (ومن ادعى أنه حبس بغير خصم .. نادى عليه ثم يحلفه ويخليه) وظاهر كلامهما الاكتفاء بالنداء ساعة، وفي " تعليق القاضي الحسين ": نادى عليه ساعة أو ساعتين، وفي " الكفاية " عن " البحر ": ثلاثة أيام (١)، وكذا في " الحاوي " للماوردي (٢)، ولم يتعرض الرافعي لقدر مدة النداء. قال في " الوسيط " تبعًا للإمام: وفي مدة النداء لا يحبس ولا يخلى بالكلية، بل يرتقب (٣). ٥٩٣٤ - قول " المنهاج " [ص ٥٦٠]: (فمن ادعى وصاية .. سأل عنها وعن حاله وتصرفه، فمن وجده فاسقًا .. أخذ منه المال) يفهم أنه لا يأخذ منه إذا شك في عدالته، وهو أحد وجهين حكاهما في " الروضة " وأصلها بلا ترجيح (٤). وقال في " التوشيح ": الأرجح في النظر، وهو ما كتب لشاهده من صنيع الشيخ الإمام الانتزاع. وقال شيخنا في " تصحيح المنهاج ": والأرجح عندنا: أنه ينتزعه منه، قال: ومحل [الوجهين] (٥) ما إذا لم تثبت عدالته عند الأول، فإن ثبتت وأطلق تصرفه .. لم يكن للمتولي التعرض إليه مع الشك جزمًا، بخلاف ما إذا عدل الشاهد ثم شهد في واقعة أخرى بحيث طال الزمان .. فرجح في " الروضة " وأصلها: الاحتياج إلى الاستزكاء؛ لأن طول الزمان يغير الأحوال (٦)، والفرق: أن الوصاية قضية واحدة، وقد ثبت الحال فيها، فلا يتكرر، ولو كلفنا الوصي ذلك ... لأضررنا المحجور عليه باشتغال الوصي عنه بإثبات عدالته، ولا كذلك الشاهد (٧)، قال: وبذلك صرح ابن الصباغ، وإن أوهم تعبير " الروضة " وأصلها خلافه. ٥٩٣٥ - قوله: (أو ضعيفًا .. عضده بمعين) (٨) كذا لو كان المال كثيرًا لا يمكن الواحد حفظه والتصرف فيه، وهو راجع إلى الضعف؛ فقد يكون سببه عجز الإنسان في نفسه، وقد يكون سببه كثرة المال.

стр. 2330

٥٩٣٦ - قوله: (ويتخذ مزكيًا) (١) لو قال: (مزكيين) كما في " الحاوي " (٢) .. لكان أولى؛ فإنه لا يكتفى بواحد إلا إن نصب حاكمًا في الجرح والتعديل، وعبارة " التنبيه " [ص ٢٥٢]: (ويتخذ قومًا من أصحاب المسائل ... إلى أخر كلامه)، وعبارة " الروضة ": ينبغي أن يكون للقاضي مزكون وأصحاب مسائل، فالمزكون المرجوع إليهم ليبينوا حال الشهود، وأصحاب المسائل هم الذين يبعثهم إلى المزكين ليبحثوا ويسألوا، وربما فسر أصحاب المسائل في لفظ الشافعي بالمزكين (٣). ٥٩٣٧ - قول " المنهاج " [ص ٥٦٠] و" الحاوي " [ص ٦٦٠]: (وكاتبًا) قيده " التنبيه " بالاحتياج لذلك (٤)، ومحل استحبابه: إذا لم يطلب الكاتب أجرة أو كان رزقه من بيت المال، فإن طلبها ولا رزق له عليه .. لا يعين كاتبًا. ٥٩٣٨ - قول " التنبيه " [ص ٢٥٢]: (استحب أن يكون مسلمًا، عاقلًا، عدلًا، فقيهًا) الإسلام والعدالة شرطان، وقد صرح به " المنهاج " فقال [ص ٥٦٠]: (ويشترط كونه مسلمًا، عدلًا) و" الحاوي " فقال [ص ٦٦٠]: (مسلمًا عدلًا شرطًا) مع أن ذكر العدالة يغني عن الإسلام؛ فلا عدالة مع الكفر. وقولهم: (إن الكافر قد يكون عدلًا في دينه) تجوّز، وعلامة المجاز فيه لزوم التقييد، والمراد بالعقل: وفوره، لا مطلقه، كما صرح به " المنهاج ". ويشترط أيضًا كونه عارفًا بكتابة محاضر وسجلات، ذكره " المنهاج " (٥)، وقال شيخنا في " تصحيح المنهاج ": إنه مخالف لظاهر النص، ولكلام جمع من الأصحاب، وللمعنى؛ فإنه يكتب ما يمليه القاضي، فلا يشترط فيه ذلك؛ لإمكان أن يكون بإملاء الحاكم أو غيره أو نقل من نسخه، والقاضي لا بد له من الإطلاع عليه. انتهى. ولذلك لم يذكره " الحاوي " أيضًا، وحمل عليه البارزي قوله: فقيهًا، ففسره بمعرفة ما يكتب، ولا يطابق مع ذلك كلام الرافعي؛ لأن ذلك شرط عنده، وإنما ذكره " الحاوي " في المستحبات، وقال بعضهم: إن اشتراط ذلك مأخوذ من تسميته كاتبًا، وفيه نظر، واشترط الماوردي والروياني الحرية، وقد يفهم ذلك من اشتراط العدالة (٦)، ويوافقه قول الشافعي رضي الله

стр. 2331

عنه في " الأم ": (ولا ينبغي للقاضي أن يتخذ كاتبًا لأمور الناس حتى يَجْمَعَ أن يكون عدلًا جائز الشهادة) ثم قال: (فإن كتب له عنده في حاجة نفسه وضيعته دون أمر المسلمين .. فلا بأس) (١). قال شيخنا في " تصحيح المنهاج " بعد حكاية ذلك. ولكن المعنى القوي يقتضي جواز اتخاذ العبد كاتبًا إذا كان مسلما عدلًا؛ لأنه لا يؤدي شهادة، فاعتبار الحرية فيه بعيد. قلت: المعتاد في المسجل على القاضي أن يشهد عليه بما تضمنه الإسجال؛ ليؤدي ذلك عند قاض آخر إذا احتاج إليه، فمن هنا اعتبرت الحرية؛ لأن شهادة العبد غير مقبولة، والله أعلم. ٥٩٣٩ - قول " الحاوي " [ص ٦٦١]: (ومترجمين) أحسن من قول " المنهاج " [ص ٥٦٠]: (ومترجمًا) مع أنه صرح بعده بأن شرطه: العدد، وظاهر كلامهما اعتبار كونهما رجلين وإن كان الحق مما يثبت برجل وامرأتين، لكن في " أصل الروضة " عن الأصحاب: الاكتفاء برجل وامرأتين فيما يثبت برجل وامرأتين، قال: وانفرد الإمام باشتراط رجلين، واختاره البغوي لنفسه (٢). وقال شيخنا في " تصحيح المنهاج ": لم ينفرد الإمام بذلك، بل هو منصوص " مختصر المزني "، وقال به الأصحاب فيما إذا كانت الترجمة من جانب المدعي أو المدعى عليه بالإنكار أو بالإقرار في غير المال وحقه تفريعًا على اعتبار التعدد، فإن كانت من جانب المدعى عليه بالإقرار بالمال أو بحقه، ولا يختلف المذهب في أنه يكفي في ذلك رجل وامرأتان. انتهى. وقال شيخنا ابن النقيب: كذا أطلقوه، ولم يظهر لي اتخاذه على أي لغة؛ فإن اللغات لا تكاد تنحصر، ويبعد أن يحيط الشخص بجميعها، ويبعد أن يقال: يتخذ من كل لغة اثنين؛ فإن ذلك كثير مشق. فالأقرب أن يتخذ من اللغات التي يغلب وجودها في عمله، وفيه عسر أيضًا، والله أعلم (٣). ٥٩٤٠ - قول " التنبيه " [ص ٢٥٧]: (ولا يقبل فيه إلا قول من تقبل شهادته) يستثنى منه: الأعمى؛ فإنه يقبل في الترجمة على الأصح، مع أنه لا تقبل شهادته، وقد ذكره " المنهاج " (٤). ومحله: فيما إذا كان أهل المجلس سكوتًا، فإن تكلم بعضهم .. لم تقبل شهادته بالترجمة قطعًا إذا احتمل الالتباس بذلك، ذكره في " المطلب "، والمراد: إذا تكلم غير المترجم عنه بتلك اللغة التي تكلم بها المترجم عنه، والله أعلم. ٥٩٤١ - قول " التنبيه " [ص ٢٥٧]: (فإن كان الدعوى في زنا .. ففيه قولان، أحدهما: يقبل في

стр. 2332

الترجمة اثنان، والثاني: لا يقبل إلا أربعة) الأول هو الأصح. ٥٩٤٢ - قول " المنهاج " [ص ٥٦٠]: (واشتراط عدد في إسماع قاض به صمم) لا يخفى أنه مع ذلك يسمع رفع الصوت، وإلا .. استحالت المسألة، ولم تصح ولايته. ٥٩٤٣ - قول " التنبيه " [ص ٢٤٩]: (ولا يتخذ حاجبًا ولا بوابًا) يستثنى: وقت الخلوة، قال الإمام: فلو جلس للقضاء وهناك زحمة؛ فإن رأى المصلحة في اتخاذه .. اتخذه، أو في الترك .. فلا (١)، وعبارة " الحاوي " [ص ٦٦٢]: (وكره نصب بواب وحاجب إن جلس له ولا زحمة). ٥٩٤٤ - قول " التنبيه " [ص ٢٥٢]: (ويأمره أن لا يقدم أخيرًا على أول) لا يمنع التسوية بينهما، فلو قال كمختصره " النبيه ": (ولا يقدم خصمًا إلا بسبق) .. لكان أولى؛ لأن تقديم السابق واجب. ٥٩٤٥ - قول " المنهاج " [ص ٥٦٠]: (ويتخذ درة للتأديب) قد يفهم أنه لا يؤدب بالسياط، وهو ما في " أصل الروضة " عن " تتمة التتمة " في مشى الأدب بين يدي القاضي؛ وعلله بأن الضرب بالسياط من شأن الحدود، لكن رده الرافعي بقول الشافعي في تأديب شاهد الزور: لا يبلغ أربعين سوطًا (٢)، وقال الماوردي: لا يجوز للزوج أن يعزر زوجته بالسياط؛ معللًا بمثل ذلك. قال في " التوشيح ": وقد يقال: يعزر بالسياط في الكبيرة التي لا حد فيها بخلاف الصغيرة، ولكن ليس ذلك بشيء، والحق الذي لا مرية فيه أن للقاضي أن يؤدب بالسوط وغيره، وما عدا ذلك غلط فاحش، نبهت عليه؛ لئلا يغتر به، أو محمول على صغائر المعاصي، ثم هو مع ذلك ضعيف. ٥٩٤٦ - قوله: (ويستحب أن يكون مجلسه فسيحًا، لا مسجدًا) (٣) أي: يستحب أن لا يكون مسجدًا، والمراد: اتخاذه لذلك كما صرح به في " المحرر " و" الروضة " وأصلها (٤)، ولذلك قال في " التنبيه " [ص ٢٥٣]: (ولا يجلس للقضاء في المسجد، فإن اتفق جلوسه فيه وحضره الخصمان .. لم يكره أن يحكم بينهما) وهذا يدل على كراهة اتخاذه مجلسًا للحكم، وبه صرح " الحاوي " فقال [ص ٦٦٢]: (وكره المسجد لا لمتفرقةٍ) أي: قضايا متفرقة اتفق حضورها وقت حضوره المسجد، وفي تأدية هذا اللفظ لهذا الغرض نظر. ٥٩٤٧ - قول " التنبيه " [ص ٢٥٢]: (ولا يقضي وهو غضبان) و" المنهاج " [ص ٥٦٠]: (ويكره

стр. 2333

أن يقضي في حال غضب) وهو داخل في قول " الحاوي " [ص ٦٦٢]: (وكره الحكم بما يدهش عن الفكر) استثنى منه صورتان: إحداهما: أن يكون الغضب لله تعالى كما حكاه الرافعي عن الإمام والبغوي وغيرهما، ثم قال: وظاهر كلام آخرين أنه لا فرق (١). وقال شيخنا في " تصحيح المنهاج ": والمعتمد الاستثناء، والفرق أن الغضب لله تعالى يؤمن معه التعدي، بخلاف الغضب لحظ النفس؛ فإنه لا يؤمن معه مجاوزة الحد. قال في " المطلب ": ولو فرق بين أن يكون ما حكم به في هذه الأحوال لا مجال للاجتهاد فيه، فلا يكره؛ لأن المحذور مأمون فيه، أو الاجتهاد فيه مجال، فيكره .. لم يبعد. ثانيهما: إذا كان الغضب يخرجه عن طريق الاستقامة .. فإنه يحرم عليه القضاء في هذه الحالة، وفي نص " الأم " ما يشهد له (٢)، ذكره شيخنا في " تصحيح المنهاج ". ٥٩٤٨ - قول " المنهاج " [ص ٥٦٠]: (وكل حال يسيء خُلُقُهُ) كذا في بعض النسخ، وفي نسخة المصنف: (يسوء خلقه) أي: فيها، وهذا لا يتناول عروض النوم، ولا كونه حاقنًا أو حاقبًا؛ لأن ذلك لا يسيء الخلق، فلو عبر " كالحاوي " بقوله [ص ٦٦٢]: (والحكم بما يدهش عن الفكر) .. لكان أحسن، وعبارة " التنبيه " [ص ٢٥٢، ٢٥٣]: (ولا يقضي وهو غضبان، ولا جائع، ولا عطشان، ولا مهموم، ولا فرحان، ولا يقضي والنعاس يغلبه، ولا يحكم والمرض يقلقله، ولا وهو حاقن أو حاقب، ولا في حر مزعج ولا برد مؤلم، فإن حكم في هذه الأحوال .. نفذ حكمه). ٥٩٤٩ - قول " المنهاج " [ص ٥٦٠]- والعبارة له - و" الحاوي " [ص ٦٦١]: (ويندب أن يشاور الفقهاء) محله عند اختلاف وجوه النظر وتعارض الأدلة، فأما الحكم المعلوم بنص أو إجماع أو قياس جلي .. فلا؛ ولهذا قال " التنبيه " [ص ٢٥٣]: (فإن اتفق أمر مشكل .. شاورهم فيه). ٥٩٥٠ - قول " الحاوي " [ص ٦٦١]: (وخرج إن اجتمع الفقهاء) تبع فيه " الوجيز " (٣)، قال الرافعي: وهو كالصريح في أنه يحضرهم قبل خروجه، وهذا وإن لم يتعرض له المعظم .. فيجوز أن يُوَجَّه بأنهم بانتظاره أولى كما في الصلاة (٤). ٥٩٥١ - قول " المنهاج " [ص ٥٦٠]: (وألا يشتري ويبيع بنفسه، ولا يكون له وكيل معروف)

стр. 2334

أي: يندب ذلك، وكذا في " المحرر " (١)، لكن في " الحاوي ": (وكره أن يعامل بنفسه ووكيل يعرف) والكراهة هي التي في " الروضة " و" الشرحين "، ولا يختص ذلك بالبيع والشراء، بل الإجارة وسائر المعاملات كذلك، بل نص في " الأم " على أنه لا ينظر في نفقة عياله، ولا أمر ضيعته، بل يكله إلى غيره؛ ليتفرغ قلبه (٢). وقال شيخنا في " تصحيح المنهاج ": محله فيما إذا احتمل وجود محاباة، فلو تحقق عدم المحاباة .. لم يكن مخالفًا للندب؛ لكي لا يتعاطاه في مجلس الحكم. ٥٩٥٢ - قولهما - والعبارة " للمنهاج " -: (فإن أهدى إليه من له خصومة .. حرم قبولها) (٣) لا يفهم منه أنه لا يملكها، وقد صرح به " الحاوي " فقال [ص ٦٦٢]: (ولا يملك) قال البندنيجي: وكذا لو أحس أنها لحكومة، ووقع في " الروضة ": أن محل تحريم هدية ذي الخصومة ما إذا كان في محل ولايته، قال: وهديته في غير محل ولايته كهدية من عادته أن يهدي له قبل الولاية .. فلا يحرم قبولها على الصحيح (٤). وهذا غلط بلا شك، وليس مقصودًا، وإنما حصل الخلاف فيه من شيء سقط عليه من كلام الرافعي، وهذا التفصيل بين العادة وغيرها إنما هو في غير صاحب الخصومة. ٥٩٥٣ - قول " التنبيه " [ص ٢٥٢]: (ولا يقبل هدية ممن لم يكن له عادة بالهدية له قبل الولاية) هو مفهوم من قول " الحاوي " [ص ٦٦٢]: (عُهِدَ منه) وهو حرام كما صرح به " المنهاج " (٥)، ثم لا يخفى أن محل التحريم: ما إذا كان المهدي في عمله سواء كان من أهله أم لا، فلو أرسل بها إليه في عمله من ليس من أهل عمله، ولم يدخل معها ولا حكومة له .. ففي جواز قبولها وجهان في " الكفاية " عن الماوردي. ٥٩٥٤ - قول " التنبيه " [ص ٢٥٢]- والعبارة له - و" الحاوي " [ص ٦٦٢]: (فإن لم يكن له خصومة - أي: من له عادة - .. جاز أن يقبل) قيده في " المنهاج " بقوله [ص ٥٦٠]: (بقدر العادة)، وهو من زيادته على " المحرر " بلا تمييز، ومقتضاه: اختصاص التحريم فيما إذا زاد بالقدر الزائد، لكن قول " أصل الروضة ": (فإن زاد المهدي على قدر المعهود .. صارت هديته كهدية من لم يعهد منه الهدية) (٦) يقتضي تحريم الكل.

стр. 2335

وقال في " المهمات ": القياس تخصيص ذلك بما زاد ويخرج الباقي على تفريق الصفقة، وحينئذ .. فتصير الهدية مشتركة على الصحيح، فإن زاد في المعنى؛ كإهداء الحرير بعد أن كان يهدي الكتان .. فهل يبطل في الجميع أم يصح فيها بقدر قيمة العادة؛ فيه نظر، والاْوجه: الأول. انتهى. وقال شيخنا في " تصحيح المنهاج ": المعتمد اختصاص التحريم بالزيادة إن تميزت، وإلا .. حرم الكل. وقال شيخنا ابن النقيب: لو قال " المنهاج ": (كالعادة) .. لكان أشمل ليعم القدر والصفة (١). ٥٩٥٥ - قول " التنبيه " [ص ٢٥٢]: (والأفضل أن لا يفعل) ينافي قول " المنهاج " في هذه الحالة [ص] ٥٦٠: (والأولى أن يثيب عليها) فإنه جعل الأولوية في الإثابة لا في عدم القبول، وجمع " الحاوي " بين الأمرين فقال [ص ٦٦٢]: (ندب أن لا يأخذ أو يثيب) فدل على حصول الاستحباب بأحد الأمرين، والله أعلم. تنبيهات: أحدها: قال في " التوشيح ": ما ينعم به الملوك على القضاة من الخلع وغيرها لا يظهر أن حكمه حكم الهدية، بل إنه حلال؛ لأنه لا يفعل لاستمالة قلب القاضي في محاكمة، لكن بشرطين: أحدهما: أن يجد القاضي من نفسه أن حاله لم يتغير في التصميم على الحق، وأنه قبل الهدية وبعدها سواء. الثاني: أن تجري عادة ذلك الملك الفعل هذا مع من هو في منصب هذا القاضي سواء تقدم له فعله مع هذا القاضي أم لا؛ لأنه إنما يهدي لصاحب المنصب من حيث هو، وخصوص هذا القاضي عنده غير معتبر. الثاني: قال السبكي في " الحلبيات ": يجوز للقاضي قبول الصدقة ممن لم يكن له عادة (٢)، وقال في " تفسيره ": إن لم يكن المتصدق عارفًا بأنه القاضي ولا القاضي عارفًا بعينه .. فلا شك في الجواز، وإلا .. فيحتمل أن يكون كالهدية، ويحتمل الفرق بأن المتصدق إنما يبتغي ثواب الآخرة. قال في " التوشيح ": وهذا التفصيل حق. قلت: وينبغي أن يجوز له أخذ الزكاة قطعًا. الثالث: تردد السبكي في " تفسيره " فيما لو شرط واقف تدريس مدرسة للقاضي، وكان

стр. 2336

للتدريس معلومٌ (١)، فقال: يحتمل بطلان الشرط، ويحتمل أن يقال: إن طلب القاضي التدريس من غير معلوم .. أجيب إليه، ويصح الشرط، ويحتمل أن يجاب ويأخذ المعلوم؛ لأنه ليس معينًا، قال: وهذا في حياة الواقف، أما بعد موته، أو إذا كان من غير أهل ولايته .. فلا يتخيل فيه منع، قال: وإن وقف عليه واحد من أهل ولايته وشرطنا القبول في الوقف .. فهو كالهدية، وإلا .. فينبغي الحكم بالصحة كما لو كان عليه دين فأبرأه منه، قال: فإنه يبعد أن يقال: لا يصح، قال: بل يصح، وعلى القاضي الاجتهاد في عدم الميل. قلت: ولو وفَّى عنه دينه بغير إذنه .. ينبغي أن يجوز قطعًا؛ فإن كان بإذنه بشرط عدم الرجوع .. لم يجز قطعًا، قلته بحثًا. ٥٩٥٦ - قول " التنبيه " [ص ٢٥٢]: (ولا يحكم لنفسه) و" الحاوي " [ص ٦٦٧]: (وقضى حيث شهد) لا يفهم منه أنه لو حكم .. لم ينفذ، وقد صرح بذلك " المنهاج " فقال [ص ٥٦١]: " ولا ينفذ حكمه لنفسه " واستثنى منه شيخنا في " تصحيح المنهاج " صورًا يتضمن حكمه فيها الحكم لنفسه، وهو نافذ: الأولى: أنه يحكم لمحجوره بالحكم، وإن تضمن استيلاءه على المال المحكوم به، وتصرفه فيه، وفي معناه: حكمه على من في جهته مال لوقف هو تحت نظره بطريق الحكم. الثانية: أنه يحكم لمحجوره بالوصية على الأصح في " أصل الروضة "، لكن رجح ابن الرفعة في " المطلب " وشيخنا في " تصحيح المنهاج " مقابله، وفرق في " المطلب " بين هذه والتي قبلها: بأن ولاية القاضي الذي ليس بوصي تنقطع عن المال الذي حكم فيه بانقطاع ولاية القضاء، ولا كذلك الوصي إذا تولى القضاء؛ فإن ما حكم فيه لليتيم الذي هو تحت وصيته تبقى ولايته عليه بعد العزل؛ فقويت التهمة في حقه، وضعفت في حق غيره. وفرق شيخنا في " تصحيح المنهاج " بينهما بأن الحاكم في الصورة الأولى لو شهد بالمال للمحجور عليه قبل ولايته .. لقبلنا شهادته، بخلاف الوصي يشهد قبل الولاية بالمال لمن هو موصى عليه؛ فإنه لا تقبل شهادته، وفي معنى هذه الصورة: حكمه على من في جهته مال لوقف هو تحت نظره بطريق خاص غير الحكم. الثالثة: الأوقاف التي شرط فيها النظر للحاكم أو صادفها النظر له بطريق العموم لانقراض ناظرها الخاص له الحكم بصحتها وموجبها، وإن تضمن الحكم لنفسه في الاستيلاء والتصرف. الرابعة: للإمام الحكم بانتقال ملك إلى بيت المال، وإن كان فيه استيلاؤه عليه بجهة الإمامة،

стр. 2337

وللقاضي الحكم به أيضًا، وإن كان يصرف إليه في جامكيته ونحوها، وهو قريب مما إذا شهد على شخص لا وارث له سوى بيت المال بما يقتضي قتله .. فهل يجوز أن يصرف له شيء من ماله؛ صحح النووي: المنع، وقال شيخنا في " تصحيح المنهاج ": ليس الأمر كما قال، وينبغي أن يعد حكمه فيما هو ناظر فيه بخصوص أو عموم صورتين مستقلتين، فتكون الصور ستة، وكذا ذكرها شيخنا في " تصحيح المنهاج ". واعلم: أن كلامهم يفهم نفوذ حكمه على نفسه، وقد قال الماوردي: إنه مقبول، وحكى وجهين في أنه إقرار أو حكم يظهر أثرهما فيما لو حكم على نفسه بشفعة، الجواز؛ فإنه يلزم على الحكم دون الإقرار، وقال شيخنا في " تصحيح المنهاج ": المعتمد أنه لا ينفذ حكمه على نفسه؛ لئلا يؤدي إلى اتحاد الحاكم والمحكوم عليه؛ ولأن الحاكم يستوفي من المحكوم عليه، والإنسان لا يستوفي من نفسه لغيره. ٥٩٥٧ - قولهم - والعبارة " للمنهاج " -: (ورقيقه) (١) استثنى منه شيخنا في " تصحيح المنهاج " صورًا: الأولى: حكمه لرقيقه بجناية عليه قبل رقه؛ بأن يجني ملتزم على ذمي ثم ينقض المجني عليه العهد، ويلتحق بدار الحرب، فيسترق، ذكره شيخنا في " تصحيح المنهاج "، وقال: لم أر من تعرض لذلك، قال: ويوقف المال إلى عتقه، فإن مات رقيقًا .. فالأظهر: كونه فيئًا. الثانية: العبد الموصى بإعتاقه الخارج عن الثلث، إذا قلنا: إن كسبه له دون الوارث، وكان الوارث حاكمًا .. فله الحكم له بطريقه. الثالثة: العبد المنذور إعتاقه. الرابعة: العبد الموصى بمنفعته للذي ورثه الحكم له بكسبه. الخامسة: إذا كان عبد الحاكم وكيلًا في دعوى، فطلب الحكم عند توجهه .. حكم له مالكه؛ لأن الحكم إنما هو للموكل، والأرجح: أنه يحكم بتسليم المال له أيضًا؛ لأن يده نائبة عن يد الموكل، فليست كيد المالك. ٥٩٥٨ - قول " المنهاج " [ص ٥٦١]: (وشريكه في المشترك) يستثنى منه: ما إذا حكم له بشاهد ويمين الشريك .. فإنه يجوز؛ لأن المنصوص أنه لا يشاركه في هذه الصورة، ذكره شيخنا في " تصحيح المنهاج "، وقال: لم أر من تعرض له. ٥٩٥٩ - قوله: (وكذا أصله وفرعه على الصحيح) (٢) يقتضي أن الخلاف وجهان، وكذا في

стр. 2338

" المحرر " و" الشرح " (١)، ثم قال في " الشرح ": إن صاحب " التلخيص " عبر عن الخلاف بقولين مخرجين (٢)، وليس في كلام " التلخيص " أنهما مخرجان، والمنع قد نص عليه في " المختصر " (٣)، ومحل الخلاف في القضاء بغير العلم، ولا ينفذ بالعلم قطعًا كما في " أصل الروضة " (٤). قال شيخنا في " تصحيح المنهاج ": وإنما أوقع الرافعي في ذلك كلام الإمام، ولكن الإمام إنما منع حيث منعت شهادته لهم (٥)، وشهادته لهم ليست ممنوعة قطعًا، بل فيها القولان: الجديد، والقديم، وهنا أمران: أحدهما: يستثنى من الحكم لأصله أو فرعه: ما إذا كان وكيلًا عن غيره كما سبق، فيما إذا كان عبد الحاكم وكيلًا. ثانيهما: مقتضاه: امتناع الحكم فقط دون الدعوى والبينة، وكذا قال القاضي حسين في " تعليقه ": إن ظاهر ما ذكره في " المختصر " أنه تسمع منه الدعوى والبينة، ولا يقضي له؛ لأنه قال: يرد حكمه (٦)، فخص الحكم بالرد، فدل على أن ما عداه غير مردود، وحكى مع ذلك احتمالًا للقفال بالمنع، وحكى في " النهاية " في ذلك وجهين، وقال: الوجه عندنا: أنه لا ينفذ تعديله البينة، وكذلك إذا كان هو الناقل .. فلا مساغ له، ولينقل الشهادة شاهدان عن الشاهدين الأصليين (٧). ٥٩٦٠ - قوله: (ويحكم لهؤلاء) (٨) أعم من قول " المحرر ": (له ولأبعاضه) (٩). ٥٩٦١ - قوله: (أو قاض آخر) (١٠) أعم من قول " المحرر " و" الروضة " وأصلها: (أو قاضي بلدة أخرى) (١١) لشموله ما لو كان معه في بلدة قاض آخر مستقل. ٥٩٦٢ - قوله: (وإذا أقر المدعى عليه أو نكل، فحلف المدعي وسأل القاضي أن يشهد على

стр. 2339

إقراره عنده أو يمينه أو الحكم بما ثبت والإشهاد به .. لزمه) (١) هو أنص على الوجوب من قول " المحرر ": (أجابه إليه) (٢) وقد يتوهم من عبارتهما: أنه لو أقام المدعي بينة بما ادعاه وسأله الإشهاد به .. لم يلزمه، والأصح: اللزوم. قال شيخنا في " تصحيح المنهاج ": وعندي أن محل الخلاف فيما إذا لم يطلب منه الحكم بذلك، فإن طلب منه .. لزمه قطعًا؛ لأن فيه زيادة تعلق بها حقه ليست في مجرد قيام البينة، قال: وأما إذا علم القاضي أن الحق على المدعي به، وطلب المدعي منه الحكم على المدعى عليه حيث يجوز القضاء بالعلم، أو طلب منه الإشهاد منه على حكمه .. فإنه يلزمه ذلك، ولا يجيء فيه خلاف البينة؛ لانتفاء المعنى الذي علل به الوجه المرجوح. انتهى. وقد يفهم كلامهما أنه ليس للمدعى عليه طلب الإشهاد بما جرى، ومحله: فيما إذا لم يكن له فيه مصلحة، فإن كان له فيه مصلحة؛ كخشية تحليف المدعي إياه .. لزم الإشهاد بذلك إذا طلبه؛ لئلا يطالبه بالحلف مرة أخرى. ٥٩٦٣ - قول " التنبيه " [ص ٢٥٧]: (وإذا ثبت عند الحاكم حق، فسأل صاحب الحق أن يكتب له محضرًا بما جرى .. كتبه، ووقع فيه، ودفعه إليه) ثم قال: (فإن أراد أن يسجل له .. كتب له سجلًا، وحكى فيه المحضر، وأشهد على نفسه بالإنفاذ، وسلمه إليه) لم يبين هل ذلك على طريق الوجوب، أو الاستحباب؛ وفي " المنهاج " [ص ٥٦١]: (استحب إجابته، وقيل: يجب)، ومحل الخلاف: إذا كان له من بيت المال قرطاس، أو جاءَهُ به الطالب، وإلا .. لم يجب جزمًا. قال شيخنا في " تصحيح المنهاج ": فإن تبرع متبرع بالقرطاس .. جاء وجه الإيجاب. ٥٩٦٤ - قولا التنبيه " [ص ٢٥٤]: (وإن كان يسوغ فيه الاجتهاد ووافق رأيه .. لم ينقضه، وإن خالفه .. ففيه قولان، أحدهما: ينقضه، والثاني: لا ينقضه) الأظهر: الثاني، وعليه مشى " المنهاج " فأطلق أنه لا ينقض ما خالف قياسًا خفيًا (٣)، و" الحاوي " فقيد النقض بمخالفة القياس بالجلي (٤)، وذكر بعضهم: أن الأول لا يعرف في كلام غير " التنبيه ". وأورد شيخنا في " تصحيح المنهاج " على قول " المنهاج " [ص ٥٦١]: (وإذا حكم باجتهاد ثم بان خلاف نص الكتاب أو السنة أو الإجماع أو قياس جلي .. نقضه هو وغيره، لا خفي) أمورًا: أحدها: أن قوله: (باجتهاد) يرد عليه: ما لو حكم بنص ثم بان أنه منسوخ، أو بعموم نص ثم بان خروج تلك الصورة بدليل مخصص .. فإنه ينقض أيضًا.

стр. 2340

ثانيها: أنه يخرج بنص الكتاب أو السنة دلالة العموم؛ فإنها ليست نصًا عند الشافعية مع أنه ينقض أيضًا. ثالثها: أن تعبيره يقتضي توقف الحال على نقضه، وليس كذلك، بل الحكم المذكور وقع في نفسه غير معتبر؛ فهو منقوض من غير احتياج إلى نقض، وقول الشافعي وأصحابه في ذلك نقضه محمول على إرادة أظهر نقضه، لا أنه ينعقد حتى ينقضه القاضي. رابعها: أن قوله: (نقضه هو وغيره) يقتضي التسوية بينهما، وليس كذلك، بل يفترقان في أنه لا يتتبع قضاء غيره، وإنما ينقضه إذا رفع إليه، وله تتبع قضاء نفسه لينقضه، كذا في " أصل الروضة " (١). ويرد على قول " التنبيه " [ص ٢٥٧]: (وإن حكم الحاكم فوجد النص أو الإجماع أو القياس الجلي بخلافه .. نقض حكمه) الإيرادان المتوسطان دون الأول والأخير، ولا يرد على قول " الحاوي " [ص ٦٦٢]: (ونقض الخطأ قطعًا وظنًا بخبر واحد وقياس جلي) سوى الثالث. ثم ظاهر كلامهم نقضه من غير ترافع إليه، وهو كذلك في حقوق الله تعالى، أما حقوق الآدميين .. فالذي في " أصل الروضة " عن ابن سريج: أنه لا يلزم القاضي تعريف الخصمين صورة الحال ليترافعا إليه إن علما أنه بان له الخطأ، بل إن ترافعا إليه .. نقض، وعن سائر أصحابنا: أنه يلزمه وإن علما (٢)، ومقتضى ذلك: أنه لا ينقضه إلا بعد الترافع، لكن في " الوسيط ": أنه ينقضه وإن لم يرفع إليه (٣)، وذكر الماوردي وغيره نحوه. قال في " المهمات ": والذي ذكروه أوجه مما توهمه عبارة الرافعي، وتأويلها به متعين. وقال شيخنا في " تصحيح المنهاج ": يلزمه المبادرة إلى التفريق بين الزوجين، ولا يأتي هنا خلاف ابن سريج؛ للاحتياط في الإبضاع (٤). ٥٩٦٥ - قوله: (كنفي خيار المجلس، والعرايا، وذكاة الجنين، والقصاص بالمثقل) (٥) تبع في نقض الحكم بذلك الإمام والغزالي (٦)، فإن الرافعي حكاه عنهما في الصورتين الأوليين والرابعة، ثم قال: وبمثله أجاب محققون في الحكم بصحة النكاح بلا ولي، فذكر تمام عشر نظائر، ثم قال: ومن الأصحاب من منع النقض وقال: هي مسائل اجتهادية، والأدلة فيها

стр. 2341

متقاربة، قال الروياني: وهو الصحيح، وكذا ذكره ابن كج في الحكم ببطلان خيار المجلس (١)، واقتصر في " الروضة " على ذكر تصحيح الروياني في جميع الصور (٢)، فاقتضى كلامه موافقته، ويوافقه تصحيح الرافعي في النكاح عدم النقض في النكاح بلا ولي. ٥٩٦٦ - قول " التنبيه " [ص ٢٥٣]: (وإن كان القاضي قبله لا يصلح للقضاء .. نقض أحكامه كلها أصاب فيها أو أخطأ)، قال شيخنا في " تصحيح المنهاج ": محله ما إذا لم يكن هناك تولية من ذي شوكة بحيث ينفذ الحكم بالجهل، فإن كان .. لم ينقض ما أصاب فيه. ٥٩٦٧ - قول " المنهاج " [ص ٥٦١]- والعبارة له - و" الحاوي " [ص ٦٦٧]: (والقضاء ينفذ ظاهرًا لا باطنًا) محل الجزم به ما ليس بإنشاء؛ بل هو تنفيذ لما قامت به الحجة؛ مثل إن حكم بشهادة زور سواء كان مالًا أو نكاحًا أو غيرهما، أما الإنشاء؛ كفسخ النكاح بالعيب وتسليط الشفيع - ووهم في " الروضة " وأصلها في تمثيله بتفريق المتلاعنين (٣)؛ لأنه حاصل بلعان الزوج من غير تفريق القاضي - فإن ترتبت على أصل كاذب؛ كشهادة زور .. فكالأول، أو صادق؛ فإن لم يكن في محل اختلاف المجتهدين .. نفذ باطنًا أيضًا، وهذه قد لا ترد على إطلاقهما؛ لأنه ليس للقضية باطن، بخلاف ظاهرها عند أحد؛ لعدم الاختلاف فيه كما تقرر، وإن كان مختلفًا فيه .. نفذ ظاهرًا، وفي الباطن أوجه: صحح جماعة منهم البغوي وأبو عاصم: النفوذ مطلقًا، وذهب الأستاذ أبو إسحاق والغزالي إلى المنع؛ وهو مقتضى إطلاق " المنهاج " و" الحاوي "، والثالث: إن اعتقده الخصم أيضًا .. نفذ باطنًا، وإلا .. فلا. وفي " المهمات ": إن الصحيح الأول؛ فقد حكاه الرافعي في كتاب الدعاوى في الكلام على اليمين عن ميل الأكثرين، وفي دعوى الدم عن ميل كلام الأئمة، قال في " المهمات ": وإطلاقهم يقتضي أنه لا فرق في النفوذ باطنا بين ما ينقض وما لا ينقض، وفيه نظر، لكنه مستقيم؛ فإنه لا منافاة. ٥٩٦٨ - قول " المنهاج " [ص ٥٦١]: (ولا يقضي بخلاف علمه بالإجماع) فيه أمور: أحدها: عبارة " المحرر " و" الروضة " و" الشرحين ": (بلا خلاف) (٤)، ولا يصح؛ فلنا وجه: أنه يقضي بالبينة إذا شهدت بما يعلم خلافه، حكاه الماوردي والروياني والشاشي وابن يونس وابن الرفعة (٥)، وقال في " التوشيح ": كنت أسمع الوالد ﵀ يتوقف في إثبات هذا الخلاف.

стр. 2342

ثانيها: قد يفهم أنه يقضي في هذه الصورة بعلمه، وليس كذلك كما صرح به الشاشي في " الحلية "، قال في " المهمات ": وفي كلام الرافعي إشارة إليه؛ فإنه أطلق منعه عن القضاء (١)، وكأن معناه: قوة التهمة. قلت: وكذا أطلق في " المحرر " منع القضاء (٢)، ففات " المنهاج " منه هذه الإشارة، وصرح به أيضًا الماوردي، لكن قال شيخنا في " تصحيح المنهاج ": إن الماوردي إنما بناه على منع القضاء بالعلم، وإن الشاشي أخذه منه (٣)، ووهم في إطلاقه المنع من غير تفريعه على ذلك القول. وقال في " التوشيح ": قد يتوقف في منع قضائه بعلمه هنا؛ فإنه إذا تحقق كذبهم في المشهود به .. كان أولى بدفع قولهم من تحقق جرحهم، ولو تحقق جرحهم .. لرد شهادتهم وكان فيه الحكم بعلمه المعارض لشهادتهم فليحكم هنا بطريق أولى. ثالثها: قال في " المهمات ": في هذا التعبير تجوز، فإن من يقضي بشهادة شاهدين لا يعلم كذبهما ولا صدقهما قاض بخلاف علمه مع أن قضاءه نافذ بالاتفاق؛ فالصواب: بما يعلم خلافه، وبه عبر الماوردي وغيره (٤). قال شيخنا في " تصحيح المنهاج ": وهذا الاعتراض غير صحيح؛ لأن الذي يقضي به القاضي هو الذي شهد به الشاهدان لا صدقهما، فلم يقض حينئذ على خلاف علمه ولا بما يعلم خلافه؛ فالعبارتان مستويتان على ما قررناه. رابعها: قال شيخنا في " تصحيح المنهاج ": إن أراد العلم القطعي الذي لا يحتمل النقيض .. لم يطابق تمثيل " المحرر " له بما إذا علم أن المدعي أبرأه مما يدعيه، أو أن مدعي النكاح طلق ثلاثًا (٥)، وإن أراد الظن .. فقد قامت عنده البينة بخلاف ظنه؛ فإذا قلنا: يقضي بعلمه .. فقد تعارض عنده ظنان؛ فكان ينبغي أن يخرج على الأقوال في تعارض البينتين، ولم نر من قال به، وإن قلنا: لا يقضي بعلمه .. فينبغي أن يقضي بما قامت به البينة؛ لأنه لم يعارضه ما يقضي به، وسيأتي من نقل الماوردي ما يشهد له. قلت: قد يريد العلم القطعي، ومثالا " المحرر " لا ينافيان ذلك، وقد يريد الظن، ولا تعارض؛ لأن علمه بالإبراء مثلًا ناقل، فلو قامت به بينة .. لكانت مقدمة؛ [فلذلك علمه] (٦)

стр. 2343

به مقدم بناءً على القضاء بالعلم؛ لما فيه من زيادة العلم، هاذا قلنا: لا يقضي بعلمه .. فعلمه وإن لم يصلح لإثبات الحكم يصلح لدفعه؛ لأن دفع الشيء أسهل من الحكم به، والله أعلم. خامسها: قال شيخنا أيضًا: يستثنى منه: ما لو علم القاضي الإبراء فذكره للمقر؛ فقال: أعرف صدور الإبراء منه، ومع ذلك فدينه باق عليّ، فإن القاضي يقضي على المقر بما أقر به، وإن كان على خلاف ما علمه القاضي؛ لأن الخصم قد أقر بما يدفع علم القاضي، قال: ولم أر من تعرض لذلك، وفقهه واضح. قلتُ: ليس هذا قضاء على خلاف العلم؛ لأن إقرار الخصم المتأخر عن الإبراء قد رفع حكم الإبراء، فصار العمل به، لا بالبينة ولا بالإقرار المتقدم. سادسها: قال شيخنا أيضًا: لو علم القاضي زنا المقذوف بالمشاهدة، ولم يقم القاذف بينة على زناه، وطلب المقذوف من القاضي أن يحده .. فالذي أجبت به: أن الحاكم يجيبه لذلك؛ لأن القاذف إذا لم يأت بالشهداء كاذب في علم الله تعالى؛ لقوله: ﴿فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ فَأُولَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ﴾، وإذا كان كاذبًا .. أقام عليه حد القذف، وإنما لا يقضي على خلاف علمه في الموضع الذي يقضي فيه بعلمه، وحدود الله تعالى لا يقضي فيها بعلمه، فيقضي فيها على خلاف علمه. سابعها: قد يندرج في قوله: (بخلاف علمه) حكمه بخلاف عقيدته، قال شيخنا في " تصحيح المنهاج ": وهذا يمكن أن يدعي فيه اتفاق العلماء؛ لأن الحكم إنما يبرم من حاكم بما يعتقده. ٥٩٦٩ - قول " التنبيه " [ص ٢٥٥]: (فإن علم الحاكم وجوب الحق .. فهل له أن يحكم بعلمه؟ فيه ثلاثة أقوال: أحدها: يحكم، والثاني: لا يحكم، والثالث: يحكم في غير حدود الله، ولا يحكم في حدوده)، الأظهر: الثالث كما في " المنهاج "، وعليه مشى " الحاوي " (١)، وفي كلامهم أمور: أحدها: أن محل ذلك في غير الجرح والتعديل، فلو شهد عنده من يعرف عدالته أو جرحه .. اعتمد علمه، ولا يتخرج فيه هذه الأقوال، وقد ذكره " المنهاج " في الفصل الذي يليه، فقال: (وإذا شهد شهود فعرف عدالة أو فسقًا .. عمل به) (٢) و" الحاوي " فقال [ص ٦٦٧]: (كالتعديل)، وقد حكى غير واحد الاتفاق عليه، لكن فيه وجه ضعيف محكى فى " الروضة " وأصلها (٣)، فظاهر كلامهم العمل بذلك، ولو كان في حدود الله تعالى.

стр. 2344

ثانيها: ومما يقضي فيه بعلمه قطعًا التواتر، كما ذكره ابن عبد السلام في " القواعد " (١)، والمسألة فيها وجهان في " النهاية " (٢)، واختار شيخنا في " تصحيح المنهاج " التفصيل بين التواتر الظاهر لكل أحد؛ كوجود بغداد .. فيقضي به قطعًا، وبين التواتر المختص .. فيتخرج على خلاف القضاء بالعلم، بل ينقص عنه؛ لأن المشاهدة أقوى من الخبر وإن تواتر (٣). ثالثها: ومنه ما في " أصل الروضة " في قسم الصدقات عن الأصحاب: أن الإمام لو علم استحقاق من طلب الزكاة .. جاز الدفع له، قال: ولم يخرجوه على القضاء بالعلم (٤). رابعها: وفي " أصل الروضة " أيضًا في (القسامة) عن الإمام: أن القاضي لو عاين اللوث .. فله اعتماده، ولا يخرج على خلاف القضاء بالعلم؛ لأنه يقضي بالأيمان، وأقره على ذلك (٥)، وتعقبه شيخنا في " تصحيح المنهاج ": بأن نقل اليمين من جانب المدعى عليه إلى جانب المدعي مستنده علم القاضي؛ ففيه خلاف القضاء بالعلم. خامسها: وفي المستثنى أيضًا: ما لو أقر بالمدعى في مجلس القضاء .. ففي " أصل الروضة " هنا: أنه قضاء بإقراره لا بعلم القاضي (٦)، لكنه قال قبل ذلك: إن على القاضي إجابة من طلب منه الإشهاد بإقرار خصمه له في مجلس حكمه؛ لئلا ينكر بعد، فلا يتمكن القاضي من الحكم عليه إن قلنا: لا يقضي بعلمه، ويوافقه قول الشافعي ﵁ في تصوير محل الخلاف: (فأقر في مجلس القاضي أو غير مجلسه) (٧)، ذكره في " المهمات ". وحمل شيخنا في " تصحيح المنهاج " المذكور هنا على المستمر على إقراره، وفي غيره على الجاحد بعد ذلك، قال: ومن توهم المخالفة بينهما .. فقد أخطأ. سادسها: استثنى شيخنا في " تصحيح المنهاج ": هلال رمضان، فلو رآه القاضي وحده .. حكم بالصيام تفريعًا على ثبوته بشهادة وأحد وهو الأظهر، ولا يتخرج فيه مع ذلك قولان، والقيافة للقاضي للحكم بعلمه فيها إذا كان قائفًا تفريعًا على الاكتفاء بواحد وهو الأصح، ولا يتخرج فيه مع ذلك خلاف، ذكرهما تخريجًا مع أن المنقول في الثانية في " أصل الروضة " تخريجه على خلاف

стр. 2345

القضاء بالعلم، لكن نازع فيه شيخنا، وقال: الصواب خلافه؛ لأن العدد ليس شرطًا في القيافة حتى ينظر إلى التقيد بالعدد. سابعها: في " أصل الروضة " عن الأصحاب: أنهم مثلوا القضاء بالعلم بما إذا ادعى عليه مالًا وقد رآه القاضي أقرضه ذلك، أو سمع المدعى عليه أقر بذلك، ومعلوم أن رؤية الإقراض وسماع الإقرار لا يفيد ثبوت اليقين بثبوت المحكوم به وقت القضاء؛ فدل على أنهم أرادوا بالعلم: الظن المؤكد، لا اليقين (١)، ويوافق ذلك قوله في القيافة: لو كان القاضي قائفًا .. فهل يقضي بعلمه؟ فيه الخلاف في القضاء بالعلم (٢)، وترجيحه في القسمة تخريج قضائه في التقويم بمعرفته على خلاف القضاء بالعلم، ويخالفه قول الإمام: إذا جوزنا القضاء بالعلم .. فذلك فيما يستيقنه، لا ما يظنه، وإن غلب الظن (٣)، وتبعه الغزالى، فقال: لا خلاف أنه لا يقضي بظنه الذي لا يستند إلى بينة (٤)، وعكسه الماوردي فقال: إذا رأى الحاكم رجلًا يتصرف في دار مدة طويلة من غير معارضة .. جاز أن يحكم له بالملك، وفي جواز الشهادة في هذه الحالة قولان، والفرق أن الحاكم له أن يجتهد وليس للشهود أن يجتهدوا. ثامنها: أهملوا شرط القضاء بالعلم، وهو التصريح بالمستند، فيقول: علمت أن له عليك ما ادعاه، وحكمت عليك بعلمي؛ فإن اقتصر على أحدهما .. لم ينفذ الحكم، قاله الماوردي والروياني (٥)، قال شيخنا في " تصحيح المنهاج ": وله وجه من النظر، ويحتمل عدم الاحتياج إليه. تاسعها: أن عبارة " التنبيه " صريحة في جريان الخلاف في حدود الله تعالى، وهو مقتضى قول " المنهاج " [ص ٥٦١]: (والأظهر: أنه يقضي بعلمه إلا في حدود الله تعالى)، وعبارة " المحرر ": لا تعطي ذلك؛ فإنه قال: (أصح القولين: أن القاضي يقضي بعلمه إلا في حدود الله) (٦)، ويوافقه ترجيح " الروضة " القطع بأنه لا يقضي في حدود الله بعلمه، وقيل: قولان (٧)، وفي " المهمات ": أن الذي في " الروضة " سهو، وأن المرجح في " الشرحين " طريقة القولين (٨).

стр. 2346

عاشرها: يستثنى مع حدود الله: التعزيرات المتعلقة بحقه تعالى، ذكره شيخنا في " تصحيح المنهاج "، ثم قال: ولكن من ظهر له منه في مجلس الحكم ما يقضي تعزيرًا .. عزره، وهذا من القضاء بالعلم، وليس كما لو أقر؛ لأن الإقرار مستند الحكم وقاطع للعذر. حادي عشر: قال شيخنا في " تصحيح المنهاج ": يستثنى من قوله: (إلا في حدود الله) ما إذا صدر منه ذلك في مجلس الحكم على رؤوس الأشهاد؛ كالردة وشرب الخمر والزنا، قال: ولم يتعرضوا له، قال: وكذا إذا اعترف في مجلس الحكم بما يوجب الحدود، ولم يرجع عن إقراره .. فإنه يقضي فيه بعلمه، ولو اعترف سرًا؛ لقوله ﵊: " فإن اعترفت .. فارجمها " (١)، ولم يقيده بأن يكون بحضور الناس. ثاني عشر: قال شيخنا أيضًا: ويستثنى منه أيضًا: ما إذا علم القاضي من مكلف أنه أسلم ثم أظهر الردة .. فقد أفتيت فيه: بأن القاضي يقضي بعلمه بالإسلام، ويرتب عليه أحكامه. ٥٩٧٠ - قول " المنهاج " [ص ٥٦١]: (وله الحلف على استحقاق حق أو أدائه اعتمادًا على خط مورثه إذا وثق بخطه وأمانته) قد يفهم أنه لو وجد بخط نفسه: لي على فلان كذا .. لم يجز أن يحلف حتى يتذكر، وكذا في " أصل الروضة " عن " الشامل " من غير مخالفة (٢)، لكن يخالفه ما سيأتي في " المنهاج " في الدعاوى: (أنه يجوز البت - أي: في اليمين - بظن مؤكد يعتمد خطه أو خط أبيه) (٣)، وكذا هو في " الروضة " وأصلها (٤)، وقال في " المهمات ": اشتراط الثقة والأمانة لا يظهر في مسائل ذكرها الرافعي؛ فينبغي استحضارها: الأولى: لو بيع الشقص بصبرة فضة، وادعى الشفيع أنها كذا، ونكل المشتري .. جاز للشفيع الحلف اعتمادًا على نكوله. الثانية: للمشتري الحلف على عدم التسليم عند المنازعة اعتمادًا على قول البائع. الثالثة: إذا أنكر المودع التلف وتأكد ظنه بنكول المودع .. جاز أن يحلف اليمين المردودة في الأصح، وكذا نازع شيخنا في " تصحيح المنهاج " في اشتراط وثوقه بخطه وأمانته وقال: الشرط أن يحصل عنده ظن مؤكد كما ذكره في الدعاوى، قال: فإن ظن الحاصل من نكول الخصم أو شهادة الشاهد الواحد كاف في ذلك من غير احتياج إلى الخط، قال: وقد يحلف الإنسان في البيع والحوالة ونحوهما على الملك واستحقاق الدين، بناء على ما قاله البائع والمحيل؛ فالعبرة حينئذ بالظن المؤكد.

стр. 2347

٥٩٧١ - قوله: (والصحيح: جواز رواية الحديث بخطٍّ محفوظٍ عنده) (١) يقتضي المنع إذا لم يكن محفوظًا عنده، قال شيخنا في " تصحيح المنهاج ": وليس كذلك، بل المعتمد عند العلماء قديمًا وحديثًا لعمل بما يوجد في السماع والإجازة تفريعًا على جوازها مكتوبًا في الطباق التي تغلب على الظن صحتها، وإن لم يتذكر السماع ولا الإجازة ولم تكن الطبقة محفوظة عنده. انتهى. ولهذا قال " الحاوي " [ص ٦٦٨]: (ويروي بخطه المحفوظ) ولم يقيده بكونه عنده. ٥٩٧٢ - قول " التنبيه " [ص ٢٥٢]: (ومن لم يتعين عليه - أي: القضاء - .. جاز أن يأخذ ما يحتاج إليه) قال في " الكفاية ": محله: ما إذا لم يوجد متبرع بالقضاء، فإن وجد وهو صالح .. فلا يجوز أن يعطى من بيت المال، صرح به الماوردي وصاحب " البيان " (٢)، وأشار إليه البندنيجي وابن الصباغ. ٥٩٧٣ - قوله: (ويجوز أن يحضر الولائم) (٣) محله في وليمة من لا حكومة له إذا لم يعملها له بخصوصه، أما وليمة من له حكومة أو عملت له بخصوصه .. فكالهدية. ٥٩٧٤ - قوله: (ويشهد مقدم الغائب، ويسوي بين الناس في ذلك، فإن كثرت عليه وقطعته عن الحكم .. امتنع في الكل) (٤) الذي جزم به الرافعي والنووي في شهود مقدم الغائب أنه كعيادة المرضى يأتي منه ما لا يقطعه عن الحكم (٥)، قال في " التوشيح ": والذي يظهر ما فعله الشيخ؛ فإن كلًا من الولائم وشهود مقدم الغائب من حقوق الداعي والقادم، وأما الجنائز والعيادة .. فمن حقوق فاعلها، وقد ذكر الماوردي هذا الفرق. انتهى (٦). وفي " أصل الروضة ": أنه لو كان يخص بعض الناس قبل الولاية بإجابة وليمته .. فنقل ابن كج عن نص الشافعي: أنه لا بأس بالاستمرار (٧). ٥٩٧٥ - قوله: (ولا يحتجب إلا لعذر) (٨) يقتضي صرف جميع أوقاته للقضاء إلا في حالة العذر، وكذا قال القاضي حسين، قاله في " الكفاية "، قال: وذكر الماوردي أنه يجعل زمان نظره معينًا من الأيام؛ ليتأهب الناس له، فإن كثرت المحاكمات .. لزمه النظر كل يوم، ويكون وقت

стр. 2348

نظره في اليوم معروفًا، وإن قلت .. جعل يوم نظره معروفًا من الأسبوع، فإن تجدد في غير يوم النظر ما لا يمكن تأخيره فيه .. نظر (١)، وفي " التهذيب ": لا يجوز أن يؤخر النظر إذا وقعت لإنسان خصومة إلا لعذر. انتهى (٢). وفي " أدب القضاء " لشريح الروياني: إن كان يقضي برزق من بيت المال .. لزمه أن يقضي في كل نهاره، إلا في وقت قضاء الحاجة والطهارة والصلاة المفروضة والنافلة المؤكدة وتناول الطعام على الوجه الذي للأجير أن يشتغل عن العمل، وقيل: يلزم ذلك على حسب العادة والعرف بين القضاة، وإذا كان متبرعًا بالقضاء .. فقد قيل: يجلس أي وقت أراد، والصحيح: أنه يعقد على عادة الحكام، ثم هل تعتبر عادة سائر حكام البلاد أو عادة حاكم تلك البلد؟ وجهان. فصلٌ [في التسوية بين الخصمين وما يتبعها] ٥٩٧٦ - قول " المنهاج " [ص ٥٦١] و" الحاوي " [ص ٦٦١]: (ليسوِّ بين الخصمين) و" التنبيه " [ص ٢٥٣]: (ويسوي بين الخصمين) يحتمل الوجوب والاستحباب، والأول هو الصحيح الذي قطع به الأكثرون، كما في " أصل الروضة "، قال: واقتصر ابن الصباغ على الاستحباب (٣). وقال شيخنا في " تصحيح المنهاج ": الإيجاب هو ظاهر نص " الأم "، لكن نسبته لقطع الأكثرين ليس بمسلّم؛ فإنه قل من يصرح بالإيجاب، وقال بالاستحباب أيضًا القاضي أبو الطيب، وفي قصة زيد بن ثابت لما تحاكم إليه عمر وأبي بن كعب ما يشهد للاستحباب؛ فإنه وسع لعمر صدر فراشه، وقال: هاهنا يا أمير المؤمنين؛ ولم يفعل ذلك مع أبيّ، فقال له عمر: لقد جُرت (٤)، يعني: خالفت المستحب؛ ولذلك لم يصرح بإثمه، ولا أمره بالاستغفار، ويمكن أن يقال: إن أبيًّا يعلم من زيد أنه لا يحمله ذلك على أنه يقضي بغير الحق، وكان إكرام أمير المؤمنين مطلوبًا، فلم يؤثر ذلك عند أبي، فلو علم الخصم من القاضي ما علمه أبيّ من زيد .. فلا يمتنع على القاضي تعاطي إكرام أحد الخصمين على الوجه اللائق به، ولكن التسوية مطلقًا تطلب سد الباب ما يفضي إلى انكسار قلب الآخر. انتهى. ٥٩٧٧ - قولهما: (في الدخول عليه) (٥) وهو داخل في إطلاق " الحاوي " التسوية في

стр. 2349

الإكرام (١)، قال شيخنا أيضًا: محله فيما إذا جاءا معًا، ولم يكن للمدعي إلا خصم واحد، ولم يكن من أهل بيت القاضي، ودخل في حاجته، فإن حضر بطلب إحضار خصمه .. أدخله وإن كان وحده؛ لأنه ليس مقام دعوى، وإن كان للمدعي خصوم فدخل مع أحدهم وتأخر الباقون .. لم يمتنع ذلك، وفي " الأم ": (وإذا قدم الذي جاء أولًا وخصمه، وكان له خصوم فأرادوا أن يتقدموا معه .. لم ينبغ له أن يستمع إلا منه ومن خصم واحد، فإذا فرغا .. أقامه ودعا الذي جاء بعده، إلا أن لا يكون عنده كبير أحد) (٢)، قال: وفي هذا النص الإشارة إلى ما قررناه، وإن كان من أهل بيت القاضي ممن يدخل عليه لمصلحته، فعرضت له به حاجة، فطلبه لها .. لم يحرم، لكن الأولى للقاضي إذا ظهر له أنه مع خصم له أن يمتنع عن طلبه ذلك الوقت حتى تنفصل الخصومة، قال: ولم أر من تعرض لذلك. ٥٩٧٨ - قول " المنهاج " [ص ٥٦١]: (وقيام لهما) وهو داخل في إطلاق " الحاوي " الإكرام (٣)، أي: إما أن يقوم لهما أو يتركه لهما، وقال ابن أبي الدم: عندي أنه يكره؛ فإنه قد يكون أحدهما شريفًا والآخر وضيعًا، فإذا قام .. علما أنه إنما قام للشريف، فترك القيام لهما أقرب إلى العدل وأنفى للتهمة، وعلى هذا جرى سنن الحكام الماضين، فإن دخل ذو هيئة فقام له ظنًا أنه لم يأت في خصومة .. فإما أن يقوم لخصمه كقيامه له، وإما أن يعتذر بأنه لم يشعر بمجيئه مخاصمًا، حكاه عنه في " المطلب "، وقال: وهو يؤخذ من منعه من ضيافة الخصمين. وقال شيخنا في " تصحيح المنهاج ": إذا كان أحدهما ممن يعتاد القيام له دون الآخر .. فينبغي ترك القيام؛ لأنه إذا قام عند دخولهما .. ظهر للحاضرين وللخصم أن القيام إنما هو للكبير، فلا تحصل التسوية، قال: وهذا أخص بما قاله ابن أبي الدم، ولا بد منه (٤). ٥٩٧٩ - قول " المنهاج " [ص ٥٦١]: (وجواب سلام) هذا إذا سلّما معًا، فإن سلّم أحدهما دون الآخر .. فمقتضاه: أنه لا يجيبه، وكذا في " أصل الروضة " عن الأصحاب أنهم قالوا: يصبر حتى يسلّم الآخر، قال الرافعي: وقد يتوقف في هذا إذا طال الفصل، وقالوا: لا بأس بأن يقول للآخر: سلّم، فإذا سلّم .. أجابهما، وكأنهم احتملوا هذا الفصل للتسوية، وقيل: يجوز ترك الجواب مطلقًا واستبعده الإمام (٥). وفي " المهمات ": أن ما حكاه عن الأصحاب لم يقل به سوى القاضي والبغوي، وقال

стр. 2350

الإمام: إنه إفراط وسرف (١)، واستبعده الغزالي، وقال: إنه إفراط، قال في " المهمات ": ثم إن المذكور هنا يخالف قولهم في السير إن ابتداء السلام سنة كفاية، فإذا حضر جماعة وسلم أحدهم .. كفى ذلك عن سلام الباقين، وكذا قال شيخنا في " تصحيح المنهاج ": ما حكاه عن الأصحاب وجه ضعيف، والأصح: أنه يرد السلام، ويوجهه إليهما؛ لأن ابتداء السلام سنة كفاية، فإذا سلم أحدهما .. فقد قام بالسنة عن الآخر؛ فجواب الحاكم رد على المسلّم حقيقة وعلى الآخر حكمًا، وفي " المطلب ": قد يظهر بردّ سلام أحدهما ميل من حيث أن المسلّم إنما يتجرأ على ابتداء السلام مع هيبة الحاكم، وعدم مشروعية الابتداء به؛ لاشتغال القاضي لدالة بينه وبين القاضي، فردّه عليه يؤكد ذلك، ولو فرضنا أن الابتداء مشروع .. لم يبعد من الجاهل توهم ذلك. قال شيخنا في " تصحيح المنهاج ": وهو مردود؛ فإن الجرأة بذلك ليس مما يظهر الدالة، بل يظهر إقدام المسلّم على السلام، وإذا وجه القاضي السلام عليهما .. خرج ما ذكر من التوهم. ٥٩٨٠ - قولهما: (ومجلس) (٢) وهو داخل في إطلاق " الحاوي " الإكرام (٣)، أي: يسوي بينهما في المجلس، فيجلس أحدهما عن يمينه والآخر عن يساره إن كانا شريفين، أو بين يديه، وهو الأولى على الإطلاق، ونازع شيخنا في " تصحيح المنهاج " في أن الأول تسوية؛ لأن الجالس على اليمين له مزية، وفي " سنن أبي داوود " ساكتا عليه من حديث ابن الزبير: (قضى رسول الله ﷺ أن الخصمين يقعدان بين يدي الحَكَمِ) (٤). ٥٩٨١ - قول " التنبيه " [ص ٢٥٣]: (وإن كان أحدهما مسلمًا والآخر كافرًا .. قدم المسلم على الكافر في الدخول، ورفعه عليه في المجلس) اقتصر " المنهاج " و" الحاوي " رفعه عليه في المجلس، ولم يذكرا تقديمه عليه في الدخول (٥)، وكذا في " أصل الروضة "، ثم قال: ويشبه أن يجري الوجهان في سائر وجوه الإكرام (٦). قال شيخنا الإسنوي في " التنقيح ": فكلام الشيخ لا يوافق بحث الرافعي؛ إذ مقتضاه العموم، ولا نقله؛ لأنه لم يستثن تقديمه عليه في الدخول. وقال شيخنا في " تصحيح المنهاج ": في " الإبانة " للفوراني نقل الوجهين في الجميع؛ إذ
следующие страницы →