ذكره الرافعي في التفليس، وحكاه هنا عن القاضي حسين.
٦٢٦٥ - قول "المنهاج" [ص ٥٧٦]: (والأظهر: أن المدعي: من يخالف قوله الظاهر، والمدعى عليه: من يوافقه، فإذا أسلم زوجان قبل وطء فقال: " أسلمنا معاً" .. فالنكاح باق، وقالت: "مرتباً" .. فهو مدعٍ) و"الحاوي" في تفسير المدعي [ص ٦٦٣]: (ذاكر خفي كأسلمنا معاً) فيه أمور:
أحدها: أنه يقتضي أنهما منصوصان، لكن قال الرافعي: المعتمد المشهور: أنهما مستنبطان من اختلاف فولي الشافعي في مسألة إسلام الزوجين، وقد يبنى الخلاف في الفرع على الخلاف في الأصل المبني عليه (١).
ثانيها: ما دل عليه كلامه هنا من أن القول قول الزوجة خالفه في كتاب النكاح، فرجح أن القول قول الزوج، وقال: إنه أظهر القولين.
ثالثها: قال في "المهمات": فيما ذكره من فائدة الخلاف نظر؛ فإنه إذا ادعى عليها استحقاق دوام التمكين بحكم دعواه .. فإنها لا تخلى وسكوتها، وكأن الكلام مفروض فيما إذا ادعت عليه رفع يده عنها بحكم التعاقب في الإسلام، ويتعين ذلك؛ ليكون في كل جانب أحد المعنيين، وإلا؛ فلو كان الزوج مدعياً .. لكان يجتمع في حقه الوصفان؛ كونه يدعى أمراً خفياً، ويخلى وسكوته، لكن مجيء القولين ممكن في الطرفين بمعارضة الأصل والظاهر كيف ما فرض، سواء ابتدأ الزوج أم لا، وحينئذ .. لا دلالة في ذكر القولين على الاستنباط المذكور؛ لأن مأخذ الخلاف حاصل في الطرفين، بل ظاهر كلامهم أن التصوير فيما إذا ابتدأ الزوج بالدعوى، فكان ينبغي أن لا يجيء خلاف والحالة هذه؛ لوجود المعنيين فيه. انتهى.
رابعها: قال شيخنا في "تصحيح المنهاج": محل القولين على ما ظهر من نص الشافعي في "الأم" فيما إذا جاءانا مسلمين، فقال الزوج: أسلمنا معاً .. إلى آخره (٢)، فأما إذا جاءتنا الزوجة مسلمة ثم جاء الزوج وادعى أنهما أسلما معاً .. فإن القول قول الزوجة قطعاً.
٦٢٦١ - قول "الحاوي" [ص ٦٦٤]: (وجنس الثمن، والنوع، والقدر) أي: إن كانت الدعوى في الأثمان .. فلا بد من ذكر هذه الأمور، وتبع في ذلك الرافعي (٣)، فإن أراد بذلك ما هو ثمن حقيقة .. لم يختص الحكم به، فالقرض والمسلم فيه والأجرة والجعالة والصداق وبدل الخلع ونجوم الكتابة والجزية وغير ذلك من الديون كذلك، وإن أراد ما صلح أن يكون ثمناً .. فلا يصح
стр. 2487
جعل ذلك في مقابلة العين؛ لأن العين تصلح للثمنية كالدين، وعبر "المنهاج" عن ذلك بالنقد فقال [ص ٥٧٦]: (ومتى ادعى نقداً .. اشترط بيان جنس ونوع وقدر وصحة وتكسر إن اختلفت بهما قيمة) وهو أقرب من التعبير بالثمن، لكن لا يختص ذلك بالنقد؛ فسائر الديون من الحبوب والقماش والحيوان وغيرها كذلك؛ ولهذا عبر "التنبيه" بالدين فقال [ص ٢٦١]: (وإن كان المدعى ديناً .. ذكر الجنس والصفة والقدر) وكذلك عبر الماوردي والبغوي وصاحب "الذخائر" وغيرهم (١)، وهي أحسن العبارات، وأظن من عبر بالثمن أو النقد إنما حوّم على ذلك فقصّر في التعبير عنه، وهنا أمور:
أحدها: اتفقوا على أنه لابد من ذكر الجنس، وقال شيخنا في "تصحيح المنهاج": لا معنى لذكره، وذكر النوع كاف في ذلك إذا عرف منه الجنس؛ مثل أن يقول: أستحق عليه صاعاً برنياً من نخل المدينة مثلاً.
قلت: الظاهر عدم الاكتفاء بذلك؛ فإن ذلك صادق بالرطب والبلح، ولا ينحصر في الثمن.
ثانيها: ذكر "المنهاج" و"الحاوي" النوع ولم يذكرا الصفة، وعكس ذلك "التنبيه"، وفسر شارحه ابن يونس الصفة بأن يقول: قاساني أو سابوري، قال في "الكفاية": وهذا بيان نوع لا بيان صفة، وقد نبه على ذلك الشيخ في باب الربا (٢)، ولا يتوهم أن النوع والصفة شيء واحد؛ لجمعه في "المهذب" بينهما (٣).
قلت: وقد جمع بين ذكر النوع والصفة الماوردي والبغوي وصاحب "الذخائر" والرافعي في "الشرح الصغير" (٤)، وقال في "الكفاية": أي الصفة التي تختلف بها الأغراض، وحكى عن الماوردي أنه صرح فيما إذا كان سلماً .. بأنه لابد من ذكر شروط السلم (٥).
ثالثها: يستثنى من بيان القدر ما هو معروف القدر كالدينار الشرعي؛ فلا يحتاج فيه إلى بيان الوزن كما جزم به في "أصل الروضة"، وفي معناه: الدرهم الشرعي، وهل يكفي في الدرهم الفلوس إطلاقه كالدرهم الفضة، أم لا بد من بيان مقداره كسائر المثليات؛ لاختلافه باختلاف الأوقات والأمكنة؟ فيه نظر، والأقرب الثاني.
رابعها: تناول إطلاق "المنهاج" النقد المغشوش، لكن في "أصل الروضة" عن الشيخ أبي حامد وغيره: أنه يدعي بمائة درهم من نقد بلد، كذا قيمتها كذا ديناراً، أو ديناراً من نقد كذا
стр. 2488
قيمته كذا درهماً، ثم قالا: وكأنه جواب على أن المغشوش متقوم، فإن جعلناه مثلياً .. فينبغي أن لا يشترط التعرض للقيمة. انتهى (١).
وعلى هذا الحمل فلا إيراد، لكن قال شيخنا في "تصحيح المنهاج": هذا البحث الذي ذكره عندنا ممنوع؛ لأنا وإن قلنا: إن المغشوش مثلي .. فذاك فيما يظهر فيه المماثلة من الأعيان، والمدعى به إذا كان مغشوشاً .. لم تظهر مماثلته لغيره في الدعوى؛ فلابد من ذكر القيمة على الصورة التي ذكرها الشيخ أبو حامد وغيره، أو يقول في الدعوى: من مغشوش بلد كذا، وقد ظهرت المماثلة فيه. انتهى.
خامسها: لم يحتج "التنبيه" و"الحاوي" لذكر الصحة والتكسير كما فعل "المنهاج" لعدم الاحتياج لذلك في جميع الصور، بل حيث اختلفت بهما قيمة.
سادسها: لا يكفي إطلاق النقد وإن غلب كما صرح به الماوردي والروياني، والفرق بينه وبين البيع: أن زمن العقد يفيد صفة الثمن بالغالب من النقود، ولا يتقيد ذلك بزمان الدعوى؛ لتقدمه عليها.
سابعها: قال شيخنا في "تصحيح المنهاج": إنه ينبغي أنه متى ادعى نقداً ولم يعين فيه جهة يتعين فيها الحلول كالقرض .. فلابد من التعرض للحلول، ويدل له ما حكاه في "أصل الروضة" عن الهروي: أنه يقول في دعوى الدين: وهو ممتنع من الأداء الواجب عليه، قال: وإنما يتعرض لوجوب الأداء؛ لأن الدين المؤجل لا يجب أداؤه في الحال (٢).
٦٢٦٢ - قول "التنبيه" [ص ٢٦١]: (وإن كان عيناً يمكن تعيينها كالدار والعين الحاضرة .. عينها) المراد بتعيين الدار: المبالغة في وصفها كما قاله الإمام.
٦٢٦٣ - قوله: (وإن لم يمكن تعيينها - أي: لغيبتها - .. ذكر صفاتها، وإن ذكر القيمة .. فهو آكد) (٣) المراد هنا: صفات السلم كما صرح به "المنهاج" و"الحاوي" (٤)، وعبارة "المحرر": (أو عيناً أخرى مما يضبط بالصفة كالحبوب والحيوان) (٥)، فأشار بقوله: (أخرى) إلى أن المراد: من غير النقود، واقتصر "المنهاج" على التمثيل بالحيوان، ولو ذكر الحبوب أيضاً .. لكان أولى؛ ليمثل للمثلي والمتقوم، وعذر "المنهاج" أنه إذ لم يشترط القيمة في المتقوم .. فالمثلي أولى، فهو مفهوم من طريق الأولى، وتقدم في القضاء على الغائب عن الرافعي
стр. 2489
و"الروضة" تصحيح اعتبار القيمة في المتقوم دون المثلي، ففيه مخالفة لما هنا من أوجه:
أحدها: هذا.
والثاني: أن القائل بالقيمة هناك لا يوجبها مع الصفات، بل يكتفي بها عنها.
والثالث: أن الخلاف حكي هناك قولين وهنا وجهين.
قال شيخنا في "تصحيح المنهاج": ويدخل في كلام "المحرر" و"الروضة" الجواهر، وهي إن كانت مما يجوز السلم فيها كاللآلئ الصغار .. فهي مثلية، وإن كانت مما لا يجوز السلم فيها كاللآلئ الكبار .. فهي متقومة، قال: ويستثنى من كلامهم: الحيوان المستحق بوصية؛ بأن قال: أعطوه بنت مخاض من إبلي، فيدعي بها ولا يتعرض لوصفها؛ لأن الموصي لم يتعرض لذلك.
قلت: سيأتي اغتفار الدعوى بالمجهول في الوصية.
قال شيخنا أيضاً: وكذلك يستثنى: ما أوجبه الشارع بسنن لا بصفة كالزكاة، وفي معناها: النذر.
واعلم: أن "المنهاج" قيد العين بأن تنضبط، وكذا قال في " أصل الروضة ": وهي مما تضبط بالصفة (١)، ولم يذكرا حكم المحترز عنه.
قال شيخنا في "تصحيح المنهاج": ولا يمكن أن يقال فيها: إنها توصف بصفات السلم؛ لامتناع ذلك؛ وحينئذ .. فتوصف على وجه يحصل به التمييز في الدعوى؛ فإن الدعوى لا يضيق الأمر فيها كما ضيق في السلم؛ لاقتضاء السلم ثبوت المسلم فيه في الذمة، بخلاف الدعوى؛ فإن المطلوب فيها التمييز.
قلت: وفي "الكفاية" فيما لا يمكن ضبطه بالصفات عن القاضي أبي الطيب والبندنيجي وابن الصباغ: أنه يشترط ذكر القيمة؛ لأنه لا يصير معلوماً إلا بذلك، وعن الماوردي: أن عليه ذكر الجنس والنوع، فإن كان مختلف الأنواع .. ذكر اللون، ثم حرر الدعوى ونفى الجهالة بذكر القيمة.
٦٢٦٤ - قول "المنهاج" [ص ٥٧٦]: (وقيل: يجب معها ذكر القيمة) مقتضاه: أنه لا خلاف في وجوب ذكر صفات السلم، وهل يجب ذكر القيمة معها؟ وجهان، ولم يتعرض في "المحرر" لقوله: (معها)، وعبارته: (ولا حاجة إلى ذكر القيمة على الأصح) (٢).
٦٢٦٥ - قولهم - والعبارة لـ "المنهاج" -: (فإن تلفت وهي متقومة .. وجب ذكر القيمة) (٣) قال
стр. 2490
شيخنا ابن النقيب: ظاهره أنه لا يحتاج مع القيمة إلى ذكر شيء من الصفات، ولم أر ما يخالفه، لكن لابد من ذكر الجنس فيما يظهر؛ فيقول: عبد قيمته مائة (١).
وخالفه شيخنا في "تصحيح المنهاج" فقال: إن مقتضاه: ذكر الصفات المعتبرة في السلم، ويذكر معها القيمة، قال: وكذا تقتضيه عبارة "المحرر" و"الروضة"، وهي أظهر في ذلك؛ فإنه قال: وإن كانت تالفة .. كفى الضبط بالصفات إن كانت مثلية، ولا يشترط ذكر القيمة، وإن كانت متقومة .. شرط ذكر القيمة؛ لأنها الواجب عند التلف (٢)، قال شيخنا: وهو غير مسلم؛ فالواجب عند التلف القيمة، وذكر صفات العين لا معنى له.
قلت: لا نسلم أن عبارتهم تقتضي اعتبار صفات السلم في هذه الحالة، وليس في اللفظ ما يدل على ذلك، والله أعلم.
قال شيخنا أيضاً: وهذا إذا لم تكن العين مبيعة لم تقبض وتلفت في يد البائع .. فالواجب حينئذ الثمن على البائع إن كان قبضه، وقد ذكره الماوردي قبل التلف، فقال: وإن كانت مبيعة .. لزمه ذكر ثمنها؛ لضمان ما لم يقبض من المبيع بالثمن دون القيمة (٣).
قلت: تلف المبيع قبل القبض يقتضي الانفساخ قبيل التلف وانتقال الثمن إلى ملك المشتري، فلا حق له في المبيع، وليست هذه من صور الدعوى بالعين أصلاً؛ فلا ينبغي استدراكها، والله أعلم.
ومفهوم قوله: (وهي متقومة) أنها لو كانت مثلية .. لم يذكر القيمة، بل يقتصر على الأوصاف، وبه صرح "التنبيه" و"الحاوي"، لكن تقدم عن الماوردي أنه يلزمه ذكر الثمن، ووافقه شيخنا في "تصحيح المنهاج"، ولم يظهر لي وجهه.
واستثنى شيخنا أيضاً من عدم ذكر القيمة في العين الباقية: ما إذا غصبها منه في بلد ثم لقيه في آخر ولنقلها مؤنة .. فإنه يذكر قيمتها؛ لأنها المستحقة في هذه الحالة.
٦٢٦٦ - قول "التنبيه" [ص ٢٦١]: (لا تصح الدعوى إلا من مطلق التصرف فيما يدعيه) يستثنى منه مسائل:
الأولى: دعوى السفيه المال الثابت له بسبب الجناية.
الثانية: دعوى المفلس المال.
الثالثة: دعوى الحسبة.
стр. 2491
الرابعة: دعوى المرأة النكاح.
الخامسة: دعوى الرقيق العتق، أو الاستيلاد، أو تعليق العتق بالصفة، أو التدبير.
السادسة: قال في "التوشيح": كان الوالد ﵀ يسمع دعوى كل من مستحقي الوقف وإن لم يكن ناظراً، وفي كلام القاضي حسين في "تعليقه" ما يوافقه.
٦٢٦٧ - قوله: (ولا تصح دعوى مجهول إلا في الوصية) (١) يرد على حصره مسائل:
أحدها: دعوى الإقرار بالمجهول على الأصح.
الثانية: دعوى الفرض للمفوضة، ذكرهما "الحاوي" فقال [ص ٦٦٤]: (لا في الفرض والوصية والإقرار) وفي معنى الفرض: دعوى المتعة والرضخ والحكومة.
الثالثة: دعوى الطريق في ملك الغير أو حق إجراء الماء، هل يشترط فيها إعلام قدرهما؟ قال القاضي أبو سعد الهروي: الأشهر: أنه لا يشترط.
الرابعة: دعوى الإبراء عن المجهول صحيحة إذا صححناه.
الخامسة: الثواب في الهبة إذا قلنا: إنها تقتضيه ولم تقدره.
٦٢٦٨ - قول "الحاوي" [ص ٦٦٥]: (على مكلف معين) يستثنى منه: ما إذا كانت الدعوى بالقتل وقد ظهر اللوث في حق جماعة، فيدعي أن أحد هؤلاء قتل مورثه .. فقد صرح الرافعي في أول مسقطات اللوث بأن له تحليفهم، وهو فرع سماع الدعوى، فيحمل كلامه على ما إذا لم يكن لوث أو لم يظهر في حق الكل.
٦٢٦٩ - قوله: (ولزم التسليم، أو أنه يمنعني منه، أو مره بالخروج عن حقي، أو سَلْهُ جواب دعواي) (٢) مقتضاه: الاكتفاء بأحد هذه الأربعة، وليس كذلك، والذي في "أصل الروضة" اشتراط كون الدعوى ملزمة، فلا تصح حتى يقول: ويلزمه التسليم إليّ، ثم قال: وكان هذا إذا قصد بالدعوى تحصيل المدعى، ويجوز أن يقصد دفع المنازعة، فلا يشترط التعرض لوجوب التسليم، قال ابن الصباغ: لو قال: هذه الدار لي وهو يمنعها .. صحت الدعوى، ولا يشترط أن يقول: هي في يده؛ لأنه يجوز أن ينازعه وإن لم تكن في يده، ثم قال: وإذا ادعى ولم يقل للقاضي: مره بالخروج عن حقي، أو سله جواب دعواي .. فهل يطالبه القاضي؟ وجهان، قال ابن الصباغ: الأصح: نعم، وقال القاضي أبو سعد: الأصح: لا، زاد في "الروضة": الأول أقوى، ثم قال: فعلى الثاني طلب الجواب شرط آخر في صحة الدعوى، وسواء شرطنا هذا الاقتراح أم لم نشترطه، فاقترحه، فيمكن أن يقال: يغني ذلك عن قوله: ويلزمه التسليم إليّ،
стр. 2492
وأن من شرطه .. بناه على أنه لا يشترط الاقتراح المذكور. انتهى (١).
وقد ظهر بذلك أن ذكر لزوم التسليم أو ما يقوم مقامه في حالة، وذكر أنه يمنعه في حالة أخرى، لا أنه يجمع بينهما.
وقال شيخنا في "تصحيح المنهاج": ليس طلب الجواب شرطاً في صحة الدعوى، وإنما هو شرط لطلب القاضي الجواب من المدعى عليه، فلا يغني قوله: ويلزمه التسليم إليّ عن قوله: سله جواب دعواي.
قلت: لم يقل الرافعي: إن لزوم التسليم يغني عن طلب جواب الدعوى، وإنما ذكر عكسه، وهو أن الثاني يغني عن الأول، والله أعلم.
واعلم: أن مقتضى كلامهم: أن الدعوى إنما تصح بما يضمن بمثل أو قيمة، وليس كذلك، بل تسمع الدعوى بالكلب الذي يقتنى والسرجين ونحوهما؛ لطلب الرد لا للضمان، قاله الماوردي (٢).
٦٢٧٠ - قولهما - والعبارة لـ "التنبيه" -: (وإن ادعى نكاح امرأة .. فالمذهب: أنه يذكر أنه تزوجها بولي مرضد وشاهدي عدل) (٣)، قال شيخنا في "تصحيح المنهاج": وصف الولي بالرشد ليس صريحاً في العدالة، فينبغي أن يقول: بولي عدل.
قلت: ولهذا قال "الحاوي" [ص ٦٦٤]: (وتزويج بولي وشاهدي عدل) فكان وصف العدالة مقدماً في الولي، ويتعين على هذا قراءة قوله: (بولي) بغير تنوين، وهو على حد قولهم: قطع الله يد ورجل من قالها، قال الرافعي: وقياس هذا: وجوب التعرض لسائر الصفات المعتبرة في الولي (٤)، قال شيخنا أيضاً: وهذا في غير من يلي النكاح مع ظهور فسقه من ذي الشوكة المتكلم في أمور الناس كما سبق في النكاح، فإذا قال في دعواه: (بولي يصح عقده) .. كان ذلك كافياً.
ويختص "المنهاج" بأنه قال: (لم يكف الإطلاق على الأصح) (٥) فاقتضى أن الخلاف وجهان، وليس كذلك؛ فإن الذي صححه نص عليه في "الأم" والمختصر"، وقال القاضي حسين: حُكِي عن القديم أنه لا يحتاج إلى التفصيل كالبيع، ويرد عليهم جميعاً أمور:
أحدها: قال شيخنا في "تصحيح المنهاج": يستثنى من ذلك: أنكحة الكفار؛ فإنها
стр. 2493
لا يحتاج في الدعوى بها إلى التفصيل، ويكفي أن يقول: هذه زوجتي، وإن ادعى استمرار نكاحها بعد الإسلام .. فيذكر ما يقتضي تقريره بعد الإسلام، قال: وفي حديث ابن عباس الذي ذكرناه في اختلاف الزوجين في الإسلام ما يقتضي ذلك.
ثانيها: لا بد فيما إذا كان سفيهاً نكح بإذن وليه أو عبداً بإذن مالكه من قوله: نكحتها بإذن وليي أو مالكي، ذكره شيخنا المذكور أيضاً.
ثالثها: قال شيخنا أيضاً: إنما يعتبر الولي العدل في الحرة، ويقول في الأمة زَوَّجنِيها مالكها الذي له إنكاحها، أو من يلي أمر نكاحها، أو ولي مالكها العدل بإذن مالكها له في ذلك، أو مبعضة بولي ومالك.
٦٢٧١ - قول "الحاوي" [ص ٦٦٥]: (وعجز عن الطَّوْل وخاف العنت في نكاح الأمة) أحسن من قول "المنهاج" [ص ٥٧٧]: (فإن كانت أمة .. فالأصح: وجوب ذكر العجز عن طَوْلٍ وخوف عنتٍ) لأن المراد: الطول المعهود المذكور في شروط نكاح الأمة، ولفظ التنكير لا يدل على ذلك، ولو قالا: (وإن كان فيها رق) ليشمل المبعضة .. لكان أعم، ولا بد من التعرض لـ (أن الأمة مسلمة) إذا كان الزوج مسلماً سواء كان حراً أو عبداً.
٦٢٧٢ - قول "الحاوي" [ص ٦٦٥]: (ومنها بلا تعرض مهر ونفقة) قد يفهم أنه لا يحتاج إلى ذكر شروط النكاح، والذي حكاه الماوردي عن الأكثرين أنه لابد من ذلك، قال: وهو ظاهر مذهب الشافعي (١)، وفي "أصل الروضة": نقلوا في اشتراط تقييد النكاح والبيع المدعين بالصحة وجهين، وبالاشتراط أجاب في "الوجيز"، وقال في "الوسيط": الوجه القطع باشتراطه في النكاح، وأشار إلى أن الوجهين مفرعان على أنه لا يشترط تفصيل الشرائط، وإيراد الهروي يقتضي اطرادهما مع اشتراط التفصيل؛ ليتضمن ذكر الصحة نفي المانع (٢).
٦٢٧٣ - قولهما - والعبارة لـ "المنهاج" -: (أو عقداً مالياً كبيعٍ وهبة .. كفى الإطلاق في الأصح) (٣) محل هذا الخلاف: في غير بيوع الكفار، فإذا تبايعوا بيوعاً فاسدة وتقابضوا إما بأنفسهم وإما بإلزام حاكمهم .. فإنا نمضيه على الأظهر كما هو مقرر في الجزية فلا يحتاج فيها إلى ذكر الشروط.
٦٢٧٤ - قول "المنهاج" [ص ٥٧٧]: (ومن قامت عليه بينة .. ليس له تحليف المدعي) يستثنى منه صورتان:
стр. 2494
إحداهما: إذا قامت بينة بإعسار المديون .. فلصاحب الدين تحليفه في الأصح؛ لجواز أن يكون له مال في الباطن.
الثانية: إذا أقام بينة بعين وقال الشهود: لا نعلمه باع ولا وهب .. فإن الشافعي قال: (أحلفه أنها ما خرجت من ملكه بوجه من الوجوه، ثم أدفعها له) (١).
٦٢٧٥ - قوله: (فإن ادعى أداءً أو إبراءً أو شراء عينٍ أو هبتها وإقباضها .. حلَّفه على نفيه) (٢) فيه أمران:
أحدهما: أن محله: إذا ادعى حدوث ذلك بعد قيام البينة ومضى زمن إمكان ذلك، فإن لم يكن .. لم يلتفت إليه، وإن ادعى وجوده قبل شهادة الشهود؛ فإن لم يحكم القاضي بعد .. حلف المدعي على نفيه، وإن حكم .. لم يحلفه على الأصح في "أصل الروضة" (٣)، وحكاه الرافعي عن البغوي (٤)، وصحح شيخنا في "تصحيح المنهاج" خلافه، إلا أن يقر أنه لا مطعن له ولا دافع .. فيؤاخذ بإقراره، ولو كان قبل حكم القاضي، فإن ذكر تأويلاً من نسيان ونحوه .. فله التحليف، وله نظائر في المرابحة وغيرها.
ثانيهما: يستثنى منه: ما إذا حلف المدعي قبل ذلك إما مع شاهده أو يمين الاستظهار .. فلا يحلف بعد هذه الدعوى، وفي "أصل الروضة" في القضاء على الغائب عن "العدة": أنه لو ادعى قضاء الدين وسأل إحلافه أنه لم يستوفه .. لم يحلف؛ لأن القاضي الكاتب قد أحلفه، قال: وذكر البغوي في مثله في دعوى الإبراء أنه يحلفه أنه لم يبرئه، فحصل وجهان (٥).
قال شيخنا في "تصحيح المنهاج": والأصح عندي بل الصواب: ما قاله في "العدة" لأن البغوي يصحح في دعوى المدعى عليه القضاء أو الإبراء بعد قضاء القاضي بالبينة للمدعي بغير حلف أنه لا يحلف المدعي، فكيف يحلفه هنا؟ !
٦٢٧٦ - قوله: (وكذا لو ادعى علمه بفسق شاهده أو كذبه في الأصح) (٦) عبارة "الروضة": يشبه أن يكون الأصح: أنه له التحليف؛ ويؤيده ما سبق من قول الأصحاب: إن دعوى الإقرار بالمجهول صحيحة، وإن جواب الأكثرين في مسألة القذف التحليف، وإن كان المقذوف ميتاً وأراد القاذف تحليف الوارث أنه لا يعلم زنا مورثه .. حلف، وهذه الصورة محكية عن النص، لكن ذكر
стр. 2495
البغوي أن الأصح: أنه لا يحلفه إذا ادعى فسق الشهود أو كذبهم (١).
قال في "المهمات": تعارض بحث الرافعي مع تصحيح البغوي، وقد نص عليها الشافعي في "البويطي" فقال: وكلما ادعى عليه سوى هذا .. أحلفته له؛ مثل أن يقول: عصبنيه أو باعنيه، أو قد علم أن الشهود شهدوا بغير الحق .. أحلفته على علمه في الشهود أنهم لم يشهدوا بباطل وعلى الميت فيما سوى ذلك.
٦٢٧٧ - قوله: (وإذا استمهل ليأتي بدافع .. أمهل ثلاثة أيام) (٢) فيه أمران:
أحدهما: محله ما إذا فسر الدافع كقضاء أو إبراء، فإن قال: لي بينة دافعة .. استفسر؛ لأنه قد يتوهم ما ليس بدافع دافعاً، إلا أن يعرف معرفته، ولذلك قال "التنبيه" في صفة القضاء [ص ٢٥٥]: (وإن قال: لي بينة قريبة بالقضاء أو الإبراء .. أمهل ثلاثة أيام).
ثانيهما: قال شيخنا في "تصحيح المنهاج": المعتمد في الفتوى أنه لا إمهال في شيء من ذلك، ويقضي للمدعي بما توجه، فإن أتى المدعى عليه بما يخالف ذلك .. عمل بمقتضاه (٣) أي: حر الأصل؛ ولهذا قال "الحاوي" [ص ٦٨٣، ٦٨٤]: (وحلف مدعي حرية الأصل) أما لو قال: أعتقتني، أو أعتقني الذي باعني منك .. فلا يقبل إلا ببينة، ومحله كما قال شيخنا في "تصحيح المنهاج": ما إذا كان في يد المدعي لرقه، فإن لم يكن في يده .. فالقول قول العبد؛ لأنه يدعي سلطنة عليه، والأصل عدمها، والمراد: قبول قول المدعى عليه مع يمينه، وقد صرح بذلك "الحاوي" كما تقدم.
٦٢٧٩ - قول "المنهاج" [ص ٥٧٧]: (أو رق صغير ليس في يده .. لم يقبل إلا ببينة) يرد عليه: ما لو كان في يد غيره وصدقه صاحب اليد .. فيكفي ذلك.
قال شيخنا في "تصحيح المنهاج": والأرجح الأقيس: أنه لا يعتبر هنا أن لا يعرف استناد يده إلى التقاط، كما يكفي تصديق صاحب اليد في غير ذلك وإن لم يكن مالكاً.
٦٢٨٠ - قوله: (أو في يده .. حُكم له به إن لم يعرف استنادها إلى التقاط) (٤) يدخل فيه ما إذا عرف استنادها لسبب من أسباب الملك، وما إذا لم يعرف استنادها لذلك ولا لالتقاط، ونازع شيخنا في "تصحيح المنهاج" في الثانية، وقال: مقتضى كلام الشافعي خلافه، وهو المعتمد.
стр. 2496
٦٢٨١ - قوله: (فلو أنكر الصغير وهو مميز .. فإنكاره لغو) (١) قد يفهم أنه لو بلغ فأنكر .. قُبل إنكاره، وهو مقتضى قول "الحاوي" [ص ٦٨٣، ٦٨٤]: (وحلف مدعي حرية الأصل وإن سبق في الصغر قرينة)، وليس كذلك كما تقدم في "المنهاج" في اللقيط، وعبارته: (فإن بلغ وقال: "أنا حر" .. لم يقبل قوله في الأصح إلا ببينة) (٢)، وعليه مشى "الحاوي" هناك (٣)، وقد يفهم من قول "المنهاج" [ص ٥٧٧]: (فإنكاره لغو) عدم تحليف المدعي، وليس كذلك.
٦٢٨٢ - قول "المنهاج" [ص ٥٧٧]: (ولا تسمع دعوى مؤجل في الأصح) يستثنى منه مسائل:
الأولى: إذا ادعى على القاتل بقتل خطأ أو شبه عمد .. سمع مع أن ذلك إنما يوجب دية مؤجلة، فلو ادعى ذلك على العاقلة .. لم تسمع جزماً؛ لأنه لم يتحقق لزومه لمن ادعى عليه به؛ لجواز موته أثناء الحول وإعساره آخره، ذكره شيخنا في "تصحيح المنهاج"، وقال: لم أر من تعرض لذلك.
الثانية: إذا كان بعض الدين حالاً .. سمعت الدعوى بالجميع كما قاله الماوردي، ويكون المؤجل تبعاً.
الثالثة: إذا كان المؤجل في عقد قصد بدعواه تصحيح المطالبة؛ كالسلم المؤجل .. صحت دعواه، قاله الماوردي أيضاً.
فَصْلٌ [فيما يترتب على سكوت المدعى عليه عن جواب الدعوى]
٦٢٨٣ - قول "المنهاج" [ص ٥٧٧]: (أصر المدعى عليه على السكوت عن جواب الدعوى .. جُعل كمنكرٍ ناكلٍ) محل جعله كناكل: ما إذا حكم القاضي بنكوله بعد عرض اليمين عليه، أو قال للمدعي: احلف، ولهذا قال "التنبيه" [ص ٢٥٥]: (قال له الحاكم: إن أجبت، وإلا .. جعلتك ناكلاً، ويستحب أن يكرر عليه ثلاثاً، فإن أجاب، وإلا .. جعله ناكلًا) و"الحاوي" [ص ٦٩٠]: (أو سكت، وقضى بالنكول، أو قال للمدعي: احلف .. فالمدعي) قال في "أصل الروضة": وإنما يحكم بأنه ناكل بالسكوت إذا لم يظهر كون السكوت لدهشة أو غباوة ونحوهما، وحينئذ .. يتعين عليه شرحه له ثم الحكم بعد ذلك. انتهى (٤).
стр. 2497
وقال شيخنا في "تصحيح المنهاج": هذا إذا لم يكن المدعى عليه نائبًا .. فالوكيل يجعل كالمنكر ولا يجعل كالناكل؛ لأن اليمين لا تتوجه إليه، قال: ولا يحل للولي السكوت، ويجب عليه أن يجيب بما يعرفه، فإن أصر على السكوت؛ فإن كان أبًا أو جدًا أو وصي أحدهما .. عرفه الحاكم قدح ذلك في ولايته؛ ولهذا السكوت شبه بعضل الولي، وإن كان المدعى عليه قيم الحاكم .. زجره وأقام غيره، فإن أصر .. جعل حينئذ ناكلًا (١).
٦٢٨٤ - قول "المنهاج" [ص ٥٧٧]: (فإن ادعى عشرة فقال: "لا تلزمني العشرة" .. لم يكف حتى يقول: "ولا بعضها"، وكذا يحلف، فإن حلف على نفي العشرة واقتصر عليه .. فناكلٌ، فيحلف المدعي على استحقاق دون عشرة بجزء ويأخذه) اقتصر "الحاوي" على ذلك في اليمين فقال [ص ٦٨٧]: (حلف لنفي المدعى وأجزأئه) فقد يقال: يفهم منه مثل ذلك في الجواب، وقد يقال: هو موافق للقاضي حسين في أنه يكلف ذلك في اليمين لا في الإنكار، ثم محل ما ذكراه فيما إذا لم يسند المدعى إلى عقد، فإن أسنده؛ كما لو ادعت امرأة على رجل أنه نكحها بخمسين .. فإنه يكفيه أن يقول: ما نكحتها بخمسين، ويحلف عليه؛ لأن المدعي للنكاح بخمسين غير مدع للنكاح بما دونه، فإن نكل .. لم يمكنها أن تحلف على أنه نكحها ببعض الخمسين؛ لأنه يناقض ما ادعته أولًا، ذكره الرافعي (٢).
وفي "التعليقة" على "الحاوي": أنها إذا أرادت الدعوى بما دونه .. استأنفت دعوى أخرى، ونازع شيخنا في "تصحيح المنهاج" في حلف المدعي على ما دون العشرة بجزء، وقال: المدعى عليه إنما نكل عن شيء منها, لا عن كلها إلا شيء منها، فالذي يحلف عليه المدعي إنما هو استحقاق شيء منها لا استحقاق [ما دونها] (٣) بجزء، ولكن إذا ادعى عليه ثانيًا بما دون العشرة بجزء، فأنكر ونكل عن اليمين .. فهنا يحلف (٤) المدعي على استحقاق ما دون العشرة بجزء، وكذا لو قال في الجواب: ولا ما دون العشرة، ونكل في الحلف عن قوله: ولا ما دون العشرة .. فهنا يحلف على استحقاق ما دون العشرة بجزء ويأخذه. انتهى.
وفيه نظر؛ فقد نكل عن كلها إلا شيء منها وهو العشرة التي حلف عليها، وقوله في الجواب: ولا شيء منها, ليس المراد به: شيئًا مخصوصًا، بل هو نكرة في سياق النفي، فَعَمَّ كل جزء من أجزائها, ولم يحلف إلا على نفي جزء واحد، وهو تمام العشرة، فصار ناكلًا عن اليمين فيما عدا
стр. 2498
ذلك، ولا تفاوت بين المذكور في كلام الرافعي والنووي من قوله: ولا بعضها، أو ولا شيء منها، وبين اللفظ الذي ذكره شيخنا، وهو قوله: ولا ما دون العشرة؛ لتناول كل من هذه الألفاظ كل جزء من الأجزاء الناقصة عن تمام العشرة، والله أعلم.
٦٢٨٥ - قول "المنهاج" [ص ٥٧٨]: (أو شفعة .. كفاه: "لا تستحق عليّ شيئًا") عبارة "المحرر": (لا تستحق عليّ شفعة) (١)، وعبارة "الروضة" وأصلها: (لا شفعة لك عندي) (٢).
وقال شيخنا في "تصحيح المنهاج": الظاهر أنه لا يكتفى في الشفعة بقوله: لا تستحق عليّ شيئًا؛ لأن الناس لا يعدون الشفعة مستحقة على المشتري؛ لأنها ليست في ذمته كالدين، ولا تعلق به ضمانها كالغصب وغيره؛ فالجواب المعتبر: (لا شفعة لك عندي) ولمَّا صرح في تعبير "المحرر" بالشفعة .. سومح في قوله على قوله: (ولو كان بيده مرهون أو مكرىً وادعاه مالكه .. كفاه: "لا يلزمني تسليمه") (٣)، رجح شيخنا في "تصحيح المنهاج": أنه لا يكفيه ذلك؛ لأنه قد يكون مبطلًا في دعواه، فيتعطل على المالك الوصول إلى ملكه.
وفيه نظر؛ فإن المالك يصل إلى ملكه بإقامة البينة على ذلك، فيجب على صاحب اليد حينئذ التسليم كما قاله القاضي حسين، واعتراض الغزالي عليه مردود، فإن لم يكن للمدعي بينة بالملك .. فلا سبيل إلى تصديقه بمجرد دعواه، والله أعلم.
٦٢٨٦ - قوله: (فلو اعترف بالملك وادعى الرهن أو الإجارة .. فالصحيح: أنه لا يقبل إلا ببينة) (٤) لا يفهم منه أن مقابل الصحيح قبوله بلا بينة بالنسبة إلى مدة الإجارة والدين المرهون به وقدره؛ فإن ذلك لم يقل به أحد، وإنما قبل قوله على هذا الوجه بالنسبة إلى عدم انتزاعه منه فقط.
٦٢٨٧ - قوله: (فإن عجز عنها وخاف أولًا إن اعترف بالملك جَحْدَهُ الرهن والإجارة .. فحيلته أن يقول: "إن ادعيت ملكًا مطلقًا .. فلا يلزمني تسليمه، وإن ادعيت مرهونًا .. فاذكره لأجيب") (٥)، كان ينبغي تأخير قوله: (أولًا) عن قوله: (اعترف) أو عن قوله: (بالملك) فإن تقديمه يفهم تعلقه بخاف، ولا معنى له، وهذه الحيلة حكاها الرافعي عن القفال والفوراني وترجيح "الوجيز"، وقال القاضي حسين: لا يقبل الجواب على التردد، بل حيلته أن يجحد ملكه
стр. 2499
إن جحد صاحبه الدين والرهن؛ أخذًا من الظفر بغير جنس الحق (١).
وقال شيخنا في "تصحيح المنهاج": هذه الحيلة ليست صحيحة، ولا حاجة إليها مع سبق الاكتفاء بجواب جازم، وهو قوله: لا يلزمني تسليمه، وما ذكره القاضي حسين من عدم سماع الجواب المردد هو الصحيح.
٦٢٨٨ - قوله: (وإن ادعى عليه عينًا فقال: "ليست لي"، أو "هي لرجل لا أعرفه"، أو "لابني الطفل"، أو "وقف على الفقراء"، أو "مسجد كذا" .. فالأصح: أنه لا تنصرف الخصومة ولا تُنزع منه، بل يُحلفه المدعي على أنه لا يلزمه التسليم إن لم تكن بينة) (٢) فيه أمور:
أحدها: أن مقتضاه: أن قوله: (ليست لي) جواب كاف، وقال شيخنا في "تصحيح المنهاج": الصواب: أنه ليس بكاف؛ لأنه ليس مضادًا للدعوى، فيقال للمدعى عليه: إن أصررت عليه .. صرت منكرًا وجعلت بعد عرض اليمين عليك ناكلًا، فيحلف المدعي ويحكم له، قال: هذا هو الفقه المعتبر البخاري على قواعد الباب، وسيأتي التصريح بنظيره من كلام الأصحاب في الإضافة إلى مجهول.
ثانيها: وما ذكره من الاكتفاء بقوله: (هي لرجل لا أعرفه) مشى عليه "الحاوي" أيضًا، وهو مخالف لقول "التنبيه" [ص ٢٦١]: (وإن أقر به لمجهول .. لم يقبل، وقيل له: إما أن تقر لمعروف أو نجعلك ناكلًا) وسكت عليه النووي في "تصحيحه"، واعتمده شيخنا في "تصحيح المنهاج"، وحكاه عن العراقيين مطلقًا، قال: ولم يوضح المراوزة الكلام على هذه الصورة، وتبعهم الرافعي فلم يفصح بالمقصود. انتهى.
ثم قال "التنبيه" في هذه الصورة [ص ٢٦١]: (وقيل: يقال له: إما أن تقر به لمعروف أو لنفسك أو نجعلك ناكلًا) ومقتضاه: ترجيح أنه لا تقبل دعواه لنفسه، وأقره النووي فلم يستدركه في "التصحيح"، وحكى فيه في "أصل الروضة" وجهين من غير ترجيح (٣).
ثالثها: قوله: (أو لابني الطفل) كذا لو قال: إنه لغير ابنه ممن هو تحت حجره، وفي معنى الطفل: المجنون والسفيه، فلو قال: (لمحجوري) .. كان أشمل، ومنه يعلم أن قوله: (وقف على الفقراء، أو مسجد كذا) مقيد بأن يكون هو الناظر، فإن كان النظر لغيره .. انصرفت الخصومة إليه.
رابعها: مقتضاه: إثبات وجه قوي بانصراف الخصومة عنه فيما إذا قال: (ليست لي)، وكذا
стр. 2500
هو في "الروضة" وأصلها (١)، وأنكره شيخنا في "تصحيح المنهاج".
خامسها: قال شيخنا أيضًا: الخلاف في التبرع لا يصح في مجرد قوله: ليس لي؛ لأنه ليس فيه التصريح بما يقتضي رفع يده، ولم أره في طريقة العراقيين، وإنما هو مذكور في طريق المراوزة، وهو مزيف، وكيف يزيل اليد التي لم يظهر لنا السبب لإزالتها؟ ! هذا مما لا يمكن القول به فضلًا عن أن يكون قويًا.
سادسها: نازع شيخنا المذكور أيضًا في إثبات خلاف في انصراف الخصومة عنه في قوله: (هي لرجل لا اعرفه) وقال: الذي ذكره ليس بجواب قطعًا، فيستحيل انصراف الخصومة عنه، ولم يذكر جوابًا مقنعًا.
سابعها: ونازع أيضًا في الخلاف في الانتزاع في الصورة المذكورة، وقال: إنه مردود فضلًا عن أن يكون قويًا؛ لأنه يجوز أن يكون عنده برهن لازم وينسى الراهن، وكذا في الإيداع ونحوه، وقال: قل من رأيته حكى الخلاف في ذلك، وهو في "النهاية" و"التهذيب" (٢)، ولعل قائله قاله في صورة وجد فيها ما يقتضي أن لا بد له، فحينئذ .. يأتي هذا الوجه.
ثامنها: قال شيخنا المذكور أيضًا: إثبات الخلاف في انصراف الخصومة في قوله: (هي لابني الطفل) ذكره الرافعي (٣)، وعندي أنهما ليسا وجهين، وأنهما منزلان على حالين:
أحدهما: أن يكون الكلام بالنسبة إلى رقبة المدعي به، وهذا تنقطع فيه الخصومة قطعًا، ويبقى النظر في بقاء الخصومة بالنسبة إلى تحليف المدعى عليه، وفي "النهاية" ما يقتضيه (٤).
ثانيهما: أن لا ينظر إلى الرقبة، وإنما ينظر إلى الخصومة من حيث هي وهي باقية بالنسبة إلى قيام البينة وإلى تحليف القيم أنه لا يلزمه التسليم.
تاسعها: قال شيخنا أيضًا: كلامه يقتضي إثبات خلاف في قوله: (لابني الطفل) في النزع، وهذا لم يقله أحد من الأصحاب فيما إذا كان الأب وليًا للطفل، ولا يمكن القول به؛ لظهور فساده بما يقتضيه من إبطال الحقوق بغير مستند، وليس ذلك في "المحرر"، ولا في "الشرح" و"الروضة"، وهو واضح الفساد فإن لم يكن الأب المذكور أهلًا للولاية .. انتزع منه قطعًا.
عاشرها: قال شيخنا المذكور أيضًا: إثبات الخلاف في انصراف الخصومة في قوله: (وقف على الفقراء، أو مسجد كذا) لا نسلمه، وقد أثبته الرافعي من نقلين، وقد قدمنا أنه لا خلاف
стр. 2501
بينهما في نظيره (١)، وقوله فيهما: (الأصح: أنه لا ينزع منه) يقال عليه: إن كان المقر المذكور ناظر الوقف .. فلا ينزع منه قطعًا، وإلا نزع منه قطعًا؛ فإثبات الخلاف في ذلك غير مستقيم.
حادي عشرها: قوله: (بل يحلفه المدعي أنه لا يلزمه التسليم) يقتضي تعلقه بالصور الخمس، قال شيخنا في "تصحيح المنهاج": ولم يقله أحد من الأصحاب، بل الحكم في الأولى والثانية ما قدمناه عند ذكر أنه لا يقنع منه بهذا الجواب، وبقية الصور لا يحلف فيها على ما ذكر.
ثاني عشرها: قوله: (إن لم تكن بينة) يقتضي أنه إنما يحلفه على ما ذكر إن لم تكن بينة، قال شيخنا المذكور: وهذا قيد غير معتبر، والذي في "المحرر": (بل يقيم المدعي البينة أو يحلفه أنه لا يلزمه تسليمه) (٢) وقد تقدم أنه إنما تسمع البينة حيث كان المدعى عليه قيم الطفل أو ناظر الوقف، قال: واعلم: أنه يخرج في الصور الخمس عشرون موضعًا على "المنهاج" من جهة الأحكام الأربعة التي أثبتها في الصور الخمس وهي: تصحيح عدم انصراف الخصومة، وعدم النزع، وتحليف المدعى عليه أنه لا يلزمه التسليم، وقيد أن لا يكون له بينة، وقد يزداد العدد إذا نظر إلى ما قررناه. انتهى.
٦٢٨٩ - قول "المنهاج" [ص ٥٧٨]: (وإن أقر به لمعين حاضر تمكن مخاصمته وتحليفه .. سئل، فإن صدقه .. صارت الخصومة معه) فيه أمور:
أحدها: أنه يفهم أنه إذا أقر به لمن لا تمكن مخاصمته وهو المحجور .. لا تنصرف الخصومة عنه، وليس كذلك، بل تنصرف عنه إلى وليه؛ ولهذا أطلق "التنبيه" فقال [ص ٢٦١]: (وإن أقر به لغيره وصدقه المقر له .. انتقلت الخصومة إليه)، وقد يقال: أفهم بقوله: (وصدقه) أن كلامه في غير المحجور، ولم يستثن "الحاوي" إلا المجهول والمكذب (٣)، فدل على أن المصدق بخلافه.
ثانيها: لو اقتصر على إمكان المخاصمة أو إمكان التحليف .. حصل الغرض، ولا حاجة للجمع بينهما.
ثالثها: فهم من قوله: (صارت الخصومة معه) انصرافها عن المدعى عليه، وليس كذلك؛ فللمدعي طلب يمين المدعى عليه؛ بناء على أنه يغرم (٤) له البدل لو أقر له، وهو الأظهر (٥)، وقد ذكره "التنبيه" فقال [ص ٢٦١]: (وهل يحلف المدعى عليه؟ فيه قولان) وقد عرفت أن الأظهر:
стр. 2502
التحليف، وعليه مشى "الحاوي" فقال [ص ٦٦٧]: (فإن أقر .. ثبت، ولغير لا مجهول ومكذب .. حُلّف) وتبع فيه "الوجيز" (١)، ولم يتعرض له في "الروضة" وأصلها.
٦٢٩٠ - قول "التنبيه" [ص ٢٦١]: (وإن كذبه المقر له .. أخذه الحاكم وحفظه إلى أن يجيء صاحبه) الأصح: أنه يترك في يد المقر، وهو الذي صدر به "المنهاج" كلامه ثم قال [ص ٥٧٨]: (وقيل: يسلم إلى المدعي، وقيل: يحفظه الحاكم لظهور مالك) وقول "الروضة": فيه الأوجه الثلاثة السابقة في الإقرار (٢)، يقتضي أن منها إجبار المقر له على أخذه لا تسليمه للمدعي كما تقدم في الإقرار.
قال شيخنا في "تصحيح المنهاج": ولم يقل ذلك أحد هنا، وكأنهم لما رأوا أن المدعي قائم بالدعوى والمقر له مكذب .. رجح عندهم جانب المدعي على جانب المقر له، فجعلوا بدل ذلك الوجه تسليمه للمدعي، ولو قيل به هنا .. لم يبعد، وهو أولى من الوجه الصائر إلى تسليمه للمدعي، وفي "المطلب": إنه بعيد لا أصل له؛ وليس ببعيد؛ لأنه مقتضى إقرار من العين في يده، وعبارة "الحاوي" توافق "المنهاج" فإنه ذكر تحليف المقر له إذا كان غير مجهول أو مكذب (٣)، فدل على عدم انصراف الخصومة عن المقر إذا كان المقر له أحدهما، وذلك يدل على تركه في يده، ولو أخذه الحاكم منه أو سلم للمدعي .. لا تنصرف الخصومة عنه.
٦٢٩١ - قول "التنبيه" [ص ٢٦١]: (وإن أقر به لغائب .. انتقلت الخصومة إليه) و"المنهاج" [ص ٥٧٨]: (فالأصح: انصراف الخصومة عنه) هو بالنسبة إلى رقبة العين المدعاة، أما بالنسبة إلى تحليف المدعى عليه .. فلا تنصرف على الأصح، بل له تحليفه من أجل تغريم البدل لو أقر له بها تفريعًا على التغريم للثاني فيمن قال: هذه الدار لزيد، ثم قال: هي لعمرو، وهو الأصح.
ويرد على "المنهاج": أن محل الخلاف: ما إذا لم يقم بينة بأنها للغائب، فإن أقامها .. ففي "أصل الروضة": أنه تنصرف الخصومة عنه لا محالة، ولا يجيء فيه الوجهان (٤)، وعبارة "الحاوي" [ص ٦٦٧]: (وتسمع بينته للغائب، ولا يثبت ملكه) أي: لا يحكم للغائب بالملك بهذه البينة؛ أي: سواء شهدت البينة بأنه في رهن المدعي أو إجارته أم لا، وعند التعرض لذلك وجه موجه بأنه مدع لنفسه حقا وقد أقام البينة عليه، فلا بد من إثباته، ولا يثبت إلا بثبوت الملك للغائب، قال الرافعي: ولا بأس بهذا الوجه وبتوجهه، والناقلون رجحوا الوجه الآخر (٥).
стр. 2503
٦٢٩٢ - قول "المنهاج" [ص ٥٧٨]: (ويوقف الأمر حتى يقدم الغائب، فإن كان للمدعي بينة .. قُضي بها) قال شيخنا في "تصحيح المنهاج": إنه كلام متهافت؛ لأن وقف الأمر حتى يقدم الغائب ينافيه قوله: (فإن كان للمدعي بينة .. قضي بها)، وعبارة "المحرر" سالمة من هذا؛ فإنه قال: (فإن لم يكن للمدعي بينة .. توقف الأمر إلى أن يحضر الغائب، وإن كان له بينة .. فيقضى له) (١)، قال شيخنا: ووقف الأمر على ما قررناه محله بالنسبة إلى رقبة العين لا إلى تحليف صاحب اليد كما تقدم في الانصراف.
٦٢٩٣ - قوله: (وهو قضاء على غائب، فيحلف معها) (٢) في "أصل الروضة": إنه أقوى وأليق بالوجه المفرع عليه، واختاره الإِمام والغزالي، وأن العراقيين والروياني رجحوا أنه قضاء على حاضر (٣).
وقال شيخنا في "تصحيح المنهاج": إن كونه قضاء على غائب مخالف لنص "الأم" و"المختصر" ولكثير من الأصحاب في الطريقين ولمقتضى الدليل بحيث يتبين أنه غلط، وأن مقابله هو المذهب المعتمد، ثم بسط ذلك.
٦٢٩٤ - قول "المنهاج" [ص ٥٧٨]- والعبارة له - و"الحاوي" [ص ٦٦٦]: (وما قُبل إقرار عبدٍ به كعقوبة .. فالدعوى عليه، وعليه الجواب، وما لا كأرش .. فعلى السيد) فيه أمران:
أحدهما: أنه يرد عليه أمور لا تسمع الدعوى بها على أحدهما منفردًا، وإنما تسمع عليهما، منها: النكاح لا يثبت إلا بإقرارهما جميعًا، فتكون الدعوى به عليهما ما لم يعتق العبد.
ومنها: ضمان الإحضار؛ فإنه لا يقبل إقرار العبد فيه ومع ذلك لا تكون الدعوى فيه على السيد؛ لأنه لم يتعلق بمحض ذوات المنفعة المستحقة للسيد من جهة ما فيه من إتعاب العبد نفسه والسعي في إحضار المضمون، وذلك يعتبر فيه اجتماع العبد والسيد.
ومنها: النسب لا بد فيه من النظر إلى العبد بالإقرار وإلى السيد بالتصديق، ذكر ذلك شيخنا في "تصحيح المنهاج".
ثانيهما: مقتضى قوله: (وما لا كأرش .. فعلى السيد) أنه لو وجهت الدعوى هنا على العبد .. لم تسمع، وفيه وجهان، اختار الإِمام والغزالي إلى المنع (٤)، والمقطوع به في "التهذيب" السماع إن كان للمدعي بينة أو لم تكن وقلنا: المردودة كالبينة، وإلا .. فلا، قال
стр. 2504
الرافعي: وفي كل منهما إشكال، والمتوجه أن يقال: تسمع لإثبات الأرش في ذمته لا لتعلقه في رقبته (١).
وقال شيخنا في "تصحيح المنهاج": يخرج منه أن الأصح: أنه لا تسمع الدعوى على العبد بذلك؛ لأن الأصح: أنه لا يتعلق بالذمة، والأصح: أنه لا تسمع الدعوى بالدين المؤجل، وهو قد خرج هذه على تلك، قال شيخنا: والذي نقوله: إن المتوجه أن تسمع الدعوى عليه ليقر بالأرش فيتعلق بذمته أو ينكل، ويرد اليمين على المدعي، فيحلف، فيتعلق الأرش بذمته، ولا يتفرع على سماع الدعوى بالدين المؤجل؛ لأن الدين المؤجل وقع التأجيل فيه بالتراضي من المتعاقدين وله أمد ينتظر، بخلاف ما في ذمة العبد في الأمرين معًا.
تنبيه [على وجوب اليمين وعدمه]
مقتضى كلامهم: أن اليمين غير واجبة، وبه صرح في "النهاية" فقال: لا تجب اليمين قط، وأقره عليه الرافعي، وقال الشيخ عز الدين في "قواعده الكبرى": هذا ليس إطلاقه، بل يتعين الحلف حيث يؤدي تركه إلى تعاطي ما لا يباح بالإباحة؛ كالدماء والقروح والضرب في الحدود والتعازير ونحوها بخلاف الأموال والمنافع (٢).
فصل [متى تغلظ يمين المدعي والمدعى عليه ؟ ]
٦٢٩٥ - قولهم - والعبارة لـ "المنهاج" -: (تغلظ يمين مدع ومدعى عليه فيما ليس بمال ولا يقصد به مال، وفي مال يبلغ نصاب زكاة) (٣) فيه أمور:
أحدها: أورد عليه الحقوق كالسرجين وكلب الصيد ونحوهما ليست مالًا ولا يقصد منها المال ومع ذلك لا تغليظ فيها، والوكالة في المال تغلظ مع أن المقصود منها المال، وفي "الوسيط" تبعًا "للنهاية": التغليظ يجري في كل ما له خطر مما لا يثبت برجل وامرأتين، وجرى في عيوب النساء؛ لأن ثبوتها بقول النساء لا لنقصان الخطر (٤).
стр. 2505
وفي "الكفاية" عن الماوردي وغيره: تقييد التغليظ في غير المال بما لا يثبت إلا بشاهدين، وقال شيخنا في "تصحيح المنهاج": عندي أن الضابط لذلك أن الذي لا يثبت بالشاهد واليمين .. يغلظ فيه، وما يثبت بشاهد ويمين .. ففيه التفصيل.
ثانيها: ظاهره اعتبار نصاب الزكاة في المدعى به، فإن ادعى بإبل .. لم يغلظ إلا في خمس، أو ببقر .. ففي ثلاثين، أو بغنم .. ففي أربعين، أو بمعشر .. ففي خمسة أوسق، وهو وجه حكاه الماوردي (١)، والذي في "أصل الروضة" اعتبار عشرين دينارًا أو مائتي درهم (٢)، والمنصوص عليه في "الأم" و"المختصر": اعتبار عشرين دينارًا عينا أو قيمة (٣).
وقال شيخنا في "تصحيح المنهاج": إنه الأصح المعتمد، حتى لو كان المدعى به من الدراهم .. اعتبر بالذهب، قال: ويخرج من كلام الماوردي الاتفاق على عدم إلحاق نصاب الدراهم وحده بنصاب الدنانير، بل إما أن يلحق به كل النصب وإما أن يخص ذلك بالذهب.
ثالثها: لو اختلفا في الثمن فقال البائع: عشرون دينارًا وقال المشتري: عشرة .. فلا تغليظ هنا؛ لأن الذي يتعلق به التفويت أو الإثبات عشرة دنانير وإن كان جملة الثمن عشرين دينارًا، ذكره شيخنا في "تصحيح المنهاج": وقال لم أر من تعرض له.
رابعها: لم يذكروا حقوق الأموال كالخيار والأجل وحق الشفعة والرد بالعيب، وحكمها أنها إن تعلقت بمال هو نصاب .. غلظ فيها، وإلا .. فلا.
خامسها: يرد على تقييد المال ببلوغه نصابًا ما لو رأى القاضي جرأة في الحالف .. فله حينئذ التغليظ وإن نقص عن نصاب، ذكره في "أصل الروضة" (٤).
قال شيخنا في "تصحيح المنهاج": والذي يظهر أن التغليظ بذكر الأسماء والصفات يفعله القاضي فيما دون النصاب وإن لم تظهر جرأة الحالف.
٦٢٩٦ - قول "المنهاج" [ص ٥٧٩]: (وسبق بيان التغليظ في اللعان) يقتضي أنه سبق فيه التغليظ بزيادة الأسماء والصفات أيضًا، وليس كذلك؛ فإنما سبق فيه التغليظ بالمكان والزمان؛ ولهذا قال "التنبيه" [ص ٢٦٧]: (غلظ عليه اليمين بالمكان والزمان واللفظ، أما المكان والزمان .. فقد بيناه في اللعان، وأما اللفظ .. فهو أن يقول: والله الذي لا إله إلا هو، عالم الغيب والشهادة، الرحمن الرحيم، عالم خائنة الأعين وما تخفي الصدور، وإن كان يهوديًا، حلف بالله الذي أنزل
стр. 2506
التوراة على موسى ونجاه من الغرق، وإن كان نصرانيًا .. حلف بالله الذي أنزل الإنجيل على عيسى، وإن كان مجوسيًا أو وثنيًا .. حلف بالله الذي خلقه وصوره، وإن اقتصر على الاسم وحده .. جاز) وسبق في اللعان التغليظ بحضور جمع أقله أربعة، قال الرافعي: ولم يذكروه هنا، ويشبه مجيئه في يمين تتعلق بإثبات حد أو دفعه كاللعان (١)، وصوب النووي عدم اعتباره هنا (٢).
ومال إليه شيخنا في "تصحيح المنهاج"، ومنع ما قاله الرافعي؛ فإن اللعان وقع فيه أمور معضلة خارجة عن القياس، وما خرج عن القياس لا يقاس عليه، قال: وحضور جمع أقله أربعة يناسب النصاب الذي يثبت به حد الزنا؛ فكان ينبغي في بحث الرافعي التغليظ بحضور اثنين.
٦٢٩٧ - قولهم - والعبارة لـ "المنهاج" -: (ويحلف على البت في فعله، وكذا فعل غيره إن كان إثباتًا) (٣) أورد عليه شيخنا في "تصحيح المنهاج" صورًا:
منها: اختلاف المتبايعين في قدم عيب .. يحلف البائع على البت أنه لم يأبق عنده مثلًا.
قلت: هو فعل عبده، فيحلف فيه على البت ولو كان نفيًا كما سيأتي.
ومنها: حلف مدعي النسب اليمين المردودة، فيحلف بتًا أنه ابنه ولا فعل له في النسب.
قلت: يرجع إلى الحلف على أنه ولد على فراشه، وهو إثبات، وقد عرف أن الحلف فيه على البت وإن لم يكن فعله.
ومنها: الإعسار، فيحلف فيه على البت، وليس فعل نفسه، وإنما هو صفة له.
قلت: بل هو نفي ملك نفسه زيادة على أمر مخصوص.
ومنها: حلف أحد الزوجين على عيب صاحبه اليمين المردودة، فهو على البت وإن لم يكن فعلًا لخصمه.
قلت: هو فعل الله تعالى به؛ فهو حلف على فعل غيره إثباتًا.
٦٢٩٨ - قول "التنبيه" في الحلف على فعل غيره [ص ٢٦٧]: (وإن كان على نفي .. حلف على نفي العلم) أورد عليه: أنه يحلف على نفي جناية بهيمته على البت قطعًا وعلى نفي جناية عبده على البت في الأصح، ذكرهما "المنهاج" (٤)، وأورد في "تصحيحه" الأول بلفظ الصواب، والثاني بلفظ الأصح، وعليه مشى "الحاوي" فقال [ص ٦٨٧]: (بتًا كما أجاب؛ كأرش جناية العبد، وإتلاف بهيمة قصَّر بتسريحها) ثم قال: (ونفي العلم لنفي فعل غيره) (٥) ومقتضاه: أن فعل عبده
стр. 2507
وبهيمته ليس فعل غيره، ووجهه في العبد: أنه ماله وفعله كفعله؛ ولذلك سمعت الدعوى عليه، وفي البهيمة: أنه لا ذمة لها، والمالك لا يضمن بفعل البهيمة، بل بتقصيره في حفظها، وذلك أمر يتعلق بنفس الحالف، وإليه أشار بقوله: (قصر بتسريحها).
قال شيخنا في "تصحيح المنهاج" وقوله: (قطعًا) قد لا يسلم له؛ ففي "الوسيط" ما يشعر بخلاف فيه؛ حيث قال: (فالظاهر أنه يلزمه) (١)، وأورد شيخنا في "تصحيح المنهاج" مع ذلك مسائل عنها أجوبة كما قدمناه في الذي قبله؛ فلذلك لم أطول بذكرها، ثم قال: ومختصر هذا المبسوط: أن اليمين إن كانت في جانب المدعى عليه في الإثبات .. فعلى البت، أو في النفي والمطلوب بالدعوى لاقاه ابتداء، ويمكن اطلاعه على سبب الملاقاة حالة صدوره، وليس مما يغيب غالبًا عن المدعى عليه .. فالحلف فيه على البت وإن لم يلاقه ابتداء؛ لأنه وارث، أو لأنه لا تعلق له بالسبب المدعى به عند صدوره، أو لاقاه ابتداء لكن لا يمكن اطلاعه (٢) على سبب الملاقاة، وليس من شأنه أن يشتهر؛ فالحلف فيه على نفي العلم، وإن كانت اليمين من جانب المدعي .. فهي على البت دائمًا، إلا إذا كانت لدفع معارض لا لإثبات المطلوب مع تصور الحلف فيه على نفي العلم، وفي "المطلب" ضبط مختصر، وهي أن كل يمين على البت إلا نفي فعل الغير قال: وقد قالها البندنيجي وغيره، واقتصر عليها في "الروضة"، وهي تنتقض بما إذا ادعى المودع التلف ولم يحلف .. فإن المذهب كما قاله الإِمام: أن المودع يحلف على نفي العلم، وقال شيخنا المذكور في حواشي "الروضة": الاختصار المعتبر أن يقال: يحلف على البت في كل يمين إلا فيما يتعلق بالوارث فيما ينفيه، وكذلك العاقلة بناء على أن الوجوب لاقى القاتل، ثم استثنى شيخنا المذكور من الخلاف في الحلف على نفي فعل عبده صورتين:
إحداهما: إذا كان العبد مجنونًا ضاريًا بطبعه كالبهيمة .. فعلى السيد حفظه، فإن قصر السيد فأتلف هذا الضاري شيئًا .. فهو كالبهيمة.
الثانية: إذا أمر عبده الذي لا يميز أو الأعجمي الذي يعتقد وجوب طاعه السيد في كل ما يأمره به .. فالجاني هو السيد ويحلف على البت قطعًا، ولا يأتي فيه ما تقدم في البهيمة؛ لوجود أمره المنزل منزلة فعله.
٦٢٩٩ - قول "المنهاج" [ص ٥٧٩]: (ولو ادعى دينًا لمورثه فقال: "أبرأني" .. حلف على نفي العلم بالبراءة) لا بد أن يضم إليه: (وأنت تعلم أنه أبرأني منه)، قال في "أصل الروضة":
стр. 2508
كل ما يحلف المنكر فيه على نفي العلم يشترط في الدعوى عليه التعرض للعلم (١).
قال شيخنا في "تصحيح المنهاج": ومحل هذا: إذا علم المدعي أن المدعى عليه يعلم ذلك، فإن لم يعلم .. لم يسعه أن يقول: وهو يعلم ذلك، فإن قال الوارث: أستحق عليك ذلك .. حلف على إثبات الاستحقاق، وإن نكل .. ردت اليمين على مدعي البراءة، وإن كان له بينة بالبراءة .. أقامها وعمل بمقتضاها.
٦٣٠٠ - قوله: (ويجوز البت بظن مؤكد يعتمد خطه أو خط أبيه) (٢) فيه أمور:
أحدها: مقتضاه: البت إذا ظن ذلك برؤية خط نفسه وإن لم يتذكر، وهو مقتضى إطلاق "الحاوي" في قوله [ص ٦٩٠]: (ويحل بظن خط)، ولم يقيده، وكذا في "أصل الروضة" هنا (٣)، لكن فيها في الباب الثاني من القضاء في مستند القضاء: لو رأى بخط أبيه: لي على فلان كذا .. فله أن يحلف إذا وثق بخط أبيه وأمانته؛ لأنه لا يتوقع فيه يقين يتذكر، فلو وجد بخط نفسه: أن لي على فلان كذا أو أديت إليه دينه .. لم يجز الحلف حتى يتذكر (٤).
قال في "التوشيح": وقد يقال: لا يتصور الظن المؤكد في خط نفسه ما لم يتذكر، بخلاف خط الأب؛ فلا إيراد.
ثانيها: قد عرفت من عبارة "الروضة" التي نقلناها أنه لا بد أن يكون موثوقًا بأمانة أبيه، وقد يفهم ذلك من لفظ الظن، ويقال: لا يحصل الظن إلا إذا كان بهذه الصفة، وعبارة الإِمام: أن يكون عدلًا (٥).
ثالثها: قال شيخنا في "تصحيح المنهاج": جواز البت بالظن المؤكد من خطه أو خط أبيه مخالف لظواهر نصوص "الأم" و"المختصر" وغيرهما؛ فإن فيها: (ولا يسع شاهدًا أن يشهد إلا بما علم، والعلم من ثلاثة وجوه: منها: ما عاينه، فيشهد بالمعاينة، ومنها: ما سمعه، فيشهد ما أثبت سمعًا من المشهود عليه، ومنها: ما تظاهرت به الأخبار مما لا يمكن في أكثره العيان وتثبت معرفته في القلوب، فيشهد عليه بهذا الوجه) (٦)، ثم قال: وكذلك يحلف الرجل على ما يعلم بأحد هذه الوجوه مع شاهد، وفي رد يمين وغير ذلك، قال شيخنا: ففيه أنه لا يجوز اعتماد خطه وخط أبيه في الحلف؛ لأنه لا يجوز اعتماده في الشهادة.
стр. 2509
رابعها: أن ظاهر عبارته انحصار ذلك في خطه وخط أبيه، وليس كذلك، بل نكول خصمه مما يحصل به الظن المؤكد كما جزم به في "أصل الروضة" (١)، وعليه مشى "الحاوي" فقال بعد ما تقدم عنه [ص ٦٩٠]: (وقرينة كنكول)، لكن نازع شيخنا في "تصحيح المنهاج" في ذلك؛ لأن الناكل قد ينكل عن اليمين تورعًا، فلا يسوغ لمجرد ذلك لخصمه الذي لا يعرف أن له حقًا عنده أن يحلف على أنه يستحق عليه ذلك، وهو ظاهر نص الشافعي ﵁ المتقدم.
٦٣٠١ - قول "المنهاج" [ص ٥٧٩]: (وتعتبر نية القاضي المستحلف، فلو ورَّى أو تأول خلافها أو استثنى بحيث لا يسمع القاضي .. لم يدفع إثم اليمين الفاجرة) فيه أمور:
أحدها: كذا تعتبر عقيدته، وقد صرح به "الحاوي" فقال [ص ٦٩٠]: (بنية القاضي واعتقاده) وفي قول "المنهاج" [ص ٥٧٩]: (أو تأول خلافها) ما يشير إليه.
ثانيها: محل ذلك: إذا كان التحليف بالله تعالى، فإن كان القاضي يرى التحليف بالطلاق؛ كالحنفي، فحلف به .. نفعت التورية، ذكره النووي في "الأذكار" كما في "المهمات"، وليس في كلام النووي تصويرها بأن يرى القاضي ذلك، بل ظاهر كلامه يقتضي أن محله فيمن لا يراه؛ لأنه قال: لأنه لا يجوز للقاضي تحليفه بالطلاق، فهو كغيره من الناس (٢).
ثالثها: قال شيخنا في "تصحيح المنهاج": قوله: (وتعتبر نية القاضي المستحلف) عبارة ناقصة، وتمامها أن يقول: (الموافقة لظاهر اللفظ الواجب في الحلف) فلا أثر لنية تخالف ظاهر اللفظ الواجب في الحلف، فلو كان له دين بغير صك لم يقبضه ودين بصك قبضه، فأقام شاهدًا بالدين الذي بالصك وحلف معه، ونيته الحلف على الذي بلا صك ونية القاضي الذي بالصك .. فلا أثر لنية القاضي؛ لأن اللفظ الواجب في الحلف استحقاقه الدين المدعى به لا الدين الذي في الصك، وكذا حكم عين الرد والاستظهار، قال: وهذا مستمد مما لو جحد ما عليه من دين بغير صك وله عليه دين بصك قد قبضه وشهوده لا يعلمون قبضه .. فله أن يدعي ذلك الدين ويقيم البينة ويقبضه بدينه الآخر على الأصح في زيادة "الروضة" وفاقًا للهروي وخلافًا للقفال (٣)، قال شيخنا: وفيه نظر؛ فإن المدعى عليه لو قال: إني قضيت ما في هذا الصك .. لم يكن للمدعي أن يحلف أنه لم يقبضه، وهذا يدل على التغاير، فلا ينبغي أن يتسامح في إقامة البينة بذلك حينئذ وإنما يتجه ذلك إذا لم يدع المدعى عليه ذلك، فحينئذ .. يحلف المدعي مع شاهد ويمين الاستظهار، وقصده بقوله: ما قبضه الدين الذي له في ذمته لا الذي بالصك.
стр. 2510
رابعها: قال شيخنا المذكور أيضًا: محله فيما إذا لم يكن الحالف محقًا في الذي نواه، فإن كان محقًا .. فالعبرة بنيته لا بنية القاضي، فإذا ادعى أنه أخذ من ماله كذا بغير إذنه، وسأل رده، وكان إنما أخذه في دين له عليه، فأجاب بنفي الاستحقاق، فقال خصمه للقاضي: حلفه أنه لم يأخذ من مالي شيئًا بغير إذني، وكان الحاكم يرى إجابته لذلك .. فللمدعى عليه أن يحلف أنه لم يأخذ من ماله شيئًا بغير إذنه وينوي بغير استحقاق، ولا يأثم بذلك، والعبرة هنا بنية الحالف المحق.
٦٣٠٢ - قول "المنهاج" [ص ٥٧٩]: (ومن توجهت عليه يمين لو أقر بمطلوبها لزمه فأنكر .. حُلِّف) فيه أمور:
أحدها: أنه مخالف لكلام "أصل الروضة" فإنه فسر فيها الحالف بأنه كل من يتوجه عليه دعوى صحيحة، ثم قال: وقيل: ... فحكى ما في "المنهاج" حكايته الأوجه الضعيفة (١)، وعلى ما في "الروضة" مشى "الحاوي" فقال [ص ٦٨٧]: (حلف من توجهت عليه) أي: الدعوى الصحيحة, لكن رجح شيخنا في "تصحيح المنهاج" التفسير الذي في "المنهاج"، وهو المجزوم به في "الشرح الصغير"، إلا أن فيه خللًا سنذكره، ومال السبكي إلى أن المراد بالعبارتين شيء واحد، وقال: في عبارة الرافعي شيئان يقتضيان أنه لم يرد اختلاف المعنى:
أحدهما: قوله: (وقد قيل) فإنها ليست هي العبارة المألوفة في الخلاف.
والثاني: قوله: (ولا بد من استثناء صور عن هذا الضبط) وما قال: الضبطين (٢).
قال: وشيء ثالث، وهو: أنه في "المحرر" اقتصر على العبارة الثانية، فلو كانت ضعيفة عنده .. لما اقتصر عليها. انتهى (٣).
وتفسير "الروضة" الحالف بما تقدم أراد به: الحالف ابتداء، وهو المدعى عليه، ومن نزل من المدعين منزلة المدعى عليه كالأمناء، وأما أيمان القسامة واللعان .. فلا تدخل في ضابطه؛ لأن اليمين في جانب المدعين، ولم يتوجه إليهم دعوى تحقيقًا ولا تقديرًا، وكذلك الحالف مع شاهده والحالف يمين الرد لا يدخل في هذا الضابط.
ثانيها: قوله: (ومن توجهت عليه يمين) صوابه: (توجهت عليه دعوى) كذا صوبه الشيخ برهان الدين بن الفركاح، وذكر شيخنا في "تصحيح المنهاج" أن تعبيره باليمين وهم والتعبير بالدعوى هو الذي في "المحرر" و"الشرحين" و"الروضة" في التعبير عن الوجه الثاني (٤)، ويلزم
стр. 2511
على تعبير "المنهاج" اتحاد الشرط والجزاء، لكن صوب السبكي في "الحلبيات" تعبير "المنهاج" وقال: قد تطلب اليمين من غير دعوى كما إذا طلب القاذف يمين المقذوف أو وارثه على أنه ما زنا, وله غرض في أن لا يدعي الزنا حتى لا يصير قاذفا ثانيًا قال: لكن يحتاج أن يتأول توجهت عليه يمين، بمعنى: طلبت منه، أو يقال: لما ثبت أن اليمين على المدعى عليه، فتوجه الدعوى يقتضي توجه اليمين بمعنى وجوبها، فمعنى توجهت عليه يمين: وجبت، وأما توجه الدعوى .. فمعناه: إلزامها، قال: وأما قول "المنهاج": (فأنكر) فإنه غير متضح؛ لأن الإنكار يكون بعد الدعوى لا بعد طلب اليمين، إلا أن يريد أنه صمم على الإنكار. انتهى (١).
ثالثها: يستثنى من هذه القاعدة صور ذكر "المنهاج" منها ثلاثًا فقال [ص ٥٧٩]: (ولا يحلف قاض على تركه الظلم في حكمه، ولا شاهد أنه لم يكذب، ولو قال مدعى عليه: "أنا صبي" .. لم يحلف، وَوُقِفَ حتى يبلغ)، وذكر "الحاوي" الأوليين وأربعًا معهما، فقال [ص ٦٨٧]: (لا في حد الله تعالى، والقاضي وإن عُزِل، والشاهد، والوصي، والقيم، ومنكر الوكالة) أي: منكر أن المدعي وكيل صاحب الحق، وعدم تحليف القاضي بعد العزل مخالف "لتصحيح المنهاج" كما تقدم في القضاء.
ويستثنى من أن مدعي الصبا لا يحلف: ما إذا وقع في السبي من أثبت، فادعى عليه أنه بالغ، فأنكر، وقال: استعجلته بالدواء، وقلنا: إن الإثبات دليل البلوغ في حق الكفار وهو الأظهر .. فإنه يحلف على المنصوص المعتمد.
وبقي عليهم صور أخرى:
منها: السفيه في إتلاف المال؛ فلا يحلف على الأصح في باب القسامة.
ومنها: منكر العتق إذا ادعى على من هو في يده أنه أعتقه وآخر أنه باعه منه، فأقر بالبيع .. فإنه لا يحلف للعبد؛ إذ لو رجع .. لم يقبل ولم يغرم.
ومنها: ما إذا ادعت الجارية الوطء وأمية الولد وأنكر السيد أصل الوطء .. فالصحيح في "أصل الروضة": أنه لا يحلف (٢).
لكن قال شيخنا في "تصحيح المنهاج": الصواب: أنه يحلف سواء أكان هناك ولد أم لم يكن، وصوب السبكي حمل ما في "الروضة" وغيرها على ما إذا كانت المنازعة لإثبات النسب، فإن كانت لأمية الولد ليمتنع من بيعها وتعتق بعد الموت .. فيحلف، قال: وقد قطعوا بتحليف السيد إذا أنكر الكتابة، وكذا إذا أنكر التدبير وقلنا: ليس إنكاره رجوعًا، قال وفي كلام الرافعي في
стр. 2512
"الشرح" في آخر الفصل ما يزيل الإبهام عند قوله: [ويشبه] (١). انتهى (٢).
ومنها: ما إذا ادعى من عليه الزكاة ظاهرًا مسقطًا .. فإنه لا يحلف إيجابًا على الأظهر، مع أنه لو أقر بمطلوب الدعوى .. ألزم.
٦٣٠٣ - قول "المنهاج" [ص ٥٧٩]- والعبارة له - و"الحاوي" [ص ٦٩٠]: (واليمين تفيد قطع الخصومة في الحال لا براءة، فلو حلَّفه ثم أقام بينة .. حكم بها) استثنى منه شيخنا في "تصحيح المنهاج": ما إذا أجاب المدعى عليه الوديعة بنفي الاستحقاق، وحلف على ذلك، فإن هذا الحلف يفيد البراءة، حتى لو أقام المدعي بينة بأنه أودعه الوديعة المذكورة .. لم يكن لها أثر؛ فإنها لا تخالف ما حلف عليه من نفي الاستحقاق.
٦٣٠٤ - قول "المنهاج" [ص ٥٧٩]: (ولو قال المدعى عليه: "قد حلفني مرة فليحلف أنه لم يحلفني" .. مكن في الأصح) محله: ما إذا قال: حلفني عند قاض آخر، أو أطلق، أما إذا قال: عندك؛ فإن حفظ القاضي ذلك .. لم يحلفه، ومنع المدعي ما طلبه، وإن لم يحفظه .. حلفه، ولا ينفعه إقامة البينة عليه في الأصح؛ لأن القاضي متى تذكر حكمه .. أمضاه، وإلا .. فلا يعتمد البينة.
٦٣٠٥ - قوله: (وإذا نكل .. حلف المدعي وقُضِي له) (٣) محله فيما إذا أمكن حلفه: بأن يكون معينًا، قال في "التنبيه" [ص ٢٦٦]: (فإن كان الحق لغير معين كالمسلمين والفقراء .. حبس المدعي حتى يحلف أو يعطي، وقيل: يقضى عليه بالنكول) وذكر شيخنا الإسنوي في "التنقيح": أن هذا مخالف لما في كتب الرافعي والنووي؛ فإن الأصح فيها: أن الحق يؤخذ منه، وقال في "الشرح" و"الروضة": إنه الأصح الأشهر (٤)، وقال في "تصحيح التنبيه": الأصح: استيفاء الحق من المدعى عليه إذا نكل عن اليمين وكان الحق لغير معين على عكس ما في "التنبيه" من كونه يحبس. انتهى.
وما ذكره شيخنا المذكور في كتابيه المذكورين وهم، وإنما في "الروضة": أن هذا الأصح الأشهر فيما إذا طولب بزكاة فادعى مسقطًا، وألزمناه اليمين فنكل، وسيأتي، قال في "أصل الروضة": قال الجمهور: ليس حكمًا بالنكول، لكن مقتضى ملك النصاب ومضي الحول
стр. 2513
الوجوب، فإذا لم يثبت دافع .. أخذنا الزكاة (١)، وقال بعد ذلك: الأصح في مسألة من لا وارث له؛ أي: إذا ادعى القاضي أو منصوبه دينًا له على رجل وجده في تذكرته، فأنكر المدعى عليه ونكل .. أنه لا يقضي بالنكول، بل يحبس ليحلف أو يقر، قال: وإنما حكمنا فيما قبلها بالمال؛ لأنه سبق أصل يقتضي الوجوب ولم يظهر دافع (٢)، وعليه مشى "الحاوي" فقال [ص ٦٩١]: (وحبس في دين من لا وارث له ليقر أو يحلف).
٦٣٠٦ - قول "المنهاج" [ص ٥٧٩]: (والنكول: أن يقول: "أنا ناكل"، أو يقول له القاضي: "أحلف"، فيقول: "لا أحلف") و"الحاوي" [ص ٦٩٠]: (فإن نكل بأن قال: "لا أحلف"، أو "أنا ناكل") يرد على الحصر ما لو قال له: قل: بالله، فقال: بالرحمن؛ ففي "أصل الروضة": أنه نكول، ذكره في القاعدة الثانية أنه يشترط كون اليمين مطابقة للإنكار، قال: ولو قال: قل: بالله، فقال: والله، أو تالله .. فهل هو نكول كالصورة الأولى، أم لا؛ لأنه حلف بالاسم الذي حلفه به؟ وجهان، ويجريان فيما لو غلظ عليه باللفظ وامتنع واقتصر على قوله: والله، وفيما لو أراد التغليظ بالزمان والمكان فامتنع، قال القفال في امتناعه من التغليظ اللفظي: الأصح: أنه ناكل؛ لأنه ليس له رد اجتهاد القاضي، وقطع بعضهم بأنه ناكل في الامتناع من المكاني والزماني دون اللفظي (٣).
وقال شيخنا في "تصحيح المنهاج": فيما لو قال: قل: بالله، فقال: والله .. الأصح: أنه لا يكون ناكلًا، نص عليه، وقال: في كلام "أصل الروضة" في العدول عن قول القاضي: والله، إلى: والرحمن، أنه يشعر بأن القاضي لو حلفه ابتداء بالرحمن .. كان كافيًا، وليس كذلك، بل يتعين الحلف بالله، ولا يعتد بقول القاضي: قل: والرحمن، قال: ولم أر من تعرض له، ولا بد منه، وقال أيضًا: الأرجح عندنا خلاف ما صححه القفال؛ لأن التغليظ بذلك ليس واجبًا، فلا يكون الممتنع منه ناكلًا، وقد تفهم عبارة "المنهاج" الاكتفاء في النكول بقوله: (أنا ناكل) وإن لم يقل له القاضي: احلف، وليس كذلك، ولا يرد ذلك على "الحاوي".
وعبارة " المحرر": (وإنما يحصل النكول بأن يعرض القاضي اليمين عليه فيمتنع، وفسر العرض بأن يقول: قل: والله، والامتناع بأن يقول: لا أحلف، أو أنا ناكل) فاعتبر العرض فيهما، وفسر بأن يقول: قل والله، وعدل عنه "المنهاج" إلى قوله: (احلف)، وهذه مسألة
стр. 2514
مختلف فيها؛ ففي "أصل الروضة" عن البغوي: أنه ليس بنكول، وعن الإِمام: أنه نكول، قال: وهو أوضح (١).
قال شيخنا في "تصحيح المنهاج": وليس كذلك؛ لأن قول القاضي للمدعى عليه: (احلف) يحتمل الحلف بالطلاق؛ لأن من القضاة من يحلف بالطلاق، فلا يلزم من الامتناع في اللفظ المحتمل للطلاق أن يكون ممتنعًا لو قال له: احلف بالله، أو قل: والله.
٦٣٠٧ - قول "المنهاج" [ص ٥٨٠]- والعبارة له - و"الحاوي" [ص ٦٩٠]: (فإن سكت .. حكم القاضي بنكوله) فيه أمور:
أحدها: محله: إذا لم يظهر كون السكوت لدهشة أو غباوة ونحوهما، ويستحب للقاضي أن يعرض اليمين على المدعى عليه ثلاث مرات، والاستحباب فيما إذا سكت أكثر منه فيما إذا صرح بالنكول، ولو تفرس فيه سلامة جانب .. شرح له حكم النكول (٢)، قال في "الحاوي" [ص ٦٩١]: (ندبًا)، وفي "المهمات" عن الماوردي الوجوب، وعن الروياني وتبعه في "الكفاية" الاستحباب، فإن لم يشرح وحكم بأنه ناكل، فقال المدعى عليه: لم أعرف حكم النكول .. ففي نفوذ الحكم احتمالان للإمام، أصحهما: النفوذ (٣)، وكان من حقه أن يسأل ويعرف قبل أن ينكل (٤)، وعليه مشى "الحاوي" فقال [ص ٦٩١]: (وإن قضي به وقال: لا أعرف حكمه).
وفي "المهمات" أن مقتضى كلام الإِمام: أن محل الاحتمالين مع علم القاضي بأنه لا يدري حكم النكول، ومقتضى كلام الغزالي أن محلهما عند جهل القاضي بحاله.
وقال شيخنا في "تصحيح المنهاج": الأصح عندنا: أن القاضي لا يقدم على الحكم مع معرفته أن المدعى عليه لا يدري أن امتناعه يوجب رد اليمين، بل على القاضي إعلامه، فإن لم يعلمه وحكم بنكوله .. لم ينفذ حكمه، فإن غلب على ظنه أنه يدري (٥) .. ففيه احتمال، والأرجح: أنه لا ينفذ أيضًا؛ لأنه يمكنه إزالة المحتمل بإظهار حكم النكول (٦).
ثانيها: أفهم كلامه أنه لا يحتاج مع تصريحه بالنكول إلى حكم القاضي بنكوله، وبه صرح في "المحرر" (٧)، وعليه يدل قول "التنبيه" [ص ٢٥٤]: (وإن قال المدعى عليه بعد النكول: أنا
стр. 2515
أحلف .. لم يسمع)، وحكاه في "أصل الروضة" عن الإِمام وغيره (١)، وإنما قاله الإِمام من عنده لا نقلًا، وخالفه في الإقرار، فقال: لو بدأ منه النكول ثم عاد فرغب .. فله أن يحلف قبل جريان القضاء بنكوله، ثم قال: فالتعويل إذًا على القضاء بالنكول (٢).
قال شيخنا في "تصحيح المنهاج": وهو الأرجح؛ لأنه مختلف فيه، فلا بد فيه من الحكم في محل الاجتهاد، ويوافقه قول القاضي حسين والبغوي: لو هرب الناكل قبل الحكم بنكوله .. لم يكن للمدعي أن يحلف يمين الرد، وحكاية الماوردي خلافًا في أنه هل يفتقر إلى حكم القاضي بالنكول قبل رد اليمين أم لا؟ لأن ردها عليه حكم بالنكول، قال في "المطلب": وحاصله أنه لا بد من القضاء بالنكول، لكن صريحًا أو ضمنًا.
ثالثها: ظاهره اعتبار مطلق السكوت، وذكر شيخنا في "تصحيح المنهاج": أن المعتبر أن يمضي من سكوته زمن يسع قوله: لا أحلف، أو أنا ناكل.
رابعها: مقتضاه: أنه لا يتمكن من الحلف بعد الحكم بنكوله، وهو كذلك، إلا أن يرضى المدعي بحلفه .. فله ذلك في الأصح، وقد ذكره "الحاوي" (٣).
٦٣٠٨ - قول "المنهاج" [ص ٥٨٠]: (واليمين المردودة في قول كبينة) يعني به: مجموع النكول واليمين المردودة، وقال شيخنا في "تصحيح المنهاج" هذا القيد مقيد بقيود نذكرها في معرض التنبيهات:
الأول: أنها كالبينة في حق المدعى عليه؛ فلا يتعدى لثالث في الأصح.
الثاني: أنها ليست كالبينة في حد الزنا.
الثالث: أن يكون الحلف في المردودة على الإثبات، فلو كان على النفي كما في مثالين:
أحدهما: الرد من المدعي كالموح ونحوه ممن يصدق في الرد إذا رد اليمين على المودع فحلف على أنه لم يرد عليه شيئًا .. لم يكن كالبينة؛ لأن البينة لا تسوغ بالنفي في مثل هذا، بل هي كالإقرار قطعًا.
المثال الثاني: لو قال المديون لصاحب الدين: أبرأتني من دينك، أو قضيته، فأنكر ونكل، فحلف المدعي .. اتجه أنه كالإقرار؛ لأن البينة لا تسوغ بالنفي في مثل هذا، قال: ولم أر من تعرض له، بل كلامهم فيما لو أقام مدعي الإبراء أو الأداء بينة به بعد نكوله عن اليمين، وحلف المدعي يخالف هذا.
стр. 2516
قلت: هذا المثال الثاني ليست يمين الرد فيه على النفي، بل على الإثبات، والله أعلم.
ثم قال الشيخ: الرابع: أنها ليست كالبينة بالنسبة لتعارضها مع البينة التحقيقية، بل تقدم البينة التحقيقية عليها على الصواب خلافًا للشيخ أبي على؛ حيث جعله من تعارض البينتين، قال الإِمام: وهو على نهاية البعد (١)، قال شيخنا: ومذهب الشافعي أنها كالبينة الكاملة، ولو كانت كالناقصة .. لاختصت بما يثبت بشاهد ويمين.
٦٣٠٩ - قوله: (وفي الأظهر: كإقرار المدعى عليه) (٢) و"الحاوي" [ص ٦٩١]: (وحلفه كإقراره) قال شيخنا في "تصحيح المنهاج": يقيد بقيدين هما تنبيهان على هذا القول:
أحدهما: أن هذا في غير حد الزنا كما تقدم في التفريع على القول الآخر.
ثانيهما: أنه لا ينزل منزلة الإقرار الحقيقي في إبطال البينة الشاهدة للمدعى عليه بما يخالف إقراره الحقيقي كما سيأتي.
٦٣١٠ - قوله: (فلو أقام المدعى عليه بعدها بينة بأداء أو إبراء .. لم تسمع) (٣) قال شيخنا في "تصحيح المنهاج": كذا في "الروضة" وأصلها (٤)، وهو شيء انفرد به القاضي حسين، وهو ضعيف والأصح: سماعها؛ لأن قولنا: إنه كالإقرار أمر تقديري، والبينة شهدت بأمر تحقيقي، فيعمل بمقتضاها، وقد ذكره بعد ذلك في "أصل الروضة" على الصواب في الباب الخامس في فروع أكثرها عن ابن سريج، فقال: فلو لم تكن بينة ونكل الداخل عن اليمين، فحلف الخارج وحكم له، ثم جاء الداخل ببينة .. سمعت على الصحيح كما لو أقامها بعد بينة الخارج، وقيل: لا تسمع بناء على أن اليمين المردودة كالإقرار. انتهى (٥).
ونص على ذلك الشافعي فقال: (فيما إذا غصب جارية وهلكت في يده واختلفا في القيمة ... فالقول قول الغاصب بيمينه، فإذا قال الغاصب: لا أحلف .. قلنا: فَرُدّ اليمين عليه، فيحلف ويستحق ما ادعى، فهذا حلف المدعي وجاء المدعى عليه ببينة على أقل مما حلف المدعي أعطيتاه بالبينة، وكانت البينة أولى من اليمين الفاجرة) (٦)، قال شيخنا: وتعليل الشافعي يقتضي أنه لم يفرعه على أن اليمين المردودة كالبينة.
стр. 2517
٦٣١١ - قوله: (فإن لم يحلف المدعي ولم يتعلل بشيء .. سقط حقه من اليمين) (١) ظاهره سقوط حقه من اليمين المردودة وغيرها في هذا المجلس وغيره، وكذا يقتضيه قول "الحاوي" [ص ٦٩١]: (فإن أخر أو بشاهد .. لم يحلف)، لكن قال في "التنبيه" [ص ٢٥٤]: (وإن قال المدعي بعد النكول: أنا أحلف .. لم يسمع، إلا أن يعود في مجلس آخر ويدعي وينكل المدعى عليه)، وحكاه في "أصل الروضة" عن العراقيين والهروي والروياني، ثم حكى عن الإِمام والغزالي والبغوي: أنه لا يتمكن من ذلك، ولا ينفعه بعده إلا البينة، قال: وهو أحسن وأصح؛ لئلا تتكرر دعواه في القضية الواحدة (٢)، وعبارة الرافعي أحسن وأقوى (٣)، وفي "الشرح الصغير": إنه الأظهر، وفي "أصل الروضة" في الباب الرابع في الشاهد مع اليمين: لو لم يحلف المدعي مع شاهده وطلب يمين الخصم .. فله ذلك، فإن حلف .. سقطت الدعوى، قال ابن الصباغ: وليس له أن يحلف بعد ذلك مع شاهده، بخلاف ما لو أقام بعد يمين المدعى عليه بينة .. فتسمع، وإن نكل المدعى عليه فأراد المدعي يمين الرد .. مكن منها على الأظهر، ويجري القولان فيما لو ادعى مالًا ونكل المدعى عليه ولم يحلف المدعي يمين الرد ثم أقام شاهدًا واحدًا وأراد أن يحلف معه؛ فإن قلنا: ليس له أن يحلف يمين الرد .. فالمنقول: أنه يحبس المدعى عليه حتى يحلف أو يقر؛ لأن يمينه حق المدعي، فلا يتمكن من إسقاطها, لكن التقصير منه حيث لم يحلف مع شاهده، فينبغي أن لا يحبس المدعى عليه، وقد ذكر ابن الصباغ نحو هذا, ولو أن المدعي بعد امتناعه من الحلف مع شاهده واستحلافه الخصم أراد أن يعود فيحلف مع شاهده .. نقل المحاملي: أنه ليس له ذلك؛ لأن اليمين صارت في جانب صاحبه، إلا أن يعود في مجلس آخر فيستأنف الدعوى ويقيم الشاهد، فحينئذ .. يحلف معه. انتهى (٤).
قال في "المهمات": وحاصله أن الراجح خلاف قول المحاملي؛ لأن الراجح خلاف ما ذهب إليه العراقيون كما تقدم، ومحله: إذا لم يحلف المدعى عليه اليمين المردودة ولا نكل عنها، فإن حلف .. انقطعت الخصومة، وإن نكل .. حلف على الأظهر كما يقتضيه كلام الرافعي في آخر القسامة. انتهى.
ونص الشافعي على المسألة فقال في "المختصر": (وإن حلف المدعى عليه أو لم يحلف ونكل المدعي وأبطلنا يمينه ثم جاء بشاهدين أو بشاهد .. حلف مع شاهده وأخذنا له بحقه) (٥)،
стр. 2518
والأصح في القسامة: أنه لو ادعى قتلًا في غير محل لوث ونكل المدعى عليه عن اليمين ونكل المدعي عن اليمين المردودة ثم ظهر لوث .. أنه يحلف، وفي "الأم": (ومن كانت له اليمين على حق مع شاهده .. قيل له: إن حلفت .. استحققت، وإن امتنعت عن اليمين .. سألناك لم تمتنع؟ فإن قلت: لآتي بشاهد آخر .. تركناك حتى تأتي به فتأخذ حقك بلا يمين، أو لا تأتي به .. فنقول: احلف وخذ حقك، وإن امتنعت بغير أن تأتي بشاهد أو تنظر في أصل كتاب لك أو لسبب ما .. أبطلنا حقك في اليمين، لا في الشاهد الآخر ولا الأول) (١).
٦٣١٢ - قول "المنهاج" [ص ٥٨٠]: (وليس له مطالبة الخصم) قال شيخنا في "تصحيح المنهاج": إنه مقيد بقيدين:
أحدهما: أن يكون حلف المدعي يثبت له حقًا يأخذه من المدعى عليه، فإن كان حلفه يسقط حقًا - يعني: للمدعى عليه - فإنه إذا نكل عن اليمين .. فله مطالبة خصمه بالحق الذي ادعى به؛ كما إذا ادعى على شخص ألفًا من ثمن خمر مبيع فقال: أقبضته لك، فأنكر البائع .. فالقول قوله بيمينه في عدم القبض، فإن حلف .. استحق الألف، وإن نكل وحلف المشتري .. انقطعت الخصومة، وإن نكل المشتري عن اليمين أيضًا وهو المدعي للقبض .. فالصحيح في "أصل الروضة" في الشركة: أن المشتري يلزم بالألف (٢)، قال الرافعي: وليس هذا حكمًا بالنكول، وإنما هو مؤاخذة له بإقراره بلزوم المال بالشراء ابتداء (٣).
ثانيهما: أن لا يكون هناك حق لله تعالى مؤكد يسقط عن المدعي بحلفه، فإن كان .. لم يسقط بنكول المدعي؛ كما إذا ولدت وطلقها ثم اختلفا، فقال الزوج: ولدت ثم طلقتك فعليك عدة الطلاق، وقالت: ولدت بعد الطلاق فانقضت عدتي .. فالقول قول الزوج بيمينه، فإن حلف .. فعليها العدة، وإن نكل وحلفت هي .. فلا عدة عليها، وإن نكلت .. فعليها العدة كما في "أصل الروضة" في العدد، ثم حكى عن الأصحاب: أنه ليس قضاء بالنكول، بل الأصل بقاء النكاح وآثاره، فيعمل بهذا الأصل ما لم يظهر دافع (٤).
٦٣١٣ - قول "الحاوي" [ص ٦٩٠]: (ويمهل بطلبه ثلاثة، لا خصمه) محله فيما إذا استمهل لسبب، وإلا .. فهو ناكل؛ ولذلك قال "المنهاج" [ص ٥٨٠]: (وإن تعلل بإقامة بينة أو مراجعة حساب .. أمهل ثلاثة أيام، وقيل: أبدًا) وقال شيخنا في "تصحيح المنهاج": محله في غير
стр. 2519
ما فيه حق مؤكد لله تعالى؛ فإنه بعد ثبوته لا يسقط بالتراضي من الآدميين، فإذا قال في صورة العدة التي ذكر الزوج فيها أن الولادة سبقت الطلاق: إن الأمر كما قالت المرأة من تقدم الطلاق على الولادة .. لم يسمع منه؛ لأنه قد ادعاه والقول قوله فيه، فلا يقبل رجوعه عنه، قال: وأظهر من ذلك: لو ادعت المجبرة أن بينها وبين زوجها محرمية وقلنا: القول قولها بيمينها وهو المرجح؛ فإذا نكلت عن اليمين .. حلف الزوج اليمين المردودة، فإذا نكل عنها .. حكم بالفرقة كما سبق في صورة العنة.
٦٣١٤ - قول "المنهاج" [ص ٥٨٠]- والعبارة له - و"الحاوي" [ص ٦٩١]: (وإن استمهل المدعى عليه حين استحلف لينظر حسابه .. لم يمهل) لا يخفى أن محله: إذا لم يرض المدعي، فإن رضي .. جاز.
٦٣١٥ - قول "المنهاج" [ص ٥٨٠]: (وإن استمهل في ابتداء الجواب .. أمهل إلى آخر المجلس)، عبارة "المحرر": (ذكر أنه يمهل) (١)، وحكاه في "الروضة" وأصلها عن الهروي: إن شاء (٢)، يعني: المدعى عليه، وهو تأكيد غير محتاج إليه؛ فإنه ما استمهل إلا وهو يشاء ذلك، وإن كان مراده إن شاء المدعي .. فلا فائدة فيه؛ لأن المدعي إذا شاء ترك الطلب .. لم يعترض عليه.
وقال في "التعليقة على الحاوي": إن شاء القاضي.
وقال شيخنا في "تصحيح المنهاج": هذا شيء لم يقله الشافعي ولا أحد من أصحابه إلا الهروي، وهو مخالف لما يظهر من كلام الشافعي وأصحابه ولمقتضى القواعد؛ فإن الدعوى توجهت إليه، فيحتاج إلى الجواب على الفور، والإمهال إلى آخر المجلس توقيت لا دليل عليه، وهو غير منضبط؛ فإن المجلس يطول ويقصر، وقد يكون للمدعي شهود يخاف موتهم أو غيبتهم. انتهى.
ويوافق ذلك قول "التنبيه" [ص ٢٥٥]: (وإن قال: لي حساب وأريد أنظر فيه .. لم يلزم المدعي إنظاره) فإنه شامل لاستمهاله في الجواب وفي اليمين.
٦٣١٦ - قول "المنهاج" [ص ٥٨٠]: (ومن طولب بزكاة فادعى دفعها إلى ساع آخر أو غلط خارص وألزمناه اليمين) أشار به إلى خلاف فيما إذا ادعى مسقطًا واتهمه الساعي .. فيحلفه وجوبًا أو استحبابًا، وقد ذكر ذلك "التنبيه" في قسم الصدقات فقال [ص ٦١]: (وإن قال: بعته ثم اشتريته ولم يحل عليه الحول وما أشبه ذلك مما يخالف الظاهر .. حلف عليه، وقيل: يحلف استحبابًا)
стр. 2520
والتحليف استحبابًا هو الذي صححه النووي ثم قال "التنبيه" [ص ٦١]: (وإن قال: لم يحل عليه الحول بعد وما أشبه ذلك مما لا يخالف الظاهر .. حلف استحبابًا) وظهر بذلك أن المذكور في "المنهاج" هنا مفرع على الضعيف؛ فإن الأصح: أنا لا نلزمه اليمين لاستحبابها، وكذلك قول "الحاوي" [ص ٦٩١]: (وأخذت الزكاة والجزية في الإِسلام قبل السنة) هو في الزكاة مفرع على الضعيف.
وقول "المنهاج" [ص ٥٨٠]: (وتعذر رد اليمين) أي: بأن لا ينحصر المستحقون في البلد، أو ينحصروا ويجوز النقل؛ فإن الرد على السلطان أو الساعي متعذر، فأما إذا انحصروا ومنعنا النقل .. فإن اليمين لا يتعذر ردها عليهم.
وقوله: (فالأصح: أنها تؤخذ منه) (١) قال الأكثرون: ليس ذلك حكمًا بالنكول، ولكن مقتضى ملك النصاب ومضيّ الحول: وجوب الزكاة، فإذا لم يأت بدائع .. أخذت بمقتضى الأصل، ولو عدل "المنهاج" عن هذا المثال إلى مثال الجزية - وهو ما إذا قال: أسلمت قبل تمام السنة، وقال العامل: بعد تمامها - .. لكان التفريع فيه جاريًا على الأصح؛ فإن الأصح: أنه يحلف إيجابًا، وأنه إذا نكل .. يقضي عليه بالجزية.
٦٣١٧ - قول "المنهاج" [ص ٥٨٠]: (ولو ادعى ولي صبي دينًا له فأنكر ونكل .. لم يحلف الولي، وقيل: يحلف، وقيل: إن ادعى مباشرة سببه .. حُلِّف) قال في "أصل الروضة": ميل الأكثرين إلى ترجيح المنع من الأوجه الثلاثة، ولا بأس بوجه التفصيل، وقد رجحه أبو الحسن العبادي، وبه أجاب السرخسي في "الأمالي" (٢).
وعلى التفصيل مشى "الحاوي" فقال [ص ٦٩٠]: (لا الولي فيما لا بتصرفه كدعواه إتلاف مال الطفل) وهو الذي في "المنهاج" في الصداق، فقال [ص ٤٠٢]: (ولو اختلف في قدره زوج وولي صغيرة أو مجنونة .. تحالفا في الأصح)، وكذا في "الروضة" وأصلها هناك (٣).
وقال في "المهمات": وعليه الفتوى؛ فقد نص عليه في "الأم" فقال بعد ذكره تحالف الزوجين عند اختلافهما في الصداق: (وهكذا إذا اختلف الزوج وأبو الصبية البكر) (٤).
وشاحح شيخنا الإِمام البلقيني "المنهاج" في قوله: (وقيل: ان ادعى مباشرة سببه) وقال: المعتبر ادعاء الدين بسبب باشره، وعبارة "المحرر" و"الروضة" وأصلها: ادعى ثبوته بسبب باشره (٥).
стр. 2521
فصل [في تعارض البينتين]
٦٣١٨ - قول "التنبيه" فيما إذا كان لكل منهما بينة [ص ٢٦٢، ٢٦٣]: (وإن كانت في يدهما أو في يد غيرهما أو لا يد لأحد عليها فقد تعارضت البينتان .. ففي أحد القولين: يسقطان، والثاني: يستعملان) الأظهر: الأول، وعليه مشى "المنهاج" و"الحاوي" (١)، والتسوية بين أن تكون في يدهما أو يد غيرهما طريقة اختارها في "المرشد"، والمحكي عن النص فيما إذا كانت في يدهما: أنها بينهما، وعليه مشى "المنهاج" فقال [ص ٥٨٠]: (ولو كانت في يدهما وأقاما بينتين .. بقيت كما كانت)، وفي "أصل الروضة": إنه الحاصل للفتوى (٢)، وهنا أمور:
أحدها: أن ظاهر كلامهما تصويرها بأن يدعي كل واحد منهما جميعها، وكذا في كلام الشافعي والأصحاب، وحمله في "المطلب" على أن كلًا منهما يزعم أنها كلها له، ولكن الدعوى لا تقع عند الحاكم إلا بالنصف، فلو ادعى بالكل .. لم تسمع دعواه إلا بالنصف الذي في يد غريمه.
قال شيخنا في "تصحيح المنهاج": وهذا إنما يتم إذا لم يكن هناك تعرض لقيمة تبعض، فيؤدي تبعيضها إلى الجهالة، وفي "المطلب": إذا امتزجت الدعوى بدعوى المعارضة .. سمعت في الجميع؛ بأن يقول: هذه الدار ملكي، وأستحق عليه رفع يده عن نصفها وترك المنازعة فيها، ويقول الآخر: لا يستحق ذلك عليّ، بل كل الدار ملكي وأستحق عليه ترك المنازعة ورفع يده عن نصفها.
قال شيخنا في "تصحيح المنهاج": ولو قال قائل: تسمع الدعوى بالكل، والنصف الذي في يد غريمه هو المقصود والنصف الآخر بطريق التبع .. لم يبعد، وفي "أصل الروضة" عن الأئمة: أن من أقام البينة أو لا وتعرض شهوده للكل .. لم يضر، وإن كان صاحب يد في النصف الذي في يده وقلنا: بينة صاحب اليد لا تسمع ابتداء؛ لأنه هنا غير مستغن عن البينة للنصف الذي يدعيه، ثم إذا أقام الثاني البينة على الكل .. سمعت، وترجحت بينته في النصف الذي في يده، فيحتاج الأول إلى إعادة البينة للنصف الذي في يده، وقال في "الوسيط": لا يبعد أن يتساهل في الإعادة (٣).
وفي "تصحيح المنهاج" لشيخنا: أن آخر هذا الكلام ينافي أوله؛ لأن قوله أولًا: إنه تسمع بينته بالكل يقتضي أنه لا يحتاج لإعادتها، وقد قال آخرًا: إنها تعاد، والذي ذكر الاحتياج إلى الإعادة هو القاضي حسين، والتساهل المحكي عن "الوسيط" حكاه القاضي حسين عن
стр. 2522
الأصحاب، قال شيخنا: والتحقيق البخاري على القواعد أنه لا تسمع البينتان إذا أقيمتا معًا، إلا بالنسبة إلى ما كل واحد منهما فيه خارج .. فيحتاج بعد ذلك إلى إقامتها بالنسبة إلى ما كل واحد منهما فيه داخل، فإن ترتبتا .. سمعت بينة السابق فيما هو خارج فيه دون ما هو داخل فيه، وبينة المتأخر مطلقًا؛ لتقدم بينة السابق فيما المتأخر داخل فيه. انتهى.
ثانيها: أن قول "المنهاج" [ص ٥٨٠]: (بقيت كما كانت) يقتضي أن الحكم باليد؛ لأنها التي كانت قبل قيام البينتين، وليس كذلك، وإنما تبقى بالبينة القائمة، والفرق بينهما الاحتياج إلى الحلف في الأول دون الثاني، قاله شيخنا في "تصحيح المنهاج"، وبسطه.
ثالثها: صورة ما إذا لم يكن لأحد يد عليها ليست في "المنهاج" ولا "الحاوي" ولا "الروضة" وأصلها، قال في "المهمات": وكأن صورته فيما إذا كان عقارًا أو متاعًا ملقى في الطريق وليسا عنده (١).
٦٣١٩ - قولهما تفريعًا على الاستعمال - والعبارة "للمنهاج" -: (ففي قول: تقسم، وقول: يقرع، وقول: توقف حتى يتبين أو يصطلحا) (٢) فيه أمور:
أحدها: أنهما لم يبينا الراجح منها، وكأن عدم الاعتناء بذلك؛ لتفريعها على الضعيف، وفي "المهمات": أن الصحيح منها: الوقف، جزم به الرافعي والنووي في أوائل التحالف، وفي "التوشيح": إنه الذي يظهر ترجيحه، وقال الإِمام: إنه الأعدل (٣).
وقال شيخنا في "تصحيح المنهاج": وليس كذلك؛ فإن ترك الخصمين بلا قطع منازعة ليس في الشريعة، بل على المجتهد الإمعان في النظر والأخذ بالترجيح المعتبر، قال: فإن قيل: فقد قال الربيع: إنه آخر قول الشافعي وهو أصوبها .. قلنا: يعني به: أن الشافعي ذكره آخرًا، لا أنه رجحه، وقول الربيع: هو أصوبها، ممنوع، إلا إن حمل على التساقط، قال شيخنا: وظهر من كلام الشافعي ﵁ في القديم والجديد أن القول بالقرعة أصح من القول بالقسمة.
ثانيها: أنهما لم يبينا أن هذا الخلاف في الأولوية أو التعين، وحكى فيه الإِمام وجهين، فإن جعلناه في التعين .. لم يحمل عند تعذر واحد عند القائل به على الباقي، بل تسقط البينتان، وإن جعلناه في الأولوية .. حمل عليه، وقال شيخنا في "تصحيح المنهاج": الأرجح: الحمل على ما يمكن من بقيه أقوال الاستعمال.
стр. 2523
ثالثها: اتفقت الأقوال الثلاثة على انتزاع العين ممن هي في يده كما دلت عليه عبارة "الروضة" وأصلها (١).
رابعها: قد يفهم من قولهما: (تقسم) أنها قسمة تمييز، وليس كذلك، والمراد: أنه يجعل بينهما نصفين.
خامسها: قال شيخنا في "تصحيح المنهاج": وإنما تجري أقوال الاستعمال في الأعيان المملوكة أو الحقوق من منفعة أو رهن أو اختصاص، ولا يجري في البضع والقصاص، فإذا تنازع اثنان زوجية امرأة وأقام كل منهما بينة .. استحالت القسمة، ولا تدخل القرعة في الأصح، ويجيء الوقف على الأرجح عند مثبته، وإذا قتل اثنين على الترتيب وأقام وارث كل منهما بينة أنه قتل مورثه أولًا؛ ليقتص منه .. استحالت القسمة، وتدخل القرعة كما لو قتلهما معًا، وفي الوقف ما تقدم.
سادسها: لا يأتي قول الوقف فيما إذا كانت العين في يدهما، وفي مجيء القرعة وجهان، ولا يرد ذلك على "المنهاج" لأنه إنما حكى ذلك فيما إذا كانت العين في يد ثالث.
٦٣٢٠ - قول "التنبيه" [ص ٢٦٣]: (وهل يحلف مع القرعة؟ فيه قولان) ليس فيهما ترجيح في كلام الرافعي والنووي (٢)، وقال شيخنا في "تصحيح المنهاج": وفي "الأم" ما يقتضي تصحيح الحلف؛ لأنه اقتصر عليه، ولم يحك غيره، واحتج له، وذلك يقتضي أرجحيته، بل تعينه، ونص الشافعي على أنه يحلف أن شهوده شهدوا بحق، وفي الأثر عن عليّ: أنه يحلف أنه ملكه، وهو الأرجح.
وقال في "التوشيح": الذي يظهر ترجيح التحليف؛ لأنهم رجحوا وجوب التحليف في الدعوى على يتيم أو غائب أو ميت استظهارًا، ولا معارض، فما ظنك حيث معارض، ولكن الأوفق لظاهر لفظ الغزالي كما قال الرافعي: ترجيح مقابله (٣).
٦٣٢١ - قولهم - والعبارة لـ "المنهاج" -: (ولو كانت بيده فأقام غيره بينة وهو بينة .. قُدِّم صاحب اليد) (٤) محله: ما إذا لم يقل الخارج: اشتريته منك، فإن قال ذلك وأقام عليه بينة .. قدمت بينة الخارج، وقد ذكره "المنهاج" بعد ذلك (٥)، وفي معناه: ما إذا أقام الخارج بينة بأن الداخل غصبه منه أو استعاره أو استأجره، وظاهر "المنهاج" و"الحاوي" تقديم صاحب اليد من
стр. 2524
غير يمين، وهو الأصح (١)، وفي "التنبيه" [ص ٢٦٢]: (إنه المنصوص) أي: في القديم كما قال الرافعي وغيره (٢).
٦٣٢٢ - قول "المنهاج" [ص ٥٨٠]: (ولا تسمع بينته إلا بعد بينة المدعي) يفهم سماعها قبل تزكيتها، وهو الأصح، وقد ذكره "الحاوي" (٣)، وقال شيخنا في "تصحيح المنهاج": عندي أن الأرجح: أنها لا تسمع إلا بعد تعديل بينة الخارج، وهو مقتضى نص "الأم"، وحمل شيخنا المذكور منع إقامتها قبل بينة المدعي على ما إذا لم يكن في إقامتها دفع ضرر عن الداخل بتهمة سرقة ونحوها، فإن كان .. فالذي تقتضيه القواعد سماعها قبل إقامة الخارج البينة لدفع ضرر تهمة السرقة، قال: فإذا أقام الخارج البينة .. فهل يحتاج الداخل إلى إقامة البينة؟ هذا محتمل، [والأرجح] (٤): الاحتياج إلى الإعادة. انتهى.
٦٣٢٣ - قول "المنهاج" [ص ٥٨٠، ٥٨١]: (ولو أزيلت يده ببينة، ثم أقام بينة بملكه مستندًا إلى ما قبل إزالة يده واعتذر بغيبة شهوده .. سمعت وقُدِّمت) مقتضاه: اشتراط الاعتذار بغيبة الشهود، وقال شيخنا في "تصحيح المنهاج": عندي أنه ليس بشرط، والعذر إنما يطلب إذا ظهر من صاحبه ما يخالفه كمسألة المرابحة.
قلت: ولهذا لم يتعرض له "الحاوي" (٥)، بل اقتصر على قوله: (وإن زالت ببينة الخارج) (٦)، وقد يقال: إن ذكر "المنهاج" ذلك على سبيل التصوير دون الاشتراط.
٦٣٢٤ - قول "المنهاج" [ص ٥٨١]: (وقيل: لا) قال شيخنا في "تصحيح المنهاج": لا أُثبته، والصواب عندي القطع بالأول.
٦٣٢٥ - قول "الحاوي" [ص ٦٩٢]: (ومقرِّه) معطوف على الضمير المجرور في قوله: (بيده) (٧) أي: يقدم بيد مقره، فلو أقام خارجان بينة فأقر صاحب اليد لأحدهما .. قدمت بينته، وهو محمول على ما إذا أقر قبل تمام البينتين، فإن أقر بعده .. لم يترجح إلا على قول التساقط، وهو القديم والجديد أنهما يستعملان إما بالوقف إلى الصلح أو بالقسمة أو بالقرعة.
стр. 2525
٦٣٢٦ - قول "المنهاج" [ص ٥٨١]: (ومن أقر لغيره بشيء ثم ادعاه .. لم تسمع إلا أن يذكر انتقالًا) يرد عليه مسائل:
منها: ما في "أصل الروضة" في الهبة عن النص: لو قال: وهبته له وملكه .. لم يكن إقرارًا بلزوم الهبة؛ لجواز أن يعتقد لزومها بالعقد، والإقرار يحمل على اليقين (١)، وحكاه في "أصل الروضة" في الإقرار عن البغوي (٢)، فلو قال: هو ملكه ولم ينسبه إلى هبة، ثم قال: كان إقراري عن هبة لم تقبض .. فيحتمل أنه كالذي قبله.
وقال شيخنا في "تصحيح المنهاج": الأرجح: أنه لا يقبل، بخلاف إقرار الأب في عين أنها ملك ولده، ثم فسره بأنه عن هبة وأراد الرجوع .. فله ذلك على الأرجح؛ لأن الملك حاصل للولد على التقديرين، بخلاف صورة الأجنبي، ولو أقر بالهبة والقبض ثم قال لم يكن إقراري عن حقيقة، فحلفوه؛ فإن ذكر تأويلًا ككتاب من وكيله ظهر زوره .. حلف قطعًا، وإلا .. فعلى الأصح، وفي "المنهاج" في الإقرار [ص ٢٨٤]: (لو أقر ببيع أو هبة وإقباض ثم قال: "كان فاسدًا وأقررت لظني الصحة" .. لم يقبل، وله تحليف المقر له)، وكذا هو في "الروضة" وأصلها (٣).
ومنها في الحوالة: لو باع عبدًا وأحال بثمنه ثم قامت بينة بحريته .. قال شيخنا في "تصحيح المنهاج": قالوا: إن تلك البينة لا يمكن أن يقيمها المتعاقدان؛ لأنهما كذباها بدخولهما في العقد، وهو مرجوح، والأرجح: يقيمها من ذكر عند ذكر التأويل.
ومنها في الدعوى: إذا باع شيئًا ثم ادعى أنه وقف .. ففي "أصل الروضة" عن "فتاوى القفال" وغيره: لا تسمع بينته، قال شيخنا المذكور: والتقييد بالبينة يشعر بسماع دعواه وتحليف خصمه، وقال العراقيون: تسمع بينته أيضًا إذا لم يصرح بأنه ملكه، بل اقتصر على البيع، وقال الروياني: لو باع شيئًا ثم قال: بعته وأنا لا أملكه ثم ملكته بالإرث من فلان، فإن قال حين باع: هو ملكي .. لم تسمع دعواه ولا بينته، وإن لم يقل ذلك بل اقتصر على قوله: بعتك .. سمعت دعواه فإن لم يكن له بينة .. حلف المشتري أنه باعه وهو ملكه، قال: وقد نص عليه في "الأم"، وغلط من قال غيره، وكذا لو ادعى أن المبيع وقف عليه. انتهى (٤).
قال شيخنا: وينبغي عند ذكر التأويل أن تسمع دعواه للتحليف وتسمع بينته كما سبق في غيره.