← Фикх шафии

Фикх шафии · id 127671

تحرير الفتاوي على التنبيه والمنهاج والحاوي

ابن العراقي

Полный текст (2 650 стр.). Показаны 911–950 · переход к 916.

стр. 911

ثانيهما: عبارته توهم أن لجميع شركائه المنع، وليس كذلك، بل يختص ذلك بمن بابه أبعد من باب الفاتح دون من بابه أقرب إلى رأس الدرب على الأصح، وهو مفهوم مما صححه " المنهاج " فيما تقدم: أنه تختص شركة كل واحد بما بين رأس الدرب وباب داره (١)، وقول " الحاوي " [ص ٣١٥]: (وغير النافذ ملك كلٍ إلى بابه) ولم يتعرض لذلك " التنبيه ". بقي: مَنْ بابُهُ مقابل المفتوح لا فوقه ولا تحته .. هل له المنع؟ لم يتعرض الرافعي لذلك، ونقل في " الروضة " من زيادته عن الإمام: أنه كمن هو أقرب إلى رأس السكة .. ففيه الوجهان؛ أي: والأصح: أنه لا منع له، وأقره على ذلك (٢). وتعقبه شيخنا الإمام البلقيني، وقال: المقابل مشارك على هذا الوجه في القدر الذي فتح فيه الباب .. فله المنع. وقال في " المهمات": إن ما نقله عن الإمام ظاهر، والمراد بالمفتوح: الباب القديم، قال: ولو كان المراد: الجديد .. لكان المنع متفقًا عليه. ٢٢٧٥ - قول " التنبيه " في المسألة [ص ١٠٤]: (فأراد أن يقدمه إلى وسطه أو أوله .. جاز) قيده في " الكفاية " بما إذا سد الأول، فإن لم يسده .. منع كما في " المنهاج " وأصله و" الحاوي " (٣)، ولا حاجة لهذا القيد؛ لأن هذا زيادة باب لا تقديمٌ له، ويشترط مع السد: ألَّا يجعل المسدود دهليزًا لداره إذا كانت داره آخر الدرب عند من يجعل الشركة في جميع السكة للجميع، فإن فرعنا على الأصح: أن شركة كل واحد تختص بما بين رأس الدرب وباب داره .. فليس لهم منعه، ذكره في زيادة " الروضة " (٤). ٢٢٧٦ - قول " المنهاج " [ص ٢٦١]: (ومن له داران تفتحان إلى دربين مسدودين، أو مسدودٍ وشارعٍ، ففتح بابًا بينهما .. لم يُمنع في الأصح) هو معنى قول " الحاوي " [ص ٣١٦]: (ولا في داره من أخرى) أي: فإنه لا يحتاج إلى إذن، قال الرافعي: موضع الوجهين: ما إذا سد باب إحداهما وفتح الباب لغرض الاستطراق، أما إذا قصد اتساع ملكه ونحوه .. فلا منع قطعًا (٥). قال النووي: هذه العبارة فاسدة؛ فإنها توهم اختصاص الخلاف بما إذا سد باب إحداهما، وذلك خطأ، بل الصواب: جريان الوجهين إذا بقي البابان نافذين، وكل الأصحاب مصرحون به، قال أصحابنا: ولو أراد رفع الحائط بينهما وجعلهما دارًا واحدة وترك بابيهما على حالهما .. جاز

стр. 912

قطعًا، وممن نقل اتفاق الأصحاب على هذا القاضي أبو الطيب في " تعليقه "، فالصواب: أن يقال: (موضع الوجهين إذا لم يقصد اتساع ملكه)، قال: وقوله: (الأصح: الجواز) تابع فيه صاحب " التهذيب "، وخالفه أصحابنا العراقيون، فنقلوا عن الجمهور: المنع، بل نقل القاضي أبو الطيب اتفاق الأصحاب على المنع، قال: وعندي أنه يجوز، هذا كلام "الروضة" (١). واعترضه شيخنا الإمام البلقيني، فقال: ليس ذلك بخطأ؛ فقد صرح به المتولي في " التتمة " في (إحياء الموات)، فقال: إن أراد أن يرفع الحاجز بينهما ويجعلهما دارًا واحدة ويترك البابين على ما كانا ويستطرق من كل واحد منهما إلى داره .. فليس لأحد منعه؛ لأنه متصرف في خالص ملكه، وكذلك لو أراد أن يفتح بابًا من إحداهما إلى الأخرى .. فالحكم كذلك، فأما إن أراد أن يرفع الحاجز بينهما، أو يفتح بابًا من إحداهما إلى الأخرى ويسد أحد البابين ويستطرق إلى الدارين من أحد الدربين .. فهل لأهل الدرب منعه؟ اختلف أصحابنا فيه، فحكى الوجهين، وصحح: أنه ليس لأهل الدرب المنع. انتهى. قال شيخنا البلقيني: وعجب من النووي كيف خطَّأ الإمام في شيء ثم ما تم له جملة الاستدلال إلا وهو يستدل على نفسه؟ ! حيث قال: قال أصحابنا: ولو أراد رفع الحائط بينهما وجعلهما دارًا واحدة ويترك بابيهما على حالهما. . جاز قطعًا، وذلك عين ما قال الإمام. انتهى. ٢٢٧٧ - قولهما - والعبارة لـ " المنهاج " -: (وحيث مَنعَ فَتْحَ الباب فصالحه أهل الدرب بمالٍ .. صح) (٢)، قال ابن الرفعة: هذا إذا لم يكن فيه مسجد، فإن كان فيه مسجد؛ فإن للمسلمين فيه حقًا .. فلا تجوز المصالحة عليه؛ أي: على ما يتعلق بالمسجد، ويبقى النظر في أنه هل يجوز من غير إذن؟ قلت: والظاهر: الجواز من غير استئذان يخص المسجد بعد أن يأذن الشركاء بالنسبة لبيوتهم؛ لأنه بالنسبة إلى المسجد كشارع مطروق. ٢٢٧٨ - قول " المنهاج " [ص ٢٦١]- والعبارة له - و " الحاوي " [ص ٣١٦]: (ويجوز فتح الكَوَّات) قيده صاحب " الشافي " بما إذا كانت عالية لا يقع النظر فيها على دار جار. ٢٢٧٩ - قول " التنبيه " [ص ١٠٤]: (وإن حصلت أغصان شجرته في هواء غيره فطولب بإزالتها .. لزمه ذلك، فإن امتنع .. كان لصاحب الدار قطعها) محله: فيما إذا لم يمكن ليُّها لكونها يابسة، فإن كانت رطبة .. فلا يقطعها، بل يلويها.

стр. 913

٢٢٨٠ - قوله: (فإن صالح عنه على عوض .. لم يجز) (١) محله: فيما إذا صالح على الهواء، وكذا لو كانت الأغصان مستندة لجداره وهي رطبة في الأصح، فإن كانت يابسة .. فيجوز الصلح. ٢٢٨١ - قول " المنهاج " في الجدار المختص [ص ٢٦١]: (ليس للآخر وضع الجُذُوع عليه في الجديد، ولا يُجْبَر المالك) فيه أمور: أحدها: قد يفهم من تعبيره وتعبير " التنبيه " بالوضع اختصاص الخلاف بذلك، وأنه لا يجوز إدخال الجذوع في الحائط قطعًا (٢)، وليس كذلك، بل الخلاف جار فيه أيضًا. ثانيها: عبارته تقتضي أن مقابله قديمٌ محضٌ، وليس كذلك، بل هو منصوص عليه في " الجديد " أيضًا، حكاه البويطي عن الشافعي، وهو من رواة الجديد، قال البيهقي في (إحياء الموات): لم نجد في سنن رسول الله ﷺ ما يعارض هذا الحديث؛ أي: في النهي عن منع الجار من ذلك، قال: ولا يصح معارضته بالعمومات، وقد نص الشافعي في القديم والجديد على القول به، فلا عذر لأحد في مخالفته (٣). ثالثها: أطلق هو و" التنبيه " القول القديم، وله شروط: ألَّا يحتاج مالكه إلى وضع جذوعه عليه، وألَّا يزيد الجار في ارتفاع الجدران، ولا يبني عليه أَزَجًا (٤)، ولا يضع عليه ما يضره، وألَّا يملك شيئًا من جدران البقعة التي يسقفها، أو لا يملك إلا جدارًا واحدًا (٥). وعكس الإمام، فقال: إن كانت الجدر كلها لغيره .. فلا يضع، وإن كان له ثلاثة والرابع لجاره .. وضع (٦). ووافقه المتولي، وزاد: إذا لم يكن له إلا جانب أو جانبان .. فوجهان جاريان فيما إذا لم يملك إلا الأرض. انتهى (٧). وكيف يقال: إن المتولي وافق الإمام مع تصريحه بإجراء الوجهين فيما إذا لم يملك إلا الأرض؟ ! أي: ولم يملك شيئًا من الجوانب، والإمام جازم في هذه الصورة بأنه لا يضع، والله أعلم. رابعها: استثني من القولين: الساباط إذا أراد بناءه على شارع أو درب غير نافذ، وأن يضع

стр. 914

طرف الجذوع على حائط جاره المقابل، فلا يجوز ذلك إلا بالرضا قطعًا، قاله المتولي وغيره (١)، ومشى عليه في " المطلب "، وهذا وارد أيضًا على إطلاق " التنبيه " حائط جاره؛ لشموله الملاصق والمقابل، وقد لا يرد على " المنهاج " لوضعه المسألة في الجدار بين مالكين، وهذا الجدار ليس بين مالكين، بل بين مالك وشارع. خامسها: قد يفهم من قول " المنهاج ": (ولا يجبر المالك) أن هذا الحكم مجزوم به، وأن القولين إنما هما في الجواز ابتداء، وليس كذلك، فحذفه أولى، وجوابه: أن هذا مفرع على الجديد. ٢٢٨٢ - قول " المنهاج " [ص ٢٦٢]: (فلو رضي بلا عوض .. فهو إعارة؛ له الرجوع قبل البناء عليه، وكذا بعده في الأصح) يخالفه قول الرافعي في الكلام على بيع الشجر: وقد يستحق [على] (٢) المالك المنفعة لا إلى غاية كما لو أعار جداره ليضع غيره الجذوع عليه (٣)، والمعتمد هو المذكور هنا. ٢٢٨٣ - قوله: (وفائدة الرجوع: تخييره بين أن يبقيه بأجرةٍ أو يقلع ويغرم أرش نقصه) (٤) كذا صححه في " الروضة " هنا (٥)، وسيأتي في " المنهاج " نظيره في العارية للبناء والغراس ومخالفة " الروضة " وغيرها له، قال الرافعي هنا: ولا تجيء الخصلة الثالثة فيمن أعار أرضًا للبناء، وهي التملك بالقيمة؛ لأن الأرض أصل، فاستتبع (٦). ٢٢٨٤ - قوله: (فإن أَجَّرَ رأس الجدار للبناء .. فهو إجارةٌ) (٧) قد يفهم أنه على قياس الإجارات في اشتراط بيان المدة، والأصح: خلافه. ٢٢٨٥ - قوله: (ولو انهدم الجدار فأعاده مالكه .. فللمشتري إعادة البناء) (٨) لو حذف لفظ (الإعادة)، وقال: (فللمشتري البناء) .. لكان أولى؛ ليتناول ابتداء البناء إن لم يكن بنى. ٢٢٨٦ - قوله: (وله أن يستند إليه ويسند متاعًا لا يضر) (٩) لفظة: (لا يضر) ليست في " المحرر "، ولا بد منها.

стр. 915

٢٢٨٧ - قوله: (وليس له إجبار شريكه على العمارة في الجديد) (١) فيه أمران: أحدهما: قال في " الروضة ": لم يبين الرافعي الأظهر من القولين، وهو من المهمات، والأظهر عند جمهور الأصحاب: الجديد، وصحح صاحب " الشامل ": القديم، وأفتى به الشاشي، وقال الغزالي في " الفتاوى ": الأقيس: أنه لا يجبر، والاختيار: أنه إن ظهر للفاضي أن امتناعه مضارة .. أجبره، وإن كان لإعسار أو لغرض صحيح أو شك فمه .. لم يجبر، قال النووي: وهذا التفصيل الذي ذكره الغزالي وإن كان أرجح من إطلاق القول بالإجبار .. فالمختار الجاري على القواعد: أن لا إجبار مطلقًا. انتهى (٢). وممن صحح الإجبار صاحبا " الذخائر " و" المرشد "، وأفتى به ابن الصلاح (٣)، وصحح عدم الإجبار صاحب " التنبيه "، ومشى عليه " الحاوي " (٤)، والحق: أن الرافعي لا يحتاج إلى بيان الأظهر؛ فإن المقرر أن الجديد هو المعمول به إلا إذا بين خلاف ذلك. ثانيهما: أطلق " التنبيه " و" المنهاج " القولين، وكذا في " الروضة " وأصلها (٥)، وقيدهما الإمام والغزالي بعمارة يختل الملك بتركها (٦)، ولا إجبار في الزيادة على ذلك قطعًا، وقيدهما ابن داوود بما لا يقسم، فإن أمكنت القسمة .. فلا إجبار قطعًا. ٢٢٨٨ - قولهم - والعبارة لـ " المنهاج " -: (فإن أراد إعادة منهدمٍ بآلةٍ لنفسه .. لم يمنع) (٧) قيده في " التعليقة " على " الحاوي " بما إذا اختص بالأسِّ، وتبعه على ذلك البارزي، والمنقول خلافه، وقد قال القاضي أبو الطيب وابن الصباغ: أساس الجدار مشترك بينهما، فكيف جوزتم له بناءه بآلة نفسه، وأن ينتفع به بغير إذن شريكة؛ فالجواب: أن له حقًا في الحمل .. فكان له إعادته لأجل ذلك (٨). ٢٢٨٩ - قول " المنهاج " [ص ٢٦٣]: (ولو قال الآخر: " لا تنقضه وأغرم لك حصتي" .. لم تلزمه إجابته) هذا مفرع على الجديد، فأما على القديم - وهو لزوم العمارة - .. فعليه إجابته. ٢٢٩٠ - قول " التنبيه " [ص ١٠٤]: (فإن أراد أحدهما أن يبني .. لم يمنع منه) يتناول ما إذا بناه

стр. 916

بالآلة المشتركة؛ فإنه قال بعده: (وإن بناه بما وقع من الآلة .. فهو مشترك بينهما) (١)، وكذا صرح به في " المهذب " (٢)، قال في " الكفاية ": وهو مقتضى كلام غيره من العراقيين والخراسانيين، وقال في " المطلب ": إنه الأشبه، وحكى الإمام اتفاق الأصحاب عليه (٣)، لكن جزم في " الروضة " و" المحرر " و" المنهاج " بالمنع من الإعادة بالنقض المشترك (٤)، وهو مفهوم قول " الحاوي " [ص ٣١٦]: (ولا تركها بآلته) فإنه يفهم أنه يلزم بترك العمارة بالمشترك، قال الرافعي في " الشرح ": وهو الظاهر من المنقول، والمتوجه من جهة المعنى، مع أنه نقل المنع عن الإمام والغزالي (٥)، وأسقط ذلك من " الروضة " ذهولًا عنه؛ لكونه مذكورًا في الكلام على ألفاظ " الوجيز "، ورجح السبكي: أنه ليس لصاحب السفل منع صاحب العلو، وللشريك في الجدار المشترك المنع. وظاهر قول " التنبيه " [ص ١٠٤]: (فهو مشترك بينهما) أي: كما كان، وصرح به " المنهاج " فيما إذا تعاونا على إعادته بنقضه، ثم قال: (ولو انفرد أحدهما وشرط له الآخر زيادة .. جاز، وكانت في مقابلة عمله في نصيب الآخر) (٦). واعترض عليه: بأنه إن كان التصوير في الإعادة بالنقض المشترك .. فشرطه: أن يجعل له الزيادة من النقض في الحال، فإن شرطه بعد البناء .. لم يصح؛ لأن الأعيان لا تؤجل، قاله الإمام (٧)، وفيه بحث للرافعي، وهو تخريجه على الخلاف فيما لو شرط للمرضعة جزءًا من الرقيق المرتضع في الحال (٨)، ووافقه ابن الرفعة إذا ورد بصيغة الإجارة دون ما إذا ورد بصيغة الجعالة؛ لأن المحذور في الإجارة العمل في خالص ملكه. ورده السبكي: بأن الإمام علل بأن الأعيان لا تؤجل، وهو لازم في الجعالة لزومه في الإجارة، هذا كله إن صورت بالإعادة بالمشترك، فإن صورت بالإعادة بآلة أحدهما .. خرج على قولي الجمع بين بيع وإجارة. ٢٢٩١ - قول " الحاوي " [ص ٣١٦]: (وإن ادعى على اثنين ملكًا، وصدّق واحد وصالح ..

стр. 917

للمكذب الشفعة) اعترض عليه: بأنه مخالف لما في " الروضة " وأصلها في آخر (الإيلاء) في داربين اثنين ادعى أحدهما جميعها والآخر نصفها، فصدقنا الثاني بيمينه؛ لليد، ثم باع مدعي الكل نصيبه من ثالث، فاراد الآخر أخذه بالشفعة، وأنكر المشتري ملكه .. أنه يحتاج إلى البينة، ويمينه في الخصومة مع الشريك أفادت دفع ما يدعيه الشريك لا إثبات الملك له. انتهى (١). وعلى الأول: فيستثنى منه: ما إذا تعرض المكذب لكون الشريك المصدق مالكًا لنصيبه في الحال .. فإنه لا يأخذ بها؛ فقد قال الرافعي في " الشرح الصغير " و" التذنيب ": إنه القياس (٢)، وقال في " الكبير ": ينبغي القطع به (٣)، وقال النووي: إنه الصواب، وقطع به القاضي أبو الطيب في " تعليقه " (٤). ٢٢٩٢ - قول " التنبيه " [ص ١٠٤]: (وإن استهدم فنقضه أحدهما .. أجبر على إعادته، وقيل: هو أيضًا على قولين) أي: القولان السابقان. ذكر في " الروضة " وأصلها عن " التهذيب " وغيره: أن النص: إجبار الهادم على إعادته، وأن القياس: أنه يغرَّم نقصه، ولا يجبر على البناء؛ لأن الجدار ليس مثليًا (٥)، وذكر في " المهمات ": أن الحائط متقومة بلا نزاع، وأن الصواب: ما قاله في " الكفاية " و" المطلب ": أن المراد من نص الشافعي: إنما هو الإجبار على أن يبني مع شريكه، وعبارة النص: (ويُؤخذ صاحب السُّفل بالبناء إذا كان هَدَمَه على أن يبنيه، أو هدمه لغير علةٍ) (٦)، قال في " المهمات ": وهذا حق لا شك فيه، وهو الذي فهمه صاحب " التعجيز " في اختصاره لـ" التنبيه "، والنص محتمل للأمرين، والأدلة القطعية تقتضي ما قلناه؛ فتعين المصير إليه، وجزم به الرافعي في (كتاب الغصب)، فقال في أثناء تعليل: فصار كما لو هدم جدار الغير لا يكلف إعادته، ونص عليه الشافعي في " البويطي " نصًا صريحًا. انتهى (٧). وقال شيخنا الإمام البلقيني بعد ذكر نص " البويطي ": فصار حينئذ في المسألة قولان للشافعي، والنووي قال في " فتاويه ": إن الفتوى على إيجاب الإعادة، وإنه المنصوص

стр. 918

والمذهب (١)، قال شيخنا: والظاهر: أنه إنما قال: إن الفتوى على ذلك؛ من أجل النص، ولو اطلع على النص الآخر .. لقال: إنه المفتى به؛ لموافقة القياس. انتهى. وفي " المطلب " عن الإمام: أن التسوية ممكنة إذا كان بغير طين ونحوه من الأحجار، بل بعضها فوق بعض مرصوصًا على هيئة البناء (٢)، ثم قال ابن الرفعة: إنه يجبر في هذه الحالة على إعادته، كما في طم البئر بترابها، قال في " المهمات ": والذي قاله واضح (٣). وقال السبكي: إن التسوية بين صورة العلو والسفل والحائط المشترك شيء ذكره المحاملي والشيخ أبو إسحاق والبغوي، وأن النص إنما هو في العلو والسفل، وأن الفرق بينه وبين الجدار المشترك واضح؛ لأن صاحب العلو يستحق الحمل على السفل، وأحد الشريكين لا استحقاق له على الآخر؛ ألا ترى أن له أن يقاسمه، وأيضًا: فإنه لم يلتزم له شيئًا، بخلاف العلو؛ فإن صاحب السفل التزمه، فليست مسألة الجدار منصوصة للشافعي، ولا في معنى ما نص عليه، ثم مسألة الجدار المشترك غير جدار الغير، والرافعي سوّى بينهما فقال فيما إذا باع أرضًا وفيها حجارة: في وجوب الإعادة على هادم الجدار خلاف يُذكر في (الصلح) (٤) كأنه فهم أن علة المنصوص: أنه من ضمان الجنايات، والصواب: أنه إنما هو لصون الأملاك. انتهى. ٢٢٩٣ - قول " المنهاج " [ص ٢٦٣]: (ويجوز أن يصالح على إجراء الماء وإلقاء الثلج في مِلْكِه على مالٍ) فيه أمران: أحدهما: أنه هو و" التنبيه " أطلقا الماء (٥)، والمراد به: الحاصل على سطحه من مطر إذا لم يكن له مصرف، أو المجلوب من نهر ونحوه إلى أرضه، فأما غسالة الثياب والأواني .. فلا يجوز الصلح على إجرائها على مالٍ، كما في " الروضة " وأصلها (٦). وقال شيخنا الإمام البلقيني: مسألة الغسالات انفرد بذكرها المتولي في " التتمة "، وعبارته: فلو شرط أن يُجْرَى عليه الماء الذي يغسل به الثياب والأواني .. لم يصح الصلح؛ لأنه مجهول، والحاجة لا تدعو إلى تجويزه، قال شيخنا: وما المانع منه إذا بيَّن قدر الجاري إذا كان على السطح، وبيَّن موضع الجريان إذا كان على الأرض؛ والحاجة إلى ذلك أكثر من الحاجة إلى البناء، فليس كل الناس يبني، وغسل الثياب والأواني لا بد منه لكل الناس أو الغالب، وهو بلا شك يزيد

стр. 919

على حاجة البناء، فمن بنى حمامًا وبجانبه أرض لغيره، وأراد أن يشتري منه حق ممر الماء .. فلا توقف في جواز ذلك، بل الحاجة إليه آكد من حاجة البناء على الأرض؛ فلعل مراد المتولي من ذلك: حيث كان على السطح ولم يحصل البيان في مقدار ما يُصَبُّ. انتهى. ثانيهما: أنه سوّى بين إجراء الماء وإلقاء الثلج، مع أن الأولى تصح في الأرض والسطح، والثانية لا تصح إلا في الأرض خاصة.

стр. 920

بابُ الحَوالة ٢٢٩٤ - قول " التنبيه " [ص ١٠٥]: (الحوالة بيع) كذا صححه الرافعي والنووي، وصحح السبكي أنها استيفاء، وفسر الرافعي والنووي الاستيفاء: بأن المحتال كأنه استوفى ما على المحيل، وأقرضه المحال عليه (١)، ورد السبكي تقدير الإقراض، وتردد في معنى استيفاء ما على المحيل بين احتمالين، أرجحهما عنده: تقدير ما في ذمة المحيل منتقلًا إلى ذمة المحال عليه، وبالعكس، فيسقط ويبقى ما للمحتال في ذمة المحيل كأنه قبضه ثم أودعه في ذلك المحل. ٢٢٩٥ - قولهم - والعبارة لـ " المنهاج " -: (يشترط لها رضا المحيل والمحتال) (٢) قد يقال: لم اقتصر على اشتراط رضاهما، ولم يُعتبر الإيجاب والقبول كسائر العقود؟ وجوابه: أن المراد بالرضا هنا: الإيجاب والقبول، كما في " الروضة " وأصلها (٣)؛ فإنهما دليل الرضا، وإنما عُبر هنا بالرضا توطئة لما بعده من أنه لا يشترط رضا المحال عليه. قال في " الروضة " وأصلها: ولو قال المحتال: أحلني، فقال: أحلتك .. ففيه الخلاف السابق في مثله في البيع، وقيل: ينعقد هنا قطعًا؛ لأن مبناها على الرفق والمسامحة. انتهى (٤). وقال في " التتمة ": لا بد في العقد من لفظ الحوالة أو لفظ يؤدي معناها؛ بأن يقول: (نقلت حقك إلى فلان)، أو (جعلت ما أستحقه على فلان لك)، أو (ملكتك الدين الذي عليه بحقك)، قال: وهل يجوز بلفظ البيع؟ يُبْنَى على أن لفظ العقد إذا استعمل في غيره يراعى اللفظ أو المعنى؟ فإن راعينا اللفظ .. لم ينعقد، أو المعنى .. انعقد كالبيع بلفظ السلم. انتهى. وفي " الكافي ": لو قال: (أحلتك على فلان بكذا)، ولم يقل: (بالدين الذي لك عليّ) .. قيل: هو صريح في الحوالة، وقيل: كناية، فلا يكون حوالة إلا بالنية. ٢٢٩٦ - قول " المنهاج " [ص ٢٦٤]: (لا المحال عليه في الأصح) يقتضي أن الخلاف وجهان، وعبارة " التنبيه " [ص ١٠٥]: (ولا يفتقر إلى رضا المحال عليه على المنصوص)، وحكى الرافعي عن ابن القاص: أن مقابله منصوص (٥)، فالخلاف حينئذ قولان، لكن أوّل السبكي ما في " التنبيه " على إرادة نصه على أنها بيع، فيتفرع عليه عدم اشتراط رضاه لا أن عدم الاشتراط منصوص عليه، وقال أيضًا: إن نقل ابن القاص مؤوّل، فالخلاف حينئذ وجهان، كما في

стр. 921

" المنهاج "، ومحلهما: إذا أحال على من له عليه دين، فإن أحال على من لا دين له عليه وصححناه .. فلا بد من رضاه، كما ذكره بعد ذلك. ٢٢٩٧ - قول " المنهاج " [ص ٢٦٤]- والعبارة له - و" الحاوي " [ص ٣١٨]: (وتصح بالدين اللازم وعليه) قال في " الروضة ": أطلقه الرافعي تبعًا للغزالي، وليس كذلك؛ فإن دين السلم لازم، ولا تصح به ولا عليه على الصحيح، فينبغي أن يقول: (الدين المستقر) ليخرج هذا. انتهى (١). وقد ذكر الرافعي أيضًا: أنه لا يكفي لصحة الحوالة لزوم الدين، بل لا بد فيه من الاستقرار؛ لأن دين السلم لازم مع أن الأصح: أنه لا تصح الحوالة به ولا عليه. انتهى (٢). ولذلك قال " التنبيه " [ص ١٠٥]: (ولا تصح إلا بدين مستقر وعلى دين مستقر، فأما ما ليس بمستقر؛ كمال الكتابة ودين السلم .. فلا تصح الحوالة به ولا عليه) كذا قال، لكن الأصح: صحة الحوالة بمال الكتابة لا عليه، وقد ذكره " المنهاج " و" الحاوي " (٣). وقد يدخل في عبارتهما: ما إذا كان للسيد عليه دين معاملة، فأحال عليه، والأصح في هذه الصورة: الصحة، ولا نظر إلى سقوطه لعجزه، وقد يقال: إنها لا تَرِد؛ إذ ليست مال كتابة، ولو قالا: (لا عليه بها) .. لم ترد هذه الصورة قطعًا، على أن شيخنا الإمام البلقيني قد رجح: أنه لا تصح الحوالة بمال الكتابة، كما في " التنبيه " لمساواته لدين السلم في منع الاستبدال عنه وزيادته عليه؛ بأنه لا يلزم أبدًا ودين السلم لازم، وقال: الفرق بينهما صعب، قال: وعلى ذلك جرى القاضي والبغوي (٤)، وهو الأصوب، قال: ونص الشافعي في " الأم " على الجواز مفرع على أن الحوالة ليست بيعًا (٥)، ثم قال شيخنا: والذي يمكن أن يقال في الفرق: أن السيد إذا احتال بالنجم على مديون المكاتب .. لا يتطرق إليه أن يصير الدين لغير السيد؛ لأنه إن قبضه قبل التعجيز .. فلا كلام، وإن لم يقبض حتى حصل التعجيز .. فهو من جملة أموال المكاتب التي للسيد، بخلاف دين السلم؛ فإنه قد ينقطع المسلم فيه فيؤدي ذلك إلى أن لا يصل المحتال إلى حقه. قال في " المهمات ": وما أطلقه الرافعي والنووي من اشتراط الاستقرار لا يستقيم (٦)؛ لأن الأجرة قبل مضي المدة، والصداق قبل الدخول والموت، والثمن قبل قبض المبيع، ونحو ذلك غير مستقرة كما صرحوا به، ومع ذلك تصح الحوالة بها وعليها، ويكفي في إخراج السلم أن يقال

стр. 922

كما في " الكفاية ": يصح الاستبدال عنه، أو كما في " المطلب ": لا يتطرق إليه السقوط بتعذره في نفسه، وقد تفهم عبارة " التنبيه " أنه لا تصح الحوالة بالثمن مدة الخيار، ولا عليه، والأصح: صحته، وقد ذكره " المنهاج " (١)، وأشار إليه " الحاوي " بقوله [ص ٣١٨]: (لازم أو أصله اللزوم). وقد أورد على " التنبيه " و" المنهاج " في ذكرهما مع هذه المسألة: كونها لا تصح على من لا دين عليه، وقيل: تصح برضاه؛ لأنها إذا لم تصح مع وجود الدين بدون الاستقرار أو اللزوم .. فما ظنك مع العدم؟ فهو تكرار. وأجيب: بأنهما ذكرا ذلك؛ ليحكيا فيه الخلاف. وقد يجاب عنه: بأن المراد بالدين: ما يصح كونه دينًا وإن لم يوجد، وصوب في " التوشيح ": تعبير " المنهاج " بـ (المستقر)، وأنه لا يرد عليه دين السلم؛ إذ لا حصر فيه. ٢٢٩٨ - قول " المنهاج " [ص ٢٦٤]: (ويشترط العلم بما يحال به وعليه قدرًا وصفة) وهو مفهوم من قول " الحاوي " بعد ذكر تساوي الدينين [ص ٣١٨]: (قدرًا وصفة بعلمهما). أهملا الجنس، وقد يقال: هو مفهوم من العلم بالصفة، وعبارة " التنبيه " [ص ١٠٥]: (ولا يجوز إلا بمالٍ معلوم)، ولم يبين ما يحصل به العلم، والمعتبر: صفات السلم. ٢٢٩٩ - قول " المنهاج " [ص ٢٦٤]: (ويشترط تساويهما جنسًا وقدرًا) لم يذكر الصفة، ولا بد منها، وقد عرفت أن " الحاوي " ذكر القدر والصفة، ولم يذكر الجنس، واعتبر " التنبيه " الاتفاق في الصفة والحلول، وقد يفهم من اعتبار التساوي في الصفة أنه إذا كان أحد الدينين به رهن أو ضامن .. لا بد أن يكون الآخر كذلك، ولا قائل به. نعم؛ لو كان بأحدهما رهن أو ضامن .. قال شيخنا ابن النقيب: يبرأ الضامن وينفك الرهن، ولا ينتقل بصفة الضمان والرهن، وفي " الاستقصاء " ما يقتضي خلافه في المحال به، وخالف البارزي في المحال عليه. انتهى (٢). وقال شيخنا الإسنوي في " التنقيح ": كثيرًا ما تقع الحوالة على دين به رهن أو كفيل، ولم أجد فيها نقلًا، وأجاب فيها البارزي: بانتقالهما إلى المحال؛ لأنهما من صفات الدين، فأشبه الحلول والتأجيل، وقياسًا على الوارث، قال شيخنا: وقد يمنع بأن الراهن والكفيل ربما رضيا بشخص دون شخص، وأما الوارث: فإنه خليفة المورث، ويده كيده، وأما الحلول والتأجيل: فلأن الدين لا يمكن انتقاله إلا بأحدهما. انتهى.

стр. 923

وذكر في " التوشيح ": أن قول " التنبيه " [ص ١٠٥]: (وصار الحق في ذمة المحال عليه) قد يفهم أن الدين لا ينتقل بصفته من رهن أو كفيل، بخلاف قول " المنهاج " [ص ٢٦٤] و" الحاوي " [ص ٣١٨]: (ويتحول حق المحتال إلى ذمة المحال عليه) فإن الرهن والكفيل من حق المحتال، وفيه نظر؛ فإن الحق المطلق في " التنبيه " هو حق المحتال، فلا تفاوت حينئذ بين العبارتين، ثم حكى في " التوشيح " عن والده: أنه صوب: أن الدين لا ينتقل بصفته، بل ينتقل مجردًا عن الرهن والكفيل، قال: وقد قاله ابن الصباغ والمتولي والرافعي فيما إذا أحال من له على اثنين ألف، وهما متضامنان على أن يأخذ المحتال من كل واحد خمس مئة؛ إذ قالوا: إنه يبرأ كل منهما عما ضمن، وقاله أيضًا الرافعي في (باب الضمان) فيما إذا كانت الألف على أحدهما والآخر ضامن، فأحال على الأصيل فقط إذ قال: يبرأ الضامن (١)، وصرح المتولي بالانفكاك في الرهن أيضًا. ٢٣٠٠ - قول " الحاوي " [ص ٣١٨]: (فإن أفلس، أو جحد .. لم يرجع) فيه أمور: أحدها: أنه لو شرط الرجوع بذلك .. فهل تصح الحوالة والشرط، أم الحوالة فقط، أم لا يصحان؟ أوجه لا ترجيح فيها في " الروضة " وأصلها (٢)، فيرد ذلك على عبارته بتقدير رجحان الوجه الأول، وكذا يرد أيضًا على " التنبيه " و" المنهاج ". ثانيها: أنه لو عبر بالإنكار .. لكان أعم؛ فإن الجحد لغةً: إنكار مع العلم (٣)، وقد عبر بالجحد أيضًا " المنهاج " (٤)، واقتصر " التنبيه " على تعذر الرجوع، ولم يمثله (٥). ثالثها: أنه اقتصر على الإفلاس والجحد، وزاد " المنهاج " [ص ٢٦٤]: (نحوهما)، وليس ذلك في " الروضة "، ولا في شيء من كتب الرافعي، وأراد به: امتناعه، أو موت البينة بعد موته موسرًا، وهو داخل في قول " التنبيه " [ص ١٠٥]: (وإن تعذر من جهته .. لم يرجع) وهل يدخل في ذلك الإقالة حتى لو صدر بين المحيل والمحتال تقايل في الحوالة .. لم يرجع على المحيل؟ يُبنى ذلك على صحة الإقالة في الحوالة، وقد قال شيخنا الإمام البلقيني: إنه كشف عن ذلك مصنفات كثيرة، فلم يجد التصريح بها، وأن الذي ظهر له: الجواز؛ لأن الصحيح: أنها بيع، وأن الخوارزمي صرح بالخلاف في ذلك وبتصحيح الجواز، وقيد المسألة: بأن يكون ذلك بدون إذن المحال عليه، ومقتضاه: أنه إن كان بإذنه .. صح وجهًا واحدًا. قلت: وقد جزم الرافعي بأنه لا تجوز الإقالة في الحوالة، ذكر ذلك في أوائل (التفليس) في

стр. 924

أثناء تعليل في الكلام على موت المشتري مفلسًا قبل وفاء الثمن (١)، وقد ظهر بذلك أنه لا يمكن مع تصحيح الإقالة عدم الرجوع على المحيل، بل متى صحت .. رجع عليه، والله أعلم. ٢٣٠١ - قول " التنبيه " [ص ١٠٥]: (وإن أحال المشتري البائع بالثمن على رجل، ثم وجد المشتري بالمبيع عيبًا فرده؛ فإن كان بعد قبض الحق .. لم تنفسخ الحوالة، بل يطالب المشتري البائع بالثمن، وإن كان قبل قبض الحق .. فقد قيل: تنفسخ، وقيل: لا تنفسخ) فيه أمران: أحدهما: أن الأصح: أنه لا فرق بين أن يكون ذلك بعد قبض الحق أو قبله، والأصح في الصورتين: الانفساخ، وعلى ذلك مشى " المنهاج " و" الحاوي " (٢). ثانبهما: ذكر الرد بالعيب مثال، فلو رده بخيار أو إقالة أو تحالف .. كان الحكم كذلك، وقد ذكر " الحاوي " هذه الصور كلها (٣)، واقتصر " المنهاج " أيضًا على الرد بالعيب (٤). واعلم: أن البطلان مبني على أن الحوالة استيفاء، ومقابله مبني على أنها بيع، فالترجيح في الفرع يخالف الترجيح في الأصل، ويحتاج إلى الفرق بين هذه المسألة وبين ما إذا أحالها بصداقها ثم انفسخ النكاح واقتضى الحال الرجوع .. فإن الأصح: أن الحوالة لا تنفسخ، وقد فرقوا: بأن الصداق أثبت من غيره، وفيه نظر (٥). ٢٣٠٢ - قول " الحاوي " [ص ٣١٩]: (وينفسخ بثبوت حرية المبيع) فيه أمور: أحدها: أنه يفهم من تعبيره بالانفساخ: أنها صحت ثم انفسخت، وليس كذلك؛ فلم تنعقد هذه الحوالة من أصلها، وتعبير " التنبيه " و" المنهاج " بـ (البطلان) أرادا به ذلك (٦). ثانيها: أنه لم يبين ما تثبت به حرية المبيع، وفصل ذلك " المنهاج " بقوله [ص ٢٦٥]: (ولو باع عبداً وأحال بثمنه، ثم اتفق المتبايعان والمحتال على حريته، أو ثبتت ببينةٍ .. بطلت الحوالة، وإن كذبهما المحتال ولا بينة .. حلّفاه على نفي العلم)، وصورة ثبوتها ببينةٍ: أن تشهد حسبة، أو يقيمها العبد، لا المتبايعان كما حكاه الرافعي عن البغوي والروياني، وأقرهما (٧)، وجزم به في " الشرح الصغير " لأنهما كذباها بالمعاقدة عليه، لكن الذي حكاه الروياني عن النص، وعليه يدل كلام الرافعي والنووي في الدعاوى، وصححه في " المهمات ": سماع البينة ممن لم يصرح قبل ذلك بالملك.

стр. 925

ثالثها: ذكر حرية المبيع مثال، فكل ما يمنع الصحة كذلك، ولذلك عبر " التنبيه " بـ (خروجه مستحقًا (١). ٢٣٠٣ - قول " التنبيه " [ص ١٠٥]: (وإن اختلف المحيل والمحتال، فقال المحيل: " وكلتك في القبض "، وقال المحتال: " بل أحلتني " .. فالصحيح: أن القول قول المحيل، وقيل: القول قول المحتال) فيه أمور: أحدها: في تعبيره بـ (المحيل والمحتال) تجوز؛ لأنه موضع النزاع، والصحيح: أنه لا يثبت بذلك كونه محيلًا؛ ولذلك عبر " المنهاج " بـ (المستحق عليه والمستحق) (٢). ثانيها: أن صورة المسألة: أن يتفقا على أن المستحق عليه قال: (أحلتك)، ولكنه قال: (أردت الوكالة)، وقال الآخر: (الحوالة)، أما لو اختلفا في صدور لفظ الحوالة .. فالمصدق النافي قطعًا، وقد أوضح " المنهاج " المسألتين، وبين أن الأولى هي موضع الوجهين (٣). ثالثها: محل تصديق المستحق عليه في الصورة الأولى: ما إذا قال: (أحلتك بمئة على زيد، أو بالمئة التي لي على زيد)، فلو قال: (أحلتك بالمئة التي لك عليّ على المئة التي لي على زيد) .. صدق المستحق قطعًا؛ لأنه لا يحتمل غير الحوالة، وهذا وارد على " المنهاج " أيضًا، وعلى قول " الحاوي " في (الدعاوى) [ص ٦٨٧]: (والحوالة وإن جرى لفظها) أي: حلف مستحق الحوالة. وتبعت في القطع الرافعي والنووي (٤)، لكن في " النهاية ": أن بعضهم جعل هذا وجهًا ثالثًا، ثم خالفه الإمام، ورأى الجزم بجعله حوالة (٥). ٢٣٠٤ - قول " التنبيه " [ص ١٠٥]: (وإن قال المحيل: " أحلتك "، وقال المحتال: " بل وكلتني، وحقي باق عليك " .. فالأظهر: أن القول قول المحتال، وقيل: القول قول المحيل) يعود فيه ما سبق من التجوّز في التعبير بالمحيل والمحتال، ومن أن صورة مسألة الوجهين: أن يتفقا على صدور لفظ الحوالة، ويختلفا في المراد به، فلو تنازعا في اللفظ الصادر، هل هو لفظ الحوالة أو الوكالة؟ صدق المستحق قطعًا، ولم ينبه في " المنهاج " على هذا في هذه الصورة، وكأنه اكتفى بما سبق في الأولى.

стр. 926

بابُ الضَّمان ٢٣٠٥ - قول " المنهاج " [ص ٢٦٦]: (شرط الضامن: الرشد) أورد عليه أمور: أحدها: أنه يقتضي صحة ضمان المكاتب؛ لأنه رشيد، وليس كذلك؛ إذ ليس أهلًا للتبرع؛ ولذلك قال " الحاوي " [ص ٣٢٠]: (صح ضمان أهل التبرع)، فأخرج المكاتب، وفي " التنبيه " قولان في ضمانه بإذن السيد (١)، والأصح: صحته، وهو داخل في عموم قول " المنهاج " في (الكتابة) في مطلق التبرع [ص ٥٩٨]: (ويصح بإذن سيده في الأظهر). واعلم: أن الخلاف إنما هو في صحة ضمانه فيما في يده، كما أوضحه في " الكفاية "، واعتبر في " الروضة " صحة العبارة، وأهلية التبرع، واحترز بالأول: عن غير المكلف (٢)، ولا حاجة به إليه؛ لأن غير المكلف ليس أهلًا للتبرع، فهو حشو، ومع ذلك فأورد عليه: الأخرس المفهوم الإشارة .. فالأصح: صحة ضمانه، ولا عبارة له، وفيه نظر؛ فإن إشارته المفهومة يحصل بها التعبير عن مراده، فهي عبارة له وإن لم تكن لفظًا. وذكر الرافعي: أن الإمام والغزالي احترزا بأهلية التبرع عن السفيه، ثم قال: إنما يظهر كون الضمان تبرعًا حيث لا رجوع، فإن ثبت .. فهو إقراض لا محض تبرع؛ بدليل النص على أن الضمان في مرض الموت بإذن المديون من رأس المال (٣). واعترضه في " الروضة ": بأن قوله: (إنه ليس تبرعًا) فاسد؛ فإنه لو سُلّم أنه كالقرض .. كان القرض تبرعًا (٤)، وذكر في " المهمات " أن التبرع إنما هو الأداء. ثانيها: ينبغي أن يقول: (والاختيار) ليخرج المكره، فلا يصح ضمانه ولو كان المكره السيد لعبده، وهو وارد على " الحاوي " أيضًا. ثالثها: أنه يصح الضمان من السكران المتعدي في الأصح وليس برشيد، فإن التزم أنه رشيد إسقاطًا للعارض الزائل - كما هو مقتضى كلامه في البيع - .. لزم صحة ضمان غير المتعدي بسكره من باب أولى، وليس كذلك. وجوابه: أن المراد بالرشد: جواز التصرف، والمتعدي بسكره جائز التصرف، بخلاف المعذور.

стр. 927

رابعها: أن من سفه بعد الرشد ولم يحجر عليه .. يصح ضمانه وغيره من التصرفات، وليس برشيد. وجوابه: أن المذكور رشيد حكمًا، فتناولته عبارته، ولا يرد هذان الأمران على " الحاوي " لأن المتعدي بسكره ومن طرأ له السفه قبل الحجر أهلان للتبرع، وعبارة " التنبيه " [ص ١٠٥]: (من صح تصرفه في ماله بنفسه .. صح ضمانه)، فلا يرد عليه سوى الإيراد الأول، وقد ذكر بعد ذلك في ضمانه بإذن السيد قولين، والأصح: صحته، وذكر في " الكفاية ": أنه احترز بقوله: (بنفسه) عن السفيه؛ لأنه يصح تصرفه في ماله بإذن وليه في الأصح، كذا قال، وهو مخالف لما قدمه في الحجر. ٢٣٠٦ - قول " المنهاج " [ص ٢٦٦]: (وضمان محجورٍ عليه بفلسٍ كشرائه) أي: بثمن في الذمة، فالأصح: الصحة، وقد أفصح بذلك " التنبيه " بقوله [ص ١٠٥]: (والمحجور عليه بالإفلاس يصح ضمانه، ويطالب به إذا انفك الحجر عنه). ٢٣٠٧ - قولهما: (إنه لا يصح ضمان العبد بغير إذن سيده في الأصح) (١) يستثنى منه: المبعض إذا كان بينهما مهايأة، وضمن في نوبته .. فإنه يصح ضمانه. ٢٣٠٨ - قولهما: (إنه يصح ضمانه بإذنه) (٢) محله: ما إذا لم يكن الدين لسيده؛ لأن الكسب المؤدى منه ملكه، بخلاف ضمان ما على السيد؛ فإنه يصح (٣). ٢٣٠٩ - قول " المنهاج " [ص ٢٦٦]: (فإن عيَّن للأداء كسبه أو غيره .. قُضِيَ منه) دخل في قوله: (غيره) مال التجارة الذي في يده، ومحله: ما إذا لم يكن على المأذون دين، فإن كان .. فالأصح عند النووي: أنه لا يؤدي إلا مما يفضل، وقيل: يشارك، وقيل: يبطل (٤). ومحل الأوجه: إذا لم يحجر عليه بطلب الغرماء، وإلا .. لم يؤد مما بيده قطعًا؛ ولذلك قال " التنبيه " [ص ١٠٦]: (وإن قال للمأذون له: " اضمن في مال التجارة " .. لزمه القضاء منه إلا أن يكون عليه دين) لكن ظاهره: أنه لا يقضي من مال التجارة إذا كان عليه دين مطلقًا مع أنه يؤدي ما فضل عن الدين كما تقدم، ثم إن مال التجارة لا يختص بالتعيين، فلو عيّن للأداء كسبه أو شيئًا من أموال السيد .. كان الحكم كذلك كما في " المنهاج ". ٢٣١٠ - قول " التنبيه " [ص ١٠٦]: (ويصح بإذنه، ويتبع به إذا عتق، وقبل: يؤديه من كسبه أو

стр. 928

من مال التجارة إن كان مأذونًا له فيه) الثاني هو الأصح، وعليه مشى " المنهاج " بقوله [ص ٢٦٦]: (وإلا - أي: أذن ولم يعين - .. فالأصح: أنه إن كان مأذونًا له في التجارة .. تعلق بما في يده وما يكسبه بعد الإذن، وإلا .. فبما يكسبه)، وفي عبارة " المنهاج " شيئان: أحدهما: أن قوله: (بما في يده) يتناول كسب يديه باحتطاب ونحوه، لكن صرح في " المطلب " بعدم دخوله، ويوافقه أن الرافعي قيد ما في يده برأس المال والربح (١)، وتعبير " التنبيه " بمال التجارة، وكسب يده ليس من مال التجارة. ثانيهما: أنه قيد الكسب بما بعد الإذن، وكذا في " الروضة " وأصلها (٢)، وقيده ابن الرفعة بما بعد الضمان، وهو موافق لما ذكروه في الإذن في النكاح من أن المؤن فيما يتجدد بعد النكاح لا بعد الإذن، واستشكل الفرق على الأول، وفرق بينهما: بأن مؤن النكاح إنما تجب بعد النكاح، والدين ثابت قبل الضمان. ٢٣١١ - قول " المنهاج " [ص ٢٦٦]: (والأصح: اشتراط معرفة المضمون له) أي: معرفة الضامن المضمون له، كما أفصح به " التنبيه " و" الحاوي " (٣)، فأضاف " المنهاج " المصدر إلى المفعول، وهو قليل، والمراد: معرفة العين لا النسب، قاله الماوردي (٤). ومعرفة وكيل المضمون له كمعرفته، وسواء ذكر الموكل وأضاف إليه أو نواه، قاله ابن الصلاح. ٢٣١٢ - قوله: (وأنه لا يشترط قبوله ورضاه) (٥) لو قال: (ولا رضاه) كما في " المحرر " (٦) .. لكان أحسن؛ لأن بعضهم يشترط الرضا دون القبول. ٢٣١٣ - قوله: (ولا يشترط رضا المضمون عنه قطعًا) (٧) كذا في كتب الرافعي والنووي تبعًا للإمام (٨)، وفيه وجه في " تعليق القاضي حسين ". ٢٣١٤ - قوله: (ويشترط في المضمون: كونه ثابتًا) (٩) أي: حقًا ثابتًا، كما في " الروضة "

стр. 929

وأصلها و" المحرر " و" الحاوي " (١)، فيشمل الأعيان المضمونة بناء على الأصح، وهو: صحة ضمان الأعيان، وصحح " التنبيه " خلافه، وعبارته [ص ١٠٦]: (ولا تصح الكفالة بالأعيان كالغصوب والعواري، وقيل: تصح)، ولو عبر كما في " الحاوي " بـ (عينٍ تلزم مؤنة ردها) (٢) .. لكان أحسن؛ ليدخل فيه المغصوب والمستعار والمستام، ويخرج عنه المودع والمستأجر والوكيل؛ فإنه لا يصح ضمان ما في أيديهم، وقد صرحوا بأن العين المستأجرة بعد المدة أمانة شرعية يجب ردها، فينبغي تجويز ضمان ردها على الأصح، ذكره الأمام السبكي، قال: اللهم إلا أن يقال: الواجب في الأمانة الشرعية إما الرد أو الإعلام. ثم اعلم: أن المراد بضمان الأعيان: ضمان ردها، أما ضمان قيمتها لو تلفت .. فالأصح: منعه، والمراد: ثبوته باعتراف الضامن وإن لم يئبت على المضمون عنه؛ ففي الرافعي في أواخر (الإقرار): لو قال شخص: لزيد على عمرو ألف، وأنا ضامنه، فأنكر عمرو .. فلزيد المطالبة في الأصح (٣). ٢٣١٥ - قول " التنبيه " [ص ١٠٦]: (ويصح ضمان الدرك على المنصوص) شرطه: أن يكون بعد قبض البائع الثمن، كما صرح به " المنهاج " و" الحاوي " (٤). ٢٣١٦ - قول " المنهاج " [ص ٢٦٦]: (وهو: أن يضمن للمشتري الثمن إن خرج المبيع مستحقًا أو معيبًا أو ناقصًا لنقص الصنجة) فيه أمران: أحدهما: أنه يرد عليه ضمان الدرك للبائع، وهو: أن يضمن له المبيع إن خرج الثمن المعين مستحقًا أو معيبًا أو ناقصًا لنقص الصنجة، وليس في عبارة " الحاوي " تخصيص ذلك بكون الضمان للمشتري، إلا أن يؤخذ ذلك من قوله: (بعد قبض الثمن) (٥). ثانيهما: أن قوله: (أو ناقصًا) أي: المبيع، فيه نقص عما تشمله عبارة " المحرر " فمانها تشمل: الصنجة الموزون بها المبيع، فيضمن نقصها للمشتري. والموزون بها الثمن، فيضمن نقصها للبائع. وكذا يتناول الصورتين قول " الحاوي " [ص ٣٢٠]: (ونقصان الصنجة) وصور الرافعي الصورة

стр. 930

الأولى: بأن يبيع شيئًا بشرط أن وزنه كذا؛ فإنه إذا خرج دونه .. بطل البيع في قولٍ، وثبت الخيار في قولٍ (١). وألجأه إلى ذلك كون المسألة في ضمان الثمن عند نقص المبيع، لكن اعترض عليه: بأنه لا يطابق قولنا: نقص لنقص الصنجة، وإنما نقص عما ذكره. ومن صور نقص الصنجة: أن يقول: (بعتك رطلًا من هذا)، ويزنه بصنجة يدعي أنها رطل، فيضمن له ضامن نقصها، لكنه لا يكون ضامنًا للثمن، بل لما نقص. ٢٣١٧ - قول " الحاوي " [ص ٣٢١]: (ويشملها ضمان الدرك) يقتضي أنه إذا لم يعين الضامن جهة، بل أطلق ضمان الدرك .. طولب إذا بأن الفساد بشرطٍ أو غيره، أو رُدّ بعيبٍ، والأصح عند الرافعي في " الشرح الصغير " والنووي في " الروضة ": خلافه (٢). ٢٣١٨ - قول " المنهاج " [ص ٢٦٦]: (لازمًا) زاد " الحاوي " [ص ٣٢١]: (أو أصله اللزوم)، وعبارة " التنبيه " [ص ١٠٦]: (أو يؤول إلى اللزوم). - ٢٣١٩ - قول " المنهاج " [ص ٢٦٦]: (لا كنجوم كتابة)، قال شيخنا ابن النقيب: الإتيان بالكاف يشعر بغير هذه الصورة، ولم أره. نعم؛ لو ضمن عن المكاتب غير النجوم لأجنبي .. صح، أو للسيد؛ فإن قلنا: دينه يسقط بعجزه وهو الأصح .. لم يصح، وإلا .. فيصح؛ فهذه صورة ثانية على وجه. انتهى (٣). وكذا عبارة " التنبيه " [ص ١٠٦]: (فأما ما ليس بلازم ولا يؤول إلى اللزوم؛ كدين المكاتب .. فلا يصح ضمانه). ٢٣٢٥ - قول " المنهاج " [ص ٢٦٦]: (ويصح ضمان الثمن في مدة الخيار في الأصح) وعبارة " التنبيه " [ص ١٠٦]: (أو يؤول إلى اللزوم كثمن المبيع في مدة الخيار)، قال المتولي: محل الخلاف إذا كان الخيار للمشتري، أو لهما، أما إذا كان للبائع وحده .. فيصح قطعًا؛ لأن الدين لازم في حق من هو عليه، وأفره عليه الرافعي والنووي (٤). واستشكله في " المهمات ": بأنه إذا كان الخيار للبائع .. فالملك في المبيع له بلا خلاف، أو على الصحيح .. فلا ثمن حينئذ على المشتري فضلًا عن كونه لازمًا، فكيف يصح ضمانه بلا خلاف مع حكاية الخلاف في عكسه؟ انتهى.

стр. 931

ويوافقه ما أشار إليه الإمام أن تصحيح الضمان مفرع على أن الخيار لا يمنع نقل الملك في الثمن إلى البائع، وإلا .. فهو ضمان ما لم يجب؛ أي: إذا كان الخيار للبائع وحده، فالأصح: أن ملك المبيع له، وملك الثمن للمشتري (١). ٢٣٢١ - قول " التنبيه " [ص ١٠٦]: (ومال الجعالة) أي: قبل فراغ العمل. هو وجه، الأصح: خلافه، ولا يصح أن يُعد مال الجعالة مما يؤول إلى اللزوم؛ فإنه لا يؤول إلى اللزوم بنفسه؛ ولذلك قال " المنهاج " [ص ٢٦٦]: (وضمان الجُعْلِ كالرهن به) أي: فيصح بعد الفراغ خاصة. تَنْبِيْه [شروط المضمون] اقتصر " التنبيه " و" المنهاج " و" الحاوي " على ذكر ثلاثة شروط للمضمون: كونه ثابتًا، ولازمًا، ومعلومًا، وكذا في " الروضة " وأصلها (٢)، وأهملوا شرطًا رابعًا نبه عليه الغزالي، وهو: كونه قابلًا لأن يتبرع الإنسان به على غيره، فيخرج القصاص وحد القذف ونحوهما (٣). ٢٣٢٢ - قول " المنهاج " [ص ٢٦٦]: (والإبراء من المجهول باطلٌ في الجديد) مأخذهما أنه تمليك أو إسقاط، فالجديد على الأول، والقديم على الثاني، ومقتضى البناء: تصحيح أنه تمليك، ولكن الصحيح: أنه لا يشترط علم المديون، وبنوه على أنه إسقاط، وجزم الرافعي في موضع بالإسقاط (٤)، وقال النووي في (باب الرجعة) من زوائده: المختار: أنه لا يطلق ترجيح واحد منهما، بل يختلف بحسب المسائل؛ لظهور دليل أحد الطرفين (٥). وقال السبكي: الصحيح: أنه إسقاط، ولكن اختلفوا، هل هو محض إسقاط كالإعتاق، أم تمليك للمديون ما في ذمته، فإذا ملكه .. سقط؟ على طريقين في " التتمة "، سماهما الرافعي رأيين (٦)، قال السبكي: فهو إسقاط فيه شائبة التمليك؛ ولهذا صح بلفظ التمليك، وجاز بيع الدين ممن عليه، وانتقل إلى الوارث، ولكن شائبة الإسقاط أغلب، ولا خلاف في أن المقصود به

стр. 932

الإسقاط، وأن هذا المقصود حاصل منه، وإنما الخلاف في حقيقته في ذاته، ولا يترتب على تحقيق ذلك كبير فائدة، وإنما الفائدة في التفاريع، فمنها: الإبراء عن المجهول، قال الرافعي: إن قلنا: إسقاط .. صح، أو تمليك .. فلا، وهو ظاهر المذهب (١)، قال السبكي: يعني: عدم صحة الإبراء عن المجهول، لا أن الإبراء تمليك؛ لأن المشهور خلافه، ثم بسط ذلك. ٢٣٢٣ - قول " التنبيه " [ص ١٠٦]: (وقيل: يصح ضمان إبل الدية) هو الأصح، وعليه مشى " المنهاج " و" الحاوي " (٢). ٢٣٢٤ - قول " المنهاج " [ص ٢٦٧]: (ولو قال: " ضمنت مِمَّا لك على زيدٍ من درهمٍ إلى عشرةٍ " .. فالأصح: صحته) يقتضي أن الخلاف وجهان وكذا في " المحرر "، ورجحه في " أصل الروضة " (٣)، لكن رجح في " الشرح الصغير ": أن الخلاف قولان. ٢٣٢٥ - قوله: (وأنه يكون ضامنًا لعشرة) (٤) كذا في " المحرر " (٥)، واستدرك عليه " المنهاج " فقال [ص ٢٦٧]: (الأصح: لتسعة)، وكذا في " الحاوي " وقال [ص ٣٢١]: (كالإقرار)، وصحح في " المحرر " في (الإقرار): لزوم تسعة (٦)، ولم يصحح في " الشرحين " في البابين شيئًا، بل نقل تصحيح العشرة هنا وهناك عن البغوي، ونقل هناك: تصحيح التسعة عن العراقيين والغزالي (٧). وفي نظيره من الطلاق من واحدة إلى ثلاث: ظاهر ترجيح " أصل الروضة ": وقوع الثلاث (٨)، وفي " التنبيه ": يقع ثنتان، وأقره في " التصحيح " (٩). فصلٌ [في شروط صحة كفالة البدن] ٢٣٢٦ - قول " التنبيه " [ص ١٠٦]: (وفي كفالة البدن قولان، أصحهما: أنها تصح) شرطه فيما إذا كان على المكفول ببدنه مال:

стр. 933

أن يكون ذلك المال مما يصح ضمانه، فلا تصح ببدن المكاتب للنجوم، وقد ذكره " المنهاج " و" الحاوي " (١). وأن يكون المكفول ببدنه يستحق حضوره مجلس الحكم عند الاستعداء، وقد ذكره " الحاوي " (٢). ٢٣٢٧ - قول " التنبيه " [ص ١٠٧]: (وإن تكفل بجزءٍ شائع من الرجل، أو بما لا يمكن فصله عنه - أي: مع الحياة - فالكبد والقلب .. صح) أقره عليه النووي في " تصحيحه " (٣)، واقتصر " الحاوي " على الصورة الثانية، فقال [ص ٣٢١]: (وبما لا يبقى دونه). وفي " الروضة " وأصلها في هذه الصورة أربعة أوجه بلا ترجيح: البطلان، وبه قال أبو حامد وأبو الطيب وابن الصباغ. والصحة. والفرق بين ما يبقى البدن دونه أم لا، وصححه البغوي. والفرق بين ما يعبر به عن جميع البدن؛ كالرأس والرقبة .. فيصح، وإلا .. فلا، وصححه القفال، ثم ذكر أن الجزء الشائع كالجزء الذي لا يبقى البدن دونه، فيكون فيه الوجهان، ثم زاد في " الروضة ": أن صاحب " الحاوي " قطع بالصحة فيما لا يحيى دونه أو جزء شائع (٤). ٢٣٢٨ - قول " التنبيه " [ص ١٠٧]: (وإن تكفل ببدن من عليه قصاص أو حد قذف .. صح) تعبير " المنهاج " بـ (عقوبة لآدمي) (٥) أعم؛ لدخول التعزير فيها، ويوافقه تعبير " الحاوي " لأنه لم يستثن سوى حق الله تعالى (٦). ٢٣٢٩ - قول " التنبيه " [ص ١٠٦، ١٠٧]- والعبارة له - و" المنهاج " [ص ٢٦٧]: (وإن تكفل ببدن من عليه حد لله تعالى .. لم يصح) قد يقتضي جواز التكفل ببدن من عليه تعزير لله، وقد خرج ذلك بقول " الحاوي " [ص ٣٢١]: (لا لحق الله) لكن يرد عليه الزكاة؛ فإنه يصح ضمانها عمن هي عليه على الصحيح مع أنها حق الله تعالى. ٢٣٣٠ - قول " المنهاج " [ص ٢٦٧]: (وتصح ببدن صبيٍ ومجنونٍ) أي: بإذن وليهما؛ لأنه قد

стр. 934

يجب إحضارهما ليشهد على صورتهما في الإتلاف وغيره، وحينئذ .. فله مطالبة الولي بإحضارهما عند الحاجة (١). ٢٣٣١ - قوله: (وغائب) (٢) فيه أمران: أحدهما: أن محله على الأصح: ما إذا تقدم منه الإذن. ثانيهما: ظاهر إطلاقه أنه لا فرق بين أن يغيب إلى موضع يلزمه الحضور منه أم لا؛ بأن غاب إلى فوق مسافة العدوى وثم حاكم (٣)، وبه صرح الرافعي، لكنه حكى في موضع آخر عن الإمام: الجزم بعدم الصحة من مسافة القصر، وأقره، لكنه قال بعد ذلك: إنه تفريع على أنه لا يلزمه الحضور منه (٤)، والأصح: خلافه، ومال في " المطلب " إلى عدم الصحة؛ لأنه التزام ما لا يلزم. وقال السبكي: إن ما في " المنهاج " ظاهر إذا كان دون العدوى أو فوقها وتكفل بإحضاره إلى مكان يلزمه الحضور فيه، وإلا .. فالصحيح: أنه إنما يلزمه الحضور من مسافة العدوى إذا لم يكن ثم حاكم، ففوقها أو ثم حاكم فيها .. لا ينبغي أن يصح بلا شك إذا لم يأذن، فإن أذن .. فقد يقال: لا يصح أيضًا؛ لأنه التزام ما لا يلزم، وإذنه لا يغير الحكم. انتهى (٥). ٢٣٣٢ - قوله: (وميتٍ ليُحْضِرَهُ فَيشْهَدَ على صورته) (٦) فيه أمور: أحدها: أن محل ذلك: إذا لم يعرف بنسبه. ثانيها: أن محل ذلك: قبل الدفن، وإلا .. لم تصح الكفالة وإن لم يتغير كما دل عليه كلامهم فيما إذا مات بعد الكفالة، قاله شيخنا الإسنوي. ثالثها: قال في " المطلب ": إذا شرطنا إذن المكفول ببدنه .. فيظهر اشتراط إذن الوارث (٧). قال في " المهمات ": سكت عمن يعتبر إذنه، والظاهر: أنه جميع الورثة.

стр. 935

٢٣٣٣ - قول " المنهاج " [ص ٢٦٧]- والعبارة له - و" الحاوي " [ص ٣٢٢]: (ويبرأ الكفيل بتسليمه في مكان التسليم بلا حائلٍ كمتغلبٍ) يقتضي عدم البراءة بتسليمه في غير مكان التسليم، وهو كذلك إذا كان للمضمون له غرض في الامتناع، فإن لم يكن له غرض .. قال الرافعي: فالظاهر: لزوم قبوله، فإن أبى .. رفعه إلى الحاكم؛ ليتسلمه عنه، فإن لم يكن حاكم .. أشهد شاهدين أنه سلمه له (١). ونظير ذلك قول " التنبيه " [ص ١٠٧]: (وإن أحضره قبل المحل وليس عليه ضرر في قبوله .. وجب قبوله) فلو قال: (ضمنت إحضاره كلما طلبه المكفول له) .. فهذا قد يتبادر إلى الفهم أنه يتكرر، ولا يخرج عن العهدة ما دام طلبه ثابتًا على المكفول ببدنه. وقال شيخنا الإمام البلقيني: الذي يقتضيه النظر السديد: أنه لا يلزم غير المرة الواحدة، وأنه يكون مقتضى التكرير تعليق الضمان على طلب المكفول له، وتعليق الضمان باطل (٢). ٢٣٣٤ - قول "التنبيه " [ص ١٠٧]: (وإن سلّم المكفول به نفسه .. برئ الكفيل) شرطه أن يقول: (سلّمت نفسي عن جهة الكفيل) ولا يكفي مجرد تسليمه نفسه، صرح به " المنهاج " و"الحاوي " (٣). وقد يفهم من عبارتهم: أن الكفيل لا يبرأ بتسليم أجنبي للمكفول، وليس على إطلاقه، بل يبرأ أيضًا بتسليمه عن الكفيل بإذنه، وكذا بلا إذن إن قبل المكفول. ٢٣٣٥ - قول " التنبيه " [ص ١٠٧]: (وإن غاب .. لم يطالبه حتى يمضي زمان يمكن المضي فيه إليه) لا بد من اعتبار مدة الرجوع أيضًا، وقد صرح به " المنهاج " و" الحاوي " (٤)، وشرط إلزامه بإحضاره: أمن الطريق، وألَّا يكون ثم من يمنعه منه. ٢٣٣٦ - قول " المنهاج " [ص ٢٦٧]- والعبارة له - و" الحاوي " [ص ٣٢٢]: (فإن مضت ولم يُحضره .. حُبِسَ) شرط الحبس: ألَّا يؤدي الدين، وإذا أدَّى ثم حضر المكفول ببدنه .. فالمتجه - كما قال شيخنا الإسنوي -: أن له استرداده (٥). ٢٣٣٧ - قول " التنبيه " [ص ١٠٧]: (وإن مات .. سقطت الكفالة) فيه أمران: أحدهما: أن الأصح عند الرافعي والنووي: أنه إذا لم يكن مشهور النسب واحتيج إلى إقامة الشهادة على عينه .. أنه يطالب بإحضاره ما لم يدفن (٦)، ولهذا قال " المنهاج " [ص ٢٦٨]:

стр. 936

(والأصح: أنه إذا مات ودفن .. لا يطالب الكفيل بالمال)، لكن الحق: أن التقييد بالدفن إنما يحتاج إليه إذا كان الكلام في سقوط الكفالة كما في " التنبيه "، فأما إذا كان الكلام في عدم المطالبة بالمال كما في " المنهاج " .. فلا يحتاج إليه، بل يستوي في الوجهين قبل الدفن وبعده؛ ولهذا لم يذكر " الحاوي " هذا القيد لما كان كلامه في لزوم المال، وقد ذكر ذلك شيخنا الإسنوي، لكن في " شرح السبكي " ما يخالفه، ويميل إلى تصويب التقييد. ثانيهما: في معنى موته في عدم المطالبة بالمال: هربه وتواريه، وقد ذكره " الحاوي " (١)، ولم يذكره " المنهاج "، وقد يقال: إنما لم يذكره " التنبيه " لأنه قال: (سقطت الكفالة)، والكفالة لا تسقط بهربه وتواريه، وإنما تتأخر المطالبة، لكنه يرد على " المنهاج " فإنه قال [ص ٢٦٨]: (لا يطالب بالمال)، وهذا مشترك بين الصور كلها. ٢٣٣٨ - قول " التنبيه " [ص ١٠٧]: (وقيل: يطالب الكفيل بما عليه من الحق) فيه أمران: أحدهما: ظاهر كلامه: أن هذا الوجه مطلق، وقال السبكي والإسنوي: ظاهر كلامهم أن محله: إذا لم يخلِّف المكفول وفاءً، وهذا ينكت به على إطلاق " المنهاج " الوجهين أيضًا. ثانيهما: أن تعبيره بالحق يتناول العقوبة مع أنه لا يطالب بها جزمًا؛ ولذلك عبر " المنهاج " و" الحاوي ": بالمال (٢)، وقال النووي في " الروضة " - تفريعًا على المطالبة -: المختار: المطالبة بالدين (٣). ٢٣٣٩ - قول " التنبيه " [ص ١٠٧]: (وإن تكفل به بغير إذنه .. لم يصح، وقيل: يصح)، وعبارة " المنهاج " [ص ٢٦٨]: (وأنها لا تصح بغير رضا المكفول) محل الوجه المرجوح: ما إذا تكفل بعد ثبوت المال، أما قبله: فلا يصح بدون إذن قطعًا، حكاه في " الكفاية " عن القاضي حسين، ولا بد من التنبيه هنا على ما تقدم من أن الكفالة ببدن الصبي والمجنون يعتبر فيها إذن وليه، وببدن الميت يعتبر فيها إذن وارثه. فصلٌ [شروط الضمان والكفالة] ٢٣٤٠ - قول " المنهاج " [ص ٢٦٨]: (يشترط في الضمان والكفالة لفظٌ يُشعر بالالتزام) يخرج الخط وإشارة الأخرس مع أن الضمان ينعقد بهما، وهذا يرد أيضًا على قول " الحاوي " [ص ٣٢٢]:

стр. 937

(بلفظ الالتزام)، وقول " المنهاج " تبعًا لـ" المحرر ": (يشعر) (١) قال السبكي: إنه أحسن من قول " الروضة " وأصلها: (صيغة دالة) (٢) لأن الضمان بالكناية صحيح؛ إما قطعًا، وإما على الأصح، وهي مشعرة لا دالة (٣). ٢٣٤١ - قول " المنهاج " [ص ٢٦٨] و" الحاوي " [ص ٣٢٢]: (كـ " ضمنت دينك ") زاد في " المحرر " و" الشرح " و" الروضة ": (لك) (٤). ٢٣٤٢ - قولهما أيضًا - والعبارة لـ" المنهاج " -: (ولو قال: " أُؤدي المال أو أُحضر الشخص " .. فهو وعدٌ) (٥) محله: عند عدم القرينة، أما معها .. فقال في " المطلب ": ينبغي أن يصح، قال: ولكني لم أره، وأيده السبكي بشيء من كلام الماوردي وغيره (٦). ٢٣٤٣ - قول " المنهاج " [ص ٢٦٨]: (والأصح: أنه لا يجوز تعليقهما بشرطٍ) أورد عليه: أنه لا يحسن التعبير فيهما بالأصح؛ إذ ليس الخلاف فيهما على السواء، وعبارة " الروضة " في تعليق الضمان: لم يصح على المذهب، كما لا يصح مؤقتًا، وعن ابن سريج: إذا جاز على القديم ضمان المجهول وما لم يجب .. جاز التعليق، وأما الكفالة: فإن جوزنا تعليق ضمان المال .. فأولى، وإلا .. فوجهان كتعليق الوكالة، والفرق: أن الكفالة مبنية على الحاجة. انتهى (٧). ٢٣٤٤ - قول " الحاوي " [ص ٣٢٣]: (لا تأخيرٍ معلومٍ في الإحضار) أحسن من قول " المنهاج " [ص ٢٦٨]: (ولو نجزها وشرط تأخير الإحضار شهرًا .. جاز) لتصريح " الحاوي " بأنه لا بد من العلم بالأجل، وذلك مأخوذ من قول " المنهاج ": (شهرًا)، وهما معًا أحسن من قول " التنبيه " [ص ١٠٧]: (وإن شرط فيه أجلًا .. طولب به عند المحل) فإنه ليس فيه تصريح باشتراط كون الأجل معلومأ؛ فإنه قد يتناول ما إذا أجل بالحصاد والقطاف، وهو باطل في الأصح. ٢٣٤٥ - قول " الحاوي " [ص ٣٢٣]- والعبارة له - و" التنبيه " [ص ١٠٧]: (بلا شرط خيار) أي: للضامن، فإن شرط للمضمون له .. لم يضر كما في " الروضة " وأصلها (٨)، ويوافقه تقييد " التعليقة " ذلك بما إذا شرطه لنفسه، ووقع في " توضيح البارزي الكبير ": أنه لا يصح بشرط الخيار لنفسه أو غيره، وهو مردود.

стр. 938

٢٣٤٦ - قول " المنهاج " [ص ٢٦٨] و" الحاوي " [ص ٣٢٣]: (ويصح ضمان الحال مؤجلًا) زاد " المنهاج " [ص ٢٦٨]: (أجلًا معلومًا) وهو أحسن من قول " المحرر ": (ضمان المال الحال) (١) لشمول عبارتهما من تكفل كفالة مؤجلة ببدن من تكفل بغيره كفالة حالة. ٢٣٤٧ - قول " المنهاج " [ص ٢٦٨]: (وللمستحق مطالبة الضامن والأصيل) أعم من قول " المحرر " و" الروضة ": (وللمضمون له) (٢) فإنه يشمل الوارث، ولكنه يدخل المحتال مع أنه لا يطالب الضامن؛ لأن ذمته قد برئت بالحوالة (٣). ٢٣٤٨ - قولهم: (وإن أبرأ الأصيل .. برئ الكفيل) (٤) لو قالوا: (وإن برئ الأصيل) .. لكان أكثر فائدة؛ لشموله ما إذا برئ الأصيل من غير إبراء، بل بأداء أو حوالة أو اعتياض. ٢٣٤٩ - قولهم: (ولو مات أحدهما .. حل عليه دون الآخر) (٥) أحسن من قول " المحرر ": (ولو حل على أحدهما بموته) (٦) لإفادة العبارة الأولى الحلول بالموت مطلقًا (٧). ٢٣٥٠ - قول " المنهاج " [ص ٢٦٨]- والعبارة له - و" الحاوي " [ص ٣٢٣]: (وإذا طالب المستحق الضامن .. فله مطالبة الأصيل بتخليصه بالأداء إن ضمن بإذنه) قد يفهم من مطالبته: جواز حبسه، والأصح: خلافه، وعليه مشى " الحاوي " فقال [ص ٣٢٣]: (ولا حبسه إن حبس)، وهو مشكل؛ لأنه إذا انتفى الحبس .. لا يبقى للمطالبة فائدة؛ فإنه لا يبالي بها لا سيما وقد زاد ابن الرفعة في " المطلب " على ذلك: أنه لا يرسم عليه أيضًا؛ ولذلك صحح السبكي: جواز حبسه، وكذا قال شيخنا في " المهمات ": المتجه عند من أثبت له المطالبة بالخلاص: أن يجوز حبسه عند امتناعه من هذا الحق. انتهى. ولو ضمن بإذن الولي في صورة الصغير والمجنون .. طالب الولي (٨)، فلو اتفق ذلك بعد رشدهما .. فالمتجه: مطالبتهما، وإذن الولي في حالة الحجر يقوم مقام إذنهما، ولم أر من تعرض لذلك، والله أعلم. ٢٣٥١ - قول " المنهاج " [ص ٢٦٩]: (وللضامن الرجوع [على الأصيل] (٩) إن وُجد إذنه في

стр. 939

الضمان والأداء) ليس فيه تصريح بوجود الأداء، مع أن الرجوع متوقف عليه بلا شك؛ ولهذا قال في " المحرر ": (إذا ضمن وأدى بإذنه) (١) وصدر " التنبيه " المسألة بقوله [ص ١٠٦]: (وإن قضى الكفيل الدين). ٢٣٥٢ - قولهم - والعبارة لـ " المنهاج " -: (وإن أذن في الضمان فقط .. رجع في الأصح) (٢) صورة المسألة: أن يسكت عن الأداء، فلو نهاه عنه .. قال شيخنا الإسنوي: يتجه أنه إن نهاه بعد الضمان .. لم يؤثر، أو قبله؛ فإن انفصل عن الإذن .. فهو رجوع، أو اتصل به .. أفسده. انتهى (٣). ويستثنى منه: ما إذا كان الضمان بالإذن قد ثبت بالبينة وهو منكر، كما إذا ادعى على زيد وعلى غائب ألفًا، وأن كلًا منهما ضمن ما على الآخر، فأنكر زيد، فأقام المدعي بذلك بيّنة، وأخذ من زيد .. فالأصح: أن زيدًا لا يرجع على الغائب بالنصف إذا كان مكذبًا للبينة؛ لأنه مظلوم بزعمه، فلا يطالب غير ظالمه. ٢٣٥٣ - قولهم فيما إذا أذن في الأداء دون الضمان: (إنه لا يرجع) (٤) يستثنى منه: ما إذا أذن في الأداء بشرط الرجوع .. فصحح النووي: أنه يرجع، وهو أحد احتمالي الإمام (٥)، وحكاه في " الكفاية " عن الماوردي (٦). ٢٣٥٤ - قولهم - والعبارة لـ" المنهاج " -: (أو صالح عن مئةٍ بثوبٍ قيمته خمسون .. فالأصح: أنه لا يرجع إلا بما غَرِمَ) (٧) خرج به ما إذا باعه الثوب بمئة ثم تقاصا .. فإنه يرجع بالمئة قطعًا، ولو باعه الثوب بما ضمنه له عن فلان .. فالمختار في " الروضة " من زوائده: أنه يصح البيع، ويرجع بما ضمنه لا بالأقل (٨)، وادعى في " التوشيح " ورود هذه الصورة على قول " التنبيه " [ص ١٠٦]: (وإن دفع إليه عن الدين ثوبًا) دون تعبير " المنهاج ": بالمصالحة، وهو محتمل. ٢٣٥٥ - قول " المنهاج " [ص ٢٦٩]: (ثم إثما يرجع الضامن والمؤدِّي إذا أشهدا بالأداء رجلين أو رجلًا وامرأتين) يكفي كونهما مستورين - وقد ذكر ذلك "الحاوي " (٩) - ولو بأن فسقهما في الأصح.

стр. 940

قال السبكي: وعندي أنه لا بد أن يعدلهما حاكم، لكن لو كان يعلم عدالتهما، وكانا ممن يزكيان عند الحاجة .. كفى، ولا يكفي إشهاده من يُعْلَم سفره عن قرب (١). ٢٣٥٦ - قول " المنهاج " [ص ٢٦٩]: (وكذا رجلٌ ليحلف معه في الأصح) محلهما: أن يموت الشاهد، أو يغيب، أو ترفع الواقعة إلى حنفي لا يقضي بشاهد ويمين، أما لو حضر وشهد وحلف معه عند من يحكم به .. رجع قطعًا، حكاه في " المطلب " عن جماعة (٢). ٢٣٥٧ - قوله: (فإن لم يُشْهِد .. فلا رجوع إن أدى في غيبة الأصيل وكذبه، وكذا إن صدقه في الأصح) (٣) محلهما: إذا لم يأمره الأصيل بالإشهاد، فإن أمره به، فلم يفعل .. لم يرجع جزمًا، وإن أذن له في تركه .. رجع، ذكرهما الروياني في " البحر " (٤). ٢٣٥٨ - قوله: (فإن صدقه المضمون له أو أدى بحضرة الأصيل .. رجع على المذهب) (٥) عبر في " الروضة " في الأولى بـ (الأصح)، وفي الثانية بـ (الصحيح) (٦). ٢٣٥٩ - قول " التنبيه " [ص ١٠٦]: (فإن شرط ضمانًا فاسدًا في بيع .. بطل البيع في أحد القولين) هو الأصح. ٢٣٦٠ - قوله: (فإن قال: " ألق متاعك في البحر وعليّ ضمانه " فألقاه .. لزمه ضمانه) (٧) أطلق الضمان، وشرطه: أن تشرف السفينة على الغرق، وأن يكون فيها غير مالك المتاع.

стр. 941

كتابُ الشّركة ٢٣٦١ - قول " التنبيه " [ص ١٠٧]: (وأما شركة الأبدان، وهي شركة ما يكتسبان بأبدانهما، فهي باطلة) يقتضي حصرها في الكسب بالبدن دون المال، وأكّده بقوله بعده في شركة المفاوضة: (وهو أن يشتركا على ما يكتسبان بأموالهما وأبدانهما) (١)، وقول " المنهاج " [ص ٢٧٠]: (ليكون بينهما كسبهما) قد يقتضي دخول المال في ذلك، لكنه قال أولًا: (كشركة الحمَّالين وسائر المحترفة)، وقال ثانيًا: (مع اتفاق الصنعة أو اختلافها) (٢)، وذلك يفهم أن الكلام في كسب البدن، وعبارة " المحرر ": (ما يكسبان ويربحان) (٣)، وذلك يقتضي دخول كسب المال؛ فلذلك حمل شيخنا ابن النقيب قول " المنهاج ": (كسبهما) على كسب البدن والمال من غير خلط، قال: وإليه أشار في " المحرر " بقوله: (ما يكسبان ويربحان)، وفي " الروضة " نحوه. انتهى (٤). وفيه نظر؛ فعبارة " الروضة " في ذلك كعبارة " المنهاج "، لا كعبارة " المحرر " (٥). ٢٣٦٢ - قولهما - والعبارة لـ" المنهاج " -: (وشركة الوجوه؛ بأن يشترك الوجيهان ليبتاع كلٌّ منهما بمؤجل لهما، فإذا باعا .. كان الفاضل عن الأثمان بينهما) (٦)، قال في " الروضة ": لها صور، هذه أشهرها، والثانية: أن يبتاع وجيه في الذمة ويفوض بيعه إلى خامل ليكون الربح بينهما، والثالثة - وبها فسر ابن كج والإمام -: أن يشترك وجيه فقير وخامل له مال ليكون العمل من الوجيه والمال من الخامل، والمال بيده لا يسلمه إلى الوجيه، والربح بينهما، وهي في الحقيقة قراض فاسد، وفي الصورتين لكل منهما ربح ما اشتراه، وعليه خسرانه، ولا يشاركه فيه الآخر إلا إذا أذن كل منهما للآخر في شراء شيء معلوم بينهما بشرط التوكيل، وقصد المشتري بالشراء أنه بينهما .. كان بينهما، وربحه لهما (٧)، واقتصر " الحاوي " على الصورة الثالثة، فقال [ص ٣٢٦]: (ولبائع مال غيرٍ لبعض ربحه أجر المثل)، وقد عرفت أن الأولى أشهر صورها.

стр. 942

٢٣٦٣ - قول " المنهاج " [ص ٢٧٠]- والعبارة له - و" الحاوي " [ص ٣٢٥]: (ويشترط فيها: لفظ يدل على الإذن في التصرف) عبارة " الروضة ": (لفظ يدل على التجارة)، قال شيخنا ابن النقيب: وهذا أحسن، فإن زاد في " المنهاج ": (فيها وفي أعواضها) .. استقام، وإلا .. كان إذنًا فيها فقط وليس بشركة، إلا إن احتفّتْ به قرينة تعيّنها. انتهى (١). ثم اعلم: أن المراد: إذن كل منهما للآخر في نصيب نفسه، فإن أذن أحدهما فقط .. تصرف الآخر في الكل والآذن في نصيبه فقط، ولا يتجر إلا فيما أذن له فيه، فإن قال: (اتجر فيما شئت) .. صح في الأصح، وكذا لو أطلق وقال: (اتجر) كما صححه النووي (٢)، وعبارة " التنبيه " [ص ١٠٧]: (وهو أن يعقدا على ما تجوز الشركة عليه)، قال في " الكفاية ": ففيه الاكتفاء بقولهما: (اشتركنا في هذا المال)، والأصح: اعتبار الإذن في التصرف. ٢٣٦٤ - قولهما أيضًا: (وفيهما: أهلية التوكيل والتوكل) (٣) أي: إذا أذن كل منهما للآخر في التصرف، كما قاله في " المطلب "، فإن كان المتصرف أحدهما فقط .. اشترط فيه: أهلية التوكل، وفي الآذن: أهلية التوكيل حتى يصح أن يكون الثاني أعمى دون الأول (٤). ٢٣٦٥ - قول " التنبيه " [ص ١٠٧]: (ولا تصح إلا على الأثمان على ظاهر النص، وقيل: تصح على كل ما له مثل، وهو الأظهر)، وكذا رجحه " المنهاج " (٥)، وإليه أشار " الحاوي " بقوله [ص ٣٢٥]: (في مالٍ مشتركٍ أبى التمييز). لكن قول " المنهاج " [ص ٢٧٠]: (وقيل: تختص بالنقد المضروب) يقتضي أنه وجه، ورجح في " الروضة ": أن الخلاف قولان (٦)، وقوله: (المضروب) قد يفهم أن غير المضروب يسمى نقدًا، وليس كذلك، واحترز به عن التبر والسبائك والحلي؛ فإنهم أطلقوا المنع فيها، قال الرافعي: ويجوز تخريجه على أنه مثليٌّ أو متقوم، وما بحثه صرح به في " التتمة " (٧)، وصحح النووي: الصحة في الدراهم المغشوشة الرائجة (٨). ولا يرد ذلك عليهما؛ لأنهما من الأثمان ومن المثليات، وفي (الدعوى والبينات) من الرافعي

стр. 943

في الدعوى بالمغشوشة ما يقتضي خلافًا في أنها مثلية أو متقومة (١)، وخرجه المتولي على التعامل بها (٢). وقال ابن الرفعة: إذا أتلف المغشوشة .. لا يضمن بمثلها، بل بقيمة الدراهم ذهبًا، والذهب دراهم بلا خلاف. قال في " التوشيح ": وهو غير مُسلّم، بل الخلاف موجود في كلامهم تصريحًا وتلويحًا، وقضية كونها مثلية على الأصح: أن يكون الأصح: ضمانها بالمثل، وهو الوجه. ٢٣٦٦ - قولهما: (ويشترط خلط المالين) (٣) أي: قبل العقد، وذلك مفهوم من قول " الحاوي " [ص ٣٢٥]: (في مالٍ مشتركٍ أبى التمييز) فإنه يفهم أن إباءه التمييز متقدم على العقد. ٢٣٦٧ - قول " المنهاج " [ص ٢٧١]: (والحيلة في الشركة في العروض - أي: باقيها؛ فإن المثليات عروض -: أن يبيع كل واحد بعض عرضه ببعض عرض الآخر ويأذن له في التصرف)، ينبغي أن يقول: (ثم يأذن له في التصرف) كما في " التنبيه " (٤) فإنه يجب تأخير الإذن عن البيع. ويرد عليهما معا: أنه لا يحتاج إلى لفظة (كل)، فلو باع أحدهما بعض عرضه ببعض عرض الآخر .. حصل الغرض، وتعبيرهما أحسن من قول " المحرر ": (نصف بنصف) (٥) فإنه يجوز بيع أحدهما ربع عرضه بثلاثة أرباع عرض الآخر، فيصير مشتركًا بينهما كذلك (٦). ٢٣٦٨ - قول " الحاوي " [ص ٣٢٥]: (وإن اختلف القدر أو جُهل) يقتضي الصحة مع الجهل بالقدر مطلقًا، وإنما يُغتفر الجهل به حال العقد مع إمكان معرفته بعده؛ ولذلك قال " المنهاج " [ص ٢٧١]: (والأصح: أنه لا يشترط العلم بقدرهما عند العقد) أما إذا جهلا القدر وعلما النسبة؛ بأن وضع أحدهما الدراهم في كفة الميزان والآخر مقابلها مثلًا .. فيصح جزمًا، قاله الماوردي وغيره (٧). ٢٣٦٩ - قول " المنهاج " [ص ٢٧١]: (ويتسلط كل منهما على التصرف بلا ضرر) يقتضي جواز البيع بثمن المثل مع راكب بزيادة، وذلك تقصير في حق الشريك، وعبر في " المحرر " بـ (الغبطة) (٨)،

стр. 944

وهو: شراء ما فيه ربح عاجل له بال (١)، وفي تكليف الشريك مثل ذلك مشقة وعسر، والأحسن: التوسط بينهما، واعتبار المصلحة خاصة كشراء ما يتوقع ربحه، فلا نكتفي بعدم الضرر، ولا نُكَلِّفُه الغبطة، وفي " الروضة " وأصلها: أن تصرف الشريك كالوكيل (٢)، وذلك يقتضي ما ذكرناه، والله أعلم. ٢٣٧٠ - قوله: (فلا يبيع نسيئة ولا بغير نقد البلد ولا بغبنٍ فاحشٍ ولا يسافر به ولا يُبضعه بغير إذنٍ) (٣) يعود إلى الجميع، فإن فعل .. لم يصح في نصيب شريكه، وفي نصيبه قولا تفريق الصفقة، إلا السفر؛ فإنه لا يمنع الصحة وإن ضمن. ٢٣٧١ - قول " التنبيه " [ص ١٠٨]: (وإن مات أحدهما أو جن .. انفسخت الشركة) لم يذكر الإغماء، وذكره " المنهاج " وغيره، وفي " البحر ": أنّ يَسِيرَهُ الذي لا يسقط فيه فرض صلاة واحدة لمرور وقتها .. لا يضر (٤). ٢٣٧٢ - قولهم - والعبارة لـ " المنهاج " -: (والربح والخسران على قدر المالين، فإن شرطا خلافه .. فسد العقد، فيرجع كل على الآخر بأجرة عمله في ماله) (٥) أي: في مال الآخر، أورد عليه: ما إذا تساويا في المال وتفاوتا في العمل، وشرط الأقل للأكثر عملًا .. فإن الأصح: أنه لا يرجع بالزائد؛ لأنه عمل متبرعًا. ٢٣٧٣ - قول " التنبيه " [ص ١٠٨]: (والشريك أمين فيما يدعيه من الهلاك) يرد عليه: أنه لو ادعاه بسبب ظاهر .. طولب ببينة بالسبب، ثم يُصدَّق في التلف به، وقد ذكره " المنهاج " (٦).

стр. 945

كتابُ الوكالة ٢٣٧٤ - قول " المنهاج " [ص ٢٧٢]: (إنه لا يصح توكيل المرأة في النكاح) أي: توكيلها أجنبيًا في تزويجها، أما لو أذنت لوليها بصيغة التوكيل .. قال في " البيان ": صح، نص عليه الشافعي (١). ٢٣٧٥ - قوله: (والمُحْرِمِ في النكاح) (٢) أي: توكيل المُحْرِم حلالًا، والمراد: إذا وكله ليعقد عنه حال إحرام الموكِّل، فإن قال: لتُزَوّج بعد تَحللي .. صح، قاله الرافعي في (النكاح) تبعًا للقاضي حسين، واختار السبكي المنع، فإن أطلق .. صح عند الرافعي دون القاضي. ولو وكل حلال مُحْرِمًا في التوكيل في التزويج .. صح عند الرافعي خلافًا للسبكي أيضًا (٣)، وإنما حملت عبارة " المنهاج " على أن المصدر مضاف للفاعل، وأن المراد: كون المرأة والمُحْرِم موكلين؛ لذكره ذلك في صور شرط الموكِّل، وهو صحة مباشرته ما وكل فيه، ولو حمل على إضافة المصدر للمفعول، وأن المراد: منع كون المرأة والمُحْرِم وكيلين في النكاح .. لاستقام في الحكم أيضًا، لكنه لا يلائم سياق كلامه، والله أعلم. ٢٣٧٦ - قوله: (ويصح توكيل الولي في حق الطفل) (٤) تبع فيه " المحرر " (٥)، ولو حذف الطفل كما في " الروضة " ليدخل المجنون ونحوه .. لكان أشمل. ٢٣٧٧ - قوله: (ويستثنى توكيل الأعمى في البيع والشراء .. فيصح) (٦)، وكذا في " الحاوي " (٧)، وفيه أمران: أحدهما: أن ذلك لا يختص بالبيع والشراء، فسائر العقود كذلك " كالإجارة والأخذ بالشفعة وغيرهما. ثانيهما: لم يستثنيا غير هذه الصورة، ولم يستثن في " التنبيه " شيئًا أصلًا، ويستثنى مع ذلك مسائل:

стр. 946

منها: لو وكل مُحْرِم في التزويج حلالًا ليزوج بعد التحلل، أو أطلق، أو وكل حلال محرمًا في التوكيل كما تقدم. ومنها: لو وكل الولي امرأة لتوكل رجلًا عنه، أو مطلقًا في تزويج ابنته .. صح، بخلاف ما لو وكلته عن نفسها. ومنها: لو وكل المشتري البائع في أن يوكل من يقبض ثمنه منه .. فإنه يصح مع منع قبضه من نفسه. ومنها: التوكيل في الطلاق تفريعًا على صحة الدور؛ فإنه لو بَاشَرَهُ .. لم يقع مع وقوعه من وكيله. ومنها: التوكيل في استيفاء القصاص في الطرف وحد القذف .. فإنه يصح، ولا يجوز أن يباشر ذلك بنفسه؛ خشية الحيف. ومنها: أن الإمام الفاسق لا يزوج الأيامى، ولا يقضي كما لا يشهد، ولكنه ينصب القضاة حتى يزوجوا، حكاه المتولي عن القاضي حسين؛ وعلله المتولي: بأنا إنما لم نعزله بالفسق، لخوف الفتنة، وليس في منعه من القضاء والتزويج إثارة فتنة، وحكاه في " التوشيح " عن تصحيح والده في (النكاح)، لكن الأصح في " أصل الروضة ": أنه يزوج بناته وبنات غيره (١). واعلم: أن المفهوم من عبارتهم: أن كل من صح أن يباشر الشيء بنفسه .. صح أن يوكل فيه، ويستثنى من ذلك مسائل أيضًا: منها: غير المجبر إذا أذنت له في التزويج ونهته عن التوكيل. ومنها: الظافر بحقه لا يوكل في كسر الباب وأخذ حقه. ومنها: الوكيل ليس له أن يستقل بالتوكيل فيما يقدر عليه في الأصح، وفي معناه: العبد المأذون، وكذا الوصي فيما يتولاه مثله، كما ذكره في " الروضة " (٢). ومنها: السفيه المأذون له في النكاح .. ليس له التوكيل فيه، كما حكاه الرافعي عن ابن كج؛ فإن حجره لم يرتفع إلا عن مباشرته، قال في " الكفاية ": والعبد كذلك. ومنها: المرأة ليس لها أن توكل غير زوجها بغير إذنه كما فى " الكفاية " عن الماوردي (٣). ومثها: من أسلم على أكثر من أربع نسوة .. له أن يختار أربعًا، ولا يوكل في ذلك، إلا إذا عين للوكيل المختارات للنكاح .. فيجوز على الأصح.

стр. 947

٢٣٧٨ - قولهم - والعبارة لـ" المنهاج" -: (شرط الوكيل: صحة مباشرته التصرف لنفسه) (١) استثنى الثلاثة منه: اعتماد قول الصبي في الإذن في دخول دارٍ وإيصال هديةٍ، وقيده "التنبيه" بالتمييز (٢)، ولا بد منه، وعبر عنه "المنهاج" بالصحيح (٣)، وكذا في "الروضة" هنا، قال: فيه وجهان سبقا في البيع (٤)، لكن الذي في البيع طريقان، أصحهما: القطع بالاعتماد، والثانية: الوجهان في روايته (٥). ومحل الخلاف: أن يكون مأموناً، وإلا .. فلا قطعاً، وألَاّ تحتف به قرائن تفيد العلم، فإن احتفت به .. اعتمد قطعاً، وهذا في الهدية لأجل إباحة الطعام، وأما الملك .. فلا يحصل إلا بإيجاب وقبول على الصحيح، قاله ابن عجيل اليمني. واستثنى "المنهاج" صورة ثانية، وهي: صحة توكيل عبدٍ في قبول النكاح وإن لم يأذن سيده على الأصح (٦)، مع كونه يمتنع قبوله لنفسه بغير إذن سيده، والسفيه كالعبد في ذلك. ويستثنى مع ذلك مسائل أيضاً: منها: توكيل المسلم كافراً في شراء مسلم .. فإنه يصح مع امتناع شرائه لنفسه. ومنها: توكيل المرأة في طلاق غيرها .. فإنه يصح على الأصح، وحكى "التنبيه" فيه في (الطلاق) وجهين من غير ترجيح (٧). ومنها: توكيل المسلم كافراً في طلاق المسلمة، ذكره الرافعي في (الخلع) (٨)، وفيه وجه في "الروضة" (٩). ومنها: توكيل معسر موسراً في تزويج أمته .. فيجوز، كما ذكره البغوي في " فتاويه ". ومنها: توكيل شخص في قبول نكاح أخته، وفي قبول نكاح أخت زوجته ونحوها، ومن تحته أربع في قبول نكاح امرأة، ويستثنى من عكسه - وهو: أن من جاز تصرفه لنفسه .. جاز أن يتوكل فيه عن غيره - منع توكيل الولي فاسقًا في بيع مال الطفل، والله أعلم. ٢٣٧٩ - قول "التنبيه" [ص ١٠٩]: (وإن وكل عبداً لغيره في شراء نفسه له من مولاه .. فقد

стр. 948

قيل: يجوز، وقيل: لا يجوز (الأصح: جوازه، قال صاحب "التقريب": ويجب التصريح بالموكل، وإلا .. فهو صريح في العتق لا ينصرف بالنية، وكلام الجرجاني يقتضي أنه لا يجب، وينصرف بالنية، وتوكيله في شراء شيء غيره من مولاه كتوكيله في شراء نفسه، وقوله: (من مولاه) زيادة إيضاح، وفرض في "الكفاية" الخلاف فيما إذا أذن السيد له في الوكالة، ثم قال: وقال البغوي: لا حاجة للإذن قبل الشراء؛ لتضمن بيعه إذنه (١)، وقال القاضي: إن أذن .. جاز قطعاً، وإلا .. فالخلاف. ٢٣٨٠ - قول "المنهاج" [ص ٢٧٢]- والعبارة له - و"الحاوي" [ص ٣٢٨، : (وشرط الموكَّل فيه: أن يملكه الموكِّل، فلو وكل ببيع عبدٍ سيملكه، وطلاق من سينكحها .. بطل في الأصح) فيه أمران: أحدهما: أن محل الخلاف: إذا عين العبد أو المرأة بوصف، أو أتى بلفظ عموم؛ مثل: كل عبدٍ أو امرأةٍ، وأما النكرة الصّرفةُ .. فلا تصح جزماً، قاله البغوي في "فتاويه"، فلا بد على هذا من تقييد قوله: (عبدٍ) بما إذا كان معيناً، وحمل (من) في قوله: (من سينكحها) على العموم. ثانيهما: يستثنى من ذلك: ما لو جعله تبعاً لموجود؛ كتوكيله في بيع عبده الفلاني، وما سيملكه .. ففيه احتمالان للرافعي (٢)، والمنقول عن الشيخ أبي حامد وغيره: الصحة. ٢٣٨١ - قول "التنبيه" [ص ١٠٨]: (وأما حقوق الله تعالى: فما كان منها عبادة .. لا يجوز التوكيل فيها إلا في الزكاة والحج) زاد "المنهاج" [ص ٢٧٢]: (وذبح أضحية)، وذكره "التنبيه" في بابه؛ حيث قال: (والأفضل: أن يذبح بنفسه) (٣)، ويستثنى مع ما ذكره: العمرة، وركعتا الطواف والرمي، وهي مأخوذة من الحج، وشرط النيابة في ركعتي الطواف: كونه تبعا لحج أو عمرة، فلو أفردهما بالتوكيل .. لم يصح، ذكره الرافعي في (الوصية) (٤)، وتفرقة الكفارات والنذر وصدقة التطوع، وهي مأخوذة من الزكاة، وذبح العقيقة والهدايا وشاة الوليمة ونحوها، وهي مأخوذة من الأضحية. ويستثنى أيضاً: صوم الولي عن الميت على القديم المختار. واستثنى بعضهم: العاجز يأمر من يوضئه أو ييممه، وفي استثنائه نظر؛ لأن المتوضئ والمتيمم حقيقة هو العاجز، ولا ينسب فعل العبادة إلى الموضئ له.

стр. 949

وقال شيخنا الإمام شهاب الدين بن النقيب: ينبغي استثناء الوقف أيضًا؛ فإنه قربة، ويصح التوكيل فيه (١). ٢٣٨٢ - قول "المنهاج" [ص ٢٧٢]: (ولا في شهادة، وإيلاءً، ولعانٍ، وسائر الأيمان) أي: باقيها، فإن الإيلاء واللعان من جملتها، ولذلك قال "الحاوي" [ص ٣٢٧]: (واليمين؛ كاللعان، والإيلاء) وقول "التنبيه": (والإيلاء) بعد ذكر الأيمان من عطف الخاص على العام، وفي معنى الأيمان: تعليق الطلاق، وهو الأصح، وقيل: يجوز، وأيده السبكي بجوازه في الخلع والكتابة، وفيهما التعليق، وقيل: إن كان فيه حث أو منع .. امتنع؛ لأنه يمين، وإن كان مثل: إذا طلعت الشمس .. فلا، واختاره السبكي، وقواه شيخنا الإمام البلقيني (٢). ٢٣٨٣ - قولهم: (إنه لا يصح التوكيل في الظهار) (٣) في تصوير نطق الوكيل به إشكال. قال في "المطلب": لعل صورته أن يقول: (أنت على موكلي كظهر أمه)، أو (جعلت موكلي مظاهراً منك)، قال: والأشبه: أن يقول: موكلي يقول: (أنت عليه كظهر أمه) انتهى (٤). وقال شيخنا الإمام البلقيني: الخلاف في الظهار يُستبعد من جهة أنه معصية، والتوكيل في المعاصي لا يجوز قطعاً. ٢٣٨٤ - قولهم: (إنه يصح التوكيل في الطلاق) (٥) أي: في تنجيزه في معيّنةٍ، أما تعليق الطلاق: فيمتنع التوكيل فيه في الأصح كما تقدم، وقد ذكره "الحاوي" (٦) ولذلك إذا طلق إحداهما .. لا يجوز التوكيل في تعيينها، فلو أشار إلى واحدة، ووكله في تعيينها للفراق أو النكاح .. صح في الأصح، وقد تقدم نظيره في الاختيار فيمن أسلم على أكثر من العدد الشرعي، ولو وكله في تطليق إحداهما على الإبهام .. ففيه وجهان، حكاهما الماوردي (٧). وما ذكرناه في الطلاق يأتي مثله في العتاق أيضاً، وهل يحتاج الوكيل إلى أن ينوي عند الطلاق أنه يطلقها لموكله؟ فيه وجهان في الرافعي عن شريح الروياني في أواخر الكلام على الصريح والكناية (٨).

стр. 950

٢٣٨٥ - قولهم: (إنه يصح التوكيل في العقود) (١) من جملتها: الضمان، والوصية، والحوالة، وصيغة التوكيل فيها كما قال في "المطلب": جعلت موكلي ضامناً لك كذا، أو موصياً لك بكذا، أو أحلتك بما لك عليه من كذا بنظيره مما له على فلان (٢). ٢٣٨٦ - قولهم: (والفسوخ) (٣) أي: التي ليست على الفور، وإلا .. فقد يكون التأخير بالتوكيل فيه تقصيراً، قاله الرافعي (٤)، ونقله ابنُ الرفعة عن المتولي جزماً. والمراد: حيث لم يكن عذر باشتغال بحمام أو أكل أو نحوهما. ويستثنى: فسخ نكاح الزائدات على أربع إذا أسلم عليهن كما تقدم، وفي خيار الرؤية خلاف (٥). ٢٣٨٧ - قول "المنهاج" [ص ٢٧٢]: (إنه يصح التوكيل في إقباض الديون) وهو داخل في عموم عبارة "التنبيه" و"الحاوي" (٦). من الديون: الجزية، فلو وكل الذمي في أدائها مسلماً .. ففيه خلاف ينبني على كيفية الأخذ، كذا قيد في "الروضة" تبعاً لأصله بالمسلم (٧)، والخلاف يأتي في توكيل ذمي أيضاً؛ لأن التوكيل فيما وجب عليه من عُقوبةٍ باطلٌ، وخرج بالديون: الأعيان؛ فإنها وإن صح في قبضها .. لا يصح في إقباضها؛ إذ ليس له دفعها لغير مالكها، قاله الشيخ عز الدين بن عبد السلام، وفيه نظر. ٢٣٨٨ - قول "التنبيه" [ص ١٠٨]: (إنه يصح التوكيل في استيفاء الحقوق) يستثنى منه: حقُّ القَسْمِ، وقد صرح به مع وضوحه في "البحر" (٨)، وقبض عوض الصرف في غيبة الموكل؛ لأن العقد يفسد بغيبته قبل القبض، وهذا قد يرد على قول "الحاوي" أيضاً [ص ٣٢٧]: (وقبض حق)، وعبر "المنهاج" [ص ٢٧٢]: (بقبض الديون). ٢٣٨٩ - قول "التنبيه" [ص ١٠٨]: (وفي تملك المباحات؛ كالصيد والحشيش والماء قولان) فيه أمور: أحدها: ما ذكره من أن الخلاف قولان هو الذي في "المنهاج" أيضًا (٩)، وجعله الرافعي
следующие страницы →