← Улюм аль-хадис

Улюм аль-хадис · id 12767

التنكيل بما في تأنيب الكوثري من الأباطيل - ط المكتب الإسلامي

عبد الرحمن المعلمي اليماني

Полный текст (924 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

يفسر كان آباؤه موهناً لجرحه. فأما الراوي فقد يكون المثني عليه لم يقصد الحكم بثقته، وقد يكون الجرح متعلماً بالعدالة مثل «هو فاسق» والتعديل مطلق والمعدل غير خبير بحال الراوي إنما اعتمد على سبر ما بلغه من أحاديثه، وذلك كما لو قال مالك في مدني «هو فاسق» ثم جاء ابن معين فقال «هو ثقة» وقد يكون المعدل إنما اجتمع بالراوي مدة يسيرة فعدله بناء على أنه رأى أحاديثه مستقيمة والجارح من أهل بلد الراوي، وذلك كما لو حجَّ رازي فاجتمع به ابن معين ببغداد فسمع منه مجلساً فوثقه، ويكون أبو زرعة وأبو حاتم الرازيان قد قالا فيه «ليس بثقة ولا مأمون» ففي هذه الأمثلة لا يخفي أن الجرح أولى أن يؤخذ به. فالتحقيق أن كلاً من التعديل والجرح الذي لم يبين سببه يحتمل وقوع الخلل فيه، والذي ينبغي أن يؤخذ به منها هو ما كان احتمال الخلل فيه أبعد من احتماله في الآخر وهذا يختلف ويتفاوت باختلاف الوقائع والناظر في زماننا لا يكاد يتبين له الفصل في ذلك إلا بالاستدلال بصنيع الأئمة كما إذا وجدنا البخاري ومسلما قد احتجا أو أحدهما براو سبق ممن قبلهما فيه جرح غير مفسر فأنه يظهر لنا رجحان التعديل غالبا وقس على ذلك وهذا تفصيل ما تقدم في القاعدة الخامسة عن ابن الصلاح وغيره لكن ينبغي النظر في كيفية رواية الشيخين عن الرجل فقد يحتجان أو أحدهما بالراوي في شيء وقد لا يحتجان به، وإنما يخرجان له ما توبع عليه، ومن تتبع ذلك وأنعم فيه النظر علم أنهما في الغالب لا يهملان الجرح البتة، بل يحملانه على أمر خاص، أو على لين في الراوي لا يحطه عن الصلاحية به فيما ليس مظنة الخطأ أو فيما توبع عليه ونحو ذلك، راجع الفصل التاسع من (مقدمة فتح الباري) . القضية الثانية: أن الجرح إذا كان مفسرا: فالعمل عليه، وهذه القضية يعرف ما فيها بمعرفة دليلها وهو ما ذكره الخطيب في (الكفاية) ص ١٠٥ قال: «والعلة في ذلك أن الجارح يخبر عن أمر باطن قد علمه ويصدق المعدل ويقول له: قد علمت من حاله الظاهرة ما علمتها وتفردت بعلم لم تعلمه من اختبار أمره، وإخبار

стр. 247

المعدل عن العدالة الظاهرة لا ينفي صدق قول الجارح.. ولأن من عمل بقول الجارح لم يتهم المزكي ولم يخرجه بذلك عن كونه عدلاً ومتى لم نعمل بقول الجارح كان في ذلك تكذيب له ونقص لعدالته وقد علم أن حاله في الأمانة مخالفة لذلك» . أقول: ظاهر كلام الخطيب أن الجرح المبين السبب مقدم على التعديل، بل يظهر مما تقدم عنه في القاعدة الخامسة من قبول الجرح المجمل إذا كان الجارح عارفاً بالأسباب واختلاف العلماء أن الجارح إذا كان كذلك قدم جرحه الذي لم يبين سببه على التعديل لكن جماعة من أهل العلم قيدوا الجرح الذي يقدم على التعديل بأن يكون مفسراً، والدليل المذكور يرشد إلى الصواب فقول الجارح العارف بالأسباب والاختلاف: ليس بعدل، أو: فاسق، أو: ضعيف أو: ليس بشيء، أو: ليس بثقة، هل يجب أن لا يكون إلا عن علم بسبب موجب للجرح إجماعاً؟ أو لا يحتمل أن يكون جهل أو غفل أو ترجح عنده مالا نوافقه عليه؟ أو ليس في كل مذهب اختلاف بين فقهائه فيما يوجب الفسق؟ فإن بين السبب فقال مثلاً: قاذف، أو قال المحدث: كذاب، أو: يدعى السماح ممن لم يسمع منه، أفليس إذا كان المتكلم فيه راوياً قد لا يكون المتكلم قصد الجرح وإنما هي فلتة لسان عند ثورة غضب أو كلمة قصد بها غير ظاهرها بقرينة الغضب؟ أو لم يختلف الناس في بعض الكلمات أقذف هي أم لا؟ حتى إن فقهاء المذهب الواحد قد يختلفون في بعضها. أو ليس قد يستند الجارح إلى شيوع خبر قد يكون أصله كذبة فاجر أو قرينة واهية كما في قصة الإفك؟ وقد يستند التحدث إلى خبر واحد يراه ثقة وهو عند غير ثقة، أو ليس قد يبني المحدث كلمة «كذاب» أو «يضع الحديث» أو «يدعي السماع ممن لم يسمع منه» على اجتهاد يحتمل الخطأ؟ فان فصل الجارح القذف أفليس قد يكون القذف لمستحقه؟ أو ليس قد يكون فلتة لسان عند سورة غضب كما وقع من محمد بن الزبير أو من أبي الزبير محمد بن مسلم بن تدرس على ما رواه أبو داود الطيالسي عن شعبة وكما وقع من أبي حصين عثمان بن عاصم فيما

стр. 248

ذكره وكيع وإن كانت الحكاية منقطعة؟ إذا تدبرت هذا علمت أنه لا يستقيم ما استدل به الخطيب إلا حيث يكون الجرح مبيناً مفسراً مثبتا مشروحاً بحيث لا يظهر دفعه إلا بنسبة الجارح إلى تعمد الكذب، ويظهر أن المعدل لو وقف عليه لما عدل، فما كان هكذا فلا ريب أن العمل فيه على الجرح وإن كثر المعدلون وأما ما دون ذلك فعلى ما تقدم في القضية الأولى. ٨- قولهم: من ثبتت عدالته لم يقبل فيه الجرح إلا ... قال البخاري في (جزء القراءة) : «والذي يذكر عن مالك في ابن إسحاق لا يكاد يبين.. ولو صح.. فلربما تكلم الإنسان فيرمي صاحبه بشيء واحد ولا يتهمه في الأمور كلها، وقال إبراهيم بن المنذر عن محمد بن فليح نهاني مالك عن شيخين من قريش وقد أكثر عنهما في «الموطأ» وهما مما يحتج بحديثهما، ولم ينج كثير من الناس من كلام بعض الناس فيهم نحو ما يذكر عن إبراهيم من كلامه في الشعبي، وكلام الشعبي في عكرمة وفيمن كان قبلهم وتأويل بعضهم في العرض والنفس، ولم يلتفت أهل العلم في هذا النحو إلا ببيان وحجة، ولم يسقط عدالتهم إلا ببرهان وحجة ... وقال بعض أهل المدينة إن الذي يذكر عن هشام بن عروة قال كيف يدخل ابن إسحاق على امرأتي؟ لو صح عن هشام جائز أن تكتب إليه ... وجائز أن يكون سمع منها وبينهما حجاب وهشام لم يشهد» . وفي (فتح المغيث) للسخاوي ص ١٣٠ عن محمد بن نصر المروزي: «كل رجل ثبتت عدالته لم يقبل فيه تجريح أحد حتى يبين ذلك بأمر لا يحتمل أن يكون غير جرحة» . وفي ترجمة عكرمة من (مقدمة فتح الباري) عن ابن جرير:

стр. 249

«من ثبتت عدالته لم يقبل فيه الجرح، وما تسقط العدالة بالظن وبقول فلان لمولاه: لا تكذب عليَّ، وما أشبهه من القول الذي له وجوه وتصاريف ومعان غير الذي وجهه إليه أهل الغباوة» . وقال ابن عبد البر: «الصحيح في هذا الباب أن من صحت عدالته وثبتت في العلم أمانته وبانت ثقته وعنايته بالعلم لم يلتفت فيه إلى قول أحد إلا أن يأتي في جرحته بينة عادلة تصح بها جرحته على طريق الشهادات والعمل فيها من المشاهدة والمعاينة» . قال السخاوي في (فتح المغيث) :.. ليس المراد إقامة بينة على جرحه بل المعنى أنه يستند في جرحه إلى ما يستند إليه الشاهد في شهادته وهو المشاهدة ونحوها» . قد يقال: إن كان المراد بثبوت العدالة أن يتقدم التعديل والحكم به والعمل بحسبه على الجرح، فهذا إنما يكثر في الشهود، وإن كان المراد بثبوتها حصول تعديل على أي حال كان، فهذا لا وجه له، فقد تقدم في القاعدة السادسة ما يعلم منه أن التعديل يتفاوت، ويحتمل كثير منه الخلل كما يحتمله الجرح الذي لم يشرح كل الشرح، أو أشد، ومن تتبع صنيع أهل العلم تبين له أنهم كثيراً ما يقدمون الجرح الذي لم يشرح كل الشرح على التوثيق، كما في حال إبراهيم بن أبي يحيى والواقدي وغيرهما، وكثيراً ما يقع للبخاري وغيره القدح فيمن لم يدركوه وقد سبق أن عدله معدل أو أكثر، ولم يسبق أن جرحه أحد. فأقول: الذي يتحرر أن للعدالة جهتين: الأولى استقامة السيرة، وثبوت هذا بالنظر إلى هذه القاعدة تظهر فيمن تظهر عدالته ويعدل تعديلاً معتمداً وتمضي مدة ثم يجرح. فأما ما عدا فالمدار على الترجيح وقد مر في القاعدة السابقة.

стр. 250

الجهة الثانية: استقامة الرواية وهذا يثبت عند المحدث بتتبعه أحاديث الراوي واعتبارها وتبين أنها كلها تدل على أن الراوي كان من أهل الصدق والأمانة، وهذا لا يتيسر لأهل عصرنا لكن إذا كان القادحون في الراوي قد نصوا على ما أنكروا من حديثه بحيث ظهر أن ما عدا ذلك من حديثه مستقيم فقد يتيسر لنا أن ننظر في تلك الأحاديث فإذا تبين أن لها مخارج قوية تدفع التهمة عن الراوي فقد ثبتت استقامة روايته. وقد حاولت العمل بهذا في بعض الآتين في قسم التراجم كالحارث بن عمير والهيثم بن جميل. فأما ما عدا هذا فإننا نحتاج إلى الترجيح، فقد يترجح عندنا استقامة رواية الرجل باحتجاج البخاري به في صحيحه لظهور أن البخاري إنما احتج به أن تتبع أحاديثه وسبرها وتبين له استقامتها، وقد علمنا مكانة البخاري وسعة إطلاعه ونفوذ نظره وشدة احتياطه في (صححه) ، وقس على ذلك وراجع ما تقدم في القواعد السابقة. والله الموفق. هذا وقد تعرض ابن السبكي في ترجمة أحمد بن صالح من (طبقات الشافعية) لهذه القاعدة وزاد فيها فقال: «فنقول مثلاً لا يلتفت إلى كلام ابن أبي ذئب في مالك، وابن معين في الشافعي، والنسائي في أحمد بن صالح لأن هؤلاء أئمة مشهورون صار الجارح لهم كالآتي بخبر غريب لو صح لتوفرت الدواعي على نقله وكان القاطع قائماً على كذبه ... ومعنا أصلان نستصحبهما إلى أن نتيقن خلافهما أصل عدالة الإمام المجروح ... وأصل عدالة الجارح ... فلا نلتف إلى جرحه ولا نجرحه بجرحه، فاحفظ هذا المكان فهو من المهمات ... فنحن نقبل قول ابن معين ... ولا نقبل قوله في الشافعي ولو فسر وأتى بألف إيضاح لقيام القاطع على أنه غير محق بالنسبة إليه» . أقول هو ّل على عادته، والإنصاف أن الشافعي لم يكن معصوماً، ولم يقم القاطع اليقيني على أنه لم يقع منه ما إذا وقع من الرجل صح أن يجرح به ولم يكن الشافعي طول عمره في جميع أحواله لا يزال بحضرته جم غفير تقضي العادة حتماً بأنه لو وقع

стр. 251

منه شيء مما ذكر لتوفرت الدواعي على نقله، نعم لو فرضنا أن الجارح ذكر أمراً يصح أن يقال فيه: لو وقع لتوفرت الدواعي على نقله تواتراً: ولم يكن ذلك، فأنه لا يقبل منه. ولو أن السبكي ترك أن يفرض ما لم يقع بما وقع واعتنى بما وقع في الأمثلة التي ذكرها وبين وجوهها لأجاد وأفاد، وقد تعرضت لما وقفت عليه من ذلك في تراجم أولئك الثلاثة من قسم التراجم ولله الحمد. ٩- مباحث في الاتصال والانقطاع المبحث الأول: في رواية الرجل بصيغة محتملة للسماع عمن عاصره ولم يثبت لقاؤه له . ذكر مسلم في مقدمة (صحيحه) عن بعض أهل عصره: أنه شرط أن يثبت لقاء الراوي للمروي عنه ولو مرة فان لم يثبت لم يحكم لما يرويه عنه بالاتصال، وذكروا أن الذي شرط ذلك هو البخاري وشيخه علي بن المديني، وحكى مسلم إجماع أهل العلم سلفاً وخلفاً على الاكتفاء بالمعاصرة وعدم التدليس، وألزم مخالفه أن لا يحكم بالاتصال فيما لم يصرح فيه الراوي بالسماع وإن ثبت اللقاء في الجملة ولم يكن الراوي مدلساً. وتوضيح هذا الإلزام أنه كما أن الراوي الذي يعرف ويشتهر بالارسال عمن عاصره ولم يلقه قد يقع له شيء من ذلك، فكذلك الراوي الذي لم يعرف ويشتهر بالارسال عمن لقيه وسمع منه قد يقع له شيء من ذلك. فان كان ذلك الوقوع يوجب التوقف عن الحكم بالاتصال في الأول فيوجبه في الثاني، وإن لم يوجبه في الثاني فلا يوجبه في الأول، أجاب النووي بما إيضاحه أن رواية غير المدلس بتلك الصيغة عمن قد لقيه وسمع منه الظاهر منها السماع، والاستقراء يدل أنهم إنما يطلقون ذلك في السماع إلا المدلس. أقول فمسلم يقول: الحال هكذا أيضاً في رواية غير المدلس عمن عاصره، والرواية عن المعاصر على وجه الإيهام تدليس أيضاً عند الجمهور، ومن لم يطلق عليها ذلك لفظاً لا ينكر أنها تدليس في المعنى، بل هي أقبح عندهم من إرسال الراوي على سبيل الإيهام عمن قد سمع منه.

стр. 252

هذا وصنيع مسلم يقتضي أن الإرسال على أي الوجهين كان إنما يكون تدليساً إذا كان على وجه الإيهام، ويوافقه ما في (الكفاية) للخطيب ص ٣٥٧. وذكر مسلم فيها إرسال بالصيغة المحتملة عمن قد سمعوا منه ولم تعد تدليساً ولا عدوا مدلسين، ومحمل ذلك أن الظن بمن وقعت منهم أنهم لم يقصدوا الإيهام، وأنهم اعتمدوا على قرائن خاصة قائمة عند إطلاقهم تلك الراوية تدفع ظهور الصيغة في السماع وقد كنت بسطت ذلك ثم رأيت هذا المقام يضيق عنه. ولا يخالف ذلك ما ذكروه عن الشافعي أن التدليس يثبت بمرة، لأنا نقول: هذا مسلم ولكن محله حيث تكون تلك المرة تدليساً بأن تكون بقصد الإيهام والأمثلة التي ذكرها مسلم لم تكن كذلك بدليل إجماعهم على أن أولئك الذين وقعت منهم تلك الأمثلة ليسوا مدلسين. وزعم النووي في (شرح صحيح مسلم) أنه لا يحكم على مسلم بأنه عمل في (صحيحه) بقوله المذكور، وهذا سهو من النووي، فقد ذكر مسلم في ذلك الكلام أحاديث كثيرة زعم أنه لم يصرح فيها بالسماع ولا علم لقاء، وأنها صحاح عند أهل العلم، ثم أخرج منها في أثناء (صحيحه) تسعة عشر حديثاً كما ذكره النووي نفسه ومنها ستة في (صحيح البخاري) كما ذكره النووي أيضاً. وهذا ولم يجيبوا عن تلك الأحاديث إلا بأن نفي مسلم العلم باللقاء لا يستلزم عدم علم غيره، وهذا ليس بجواب عن تصحيح مسلم لها، وإنما هو جواب عن قوله أنها عند أهل العلم صحاح. وقد دفعه بعض علماء العصر بأنه لا يكفي في الرد على مسلم مع العلم بسعة إطلاعه. أقول: قد كان على المجيبين أن يتتبعوا طرق تلك الأحاديث وأحوال رواتها، وعلى الأقل كان يجب أن يعتنوا بالستة التي في (صحيح البخاري) ، وكنت أظنهم قد بحثوا فلم يظفروا بما هو صريح في رد دعوى مسلم، فاضطروا إلى الاكتفاء بذاك الجواب الإجمالي، ثم إنني بحثت فوجدت تلك الستة قد ثبت فيها اللقاء بل

стр. 253

ثبت في بعضها السماع، بل في (صحيح مسلم) نفسه التصريح بالسماع في حديث منها، وسبحان من لا يضل ولا ينسى، وأما بقية الأحاديث فمنها ما يثبت فيه السماع واللقاء فقط، ومنها ما يمكن أن يجاب عنه جواب آخر، ولا متسع هنا لشرح ذلك. وزعم بعض علماء العصر أن اشتراط البخاري العلم باللقاء. إنما هو لما يخرجه في (صحيحه) لا للصحة في الجملة، كذا قال، وفي كلام البخاري على الأحاديث في عدة من كتبه ك (جزء القراءة) وغيره ما يدفع هذا. والله الموفق. المبحث الثاني: في ضبط المعاصرة المعتد بها على قول مسلم، ضبطها مسلم بقوله: «كل رجل ثقة روى عن مثله حديثاً وجائز ممكن له لقاءه والسماع منه لكونهما كانا في عصر واحد ... » وجمعه بين «جائز وممكن» يشعر بأن المراد الإمكان الظاهر الذي يقرب في العادة والأمثلة التي ذكرها مسلم واضحة في ذلك. والمعنى يؤكد هذا فإنه قد ثبت أن الصيغة بحسب العرف ولا سيما عرف المحدثين وما جرى عملهم ظاهرة في السماع فهذا الظهور يحتاج إلى دافع فمتى لم يعلم اللقاء فإن كان مع ذلك مستبعدا:، الظاهر عدمه، فلا وجه للحمل على السماع لأن ظهور عدم اللقاء يدافع الصيغة، وقد يكون الراوي عد ظهور عدم اللقاء قرينه على أنه لم يرد بالصيغة السماع، وإن احتمل اللقاء احتمالاً لا يترجح أحد طرفيه فظهور الصيغة لا معارض له، فأما إذا كان وقوع اللقاء ظاهراً بيناً فلا محيص عن الحكم بالاتصال وذلك كمدني روى عن عمر ولم يعلم لقاؤه له نصاً لكنه ثبت أنه ولد قبل وفاة عمر بخمس عشرة سنة مثلا فإن الغالب الواضح أن يكون قد شهد خطبة عمر في المسجد مراراً. فأما إذا كان الأمر أقوى من هذا كرواية قيس بن سعد المكي عن عمرو بن دينار فأنه يحكم باللقاء حتماً، والحكم به في ذلك أثبت بكثير من الحكم به لشامي روى عن يمان لمجرد أنه وقع في رواية واحدة التصريح بالسماع. «وانظر ما يأتي في

стр. 254

الفقهيات في مسالة القضاة بالشاهد واليمين» . المبحث الثالث: لا يكفي احتمال المعاصرة لكن إذا كان الشيخ غير مسمى ففي كلامهم ما يدل على أنه يحكم بالاتصال وذلك فيما إذا جاءت الراوية عن فلان التابعي «عن رجل من أصحاب النبي ﵌..» ونحو ذلك، راجع (فتح المغيث) ص ٦٢، والفرق بين التسمية والإيهام أن ظاهر الصيغة السماع، والثقة إذا استعملها في غير السماع ينصب قرينة فالمدلس يعتد بأنه قد عرف منه التدليس قرينة وأما غيره فإذا سمى شيخاً ولم يثبت عندنا معاصرته له فمن المحتمل أنه كان معروفاً عند أصحابه أنه لم يدركه فاعتد بعلمهم بذلك قرينة، وأهل العلم كثيرا ما ينقلون في ترجمة الراوي بيان من حدث عنهم ولم يلقهم، بل أفردوا ذلك بالتصنيف «كمراسيل ابن أبي حاتم» وغيره، ولم يعتنوا بنقل عدم الإدراك لكثرته فاكتفوا باشتراط العلم بالمعاصرة، فأما إذا أبهم فلم يسم فهذا الاحتمال منتف لأن أصحاب ذاك التابعي لم يعرفوا عين ذلك الصحابي فكيف يعرفون أنه لم يدركه أو أنه لم يلقه؟ ففي هذا تنفي القرينة وإذا انتفت ظهر السماع وإلا لزم التدليس والفرض عدمه. «هذا ما ظهر لي، وعندي فيه توقف» . المبحث الرابع: اشترط العلم باللقاء أو بالمعاصرة إنما هو بالنظر إلى من قصدت الرواية عنه فأما من ذكر عرضاً فالظاهر أنه يكفي فيه الاحتمال، فإذا كان غير مسمى فالأمر أو ضح لما مر في المبحث السابق، وذلك كما في حديث (الصحيحين) من طريق عبد العزيز بن صهيب قال: سأل رجل أنس بن مالك ما سمعت نبي الله ﵌ يذكر في الثوم؟ فقال: قال النبي ﵌..» لفظ مسلم، ولفظ البخاري: «سئل أنس عن الثوم؟ فقال: قال النبي صلى الله عليه ... » عبد العزيز معروف بصحبة أنس ولا ندري من السائل. ومن ذلك ما في (صحيح مسلم) من طريق حنظلة قال: «سمعت عكرمة بن خالد يحدث طاوساً أن رجلاً قال لعبد الله عمر ألا تغزو؟ فقال إني سمعت

стр. 255

رسول الله ﷺ ... » وأخرجه البخاري من طريق حنظلة: «عن عكرمة بن خالد عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ ... » وقد يأتي شبه هذا ويكون المبهم هو الراوي نفسه، وإنما كنى عن نفسه لغرض كحديث (الصحيحين) عن معاذة: «أن امرأة قالت لعائشة: أيجزي إحدانا صلاتها إذا طهرت؟ فقالت: أحرورية أنت؟ ... » لفظ البخاري، وفي (الفتح) : «بين شعبة في روايته عن قتادة أنها هي معاذة الراوية، أخرجه الإسماعيلي من طريقه وكذا لمسلم من طريق عاصم وغيره عن قتادة» . أقول: في (صحيح مسلم) من طريق يزيد الرشك «عن معاذة أن امرأة سألت ... » ومن طريق عاصم عن معاذة قالت: «سألت عائشة فقلت ... » وقد يجيء نحو ذلك والراوي لم يشهد القصة ولكنه سمعها بتمامها ممن قصد الرواية عنه كما في حديث البخاري من طريق علقمة قال: «كنا بحمص فقرأ ابن مسعود سورة يوسف فقال رجل: ما هكذا نزلت! فقال: قرأت على رسول الله صلى الله عليه ... » ورواه مسلم من وجه آخر عن علقمة: «عن عبد الله قال كنت بحمص فقال لي بعض القوم: اقرأ علينا، فقرأت عليهم قال: فقال لي رجل من القوم: والله ما هكذا أنزلت ... » . فإن لم يكن التصرف من الرواة فالجمع بين الروايتين أن علقمة كان مع عبد الله بن مسعود بحمص ولكنه لم يشهد القصة وإنما سمعها من عبد الله، ولما كان المقصود الرواية عنه هو عبد الله لم يلتفت إلى ما وقع في الرواية الأولى من إيهام شهود علقمة للقصة، وهكذا ما في قول معاذة: «أن امرأة سألت ... » من إيهام أن السائلة غيرها فإن مثل ذلك لا يضع حكماً ولا يرفعه. والسر في حمل تلك الأمثلة على السماع ما قدمناه، ومن شك في هذا لزمه أن يشك في اتصال قول ثقة غير مدلس قد عرف بصحبة ابن المبارك: طار غراب

стр. 256

فقال ابن المبارك ... ، أو: هبت ريح فقال ابن المبارك ... ، وهذا لا سبيل إليه فكذا ذاك؛ والله الموفق. المبحث الخامس: اشتهر في هذا الباب العنعنة مع أن كلمة «عن» ليست من لفظ الراوي الذي يذكر اسمه قبلها بل هي لفظ من دونه وذلك كما لو قال همام «حدثنا قتادة عن أنس» فكلمة «عن» من لفظ همام لأنها متعلقة بكلمة «حدثنا» وهي من قول همام، ولأنه ليس من عادتهم أن يبتدئ الشيخ فيقول «فلان..» كما ترى بعض أمثلة ذلك في بحث التدليس من (فتح المغيث) وغيره، ولهذا يكثر في كتب الحديث إثبات «قال» في أثناء الإسناد قبل.. حدثنا» و «أخبرنا» وذلك في نحو قول البخاري: «حدثنا الحميدي قال حدثنا سفيان قال حدثنا يحيى بن سعيد» وكثيراً ما تحذف فيزيدها الشرّاح أو قراء الحديث ولا تثبت قبل كلمة عن وتصفح إن شيءت (شرح القسطلاني على صحيح البخاري) فبهذا يتضح أنه في قول همام «حدثنا قتادة عن أنس» لا يدري كيف قال قتادة، فقد يكون قال: «حدثني أنس» أو «قال أنس» أو «حدث أنس» أو «ذكر أنس» أو «سمعت أنساً» أو غير ذلك من الصيغ التي تصرح بسماعه من أنس أو تحتمله لكن لا يحتمل أن يكون قال «بلغني عن أنس» إذ لو قال هكذا لزم هماماً أن يحكى لفظه أو معناه كأن يقول: «حدثني قتادة عمن بلغه عن أنس» وإلا كان همام مدلساً تدليس التسوية وهو قبيح جداً وإن خف أمره في هذا المثال لما يأتي في قسم التراجم في ترجمة الحجاج بن محمد. والمقصود هنا أنه لو قال راو لم يعرف بتدليس التسوية (حدثني عبد العزيز بن صهيب عن أنس» كان متصلاً لثبوت لقاء عبد العزيز لأنس وأنه غير مدلس مع أننا لا ندري كيف قال عبد العزيز فقد يكون قال «قال أنس» أو «ذكر أنس» أو «حدث أنس» أو ابتدأ فقال: «أنس» فالحمل على السماع في العنعنة يستلزم الحمل على السماع في هذه الصيغ وما أشبهها وقد صرحوا بذلك كما تراه في (فتح

стр. 257

المغيث) ص ٦٩ وغيره، وما ذكروه من الخلاف في كلمة «أن» إنما هو في نحو أن يجيء «عن عبد العزيز أن أنس سأل النبي ﵌» ومعلوم أن عبد العزيز لم يدرك ذلك ومن حمله على السماع إنما مال إلى أن الظاهر أن عبد العزيز سمع القصة من أنس فكأنه قال: «حدثني أنس أنه سأل النبي ﵌..» وفي هذا المثال لا مزية لكلمة «أن» بل لو قال عبد العزيز «سأل أنس النبي صلى الله عليه..» لكان هذا كقوله: «عن عيد العزيز أن أنساً سأل ... » بل إن كلمة «أن» في المثال ليست من لفظ عبد العزيز وإنما هي من لفظ الراوي عنه فقوله: «حدثني عبد العزيز أن أنساً سأل» إنما تقديره «حدثني عبد العزيز بأن أنساً سأل» وقد يكون عبد العزيز قال «سأل أنس» وقد يكون قال غير ذلك. والله أعلم.

стр. 258

القسم الثاني في التراجم

стр. 259

أسوق في هذا القسم على الحروف تراجم الأئمة والرواة الذين تكلم فيهم الأستاذ في (التأنيب) وربما ذكرت غيرهم لاقتضاء الحال، فأذكر في كل ترجمة كلام الأستاذ وماله وما عليه متحرياً إن شاء الله تعالى الحق، فما لم أنسبه من أقوال أئمة الجرح والتعديل إلى كتاب فهو من (تهذيب التهذيب) أو (لسان الميزان) ، وعادة مؤلفهما أن لا يجزم بالنقل فيما لم بثبت عنده فإن تبين لي خلاف ذلك نبهت عليه، وما عدا ذلك فإني أسمي الكتاب وأبين المجلد والصفحة غالبا إن كان مطبوعا. وأعوذ بالله من شر نفشي وسيء عملي وأسأله التوفيق فإنه لا حول ولا قوة إلا بالله. ١- أبان بن سفيان . في (تاريخ بغداد) (١٣/ ٣٩٩) « ... علي بن حرب حدثنا أبان بن سفيان حدثنا حماد بن زيد ... » قال الأستاذ في (التأنيب ص١١٣ «في سنده أبان بن سفيان قال ابن حبان يروي عن (الثقات) أشياء موضوعة. وقال الدارقطني متروك» . أقول في (الميزان) و (اللسان) ذكر رجلين يقال لكل منهما أبان بن سفيان أحدهما بصري نزل الموصل من بلاد الجزيرة روى عن أبي هلال محمد بن سليم البصري قال فيه الدارقطني «جزري متروك» . والثاني مقدسي روى عن الفضيل بن عياض وعبيد الله بن عمر روى عنه محمد بن غالب الأنطاكي قال فيه ابن حبان: «روى أشياء موضوعة» وأورد له حديثين وقال: «هذان موضوعان» وناقشه

стр. 260

الذهبي في (الميزان) ثم استظهر الذهبي أن الرجلين واحد وذكر ابن حجر أن النباتي فرق بينهما. أقول والفرق هو الظاهر فأما الذي في سند الخطيب فإن كان غير هذين فلا نعرفه وإن كان أحدهما، فالظاهر أنه الأول، فإن حماد بن زيد بصري من طبقة محمد بن سليم، وعلي ابن حرب موصلي. والله أعلم. ٢- إبراهيم بن بشار الرمادي . في (تاريخ بغداد) «١٣م ٣٨٩» (١) « ... إبراهيم ابن بشار الرمادي حدثنا سفيان بن عيينة ... » قال الأستاذ ص ٨٢ «عنه يقول ابن أبي حاتم أنبأنا عبد الله بن أحمد بن حنبل فيما كتب إلي قال سمعت أبي وذكر إبراهيم بن بشار الرمادي فقال ك كان يحضر معنا عند سفيان ثم يملي على الناس ما سمعوه من سفيان وربما أملي عليهم ما لم يسمعوا - كأنه يغير الألفاظ فتكون زيادة ليس في الحديث فقلت له إلا تثقي الله تملي عليهم ما لم يسمعوا - وذمة في ذلك ذماً شديداً» . أقول: وقال ابن معين «ليس بشيء ولم يكتب عند سفيان وكان يملي على الناس ما لم يقله سفيان» وقال النسائي: «ليس بالقوي» وقال أبو حاتم «صدوق» وقال أبو عوانة في صحيحه.. ثقة من كبار أصحاب ابن عيينة وممن سمع منه قديماً» وقال الحاكم «ثقة مأمون من الطبقة الأولى من أصحاب ابن عيينة» وقال يحيى بن

стр. 261

الفضل «كان والله ثقة» وقال ابن حبان في (الثقات) «كان متقناً ضابطاً صحب ابن عيينة سنين كثيرة، وسمع أحاديثه مراراً ... » ولقد حدثنا أبو خليفة ثنا إبراهيم بن بشار الرمادي قال: حدثنا سفيان بمكة و «عبَّادان» وبين السماعين أربعون سنة. سمعت أحمد بن زنجويه يقول سمعت جعفر بن أبي عثمان الطيالسي يقول: سمعت يحيى بن معين يقول: كان الحميدي لا يكتب عند سفيان بن عيينة وإبراهيم بن بشار أحفظهما. أقول يتحصل من مجموع ما ذكر أن إبراهيم كان قد سمع من سفيان بن عيينة قديماً ثم كان يحضر مجالسه فربما حد حدث سفيان ببعض تلك الأحاديث فربما أبدل كلمة بأخرى أو نحو ذلك على ما هو معروف من عادة سفيان في الرواية بالمعنى، وكان بعض الحاضرين لا يتمكنون من الحفظ أو الكتابة وقت السماع فإذا فرغ المجلس رغبوا إلى إبراهيم فيملي عليهم ذاك المجلس فربما أملي عليهم كما حفظ سابقا ويكون في ذلك ألفاظه مغايرة للألفاظ التي عبر عنها سفيان في ذاك المجلس، فذاك الذي أنكره عليه أحمد ويحيى، وقد يقال إن كان إبراهيم لم يشعر بالاختلاف فالخطب سهل وإن شعر به فغايته أن يكون استساغ للجماعة أن يذهب أحدهم فيروي عن سفيان كما حدث سفيان قديماً وإن كان هو إنما سمعه بتغيير ما في الألفاظ كما ساغ لسفيان أن يروي ما سمعه تارة كما سمعه، وتارة بتغيير ما في الألفاظ، بل هذا أسوغ فإن اللفظيين كلاهما صحيح عن سفيان. وبالجملة فهذا توسع في الرواية بالمعنى لا يوجب جرحا، وظاهر قول أحمد «كأنه يغير الألفاظ» أنه جوز أن إبراهيم يغير الألفاظ من عنده وذلك أشد، وهكذا ما يروي عن ابن معين قال في إبراهيم «رأيته ينظر في كتاب وابن عيينة يقرأ ولا يغير شيئاً ليس معه ألواح ولا دواة» فالكتاب الذي كان ينظر فيه سماعه القديم من ابن عيينة فكان يعيد سماعه ليتثبت وقد عرف عادة ابن عيينة في الرواية بالمعنى فلم يكن يلتفت إلى اختلاف بعض الألفاظ ولعله لو رأى اختلافا معنويا لراجع ابن عيينة إما في المجلس وإما بعده.

стр. 262

وقد جاء عن يحيى القطان أنه ذكر لابن عيينة ما قد يقع في حديثه من اختلاف فقال ابن عيينة: «عليك بالسماع الأول فإني قد سئمت» كما في (فتح المغيث) ص٤٢٩. وفي (التهذيب) : «وقال أحمد: كان سفيان الذي يروي عنه إبراهيم بن بشار ليس هو سفيان بن عيينة. يعني مما يغرب عنه وكان مكثرا عنه» . أقول: وحق لمن لازم مثل ابن عيينة في كثرة حديثه عشرات السنين أن يكون عنده عنه ما ليس عنده غيره ممن صحبه مدة قليلة. نعم قال البخاري في إبراهيم «يهم في الشيء بعد الشيء وهو صدوق» وأورد له حديثا رواه ابن عيينة مرفوعا (١) وغيره يرويه عن ابن عيينة مرسلا قال ابن عدي: «لا أعلم أنكر عليه إلا هذا الحديث الذي ذكره البخاري وباقي حديثه مستقيم وهو عندنا من أهل الصدق» أقول فإن كان وهم في هذا فهو وهم يسير في جانب ما روى فالرجل ثقة ربما وهم والسلام. هذا وقد توبع إبراهيم على الرواية التي ساقها الخطيب وذكر الأستاذ نفسه متابعة علي ابن المديني له غاية الأمر أن بين اللفظيين اختلافا ما وجهه أن ابن عيينة قال مرة كما ذكره إبراهيم ومرة كما ذكر ابن المديني. راجع ص ٤ والله أعلم. ٣- إبراهيم بن الحجاج . في (تاريخ بغداد) «١٣ / ٣٩٢» . « ... الحسن بن سفيان عن إبراهيم بن الحجاج عن حماد بن زيد ... » قال الأستاذ ص ٩٤ «قدري ففي قبول قوله في أئمة السنة وقفة» . أقول في ترجمة إبراهيم بن الحجاج السامي من (تهذيب المزي) أنه يروي عن حماد بن زيد ويروي عنه الحسن بن سفيان وكذا في ترجمة إبراهيم بن الحجاج النيلي وكلاهما موثق ولم أجد نسبة أحدهما إلى القدر وليس كل بصري قدريا

стр. 263

ولا غالبهم قدرية بل غالبهم غير قدرية كما يأتي في ترجمة طلق بن حبيب وعلى فرض أن الرجل قدري فلم يكن داعية والمخالفة في المذهب لا تخدش في الرواية كما مر في القواعد. والله الموفق. ٤- إبراهيم بن راشد الآدمي . في (تاريخ بغداد «١٣ / ٤٠٦» « ... إبراهيم ابن راشد الآدمي قال: سمعت أبا ربيعة فهد بن عوف ... » قال الأستاذ ص ١٢٩ «المتهم عند ابن عدي كما ذكره الذهبي» . أقول تعقبه ابن حجر في (اللسان) قال: «لم أر في (كامل ابن عدي) ترجمته» وقد قال ابن أبي حاتم «صدوق» وذكره ابن حبان في (الثقات) وقال: «كان من جلساء يحيى بن معين» وفي ترجمة علي بن صالح الأنماطي من (الميزان) حديث ساقه الذهبي من طريق أبي نعيم الأصبهاني «أنا عمر بن شاهين ثنا أحمد بن محمد بن يزيد الزعفراني ثنا إبراهيم بن راشد الآدمي ثنا علي بن صالح الأنماطي ... » استنكر الذهبي وقال: «المتهم بوضعه علي فإن الرواة ثقات سواه» تعقبه ابن حجر في (اللسان) بأن عليا ذكره ابن حبان في (الثقات) وقال «مستقيم الحديث» قال ابن حجر «وينظر فيمن دون صاحب الترجمة» أقول أخاف أن يكون هذا من بلايا الإجازة فإن أبا نعيم أحمد بن عبد الله الأصبهاني ربما تكون له إجازة عامة من شيخ، ثم يسمع الشيء ويرويه رجل عن ذاك الشيخ فيرويه أبو نعيم عن الشيخ نفسه بلفظ «أخبرنا» على إصلاحه في الإجازة كما يأتي شرحه في ترجمته فيكون البلاء في هذا الحديث من الرجل الذي بين أبي نعيم وابن شاهين ويبرأ غيره. والله أعلم. ٥- إبراهيم بن سعيد الجوهري . راجع (الطليعة) ص ٦٦ - ٩٨ قال الأستاذ في: (الترحيب) ص ٥٠ «لا يتصور من مثل ابن الشاعر أن يقع فيه من غير أن يتكرر ذلك منه» . أقول أما كلمة حجاج فلا تقتضي إلا مرة واحدة وأما قول ابن خراش:

стр. 264

«وكان حجاج يقع فيه» فإن عنى تلك الكلمة بان حالها وإن عناها وغيرها فالوقيعة في الإنسان معناها مطلق الذم كأن يكون قال مرة تلك الكلمة وقال مرة «لم يكن بالذكي» وقال أخرى «مغرم بالكتابة عن كل أحد ليقال مكثر» ونحو ذلك من الكلمات التي لا توجب جرحاً. ثم مال الأستاذ إلى الإنصاف فذكر أنه يجب الذب عن إبراهيم بن سعيد ولكنه جعل الحمل على عبد الرحمن بن حراش وستأتي ترجمته. ٦- إبراهيم بن شماس . في (تاريخ بغداد) ١٣ / ٤١٤ « ... إبراهيم بن شماس يقول كنت مع ابن المبارك في الثغر فقال لئن رجعت لأخرجن أبا حنيفة من كتبي» وفيه بعد ذلك « ... إبراهيم بن شماس يقول سمعت ابن المبارك يقول اضربوا على حديث أبي حنيفة» قال الأستاذ ص١٥٠ «إبراهيم بن شماس ذلك المتعبد الغازي ... على علو طبقته لم يخرج عنه أحد من أصحاب الأصول الستة ... بطل مغوار متعبد متعصب ... ملء أهابه التعصب على زهده» . أقول أما العبادة والزهد والجهاد والبطولة فنعم، وأما التعصب فإنما وصفه به بعض من لم يدركه وهو الإدريسي الذي ولد بعد إبراهيم بأكثر من مائة سنة وإنما قال «كان شجاعاً بطلاً ثقة متعصبا لأهل السنة» . فأما الذين أدركوه فإنما وصفوه بالسنة قال الإمام أحمد «كان صاحب سنة» وقال أحمد بن سيار «كان صاحب سنة وجماعة، كتب العلم، وجالس الناس ورأيت إسحاق بن إبراهيم «ابن راهويه» يعظم من شأنه ويحرضنا على الكتابة عنه» . وممن روى عنه الإمام أحمد وأبو زرعة والبخاري في غير (الصحيح) ، وأحمد لا يروي إلا عن ثقة عنده كما يأتي في ترجمة محمد بن أعين، وأبو زرعة من عادته أن لا يروي إلا ثقة كما في (لسان الميزان) ج ٢ ص ٤١٦ والبخاري نحو ذلك كما يأتي في ترجمة أحمد بن عبد الله أبو عبد الرحمن؛ ووثقه الدارقطني وابن

стр. 265

حبان وغيرهما، وتحريض ابن راهويه على الكتابة عنه يدل على مكانته في الصدق والثبت، وقال ابن حبان في (الثقات) «كان متقنا ... سمعت عمر بن محمد البحيري يقول سمعت محمد بن سهل بن عسكر يقول: رأيت ابن المبارك يقرأ كتابا على الناس في الثغر فلما مر على ذكر أبي حنيفة قال اضربوا عليه، وهو آخر كتاب قرأ على الناس ثم مات» . فأما عدم إخراج البخاري عنه في (صحيحه) فكأنه إنما لقيه مرة فإن إبراهيم كان دائبا في الجهاد فلم يسمع منه البخاري ما يحتاج إلى إخراجه في (الصحيح) وقد أدرك البخاري من هو أكبر من إبراهيم وأعلى إسنادا، وكم من ثقة ثبت لم يتفق أن يخرج عنه البخاري في (صحيحه) وأخرج عمن هو دونه بكثير. فأما بقية الستة فأبو داود ولد سنة ٢٠٢ فقد أدرك إبراهيم فإن إبراهيم استشهد سنة ٢٢٠ ولكن لعله لم يلقه وإنما روى في مسائل مالك عن رجل عنه على ما يظهر من (التهذيب) وقد سمع أبو داود جماعة ممن هو أكبر وأعلى إسناداً من إبراهيم. ومسلم ولد سنة ٢٠٤ والباقون بعد ذلك، وجامعوا الكتب الستة يتحرون علو الإسناد والاختصار ولا ينزلون إلا لحاجة والراوية عن إبراهيم قليلة لاشتغاله بالجهاد ولأنه لم يعمر حتى يحتاج إليه، وقد روى عنه من هو أجل من أصحاب الكتب الستة كما مر. وقد ساق الأستاذ في تعليقه على شروط الأئمة كلاماً طويلا فيه ما فيه وقال في أواخره «ومن ظن أن ثقات الرواة هم رواة الستة فقد ظن باطلاً وجود الحافظ العلامة قاسم بن قطلوبغا الثقات من غير رجال الستة في مؤلف حافل يبلغ أربع مجلدات» . فأما المخالفة في المذهب والتعصب للسنة فلا يخدش في الرواية كما مر في القواعد. بقي أن الأستاذ قال بعد ما تقدم «ويقضي على مختلقات الخصوم في هذا الكتاب كثرة رواية ابن المبارك عن أبي حنيفة في (المسانيد السبعة عشر) له ... فأنَّى تصح رواية ضرب ابن المبارك على حديث أبي حنيفة قبل أن يموت بأيام

стр. 266

يسيرة» . أقول: الأستاذ يتذرع بهذا إلى الطعن في جماعة من الثقات الأثبات، إبراهيم وغيره كما يأتي في تراجمهم وذلك يضطرنا إلى مناقشته هنا فأقول: المسانيد السبعة عشر لأبي حنيفة منها ما جامعه مجروح، وما كان جامعه ثقة ففي أسانيده إلى ابن المبارك مجروح أو أكثر، وما عساه يصح إلى ابن المبارك لا يصح حمله على أنه مما حدث به ابن المبارك قديماً، فأنه لا يلزم من تركه الرواية عن أبي حنيفة قبل أن يموت بأيام يسيرة أن لا يروي الناس عنه ما سمعوه قبل ذلك ولا سيما الذين لم يحضروا أمره بالضرب أو لم يعملوا به، والله المستعان. ٧- إبراهيم بن أبي الليث . في (تاريخ بغداد) ١٣/ ٤١٧ « ... إبراهيم بن أبي الليث قال سمعت الأشجعي غير مرة ... » قال الأستاذ ص ١٦٠ « ... عنه يقول ابن معين لو اختلف إليه ثمانون كلهم مثل منصور بن المعتمر ما كان إلا كذاباً. وكذبه غير واحد» . أقول ترجمة إبراهيم هذا في (تاريخ بغداد) ج ٦ ص ١٩١ فأما هذه الكلمة التي ذكرها الأستاذ فإنما رواها الخطيب من طريق أحمد بن محمد بن القاسم بن محرز وترجمة ابن محرز هذا في (تاريخ بغداد) ج ٥ ص٨٣ ليس فيها تعريف بحاله وإنما فيها «يروى عن يحيى بن معين حدث عنه جعفر بن درستويه بن المرزبان الفارسي» وكلمة ابن الدورقي المذكورة في (اللسان) و (التعجيل) هي في قصة طويلة رواها الخطيب من طريق أبي الفتح محمد بن الحسين الأزدي الحافظ، والأزدي اتهموه، ونحتاج إلى الاعتذار عن ابن حجر في جزمه بها مع أنها من طريق الأزدي. وما في «اللسان» تبعاً لأصله أن ابن معين قال في إبراهيم «ثقة لكنه أحمق» إنما رواها الخطيب من طريق بكر بن سهل عن عبد الخالق بن منصور عن ابن معين، وبكر بن سهل هذا إن كان هو الدمياطي المترجم في (الميزان) و (اللسان) كما بنيت عليه في (الطليعة) ص ٧٨ وتأتي الإشارة إليه في ترجمة

стр. 267

الحسن بن الربيع ففيه كلام شديد وعقبها الخطيب بقوله ك «وهذا القول من يحيى في توثيقه كان قديماً ثم أساء القول فيه بعد وذمه ذماً شديداً» . والذي يتخلص من مجموع كلامهم أنهم لم ينقموا عليه شيئاً في سيرته، وأنه كانت عنده أصول الأشجعي التي لا شك فيها، وكان يذكر أنه سمعها من الأشجعي إلا مواضع كان يعترف أنه يسمعها فقصده الأئمة أحمد ويحيى وابن المديني وغيرهم يسمعون منه كتب الأشجعي فكانوا يسمعون منه، ثم حدث بأحاديث عن هشيم وشريك وغيرهما من حفظه فاستنكروا من روايته عن أولئك الشيوخ أحاديث تفرد بها عنهم وكان عندهم أنها مما تفرد به غير أولئك الشيوخ منها حديث رواه عن هشيم عن يعلي بن عطاء وكان عندهم أنه من أفراد حماد بن سلمة عن يعلى، فتوقف فيه أحمد لهذا الحديث حتى بان له أن غير حماد قد حدث به، وعذره أحمد في بقية الأحاديث، وأما ابن معين فشدد عليه وتبعه جماعة واختلف عن ابن المديني فقيل لَم يزل يحدث عنه حتى مات وقيل بل كذب بآخره. وقال أبو حاتم «كان أحمد يجمل القول فيه وكان يحيى بن معين يحمل عليه وعبيد الله القواريري (وهو ثقة عندهم من رجال الصحيحين) أحب إلي منه» وذكره ابن حبان في (الثقات) وقال أبو داود عن ابن معين «أفسد نفسه في خمسة أحاديث» فذكرها قال ابن حجر في (التعجيل) : «وهذا عندي أعدل الأقوال فيه» . أقول قد ظهرت عدالة الرجل أولاً ثم عرضت تلك الأحاديث فاختلفوا فيها فمنهم من عذره ومنهم من رماه بسرقتها فالذي ينبغي التوقف عن سائر ما رواه عن غير الأشجعي وقبول ما رواه عن الأشجعي، فإن ذلك من أصول الأشجعي باعترافهم جميعاً ولم ينكروا منها شيئاً، وأحسب أن رواية الأمام أحمد وابنه عبد الله عن إبراهيم، إنما هي مما رواه من كتب الأشجعي، وقد يكون هذا رأي الأستاذ الكوثري فقد احتج ص ٩٩: حدثنا ... قال حدثني إبراهيم ابن أبي الليث قال حدثني الأشجعي ... » فأما روايته هنا فهي عن الأشجعي لكنها حكاية لا

стр. 268

يظهر أنها كانت من أصول الأشجعي. والله أعلم. ٨- إبراهيم بن محمد بن الحارث بن أسماء بن خارجة بن حصن بن حذيفة بن بدر أبو إسحاق الفزاري . في (تاريخ بغداد) ١٣/ ٣٧٣ « ... سمعت أبا إسحاق الفزاري يقول سمعت أبا حنيفة يقول: إيمان أبي بكر الصديق وإيمان إبليس واحد، قال إبليس يا رب وقال أبو بكر الصديق يا رب ... » قال الأستاذ ص ٤٠ «الفزاري كان يطلق لسانه في أبي حنيفة ويعاديه من جهة أنه كان أفتى أخاه على مؤازرة إبراهيم القائم في عهد المنصور فقتل في الحرب ... وحكم شهادة العدو في مذهب الشافعي ... معروف ... ويقول ابن سعد في (الطبقات الكبرى) :كان كثير الغلط في حديثه، ويقول ابن قتيبة في (المعارف) أنه كان كثير الغلط في حديثه ومثله في (فهرست محمد بن إسحاق النديم) لكن ذلاقة لسانه في أبي حنيفة وأصحابه نفعته في رواج رواياته بين أصحاب الأغراض ... مع أن الواجب فيمن كان كثير الخطأ في حديثه الإعراض عن انفراداته ... » وقال الأستاذ ص ٧١: «سامح الله أبا إسحاق الفزاري كأنه فقد اتزانه من فقد أخيه فأصبح يطلق لسانه في فقيه الملة في كل مجلس ومحفل حتى مجلس الرشيد كما تجد ذلك في (تقدمة الجرح والتعديل) لابن أبي حاتم ... غاية ما فعل أبو حنيفة أن أفتى أخاه بما أراه الله حين استفتاه» ، وقال الأستاذ ص ٧٧: «إنما شأنه في السير والمغازي ولم يكن ابن سعد يرضاه فيها، ويذكره بكثرة الغلط، وابن سعد ذلك الأمام الكبير في السير والمغازي ... » وقال ص ٧٧: «قال ابن سعد في الفزاري: كان ثقة فاضلاً صاحب سنة وغزو كثير الخطأ في حديثه» . أقول مدار كلام الأستاذ في أبي إسحاق على أمرين:

стр. 269

الأول: قوله أنه كان يعادي أبا حنيفة الأستاذ أن يجعلها عداوة دنيوية لأجل الفتوى مع أن ذكر الفتوى لم يقع إلا في رواية ذكرت في (تاريخ بغداد) (١٣ / ٣٨٤) في سندها يزيد بن يوسف الشامي فتكلم الأستاذ فيها ص ٧٠: قال «يزيد بن يوسف الشامي يقول ابن معين فيه: ليس بثقة، ويقول النسائي: متروك» والكلام فيه أكثر من ذلك حتى قال ابن شاهين في الضعفاء «قال ابن معين: كان كذاباً» وقال ابن حبان: «كان سيئ الحفظ كثير الوهم يرفع المراسيل ويسند الموقوف ولا يفهم فلما كثر ذلك منه سقط الاحتجاج بأفراده» . فهذه الرواية ساقطة، والثابت رواية أخرى في (تاريخ بغداد) (١٣/ ٣٨٤) فيها عن أبي إسحاق «قتل أخي مع إبراهيم الفاطمي بالبصرة فركبت لأنظر في تركته، فلقيت أبا حنيفة فقال لي من أين أقبلت؟ وأين أردت؟ فأخبرته أني أقبلت من المصيصة وأردت أخاً لي قتل مع إبراهيم، فقال أبو حنيفة: لو أنك قتلت مع أخيك كان خيراً لك من المكان الذي جئت منه ... » . وهناك رواية ثالثة في (تقدمة الجرح والتعديل) هي التي وقع فيها ما أشار إليه الأستاذ من إطلاق اللسان وفي إسنادها نظر، ولا ذكر فيها للفتوى، ولو صحت لكانت أدل على عدم الفتوى، فالحاصل أن الثابت أن أبا إسحاق بلغه قتل أخيه مع إبراهيم بن عبد الله بن الحسن الخارج على المنصور فقدم أبا حنيفة، فسأله أبو حنيفة فأجابه أنه جاء من المصيصة - الثغر الذي كان أبو إسحاق يرابط فيه لجهاد الروم ودفعهم عن بلاد الإسلام فقال أبو حنيفة: «لو أنك قتلت مع أخيك كان خيراً لك من المكان الذي جئت منه» . ومن المعلوم أن أبا إسحاق حبس نفسه غالب عمره على المرابطة في الثغر والتعرض للشهادة صباح مساء فلم يكن ليغمه قتل أخيه إلا لكونه في فتنة ولا لينقم على من رضي بقتل أخيه إلا لرضاه بما يراه

стр. 270

فتنة ولا ليستعظم قول من قال له: «لو أنك قتلت مع أخيك ... » إلا لما فيه من تفضيل قتال المسلمين في غير كنهه عنده على الرباط والجهاد ودفع الكفار عن بلاد الإسلام، فهذا وغيره مما يوجد في الروايات الأخرى منها الرواية التي تقدمت أول الترجمة هو الذي أحفظ أبا إسحاق على أبي حنيفة فإن بلغ ذلك أن يسمى عداوة فهي عداوة دينية لا ترد بها الرواية بإجماعهم كما تقدم في القواعد، وسواء أكان الصواب استحسان الخروج مع إبراهيم بن عبد الله بن الحسن وتفضيله على الجهاد والرباط كما رأى أبو حنيفة أم خلافه كما كان يعتقده أبو إسحاق، فإن أبا إسحاق إما مصيب مشكور وإما مخطئ مأجور، ولا بأس بالإشارة إلى وجهتي النظر: كان أبو حنيفة يستحب أو يوجب الخروج على خلفاء بني العباس لما ظهر منهم من الظلم ويرى قتالهم خيراً من قتال الكفار، وأبو إسحاق ينكر ذلك، وكان أهل العلم مختلفين في ذلك فمن كان يرى الخروج يراه من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والقيام بالحق، ومن كان يكرهه يرى أنه شق لعصا المسلمين وتفريق لكلمتهم وتشتيت لجماعتهم وتمزيق لوحدتهم وشغل لهم بقتل بعضهم بعضاً، فتهن قوتهم وتقوى شوكة عدوهم وتتعطل ثغورهم، فيستولي عليها الكفار ويقتلون من فيها من المسلمين ويذلونهم وقد يستحكم التنازع بين المسلمين فتكون نتيجة الفشل المخزي لهم جميعاً. وقد جرب المسلمون الخروج فلم يروا منه إلا الشر، خرج الناس على عثمان يرون أنهم إنما يريدون الحق ثم خرج أهل الجمل يرى رؤساؤهم ومعظمهم أنهم إنما يطلبون الحق فكانت ثمرة ذلك بعد اللتيا والتي أن انقطعت خلافة النبوة وتأسست دولة بني أمية ثم اضطر الحسين بن علي إلى ما اضطر إليه فكانت تلك المأساة، ثم خرج أهل المدينة فكانت وقعة الحرة، ثم خرج القراء مع ابن الأشعث فماذا كان؟ ثم كانت قضية زيد بن علي وعرض عليه الروافض أن ينصروه على أن يتبرأ من أبي بكر وعمر فأبى فخذلوه، فكان ما كان، ثم خرجوا مع بني العباس

стр. 271

فنشأت دولتهم التي رأى أبو حنيفة الخروج عليها، واحتشد الروافض مع إبراهيم الذي رأى أبو حنيفة الخروج معه ولو كتب له النصر لاستولى الروافض على دولته، فيعود أبو حنيفة يفتي بوجوب الخروج عليهم! هذا والنصوص التي يحتج بها المانعون من الخروج والمجيزون له معروفة، والمحققون يجمعون بين ذلك بأنه إذا غلب على الظن أن ما ينشأ عن الخروج من المفاسد أخف جداً مما يغلب على الظن أنه يندفع به جاز الخروج وإلا فلا. وهذا النظر قد يختلف فيه المجتهدان، وأولاهما بالصواب من اعتبر بالتاريخ وكان كثير المخالطة للناس والمباشرة للحروب والمعرفة بأحوال الثغور، وهكذا كان أبو إسحاق. وأما حال أبي إسحاق في الرواية فنبدأ بتلك الكلمة: «كثير الخطأ في حديثه» هذه الكلمة نقلها الأستاذ عن ابن سعد وابن قتيبة وابن النديم، فأقول: ابن قتيبة وابن النديم لا شأن لهما بمعرفة الرواية والخطأ والصواب فيها وأحوال الرواة ومراتبهم، وإنما فن ابن قتيبة معرفة اللغة والغريب والأدب، وابن النديم رافضي وراق، فنه معرفة أسماء الكتب التي كان يتجر فيها، وإنما أخذا تلك الكلمة من ابن سعد. وابن سعد هو محمد بن سعد بن منيع كاتب الواقدي، روى الخطيب في ترجمته أن مصعباً الزبيري قال لابن معين: «حدثنا ابن سعد الكاتب بكذا وكذا» فقال ابن معين «كذب» واعتذر الخطيب عن هذه الكلمة وقال: «محمد عندنا من أهل العدالة وحديثه يدل عل صدقه..» وقال أبو حاتم: «يصدق» ووفاة ابن سعد سنة ٢٣٠ فقد أدركه أصحاب الكتب الستة إدراكاً واضحاً وهو مقيم ببغداد حيث كانوا يترددون، وهو مكثر من الحديث والشيوخ وعنده فوائد كثيرة ومع ذلك لم يخرجوا عنه شيئاً إلا أن أبا داود روى عن أحمد بن عبيد وستأتي ترجمته عن ابن سعد عن أبي الوليد الطيالسي أنه قال: «يقولون قبيصة بن وقاص له صحبة» وهذه الحكاية ليست بحديث ولا أثر ولا ترفع حكما ولا تضعه، والأستاذ كثيراً ما يتشبث

стр. 272

في التليين بعدم إخراج أصحاب الكتب الستة للرجل مع ظهور العذر كما تقدم في ترجمة إبراهيم بن شماس، فأما ابن سعد فلا مظنة للعذر إلا أنهم رغبوا عنه، وأظن الأستاذ أول من منح ابن سعد لقب: «الإمام» ولم يقتصر عليه بل قال: «الإمام الكبير» وتغاضى الأستاذ عن قول ابن سعد في أبي حنيفة فإنه ذكره في موضعين من (الطبقات) ج ٦ ص ٢٥٦ وج ٧ قسم ٢ ص ٦٧ وقال في كلا الموضعين: «وكان ضعيفاً في الحديث» ولم يقرن هذه الكلمة بشيء مما قرن به كلمته في أبي إسحاق فلم يقل: «ثقة» ولا «فاضل» ، ولا «صاحب سنة» ! ومع ذلك فليس ابن سعد في معرفة الحديث ونقده ومعرفة درجات رجاله في حد أن يقبل منه تليين من ثبته غيره أنه في أكثر كلامه إنما يتابع شيخه الواقدي، والواقدي تالف، وفي (مقدمة الفتح) في ترجمة عبد الرحمن بن شريح: «شذ ابن سعد فقال: منكر الحديث، ولم يلتفت أحد إلى ابن سعد في هذا فإن مادته من الواقدي في الغالب والواقدي ليس بمعتمد» . وفيها في ترجمة محارب بن دثار: «قال ابن سعد: لا يحتجون به، قلت: بل احتج به الأئمة كلهم ... ولكن ابن سعد يقلد الواقدي» . وفيها ترجمة نافع بن عمر الجمحي: «قد قدمنا أن تضعيف ابن سعد فيه نظر لاعتماده على الواقدي» . وقد رد الأستاذ ص ١٦٨ قول إمام النقاد علي بن المديني في أبي حنيفة: «روى خمسين حديثاً أخطأ فيها» فقال الأستاذ: «لم يذكر وجه تخطئته في الحديث حتى يحتاج إلى الجواب وهو على كل حال جرح غير مفسر» وذكر ص ١٥٨ قول ابن أبي داود: «إن أبا حنيفة أخطأ في نصف أحاديثه» فقال الأستاذ: «فلا نشتغل بالرد على هذا الكلام المرسل منه جزافاً من غير أن يبين ما هو خطؤه وفي أي حديث كان ذلك الخطأ» وذكر الأستاذ ص ٩٠ قول ابن حبان في أبي حنيفة:

стр. 273

«كان أجل في نفسه من أن يكذب ولكن لم يكن الحديث شأنه، فكان يروي فيخطئ من حيث لا يعلم ويقلب الإسناد من حيث لا يفهم، حدث بمقدار مائتي حديث أصاب منها في أربعة أحاديث، والباقية إما إسنادها أو غير متنها» . فأجاب الأستاذ جواباً إجمالياً يأتي مع النظر فيه في ترجمة ابن حبان إن شاء الله، يدفع الأستاذ هذه النصوص وإضعافها بأنها لم تفسر، ويتشبث في الغض من أبي إسحاق بتلك الفخارة النيئة «كثير الخطأ في حديثه» محاولاً أن ينطح بها الجبل الشامخ، وإذا قد تحطمت تلك الفخارة على رأس حاملها فلنذكر تقريظ الأئمة لأبي إسحاق (١) أما ثقته فقال ابن معين: «ثقة ثقة» ، وقال أبو حاتم: «الثقة المأمون الأمام» ، وقال النسائي: «ثقة مأمون أحد الأئمة» ووثقه جماعة غير هؤلاء واحتج به الشيخان في (الصحيحين) وبقية الستة والناس. وأما فقهه فقال ابن المبارك: «ما رأيت رجلاً أفقه من أبي إسحاق الفزاري» وقال عبد الله ابن داود الخُريبي: «لقول أبي إسحاق أحب إليَّ من قول إبراهيم النخعي» . وأثنى عليه آخرون في الفقه. وأما معرفته بالسير فقال ابن عيينة: «ما ينبغي أن يكون رجل أبصر بالسير (وفي نسخة: بالسنن) منه» وقال الخليلي «أبو إسحاق يقتدى به وهو صاحب (كتاب السير) نظر فيه الشافعي وأملى كتابا على ترتيبه ورضيه» وقال الحميدي: «قال لي الشافعي: لم يصنف أحد في السير مثله» . وأما إمامته وفضله فقال سفيان بن عيينة: «كان إماماً» وقال أيضاً: «والله ما

стр. 274

رأيت أحداً أقدمه عليه» وقال الفضيل بن عياض: «ربما اشتقت إلى المصيصة وما بي فضل الرباط بل لأرى أبا إسحاق» وقال أبو داود الطيالسي: «مات أبو إسحاق الفزاري وليس على وجه الأرض أفضل منه» وقال عبد الرحمن بن مهدي: «إذا رأيت شامياً يحب الأوزاعي وأبا إسحاق فاطمئن إليه، كانا إمامين في السنة» وقال أبو أسامة: «سمعت فضيل بن عياض يقول: رأيت النبي ﵌ في النوم وإلى جنبه فرجة، فذهبت لأجلس، فقال: هذا مجلس أبي إسحاق الفزاري، والثناء على أبي إسحاق كثير، وفي هذا كفاية. فهؤلاء الأئمة ونظراؤهم الراضون عن أبي إسحاق والموافقون والمثنون عليه هم الذين سماهم الأستاذ فيما تقدم من عبارته «أصحاب الأغراض» وقال الأستاذ ص ٦٦ في شأن أبي إسحاق: «حاله في علمه كما علمت وإنما وقعت ذلاقة لسانه في الوقوع في الناس موقع الإعجاب عند كثير ممن يحبون الوقوع في خصومهم بألسنة أناس آخرين فرفعوه إلى غير مرتبته!. أقول: إذا كان هؤلاء ساخطين على أبي حنيفة هذا السخط الذي يصوره الأستاذ فليت شعري من بقي غيرهم من أئمة الدين يسوغ أن يقال إنه راض عن أبي حنيفة؟ وهل بقي إلا كسير وعوير، وثالث ما فيه خير؟ ! وقال الأستاذ ص ٧٧: «قال الحافظ (؟) ابن أبي العوام: حدثني ... سمعت إسماعيل ابن داود يقول: كان عبد الله بن المبارك يذكر عن أبي حنيفة فكانوا إذا اجتمعوا بالثغر - يعني المصيصة - لم يحدث ابن المبارك عن أبي حنيفة بشيء ولا يذكر أبو إسحاق الفزاري أبا حنيفة بسوء حتى يخرج ابن المبارك» . أقول: إن صحت هذه الحكاية فإنما تدل على أدب كل من الإمامين مع صاحبه وحسن اعتقاده فيه، ولو كان ابن المبارك يرى أن أبا إسحاق يكذب على أبي حنيفة ويحكي عنه ما لم يكن ويتكلم فيه بالهوى ما ساغ لابن المبارك أن يسكت.

стр. 275

وإن تعجب فعجب ما في التعليق على صفحة ٣٨٧ من المجلد١٣ من (تاريخ بغداد) ، ونص ذلك: «أبو إسحاق الفزاري منكر الحديث وهذان الخبران وهذان الخبران من مناكيره» أما إني لا أكاد أصدق أن مثل هذا يقع في مصر تحت سمع الأزهر وبصره، وقريب من هذا ما يأتي في ترجمة صالح بن أحمد فإن القضية التي كشفت عنها في (الطليعة) ص ١٢ يعتذر عنها الأستاذ في (الترغيب) بأنه قد سبقته إليها اللجنة الأزهرية. والله المستعان. ٩- إبراهيم بن محمد بن يحيى أبو إسحاق المزكي النيسابوري . في (تاريخ بغداد) ١٣/ ٣٨٥ «أخبرنا الحسن بن أبي بكر أخبرنا إبراهيم بن محمد بن يحيى المزكي النيسابوري حدثنا محمد بن المسيب..» قال الأستاذ ص ٧١ «لم يكن البرقاني يرضاه، وتفصيل أحواله عند الخطيب» . أقول قال الخطيب في (التاريخ) ٦/ ١٦٨: « ... وكان ثقة ثبتاً مكثراً مواصلاً للحج ... وكان عند البرقاني عنه سقط أو سقطان ولم يخرج عنه في (صحيحه) شيئاً فسألته عن ذلك فقال: حديثه كثيراً الغرائب وفي نفسي منه شيء فلذاك لم أروعنه في (الصحيح) . فلما حصلت بنيسابور في رحلتي إليها سألت أهلها ... فأثنوا عليه أحسن الثناء وذكروه أجمل الذكر، ثم لما رجعت إلى بغداد ذكرت ذلك للبرقاني فقال قد أخرجت في (الصحيح) أحاديث كثيرة بنزول، وأعلم أنها عندي بعلو عن أبي إسحاق المزكي إلا أني لا أقدر على إخراجها لكبر السن وضعف البصر وتعذر وقوفي على خطي لدقته - أو كما قال» أقول فزال ما كان في نفس البرقاني من المزكي وعاد فرضيه، وكانت نيسابور في ذاك العصر دار الحديث، وحكى الخطيب عن الحاكم قال: «كان إبراهيم بن محمد بن يحيى المزكي من العباد المجتهدين ... عقد له الإملاء بنيسابور سنة ٣٣٦ وهو أسود الرأس واللحية وزكى في تلك السنة، وكنا نعد في مجلسه أربعة عشر محدثاً منهم أبو العباس الأصم وأبو عبد الله بن الأخرم وأبو عبد الله الصفار ومحمد بن صالح وأقرانهم» . وكثرة الغرائب إنما تضر الراوي في أحد حالين:

стр. 276

الأولى: أن تكون مع غرابتها منكرة عن شيوخ ثقات بأسانيد جيدة. الثانية: أن يكون مع كثرة غرائبه غير معروف بكثرة الطلب. ففي الحال الأولى تكون تبعة النكارة على الراوي نفسه لظهور براءة من فوقه عنها، وفي الحال الثانية يقال من أين له هذه الغرائب الكثيرة مع قلة طلبه؟ فيتهم بسرقة الحديث كما قال ابن نمير في أبي هشام الرفاعي «كان أضعفنا طلبا وأكثرنا غرائب» . وحفاظ نيسابور كانوا يعرفون صاحبهم بكثرة الطلب والحرص عليه وطول الرحلة وكثرة الحديث، ولازم ذلك كثرة الغرائب، وعرفوه مع ذلك بالأمانة والفضل والثبت يشكوا فيه وهم أعرف به ولذلك رجع البرقاني إلى قولهم. ١٠- إبراهيم بن يعقوب أبو إسحاق الجوزجاني . قال الأستاذ ص ١١٥ في كتاب (الجرح والتعديل) : «أخبرنا إبراهيم بن يعقوب الجوزجاني فيما كتب إلي: عن أبي عبد الرحمن المقري قال كان أبو حنيفة يحدثنا فإذا فرغ من الحديث قال هذا الذي سمعتم كله ريح وأباطيل، ثم قال: أخبرنا إبراهيم بن يعقوب الجوزجاني فيما كتب إليَّ حدثني إسحاق بن راهويه قال: سمعت جريراً يقول: قال محمد بن جابر اليمامي: سرق أبو حنيفة كتب حماد مني» ثم قال الأستاذ «وابن أبي حاتم من أعرف الناس أن الجوزجاني منحرف عن أهل الكوفة حتى استقر قول أهل النقد فيه على أنه لا يقبل له قول في أهل الكوفة، وكان ناصبياً خبيثاً حريزي المذهب أخرجت جارية له فروجة لتذبحها فلم تجد من يذبحها فقال: سبحان الله فروجة لا يوجد من يذبحها وعلي يذبح في ضحوة نيفا وعشرين ألف مسلم. فمثل هذا الخبيث يصدقه ذلك التقي في أبي حنيفة» . أقول أما الحكاية الأولى فقد عرف عن أبي حنيفة أنه يترك العمل بكثير من الأحاديث كما يأتي في قسم الفقهيات إن شاء الله تعالى والحنفية ومنهم الأستاذ يعتذرون عن ذلك بما هو معروف، وأما تركه العمل بكثير من الآثار عن الصحابة والتابعين فواضح، فأي مانع أن يحدث بأشياء من ذلك ثم يقول تلك الكلمة؟ وأما

стр. 277

الحكاية الثانية فيأتي النظر فيها في ترجمة محمد بن جابر إن شاء الله تعالى. وأما الجوزجاني فحافظ كثير متقن عارف وثقه تلميذه النسائي جامع «خصائص علي» وقائل تلك الكلمات في معاوية، ووثقه آخرون، فأما ميل الجوزجاني إلى النصب فقال ابن حبان في (الثقات) «كان حريزي المذهب ولم يكن بداعية وكان صلبا في السنة ... إلا أنه من صلابته ربما كان يتعدى طوره» وقال ابن عدي شديد الميل إلى مذهب أهل دمشق في الليل على علي» . وليس في هذا ما يبين درجته في الميل، فأما قصة الفروجة فقال ابن حجر في «تهذيب التهذيب» : «قال السلمي عن الدارقطني بعد أن ذكر توثيقه: لكن فيه انحراف عن علي اجتمع علي بابه أصحاب الحديث فأخرجت جارية له فروجة ... » فالسلمي هو محمد بن الحسين النيسابوري ترجمته في (لسان الميزان) ج ٥ ص١٤٠ تكلموا فيه حتى رموه بوضع الحديث، والدارقطني إنما ولد بعد وفاة الجوزجاني ببضع وأربعين سنة وإنما سمع الحكاية على ما في معجم البلدان (جوزجانان) من عبد الله بن أحمد بن عدبس ولابن عدبس ترجمة في (تاريخ بغداد) ج ٩ ص ٣٨٤ و (تهذيب تاريخ ابن عساكر) ج ٧ ص ٢٨٨ ليس فيها ما يبين حاله فهو مجهول الحال فلا تقوم بخبره حجة، وفوق ذلك فتلك الكلمة ليست بالصريحة في البغض فقد يقولها من يرى أن فعل علي ﵇ خلاف الأولى أو أنه اجتهد فأخطأ، وفي (تهذيب التهذيب) ج ١٠ ص ٣٩١ عن ميمون بن مهران قال: «كنت أفضل علياً على عثمان فقال عمر بن عبد العزيز أيهما أحب إليك رجل أسرع في المال أو رجل أسرع في كذا - يعني الدماء قال فرجعت وقلت: لا أعود» ، وهذا بين في أن عمر بن عبد العزيز وميمون بن مهران كانا يريان فعل علي خلاف الأولى أو خطأ في الاجتهاد، ولا يعد مثل هذا نصبا إذ لا يستلزم البغض بل لا ينافي الحب، وقد كره كثير من أهل العلم معاملة أبي بكر الصديق لمانعي الزكاة معاملة المرتدين ورأوا أنه أخطأ، وهم مع ذلك يحبونه ويفضلونه.

стр. 278

فأما حط الجوزجاني على أهل الكوفة فخاض بمن كان شيعياً يبغض الصحابة أو يكون ممن يظن به ذلك، وليس أبو حنيفة كذلك ثم قد تقدم في القاعدة الرابعة من قسم القواعد النظر في حط الجوزجاني على الشيعة وأتضح أنه لا يجاوز الحد وليس فيه ما يسوغ اتهامه بتعمد الحكم بالباطل، أو يخدش في روايته ما فيه غض منهم أو فيهم، وتوثيق أهل العلم له يدفع ذلك البتة كما تقدم في القواعد. والله الموفق. ١١- أحمد بن إبراهيم . راجع (الطليعة) ص٣١- ٣٢. وقع في (الطليعة) ص٣١ «وذكر سماعه من شريك» اعترضها الأستاذ في (الترحيب) بأنه ليس في (تهذيب التهذيب) ذكر ذلك، وصدق الأستاذ وقع الوهم في (الطليعة) لسبب الاختصار وصواب العبارة هكذا «ذكر الخطيب سماعه من شريك وذكر المزي في (التهذيب) شريكاً في شيوخه» . ثم ذكر الأستاذ أنه لا يحتج بالخطيب فيما هو منهم فيه، وأقول قد تقدم في القواعد الكلام في التهمة، والخطيب حجة على كل حال، على أن نص الخطيب على سماع أحمد ابن إبراهيم من شريك إنما وقع في ترجمة أحمد بن إبراهيم حيث لا عين لذكر أبي حنيفة ولا أثر، وبين تلك الترجمة وترجمة أبي حنيفة تسعة مجلدات، والخطيب لا يعلم الغيب. ولو علمه لنص على السماع عند تلك الحكاية نفسها، وكأن هم الأستاذ في (الترحيب) أن يقال: قد أجاب، لا أن يقال: لعله قد أصاب! ١٢- أحمد بن جعفر بن حمدان بن مالك أبو بكر القطيعي . في (تاريخ بغداد) (١٣ / ٤١١) «أخبرنا بشرى بن عبد الله الرومي ثنا أحمد بن جعفر بن حمدان ... » قال الأستاذ ص ١٤١: «مختلط فاحش الاختلاط ... .» أقول قضية الاختلاط ذكرها الخطيب في (التاريخ) ج ٤ص ٧٣ قال «حدثت عن أبي الحسن ابن الفرات ... .» وذكرها الذهبي في (الميزان) عن ابن الصلاح قال «اختل في آخر عمره حتى كان لا يعرف شيئا مما يقرا عليه ذكر هذا أبو الحسن ابن الفرات» والظاهر أن ابن الصلاح إنما اخذ ذلك مما ذكره الخطيب،

стр. 279

ولا ندري من حدث الخطيب ومع الجهالة به لا تثبت القصة لكن ابن حجر شدها بأن الخطيب مكي في ترجمة أحمد بن أحمد السِّيبي أنه قال «قدمت بغداد وأبو بكر بن مالك حي ... . فقال لنا ابن الفرضي لا تذهبوا إلى ابن مالك فأنه قد ضعف واختل ومنعت ابني السماع منه» وهذه الحكاية في (التاريخ) ج ٤ ص٤ لكن ليس فيها ما في تلك المنقطعة مما يقتضي فحش الاختلاط وقد قال الذهبي في (الميزان) بعد ذكر الحكاية الأولى «فهذا القول غلو وإسراف» . أقول ويدل على أنه غلو وإسراف أن المشاهير من أئمة النقد في ذلك العصر كالدارقطني والحاكم والبرقاني لم يذكروا اختلاطاً ولا تغيراً. وقد غمزه بعضهم بشيء آخر قال الخطيب «كان بعض كتبه فاستحدث نسخها من كتاب لم يكن فيه سماعه فغمزه الناس إلا أنا لم نر أحداً امتنع من الرواية عنه ولا ترك الاحتجاج به، وقد روى عنه من المتقدمين الدارقطني وابن شاهين ... سمعت أبا بكر البرقاني سئل عن ابن مالك فقال كان شيخاً صالحاً ... ثم غرقت قطعة من كتبه بعد ذلك فنسخها من كتاب ذكروا أنه لم يكن سماعه فيه فغمزوه لأجل ذلك وإلا فهو ثقة» قال الخطيب «وحدثني البرقاني قال: كنت شديد التنقير عن حال ابن مالك حتى ثبت عندي أنه صدوق لا يشك في سماعه وإنما كان فيه بله، فلما غرقت «القطيعة» (١) بالماء الأسود غرق شيء من كتبه فنسخ بدل ما غرق من كتاب لم يكن فيه سماعه» . أقول أجاب ابن الجوزي في (المنتظم) ج ٧ ص ٩٣ عن هذا بقوله «مثل هذا لا يطعن به عليه لأنه يجوز أن تكون الكتب قد قرأت عليه وعورض بها أصله، وقد روى عنه الأئمة كالدارقطني وابن شاهين والبرقاني وأبي نعيم والحاكم» .

стр. 280

أقول: وقال الحاكم «ثقة مأمون» ونسخه ما غرق من كتبه من كتاب ليس عليه سماعه يحتمل ما قال ابن الجوزي ويحتمل أن يكون ذاك الكتاب كان أصل ثقة آخر كان رفيقه في السماع فعرف مطابقته لأصله والمدار على الثقة بصحة النسخة، وقد ثبت أن الرجل في نفسه ثقة مأمون، وتلك الحكاية تحتمل ما لا ينافي ذلك فكان هو الظاهر، ولا أدري متى غرق القطيعة بالماء والأسود، وقد فتشت أخبار السنين في (المنتظم) فلن أره ذكر غرقا بالماء السود وإنما ذكر أنه في شهر رمضان سنة ٣٦٧ غرق بعض المحال منها قطيعة أم جعفر فإن كان ذلك هو المراد فإنما كان قبل وفاة القطيعي بنحو سنة واحدة وقد سمع الناس منه الكتب كلها قبل ذلك مراراً وأخذت منها عدة نسخ، والذين ذكروا الاستنساخ لم يذكروا أنه روى مما استنسخه ولو علموا ذلك لذكروه لأنه أبين في التليين وأبلغ في التحذير، وليس من لازم الاستنساخ أن يروي عما استنسخه ولا أن يعزم على ذلك، وكأنهم إنما ذكروا ذلك في حياته لاحتمال أن يروي بعد ذلك عما استنسخه، وقد قال الخطيب في (الكفاية) ص ١٠٩: «ومذاهب النقاد للرجال غامضة دقيقة وربما سمع بعضهم في الراوي أدنى مغمز فتوقف عن الاحتجاج بخبره وإن لم يكن الذي سمعه موجباً لرد الحديث ولا مسقطاً للعدالة، ويرى السامع أن ما فعله هو الأولى رجاء إن كان الراوي حياً أن يحمله على التحفظ وضبط نفسه عن الغميزة، وإن كان ميتاً أن ينزله من نقل عنه منزلته فلا يلحقه بطبقة السالمين من ذلك المغمز. ومنهم من يرى أن من الاحتياط للدين إشاعة ما سمع من الأمر المكروه الذي لا يوجب إسقاط العدالة بانفراده حتى ينظر هل من أخوات ونظائر ... » . فلما ذكروا في حياة القطيعي أنه تغير وأنه استنسخ من كتاب ليس عليه سماعه كان هذا على وجه الاحتياط، ثم لما لم يذكروا في حياته ولا بعد موته أنه حدث بعد تغير شديد أو حدث مما استنسخه من كتاب ليس عليه سماعه ولا استنكروا رواية واحدة وأجمعوا على الاحتجاج به كما تقدم تبين بياناً واضحاً أنه لم يكن منه ما يخدش في الاحتجاج به.

стр. 281

هذا وكتب الإمام أحمد ك (المسند) و (الزهد) كانت نسخها مشهورة متداولة قد رواها غير القطيعي وإنما اعتنوا بالقطيعي واشتهرت رواية الكتب من طريقة لعلو السند، ويأتي لهذا مزيد في ترجمة الحسن بن علي بن المذهب، والحمد لله الذي بنعمته يتم الصالحات. ١٣- أحمد بن جعفر محمد بن سلم . في (تاريخ بغداد) ١٣/ ٣٦٩ «أخبرنا محمد ابن أحمد بن رزق أخبرنا أبو بكر أحمد بن جعفر بن محمد بن سلم قال: أملى علينا أبو العباس أحمد بن علي بن الآبار ... » قال الأستاذ ص ٣٢: «فابن رزق ... وأقل ما يقال في شيخه أنه متعصب أعمى البصيرة» . أقول: ترجمة بن سلم هكذا في (التاريخ) ج ٤ ص ٧١ وفيها: «كان صالحا ديناً مكثراً ثقة ثبتاً كتب عنه الدارقطني ثم نقل عن ابن أبي الفوارس قال: «توفي أبو بكر بن سلم.. سنة ٣٦٩ وكان ثقة» . والخطيب يروي بهذا السند من مصنفات الآبار، وكذلك يروي عن الحسن بن الحسين ابن دوما عن ابن سلم عن الآبار فكل ما أسنده عن هذين عن ابن سلم عن الآبار فهو ثابت عن الآبار حتماً لا شأن لهؤلاء الثلاثة ابن رزق وابن دوما وابن سلم فيه، فإن كانت تبعه فعلى الأبار وستأتي ترجمته. ١٤- أحمد بن الحسن بن جنيدب أبو الحسن الترمذي الحافظ الرحال صاحب أحمد ابن حنبل. في (تاريخ بغداد) (١٣/ ٤١٨) : « ... أحمد بن الحسن الترمذي قال سمعت أحمد بن حنبل يقول. . .»

стр. 282

الأستاذ ص١٦٣ «وأحمد بن الحسن الترمذي من أصحاب أحمد، لا يقل تعصباً من عبد الله بن أحمد وإن روى عنه البخاري حديثاً واحداً في المغازي، وكم بين رجال البخاري من يؤخذ عنه شيء دون شيء» . أقول هذا الرجل معروف بالحفظ والمعرفة أثنى عليه أبو حاتم وابن خزيمة وهما ممن روى عنه وروى عنه أبو زرعة ومن عادته أن لا يروي إلا عن ثقة كما في (لسان الميزان) ج٢ ص ٤١٦ ولم يذكر بشيء من التعصب لكن كونه من أصحاب أحمد وروى عنه تلك الكلمة كاف عند الأستاذ لرميه بشدة التعصب وقد تقدم تحقيق حكم التعصب في القواعد. أما قلة رواية البخاري عنه فلأنه من أقرانه، والبخاري كغيره من الأئمة يتحرى علو الإسناد، فلا يكاد يروي في (الصحيح) عمن هو أكبر منه بقليل فضلاً عن أقرانه إلا ما أعوزه أن يجده عند من هو في طبقة كبار شيوخه. وإذا كان الرجل بحيث يؤخذ عنه الحديث في (الصحيح) فلأن تؤخذ عنه الحكايات أولى. ١٥- أحمد بن الحسن بن خيرون . قال الأستاذ ص ٣١: «تكلم الحافظ أبو الفضل بن طاهر في أحمد بن الحسن المعروف بابن خيرون الذي كان الخطيب سلم إليه كتبه فاحترقت تلك الكتب في بيت هذا الوصي وبينها نسخة الخطيب من (تاريخ بغداد) حتى روى الناس (تاريخ الخطيب) من نسخة ابن خيرون لا عن الخطيب، وبنوا فيها زيادات على ما كانوا سمعوه من الخطيب فقالوا: إن ابن خيرون هو الذي زادها حتى رمى أبو الفضل «ابن طاهر» المقدسي ابن خيرون بكل سوء وإن لم يعجب ذلك الذهبي وقد نقل في (ميزان الاعتدال) عن ابن الجوزي أنه قال: سمعت مشايخنا يقولون إن الخطيب أوصى ابن خيرون أن يزيد وريقات في (تاريخه) وكان لا يحب أن تظهر منه في حياته، فبذلك تعلم أن الزيادة فيه لا شك فيها لكن هناك رواية أنها كانت بوصية من الخطيب فتكون تبعة الزيادة على عاتق المؤلف نفسه، أو الزائد هو ابن خيرون فيسقط ابن خيرون من مرتبة أن يكون مقبول الرواية على رأي أبي الفضل ابن طاهر المقدسي ومن الغريب أن المثالب الشنيعة المتعلقة بأبي حنيفة في (تاريخ الخطيب) لم تذع إلا بعد أن تحنف

стр. 283

عالم الملوك الملك المعظم عيسى الأيوبي ولذلك كان هو أول من رد عليها ولو ذاعت المثالب قبل ذلك لما تأخر العلماء من الرد عليها كما فعلوا مع عبد القاهر البغدادي وابن الجويني وأبي حامد الطوسي وغيرهم وسبط ابن الجوزي رد على الخطيب أيضاً في عصر الملك المعظم ... » أقول: ابن خيرون ذكره ابن الجوزي في (المنتظم) ج ٨ ص٨٧ وقال: «روى عنه أبو بكر الخطيب وحدثنا عنه أشياخنا وكان من الثقات، وشهد عند أبي عبد الله الدامغاني «قاضي القضاة الحنفي المشهور» ثم صار أميناً له» . وفي (تذكرة الحفاظ) ج ٤ ص ٧: «ذكره السمعاني فقال: ثقة عدل متقن واسع الرواية ... سمعت عبد الوهاب بن خيرون يقول: ما رُئُيَ مثل أبي الفضل بن خيرون لو ذكرت كتبه وأجزاءه التي سمعها يقول لك عمن سمع وبأي طريق سمع وكان يذكر الشيخ وما يرويه وما ينفرد به ... ، قال أبو طاهر السلفي: كان كيحيى بن معين في وقته ... ، وقد ذكرت في (ميزان الاعتدال) كلام ابن طاهر فيه بكلام مردود وأنه كان يلحق بخطه أشياء في (تاريخ الخطيب) وبينا أن الخطيب أذن له في ذلك، وأما خطه فمشهور وهو بمنزلة الحواشي، فكان ماذا؟» . وفي (الميزان) : أحمد بن الحسن بن خيرون أبو الفضل الثقة الثبت محدث بغداد تكلم فيه ابن طاهر بقول زائف سمج فقال: حدثني ابن مرزوق حدثني عبد المحسن بن محمد قال: سألني ابن خيرون أن أحمل إليه الجزء الخامس من (تاريخ الخطيب) فحملته إليه فرده، وقد ألحق فيه ترجمة محمد بن علي رجلين لم يذكرهما الخطيب، وألحق في ترجمة قاضي القضاة الدامغاني «الحنفي» : «كان نزهاً عفيفاً» وقال ابن الجوزي: قد كنت أسمع من مشايخنا أن الخطيب أمر ابن خيرون أن يلحق وريقات في كتابه ما أحب الخطيب أن تظهر عنه. قلت: وكتابته لذلك كالحاشية وخطه معروف لا يلتبس بخط الخطيب أبداً وما زال الفضلاء يفعلون ذلك، وهو أوثق من ابن طاهر بكثير بل هو ثقة مطلقا..» .

стр. 284

أقول: (تاريخ الخطيب) قرئ عليه في حياته ورواه جماعة ويظهر أنها أخذت منه عدة نسخ في حياته الخطيب على ما جرت به عادة المثرين من طلبة العلم والمجتهدين منهم أن يستنسخ كل منهم الكتاب قبل أن يسمعه على الشيخ ثم يسمع في كتاب نفسه ويصحح نسخته، وكثير منهم يستنسخ قبل كل مجلس القطعة التي يتوقع أن تقرأ في ذلك المجلس إلى أن يتم الكتاب. وعبد المحسن الذي روى ابن طاهر من طريقه ذكر الزيادة هو عبد المحسن بن محمد الشيحي وفي ترجمته من (المنتظم) ج٩ ص١٠٠ «أكثر عن أبي بكر الخطيب بصور وأهدى إليه الخطيب (تاريخ بغداد) بخطه وقال: لو كان عندي أعز منه لأهديته له» ومن الواضح أن الخطيب لا يهدي نسخته الوحيدة من تاريخه الجليل ويبقى بلا نسخة فلا بد أن تكون عنده أخرى، ومن البين أن العالم لا يزال يحتاج إلى الزيادة في تأليفه فلعله زاد في النسخة التي بقيت عنده أشياء لم تكن في النسخة التي أهداها لعبد المحسن فإذا كانت هذه النسخة الأخيرة صارت لابن خيرون كما يقول الأستاذ فطلب ابن خيرون من عبد المحسن أن يبعث إليه بالجزء الخامس من نسخته فألحق ما ألحق فإن كان ألحق على أنه من الكتاب فإنما ألحق ذلك من نسخة الخطيب الأخيرة، وإن كان إنما كتب حاشية كما قال الذهبي فالأمر أوضح وما ذكره الأستاذ: أن كتب الخطيب احترقت عند ابن خيرون لا أتحققه، نعم ذكروا احتراقاً، ولكن لم أجد نصاً على أن نسخة الخطيب من (تاريخه) احترقت ولا أن الناس إنما رووا (التاريخ) بعد ذلك عن نسخة لابن خيرون لا عن خط الخطيب بل هذا باطل حتماً، وقد علمت أنه كان عند عبد المحسن نسخة أخرى بخط الخطيب، ولا بد أن تكون عند غيره نسخ مما صحح على نسخة الخطيب عند القراءة عليه وقد روى جماعة منهم ابن الجوزي وأبو اليمن الكندي أستاذ الملك المعظم وخليله سبط بن الجوزي (تاريخ بغداد) عن أبي منصور عبد الرحمن بن محمد القزاز يقول: «أخبرنا الخطيب» أو نحو ذلك، وفي ترجمته في من (المنتظم) ج ١٠ ص ٩٠ «سَمَّعه أبوه وعمه الكثير، وكان صحيح السماع» ولا بد أن

стр. 285

تكون عنده نسخة أخرى سمع فيها الخطيب وإلا لطعنوا فيه بأنه يروي مما ليس عليه سماعه، ثم رأيت في (معجم الأدباء) ج٤ ص ٣٨: «قال السمعاني لما رجعت إلى خراسان حصل لي (تاريخ الخطيب) بخط شجاع بن فارس الذهلي «الحافظ الثبت» الأصل الذي كتبه بخطه لأبي غالب محمد بن عبد الواحد القزاز وعلى وجه كل واحد من الأجزاء: سماع لأبي غالب ولابنه أبي منصور عبد الرحمن ... » . فهذه النسخة كتبها ذاك الحافظ الثبت بخطه وسمع فيها القزاز وولده على الخطيب وصححت على نسخته، ولا أدري أكانت عند الابن نسخة أخرى مما سمع على الخطيب فكان يروي منها أم كان قد استنسخ من هذه التي بخط شجاع الذهلي نسخة أخرى قوبلت على الأصل، وكتب العلماء شهادتهم بذلك ونقلوا سماعه إلى نسخته الجديدة وباع الأصل حتى صار لابن السمعاني. وعلى كل حال فالنسخة التي كانت عند القزاز صحيحة عن الخطيب ولا شأن لها بنسخة عبد المحسن ولا بالنسخة التي كانت عند ابن خيرون ولا بنسخة ابن خيرون، ونسختا ابن الجوزي والكندي أستاذ المعظم مأخوذتان عن نسخة القزاز ونسختا سبط ابن الجوزي والمعظم تبع لذلك وكان المعظم ملكاً مسلطاً متعصباً وصاحبه سبط ابن الجوزي جوالاً متفانياً في هواه وهما أول من رد على الخطيب كما ذكر الأستاذ ولعلهما قد وقفا على عدة نسخ أخرى فلو عرفا أن بين النسخ اختلافاً في الموضع الذي ردا عليه لما سكتا عن بيان ذلك. فأما سكوت من قبلهما من علماء الحنفية عن الرد على الخطيب مع ردهم على غيره فلأنهم أعقل منهما ومن الأستاذ، إنما ردوا على رسائل صغيرة من شأنها أن تشيع وتذيع فأما ما في ذاك الموضع من (تاريخ بغداد) فرأوا أنه مدفون في كتاب كبير لا يقف عليه إلا الأفراد فتكلف الجواب إنما هو سعي في انتشار ذلك واشتهاره فعلموا أن السكوت أسلم ولما خالفهم الأستاذ وقع فيما تراه، وعلى أهلها تجني براقش. وقد ذكر ابن عساكر نسختين أخريين انظر
следующие страницы →