← Улюм аль-хадис

Улюм аль-хадис · id 12767

التنكيل بما في تأنيب الكوثري من الأباطيل - ط المكتب الإسلامي

عبد الرحمن المعلمي اليماني

Полный текст (924 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

هذا وكتب الإمام أحمد ك (المسند) و (الزهد) كانت نسخها مشهورة متداولة قد رواها غير القطيعي وإنما اعتنوا بالقطيعي واشتهرت رواية الكتب من طريقة لعلو السند، ويأتي لهذا مزيد في ترجمة الحسن بن علي بن المذهب، والحمد لله الذي بنعمته يتم الصالحات. ١٣- أحمد بن جعفر محمد بن سلم . في (تاريخ بغداد) ١٣/ ٣٦٩ «أخبرنا محمد ابن أحمد بن رزق أخبرنا أبو بكر أحمد بن جعفر بن محمد بن سلم قال: أملى علينا أبو العباس أحمد بن علي بن الآبار ... » قال الأستاذ ص ٣٢: «فابن رزق ... وأقل ما يقال في شيخه أنه متعصب أعمى البصيرة» . أقول: ترجمة بن سلم هكذا في (التاريخ) ج ٤ ص ٧١ وفيها: «كان صالحا ديناً مكثراً ثقة ثبتاً كتب عنه الدارقطني ثم نقل عن ابن أبي الفوارس قال: «توفي أبو بكر بن سلم.. سنة ٣٦٩ وكان ثقة» . والخطيب يروي بهذا السند من مصنفات الآبار، وكذلك يروي عن الحسن بن الحسين ابن دوما عن ابن سلم عن الآبار فكل ما أسنده عن هذين عن ابن سلم عن الآبار فهو ثابت عن الآبار حتماً لا شأن لهؤلاء الثلاثة ابن رزق وابن دوما وابن سلم فيه، فإن كانت تبعه فعلى الأبار وستأتي ترجمته. ١٤- أحمد بن الحسن بن جنيدب أبو الحسن الترمذي الحافظ الرحال صاحب أحمد ابن حنبل. في (تاريخ بغداد) (١٣/ ٤١٨) : « ... أحمد بن الحسن الترمذي قال سمعت أحمد بن حنبل يقول. . .»

стр. 282

الأستاذ ص١٦٣ «وأحمد بن الحسن الترمذي من أصحاب أحمد، لا يقل تعصباً من عبد الله بن أحمد وإن روى عنه البخاري حديثاً واحداً في المغازي، وكم بين رجال البخاري من يؤخذ عنه شيء دون شيء» . أقول هذا الرجل معروف بالحفظ والمعرفة أثنى عليه أبو حاتم وابن خزيمة وهما ممن روى عنه وروى عنه أبو زرعة ومن عادته أن لا يروي إلا عن ثقة كما في (لسان الميزان) ج٢ ص ٤١٦ ولم يذكر بشيء من التعصب لكن كونه من أصحاب أحمد وروى عنه تلك الكلمة كاف عند الأستاذ لرميه بشدة التعصب وقد تقدم تحقيق حكم التعصب في القواعد. أما قلة رواية البخاري عنه فلأنه من أقرانه، والبخاري كغيره من الأئمة يتحرى علو الإسناد، فلا يكاد يروي في (الصحيح) عمن هو أكبر منه بقليل فضلاً عن أقرانه إلا ما أعوزه أن يجده عند من هو في طبقة كبار شيوخه. وإذا كان الرجل بحيث يؤخذ عنه الحديث في (الصحيح) فلأن تؤخذ عنه الحكايات أولى. ١٥- أحمد بن الحسن بن خيرون . قال الأستاذ ص ٣١: «تكلم الحافظ أبو الفضل بن طاهر في أحمد بن الحسن المعروف بابن خيرون الذي كان الخطيب سلم إليه كتبه فاحترقت تلك الكتب في بيت هذا الوصي وبينها نسخة الخطيب من (تاريخ بغداد) حتى روى الناس (تاريخ الخطيب) من نسخة ابن خيرون لا عن الخطيب، وبنوا فيها زيادات على ما كانوا سمعوه من الخطيب فقالوا: إن ابن خيرون هو الذي زادها حتى رمى أبو الفضل «ابن طاهر» المقدسي ابن خيرون بكل سوء وإن لم يعجب ذلك الذهبي وقد نقل في (ميزان الاعتدال) عن ابن الجوزي أنه قال: سمعت مشايخنا يقولون إن الخطيب أوصى ابن خيرون أن يزيد وريقات في (تاريخه) وكان لا يحب أن تظهر منه في حياته، فبذلك تعلم أن الزيادة فيه لا شك فيها لكن هناك رواية أنها كانت بوصية من الخطيب فتكون تبعة الزيادة على عاتق المؤلف نفسه، أو الزائد هو ابن خيرون فيسقط ابن خيرون من مرتبة أن يكون مقبول الرواية على رأي أبي الفضل ابن طاهر المقدسي ومن الغريب أن المثالب الشنيعة المتعلقة بأبي حنيفة في (تاريخ الخطيب) لم تذع إلا بعد أن تحنف

стр. 283

عالم الملوك الملك المعظم عيسى الأيوبي ولذلك كان هو أول من رد عليها ولو ذاعت المثالب قبل ذلك لما تأخر العلماء من الرد عليها كما فعلوا مع عبد القاهر البغدادي وابن الجويني وأبي حامد الطوسي وغيرهم وسبط ابن الجوزي رد على الخطيب أيضاً في عصر الملك المعظم ... » أقول: ابن خيرون ذكره ابن الجوزي في (المنتظم) ج ٨ ص٨٧ وقال: «روى عنه أبو بكر الخطيب وحدثنا عنه أشياخنا وكان من الثقات، وشهد عند أبي عبد الله الدامغاني «قاضي القضاة الحنفي المشهور» ثم صار أميناً له» . وفي (تذكرة الحفاظ) ج ٤ ص ٧: «ذكره السمعاني فقال: ثقة عدل متقن واسع الرواية ... سمعت عبد الوهاب بن خيرون يقول: ما رُئُيَ مثل أبي الفضل بن خيرون لو ذكرت كتبه وأجزاءه التي سمعها يقول لك عمن سمع وبأي طريق سمع وكان يذكر الشيخ وما يرويه وما ينفرد به ... ، قال أبو طاهر السلفي: كان كيحيى بن معين في وقته ... ، وقد ذكرت في (ميزان الاعتدال) كلام ابن طاهر فيه بكلام مردود وأنه كان يلحق بخطه أشياء في (تاريخ الخطيب) وبينا أن الخطيب أذن له في ذلك، وأما خطه فمشهور وهو بمنزلة الحواشي، فكان ماذا؟» . وفي (الميزان) : أحمد بن الحسن بن خيرون أبو الفضل الثقة الثبت محدث بغداد تكلم فيه ابن طاهر بقول زائف سمج فقال: حدثني ابن مرزوق حدثني عبد المحسن بن محمد قال: سألني ابن خيرون أن أحمل إليه الجزء الخامس من (تاريخ الخطيب) فحملته إليه فرده، وقد ألحق فيه ترجمة محمد بن علي رجلين لم يذكرهما الخطيب، وألحق في ترجمة قاضي القضاة الدامغاني «الحنفي» : «كان نزهاً عفيفاً» وقال ابن الجوزي: قد كنت أسمع من مشايخنا أن الخطيب أمر ابن خيرون أن يلحق وريقات في كتابه ما أحب الخطيب أن تظهر عنه. قلت: وكتابته لذلك كالحاشية وخطه معروف لا يلتبس بخط الخطيب أبداً وما زال الفضلاء يفعلون ذلك، وهو أوثق من ابن طاهر بكثير بل هو ثقة مطلقا..» .

стр. 284

أقول: (تاريخ الخطيب) قرئ عليه في حياته ورواه جماعة ويظهر أنها أخذت منه عدة نسخ في حياته الخطيب على ما جرت به عادة المثرين من طلبة العلم والمجتهدين منهم أن يستنسخ كل منهم الكتاب قبل أن يسمعه على الشيخ ثم يسمع في كتاب نفسه ويصحح نسخته، وكثير منهم يستنسخ قبل كل مجلس القطعة التي يتوقع أن تقرأ في ذلك المجلس إلى أن يتم الكتاب. وعبد المحسن الذي روى ابن طاهر من طريقه ذكر الزيادة هو عبد المحسن بن محمد الشيحي وفي ترجمته من (المنتظم) ج٩ ص١٠٠ «أكثر عن أبي بكر الخطيب بصور وأهدى إليه الخطيب (تاريخ بغداد) بخطه وقال: لو كان عندي أعز منه لأهديته له» ومن الواضح أن الخطيب لا يهدي نسخته الوحيدة من تاريخه الجليل ويبقى بلا نسخة فلا بد أن تكون عنده أخرى، ومن البين أن العالم لا يزال يحتاج إلى الزيادة في تأليفه فلعله زاد في النسخة التي بقيت عنده أشياء لم تكن في النسخة التي أهداها لعبد المحسن فإذا كانت هذه النسخة الأخيرة صارت لابن خيرون كما يقول الأستاذ فطلب ابن خيرون من عبد المحسن أن يبعث إليه بالجزء الخامس من نسخته فألحق ما ألحق فإن كان ألحق على أنه من الكتاب فإنما ألحق ذلك من نسخة الخطيب الأخيرة، وإن كان إنما كتب حاشية كما قال الذهبي فالأمر أوضح وما ذكره الأستاذ: أن كتب الخطيب احترقت عند ابن خيرون لا أتحققه، نعم ذكروا احتراقاً، ولكن لم أجد نصاً على أن نسخة الخطيب من (تاريخه) احترقت ولا أن الناس إنما رووا (التاريخ) بعد ذلك عن نسخة لابن خيرون لا عن خط الخطيب بل هذا باطل حتماً، وقد علمت أنه كان عند عبد المحسن نسخة أخرى بخط الخطيب، ولا بد أن تكون عند غيره نسخ مما صحح على نسخة الخطيب عند القراءة عليه وقد روى جماعة منهم ابن الجوزي وأبو اليمن الكندي أستاذ الملك المعظم وخليله سبط بن الجوزي (تاريخ بغداد) عن أبي منصور عبد الرحمن بن محمد القزاز يقول: «أخبرنا الخطيب» أو نحو ذلك، وفي ترجمته في من (المنتظم) ج ١٠ ص ٩٠ «سَمَّعه أبوه وعمه الكثير، وكان صحيح السماع» ولا بد أن

стр. 285

تكون عنده نسخة أخرى سمع فيها الخطيب وإلا لطعنوا فيه بأنه يروي مما ليس عليه سماعه، ثم رأيت في (معجم الأدباء) ج٤ ص ٣٨: «قال السمعاني لما رجعت إلى خراسان حصل لي (تاريخ الخطيب) بخط شجاع بن فارس الذهلي «الحافظ الثبت» الأصل الذي كتبه بخطه لأبي غالب محمد بن عبد الواحد القزاز وعلى وجه كل واحد من الأجزاء: سماع لأبي غالب ولابنه أبي منصور عبد الرحمن ... » . فهذه النسخة كتبها ذاك الحافظ الثبت بخطه وسمع فيها القزاز وولده على الخطيب وصححت على نسخته، ولا أدري أكانت عند الابن نسخة أخرى مما سمع على الخطيب فكان يروي منها أم كان قد استنسخ من هذه التي بخط شجاع الذهلي نسخة أخرى قوبلت على الأصل، وكتب العلماء شهادتهم بذلك ونقلوا سماعه إلى نسخته الجديدة وباع الأصل حتى صار لابن السمعاني. وعلى كل حال فالنسخة التي كانت عند القزاز صحيحة عن الخطيب ولا شأن لها بنسخة عبد المحسن ولا بالنسخة التي كانت عند ابن خيرون ولا بنسخة ابن خيرون، ونسختا ابن الجوزي والكندي أستاذ المعظم مأخوذتان عن نسخة القزاز ونسختا سبط ابن الجوزي والمعظم تبع لذلك وكان المعظم ملكاً مسلطاً متعصباً وصاحبه سبط ابن الجوزي جوالاً متفانياً في هواه وهما أول من رد على الخطيب كما ذكر الأستاذ ولعلهما قد وقفا على عدة نسخ أخرى فلو عرفا أن بين النسخ اختلافاً في الموضع الذي ردا عليه لما سكتا عن بيان ذلك. فأما سكوت من قبلهما من علماء الحنفية عن الرد على الخطيب مع ردهم على غيره فلأنهم أعقل منهما ومن الأستاذ، إنما ردوا على رسائل صغيرة من شأنها أن تشيع وتذيع فأما ما في ذاك الموضع من (تاريخ بغداد) فرأوا أنه مدفون في كتاب كبير لا يقف عليه إلا الأفراد فتكلف الجواب إنما هو سعي في انتشار ذلك واشتهاره فعلموا أن السكوت أسلم ولما خالفهم الأستاذ وقع فيما تراه، وعلى أهلها تجني براقش. وقد ذكر ابن عساكر نسختين أخريين انظر

стр. 286

(تاريخ دمشق) ج ١ ص ٤٥- ٤٦ (١) . وقد حقر الأستاذ ابن خيرون وعظم ابن طاهر والملك عيسى، فأما محمد بن طاهر فترجمته في (الميزان) و (لسانه) و (المنتظم) ج ٩ ص١٥٧ ويأتي له ذكر في ترجمة الخطيب ومن طالع ذلك وتدبر ما يعتمده الأستاذ علم أن ابن طاهر لو وقع في إسناد حكاية فيها غض من أبي حنيفة أو أحد أصحابه لحط الأستاذ عليه أشنع حط، ولعله لا يتحاشى عن تكفيره فضلاً عن تفسيقه، وأما الملك عيسى فحسبك أن تتتبع ما يحكيه عنه خليله في المجلد الأخير من تاريخه (مرآة الزمان) في مواضع متعددة، ويمنعني من نقل ذلك هنا أنه كان له مشاهد في قتال الكفار، وأنه حكى عنه ما يدل على محافظته على الصلاة حتى في مرض موته. والله أعلم. ١٦- أحمد بن خالد الكرماني . في (تاريخ بغداد) ٢/ ١٧٨ «محمد بن إسماعيل التمار الرقي قال حدثني أحمد بن خالد الكرماني قال سمعت المقدمي بالبصرة يقول قال الشافعي ... » . قال الأستاذ ص ١٨٣: «الكرماني مجهول» . أقول: أنا أيضاً لم أظفر له بترجمة ولا خبر إلا في هذه الرواية، أو ذكره في شيوخ التمار لكن مثل هذا لا يسوغ لأمثالنا أن يقول: «مجهول» وراجع (الطليعة) ص ٨٦- ٩٨. ١٧- أحمد بن الخليل . راجع (الطليعة) ص ٢٠- ٢٢ وما تقدم في القواعد أواخر القاعدة السادسة (٢) . ١٨- أحمد بن سعد بن أبي مريم في (تاريخ بغداد) ١٣/ ٤٢٠ « ...

стр. 287

أحمد بن سعد ابن أبي مريم قال وسألته - يعني يحيى بن معين - عن أبي حنيفة فقال: لا تكتب حديثه» قال الأستاذ ص ١٦٨: «كثير الوهم وكثير الاضطراب في مسائله مع مخالفة روايته هذه لرواية الثقات عن ابن معين ويبدو عليه أنه غير ثقة حيث يخالف ثقات أصحاب ابن معين فيما يرويه عنه في أبي حنيفة وأصحابه» . أقول: ممن روى عن أحمد هذا النسائي وقال: «لا بأس به» وأبو داود وهو لا يروي إلا عن ثقة عنده كما في (تهذيب التهذيب) في ترجمة الحسين بن علي بن الأسود وترجمة داود بن أمية، وبقي بن مخلد وهو لا يروي إلا عن ثقة عنده كما في ترجمة أحمد هذا من (تهذيب التهذيب) (١) . فأما كثرة وهمه وكثرة اضطرابه في مسائله فلم أعرفه، وكان على الأستاذ أن ينقل ذلك عمن يعتد بقوله، أو يذكر عدة أمثلة لما زعمه، وقد رد الأستاذ قول إمام النقاد علي بن المديني في أبي حنيفة: «أخطأ في خمسين حديثاً» بأنه لم يفصل ذلك كما سلف مع نظائره في ترجمة إبراهيم بن محمد بن الحارث، فكيف يطمع الأستاذ أن نقبل من مثله هذه المجازفة؟! وأما دعوى مخالفة روايته هذه لروايات الثقات عن ابن معين فالجواب من أوجه: الأول: المطالبة بتثبيت تلك الروايات. الثاني: أنه كما يعلم الأستاذ قد جاءت عن ابن معين روايات أخرى في التليين لعلها أثبت من روايات التوثيق. الثالث: أن ابن معين كثيراً ما تختلف أقواله وربما يطلق الكلمة يريد بها معنى غير المشهور كما سلف في القواعد في القاعدة السادسة. الرابع: أن كلمة «لا تكتب حديثه» ليست بصريحة في الجرح فقد يكون ابن معين مع علمه برأي غيره من المحدثين علم أن أحمد قد استكثر من سماع الحديث

стр. 288

ويمكنه أن يشتغل بما هو أنفع له من تتبع أحاديث أبي حنفية. وعلى كل حال فأحمد هذا قد قبله الأئمة واحتجوا به ولم يطعن فيه أحد منهم. والله الموفق. ١٩- أحمد بن سلمان النجاد . في (تاريخ بغداد) ١٣/ ٣٨٣: «أخبرنا محمد بن عبد الله أبان الهيتي حدثنا أحمد بن سلمان النجاد حدثنا عبد الله ... » قال الأستاذ ص٦٥ «يقول فيه الدارقطني: يحدث من كتاب غيره بما لم يكن في أصوله» . وفي (تاريخ بغداد) ١٣/ ٤٠٤: خبر آخر من طريق النجاد فقال الأستاذ ص ١٢٥ «والنجاد ممن يروي عما ليس عليه سماعه كما نص على ذلك الدارقطني كما في (٤/ ١٩١) من (تاريخ الخطيب) وليس قول الدارقطني فيه: قد حدث أحمد بن سلمان من كتاب غيره بما لم يكن في أصوله، مما يزال بلعل ولعل» . أقول: لفظ الدارقطني «حدث ... » كما في (تاريخ بغداد) في الموضع الذي أحال عليه الأستاذ وهكذا في (تذكرة الحفاظ) وفي (الميزان) و (اللسان) ، وهذه الكلمة تصدق بمرة واحدة كما حملها عليه الخطيب إذ قال «كان قد كف بصره في آخر عمره فلعل بعض طلبه الحديث قرأ عليه ما ذكر الدارقطني» بخلاف ما نسبه الأستاذ إلى الدارقطني أنه قال «يحدث من كتاب غيره ... » ، «ممن يروي عما عليه سماعه» فإن هاتين العبارتين تعطيان أن ذلك كان من شأنه، تكرر منه مراراً! وقد تصرف الأستاذ مثل هذا التصرف وأشد منه في مواضع راجع (الطليعة) ص ٦٦- ٧٢، ويعتذر الأستاذ في (الترحيب) ص١٦ بقوله «وأما مراعاة حرفية الجرح فغير ميسورة كل وقت وكفى بالاحتفاظ بجوهر المعنى» .

стр. 289

أقول: على القارئ أن يراجع تلك الأمثلة في (الطليعة) ليتبين له هل احتفظ الأستاذ بجوهر المعنى؟ ولا أدري ما الذي عسر عليه المراعاة لعله كان بعيداً عن الكتب فلم يتيسر له مراجعتها وإنما اعتمد على حفظه؟ أو لا يحق لي أن أقول إن الذي عسر عليه ذلك هو أنه رأى كلمات الأئمة التي تصرف فيها ذاك التصرف لا تشفي غيظه ولا تفي بغرضه فاضطر إلى ما وقع منه، يدل على هذا أني لم أر كلمة واحدة من كلمات التليين في الذين يريد جرحهم تصرَّف فيها فجاءت عبارته أخف من أصلها، بل رأيته يحافظ على حرفية الجرح حيث يراه شافياً لغيظه كما يأتي في الترجمة رقم ٢٣ وغيرها! وعلى هذا يكون اعتذاره المذكور اعترافاً بما قلته في (الطليعة) ص ٦٦. وقول الأستاذ «مما يزال بلعل ولعل» يريد قول الخطيب «.. فلعل بعض الطلبة ... » وقد مر، ولولا شدة غيظ الأستاذ على المحدثين لاكتفى بنص عبارة الدارقطني وعبارة الخطيب قائلاً: فعلى هذا ينبغي التثبت فيما يرويه عن النجاد من لم يكن في عصره معروفاً بالتيقظ، ورواي تينك الحكايتين عن النجاد هو محمد بن عبد الله بن أبان الهيتي قال فيه الخطيب « ... وكان مغفلاً مع خلوه عن علم الحديث ... » وإذا كانت هذه نهايته فما عسى أن تكون بدايته؟ فلا يؤمن أن يكون سمع تينك الحكايتين من النجاد في ذاك المجلس الذي حدث فيه النجاد من كتاب غيره بما ليس في أصوله. أقول لو كان الأستاذ يكفكف من نفسه لاكتفى بهذا أو نحوه فإذا قيل له: القضية النادرة لا يعتد بها في حمل غيرها عليها وإنما الحمل على الغالب فقد يمكنه أن ينازع في هذا، أما أنا فأقول: إنما قال الدارقطني «بما لم يكن في أصوله» ولم يقل «بما يكن من حديثه» أو نحو ذلك فدل هذا على احتمال أن يكون ما حدث به من ذلك الكتاب كان من حديثه» أو نحو ذلك فدل هذا على احتمال أن يكون ما حدث به من ذلك الكتاب كان من حديثه أو روايته وإن لم يكن في أصوله، وذلك كأن يكون سمع شيئاً فحفظه ولم يثبته في أصله ثم رآه في كتاب غيره كما حفظه فحدث به، أو يكون حضر سماع ثقة غيره في كتاب ولم يثبت اسمه فيه. ثم رأى ذلك

стр. 290

الكتاب وهو واثق بحفظه فحدث منه بما كان سمعه، أو تكون له إجازة بجزء معروف ولا أصل له به ثم رأى نسخة موثوقاً بها منه فحدث منها، نعم كان المبالغون في التحفظ في ذاك العصر لا يحدث أحدهم إلا بما في أصوله حتى إذا طولب أبرز أصله، ولا ريب أن هذا أحوط وأحزم لكنه لا يتحتم جرح من أخل بذلك إذا كانت قد ثبتت عدالته وأمانته وتيقظه وكان ما وقع منه محتملاً لوجه صحيح، وقد قال أبو علي ابن الصواف «كان النجاد يجيء معنا إلى المحدثين ونعله في يده فيقال له في ذلك فيقول: أحب أن أمشي في حديث رسول الله ﵌ وأنا حافياً» فقال أبو إسحاق الطبري «كان النجاد يصوم الدهر ويفطر كل ليلة على رغيف ويترك منه لقمة، فإذا كان ليلة الجمعة تصدق بذلك الرغيف وأكل تلك اللقم التي استفضلها» وكان ابن رزقويه يقول «النجاد ابن صاعدنا» قال الخطيب «عني بذلك أن النجاد في كثرة حديثه واتساع طرقه وأصناف فوائده لمن سمع منه كابن صاعد لأصحابه إذ كل واحد من الرجلين كان واحد وقته» وقال الخطيب: «كان صدوقاً عارفاً صنف كتاًبا كبيراً في السنن وكان له بجامع المنصور حلقة قبل الجملة للفتوى وحلقة بعدها للإملاء» هكذا في (تذكرة الحفاظ) ج ٣ ص ٨٠ وقال الذهبي أول الترجمة: «النجاد الإمام الحافظ الفقيه شيخ العلماء ببغداد» . وقد روى عنه الأئمة كالدارقطني وابن شاهين والحاكم وأكثر عنه في المستدرك - وابن منده وابن مردويه وغيرهم ولم ينكر عليه حديث واحد، الثقة تثبت بأقل من هذا، ومن ثبتت عدالته لم يقبل فيه الجرح إلا ببينة واضحة لاحتمال فيها كما تقدم في القواعد. والله الموفق. ٢٠- أحمد بن صالح أبو جعفر المصري المعروف بابن الطبري . في (تاريخ بغداد) ٨/٤٢٢ « ... أحمد بن صالح حدثنا عنبسة بن خالد بن أبي النجاد

стр. 291

حدثنا يونس - يعني ابن زيد - قال رأيت أبا حنيفة عند ربيعة بن أبي عبد الرحمن وكان مجهود أبي حنيفة أن يفهم ما يقول ربيعة» . قال الأستاذ في حاشية ص١٧٣ «أحمد بن صالح مختلف فيه» . أقول اقتصارك في صدد القدح في الرواية على قولك في الراوي «مختلف فيه» ظاهر في أنه لم يتبين لك رجحان أحد الوجهين، والأستاذ يعلم إجماع أهل العلم على رد كلام الموهن لأحمد بن صالح هذا حتى نصوا على ذلك في متن المصطلح قال العراقي في ألفيته: وربما رد كلام الجارح ... كالنسائي في أحمد بن صالح فربما كان لجرح مخرج ... غطى عليه السخط حين يحرج وقد لجأ الأستاذ إلى هذه القاعدة وزاد عليها وبالغ واتخذها عكازة يتوكأ عليها في رد كلام كثير من الأكابر وتخطى ذلك إلى رد روايتهم وتعداه إلى الطعن فيهم. فأما ابن الطبري فوثقه الجمهور وعظموا شأنه، وقال النسائي «غير ثقة ولا مأمون تركه محمد بن يحيى ورماه يحيى بالكذب» وبين رمي يحيى بقوله: «حدثنا معاوية بن صالح سمعت يحيى بن معين يقول أحمد بن صالح كذاب يتفلسف» وأنكر عليه أحاديث زعم أنه تفرد بها أو خالف. فأما قوله: «غير ثقة ولا مأمون» فمبنية على ما بعدها، وأما قوله: «تركه محمد بن يحيى» فوهم فإن رواية محمد بن يحيى عن أحمد بن صالح موجودة، وقال ابن عدي «حدث عنه البخاري والذهلي «محمد بن يحيى» واعتمادهما عليه في كثير من حديث الحجاز» وكأن الذهلي لما سمع منه النسائي لم يحدثه عن أحمد ابن صالح فظن النسائي أنه تركه، ولعله إنما لم يحدثه عنه لأنه كان حياً ورأى الذهلي أن النسائي كغيره من طلبة الحديث إنما يرغبون في العوالي. وأما رواية معاوية صالح، عن ابن معين فقد قال البخاري في أحمد بن صالح ابن الطبري «ثقة صدوق وما رأيت أحداً يتكلم فيه بحجة كان أحمد بن حنبل وعلي «ابن المديني» وابن نمير وغيرهم يثبتون أحمد بن صالح، وكان يحيى

стр. 292

«ابن معين» يقول سَلو أحمد فإنه أثبت. فإن كان هناك وهم في النقل فالظاهر أنه في رواية معاوية لأن البخاري أثبت منه ولموافقة سائر الأئمة وإن كان ليحيى قولان، فالذي رواه البخاري هو المعتمد لموافقة سائر الأئمة. وزعم ابن حبان أن أحمد بن صالح الذي كذبه ابن معين رجل آخر غير ابن الطبري يقال له الأشمومي كان يكون بمكة، ويقوي ذلك ما رواه البخاري من تثبيت ابن معين لابن الطبري وأن ابن الطبري معروف بالصدق لا شأن له بالتفلسف، وقد تقدم في القواعد في أوائل القاعدة السادسة أمثلة للخطأ الذي يوقع فيه تشابه الأسماء. وأما الأحاديث التي انتقدها النسائي على ابن الطبري فقد أجاب عنها ابن عدي، وراجع ما تقدم في القواعد القاعدة الرابعة. ٢١- أحمد بن عبد الله بن أحمد بن إسحاق أبو نعيم الأصبهاني الحافظ . في (تاريخ بغداد) ١٣/ ٣٢٥: «أخبرنا أبو نعيم الحافظ حدثنا أبو أحمد الغطريفي ... » قال الأستاذ ص ١٧: «قد أخرج رحلة منسوبة إلى الإمام الشافعي ﵁ في (حلية الأولياء) بسند فيه أحمد بن موسى النجار وعبد الله بن محمد البلوي وهما كذابان معروفان ... ويذكر الخبر الكاذب وهو يعلم أنه كذب ويعلم أيضاً ما يترتب على ذلك من اغترار جهلة أهل مذهبه بذكره الخبر المذكور وسعيهم في الفتنة سعى الموتور في الثأر. نسأل الله الصون. ومن المعروف أن عادة أبي نعيم الأخبار الكاذبة بأسانيده بدون تنبيه على كذبها. وهو أيضاً ممن يسوق ما يرويه فقط مع ما سمعه في مساق واحد ويقول في الاثنين: حدثنا، وهذا تخليط فاحش وليس جرح ابن منده فيه مما يتغاضى عنه بهوى الذهبي» . أقول: أما الرحلة فباطلة بذلك السياق حتماً وهل تنبه أبو نعيم لبطلانها؟ الله أعلم. وأما سياقه في مؤلفاته الأخبار والروايات الواهية التي ينبغي الحكم على كثير

стр. 293

منها بالوضع فمعروف، ولم ينفرد بذلك بل كثير من أهل عصره ومن بعدهم شاركوه في ذلك ولا سيما في كتب الفضائل والمناقب، ومنها مناقب الشافعي ومناقب أبي حنيفة. ثم يجيء من بعدهم فيحذفون الأسانيد ويقتصرون على النسبة إلى تلك الكتب، وكثيراً ما يتركون هذه النسبة إلى تلك الكتب، وكثيراً ما يتركون هذه النسبة أيضاً كما في (الإحياء) وغيره، وفي (فتح المغيث) ص ١٠٦ في الكلام على رواية الموضوع: «لا يبرأ من العهدة في هذه الإعصار بالاقتصار على إيراد إسناده بذلك لعدم الأمن من المحذور به وإن صنعه أكثر المحدثين في الإعصار الماضية من سنة مائتين وهلمَّ جراً خصوصاً الطبراني وأبو نعيم وابن منده فإنهم إذا ساقوا الحديث بإسناده اعتقدوا أنهم برئوا من عهدته ... . قال شيخنا وكان ذكر الإسناد عندهم من جملة البيان ... .» . أقول مدار التشديد في هذا على الحديث الصحيح «من حدث عني بحديث يرى أنه كذب فهو أحد الكاذبين» ومن تدبر علم أنه يكون كاذباً على أحد وجهين: الأول: أن يرسل ذاك الحديث جازماً كأن يقول «قال النبي ﷺ ... » . الثاني: أن يكون ظاهر حاله في تحديثه أن ذاك الخبر عنده صدق أو محتمل أن يكون صدقاً فيكون موهماً خلاف الواقع فيكون بالنظر إلى ذاك الإيهام كاذباً، وقد علمنا أن قول من صحب أنساً «قال أنس ... » موهم بل مفهم إفهاماً تقوم به الحجة أنه سمع ذلك من أنس إلا أن يكون مدلساً معروفاً بالتدليس فإذا كان معروفاً بالتدليس فقال فيما لم يسمعه من أنس «قال أنس ... » لم يكن كاذباً ولا مجروحاً وإنما يلام على شرهه ويذكر بعادته لتعرف فلا تحمل على عادة غيره، وذلك أنه لما عرف بالتدليس لم يكن ظاهر حاله أنه لا يقول «قال أنس ... » إلا فيما سمعه من أنس، وبذلك زال الإفهام والإيهام فزال الكذب، فهكذا وأولى منه من عرف بأنه لحرصه على الجمع والإكثار والأغراب وعلو الإسناد يروي ما سمعه من

стр. 294

أخبار وإن كان باطلاً ولا يبين، فإنه إذا عرف بذلك لم يكن ظاهر حاله أنه لا يحدث غير مبين إلا بما هو عنده صدق أو محتمل للصدق، فزال الإيهام فزال الكذب، فلا يجرح ولكن يلام على شرهه ويذكر بعادته لتعرف، وكما يكفي المدلس أن يعرف عادته أهل العلم وإن جهلها غيرهم فكذلك هذا، لأن الفرض على غير العلماء مراجعة العلماء، على أن العامة يشعرون في الجملة بما يدفع اغترارهم الذي هو ل به الأستاذ، ولذلك كثيراً ما نسمعهم إذا ذكر لهم حديث قالوا: هل هو في البخاري؟ فعلى هذا نقول في أبي نعيم جرى مجراه: إن احتمل أنهم لانهماكهم في الجمع لم يشعروا ببطلان ما وقع في روايتهم من الأباطيل فعذرهم ظاهر، وهو أنهم لم يحدثوا بما يرون أنه كذب وإنما يلامون على تقصيرهم في الانتقاد والانتقاء، وإن كانوا شهروا ببطلان بعض ذلك فقد عرفت عادتهم فلم يكن في ظاهر حالهم ما يوجب الإيهام فلا إيهام فلا كذب، فإن اغتر ببعض ما ذكروه من قد عرف عادتهم من العلماء بالرواية فعليه تبعة أو من لم يعرف عادتهم ممن ليس من العلماء بالرواية فمن تقصيره أتي، إذ كان الفرض عليه مراجعة العلماء بالرواية ولذلك لم يجرح أهل العلم أبا نعيم وأشباهه بل اقتصروا على لومهم والتعريف بعادتهم. والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات. قول الأستاذ «وهو ممن يسرق ما يرويه بإجازة فقط مع ما سمعه في مساق واحد ويقول في الاثنين حدثنا» . أقول يشير إلى ما في «تذكرة الحفاظ» : «قال يحيى بن منده الحافظ سمعت أبا الحسين القاضي يقول سمعت عبد العزيز النخشبي يقول لم يسمع أبو نعيم «مسند الحارث ابن أبي أسامة» بتمامه من ابن خلاد فحدث به كله» . أقول عقب هذا في «التذكرة» : «قال ابن النجار: وهم «النخشبي» في هذا

стр. 295

فأنا رأيت نسخة الكتاب عتيقة وعليها خط أبي نعيم يقول: سمع مني فلان إلى آخر سماعي في هذا المسند من ابن خلاد، فلعله روى باقيه بالإجازة» . أقول: وقول النخشبي «فحدث» إنما تعطى أن أبا نعيم حدث السامعين عنه لا أنه ذكر في كل حديث من المسند أن ابن خلاد حدثه، وابن منده ومن فوقه من خصوم أبي نعيم كانت بين الفريقين نفره شديدة كما يأتي فلا يقبل ما قالوه فيه مما يطرقه الاحتمال على ما سلف في القواعد. بقي أمران: أحدهما يتعلق برواية أبي نعيم لجزء محمد بن عاصم، ويكفي في هذا ما أوضحه الذهبي في «تذكرة الحفاظ» . الثاني: قال الذهبي: «قال الخطيب قد رأيت لأبي نعيم أشياء يتساهل فيها منها أنه يقول في الإجازة: أخبرنا - من غير أن يبين» قال الذهبي «فهذا ربما فعله نادراً فإني رأيته كثيراً ما يقول: كتب إلي جعفر الخلدي، و: كتب إلي أبو العباس الأصم، و: أنا أبو الميمون بن راشد في كتابه، لكني رأيته يقول: أنا عبد الله بن جعفر فيما قرئ عليه فالظاهر أن هذا إجازة» . وفي (فتح المغيث) للسخاوي ص ٢٢٢ عن شيخه ابن حجر أن هذا اصطلاح لأبي نعيم قد صرح به فقال: إذا قلت: أخبرنا - على الإطلاق من غير أذكر فيه إجازة أو كتابة أو كتب إلي أو أذن لي فهو إجازة، أو: حدثنا فهو سماع، قال ابن حجر «ويقوي التزامه لذلك أنه أورد في «مستخرجه على علوم الحديث للحاكم» عدة أحاديث رواها عن الحاكم بلفظ الإخبار مطلقاً وقال في آخر الكتاب: الذي رويته عن الحاكم بالإجازة ... » أقول وإذ عرف اصطلاحه فلا حرج، ولكن من أقسام الإجازة العامة بأن يجيز الشيخ للطالب جميع مروياته أو جميع علومه فينبغي التثبت في روايات العاملين بهذه الإجازة فإذا ثبت في أحدهم أنه لا يروي بها إلا ما ثبت عنده قطعاً أنه من مرويات المجيز فهذا ممن يوثق بما رواه بالإجازة، وإن بان لنا أو

стр. 296

احتمل عندنا أن الرجل قد يروي بتلك الإجازة ما يسمع ثقة عنده يحدث به عن المجيز فينبغي أن يتوقف فيما رواه بالإجازة لأنه بمنزلة قوله: حدثني ثقة عندي، وإن بان لنا في رجل أنه قد يروي بتلك الإجازة ما يسمع غير ثقة يحدث به عن المجيز فالتوقف في المروي أو جب فأما الراوي فهو بمنزلة المدلس عن غير الثقات فإن كان قد عرف بذلك فذاك، وإلا فهو على يدي عدل. وإذا تقرر هذا فقد رأيت في (تاريخ بغداد) ج ٨ ص ٣٤٥ «أخبرنا أبو نعيم الحافظ أخبرنا جعفر الخلدي في كتابه قال سألت خير النساج ... » فذكر قصة غريبة ثم قال الخطيب «قلت جعفر الخلدي ثقة وهذه الحكاية طريفة جداً يسبق إلى القلب استحالتها وقد كان الخلدي كتب إلى أبي نعيم يجيز له رواية جميع علومه وكتب أبو نعيم هذه الحكاية عن أبي الحسن بن مقسم عن الخلدي ورواها عن الخلدي نفسه إجازة وكان ابن مقسم غير ثقة. والله أعلم» . أقول فقول أبي نعيم: «أخبرنا الخلدي في كتابه» أراد به أن الخلدي كتب إليه بإجازته له جميع علومه فأما القصة فإنما سمعها من ابن مقسم عن الخلدي وابن مقسم غير ثقة، فهذا أشد ما يقدح به في أبي نعيم لكن لعله اغتر بما كان يظهره ابن مقسم من النسك والصلاح فظنه ثقة، فإن ابن مقسم وهو أحمد بن محمد بن الحسن بن مقسم ترجمته في (تاريخ بغداد) ج ٤ ص ٤٢٩ وفيها «حدثنا عنه أبو نعيم الحافظ ومحمد بن عمر ... وكان يظهر النسك والصلاح ولم يكن في الحديث بثقة» وقد تكلم الدارقطني وغيره في ابن مقسم. والله المستعان. والحق أن أبا نعيم وضع من نفسه ومن كتبه فجزاؤه أن لا يعتد بشيء من مروياته إلا ما صرح فيه بالسماح الواضح كقوله في الحكاية المارة أول الترجمة «حدثنا أبو أحمد الغطريفي» بخلاف ما استدل به الأستاذ ص ١٠٧ وفيه عن أبي نعيم «أخبرني القاضي محمد بن عمر وأذن لي» فإن هذه الصيغة مما يستعمله أبو نعيم في الإجازة، ومع ذلك فالقاضي محمد بن عمر هو الجعابي متكلم فيه.

стр. 297

ولكن كما أن لأبي نعيم إصلاحاً خاصاً في صيغة «أخبرنا» فكذلك للأستاذ اصطلاح خاص في كلمتي «العقل» و «التواتر» وإنما الفرق أن أبا نعيم بين اصطلاحه، والأستاذ لم يبين، بل يعامل ما يطلق عليه تينك الكلمتين كما ينبغي أن يعامل به العقل والتواتر بمعناها المعروف فيحتج بما يوافق ذلك وإن سنده ساقطاً ويرد ما يخالفه وإن بغاية القوة، فإذا رأى أن مخالفيه يظلمونه فلا يقبلون ذلك منه استحل أن يكيل لهم الكيل الذي كشفت عنه في (الطليعة) . والله المستعان. وأما كلام ابن منده في أبي نعيم فقد مر بعضه وتبين حاله ولن يكن باقيه إلا طعنا في العقيدة أو من كلمات النفرة، والتنفير أو ما لا يتحصل منه - إذا نظر فيه كما ينبغي على ما سلف في القواعد - ما يثبت به الجرح، إذ قد عرف الناس أنه كان بين آل منده وأبي نعيم اختلاف في العقيدة، جر إلى عداوة شخصية شديدة، وعند الأستاذ أن الحق فيما اختلف فيه الفريقان مع أبي نعيم، وقد ذكر الذهبي في «التذكرة» ج ٣ ص ٣٧٧ عن السلفي «سمعت محمد بن عبد الجبار الفرساني حضرت مجلس أبي بكر بن أبي علي المعدل في صغري فلما فرغ من إملائه قال إنسان: من أراد أن يحضر مجلس أبي نعيم، وكان مهجوراً في ذلك الوقت بسبب المذهب وكان بين الحنابلة والأشعرية تعصب زائد يؤدي إلى فتنة وقال وقيل وصداع، فقام إلى ذلك الرجل أصحاب الحديث بسكاكين الأقلام وكاد أن يقتل» . والذهبي معروف بالميل إلى الحنابلة فهواه مع ابن منده فلم يكن للأستاذ أن ينسبه إلى عكس ذلك. ٢٢- أحمد بن عبد الله الأصبهاني . قال الأستاذ ص١٥١ في طعنه في عبد الله بن حنبل وستأتي ترجمته إن شاء الله: «مثله لا يصدق في أبي حنيفة وقد بلى فيه الكذب (!) وقد روى علي بن حمشاذ - وأنت تعرف منزلته في العلم - أنه سمع

стр. 298

أحمد بن عبد الله الأصبهاني يقول: أتيت عبد الله بن حنبل فقال: أين كنت؟ فقلت: في مجلس الكديمي، فقال: لا تذهب إلى ذاك فإنه كذاب، فلما كان في بعض الأيام مررت به فإذا عبد الله يكتب عنه فقلت: يا أبا عبد الرحمن أليس قلت: لا تكتب عن هذا فإنه كذاب؟ قال: فأومأ بيده إلي فيه أن أسكت، فلما فرغ وقام من عنده قلت: يا أبا عبد الرحمن أليس قلت: لا تكتب عنه؟ قال: إنما أردت بهذا أن لا يجيء الصبيان فيصيروا معنا في الإسناد واحداً. اه. وإن سعى الخطيب في إعلاله في ٣/ ٤٣٩ بأن يقول: إن أحمد بن عبد الله الأصبهاني مجهول، كيف وهو من ثقات شيوخ ابن حمشاذ مترجم في (تاريخ أصفهان) لأبي نعيم، ليس ابن حمشاذ الحافظ الثقة ممن يروي عن المجاهيل، ولا هو ممن يعول على من لا يعول عليه، وإن تجاهله الخطيب لحاجة في النفس فليس ذلك بضائره» . أقول: في هذا الكلام أمور: الأول: قوله في عبد الله بن أحمد: «وقد بلي فيه الكذب» ثم ساق القصة لإثبات ذلك وستعلم من الكاذب؟! الثاني: قوله «قد روى علي بن حمشاذ» بصيغه الجزم والتحقيق مع أنه إنما أخذ الحكاية من (تاريخ الخطيب) وإنما قال الخطيب: «حُدّثت عن أبي نصر محمد ابن أحمد بن إبراهيم الإسماعيلي قال: سمعت علي بن حمشاذ يقول ... » فلم يذكر الخطيب من حدثه فكيف يجزم الأستاذ ويحقق؟ فإن قيل: إن الخطيب أعلّ القصة بالأصبهاني فدل ذلك على ثقة الخطيب بمن حدثه قلت: ليس هذا بلازم فقد لا يكون الخطيب وثق بمن حدثه حق الثقة ولكن رأى إعلال الحكاية بالأصبهاني كافياً، ومع ذلك فقد ذكر الأستاذ ص ٥٦ قول الحماني: سمعت عشرة كلهم ثقات يقولون: سمعنا أبا حنيفة يقول: القرآن مخلوق. فقال الأستاذ: «قول الراوي: سمعت الثقة، يعدُّ كرواية عن مجهول، وكذا الثقات» فهل يستثني الأستاذ أبا بكر الخطيب من هذا القاعدة ويزيد فيرى أنه إذا لم يسم شيخه وأشار إلى أنه لم

стр. 299

يتهمه ثبت بذلك ثقة شيخه فتقوم الحجة بقول الخطيب: «حُدثت عن فلان» ولا تقوم بقول غيره: «حدثني عشرة كلهم ثقات» ؟! الثالث: قوله: «بأن يقول «الخطيب» إن أحمد بن عبد الله الأصبهاني مجهول» . وإنما قال الخطيب: «قلت: كان عبد الله بن أحمد أتقى لله من أن يكذّب من هو عنده صادق ويحتج بما حكى عنه هذا الأصبهاني وفي هذه الحكاية نظر من جهته» وليس في العبارة كلمة «مجهول» ولا هي صريحة في معناها إذ يحتمل أن يكون الخطيب عرف الأصبهاني بالضعف ويحتمل انه لم يعرفه ولكن استدل بنكارة حكايته على ضعفه، ولا يلزم من عدم معرفته له أن يجزم بأنه مجهول فإن المتحري مثل الخطيب لا يطلق كلمة «مجهول» إلا فيمن يئس من أن يعرفه هو أو غيره من أهل العلم في عصره، وإذا لم ييأس فإنما يقول: «لا أعرفه» ومن لم يراع هذا وقع فيما وقع فيه الأستاذ في مواضع تقدمت أمثلة منها في (الطليعة) ص ٨٦ - ٩٣. الرابع: قوله: «كيف وهو من ثقات شيوخ ابن حمشاذ» لا أضايق الأستاذ في إطلاقه أن هذا الرجل من شيوخ ابن حمشاذ وإن لم يعرف لابن حمشاذ عنه إلا هذه الحكاية إن صح أن ابن حمشاذ حكاها، ولا في جزمه بذلك مع ما مر في الأمر الثاني، وإنما النظر في جزمه بأن هذا الرجل من الثقات فمن أين لك ذلك؟ أنقلاً؟ فلماذا لم يذكره؟ أم اجتهاداً؟ فما حجته؟ أم مجازفة؟ فالله حسيبه. والذي يظهر - إن كان ابن حمشاذ حكى هذه الحكاية - أن الأصبهاني أصغر منه، فإن كان ابن حمشاذ كما يأتي يروي فيكثر عن عبد الله بن أحمد وعن الكُديمي، وسماعه منهما ببغداد كما هو ظاهر، فلو سمع الحكاية حين كان ببغداد أو قبل ذلك لكان الظاهر أن يستثبت عبد الله بن أحمد ولو فعل لحكى ذلك مع الحكاية فدل هذا على أنه إن كان حكاها فإنما سمعها بعد ذلك كأن هذا الأصبهاني زعم له أنه دخل بغداد بعده وجرى له ما حكاه. الخامس: قوله: «مترجم في (تاريخ أصبهان) لأبي نعيم» قد ذكرت هذا في

стр. 300

(الطليعة) ص ٩٢ - ٩٣ وقلت: هناك «كذا قال وقد فتشت (تاريخ أبي نعيم) فوجدت فيه مما يقال له: أحمد بن عبد الله - جماعة ليس في ترجمة واحد منهم ما يشعر بأنه هذا، وفوق ذلك فجميعهم غير مُوثَّقين» فتحامى الأستاذ في (الترحيب) التعرض لذاك الموضع البتة! السادس: قوله: «وليس ابن حمشاذ ممن يروي عن المجاهيل ولا هو ممن يعول على من لا يعول عليه» . إن أراد بالتعويل الاعتماد فمن أين عرف أن ابن حمشاذ اعتمد على تلك الحكاية وها نحن نجده يروي عن عبد الله بن أحمد وعن الكديمي، فمن روايته عن عبد الله في (المستدرك) ج ١ ص ٦٣ و٣٠١، و٤٥٣، وج ٢ ص ١٦٥، وج ٣ ص ٢٦٩، و٦١٢ وغيرها، ومن روايته عن الكديمي في (المستدرك) ج ١ ص ٦٨، ج٣ ص ٥٥٦، وج ٤ ص ١٣، وغير ذلك. وإن أراد بالتعويل مطلق الرواية أي أن ابن حمشاذ لا يروي إلا عن ثقة فمن أين عرف ذلك؟ وقد وجدنا ابن حمشاذ يروي عن جماعة ممن يكذبهم الأستاذ ظلماً فمنهم أحمد بن علي الأبار كما في (المستدرك) ج ١ ص٣٣ و٢٢٧، ومنهم محمد بن عثمان بن أبي شيبة كما في (المستدرك) ج ٣ ص ١٤٦ و٣٩٥، وكذلك يروي عن جماعة تكلموا فيهم والعمل على التوثيق كالحارث بن أبي أسامة وإبراهيم بن ديزيل والحسن بن علي المعمري، وعن جماعة متكلم فيهم كالكديمي وقد مرَّ، ومحمد بن منده الأصبهاني كما في (المستدرك) ج١ ص٣٥٩ وج٢ ص٣١٥، وج٣ ص١٠٧ و٥٠٧، وج٤ ص٥٩٣، وقد كذبوا محمد بن منده هذا راجع (لسان الميزان) ج ٥ ص ٣٩٣، وعلي بن صقر السكري كما في (المستدرك) ج ١ ص ٢٤٠، وراجع (لسان الميزان) ج ٤ ص ٢٣٥، وعبد الله بن أيوب بن زاذان الضرير كما في (المستدرك) ج ١ ص ١٨٧، وراجع (لسان الميزان) ج ٣ ص ٢٦٢، وهناك: (قال الدارقطني متروك» ولم يذكر في الترجمة ما يخالف ذلك، وإسحاق بن إبراهيم بن سنين كما في (المستدرك)

стр. 301

ج٣ ص ٢١٠ وراجع (لسان الميزان) ج ١ ص ٣٤٨، وجنيد بن حكيم الدقاق كما في (المستدرك) ج ٣ ص ٥٦١ ومحمد بن المغيرة السكري كما في (المستدرك) ج٢ ص٥٣، و١٨٩، و٣٣٠، ٤٨٣، ٥٤١، وراجع (لسان الميزان) ج ٥ ص ٣٨٦. ولعل ابن حمشاذ قد روى عمن هو أضعف من هؤلاء فتجنب الحاكم الرواية عن ابن حمشاذ عنهم في (المستدرك) على (الصحيحين) فابن حمشاذ كغالب محدثي عصره يروي عن الثقات وعن الضعفاء الأحاديث النبوية فما بالك بالحكايات؟ السابع قوله: «وإن تجاهله الخطيب لحاجة في النفس فليس ذلك بضائره» . الظاهر أنه يعني ابن حمشاذ، ولا أدري من أين أخذ أن الخطيب تجاهل ابن حمشاذ؟ إن كان أراد أن الخطيب تجاهل أن ابن حمشاذ لا يروي إلا ثقة فقد علمت ما فيه، وإن كان أراد أنه لم يورد له ترجمة في (التاريخ) فليس على شرطه وإنما التزم أن يذكر من الغرباء من دخل بغداد وحدث بها ولا دليل على أن ابن حمشاذ حدث ببغداد. فليتدبر العاقل هل يسوغ لعالم يصفه أصحابه - أو قل يصف نفسه - بما في عنوان (التأنيب) «الإمام الفقيه المحدث والحجة الثقة المحقق العلامة أن يقدم على تكذيب عبد الله بن أحمد بن حنبل الإمام ابن الإمام في الحق حقاً، محتجاً في زعمه الحكاية، ثم يخلط هذا التخليط مع التخاليط الأخرى مما ترى الكشف عن بعضه في (الطليعة) وفي مواضع أخر في هذا الكتاب؟ أو أن يرمي مثل أبي بكر الخطيب في ما قاله في هذه الحكاية بأنه «لحاجة في النفس» ولا يلتفت إلى ما في نفسه؟! ٢٣- أحمد بن عبد الله أبو عبد الرحمن العكي (؟) . في (تاريخ بغداد) ١٣/٤٠٦ « ... الأبار حدثنا أحمد بن عبد الله العكي أبو عبد الرحمن - وسمعت منه بمرو- قال حدثنا مصعب بن خارجه بن مصعب سمعت حماداً ... »

стр. 302

قال الأستاذ ص ١٢٧ «أحمد ابن عبد الله هو الفرياناني المروزي، قال أبو نعيم: مشهور بالوضع، وقال النسائي ليس بثقة، وقال ابن عدي: يروي عن الفضيل وعبد الله بن المبارك وغيرهما المناكير، وقال الدارقطني: متروك الحديث، وقال ابن حبان: يروي عن الثقات ما ليس في حديثهم، وعن الأثبات ما لم يحدثوا به، وقال ابن السمعاني: وكان ممن يروي عن الثقات ما ليس من أحاديثهم وكان محمد بن علي الحافظ سيئ الرأي فيه» ثم قال «الصواب: العتكي، كما في (أنساب ابن السمعاني) » . أقول ذكره ابن السمعاني في (الفرياناني) ووقع في النسخة «العتكي الهاشمي» كذا والهاشمي لا يجتمع في حق النسب مع العتكي ولا مع العكي، وليس في (الميزان) ولا (اللسان) أنه هاشمي ولا عتكي ولا عكي، وليس فيهما ولا في «الأنساب» أنه يروي عن مصعب بن خارجه ولا أنه يروي عن الأبار، لكن لم أجد غيره يصلح أن يكون هو الواقع في السند، فالظاهر أنه هو. ومما قاله ابن السمعاني أن (فريانان) خربت قال: «وبقي قبر أبي عبد الرحمن بها يزوره الناس ويدورون حوله زرته غير مرة» قال «وسئل أحمد بن سيار عنه؟ فقال: لا سبيل إليه» . وهذا يدل أن الرجل كان له شهرة وصيت في تلك الجهات (١) وقد روى عنه الحسن ابن سفيان وغيره كما في (الميزان) ، وقال الذهبي «وقد رأيت البخاري يروي عنه في كتاب (الضعفاء) . أقول في باب الإمام ينهض بالركعتين من (جامع الترمذي) : «قال محمد بن إسماعيل «البخاري» : ابن أبي ليلى هو صدوق، ولا أروي عنه لأنه لا يدري صحيح حديثه من سقيمه، وكل من كان مثل هذا فلا أروي عنه شيئاً» والبخاري لم يدرك ابن أبي ليلى، فقوله «لا أروي عنه» أي بواسطة، وقوله «وكل من كان

стр. 303

مثل هذا فلا أروي عنه شيئاً» يتناول الرواية بواسطة وبلا واسطة، وإذا لم يرو عمن كان كذلك بواسطة فلأن لا يروي عنه بلا واسطة أولى، لأن المعروف عن أكثر المتحفظين أنهم إنما يتقون الرواية عن الضعفاء بلا واسطة، وكثيراً ما يروون عن متقدمي الضعفاء بواسطة. وهذه الحكاية تقتضي أن يكون البخاري لم يروعن أحد إلا وهو يرى أنه يمكنه تمييز صحيح حديثه من سقيمه وهذا يقتضي أن يكون الراوي على الأقل صدوقاً في الأصل فإن الكذاب لا يمكن أن يعرف صحيح حديثه. فإن قيل قد يعرف بموافقته الثقات لروى عن ابن أبي ليلى ولم يقل فيه تلك الكلمة فإن ابن ليلى عند البخاري وغيره صدوق وقد وافق عليه الثقات في كثير من أحاديثه ولكنه عند البخاري كثير الغلط بحيث لا يؤمن غلطه حتى فبما وافق عليه الثقات، وقريب منه من عرف بقبول التلقين فأنه قد يلقن من أحاديث شيوخه ما حد ثوابه ولكنه لم يسمعه منهم، وهكذا من يحدث على التوهم فأنه قد يسمع من أقرأنه عن شيوخه ثم يتوهم أنه سمعها من شيوخه فيرويها عنهم. فمقصود البخاري من معرفة صحيح حديث الرواي من شيوخه بمجرد موافقة الثقات، وإنما يحصل بأحد أمرين إما أن يكون الراوي ثقة ثبتا فيعرف صحيح حديثه بتحديثه وإما أن يكون صدوقاً يغلط ولكن يمكن معرفة ما لم يغلط فيه بطريق أخرى كأن يكون له أصول جيدة، وكأن يكون غلطه خاصاً بجهة كيحيى بن عبد الله بكير روى عنه البخاري وقال في (التاريخ الصغير) : ما روى يحيى «ابن عبد الله» بن بكير عن أهل الحجاز في التاريخ فإني اتقيه» ونحو ذلك. فإن قيل قضية الحكاية المذكورة أن يكون البخاري التزم أن لا يروي إلا ما هو عنده صحيح فأنه إن كان يروي مالا يرى صحته فأي فائدة في تركه الرواية عمن لا يدري صحيح حديثه من سقيمه؟ لكن كيف تصح هذه القضية مع أن في

стр. 304

كتب البخاري غير الصحيح أحاديث غير صحيحة، وكثير منها يحكم هو نفسه بعدم صحتها؟ قلت: أما ما نبه على عدم صحته فالخطب فيه سهل وذلك بأن يحمل كونه لا يروي ما لا يصح على الرواية بقصد التحديث أو الاحتجاج فلا يشمل ذلك ما يذكره ليبين عدم صحته، ويبقى النظر فيما عدا ذلك، وقد يقال أنه إذا رأى أن الراوي لا يعرف صحيح حديثه من سقيمه تركه البتة ليعرف الناس ضعفه مطلقاً، وإذ رأى أنه يمكن معرفة صحيح حديثه من سقيمه في باب دون باب ترك الرواية عنه في الباب الذي لا يعرف فيه كما في يحيى بن بكير، وأما غير ذلك فأنه يروي ما عرف صحته وما قاربه أو أشبهه مبيناً الواقع بالقول أو الحال. والله أعلم. والمقصود هنا أن رواية البخاري عن الفرياناني تدل أنه كان عنده صدوقاً في الأصل، وقد لقيه البخاري فهو أعرف به ممن بعده وقد تأيد ذلك بأن الرجل كان مشهور في تلك الجهة بالخير والصلاح كما مر وأن أحمد بن سيار على جلالته لما سئل عنه قال «لا سبيل إليه» كأنه يريد أنه لا ينبغي الكلام فيه بمدح لضعفه في الرواية ولا قدح لصلاحه في نفسه على أن أكثر الذين تكلموا فيه لم يرموه بتعمد الكذب، فأما أبو نعيم فمتأخر وقد تتبعنا كلام من تقدمه فلم نجد فيه ما تحصل به النسبة إلى الوضع فكيف الشهرة؟ هذا والحكاية التي ذكرها الخطيب عن أحمد بن عبد الله ليست من طريق البخاري وإنما هي من طريق الأبار، والأبار ناقل لا ناقد، ولكن الأستاذ لم يقنع بتوهين تلك الحكاية بل قال «ومن يعول على الوضاع لا يكون إلا من طراز الأبار المأجور» ولا يبعد أن يكون أراد التعريض بالبخاري، وما أو هن رأياً يضطر الجدل التحرير في الدفاع عنه إلى الطعن في مثل البخاري!! فأما الأبار فهو أحمد بن علي بن مسلم حافظ تأتي ترجمته، وقول الأستاذ «المأجور» كلمة فاجرة مبنية على خيال كاذب، وسوء ظن صدقه الأستاذ على عادته، حاصل ذلك الخيال أن الأستاذ زعم أن الحافظ الفاضل دعلج بن أحمد السجزي - وسيأتي ترجمته - كان يصل الأبار بالمال الوافر فكان الأبار يجمع

стр. 305

الروايات الموافقة لهوى دعلج، وسيأتي في ترجمة الأبار ما يتضح به أنه ليس هناك أي دلالة على أن دعلجاً وصل الأبار بفلس واحد، وهب أنه ثبت أنه وصله بمال كثير، فمثل ذلك لا يسوغ اتهام ذينك الحافظين تهمة ما فضلاً عن هذه التهمة الخبيثة، كيف وقد ثبتت عدالتهما وفضلهما، وكانا من أول عمرهما إلى آخره على مذهب واحد وهو مذهب أهل الحديث المعروف. أفرأيت إذا ثبت أن بعض تجار الحنفية يصل الأستاذ، أيحل لمخالفي الأستاذ أن يطلقوا عليه تلك الكلمة؟ هذا مع أن بين الرجلين بعد المشرقين وكذلك بين صنيعيهما فالأبار لم يزد على رواية ما سمع، والأستاذ يتصرف التصرفات التي ترى الكشف عن بعضها في (الطليعة) وهذا الكتاب، وإنما يحق أن يسمى مأجوراً من يأتي ما يرى أنه مخالف للدين والشرف والمروءة طمعاً في المال ونحوه. بلى إن الأبار لمأجور أجراً عظيماً إن شاء الله تعالى على صدقه وحسن قصده ونيل الكوثري من عرضه. ٢٤- أحمد بن عبد الرحمن بن الجارود . ذكر الأستاذ ص ١٢٥ للخطيب من طريق عبد الله بن محمد بن جعفر وستأتي ترجمته، ثم قال: «وقد فعل مثل ذلك في أحمد بن عبد الرحمن بن الجارود الرقي الذي كذبه هو ... » . أقوله كذَّب الخطيب أحمد هذا وروى في غير ترجمة أبي حنيفة من طريقه حكايتين غير منكرتين ولا عيب في ذلك على الخطيب، فقد روى السفيانان وابن جريج وابن المبارك وغيرهم من الأئمة عن الكلبي مع اشتهاره بالكذب، وفي ترجمته من (الميزان) : «يعلى ابن عبيد قال، قال الثوري: اتقوا الكلبي، فقيل: فإنك تروي عنه، قال أنا أعرف صدقه من كذبه» .

стр. 306

٢٥- أحمد بن عبيد بن ناصح أبو عصيدة النحوي . في (تاريخ بغداد) ١٣/ ٣٧٣ «أحمد بن عبيد ثنا طاهر بن محمد ... » قال الأستاذ ص ٤٢: «فلم يكن بعمدة كما ذكره الذهبي في ترجمة عبد الملك الأصمعي من (الميزان) ، وقال الخطيب ٢/ ٢٦٠: «قال ابن عدي يحدث بمناكير» وقال أبو أحمد «الحاكم الكبير» : لا يتابع في جل حديثه» . أقول: لفظ ابن عدي على ما في (تهذيب التهذيب) : «حدث عن الأصمعي ومحمد بن مصعب بمناكير» قال ابن حجر «قال الحاكم أبو عبد الله هو إمام في النحو وقد سكت مشايخنا عن الرواية عنه» وقال ابن حبان في (الثقات) : «ربما خالف» وقال ابن عدي: «هو عندي من أهل الصدق» . أقول: كأن ابن حبان وابن عدي رأيا أنه لا يعتمد الكذب ولكن يخطئ ويهم، مع احتمال أن يكون البلاء في كثير من مناكيره من محمد بن مصعب، فأنه ضعيف يروي المناكير واتهمه بعضهم. فأما الأصمعي فثقة، ويأتي إن شاء الله تعالى في ترجمته ذكر الحديث الذي أورده الأزدي من طريق أحمد بن عبيد هذا عن الأصمعي واستنكر هو وغيره فأجاب الذهبي بأن أحمد بن عبيد ليس بعمدة فأخذها الأستاذ هنا، وأعرض عنها عندما احتاج إلى الكلام في الأصمعي! والله المستعان. ٢٦- أحمد بن علي بن ثابت أبو بكر الخطيب البغدادي مؤلف (تاريخ بغداد) (١) قال ابن الجوزي في (المنتظم) ج ٨ ص ٢٦٧: «كان أبو بكر الخطيب قديماً على مذهب أحمد بن حنبل فمال عليه أصحابنا «الحنابلة» لما رأوا من ميله إلى المبتدعة وآذوه فانتقل إلى مذهب الشافعي» .

стр. 307

أقول أقدم النظر في عقيدة الخطيب، زعم بعضهم أنه كان يذهب إلى مذهب الأشعري فرد الذهبي ذلك بقوله: «قلت مذهب الخطيب في الصفات أنها تمر كما جاءت صرح بذلك في تصانيفه» فاعترضه ابن السبكي في (طبقات الشافعية) ج ٣ ص١٣ بقوله: «قلت هذا مذهب الأشعري ... وللأشعري قول آخر بالتأويل» . أقول: الذي شهره المتعمقون عن الأشعري التأويل وإن كان آخر مصنفاته (كتاب الإبانة) أعلن فيه اعتماده مذهب الإمام أحمد وأهل الحديث، فالقائل أن الخطيب كان يذهب مذهب الأشعري أوهم أنه كان من المتأولين، ولم يزد الذهبي على دفع هذا الإيهام، ولكن ابن السبكي لغلوه شديد العقوق لأستاذه الذهبي؛ وقد نقل الذهبي في (تذكرة الحفاظ) ج ٣ ص ٣١٩ فصلاً من كلام الخطيب في الاعتقاد ينفي عنه التأويل والتعطيل، قال الخطيب: «أما الكلام في الصفات فإن ما روي منها في السنن الصحاح مذهب السلف إثباتها وإجراؤها على ظواهرها ونفي الكيفية (١) والتشبيه عنها، وقد نفاها قوم فأبطلوا ما أثبته الله، وحققها قوم من المثبتين فخرجوا بذلك إلى ضرب من التشبيه والتكييف، والفصل إنما هو سلوك الطريقة المتوسطة بين الأمرين ... » . ويظهر أن ابن الجوزي أميل إلى المبتدعة من الخطيب، قال شيخ الإسلام ابن تيميه في (شرح العقيدة الأصفهانية) ص ٦٨: «وأما الانتساب فانتساب الأشعري وأصحابه إلى الإمام أحمد خصوصاً وسائر أئمة الحديث عموماً ظاهر مشهور في كتبهم كلها، وما في كتب الأشعري مما يوجد

стр. 308

مخالفاً للأمام أحمد وغيره من الأئمة فيوجد في كلام كثير من المنتسبين إلى أحمد كأبي الوفاء بن عقيل وأبي الفرج بن الجوزي وصدقة بن الحسين وأمثالهم ما هو أبعد عن قول أحمد والأئمة من قول الأشعري وأئمة أصحابه» . وإذ قد بان أن عقيدة الخطيب كانت مباينة لعقائد المبتدعة فلننظر في انتقاله عن مذهب أحمد في الفروع الظاهر أن معنى أنه كان على مذهب أحمد أن والده وأهله كانوا على مذهب أحمد وأنه هو انتقل إلى مذهب الشافعي في صغره زمان طلبه العلم، فما الباعث له على الانتقال؟ يقول ابن الجوزي: إن ذلك لميل الحنابلة عليه وإيذائهم له، فلماذا آذوه؟ يقول ابن الجوزي: لما رأوا ميله إلى المبتدعة. قد تقدم إثبات أن عقيدة أن عقيدة الخطيب كانت مباينة لعقائد المبتدعة وذلك ينفي أن يكون ميله إليهم رغبة في بدعتهم أو موافقة عليها، فما معنى الميل وما الباعث عليه؟ كان الحنابلة في ذاك العصر ينفرون بحق من كل من يقال أنه أشعري أو معتزلي وينفرون عن الحنفية والمالكية والشافعية لشيوع البدعة فيهم، وكان كثير من الحنابلة يبالغون في النفرة ممن نفروا عنه فلا يكادون يروون عنه إذا كان من أهل الرواية ولا يأخذون عنه غير ذلك من العلوم، وإذا رأوا الطالب الحنبلي يتردد إلى أو مالكي أو شافعي سخطوا عليه وقد ذكر ابن الجوزي نفسه في (المنتظم) ج ٩ ص ٢١٣ عن أبي الوفاء بن عقيل الحنبلي قال «وكان أصحابنا الحنابلة يريدون مني هجران جماعة من العلماء، وكان ذلك يحرمني علماً نافعاً» وتقدم في ترجمة أحمد بن عبد الله أبي نعيم الأصبهاني ما لفظه «قال إنسان من أراد أن يحضر مجلس أبي نعيم فليفعل - وكان مهجوراً في ذلك الوقت بسبب المذهب وكان بين الحنابلة والأشعرية تعصب زائد يؤدي إلى فتنة وقال وقيل وصداع، فقام إلى ذلك الرجل أصحاب الحديث بسكاكين الأقلام وكاد أن يقتل» ، مع أن مجلس أبي نعيم إنما كان لسماع الحديث لا للدعوة إلى الأشعرية. وقد قال ابن الجوزي في (المنتظم) ج ٨ ص ٢٦٧ في وصف الخطيب:

стр. 309

«كان حريصاً على علم الحديث وكان يمشي في الطريق وفي يده جزء يطالعه» وقال قبل ذلك بورقة «أول ما سمع الحديث في سنة ٤٠٣ وهو ابن إحدى عشرة سنة ... وأكثر من السماع من البغداديين ورحل إلى البصرة ثم إلى نيسابور ثم إلى أصبهان ودخل في طريقه همذان والجبال ثم عاد إلى بغداد وخرج إلى الشام وسمع بدمشق وصور ووصل إلى مكة ... وقرأ (صحيح البخاري) على كريمة ... في خمسة أيام» . أقول فحرصه على تحصيل العلم وولوعه به هو الذي كان يحمله على أن يقصد كل من عرف بالعلم مهما كان مذهبه وعقيدته وكان الحنابلة إذ ذاك يخافون عليه بحق أن يقع في البدعة، وإذ كانت نهمته تضطره إلى الانطلاق في مخالفتهم وغيرتهم تضطرهم إلى المبالغة في كفه بلغ الأمر إلى الإيذاء وكان وهو حنبلي لا يرجو من غيرهم أن يعطف عليه ويحميه وينتصر له فاحتاج أن يتحول إلى مذهب الشافعي ليحميه الشافعيون ولا يعارضوه في الاختلاف إلى من شاء من أهل العلم مهما كان مذهبه وعقيدته لأن الشافعية لم يكونوا يضيقون في ذلك مع أنهم إنما استفادوا الخطيب فهم أشد مساحة، وهذا وإن نفعه من جهة الظفر بأنصار أقوياء يتمكن في حمايتهم من طلب العلم كيف شاء لكن من شأنه أن يزيد حنق الحنابلة عليه وغيظهم منه وكانت بغداد مقر الحنابلة وأكثر العامة معهم، والعامة كما لا يخفي إذا اتصل بهم السخط على رجل تسارعوا إلى إيذائه وبالغوا، قال الكوثري في (التأنيب) ص ١٢: «وفي حلقة الخطيب بجامع المنصور فناولوا حدثنا صبيح الوجه ديناراً وقالوا له قف بإزائه ساعة وناوله هذه الرقعة فناوله الصبي وإذا فيها - ما ذكره السبط مما لا حاجة إلى ذكره هنا. ثم قال: وكانوا يعطون السقاء قطعة يوم الجمعة فكان من بعيد يإزائه ويميل رأس القربة وبين يديه أجزاء فيبتل الجميع فتتلف الأجزاء. وكانوا يطينون عليه باب داره في الليل فربما احتاج إلى الغسل لصلاة الفجر فتفوته ... » .

стр. 310

قال الكوثري: «وفي ذلك عبر من ناحية الخطيب وأحوال الحنابلة في آن واحد» . أقول: السبط ليس بعمدة كما يأتي وابن طاهر لم يدرك الخطيب لكن ما تضمنته القصة من تتبع أولئك العامة للخطيب وإيذائه يوافق في الجملة ما تقدم عن ابن الجوزي، وكذلك يوافق ما في (تذكرة الحفاظ) ج ٣ ص ٣١٨ عن الحافظ المؤتمن الساجي «تحاملت الحنابلة على الخطيب حتى مال إلى ما مال إليه» وابن الجوزي نفسه يتألم آخر عمره من أصحابه الحنابلة حتى قال في (المنتظم) ج ١٠ ص ٢٥٣ بعد أن ذكر تسليم المدرسة إليه وحضور الأكابر وإلقاءه الدرس: «وكان يوماً مشهوداً لم ير مثله ودخل على قلوب أهل المذهب غم عظيم» وزاد سبطه في (المرآة) عنه: «لأنهم حسدوني» قال السبط «وكان جدي يقول: والله لولا أحمد الوزير ابن هبيرة لانتقلت عن المذهب فإني لو كنت حنفياً أو شافعياً لحملني القوم على رؤوسهم» . وليس السبط بعمدة لكن عبارة المنتظم تشعر بصحة الزيادة. هذا حال ابن الجوزي في آخر عمره، فأما الخطيب فأنه كان انتقاله في حداثته ليتمكن من طلب العلم لا ليحمل على الرؤوس، وكأن كلام ابن الجوزي هذا مما جرأ السبط على الانتقال إلى مذهب أبي حنيفة تقرباً إلى الملك عيسى ابن أبي بكر الأيوبي، وقد دافع عنه صاحب (الذيل) على كتابة (المرآة) كما في (لسان الميزان) بقوله «وعندي أنه لم ينتقل عن مذهبه إلا في الصورة الظاهرة» . وهذا العذر يدفع احتمال أن يكون انتقل تديناً ويعين أنه إنما انتقل لأجل الدنيا. فصل قد علمت بعض ما كان يلقاه الخطيب من إيذاء العامة حتى في الجامع وقت إملاء الحديث وفي بيته، إذ كانوا يطينون عليه بابه فيحولون بينه وبين شهود الجماعة. عاش الخطيب في هذا الوسط إلى أن ناهز الستين من عمره، وأولئك المؤذون يتعاقبونه نهاراً وليلاً يتمنون أن يقفوا له على زلة، أو يعثروا له على عثرة،

стр. 311

فيشيعوها ويذيعوها ويدونها خصومه في كتبهم وتواريخهم لكنه لم يكن من ذلك شيء، أفليس في هذا الدلالة القاطعة على نزاهة الخطيب وطهارة سيرته؟ اللَّهم إلا أن في (معجم الأدباء) لياقوت ج٤ ص٢٩ عن ابن السمعاني عن عبد العزيز النخشبي أنه في معجم شيوخه: «ومنهم أبو بكر أحمد بن علي بن ثابت الخطيب ... حافظ فهم ولكنه كان يتهم بشرب الخمر، كنت كلما لقيته بدأني بالسلام فلقيته في بعض الأيام فلم يسلم علي ولقيته شبه المتغير، فلما جاز عني لحقني بعض أصحابنا وقال لي لقيت أبا بكر الخطيب سكران! فقلت له قد لقيته متغيرا واستنكرت حاله، ولم أعلم أنه سكران، ولعله قد تاب إن شاء الله تعالى» قال ابن السمعاني: «ولم يذكر من الخطيب ﵀ هذا إلا النخشبي مع أبي لحقت جماعة كثيرة من أصحابه» . أقول النخشبي لم يكن من أهل بغداد وإنما دخلها في رحلته وابن السمعاني دخل بغداد نخلاً، وجمع تاريخاً لها ولقي جماعة لا يحصون من موافقي الخطيب ومخالفيه وأصدقائه وأعدائه من المتثبتين والمجازفين، ومعروف في العادة أنه لا يشرب المسكر فيتغير ثم يخرج يجول في الشوارع إلا من صار شرب المسكر عادة له لا يبالي أن يطلع عليها الناس، وإذا صار عادة استمر زماناً، فلو كانت هذه حال الخطيب لما خفيت على جميع أهل بغداد وفيهم من أعداء الخطيب جماعة يراقبون حركاته وسكناته ويطينون عليه باب داره بالليل، ويتعطشون إلى أن يظفروا له بعثرة ليذيعوها فيشتفوا بدلاً مما يسيئون به إلى أنفسهم وإلى من ينتسبون إليه أكثر من إساءتهم إلى الخطيب. وفي ذلك مع ظاهر سياق عبارة النخشعي أنه إنما أخذ التهمة من الفقيه التي حكاها وحاصلها أنه كان يعرف من عادة الخطيب أنه إذا لقيه بدأه بالسلام حتى

стр. 312

لقيه مرة فلم يبدأه بالسلام، والظاهر أن النخشبي بدأ هو بالسلام فرد عليه الخطيب ولم ينبسط إليه، فإن النخشبي من أهل العلم فلم يكن ليترك السلام معتذراً أن الخطيب لم يبدأه مع أن الظاهر أن النخشبي أصغر من الخطيب وإن مات قبله، والسنة أن الأصغر أولى أن يبتدئ بالسلام ولو سلم الخطيب فلم يرد عليه لحكى ذلك فأنه أدل على مقصوده، فاستنكر النخشبي من الخطيب أنه لم يبدأه بالسلام ولا أنبسط إليه على أعادته فعد ذلك الشبه تغير، ومعلوم أن الإنسان قد يعرض له ما تضيق به نفسه من هم أو غم أو تفكير في حل مشكل أو تكدر خاطر من سماع مكروه أو إيذاء مؤذ فيقصر عما جرت به عادته من الانبساط وحسن الخلق. والنخشبي يقول «لحقني بعض أصحابنا وقال لي لقيت الخطيب سكران؟» أحسبه يعني بقوله (أصحابنا) الحنابلة فكأنه لقي الخطيب بعض العامة الذين يتعاقبون الخطيب ويأذونه كما سلف وكأنه آذى الخطيب واسمعه المكروه فأعرض الخطيب وتغافل متكدراً وأسرع في المشي فمر بالنخشبي وهو حديث عهد بسماع المكروه من بعض أصحابه فلم ينبسط إليه، وكذلك صنع باللاحق فهذا هو شبه التغيير الذي أراه النخشبي وهو السكر الذي أطلقه ذلك اللاحق (١) هذا كله دفع لاحتمال فامن الثبوت الشرعي فلاحظ لتلك الحكاية فيه بحال (٢) . فصل بعد أن قضى الخطيب قريبا من ستين سنة على الحال التي تقدمت من الانهماك في

стр. 313

العلم ليلاً ونهاراً حتى كان يمشي في الطريق وبيده يطالعه وفي تلك الصيانة والنزاهة التي أعجز بها أولئك المؤذين فلم يعثروا له على عثرة خرج من بغداد في أيام الفتن وقصد دمشق وأقام بها، وكانت إذ ذاك تحت ولاية العبيديين الرافضة الباطنية، ولكن كانوا يتظاهرون بعدم التعرض لعلماء السنة فاستمر الخطيب على إعماله العلمية إلى أن بلغ عمره خمساً وستين سنة، وحينئذ أمر أمير دمشق من جهة العبيديين الرافضة الباطنية بالقبض على الخطيب ونفيه عن دمشق، فأما مؤرخ دمشق الحافظ الثبت ابن عساكر فقال «سعى بالخطيب حسين الدميني إلى أمير الجيوش وقال هو ناصبي يروي فضائل الصحابة والعباس في جامع دمشق» . فهذا سبب واضح لنفي الخطيب، فإن العبيديين رافضة باطنية يكفرون الصحابة والعباس ويسرفون في بغضهم، ويرون في نشر فضائل الصحابة والعباس على رؤوس الأشهاد بجامع دمشق تحدياً لهم وتنفيراً عنهم ودعوة إلى الخروج عليهم ودعاية لخصومهم بني العباس الذين كانوا ينازعونهم الخلافة ويقاتلونهم عليها. وأما ابن طاهر وما أدراك ما ابن طاهر؟ فحكى سبباً آخر وقبل أن اشرحه أذكر شيئاً من حال ابن طاهر، يقول ابن الجوزي في ترجمة ابن طاهر من (المنتظم) ج ٩ ص ١٧٨ « ... . فمن أثنى عليه فلأجل حفظه للحديث وإلا فالجرح أولى به، ذكره أبو سعد بن السمعاني وانتصر له بغير حجة بعد أن قال سألت شيخنا إسماعيل بن أحمد الطلحي عن محمد بن طاهر؟ فأساء الثناء عليه وكان سيئ الرأي فيه، وقال سمعت أبا الفضل محمد بن ناصر يقول محمد بن طاهر لا يحتج به صنف كتاباً في جواز النظر إلى المرد وأورد فيه حكاية عن يحيى بن معين قال رأيت جارية بمصر مليحة صلى الله عليها، فقيل له تصلي عليها؟ فقال صلى الله عليها وعلى كل مليح - ثم قال: كان يذهب مذهب الإباحة. قال ابن السمعاني. وذكره أبو عبد الله محمد بن الواحد الدقاق الحافظ فأساء الثناء عليه جداً ونسبة إلى أشياء. ثم انتصر له ابن السمعاني فقال: لعله قد تاب. فوا عجباً ممن سيره قبيحة فيترك الذم لصاحبها لجواز أن يكون قد تاب، ما أبله هذا المنتصر. ويدل على

стр. 314

صحة ما قاله ابن ناصر من أنه كان يذهب مذهب الإباحة ما أنبانا به أبو المعمر المبارك بن أحمد النصارى قال أنشدنا أبو الفضل محمد بن طاهر المقدسي لنفسه: دع التصوف والزهد الذي اشتغلت ... به جوارح أقوام من الناس وعج على دير داريا فإن به الـ ... رهبان ما بين قسيس وشماس فاشرب معتقة من كف كافرة ... تسقيك خمرين من لحظ ومن كاس ثم استمع رنة الأوتار من رشأ ... مهفهف لحظة أمضى من الماس وذكره الذهبي في (تذكرة الحفاظ) ٤/ ٣٧ وذب عنه قال: «الرجل مسلم معظم للآثار وإنما كان يرى إباحة السماع «يعني سماع الغناء والملاهي» لا الإباحة المطلقة ... معلوم جواز النظر إلى الملاح عند الظاهرية فهو منهم» وذكر ثناء جماعة عليه، وله ترجمة في (لسان الميزان) والمقصود أن ابن طاهر كان له ولوع بالجمال وتعلق به وتسمح فيه وإن لم يخرجه إن شاء الله تعالى إلى ما يوجب الفسق. وإنما ذكرته هنا لأن له أثراً على حكايته الآتية كما سترى. في (تذكرة الحفاظ) ج ٣ ص ٣١٨: «قال ابن طاهر في (المنثور) أخبرنا مكي الرملي «صوابه الرميلي» قال: كان سبب خروج الخطيب من دمشق أنه كان يختلف إليه صبي مليح فتكلم فيه الناس وكان أمير البلد رافضياً متعصباً، فجعل ذلك سبباً للفتك بالخطيب فأمر صاحب شرطته أن يأخذ الخطيب بالليل ويقتله وكان سنياً فقصده تلك الليلة في جماعته فأخذه وقال له بما أمر به ثم قال: لا أجد لك حيلة إلا أنك تفر منا وتهجم دار الشريف ابن أبي الحسن العلوي ... ففعل ذلك، فأرسل الأمير إلى الشريف أن يبعث به: فقال له: أيها الأمير ... ليس في قتله مصلحة ... أرى أن تخرجه من بلدك. فأمر بإخراجه، فذهب إلى (صور) وأقام بها مدة» . وذكر ياقوت في (معجم الأدباء) ج ٤ ص ٣٤ عن ابن طاهر نحو ذلك وفيه « ... كان يختلف إليه صبي مليح الوجه قد مكي، وأنا نكبت عن ذكره» .

стр. 315

أقول: قد عرفت ابن طاهر فأما مكي الرميلي الذي حكى ابن طاهر القصة عنه فحافظ فاضل شافعي كالخطيب ومن تلامذة الخطيب المعظمين له، ترجمته في (تذكرة الحفاظ) ج٤ ص ٢٢ و (الطبقات الشافعية) ج ٤ ص ٢٠ وذكروا أنه سمع من الخطيب بصور، ثم سمع منه ببغداد كما يعلم من (ترجمة الخطيب) ، وكان مبجلاً للخطيب روى ابن عساكر عنه أنه رأى في المنام لما كانوا يقرؤون على الخطيب (تاريخه) ببغداد أنه حضر مجلس الخطيب القراءة التاريخ على العادة فرأى رجلاً لم يعرفه، فسأل عنه فقيل له هذا رسول الله ﷺ جاء ليسمع (التاريخ) . انظر الرؤيا مبسوطة في (طبقات الشافعية) ج ٣ ص١٥ وذكرها الذهبي في (تذكرة الحفاظ) ج ٣ ص٣٢١ قال: «قال غيث الأرمنازي قال مكي الرميلي: كنت ببغداد نائماً في ليلة ثاني عشر في ربيع الأول ثلاث وستين فرأيت كأنا عند الخطيب لقراءة (تاريخه) على العادة ... » . ويؤخذ مما تقدم أن الرميلي لم يلق الخطيب إلا بعد خروج الخطيب من دمشق فلم يحضر الرميلي ذلك الخروج فهل أخبره الخطيب بسبب إخراجه؟ قد عرفنا الخطيب وعرفنا الرميلي وعرفنا ابن طاهر فما الذي يتوقع من الخطيب بعد شيخوخته؟ وما الذي يتوقع أن يخبر به عما جرى له؟ وما الذي يتوقع أن يخبر به الرميلي عن أستاذه المبجل؟ وما الذي يتوقع من ابن طاهر؟ أما السؤال الأول فالعادة قاضية أن العالم الفاضل المستغرق في العلم الذي قضى عامة عمره في صيانة ونزاهة يمتنع أن يعرض له بعد شيخوخته داء العلاقة بالصبيان. وأما الثاني: فمن عرف الخطيب ونزاهته وصيانته وعقله وتحفظه علم امتناع أن يخبر في شيخوخته بما يشينه شيئاً مزرياً. وأما الثالث: فيبعد جدا أن يحكى الرميلي ما يشين أستاذه الذي يبجله ذاك التبجيل.

стр. 316

وأما الرابع: فقد طهر الله ابن طاهر من اختلاق الكذب، ولكن لا مانع أن يسمع حكاية لها علاقة ما بالجمال الذي كان مولعاً به متسمحاً في شأنه فتصطبغ في نفسه صبغة تناسب هواه فيحكيها بتلك الصبغة على وجه الرواية بالمعنى. فعسى أن يكون بعض أعداء الخطيب في دمشق لما سعوا به إلى ذاك الأمير الرافضي على ما تقدم عن ابن عساكر توقف لأن أكثر أهل الشام أهل سنة ويخشى أن يعلموا أنه تعرض للخطيب لأجل المذهب ففكر أولئك السعاة في حيلة، فرأوا في طلبه العلم الذين كانوا يختلفون إلى الخطيب فتى صبيحاً فتكلموا بين الناس بأن في اختلاف مثله إلى الخطيب ريبة وربما اختلقوا ما يوقع الريبة عند بعض الناس ثم قالوا للأمير تأخذ الخطيب على أنك إنما أخذته بهذه التهمة التي قد تحدث بها الناس. فإذا كانت الواقعة هكذا فهي معقولة فقد يقع مثلها لأفضل الناس ويخبر بوقوعها له أعقل الناس وأحزمهم إذا كان يعلم أن معرفتهم بحاله تحجزهم عن أن يتخرصوا منها ما يكره، ويحكى وقوعها لأستاذه أبر الناس وأوفاهم، ولكن ابن طاهر لما سمعها اصطبغت في فهمه ثم في حفظه ثم في عبارته بميله وهواه ورأيه الذي ألف فيه ويؤيد هذا أن الرميلي لما حكى القصة سمى ذاك الفتى ولم ير في ذكر اسمه غضاضة عليه فلما حكاها ابن طاهر لم يسمه بل قال: «قد سماه مكي وأنا نكبت عن ذكره» لأن لونها عند ابن طاهر غير لونها عند مكي ولم يحتج ابن طاهر إلى تسميته كما احتاج إلى ذكر وقوع القصة للخطيب لتكون شاهداً لابن طاهر على ما يميل إليه كما استشهد بما حكاه عن ابن معين من قصة الجارية. فتدبر ما تقدم ثم استمع لسبط ابن الجوزي وتصرفه. قال الذهبي في (الميزان) : «يوسف بن فرغلي الواعظ المؤرخ شمس الدين أبو المظفر سبط ابن الجوزي روى عن جده وطائفة، وألف (مرآة الزمان) فتراه يأتي فيه بمناكير الحكايات، وما أظنه بثقة فيما ينقله بل يجنف ويجازف، ثم أنه ترفض وله في ذلك مؤلف ... قال الشيخ محي الدين ... لما بلغ جدي موت سبط ابن الجوزي قال لا ﵀ كان رافضيا. قلت كان بارعاً في الوعظ ومدرساً للحنفية» .

стр. 317

أقول قد تقدم أنه كان حنبلياً ثم تحنف في الصورة الظاهرة على ما قاله مذيل مرآته لأجل الحظوة عند الملك عيسى بن أبي بكر بن أيوب يلقيه الكوثري «عالم الملوك الملك المعظم» فإن هذا الملك كان أهله شافعية فتحنف وتعصب، قال فيه الملا علي القاري الحنفي، كما في (الفوائد البهية في مناقب الحنفية) ص ١٥٢: «كان متغالياً في التعصب لمذهب أبي حنيفة قال له والده يوماً كيف اخترت مذهب أبي حنيفة وأهلك كلهم شافعية؟ فقال أترغبون عن أن يكون فيكم رجل واحد مسلم» ! وهذا الملك قد أثنى عليه خليله السبط في (المرآة) ومع ذلك ذكره في مواضع متفرقة بفظائع، وقد سبق له ذكر في ترجمة أحمد بن الحسن بن خيرون وذكرت المانع من تتبع هفواته. فأما السبط فقد مر عن الذهبي ما علمت ومن طالع (المرآة) علم صدق الذهبي فيما يتعلق بالحكايات المنكرة والمجازفات ولا سيما فيما فيه مدح لنفسه، ويظهر من (المرآة) ما يرافق قول صاحب (الذيل عليها) أنه إنما تحنف في الصورة الظاهرة، وكذلك لا يظهر منها أنه رافضي فكأنه إنما ألف كتابه في الترفض تقرباً إلى بعض الرافضة من أصحاب الدنيا. فهذا المجازف اتصل بالملك عيسى وقد عرفت بعض حاله في التعصب فتحنف السبط إرضاء له، وألف كل منهما رداً على الخطيب كما مر في ترجمة أحمد بن الحسن ابن خيرون، وحاول السبط التقرب إلى عيسى بذم الخطيب وذكر حكاية ابن طاهر فزاد فيها، قال الأستاذ ص١٢ «قال سبط ابن الجوزي في (مرآة الزمان) : قال محمد بن طاهر المقدسي: لما هرب الخطيب من بغداد عند دخول البساسيري إليها قدم دمشق فصحبه حدث صبيح الوجه كان يختلف إليه، فتكلم الناس فيه وأكثروا حتى بلغ والي المدينة وكان من قبل المصريين شيعياً، فأمر صاحب الشرطة بالقبض على الخطيب وقتله وكان صاحب الشرطة سنياً فهجم عليه فرأى الصبي عنده وهما في خلوة فقال للخطيب قد أمر الوالي بقتلك وقد رحمتك ... فأخرجوه فمضى إلى صور واشتد غرامه بذلك الصبي، فقال

стр. 318

فيه الأشعار فمن شعره ... » . فيقال لهذا الجانف المجازف توفي ابن طاهر قبل أن يولد جدك فمن أين لك هذه الحكاية عنه على هذا اللون؟ قد حكاها غيرك عن ابن طاهر حتى ياقوت مع شدة غرامه بالحكايات الفاجرة حتى في ترجمة الكسائي فلم يذكروا ما ذكرت، بل نقلها خليلك الملك عيسى في رده على الخطيب ص ٢٧٧ من خط ابن طاهر كما قال ولم يذكر هذه الزيادة ولا ما يشير إليها. استنفدت هذه من ترجمة الخطيب للدكتور يوسف العش، وكانت القصة وابن طاهر في سن تسع سنين، ولم يكن بدمشق فمن سمع الحكاية؟ لم يسمعها على هذا الوجه من مكي الرميلي فإنه حكى ما سمعه من مكي علي غير هذا، وقد تقدم حال مكي بما يعلم أنه يمتنع أن يحكيها على هذا الوجه أو ما يقرب منه، مع أن مكياً لم يشهد القصة فممن سمعها؟ وفي أقل من هذا ما يتضح به نكارة القصة على هذا الوجه وبطلانها، ولو كان السبط ثقة لاتجه الحمل على ابن طاهر وتثبيت مجازفته لكن حال السبط كما علمت وقد حكاها غيره عن ابن طاهر على وجه يغتفر في الجملة فالحمل على السبط. أما الأشعار المنسوبة إلى الخطيب فلا أدري ما يصح منها وما وجد منها بخطه قد يكون لغيره وما عسى أن يكون له فذاك على عادة العلماء الذين أخذوا بحظ من الأدب يقول أحدهم الأبيات على طراز ما عرف من شعراء زمانه كما ينقل عن ابن سريج وغيره، وما في (معجم الأدباء) عن أبي العز ابن كادش لا يعبأ به، ترجمة ابن كادش في (لسان الميزان) ج١ ص٢١٨ وفيها عن ابن النجار «كان مخلطاً كذاباً لا يحتج بمثله» وتكلم فيه ابن ناصر وغيره. وذكر ابن عساكر أن ابن كادش أخبره أنه وضع حديثاً في فضل أبي بكر وتبجح بذلك قائلا «بالله أليس فعلت جيداً؟» ! فقد اتضح بحمد الله سلامة الخطيب في عقيدته ونزاهته في سيرته وأن ما ظن غمزا في سيرته مع وضوح أنه ليس مما يعتد به شرعاً ليس مما يسوغ احتماله

стр. 319

تخرصاً بل تقضي القرائن وشواهد الأحوال وقضايا العادات ببطلانه. ومن المضحك المبكي صنيع الأستاذ الكوثري يقول ص ١٠ في الخطيب «على سوء سلوك ينسب إليه ويجعله في عداد أمثال أبي نواس في هجر القول وسوء الفعل» ويقول ص ٥١ «إذاً فماذا يكون حاله حينما اقترف ذلك الذنب في دمشق» ويورد عن سبط ابن الجوزي القصة محتجا بها وفي مقابل ذلك يري كلام الأئمة في الحسن بن زياد اللؤلؤي الذي كذبه ابن معين وابن نمير وأبو داود وأبو ثور ويعقوب بن سفيان وغيرهم وقال صالح بن محمد الحافظ الملقب جزرة «ليس بشيء. لا هو محمود عند أصحابنا ولا عند أصحابهم يتهم بداء سوء وليس في الحديث بشيء» وفي (لسان الميزان) ج ٢ ص ٢٠٩ «قال أبو داود عن الحسن بن علي الحلواني رأيت اللؤلؤي قبل غلاما وهو ساجد، ... وقال أحمد بن سليمان الرهاوي «رأيته يوماً في الصلاة وغلام أمرد إلى جانبه في الصف فلما سجد مدَّ يده إلى خد الغلام فقرصه» وصالح والحلواني والرهاوي كلهم من الحفاظ الثقات الأثبات فيضج الأستاذ من هذا ويعج ويقول ص ١٨٨ «والعجب من هؤلاء الأتقياء الأطهار استهانتهم بأمر القذف الشنيع هكذا فيما لا يتصور قيام الحجة فيه مع علمهم بحكم الله في القذفة ولا يكون ذلك إلا من قلة الدين واختلال العقل» يقول هذا ثم يرمي الخطيب بما رماه ويصرح أو يكاد مع أن القصة ولوكما حكاها سبط ابن الجوزي ليس فيها ما هو ظاهر في التقبيل فضلاً عن غيره ومع علمه بحال سبط ابن الجوزي وحال ابن طاهر وأن السبط لم يدرك ابن طاهر ولم يذكر سنده إليه وأن ابن طاهر لم يدرك القصة ولا ذكر في رواية السبط من أخبره بها وأن الرميلي الذي ذكر ابن طاهر القصة عنه على الوجه المذكور في (تذكره الحفاظ) لم يشهد القصة ولم يذكر عمن أخذها ومع طعن الأستاذ في الرميلي إذا قال ص ١٢١ «تجد بينهم من يجعل النبي صلى الله عليه واله وسلم يحضر مجلس إقراء الخطيب لتاريخه ... . ولا يكون منشأ ذلك إلا رقة الدين والنفاق الكمين» !!!

стр. 320

فليتدبر القارئ أيهما أولى بأن يكون قذفا شرعيا أكلمات الأستاذ بانياً على ما ليس بشيء أم قول صالح بن محمد الحافظ المبني على ما سمعه من الناس من اتهامهم اللؤلؤي: «يتهم بداء سوء» وإخبار الحافظين الآخرين بما شاهداه من الؤلؤي في حال سجوده من التقبيل وقرص الخد وأيهما أولى بأن يكون استهانة بأمر القذف الشنيع فيما لا يتصور قيام الحجة فيه مع العلم بحكم الله في القذفة؟! وأيهما أولى وأحق بأن يقال فيه: «لا يكون ذلك إلا من قلة الدين واختلال العقل» ؟! وكذلك الرميلي الحافظ الفاضل ليس بترتيب على صدقه فيما حكى ما تقوم به حجة شرعية على أن تاريخ الخطيب كله حق، فأي حجة أو شبهة تبعد أن يكون صادقاً فيما حكى؟ فمن الأولى برقة الدين والنفاق الكمين؟! فصل قال ابن الجوزي في (المنتظم) ج ٨ ص ٢٦٦ بعد أن عدد جملة من مصنفات الخطيب «فهذا الذي ظهر لنا من مصنفاته ومن نظر فيها عرف قدر الرجل وما هيأ له مما لم يتهيأ لمن كان أحفظ منه كالدارقطني وغيره وقد روي لنا عن أبي الحسن ابن الطيوري أنه قال أكثر كتب الخطيب مستفادة من كتب الصوري ابتدأ بها» قال ابن الجوزي «وقد يضع الإنسان طريقا فيسلك، وما قصر الخطيب على كل حال» . أقول: لم يسم ابن الجوزي من حكى له ذاك القول عن ابن الطيوري، وابن الطيوري هذا هو المبارك عبد الجبار وثقه جماعة وكذبه المؤتمن الساجي الحافظ، والصوري هو محمد بن عبد الله الساحلي ترجمته في (التذكرة) ج ٣ ص ٢٩٣ وفيها أن مولده سنة ست أو سبع بعد السبعين وثلاثمائة ووفاته سنة ٤٤١ فهو أكبر من الخطيب بنحو خمس عشرة سنة، ومع حفظه ففي (التذكرة) ج٣ ص ٢٩٨ في ترجمة أبي نصر السجزي المتوفى سنة ٤٤٤ «قال ابن طاهر سألت الحافظ أبا إسحاق الحبال عن أبي نصر السجزي والصوري أيهما أحفظ؟ فقال:
следующие страницы →