وأما الرابع: فقد طهر الله ابن طاهر من اختلاق الكذب، ولكن لا مانع أن يسمع حكاية لها علاقة ما بالجمال الذي كان مولعاً به متسمحاً في شأنه فتصطبغ في نفسه صبغة تناسب هواه فيحكيها بتلك الصبغة على وجه الرواية بالمعنى. فعسى أن يكون بعض أعداء الخطيب في دمشق لما سعوا به إلى ذاك الأمير الرافضي على ما تقدم عن ابن عساكر توقف لأن أكثر أهل الشام أهل سنة ويخشى أن يعلموا أنه تعرض للخطيب لأجل المذهب ففكر أولئك السعاة في حيلة، فرأوا في طلبه العلم الذين كانوا يختلفون إلى الخطيب فتى صبيحاً فتكلموا بين الناس بأن في اختلاف مثله إلى الخطيب ريبة وربما اختلقوا ما يوقع الريبة عند بعض الناس ثم قالوا للأمير تأخذ الخطيب على أنك إنما أخذته بهذه التهمة التي قد تحدث بها الناس.
فإذا كانت الواقعة هكذا فهي معقولة فقد يقع مثلها لأفضل الناس ويخبر بوقوعها له أعقل الناس وأحزمهم إذا كان يعلم أن معرفتهم بحاله تحجزهم عن أن يتخرصوا منها ما يكره، ويحكى وقوعها لأستاذه أبر الناس وأوفاهم، ولكن ابن طاهر لما سمعها اصطبغت في فهمه ثم في حفظه ثم في عبارته بميله وهواه ورأيه الذي ألف فيه ويؤيد هذا أن الرميلي لما حكى القصة سمى ذاك الفتى ولم ير في ذكر اسمه غضاضة عليه فلما حكاها ابن طاهر لم يسمه بل قال: «قد سماه مكي وأنا نكبت عن ذكره» لأن لونها عند ابن طاهر غير لونها عند مكي ولم يحتج ابن طاهر إلى تسميته كما احتاج إلى ذكر وقوع القصة للخطيب لتكون شاهداً لابن طاهر على ما يميل إليه كما استشهد بما حكاه عن ابن معين من قصة الجارية.
فتدبر ما تقدم ثم استمع لسبط ابن الجوزي وتصرفه.
قال الذهبي في (الميزان) : «يوسف بن فرغلي الواعظ المؤرخ شمس الدين أبو المظفر سبط ابن الجوزي روى عن جده وطائفة، وألف (مرآة الزمان) فتراه يأتي فيه بمناكير الحكايات، وما أظنه بثقة فيما ينقله بل يجنف ويجازف، ثم أنه ترفض وله في ذلك مؤلف ... قال الشيخ محي الدين ... لما بلغ جدي موت سبط ابن الجوزي قال لا ﵀ كان رافضيا. قلت كان بارعاً في الوعظ ومدرساً للحنفية» .
стр. 317
أقول قد تقدم أنه كان حنبلياً ثم تحنف في الصورة الظاهرة على ما قاله مذيل مرآته لأجل الحظوة عند الملك عيسى بن أبي بكر بن أيوب يلقيه الكوثري «عالم الملوك الملك المعظم» فإن هذا الملك كان أهله شافعية فتحنف وتعصب، قال فيه الملا علي القاري الحنفي، كما في (الفوائد البهية في مناقب الحنفية) ص ١٥٢:
«كان متغالياً في التعصب لمذهب أبي حنيفة قال له والده يوماً كيف اخترت مذهب أبي حنيفة وأهلك كلهم شافعية؟ فقال أترغبون عن أن يكون فيكم رجل واحد مسلم» ! وهذا الملك قد أثنى عليه خليله السبط في (المرآة) ومع ذلك ذكره في مواضع متفرقة بفظائع، وقد سبق له ذكر في ترجمة أحمد بن الحسن بن خيرون وذكرت المانع من تتبع هفواته. فأما السبط فقد مر عن الذهبي ما علمت ومن طالع (المرآة) علم صدق الذهبي فيما يتعلق بالحكايات المنكرة والمجازفات ولا سيما فيما فيه مدح لنفسه، ويظهر من (المرآة) ما يرافق قول صاحب (الذيل عليها) أنه إنما تحنف في الصورة الظاهرة، وكذلك لا يظهر منها أنه رافضي فكأنه إنما ألف كتابه في الترفض تقرباً إلى بعض الرافضة من أصحاب الدنيا. فهذا المجازف اتصل بالملك عيسى وقد عرفت بعض حاله في التعصب فتحنف السبط إرضاء له، وألف كل منهما رداً على الخطيب كما مر في ترجمة أحمد بن الحسن ابن خيرون، وحاول السبط التقرب إلى عيسى بذم الخطيب وذكر حكاية ابن طاهر فزاد فيها، قال الأستاذ ص١٢ «قال سبط ابن الجوزي في (مرآة الزمان) : قال محمد بن طاهر المقدسي: لما هرب الخطيب من بغداد عند دخول البساسيري إليها قدم دمشق فصحبه حدث صبيح الوجه كان يختلف إليه، فتكلم الناس فيه وأكثروا حتى بلغ والي المدينة وكان من قبل المصريين شيعياً، فأمر صاحب الشرطة بالقبض على الخطيب وقتله وكان صاحب الشرطة سنياً فهجم عليه فرأى الصبي عنده وهما في خلوة فقال للخطيب قد أمر الوالي بقتلك وقد رحمتك ... فأخرجوه فمضى إلى صور واشتد غرامه بذلك الصبي، فقال
стр. 318
فيه الأشعار فمن شعره ... » .
فيقال لهذا الجانف المجازف توفي ابن طاهر قبل أن يولد جدك فمن أين لك هذه الحكاية عنه على هذا اللون؟ قد حكاها غيرك عن ابن طاهر حتى ياقوت مع شدة غرامه بالحكايات الفاجرة حتى في ترجمة الكسائي فلم يذكروا ما ذكرت، بل نقلها خليلك الملك عيسى في رده على الخطيب ص ٢٧٧ من خط ابن طاهر كما قال ولم يذكر هذه الزيادة ولا ما يشير إليها. استنفدت هذه من ترجمة الخطيب للدكتور يوسف العش، وكانت القصة وابن طاهر في سن تسع سنين، ولم يكن بدمشق فمن سمع الحكاية؟ لم يسمعها على هذا الوجه من مكي الرميلي فإنه حكى ما سمعه من مكي علي غير هذا، وقد تقدم حال مكي بما يعلم أنه يمتنع أن يحكيها على هذا الوجه أو ما يقرب منه، مع أن مكياً لم يشهد القصة فممن سمعها؟ وفي أقل من هذا ما يتضح به نكارة القصة على هذا الوجه وبطلانها، ولو كان السبط ثقة لاتجه الحمل على ابن طاهر وتثبيت مجازفته لكن حال السبط كما علمت وقد حكاها غيره عن ابن طاهر على وجه يغتفر في الجملة فالحمل على السبط.
أما الأشعار المنسوبة إلى الخطيب فلا أدري ما يصح منها وما وجد منها بخطه قد يكون لغيره وما عسى أن يكون له فذاك على عادة العلماء الذين أخذوا بحظ من الأدب يقول أحدهم الأبيات على طراز ما عرف من شعراء زمانه كما ينقل عن ابن سريج وغيره، وما في (معجم الأدباء) عن أبي العز ابن كادش لا يعبأ به، ترجمة ابن كادش في (لسان الميزان) ج١ ص٢١٨ وفيها عن ابن النجار «كان مخلطاً كذاباً لا يحتج بمثله»
وتكلم فيه ابن ناصر وغيره. وذكر ابن عساكر أن ابن كادش أخبره أنه وضع حديثاً في فضل أبي بكر وتبجح بذلك قائلا «بالله أليس فعلت جيداً؟» !
فقد اتضح بحمد الله سلامة الخطيب في عقيدته ونزاهته في سيرته وأن ما ظن غمزا في سيرته مع وضوح أنه ليس مما يعتد به شرعاً ليس مما يسوغ احتماله
стр. 319
تخرصاً بل تقضي القرائن وشواهد الأحوال وقضايا العادات ببطلانه.
ومن المضحك المبكي صنيع الأستاذ الكوثري يقول ص ١٠ في الخطيب «على سوء سلوك ينسب إليه ويجعله في عداد أمثال أبي نواس في هجر القول وسوء الفعل» ويقول ص ٥١ «إذاً فماذا يكون حاله حينما اقترف ذلك الذنب في دمشق» ويورد عن سبط ابن الجوزي القصة محتجا بها وفي مقابل ذلك يري كلام الأئمة في الحسن بن زياد اللؤلؤي الذي كذبه ابن معين وابن نمير وأبو داود وأبو ثور ويعقوب بن سفيان وغيرهم وقال صالح بن محمد الحافظ الملقب جزرة «ليس بشيء. لا هو محمود عند أصحابنا ولا عند أصحابهم يتهم بداء سوء وليس في الحديث بشيء» وفي (لسان الميزان) ج ٢ ص ٢٠٩ «قال أبو داود عن الحسن بن علي الحلواني رأيت اللؤلؤي قبل غلاما وهو ساجد، ... وقال أحمد بن سليمان الرهاوي «رأيته يوماً في الصلاة وغلام أمرد إلى جانبه في الصف فلما سجد مدَّ يده إلى خد الغلام فقرصه» وصالح والحلواني والرهاوي كلهم من الحفاظ الثقات الأثبات فيضج الأستاذ من هذا ويعج ويقول ص ١٨٨ «والعجب من هؤلاء الأتقياء الأطهار استهانتهم بأمر القذف الشنيع هكذا فيما لا يتصور قيام الحجة فيه مع علمهم بحكم الله في القذفة ولا يكون ذلك إلا من قلة الدين واختلال العقل» يقول هذا ثم يرمي الخطيب بما رماه ويصرح أو يكاد مع أن القصة ولوكما حكاها سبط ابن الجوزي ليس فيها ما هو ظاهر في التقبيل فضلاً عن غيره ومع علمه بحال سبط ابن الجوزي وحال ابن طاهر وأن السبط لم يدرك ابن طاهر ولم يذكر سنده إليه وأن ابن طاهر لم يدرك القصة ولا ذكر في رواية السبط من أخبره بها وأن الرميلي الذي ذكر ابن طاهر القصة عنه على الوجه المذكور في (تذكره الحفاظ) لم يشهد القصة ولم يذكر عمن أخذها ومع طعن الأستاذ في الرميلي إذا قال ص ١٢١ «تجد بينهم من يجعل النبي صلى الله عليه واله وسلم يحضر مجلس إقراء الخطيب لتاريخه ... . ولا يكون منشأ ذلك إلا رقة الدين والنفاق الكمين» !!!
стр. 320
فليتدبر القارئ أيهما أولى بأن يكون قذفا شرعيا أكلمات الأستاذ بانياً على ما ليس بشيء أم قول صالح بن محمد الحافظ المبني على ما سمعه من الناس من اتهامهم اللؤلؤي: «يتهم بداء سوء» وإخبار الحافظين الآخرين بما شاهداه من الؤلؤي في حال سجوده من التقبيل وقرص الخد وأيهما أولى بأن يكون استهانة بأمر القذف الشنيع فيما لا يتصور
قيام الحجة فيه مع العلم بحكم الله في القذفة؟! وأيهما أولى وأحق بأن يقال فيه: «لا يكون ذلك إلا من قلة الدين واختلال العقل» ؟! وكذلك الرميلي الحافظ الفاضل ليس بترتيب على صدقه فيما حكى ما تقوم به حجة شرعية على أن تاريخ الخطيب كله حق، فأي حجة أو شبهة تبعد أن يكون صادقاً فيما حكى؟ فمن الأولى برقة الدين والنفاق الكمين؟!
فصل
قال ابن الجوزي في (المنتظم) ج ٨ ص ٢٦٦ بعد أن عدد جملة من مصنفات الخطيب «فهذا الذي ظهر لنا من مصنفاته ومن نظر فيها عرف قدر الرجل وما هيأ له مما لم يتهيأ لمن كان أحفظ منه كالدارقطني وغيره وقد روي لنا عن أبي الحسن ابن الطيوري أنه قال أكثر كتب الخطيب مستفادة من كتب الصوري ابتدأ بها» قال ابن الجوزي «وقد يضع الإنسان طريقا فيسلك، وما قصر الخطيب على كل حال» .
أقول: لم يسم ابن الجوزي من حكى له ذاك القول عن ابن الطيوري، وابن الطيوري هذا هو المبارك عبد الجبار وثقه جماعة وكذبه المؤتمن الساجي الحافظ، والصوري هو محمد بن عبد الله الساحلي ترجمته في (التذكرة) ج ٣ ص ٢٩٣ وفيها أن مولده سنة ست أو سبع بعد السبعين وثلاثمائة ووفاته سنة ٤٤١ فهو أكبر من الخطيب بنحو خمس عشرة سنة، ومع حفظه ففي (التذكرة) ج٣ ص ٢٩٨ في ترجمة أبي نصر السجزي المتوفى سنة ٤٤٤ «قال ابن طاهر سألت الحافظ أبا إسحاق الحبال عن أبي نصر السجزي والصوري أيهما أحفظ؟ فقال:
стр. 321
كان السجزي أحفظ من خمسين مثل الصوري» وفي (التذكرة) ج ١ ص ٣١٤: «قال ابن ماكولا كان أبو بكر الخطيب آخر الأعيان ممن شاهدناه معرفة وحفظاً واتقاناً وضبطاً لحديث رسول الله ﵌ وتفنناً في علله وأسانيده وعلماً بصحيحه وغريبه وفرده ومنكره ومطروحه، ثم قال: ولَم يكن للبغداديين بعد الدارقطني مثله، وسألت الصوري عن الخطيب وأبي نصر السجزي ففضل الخطيب تفضيلاً بيناً» وقد علمت أن الصوري توفي سنة ٤٤١ أي قبل وفاة الخطيب باثنتين وعشرين سنة، ووفاة السجزي سنة ٤٤٤ وابن طاهر لقي الحبال سنة ٤٧٠ كما في (التذكرة) ج ٣ ص ٣٦٣ فتفضيل الحبال بين السجزي والصوري كان بعد موتهما فهو بحسب ما انتهى إليه أمرهما ن وأما تفضيل الصوري بين الخطيب والسجزي ففي حياتهما لكن أحدهما وهو السجزي كان في أواخر عمره والآخر وهو الخطيب في وسط عمره لأن الصوري مات سنة ٤٤١ كما مر فالسؤال منه وجوابه يكون قبل ذلك فإذا فرضنا أنه قبل ذلك بشهر مثلاً حيث كان سن السائل وهو ابن ماكولا نحو عشرين سنة فإن مولده سنة ٤٢٢ كان قبل وفاة السجزي بنحو ثلاث سنين وقبل وفاة الخطيب بنحو اثنين وعشرين سنة، فيخرج مما تقدم أن الخطيب باعتراف الصوري كان قبل موته باثنتين وعشرين سنة بحيث يفضل تفضيلاً بيناً على من هو بحكم الحبال أحفظ من خمسين مثل الصوري فما عسى أن يكون بلغ بعد ذلك؟ وإذا كانت النسبة بينهما هي هذه فما معنى ما حكى عن ابن الطيوري؟ هل معناه أن الصوري ابتدأ في أكثر الكتب التي تنسب إلى الخطيب ولم يتم شيئاً منها؟ يقول ابن السمعاني أن مؤلفات الخطيب ستة وخمسون مصنفاً فهل ابتدأ الصوري في عمل ثلاثين مصنفاً أو نحوها ولم يتم شيئا منها؟ فإن كان أتم شيئاً شيئاً منها أو قارب أو على الأقل كتب منه كراسة مثلاً فقد كان ابن الطيوري من أخص الناس بالصوري كما يؤخذ من (لسان الميزان) ج٥ ص١٠ أفلم يكن عنده شيء من ابتداءات الصوري فيبرز للناس تصديقاً لقوله؟ ولعل أصل الحكاية على ما يؤخذ من (معجم الأدباء) أن الكتب التي كانت ملك الصوري صار جملة منها بعد موته إلى الخطيب فاستفاد منها
стр. 322
الخطيب، لكن قد علمنا أن الخطيب لا يكاد يورد شيئاً إلا بأسانيده المعروفة، ومن تدبر مؤلفاته علم أنها من مشكاة واحدة أوائلها وأواخرها. هذا وفي رواية عن ابن الطيوري أن الصوري كان ترك كتبه عند أخت له بصور. وأن الخطيب أخذها عند خروجه إلى الشام (كأنه يعني عند دخوله صور وذلك بعد إقامته بدمشق) واحتج الدكتور بهذا على بطلان زعم ابن الطيوري من أصله لأن أكثر كتب الخطيب ثبت تأليفه لها قبل خروجه إلى الشام - وذكر دليل ذلك - وبأن الصوري إمام ببغداد نيفاً وعشرين سنة وبها مات فكيف يعقل أن لا يطلب كتباً تركها عند أخته؟!
فصل
قال ابن الجوزي في (المنتظم) ج ٨ ص ٢٦٧ بعد أن ذكر ميل الحنابلة على الخطيب حتى انتقل عن مذهبهم ما لفظه «وتعصب في تصانيفه عليهم فرمز إلى ذمهم وصرح بقدر ما أمكنه فقال في ترجمة أحمد بن حنبل: «سيد المحدثين» ، وفي ترجمة الشافعي: «تاج الفقهاء» فلم يذكر أحمد بالفقه. وقال في ترجمة حسين الكرابيسي أنه قال عن أحمد: أي شيء نعمل بهذا الصبي؟ إن قلنا لفظنا بالقرآن مخلوق، قال: بدعة، وإن قلنا: غير مخلوق، قال: بدعة، وله دسائس في ذمهم من ذلك أنه ذكر مهنأ بن يحيى ... ومال الخطيب على أبي الحسن «عبد العزيز بن الحارث» التميمي ... ومال الخطيب على أبي «عبد الله» عبيد الله بن «محمد بن» بطة ... ومال الخطيب على أبي علي «الحسن ابن علي» ابن المذهب. وكان في الخطيب شيئان: أحدهما الجري على عادة عوام المحدثين في الجرح والتعديل فإنهم يجرحون بما ليس بجرح، وذلك لقلة فهمهم، والثاني التعصب على مذهب أحمد وأصحابه ... » .
أقول: رحمك الله يا أبا الفرج! لا أدري أجاوزت الحد في غبطة الخطيب على مصنفاته التي أنت عيال عليها كما يظهر من مقابلة كتبك بكتبه، فدعتك نفسك إلى
стр. 323
التشعيث منه والتجني عليه؟ أم أردت التقرب إلى أصحابك الذين دخل في قلوبهم من يومك المشهود الذي لم ير مثله غم عظيم؟ أم كنت أنت المتصف بما ترمي به المحدثين من قلة الفهم؟
أما ما قاله الخطيب في ترجمتي أحمد والشافعي فلفظه في المطبوع ج ٤ ص ٤١٢ في ترجمة أحمد « ... إمام المحدثين الناصر للدين والمناضل عن السنة والصابر في المحنة ... » وفي آخر الترجمة ج ٤ ص ٤٢٣ «قد ذكرنا مناقب أبي عبد الله أحمد بن حنبل مستقصاة في كتاب أفردناه لها فلذالك اقتصرنا في هذا الكتاب على ما أوردنا منها» وعبارته في ترجمة الشافعي ج ٢ ص ٥٦ « ... زين الفقهاء وتاج العلماء ... » فعلى هذا للشافعية أن يعاتبوا الخطيب قائلين: لم تذكر الشافعي بالحديث فإن كنت لا تراه محدثاً فقد سلبته أعظم الفضائل ولزم من ذلك سلبه الفقه والعلم الذي يعتد به، وإن كنت تراه محدثاً فقد جعلت أحمد إماماً له أو سيداً للمحدثين مطلقاً فشمل ذلك الفقهاء منهم فلزم أن يكون إمام الفقهاء أو سيدهم مطلقاً، ومع ذلك لم تذكر الشافعي بنصرة الدين ولا النضال عن السنة، فأما قولك «زين الفقهاء وتاج العلماء» فلا يدفع ما تقدم لأن المتزين أفضل من الزينة، ولا بس أفضل من التاج.
والصواب أن المناقشة في مثل هذا ليست من دأب المحصلين وإنما الحاصل أن المترجم يتحرى في صدر الترجمة أشهر الصفات فأحمد لتبحره الحديث وتجرده لنصر السنة كان أشهر بذلك منه بالفقه، والشافعي لتجرده للفقه كان أشهر به.
وأما قضية الكرابيسي فإن الخطيب روى بسنده في ترجمته ص ٨ ص ٦٤ عن يحيى بن معين أنه «قيل له أن حسينا الكرابيسي يتكلم في أحمد بن حنبل، قال ما أحوجه أن يضرب» وروي عن يحيى أيضا أنه قال «ومن حسين الكرابيسي لعنه الله ... » ثم ذكر القصة التي فيها تلك الكلمة ثم ذكر روايات عن أحمد في تبديع الكرابيسي والتحذير منه ثم ذكر قصة فيها غض الكرابيسي من فضل أمير المؤمنين
стр. 324
علي بن أبي طالب، وأن رجلاً رأى النبي ﵌ يكذب الكرابيسي. فالخطيب ذكر تلك الكلمة لفائدتين.
الأولى: تفسير ما تقدم أجماله من أن الكرابيسي كان يتكلم في أحمد، ليتبين أنه كلام فارغ.
الثانية: زيادة التشنيع على الكرابيسي فمن توهم أن الخطيب حاول انتقاص أحمد فهو كمن يتوهم أن ذكره القصة التي فيها غض الكرابيسي من فضل علي بن أبي طالب، محاولة من الخطيب لانتقاص علي! وابن الجوزي يرمي الخطيب وعامة المحدثين بقلة الفهم وهذه حاله! وأما ما زعمه ابن الجوزي من ميل الخطيب على مهنأ والجماعة الذين سماهم فقد أفردت لكل منهم ترجمة تأتي في موضعها إن شاء الله تعالى وتتضح براءة الخطيب مما تخيله ابن الجوزي.
وقد وثق الخطيب جمعاً كثيراً بل جمعاً غفيراً من الحنابلة وأطاب الثناء عليهم. فإن ساغ أن يرمى بالتعصب على الحنابلة لذكره القدح في أفراد منهم فليسغ رميه بالتعصب لهم لتوثيقه أضعاف أضعاف أولئك، وليسغ رميه بالتعصب على الشافعية لذكره القدح في كثير منهم وقد من قريباً ما ذكره في الكرابيسي وهكذا حال بقية المذاهب فهل يسوغ أن يقال إن الخطيب كان يتعصب لأهل مذهب وعليهم؟ فإن قيل بل ينظر في كلامه ن قلت فستراه في التراجم.
فصل
قال ابن الجوزي: «وقد ذكر في (كتاب الجهر) أحاديث يعلم أنها لا تصح، وفي
(كتاب القنوت) أيضاً، وذكر مسألة صوم في يوم الغيم حديثاً يدري أنه موضوع، فاحتج به ولم يذكر عليه شيئاً، وقد صح عن النبي ﵌ أنه قال: «من روى حديثاً يرى أنه كذب فهو أحد الكاذبين» (١) . وذكر
стр. 325
الكوثري في (التأنيب) ص١٠ عبارات أخرى لابن الجوزي تشتمل على زيادة فذكر مما أخرجه الخطيب في
(كتاب الجهر بالبسملة) «مثل حديث عبد الله بن زياد بن سمعان وقد أجمعوا على ترك حديثه، قال مالك: كان كذاباً، ومثل حديث حفص بن سليمان (١) ، قال أحمد: هو متروك الحديث» ومما يتعلق بـ (كتاب القنوت) : «ما أخرجه عن دينار بن عبد الله عن أنس قال: ما زال رسول الله ﵌ يقنت في صلاة الصبح حتى مات، قال: وسكوته عن القدح في هذا الحديث واحتجاجه به وقاحة عظيمة، وعصبية باردة، وقلة دين، لأنه يعلم أنه باطل، قال ابن حبان: دينار يروي عن أنس آثاراً موضوعة لا يحل ذكرها في الكتب إلا على سبيل القدح فيه» .
أقول: الجواب من أوجه:
الأول: أن الخطيب إن كان قصد بجمع تلك الرسائل جمع ما ورد في الباب فلا احتجاج وإن كان قصد الاحتجاج فبمجموع ما أورده، بكل حديث على حدة.
الثاني: أننا عرفنا من ابن الجوزي تسرعه في الحكم بالوضع والبطلان وترى إنكار أهل العلم عليه في كتب المصطلح في بحث «الموضوع» .
الثالث: أن من جمة ما أورده في «الموضوعات» وحدها أكثر من ثلاثين حديثاً رواها الإمام أحمد في (مسنده) ولعله أورد في (الأحاديث الواهية) أضعاف ذلك، فيقال له: إن كنت ترى أنه خفي على الإمام أحمد ما علمته من كون تلك الأحاديث موضوعة أو باطلة فما نراك أحسنة الثناء عليه، وعلى ذلك فالخطيب
стр. 326
أولى أن يخفى عليه، وإن كنت ترى أن الإمام أحمد علم أنها موضوعة أو باطلة ومع ذلك أثبتها في (مسنده) ولم ينبه عليها فكفى به أسوة الخطيب.
الرابع: لا يلزم من زعم ابن الجوزي أن الحديث موضوع باطل أن يكون الخطيب يرى مثل رأيه.
الخامس: قد يجوز أن يكون الحديث موضوعاً أو باطلاً ولم ينتبه الخطيب لذلك.
السادس: إذا روي الحديث بسند ساقط لكنه قد روي بسند آخر حسن أو صالح أو ضعيف ضعفاً لا يقتضي الحكم ببطلان المتن مطلقاً، ولا يدخل من رواه بالإسنادين معاً في حديث «من حدث عني بحديث يرى أنه كذب فهو أحد الكاذبين» لأنه لا يرى الحديث نفسه كذباً، وقد يتوسع في هذا فيلحق به ما إذا كان المتن المروي بالسند الساقط ولم يرو بسند أقوى لكن قد روي معناه بسند أقوى، ويقوي هذا أن المفسدة إنما تعظم في نسبة الحكم إلى النبي صلى الله عيه وآله وسلم مع ظن أنه كذب لا في نسبة اللفظ وشاهد هذا جواز الرواية بالمعنى.
الأمر السابع: قوله في عبد الله بن زياد بن سمعان: «أجمعوا على ترك حديثه» فيه نظر فقد أكثر عنه ابن وهب ووثقه على ما في (مختصر كتاب العلم لابن عبد البر) ص١٩٩، ومجموع كلامهم فيه يدل أنه صدوق في الأصل فلا بأس بإيراد حديثه في المتابعات والشواهد (١) .
стр. 327
وأما حفص فروى عبد الله حنبل عن أحمد «متروك الحديث» وروى عبد الله أيضاً عن أبيه: «صالح» ، وروى حنبل عن أحمد أيضاً «ما به بأس» فيأتي في حديثه نحو ما مرَّ (١) ، وإنما ذكر الخطيب رواية هذين مع عدة روايات عن غيرهما، والروايات في ذلك معروفة تراها في (سنن الدراقطني) و (سنن البيهقي) وغيرهما، وفي ذلك آثار عن الصحابة منها صحيح فما دونه.
وحديث أنس النافي للهجر قد أعل بعدة علل كما ترى ذلك في بحث المعلل من) تدريب الراوي) (٢) وجمع الشيخ تقي الدين ابن تيمية بأن الأصل عدم الجهر ولكن
стр. 328
كان النبي ﵌ ربما جهر ليعلم أصحابه وكذلك أصحابه كان أحدهم ربما جهر ليعلم من يسمعه، وفي (الصحيح) عن أبي قتادة «كان النبي ﵌ يقرأ في الركعتين من الظهر والعصر بفاتحة الكتاب وسورة سورة يسمعنا الآية أحياناً» وللنسائي عن البراء « ... فنسمع منه الآية بعد الآية ... » ولابن خزيمة عن أنس نحوه كما في (فتح الباري) فإسماعه إياهم البسملة في الجهرية آكد لأنه إذا أسرّ بها وجهر بما بعدها توهموا أنه تركها البتة. فمن لم يقع له هذا الجمع أو لم يقو عنده وقوي عنده ما ورد في الجهر فأخذ به مطلقاً كالشافعي فلا لوم عليه، ومن احتج من أتباعه بما ورد في الجهر بالأسانيد القوية وألحق بها م يوافقها مما في سنده نحو ابن سمعان وحفص بن سليمان فلا حرج عليه (١) .
стр. 329
وأما حديث «ما زال رسول الله ﵌ يقنت في الصبح حتى مات» فقد ورد من وجهين آخرين أو أكثر عن أنس، صحح بعض الحفاظ بعضها (١) وجاء نحو معناه من وجوه أخرى راجع، «سنن الدارقطني» و «سنن
стр. 330
البيهقي» وبمجموع ذلك يقوى الحديث. وقد جمع ابن القيم بينه وبين ما جاء في ترك القنوت، فإذا أخرج الخطيب الحديث من تلك الأوجه القوية ثم ألحق بها رواية دينار لم يلزمه أن يبين في ذاك الموضع حال دينار لما مرَّ في الوجه السادس على أنه قد بيّن الخطيب في موضع آخر حال دينار وبينه وغيره واشتهر ذلك، وقد بين الأئمة كالثوري وابن المبارك وغيرهما حال الكلبي ثم كانوا يروون عنه ما لا يرونه كذباً ولا يذكرون حاله.
وأما النهي عن صوم يوم الشك فلم أعثر عليه (١) غير أن الأدلة على ذلك معروفة في (الصحيحين) وغيرهما وعن الإمام أحمد في صوم يوم الشك إذا كان غيم رواية أنه لا يصام واختاره بعض المحققين من أصحابه فعند الخطيب أن الحكم ثابت بأحاديث صحيحة وبقية الكلام يعلم مما مرّ.
وأما قول ابن الجوزي «وقاحة عظيمة وعصبية بارد وقلة دين» فابن الجوزي أحوج إلى أن يجيب عنها! غفر الله للجميع.
فصل
في (تاريخ بغداد) ٢/١٧٧ «أخبرنا محمد بن أحمد بن رزق قال: أنبأنا عثمان بن أحمد الدقاق قال: ثنا محمد بن إسماعيل التمار قال: حدثني الربيع بن سليمان قال: سمعت الشافعي يقول: ما ناظرت أحداً إلا تمعر وجهه ما خلا محمد بن الحسن. أخبرنا محمد بن الحسين القطان قال: أنبأنا دعلج بن أحمد قال: أنبأنا أحمد بن علي الأبار قال: حدثني يونس - يعني ابن عبد الأعلى - قال سمعت الشافعي يقول: ناظرت محمد بن الحسن وعليه ثياب رقاق فجعل تنتفخ أوداجه ويصيح حتى لم يبق له
стр. 331
زر إلا انقطع قلت: (الصواب: قال) ما كان لصاحبك أن يتكلم ولا كان لصاحبي أن يسكت، قال قلت له: نشدتك بالله هل تعلم أن صاحبي كان عالماً بكتاب الله؟ قال: نعم، قال قلت: فهل كان عالماً بحديث رسول الله ﵌؟ قال: نعم، قال قلت: أفما كان عاقلاً؟ قال: نعم، قلت: فهل كان صاحبك جاهلاً بكتاب الله؟ قال: نعم، قلت: وبما جاء عن رسول الله ﵌؟ قال: نعم، قلت: وكان عاقلاً؟ قال: نعم، قال: قلت: صاحبي فيه ثلاث خصال لا يستقيم لأحد أن يكون قاضياً إلا بهن، - أو كلاماً هذا معناه» قال الأستاذ ص١٨٠ في جملة الكلام على الحكاية الثانية في شأن تغير محمد بن الحسن: «هذا خلاف ما صح عنه في () انتقاء ابن عبد البر ص٢٤ وخلاف ما ثبت عن الشافعي بطرق أنه لم ير من لا يتغير عند المناظرة سواه» .
أقول: الذي في «الانتقاء» في تلك الصفحة «حدثنا خلف بن قاسم قال نا الحسن ابن رشيق قال نا محمد بن الربيع بن سليمان ومحمد بن سفيان بن سعيد قالا نا يونس بن عبد الأعلى قال: قال لي الشافعي: ذاكرت محمد بن الحسن يوماً، فدار بيني وبينه كلام واختلاف، حتى جعلت أنظر إلى أوداجه تدور وتنقطع أزراره فكان فيما قلت له يومئذ: نشدتك الله هل تعلم أن صاحبنا - يعني مالكاً - كان عالماً بكتاب الله؟ قال: اللهم نعم، قلت: وعالماً باختلاف أصحاب رسول الله ﵌؟ قال: اللهم نعم» فالاختلاف بين الروايتين بالنسبة إلى تغير محمد اختلاف يسير لا تكاد تخلوا عن مثله حكاية تروى من وجهين مختلفين.
أما قول الأستاذ «وخلاف ما ثبت عن الشافعي بطرق ... » فقد قدم الخطيب روايته في ذلك وفي سندها محمد بن إسماعيل التمار قال الأستاذ إنه غير موثق كما يأتي في ترجمته، ولا منافاة، بل معنى قوله «ما ناظرت أحداً إلا تمعر وجهه» على العموم فيعم كل مناظر في كل مناظرة فلا ينافي ذلك أنه تغير في مناظرة واحدة مثلاً.
стр. 332
ثم ذكر الأستاذ بقية القصة ثم قال «لا أدري متى كان أبو حنيفة أو مالك قاضياً ... » .
أقول هذا هين فإن من لازم أهلية القضاء أهلية الاجتهاد، ثم قال:
«وتلك العبارة لم ترد في رواية من الروايات أصلاً بل هذه تغير من الخطيب حتماً وقد زاد في الآخر «أو كلاماً هذا معناه» ليتمكن من التملص من تبعة هذا التحريف الشنيع حينما يهتك ستر وجهه بأن قيل له استقصينا طرق تلك الحكاية من طريق يونس ابن عبد الأعلى وغيره استقصاء لا مزيد عليه فلم نجد تلك العبارة في شيء منها فتكون أنت غيرت وبدلت، فيجيب الخطيب قائلاً: ما ادعيت أن ما سبق ذكره هو نص عبارة الرواية بل هذا معناه، وكفى أن نقول لمثل هذا المحرف المنحرف أفليس في روايتك: ما كان لصاحبك أن يتكلم ولا كان لصاحبي أن يسكت، فكيف تتصور أن يوجب محمد ابن الحسن الكلام والإفتاء على من هو جاهل بكتاب الله وسنة رسوله ويحرم ذلك على العالم بهما، فيكون مع الخبر ما يبطله على أن من اطلع على كتب محمد بن الحسن ... عَلِمَ عِلْمَ اليقين منزلة صاحبه عنده من معرفة الكتاب والسنة.
أقول قولك: «لم ترد في رواية من الروايات أصلاً» إن أردت الإطلاق فهذه مجازفة، فإن كثيراً من كتب الحديث فضلاً عن كتب الحكايات منها ما قد فقد ومنها ما ليس في متناول الأيدي، وحسبك أنك ادعيت الاستقصاء الذي لا مزيد عليه ومع ذلك فاتك في كلامك أثبت الطرق، وهي رواية ابن أبي حاتم عن ابن عبد الحكم وهي في موضعين من كتاب (تقدمة الجرح والتعديل) الذي نقلت عنه في غير موضع منها ما مرّ في ترجمة إبراهيم بن محمد بن الحارث، وفي (تهذيب التهذيب) في ترجمة مالك التنبيه عليها وهو في متناول يدك كل وقت وفي لفظ ابن أبي حاتم: «حدثنا محمد بن عبد الله بن الحكم قال سمعت الشافعي يقول: قال لي محمد بن الحسن أيهما أعلم بالقرآن صاحبنا أو صاحبكم؟ يعني أبا حنيفة ومالك بن
стр. 333
أنس، قلت على الإنصاف؟ قال نعم، قلت: فأنشدك الله من أعلم بالقرآن صاحبن أو صاحبكم؟ قال قال: صاحبكم، يعني مالك، قلت فأنشدك الله من أعلم بالسنة صاحبنا أو صاحبكم؟ قال: اللهم صاحبكم، قلت فأنشدك الله من أعلم بأقاويل أصحاب رسول الله ﵌ والمتقدمين صاحبنا أو صاحبكم؟ قال: صاحبكم، قال الشافعي فقلت: لم يبق إلا القياس والقياس لا يكون إلا على واحد من هذه الأشياء فمن لم يعرف الأصول فعلى أي شيء يقيس؟
فاتت الأستاذ مع زعمه أنه استقصى استقصاء لا مزيد عليه - هذه الرواية مع أن في ترجمة مالك من (تهذيب التهذيب) : «وقال ابن أبي حاتم ثنا محمد بن عبد الله بن عبد الحكم سمعت الشافعي يقول ... » نعم نقل الأستاذ متن هذه الرواية عن كتاب لم تستند فيه ولا أشير إلى إسنادها فقال: «ولفظ ابن أبي إسحاق الشيرازي في (طبقات الفقهاء) ص ٤٢ بدون سند قال الشافعي -» وذكر الأستاذ رواية ابن عبد الحكم من وجهين آخرين.
الأول: عن ص ٢٣ من (انتقاء عبد البر) من طريق «إبراهيم بن نصر سمعت محمد ابن عبد الله بن الحكم يقول: سمعت الشافعي يقول: قال لي محمد بن الحسن: صاحبنا أعلم أم صاحبكم؟ - يعني أبا حنيفة ومالكاً - وما كان على صاحبكم أن يتكلم وما كان على صاحبنا أن يسكت، قال: فغضبت وقلت: نشدتك الله من كان أعلم بسنة رسول الله ﷺ مالك أو أبو حنيفة؟ قال: مالك، لكن صاحبنا أقيس، فقلت: نعم، ومالك أعلم بكتاب الله وناسخه ومنسوخه وسنة رسول الله ﷺ من أبي حنيفة، فمن كان أعلم بكتاب الله وسنة رسوله كان أولى بالكلام» .
الثاني: عن (مناقب أحمد) لابن الجوزي ص ٤٩٨ من طريق «يحيى بن آدم الجوهري قال: حدثنا محمد بن عبد الله بن عبد الحكم قال: سمعت الشافعي يقول: سمعت محمد بن الحسن يقول: صاحبنا أعلم أم صاحبكم؟ قلت: تريد المكابرة أم
стр. 334
الإنصاف؟ قال: بل الإنصاف، قلت: فما الحجة عندكم؟ قال: الكتاب والإجماع والسنة والقياس، قال: قلت: أنشدك أصاحبنا أعلم بكتاب الله أم صاحبكم؟ قال: إذ أنشدتني بالله فصاحبكم، قلت: فصاحبنا أعلم بسنة رسول الله ﷺ أم صاحبكم؟ قال: صاحبكم، قلت: فبقي شيء غير القياس؟ قال: لا، قلت: فنحن ندعي القياس أكثر مما تدعونه وإنما يقاس على الأصول فيعرف القياس، قال: ويريد بصاحبه مالك بن أنس» .
ثم نقل عن (كتاب ذم الكلام) للهروي رواية أخرى من طريق الربيع عن الشافعي وبين الألفاظ اختلاف كما هو شأن الرواية بالمعنى، ومثل ذلك يكثر في رواية الأحاديث النبوية كما سترى أمثلته في «قسم الفقهيات» من هذا الكتاب، فما بالك بالحكايات؟
وأثبت هذه الروايات وأولاها بأن يكون متنها هو اللفظ الذي قاله الشافعي رواية ابن أبي حاتم لجلالته ولأنه أثبتها في موضعين من كتابه بلا فرق فدل ذلك أنه أثبتها في أصله عند تلقيها من ابن عبد الحكم ثم نقلها بأمانتها إلى كتابه المصنف. فأما بقية الروايات فلم تقيد في كتاب إلا بعد زمان بعد أن تداولها جماعة من الرواة وذلك مظنة بالتصرف على جهة الرواية بالمعنى، نعم رواية الخطيب من طريق الأبار عن يونس مقيدة في مصنف للأبار يرويه الخطيب بذاك السند لكن لم يقم دليل على أن الأبار أثبتها في أصله عند السماع إلا أن رواية ابن عبد البر دلت على ضبط الأبار، وإنما الظاهر أن يونس لم يكتب الحكاية عند سماعها من الشافعي ولم يتقن حفظها فاتسع في روايتها بالمعنى واحتاط.
وإيضاح ذلك أن القصة مبنية على المفاضلة، والمفاضلة قد يعبر عنها بالجمع كأن يقال: «أيهما أعلم» وقد يعبر عنها بالتفريق كأن يقال: «وأما كان فلان كذا» ثم يقال في الآخر: «فهل كان فلان كذا» على الوجه الذي يؤدي التفضيل فرواية ابن عبد الحكم من طرقها الثلاث، وكذا رواية الربيع سلكت طريق الجمع «أيهما أعلم» أما يونس فسلك طريق التفريق فوقع في روايته عند الخطيب وابن عبد البر: «هل
стр. 335
تعلم أن صاحبي - أو صاحبنا - عالم ... » فلزم من هذا بحسب الظاهر أن يقال في المقابل: «فهل كان صاحبك جاهلاً» فجرى الأمر على ذلك كما في رواية الخطيب، وكأن يونس أحس بالخلل في الظاهر فقال في رواية الخطيب «أو كلاماً هذا معناه» فأما في رواية ابن عبد البر فقد يكون الاقتصار من يونس لشعوره بعدم إتقانه للقصة، فكما أنه لأجل ذلك لما حدث الأبار واستوفى القصة، فكما أنه لأجل ذلك لما حدث الأبار واستوفى القصة قال: «أو كلاماً هذا معناه» فكذلك لما حدث الأبار واستوفى القصة قال: «أو كلاماً هذا معناه» فكذلك لما حدث محمد بن الربيع ومحمد بن سفيان اقتصر على أولها وترك ما يتبين به الخلل. وقد يكون - وهو الظاهر - الاقتصار من عبد البر، وذلك لأسباب:
الأول: أن بقية الحكاية ليس من مقصوده في الموضع الذي ذكرها فيه.
الثاني: أن ذكر بقيتها مناف لمقصوده في الانتقاء من الإجمال والمجاملة.
الثالث: أنه شعر أن في بقيتها خللاً بحسب الظاهر.
أما قولي بأن الخلل بحسب الظاهر فقط فلأن القرائن تدل أن المقصود بكلمة «جاهل» الجهل النسبي، وفي (فتح المغيث) ص١٦٢: «فقد يقولون: فلان ثقة، أو، ضعيف، ولا يريدون أنه ممن يحتج به ولا ممن يرد، إنما ذاك بالنسبة لمن قرن معه ... قال عثمان الدارمي: سألت ابن معين عن العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه ... فقال: ليس به بأس، قلت: هو أحب إليك أو سعيد المقبري؟ قال: سعيد أوثق، والعلاء ضعيف. فهذا لم يرد به ابن معين أن العلاء ضعيف مطلقاً بدليل قوله أنه لا بأس به، وإنما أراد أنه ضعيف بالنسبة لسعيد المقبري.
وأما احتمال أن يكون الاقتصار من ابن عبد البر فمثل ذلك جائز عند الجمهور في الحديث النبوي فكيف الحكايات؟ وفي (تدريب الراوي) : «قال البُلْقيني: يجوز حذف زيادة مشكوك فيها بلا خلاف وكان مالك يفعله كثيراً تورعاً» .
وأما قولي: إن التغيير من يونس فلوجهين:
стр. 336
الأول: أن رواية ابن عبد الحكم بطرقها الثلاث ورواية الربيع قد دلت أن القصة مطولة، وأن موضوعها المفاضلة بين مالك وأبي حنيفة، ورواية ابن عبد البر من طريق يونس لا تفي بذلك.
الثاني أن رواية ابن عبد البر قد وافقت رواية الخطيب في التغيير في ذكر مالك بلفظ «عالم» وذلك من يونس اتفاقاً، وهو مقتض كما تقدم أن يقال في مقابله «جاهل» فبان أن هذا أيضاً من يونس. ولولا رواية ابن عبد البر، لجاز أن يكون التغيير من الأبار بأن يكون لما سمع القصة لم يثبتها في أصله ولم يتقن حفظها، فلما احتاج إلى ذكرها في مصنفة رواها بالمعنى ولما أحس بالخلل بحسب الظاهر قال «أو كلاماً هذا معناه» .
فأما احتمال أن يكون التغيير من الخطيب خطأ فباطل لأوجه:
الأول: ما تقدم من الدلالة على أن التغيير من فوق.
الثاني: أن الخطيب إنما يروي بذلك السند من كتاب معروف للأبار.
الثالث: أن الخطيب لم يكن يتساهل في الرواية من حفظه، وفي (تذكرة الحفاظ) : ج٤ ص٤ «قال الحميدي: ما راجعت الخطيب في شيء إلا أحالني على الكتاب، وقال: حتى أكشفه» وفي الصفحة التي تليها عن السلفي: «سألت أبا الغنائم النرسي عن الخطيب؟ فقال: جبل لا يسأل عن مثله، ما رأينا مثله، وما سألته عن شيء فأجاب في الحال إلا يرجع إلى كتابه» . وفيها ج٣ ص٣١٨ عن عبد الوارث الشيرازي: «كنا إذا سألنا عن شيء أجابنا بعد أيام، وإن ألحنا عليه غضب، كانت له بادرة وحشة» .
الرابع: أن الخطيب يعلم عادة المحدثين في تتبع عثرات المحدث مع أنه قد أو غر قلوب كثير منهم فلو تساهل بالرواية من حفظه لما أخذه من مصنف معروف كما صنع الأستاذ ذلك في مواضع معتذراً بما تقدم في ترجمة أحمد بن سلمان، لقالوا له:
стр. 337
هذا كتاب معروف متداول وليس فيه كما ذكرت، إن قال: قد قلت: «أو كلاماً هذا معناه» قالوا: لم تبين أن هذا من عندك، ومع ذلك فعادتك التثبت الزائد حتى إذا سُئلت عن شيء أحلت على الكتاب فكيف يعقل أن تتساهل فيما تثبته في مصنفك.
هذا وقد علمنا أن الأئمة وثقوا الخطيب وثبتوه وبالغوا في إطرائه ولم يعثر له المتعنتون على أدنى خلل في الرواية وقد علمت محاولة ابن الجوزي الغض من الخطيب فلم يظفر بشيء من باب الرواية وإنما تعنت في أمور أخر قد مرّ ما فيها، فمحاولة الأستاذ أن ينسب التغيير إلى الخطيب وأنه تعمده تناوش من مكان بعيد.
قول الأستاذ «أليس في روايتك. ما كان لصاحبك أن يتكلم.. فكيف تتصور..» .
أقول قد يكون هذا من جملة التغيير ويكون الصواب ما في رواية ابن الجوزي من طريق ابن عبد الحكيم «ما كان على صاحبكم أن يتكلم» لكن في رواية الهروي من طريق الربيع «قد رأيت مالكاً وسألته عن أشياء فما كان يحل له أن يفتي» وقد مرّ بيان كلمة «جاهلاً» في رواية الخطيب المراد به الجهل النسبي وحاصله أنه دون مالك في العلم بالكتاب والسنة ومعروف عن أهل الرأي أنهم يؤكدون أمر الرأي والقياس ويقولون من كان عنده من العلم بالكتاب والسنة ما يكفيه وكان جيد النظر في الري والقياس كان عليه أن يفتي ومن كان ضعيف النظر في الرأي والقياس لم يكن له أن يفنى وإن كان أعلم من الأول بالكتاب والسنة. وقد أشار الشافعي في عدة مواضع من كتبه إلى زعم أهل العراق ضعف مالك في القياس ففي (الأم) ج٤ ص٦: «أرأيت من نسبتم إليه الضعف من أصحابنا وتعطيل النظر وقلتم: إنما يتخرص فيلقى ما جاء بلسانه..» وفيها ج٧ ص٢٥٧ «فسمعت بعض من يفتي منهم يحلف بالله ما كان لفلان أن يفتي لنقص عقله وجهالته وما كان ليحل فلان أن يسكت - آخر من هل العلم» على أن المحاجة والملاحة التي تبلغ بالحليم الوقور أن تنتفخ أوداجه وتنقطع أزراره مظنة للإسراف في القول.
стр. 338
قول الأستاذ «على أن من اطلع على كتب محمد بن الحسن ... » .
أقول: قد سلف أنه ليس في تلك الرواية ولا غيرها نفي محمد أن يكون لأبي حنيفة علم بالكتاب والسنة، وإنما في الروايات كلها أنه دون مالك في ذلك، فأما العلم بالسنة فيكفي في الشهادة لذلك الموازنة بين ما روى محمد عن أبي حنيفة وما روى عن مالك، وأما العلم بالكتاب فإن كان في كتب محمد ما ينافي اعترافه فالأستاذ أحوج إلى أن يجيب عن هذا جواباً معقولاً، ولقائل أن يقول: إن محمداً لما يضايقه الشافعي وسأله بالله وناشده إياه وشرط عليه الإنصاف راجع نفسه فلم يسعه إلا الاعتراف، ولعله جرى في بعض كتبه على الاسترسال في الميل إلى أبي حنيفة، والحق إن شاء الله تعالى أنه ليس في كتب محمد ما هو صريح في منافاة اعترافه.
قال الأستاذ «ملازمة الشافعي لمالك إلى وفاته لم ترد إلا في خبر منكر ... والمعروف أنه صحبه إلى أن أتم سماع «الموطأ» منه في نحو ثمانية أشهر، وأما محمد بن الحسن فقد لازم مالكاً ما يزيد على ثلاث سنين فلا يتصور أن يسأل محمد بن الحسن عن الشافعي مبلغ علم أبي حنيفة، ومالك كما وقع في رواية الشيرازي، لأن أبا حنيفة لم يدركه الشافعي حتى يتحاكم في علمه إليه، وكذلك لم يلازم مالكاً أكثر من محمد بن الحسن، فالمفاضلة بين الإمامين بصيغة صاحبنا وصاحبكم هذه غير مستساغة» .
أقول الذي وقع في رواية الشيرازي هو الواقع في أثبت الروايات وهي رواية ابن أبي حاتم التي فاتت الأستاذ م زعمه أنه استقصى استقاء لا مزيد عليه. وكذلك هي في الوجهين الآخرين عن ابن عبد الحكيم، والشافعي حجازي فلعله عاد إلى المدينة بعد قراءته (الموطأ) وخروجه منها بل لعله تردد مراراً، وكان الشافعي، وكان الشافعي يدين أو ّلاً بقول مالك ويذب عنه، فإن لم يكن تلقى جميع ذلك منه فقد تلقى بعضه منه وبعضه من أصحابه، ومعرفة الشافعي بمبلغ علم أبي حنيفة يكفي فيه نظرة في كتبه وكتب أصحابه، وسؤال محمد للشافعي ليس على وجه التحكيم بل على وجه
стр. 339
السؤال عن رأيه، والشافعي حجازي كمالك كان أولاً يدين بقوله ثم صار ربما خالفه مع انتسابه إليه، وحينئذ وقعت القصة، وإنما أكثر خلافه لمالك بعد دخوله مصر، وذلك بعد موت محمد ابن الحسن، ومحمد بن الحسن عراقي كأبي حنيفة ينتسب إليه ويتبعه في أصوله ويذب عن قوله غالباً، فأي غبار على أن يقول محمد للشافعي «صاحبكم» يريد مالكاً و «صاحبنا» يريد أبا حنيفة؟
هذا وقد أشار الأستاذ في ما علقه على «الانتقاء» لابن عبد البر ص٢٤ إلى الروايات واختلافها ثم قال «والمخلص من ذلك النظر في الأسانيد والمقارنة بينها وضرب ما يروى بغير إسناد عرض الحائط» .
ثم حاول عبثاً الرجوع عن هذا القضاء العدل في (التأنيب) ١٨٣ إذ قال: «ولعل الصواب في الأمر هو ما حكاه القاضي أبو عاصم محمد بن أحمد العامري في (مبسوطه) حيث قال في كتبه المذكور أن الشافعي سأل محمداً: أيما أعلم مالك أو أبو حنيفة؟ فقال محمد: بماذا؟ قال: بكتاب الله، قال: أبو حنيفة، فقال: من أعلم بسنة رسول الله ﷺ ؟ فقال: أبو حنيفة أعلم بالمعاني ومالك أهدى للألفاظ» !
مُنى إن تكن حقاً تكن أحسن المنى ... وإلا فقد عشنا بها زمناً رغداً
فصل
قال الخطيب (١٣/٣٦٩) بعد ذكر المناقب «قد سقنا عن أيوب السختياني وسفيان الثوري وسفيان بن عيينة وأبي بكر بن عياش وغيرهم من الأئمة أخباراً كثيرة تتضمن تقريظ (١) أبي حنيفة والمدح له والثناء عليه، والمحفوظ عند نقلة الحديث عن الأئمة المتقدمين وهؤلاء المذكورين منهم في أبي حنيفة خلاف ذلك» .
стр. 340
فأخذ الأستاذ يتكلم على الروايات ثم يقول «وهذا من المحفوظ عند الخطيب» ويشنع.
فأقول ابن حجر في (النخبة) وقرره السخاوي في (فتح المغيث) ص٨٢.
«فإن خولف - أي الراوي - بأرجح منه لمزيد ضبط أو كثرة عدد أو غير ذلك من وجوه الترجيحات فالراجح يقال له المحفوظ ومقابله وهو المرجوح يقال له الشاذ» .
فالمحفوظ عندهم ما كان أرجح من مقابله فنقد كلمة الخطيب إنما هي بالموازنة فإن بان رجحان ما ذكره أخيراً صحَّ كلامه حتى على فرض أن يكون الثاني ضعيفاً فإن الضعيف أرجح من الأضعف، ولا يضره أن يكون فيما ذكره أخيراً رواية ساقطة توافق أخرى قوية، أو تكون عمن لم يتقدم في المناقب عنه شيء، ولا يحتسب على الخطيب ولا له بما عند غيره ولا يؤاخذ في أحوال الرواة بخلاف اعتقاده واجتهاده فإن مدار صدق كلمته على الرجحان عنده. وقد كنت جمعت ما في الترجمة عن أيوب والسفيانين وأبي بكر بن عياش ونظرت فيها، ثم كرهت شرح ذلك هنا لطوله وإن كان فيها إظهار حجة الخطيب وتصديق كلمته.
وأقتصر في ترجمة الخطيب على هذا القدر وأدع الكلمات المفرقة في (التأنيب) وسينكشف حال غالبها إن شاء الله تعالى.
٢٧- أحمد بن علي بن مسلم أبو العباس الأبار . في (تاريخ بغداد) ١٣/٣٢٥ «أخبرنا محمد بن أحمد بن رزق أخبرنا أحمد بن جعفر بن محمد بن سلم الخُتَّلي حدثنا أحمد ابن على الأبار ... » قال الأستاذ ص١٩ «والأبار من الرواة الذين كان دعلج التاجر يدر عليهم الرزق فيدونون ما يروقه للنكاية في مخالفيه في الفروع والأصول فللأبار قلم مأجور ولسان ذلق في الوقيعة في أئمة أهل الحق، وكفى ما يجده القارئ في روايات الخطيب عنه في النيل من أبي حنيفة وأصحابه لتعرف مبلغ عدواته وتعصبه، ورواية العدو المتعصب مردودة عند أهل
стр. 341
النقد، كيف وهو يروي عن مجاهيل بل الكذابين في هذا الباب ما ستراه، فلا يحتاج القارئ الكريم في معرفة سقوط هذا الراوي إلى شيء سوى استعراض مروياته فيمن ثبتت إمامته وأمانته، فكفى الله المؤمنين القتال» .
أقول في (تذكرة الحفاظ) للذهبي ج٢ ص١٩٢ «الأبار الحافظ الإمام أبو العباس أحمد بن علي بن مسلم محدث بغداد، يروي عن مسدد وعلي بن الجعد وشيبان بن فروخ وأمية بن بسطام ودُحيم وخلق كثير حدث عنه دعلج وأبو بكر النجاد وأبو سهل بن زياد والقطيعي وآخرون. قال الخطيب كان حافظاً متقناً حسن المذهب، قال جعفر الخلدي: كان الأبار أزهد الناس استأذن أمّه في الرحلة إلى قتيبة فلم تأذن له فلما ماتت رحل إلى بلخ وقد مات قتيبة وكانوا يعزونه على هذا. قلت وله تاريخ وتصانيف مات يوم نصف شعبان سنة تسعين ومائتين» .
رأى الأستاذ في الرواة عن الأبار دعلج بن أحمد السجزي ورأى في ترجمة دعلج أنه كان تاجراً كثير المال كثير الأفضال على أصحاب الحديث وغيرهم وأنه أخذ عن ابن خزيمة مصنفاته وكان يفتي بقوله، فاستنبط الأستاذ أن دعلجاً كان متعصباً لابن خزيمة في الأصول يعني العقائد، وفي الفروع، وابن خزيمة عند الأستاذ مجسم، وأبو حنيفة عنده منزه، والتنزيه الذي يسميه خصومه تعطيلاً وتكذيباً، فعلى هذا كان دعلج متعصباً عند أبي حنيفة للعقيدة وللمذهب معاً! ثم استنبط الأستاذ في شأن الأبار أنه جمع ما جمعه في الغض من أبي حنيفة تقرباً إلى دعلج المثري المنفق، وأن دعلجاً كان يوسع العطاء للأبار لأجل ذلك!
فأقول: لا يخفى على عارف بالفقه والحديث أنه يكفي في رد هذه التهمة أن يبين أن الأبار ودعلجاً من الحفاظ المعروفين روى عنهما أئمة الحديث العارفون بالعدالة والرواية ووثقوهما وأثنوا عليهما، ولم يطعن أحد في عدالتهما ولا روايتهما، ولم يذكر أحد دعلجاً بتعصب بل كان فضله وأفضاله كلمة وفاق، ولم يذكر أحد الأبار يحرص على الدنيا كما ذكروا الحارث بن أبي أسامة وعلي بن عبد العزيز البغوي وغيرهما بل وصفه شيخ الزهاد ورواية أخبارهم جعفر بن محمد بن نصير
стр. 342
الخلدي بأنه كان أزهد الناس كما سلف.
ومع هذا فالأبار كان ببغداد، وسكنى دعلج بها وحصول الثروة له وما عرف به من الإنفاق وتجرد ابن خزيمة للكلام في العقائد وأخذ دعلج كتبه وأتباعه له كل ذلك إنما كان بعد وفاة الأبار بمدة، إن أقدم من سمي من شيوخ الأبار مسدد المتوفى سنة ٢٢٨ فعلي بن الجعد المتوفى سنة ٢١٠ وتوفي سنة ٢٩٠ كما مرّ، ومولد دعلج سنة ٢٦٠ بسجستان وبها نشأ ثم كان يطوف البلدان لطلب العلم والتجارة ويظهر أن أول دخوله بغداد في أواخر سنة ٢٨٢ أو أوائل التي تليها، إن أعلى من سمع دعلج منه ببغداد كما يؤخذ من ترجمته في (تذكرة الحفاظ) محمد بن ربح البزاز ومحمد بن غالب تمتام وكانت وفاتهما سنة ٢٨٣ وقد كان ببغداد الحارث بن أبي أسامة وهو أسن منهما وأعلى إسناداً وأشهر ذكراً وتوفي يوم عرفة سنة ٢٨٢ ولم يذكروا لدعلج عنه رواية ولو أدركه ما فاته، فعلى هذا أول ما لقي دعلج الأبار سنة ٢٨٣ وسن الأبار يومئذ نحو سبعين سنة، وسن دعلج نحو ثلاث وعشرين سنة، ولم يكن دعلج حينئذ ذا ثروة ولا إنفاق لأنه أقام بعد ذلك بمكة زمناً وسمع بها من الحافظ المعمر عالي الإسناد على بن عبد العزيز البغوي المتوفى سنة ٢٨٦، وكان البغوي بغاية الفقر حتى كان يضطر إلى أخذ الأجرة على الحديث ويقول كما في (تذكرة الحفاظ) ج٢ ص١٧٩ «يا قوم أنا بين الأخشبين وإذا ذهب الحجاج نادى أبو قبيس قعيقعان يقول من بقي؟ فيقول: المجاورون، فيقول: أطبق!!» وبقي من ذلك إلى أن مات إذ لو كف قبل موته لكان الظاهر أن يذكر ذلك تلامذته الأجلاء وهم كثير ولهم حرص على أن يدفعوا عن شيخهم ما عيب به فيقول واحد منهم أو أكثر: إنما كان يأخذ للضرورة ثم كف عن ذلك. ولو كان دعلج تلك المدة قد اتسعت ثروته وإنفاقه لكان جديراً بأن يعطى شيخه ما يخلصه من انطباق الأخشبين والمشاحة على الدرهم والدرهمين. وفي (تاريخ بغداد) ج٨ ص٣٩٠ - قصة من سخاء دعلج وفي آخرها أنه
стр. 343
سئل عن ثروته وإنفاقه فقال: «نشأت وحفظت القرآن وسمعت الحديث وكنت أتبزز فوافاني رجل من تجار البحر فقال لي: أنت دعلج بن أحمد؟ فقلت نعم، فقال: قد رغبت في تسليم مالي إليك لتتجر فيه، فما سهل الله من فائدة فهي بيننا، وما كان من جائحة كانت في أصل مالي، وسلم إليّ البرنامجات بألف ألف درهم ... ولم يزل يتردد إليّ سنة بعد سنة يحمل إليّ مثل هذا والبضاعة تنمى فلما كان في آخر سنة اجتمعنا فيها، قال لي: أنا كثير الأسفار في البحر فإن قضى الله عليّ بما قضاه على خلقه فهذا المال لك على أتتصدق منه وتبني المساجد وتفعل الخير» .
ففي أي سن تر اشتهرت أمانة دعلج وديانته وحذقه بالتجارة حتى يأتمنه تاجر سمع به ولم يعرفه على مثل ذلك المال؟ ويكفيك النظر في عادات الناس تعلم أن الرجل لا يكاد يرسخ في التجارة ويتوفر رأس ماله وسخو نفسه بالإنفاق إلا بعد الأربعين من عمره، فكيف إذا لاحظت أن دعلجاً لم يكن متجرداً للتجارة، بل كان كثير التطواف سماع الحديث، والأبار توفي سنة ٢٩٠ أي وسن دعلج ثلاثون سنة، وعاش دعلج بعده فوق ستين سنة فإنه توفي سنة ٣٥١ والظاهر مما ذكروه من أنه أقام بمكة زماناً أنه لم يسكن بغداد إلا بعد وفاة الأبار بمدة، فبالنظر فيما تقدم يتبين أنه ليس هناك أدنى قرينة أن يكون دعلج وصل الأبار بفلس واحد.
أما ابن خزيمة فإنه توفي سنة ٣١١ أي بعد وفاة الأبار بإحدى وعشرين سنة، وإنما تجرد للتأليف في العقائد في أواخر عمره وفي (تذكرة الحفاظ) ج٢ ص٢٦٢ عن الحاكم عن جماعة «لما بلغ ابن خزيمة من السن والرياسة والتفرد بهما ما بلغ، كان له أصحاب صاروا أنجم الدنيا.. فلما ورد منصور الطوسي كان يختلف إلى ابن خزيمة للسماع وهو معتزلي ... واجتمع مع أبي عبد الرحمن الواعظ وقالا: هذا إمام لا يسرع من الكلام وينهي عنه، وقد نبغ له أصحاب يخالفونه وهو لا يدري فإنهم إلى مذهب الكلامية ... » ثم ذكر كلاماً فيه أن ذلك الخلاف كان بعد ضيافة عملها ابن خزيمة «في جمادي الأولى سنة تسع» يعني سنة ٣٠٩ وكأن ذاك الخلاف هو الذي دعا ابن خزيمة إلى التأليف في العقائد، وعلى كل حال
стр. 344
فالظاهر البين أن أخذ دعلج كتب ابن خزيمة وإفتاءه بقوله إنما كان بعد وفاة الأبار بمدة.
وإنما الثابت أن الأبار كان ساخطاً على أبي حنيفة سخطاً ما كما يدل عليه جمعه ما جمع وذلك شأن أهل الحديث في عصره كالبخاري ويعقوب بن سفيان وزكريا الساجي والعقيلي وغيرهم، فإن صح أن يسمى ذلك عداوة وتعصباً فهي عداوة دينية لا ترد بها الشهادة فكيف الرواية؟ وقد مر إيضاح ذلك في القواعد.
قول الأستاذ أن الأبار «يروي عن مجاهيل بل الكذاب» .
أقول: كل من تكلم فيه الأستاذ ممن روى عنهم الأبار ترى في هذا الكتاب فإن صح أن يكون منهم من هو مجهول أو كذاب فلا اعتداد بروايته ولا يضر الأبار ذلك شيئاً، فقد روى السفيانان وابن جريج وابن المبارك وغيرهم عن محمد بن السائب، وهو من أشهر الناس بالكذب.
قول الأستاذ: «فلا يحتاج القارئ الكريم ... » .
أقول: الكريم من اتقى الله ، وثبوت الإمامة والأمانة كان في عصر الأبار وقبله محل النِزاع كما يعلم الأستاذ. والله أعلم.
٢٨- أحمد بن الفضل بن خزيمة . راجع (الطليعة) ص ٩١ (معجم الأدباء) ج٤ ص٣٠ عن ابن السمعاني: «والخطيب في درجة القدماء من الحفاظ والأئمة الكبار كيحيى بن معين وعلي ابن المديني.. وطبقتهم..» . وراجع ترجمة أحمد بن إبراهيم فيما مضى.
٢٩- أحمد بن كامل القاضي . في (تاريخ بغداد) ١٣/٣٧٤: «أخبرنا ابن الفضل أخبرنا عبد الله بن جعفر حدثنا يعقوب بن سفيان حدثنا سليمان بن حرب، وأخبرنا ابن الفضل أيضاً أخبرنا أحمد بن كامل القاضي حدثنا محمد بن موسى البربري حدثنا ابن الغلابي عن سليمان بن حرب..» قال الأستاذ ص ٤٣ «وأحمد بن كامل
стр. 345
القاضي فيه يقول الدارقطني: أهلكه العجب كان متساهلاً في الرواية ربما حدث من حفظه بما ليس عنده، كما رواه الخطيب» .
أقول: ذكرت في (الطليعة) ص ٦٩ أن عبارة الدارقطني كما في (تاريخ بغداد) وغيره «.. بما ليس عنده في كتابه» وهذا القيد «في كتابه» يدفع القدح فإنه لا يلزم من عدم كون الحديث عند أحمد في كتابه أن لا يكون عنده في حفظه» فلأمر ما حذف الأستاذ ذاك القيد! أجاب الأستاذ في (الترحيب) ص٥١ بقوله: «ليس عادة النقاد أن يقولوا لم ليس في كتاب الراوي أنه عنده، فلا يكون سقوط «في كتابه» مغيراً للمعنى ولا مقصوداً، فهم الناقد «يعني المعلمي» أم لم يفهم» .
أقول: لا يخفى أن الظاهر من قولهم «عنده» يتناول ما في كتابه وما في حفظه وعادة النقاد جارية على هذا الظاهر، وتجد أمثلة من ذلك في (تهذيب التهذيب) ج١ ص١١٠ ولا حاجة إلى تتبع نظائر ذلك مادام هو الموافق للظاهر كما تقدم.
وكفى دليلاً على ذلك تقييد الدارقطني بقوله: «في كتابه» فأما القصد فالله أعلم، ولكن القرائن تدل عليه كما مر في ترجمة أحمد بن سليمان.
وعلى كل حال فقد ثبت كما اعترف به الأستاذ أن كلمة الدارقطني فيما حدث به أحمد بن كامل «وليس عنده في كتابه» لا تنفي أن يكون عنده في حفظه، بل قد تثبت ذلك بمقتضى دليل الخطاب، وبذلك ثبت أنه لا قدح، غاية الأمر أن الدارقطني رأى أنه كان الأحوط لأحمد بن كامل أن لا يحدث بما ليس في كتابه وإن كان يحفظه، وترك الراوي للأحوط لا يقدح فيه، بل إذا خاف أن يكون تركة رواية ما حفظه ولم يثبته في كتابه الأصل كتماناً للعلم وتعريضاً وجب عليه أن يرويه. وراجع ما تقدم في ترجمة أحمد ابن جعفر بن حمدان.
وأما قول الدارقطني: «أهلكه العجب» ففسرها الدارقطني بقوله: «فإنه كان
стр. 346
يختار ولا يضع لأحد من الأئمة أصلاً» فقيل له: كان جريري المذهب؟ فقال «بل خالفه واختار لنفسه وأملى كتاباً في السنن وتكلم على الأخبار» .
فحاصل هذا أنه لم يلتزم مذهب إمام معين بل كان ينظر في الحجج ثم يختار قول من رجح قوله عنده.
أقول وهذا أيضاً ليس بجرح بل هو بالمدح أولى، وقد قال الخطيب:
«كان من العلماء بأيام الناس والأحكام وعلوم القرآن والنحو والشعر وتواريخ أصحاب الحديث، قال ابن رزقويه: لم تر عيناي مثله» .
أقول فيحق له أن ينشد:
إن أكن معجباً فعجب عجيب ... لم يجد فوق نفسه من مزيد
٣٠- أحمد بن محمد بن الحجاج أبو بكر المروذي . وفي (تاريخ بغداد) (١٣/ ٤١١) «أخبرنا البرقاني حدثني محمد بن العباس أبو عمر الخزندار حدثنا أبو الفضل جعفر ابن محمد الصندلي - وأثنى عليه أبو عمر - حدثني المروذي أبو بكر أحمد «بن محمد» بن الحجاج: سألت أبا عبد الله - وهو أحمد بن حنبل - عن أبي حنيفة وعمرو بن عبيد، قال: أبو حنيفة أشد على المسلمين من عمرو بن عبيد لأن له أصحاباً» . قال الأستاذ ص١٤١: « ... المروذي هو صاحب الدعوة إلى أن المقام المحمود هو إقعاد الرسول ﷺ على العرش في جنبه تعالى، تعالى الله عما يقول المجسمة علواً كبيراً.. فيا سبحان الله متى كان أحمد يقول إن عمرو بن عبيد لا أصحاب له وقد امتلأت البصرة وبغداد بأصحابه وأصحاب أصحابه، وهلم جرا حتى أوقعوا أحمد في تلك المحنة وكان أحمد يترحم على أبي حنيفة ويثني عليه كما سبق من الخطيب ص ٣٢٧» .
أقول: قد أفردت للاعتقاديات قسماً من هذا الكتاب، والمقام المحمود قد
стр. 347
اختلف السلف في تفسيره وروى ابن جرير في (تفسيره) ج١٥ص٩٢- «عن مجاهد قال: يجلسه معه على عرشه» ثم قال «ما قاله مجاهد من أن الله يقعد محمداً ﷺ على عرشه قول غير مدفوع صحته لا من جهة خبر ولا نظر..» وأطال في ذلك وأطاب، وقد أعطى الله ورسوله في ليلة الإسراء ما أعطى، وقال له ﴿وَلَلآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الأُولَى﴾ .
ولم يرد أحمد أن عمرو بن عبيد لا أصحاب له البتة وإنما أراد أنه ليس له أصحاب في مثل غلوه جادين في نشر شرهم، كان عمرو غالياً جداً كما أشرت إليه في الاعتقاديات، ولا أعرف أحداً ممن لقيه وتأثر بكلامه كان غالياً مثله، ولا أعرف أن عمرو بن عبيد تكلم إلا في القدر والوعيد، والمعتزلة الذين ينتسبون إليه لم يوافقوه في غلوه ولكنهم تابعوا جهماً في مسائل لم يتكلم فيها عمرو، والذين دعوا إلى المحنة كبشر المريسي وابن أبي داود معروفون هم من أصحاب أبي حنيفة واشتهروا بأنهم جهمية، ومسألة القول بخلق القرآن ليست من مسائل عمرو بن عبيد بل هي من مسائل جهم، نعم إن المعتزلة المنتسبين إلى عمرو بن عبيد لأتباعهم له في الجملة وافقوا جهماً فيها ولعل من يقول إن دعاة المحنة معتزلة اغتر بموافقتهم المعتزلة في تلك القضية وقضايا أخرى تتفرع عن قول جهم، والصواب أن ينظر في قولهم في القدر والوعيد فإن كانوا لا يوافقون المعتزلة فيهما وهذا وهذا هو الظاهر فهم جهمية ولا ينبغي أن يسموا معتزلة. وقد كان لهم من إعلان ضلالتهم والدعوة إليها إلى أن ما جرى ما جرى ما لم يكن للمنتسبين إلى عمرو بن عبيد ما يقاربه، وكانوا ينسبون جهميتهم إلى أبي حنيفة، وفي روايات غيرهم عنه اضطراب وقد روى الخطيب من طريق المروذي عن أحمد أنه لم يثبت عنده أن أبا حنيفة قال: إن القرآن مخلوق، فكأنه قوي عنده عند الثبوت فترحم إن صح ما رواه الخطيب ص٣٢٧ وقوي عنده الثبوت مرة فشدد والله أعلم. وعلى كل حال فصدق المروذي وأمانته وفضله كلمة وفاق قبل
стр. 348
الأستاذ كما يعلم من ترجمته في (تاريخ بغداد) وغيره.
٣١- أحمد بن محمد بن الحسين الرازي . يأتي مع محمود بن إسحاق إن شاء الله تعالى.
٣٢- أحمد بن محمد بن حنبل أبو عبد الله الشيباني إمام أهل السنة . قال أحمد الدورقي «من سمعتموه يذكر أحمد بسوء فاتهموه على الإسلام» ومرّ في ترجمة الخطيب أن ابن معين بلغه أن الكرابيسي يتكلم في أحمد فقال «ومن حسين الكرابيسي لعنه الله ... » وعن سفيان بن وكيع قال: «أحمد عندنا محنة، من عاب أحمد عندنا فهو فاسق» وقال ابن أعين:
وإذا سمعت لأحمد منتقصاً ... فاعلم بأن ستوره ستهتك
عرض الأستاذ في مواضع بالطعن في عقيدة الإمام أحمد وتتبع أصحابه وأصحابهم طاعناً في عقيدتهم ليلجئ من يقرأ كتابه إلى اعتقاد الطعن في عقيدة أحمد نفسه، وقد أفردت البحث في العقائد بقسم خاص من هذا الكتاب وهو بمثابة تتمة لترجمة الإمام أحمد وأقتصر هنا على ما عدا ذلك.
قال الأستاذ ص٤ «من تابع أحمد بن حنبل وذكره بكثرة الحديث فله ذلك لكن كثرة الحديث بمجردها إذا لم تكن مقرونة بالتمحيص والغوص تكون قليلة الجدوى» .
أقول: نفيه عن أحمد التمحيص الغوص كذب مكشوف. فإن زعم الأستاذ أنه إنما أرادا أبا حنيفة كان أبلغ في ذلك. قلنا أما تمحيص الروايات لمعرفة الصحيح من السقيم والراجح من المرجوح والناسخ من المنسوخ فأحمد أرجح الأئمة في ذلك لأنه أو سعهم رواية وأعلمهم بأحوال الرواة وعلل الحديث وأعلمهم بآثار الصحابة والتابعين.
وأما تمحيص النصوص لمعرفة معانيها فأحمد من أحسن الأئمة معرفة لذلك،
стр. 349
وهب أن غيره قد يفوقه في هذا فإنما يمحص الإنسان ما يعرفه ويغوص فيما يجده فمن لم يبلغه النص فأي شيء يمحص وفي أي شيء يغوص؟ وقد تقدم في ترجمة الخطيب قول الشافعي لمحمد ابن الحسن بعد اعتراف محمد بأن مالكاً كان أعلم بالكتاب والسنة والآثار من أبي حنيفة: «لم يبق إلا القياس والقياس لا يكون إلا على واحد من هذه الأشياء ومن لم يعرف الأصول على أي شيء يقيس؟» وقد ذكر الأستاذ ص١٣٩ ما نقل عن الشافعي «أبو حنيفة يضع أول المسألة خطأ ثم يقيس الكتاب كله عليها» نقل الأستاذ: « ... ولأبي حنيفة بعض أبواب الفقه من هذا القبيل، ففي كتاب الوقف أخذ بقول شريح القاضي وجعله أصلاً ففرع عليه المسائل فأصبحت فروع هذا الكتاب غير مقبولة حتى ردها صاحباه، وهكذا فعل في كتاب المزارعة حيث خذ بقول إبراهيم النخعي وجعله أصلاً ففرع عليه الفروع ... » .
أقول فلم ينفعه في تلك الكتب تمحيصه وغوصه إذ لم يطلع على ما ثبت من السنة وآثار الصحابة.
فصل
قال الأستاذ ص٢٦ «وأما أحمد فدونك (مسائل أبي داود) و (إسحاق بن منصور الكوسج) و (عبد الله بن أحمد) فيا ترى هل يمكنك أن تقرأ صفحة منها على صحة الأصول من غير أن تجابهك خطيئات في اللغة والنحو؟»
أقول أما أنا فلم أقف على نسخة من هذه المسائل فإن كان الأستاذ وقف عليها فهل ما وقف عليه هو بخطوط هؤلاء الذين سماهم؟ فإن لم تكن بخطوطهم ولا بخطوط تلامذتهم بل تداولها النساخ والرواة فمن أين يتجه أن يعد ما فيها من خطأ هو من أحمد نفسه؟! ونحن نرى النساخ يغلطون كثيراً حتى في كتابة القرآن مع أنهم ينقلون من مصاحف واضحة الخط منقوطة الضبط. ولم أر أحداً قبل الأستاذ
стр. 350
حاول الطعن في عربية أحمد ولا نسب إليه شيئاً من اللحن كما نُسب إلى غيره من الأئمة.
فصل
قال الأستاذ ص١٤١ «تفقه أول ما تفقه عل أبي يوسف القاضي وكتب عنه ثلاثة قماطر من العلم كما في أوائل (سيرة ابن سيد الناس) و (تاريخ الخطيب) ٣/١٧٧.
أقول الذي في (تاريخ الخطيب) في ذاك الموضع « ... إبراهيم بن جابر حدثني عبد الله ابن أحمد قال كتب أبي عن يوسف ومحمد ثلاثة قماطر، فقلت له كان ينظر فيها؟ قال كان ربما نظر فيها، وكان أكثر نظره في كتب الواقدي» ، وهذا لا يُعطى أنه تفقه على أبي يوسف فأما الكتابة عنه وعن محمد إن صحت فالظاهر أنه إنما كتب عنهما مما يرويانه من الآثار ومع ذلك لم يروعن أحد منهما ولا بنى على رويته حكماً. وفي الحكاية أنه كان قليل النظر في كتبهما كثير النظر في كتب الواقدي، هذا مع أنه من أسوأ الناس رأياً في الواقدي فلم يكن ينظر في كتبه ليعتمد عليه، بل رجاء أن يرى فيها الشيء مما يهمه فيبحث عنه من غير طريق الواقدي على حد قول الله ﵎: ﴿إِنْ جَاءكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ فلم يأمر بإلغاء خبر الفاسق إذ لعله صادق، بل أمر بالتبين فخبر الفاسق يكون تنبيهاً يستدعي الالتفات إلى ما أخبر به والاستعداد له وعدم الاسترسال مع ما يقتضيه الأصل من عدمه حتى يبحث عنه فيتبين الحال.
فصل
قال الأستاذ: «وكان يستخرج الأجوبة الدقيقة من كتب محمد بن الحسن كما
стр. 351
روى عنه إبراهيم الحربي على ما في (تاريخ الخطيب) ٣/١٧٧.
أقول الراوي عن إبراهيم غير موثق، على أن محمداً لمهارته في الحساب وشغفه بالدقة كان يفرض القضايا التي لا تكاد تقع مما يحتاج إلى دقيق الحساب فيضخم بها كتبه. ومن عرف النصوص الشرعية وفهمها وعلم الأحكام فهو الفقيه، فإن عرضت واقعة يحتاج إلى تفصيل الحكم فيها إلى حساب دقيق فاستعان بحاسب لم يكن في ذلك ما يتوهم منه أنه تعلم الفقه من الحاسب.
فصل
ثم ذكر الأستاذ رواية أن أحمد «كان يعيب أبا حنيفة ومذهبه» ثم قال: «يقول الملك المعظم: أنا أصدق هذا، لأن أصحاب أحمد إلى يومنا هذا لم يفهم أحد منهم (الجامع الكبير) ولا عرف ما فيه ومتى وقف على ما فيه فلا شك أنه ينكره فخل عنك باقي كتب أصحاب أبي حنيفة» ثم قال الأستاذ: «ومن جهل شيئاً «أنكره و» (١) عاداه» .
أقول هذا موضع المثل:
سألته عن أبيه؟ فقال: خالي شعيب!
لم يعب أحمد كل مسألة تكلم فيها أبو حنيفة ولا عاب المسائل الحسابية الدقيقة التي ضخم بها محمد كتبه، وإنما عاب ما يراه مخالفاً للسنة وهذا يتحقق عند أحمد سواء أفهم أتباعه (الجامع الكبير) لمحمد؟ وهل نظر فيه وتفهمه غيرهم من غير الحنفية؟ وقول الملك عيسى الذي تقدمت الإشارة إلى حاله في ترجمة الخطيب:
стр. 352
«ومتى وقف على ما فيه فلا شك أن ينكره» مجازفة، نعم، ينكر ما فيه مما يراه مخالفاً للسنة، وعسى أن يتوقف بعضهم في بعض المسائل الدقيقة، وقول الأستاذ «ومن جهل شيئاً أنكره وعاداه» لا محل هنا فإن دعوى أن أحمد كان يجهل طريق استدلال أبي حنيفة في القضايا التي رد بها السنة دعوى باطلة، بل أكثر الناس يفهمون ذاك الاستدلال ويعرفون بطلانه كما ستراه في قسم الفقهيات وسترى هناك بعض ما يروى عن أبي حنيفة من مجابهة النصوص بتلك الكلمات التي تدل على ما تدل عليه إن صحت.
فصل
قال الأستاذ «وليس بقليل بين الفقهاء من لم يرض تدوين أقوال أحمد في عداد أقوال الفقه باعتبار أنه محدث غير فقيه عنده، وأنَّى لغير الفقيه إبداء رأي متزن في فقه الفقهاء.
أقول يشير بهذا إلى أن ابن جرير لم ينقل أقوال أحمد في كتابه الذي ألفه في «اختلاف الفقهاء» ، ولأن يعاب بهذا ابن جرير أولى من أن يعاب به أحمد، ولكن عذره أمه كما يعلم من النظر في كتابه إنما قصد الفقهاء الذين كانت قد تأسست مذاهبهم ورتبت كتبهم، ولم يكن هذا قد اتضح في مذهب أحمد فإنه ﵀ لم يقصد أن يكون له مذاهب ولا أتباع يعكفون على قوله وإنما كان يفتي كما يفتي غيره من العلماء، ويكره أن يكتب كلامه، فكانت فتاواه عند موته مبعثرة بأيدي الطلبة والمستفتين وأدركها ابن جرير كذلك، وإنما رتبها وجمعها أبو بكر الخلال وهو أصغر من ابن جرير بعشر سنين.
وقول هذا الخائب: «وأنى لغير الفقيه ... » كلمة أدع جوابها إلى القارئ. وفقه أحمد أظهر وأشهر من أن يحتاج إلى ذكر شهادات الأكابر، ويغني في ذلك قول الشافعي:
стр. 353
«خرجت من بغداد وما خلفت بها أفقه ولا أزهد ولا أورع ولا أعلم من أحمد بن حنبل» .
هذا رأي الشافعي في أحمد قبل أن يموت أحمد بنيف وأربعين سنة.
فصل
ذكر الأستاذ ص١٤٣ ما روي من قل أحمد: «ما قول أبي حنيفة والبعر عندي إلا سواء» قال الأستاذ المصدر المضاف من ألفاظ العموم عند الفقهاء فيكون لذلك اللفظ خطورة بالغة لأن أبا حنيفة يعتقد في الله تعالى ما يكون خلافه كفراً وبدعة شنيعة ... فيكون امتهان قوله في المسائل الاعتقادية والمسائل الفقهية التي م نازعه فيها أحد من المسلمين محض كفر لا يصدر عمن له دين» .
أقول هذه مخاطرة فاجرة ومحاولة خاسرة.
أولاً: لأن من المعلوم قطعاً أن أحمد لا يمتهن الحق، وإنما روى الناس امتهان الحق عن غيره كما ترى بعض ذلك في (قسم الفقهيات) ، والعموم يخص بما هو دون هذه الدلالة بكثير.
ثانياً: هبه سلم العموم فمعلوم أن م في تلك الكلمة إنما هو حكم على القول من حيث هو قول ذاك القائل فلا يتعداها إلى حيثية أخرى.
ثالثاً: عموم القول لا يستلزم عموم التسوية للصفات فإذا قيل: سواء زيد والأسد، لم يفهم منه إلا التسوية التي في بعض المعاني وه الشجاعة. فالتسوية بين القول والبعر إنما هي في عدم الاعتداد فمعنى تلك الكلمة إنما هو أن أحمد لا يعتد بقول أبي حنيفة دليلاً أو خلافاً كما لا يعتد بالبعر مالاً. فأما عدم اعتداده به دليلاً لا غبار عليه، ولا يقول أحد إن قول أبي حنيفة دليل شرعي يلزم من بعده من المجتهدين الأخذ به، وأما عدم الاعتداد به خلافاً فكما قاله بعضهم في قول داود
стр. 354
الظاهري، فلو كلف الأستاذ نفسه الاتزان لحمل الكلمة على عدم الاعتداد دليلاً، ثم يقول: فإن أراد عدم الاعتداد بقول أبي حنيفة خلافاً فغير مسلم له ...
هذا وقد ثبت عمن لا يحصى من الأئمة من عظيم الثناء على أحمد ما لم يثنوا به على أحد من الأئمة كما يعلم من كتاب ابن الجوزي و (تاريخ بغداد) وغيرهما وأكتفي ههنا ببعض ما في (تهذيب التهذيب) :
قال إبراهيم بن شماس: سمعت وكيع بن الجراح وحفص بن غياث يقولان: ما قدم الكوفة مثل ذاك الفتى - يعنيان أحمد، وقال القطان: ما قدم عليّ مثل أحمد، وقال مرّة: حبر من أحبار الأمة، ... وقال عبد الرزاق: ما رأيت أفقه منه ولا أورع، وقال أبو عاصم: ما جاءنا من ثمة أحد غيره يحسن الفقه، وقال يحيى بن آدم: أحمد إمامنا، وقول الشافعي ... (قد مرَّ) ، وقال عبد الله «بن داود» الخُريبِي: كان أفضل زمانه ... ؛ وقال قتيبة: أحمد إمام الدنيا، وقال أبو عبيد: لست أعلم في الإسلام مثله، ... وقال العباس بن الوليد بن مزيد: قلت لأبي مسهر: هل تعرف أحداً يحفظ على هذه الأمة أمر دينها؟ قال لا، إلا شاب في ناحية المشرق، يعني أحمد، ... ، وقال بشر بن الحارث: أدخل الكير فخرج ذهباً أحمر، وقال الحجاج بن الشاعر: ما رأت عيناي روحاً في جسد أفضل من أحمد بن حنبل، وقال أحمد الدورقي: من سمعتموه يذكر أحمد بسوء فاتهموه على الإسلام» .
٣٣- أحمد بن سعيد بن عقدة . في (تاريخ بغداد) ١٣/ ٣٨٧ « ... أحمد بن سعيد الكوفي حدثنا ... عن بشر بن مفضل قال: قلت: لأبي حنيفة: نافع عن ابن عمر أن النبي ﷺ قال: البيعان بالخيار ما لم يتفرقا. قال: هذا رجز. قلت: قتادة عن أنس أن يهودياً رضخ رأس جارية بين حجرين فرضخ النبي ﷺ رأسه بين حجرين. قال: هذيان» .
وفيه (١٣/ ٤٠٣) عبد الله بن المبارك قال: من نظر في (كتاب الحيل) لأبي حنيفة أحل ما حرم الله وحرم ما أحل الله» قال الأستاذ ص ٧٨ «وأحمد بن
стр. 355
سعيد في السند هو ابن عقدة الكوفي شيعي جلد وكلام الخطيب فيه شديد فيلزمه أن لا يعول عليه» وقال ص ١٢٢ «حاول بعض الكذابين رواية (كتاب الحيل) عن أبي حنيفة ... وهو أبو الطيب محمد بن الحسين ... وقد قال مُطيَّن إن محمد بن الحسين هذا كذاب ابن كذاب وأقره ابن عقدة ... وقد قوي ابن عدي أمر ابن عقدة ورد على الذين تكلموا فيه، بل قال السيوطي ... من كبار الحفاظ وثقة الناس وما ضعفه إلا عصري متعصب» .
أقول ما نقله عن السيوطي مجازفة، ولم أر في (الميزان) و (اللسان) ما نسبه إلى ابن عدي وابن عقدة لا نزاع في سعة حفظه ومعرفته، قال البرقاني «قلت للدارقطني أيش أكثر ما في نفسك من ابن عقدة؟ قال: الإكثار بالمناكير» . وفي (الميزان) : «قرأت بخط يوسف بن أحمد الشيرازي: سئل الدارقطني عن ابن عقدة فقال لم يكن في الدين بالقوي، وأكذب من يتهمه بالوضع، إنما بلاؤه هذه الوجادات» وفيه «قال ابن عدي سمعت أبا بكر بن أبي غالب يقول: ابن عقدة لا يتدين بالحديث لأنه كان يحمل شيوخاً بالكوفة على الكذب يسوي لهم نسخاً ويأمرهم أن يرووها ثم يرويها عنهم» ، وفي (اللسان) : «وقال ابن عدي أيضاً سمعت أبا بكر الباغندي يقول كتب إلينا ابن عقدة: قد خرج شيخ بالكوفة عنده نسخ الكوفيين، فقدمنا عليه وقصدنا الشيخ فطالبناه بالأصول، فقال: ما عندي أصل وإنما جاءني ابن عقدة بهذه النسخ وقال لي: اروِ هذه يكون لك ذكر ويرحل إليك أهل بغداد، قال وسمعت ابن مكرم يقول لنا عند ابن عثمان ابن سعيد في بيت وقد وضع بين أيدينا كتب كثيرة فنَزع ابن عقدة سراويله وملأه منها سراً من الشيخ ومنا فلما خرجنا قلنا ما هذا الذي تحمله؟ فقال: دعونا من ورعكم هذا» وفيه أيضاً «وقال ابن الهراوني (؟) أراد الحضرمي أبو جعفر يعني - مطينا - أن ينشر أن ابن عقدة كذاب ويصنف في ذلك فتوفي ﵀ قبل أن يفعل» .
أقول: الذي يتحرر من هذه النقول وغيرها أن ابن عقدة ليس بعمدة، وفي