الرابع: أبو الحسن علي بن عمر بن مهدي الدارقطني الحافظ (٣٠٦ - ٣٨٥) قال في ابن الصلت: «يروي عن ثابت الزاهد وإسماعيل بن أبي أويس وأبي عبيد القاسم بن سلام ومن بعدهم، يضع الحديث» هكذا في (تاريخ بغداد) (ج ٥ ص ١٠٤) وفيه (ج٤ ص ٢٠٩) «حدثني أبو القاسم الزهري قال: سئل أبو الحسن علي بن عمر الدارقطني وأنا اسمع عن جمع مكرم بن أحمد فضائل أبي حنيفة فقال: موضوع كله كذب وضعه أحمد ابن المغلس الحماني» .
وراجع (الطليعة) ص ٩٦ - ٩٧.
الخامس: أبو عبد الله محمد بن عبد الله الحاكم صاحب (المستدرك) (٣٢١-٤٠٣) قال «روى ابن الصلت عن القعنبي ومسدد وابن أويس وبشر بن الوليد أحاديث وضعها وقد وضع أيضا المتون مع كذبه في لقي هؤلاء» وبشر بن الوليد مات سنة ٢٣٨ فإن صح فرضناه من مولد ابن الصلت فقد أدرك بشراً، وعن بشر روى حديث «طلب العلم فريضة» كما تقدم.
السادس: أبو بكر أحمد بن محمد بن غالب البرقاني الحافظ (٣٣٣ - ٤٢٥) عد ابن الصلت فيمن وافق الدارقطني عليه من المتروكين.
السابع: أبو نعيم أحمد بن عبد الله الأصبهاني الحافظ (٣٣٦ - ٤٣٠) قال في ابن الصلت «روى عن شيوخ لم يلقهم، بالمشاهير والمناكير» .
الثامن: أبو الفتح محمد بن أحمد بن أبي الفوارس الحافظ (٣٣٨ - ٤١٢) قال في ابن الصلت: «كان يضع» هكذا في (تاريخ بغداد) ، وفي (الميزان) و (اللسان) : «كان يضع الحديث» .
التاسع: أبو بكر بن علي بن ثابت الخطيب الحافظ (٣٩٢ - ٤٦٣) قال في ابن الصلت: «حدث عن ثابت بن محمد الزاهد وأبي نعيم ... أحاديث أكثر باطلة هو وضعها، وحكى أيضاً عن بشر بن الحارث ويحيى بن معين وعلى ابن المديني أخباراً جمعها بعد أن صنفها «في (اللسان) : وضعها» في مناقب أبي حنيفة» .
стр. 387
وذكر المثالين السابقين حديث طلب العلم والزيادة في الحكاية عن ابن عيينة.
العاشر: أبو عبد الله محمد بن أحمد بن عثمان الذهبي (٦٧٣ - ٧٤٨) قال في ابن الصلت مرة «هالك» ومرة «وضاع» ومرة «كذاب» وأورد له الحكاية في أبي حنيفة لعبد الله بن الحارث بن جزء وقد مر ذلك.
الحادي عشر: أبو الفضل أحمد بن علي بن حجر العسقلاني (٧٧٣ - ٨٥٢) ذكر في (لسان الميزان) كلام الأئمة في ابن الصلت ثم قال: «ومن مناكيره روايته عن بشر الحافي عن إسماعيل بن أبي أويس عن مالك عن نافع عن ابن عمر رفعه: أزهد في الدنيا يحبك الله - الحديث ... وهذا الحديث بهذا الأستاذ بهذا باطل» .
فهؤلاء أحد إماماً طعنوا في ابن الصلت وجرحوه جرحاً مفسراً مشروحاً ولو تتبعنا لوجدنا معهم عيرهم كابن عساكر وابن السمعاني وآخرين ولكن الأستاذ الذي جاء بعدهم بقرون يأتي إلا أن يجعلهم أسرابا يركضون وراء يرددون صدى الطاعن أياً كانت قيمة طعنه ولهم موقف يوم القيامة رهيب لا يغبطون عليه» مع أنه عرف حججهم ولم يجد ما يصح أن يعد مخالفاً لهم، وينسى موقفه يوم القيامة كأنه مرفوع عنه القلم دونهم، ويذكرون في ابن درستويه ما هو بالنسبة إلى ما في ابن الصلت كالهباءة بالنسبة إلى الجبل العظيم ثم يقول: «وتضعف كواهل الخطيب وأذنابه عن حمل أثقال التهم التي ركبت على أكتاف هذا الأخباري الهاذي» ولكن لا تضعف كواهله عما على ابن الصلت كأن الخطيب وغيره من أئمة الحديث كما قال حسان:
لو يدب الحولي من ولد الذر ... عليها لندبتها الكلوم
لكنه هو (ثهلان ذو الهضبات ما يتحلحل) ولو اكتفى بقوله ص ١٦٥ «متكلم فيه ولسنا بحاجة إلى رواياته في مناقب أبي حنيفة وعندنا بطرق رجال لم يتكلم فيهم روايات كثيرة بمعنى ما رواه» لاستراح وأراح، لكنه عاد فدل على وثوقه بدعواه. وخير للحنفية أن يغسلوا أيديهم من ابن الصلت فإن المدافعة عن
стр. 388
مثله شهادة من المدافع عن نفسه بماذا؟
٣٥- أحمد بن محمد بن عبد الكريم أبو طلحة الفزاري الوساوسي . في (تاريخ بغداد) (١٣ / ٣٠٩) « ... حدثنا أبو طلحة أحمد بن محمد بن عبد الكريم الوساوسي حدثنا عبد الله ... » قال الأستاذ ص ٥٨ «تكلموا فيه فلا يلتفت إلى وساويسه» .
أقول: سأل عن الدارقطني فقال: «تكلموا فيه» وقال الخطيب في «التاريخ» ج٥ ص ٥٨ «سألت البرقاني عن أبي طلحة الفزاري فقال: ثقة» فكلمة «تكلموا فيه» ليست يجرح إذا لا يدري من المتكلم وما الكلام؟ والتوثيق صريح في العمل عليه.
٣٦- أحمد بن محمد بن عمر . تقدم (١) في ترجمة أحمد بن محمد بن الصلت رواية المنكدري، بمتابعة يعقوب بن سفيان، أشار إليها الأستاذ ص ١٦٦ وقال: «أما المنكدري فكثير الانفراد والأغراب، وقال الإدريس: في حديثه المناكير، وأنكر عليه أيضا أبو جعفر الأرزناني، وقال الحاكم كان له إفرادات وعجائب قال السمعاني: يقع في حديثه المناكير والعجائب والأفرادات» . أقول الذي فيه «الميزان» و «اللسان» عن الإدريس: «يقع في حديثه المناكير ومثله إن شاء الله لا يعتمد الكذب سألت محمد ابن أبي سعيد السمرقندي الحافظ فرأيته حسن الرأي فيه وسمعته يقول سمعت المنكدري يقول: أناظر في ثلاثمائة ألف حديث فقلت هل رأيت بعد ابن عقدة أحفظ من المنكدري؟ قال: لا» ومن يضاهي ابن عقدة في الحفظ والإكثار فلا بد أن يقع في حديثه الأفراد والغرائب وإن كان أوثق الناس فأما المناكير فقد يكون الحمل فيها على من فوقه وعلى كل
стр. 389
حال فلم يذكروا فيه جرحا صريحا ولا توثيقا صريحا لكنهم قد أنكروا عليه في الجملة فالظاهر أنه ليس بعمدة فلا يحتج بما ينفرد به. والله أعلم.
٣٧- أحمد بن محمد بن يوسف بن دوست أبو عبد الله العلاف . في (تاريخ بغداد) (١٣/ ٤١٤) «أخبرنا الحسن بن أبي طالب أخبرنا أحمد بن محمد بن يوسف حدثنا محمد بن جعفر المطيري ... » قال الأستاذ ص ١٥٠ «تكلم محمد بن أبي الفوارس في روايته عن المطيري وطعن فيه. وقال الأزهري: ابن دوست ضعيف رأيت كتبه كلها طرية، قيل: إنه كان يكتب الأجزاء ويتربها ليظن أنها عتق. والكلام فيه طويل راجع (تاريخ الخطيب) ج ٥ ص ١٢٥» .
أقول: ذكر الخطيب ما حكاه الأستاذ عن أبي الفوارس روى عن عيسى بن أحمد ابن عثمان الهمداني كلاماً يتعلق بابن دوست وفيه من قول عيسى: «كان محمد بن أبي الفوارس ينكر علينا مضينا إليه وسماعنا منه، ثم جاء بعد ذلك وسمع منه» فكأن ابن الفوارس تكلم أولاً في سماع ابن دوست من المطيري لأنه كان عند موت المطري ابن اثنتي عشرة سنة، ثم كأنه تبين لابن أبي الفوارس صحة السماع فعاد فقصد ابن دوست وسمع منه، وذلك أن والد ابن دوست كان من أهل العلم والصلاح والرواية والثقة ترجمته في (تاريخ بغداد) ج ٣ ص ٤٠٩ ووفاته ستة ٣٨١ ومولد أحمد سنة ٣٢٣ فقد ورد له في شبابه فكأنه اعتنى به فبكر به لسماع وقيد سماعه وضبطه له على عادة أهل العلم في ذاك العصر وقد صحح المحدثون سماع الصغير المميز. وأما الأزهري فتمام عبارته « ... وكان يذكر أن أصوله العتق غرقت فستدرك نسخها» . فالتضعيف مفسر يما بعده، وأعلم أن المتقدمين كان يعتمدون على الحفظ فكأن النقاد يعتمدون في النقد عدالة الراوي واستقامة حديثه، فمن ظهرت عدالته وكان حديث مستقيماً وثقوه. ثم صاروا يعتمدون الكتابة عند السماع فكان النقاد إذا استنكروا شيئاً من حديث الراوي طالبوه بالأصل. ثم بالغوا في الاعتماد على الكتابة وتقيد السماع فشدد النقاد
стр. 390
فكان أكثرهم لا يسمعون من الشيخ حتى يشاهدوا أصله القديم الموثوق به المقيد سمعه فيه، فإذا لم يكن للشيخ أصلاً لم يعتمدوا عليه وربما صرح بعضهم بتضعيفه، فإذا ادعى السماع ممن يستبعدون سماعه منه كان الأمر أشد. ولا ريب أن في هذا الحالة الثالثة احتياطاً بالغة، ولكن إذا عرفت عدالة الرجل وضبطه وصدقه في كلامه، وأدعى سماع محتملاً ممكن، ولن يبزر به أصلاً وأعتذر بعمل محتمل قريب ولم يأتي بما ينكر فبأي حجة يرد خبره؟ وقد قال الخطيب «حدثني ابن عبد الله الصوري قال: قال لي حمزة بن محمد بن طاهر: قلت لخالي أبي عبد الله بن دوست: أراك تملي المجالس من حفظك فلم لا تملي من كتابة؟ فقال لي: أنظر فيما أمليه فأن كان لك فيه زلل أو خطأ لم أملي من حفظي، وأن كان جميعه صواباً وما الحاجة إلى الكتاب؟ أو كما قال» فيظهر أن والده لم يكتف بتسميعه بل أعتني بتحفيظه ما سمع، فإذا كانت أصوله بعد حفظه ما فيها غرقت فابتلت وخيف تقطع الورق وبقية الكتابة تقرأ فستنسخ منها، أو ذهبت فنسخ من حفظه، أو من كتبت قد كانت قوبلت على أصوله، أو لم تقابل ولكنه أعتبرها بحفظه فأي حرج في ذلك؟ وإذا كان اعتماده على حفظه فهب أنه لم يكن له أصول البتة، أو كانت فتلفت ولم يستدرك نسخها إلا يكون له أن يروي من حفظه؟ أو لا تقوم الحجة بخبره إذا كان عدلاً ضابطاً؟ وأما قضية التتريب فهي في عبارة للبرقاني قال الخطيب «سألت أبا بكر البرقاني عن ابن دوست؟ فقال كان يسرد الحديث من حفظة، وتكلموا فيه، وقيل: إنه كان يكتب الجزاء ويرتبها ليظن أنها عتق» فقوله تعنت بعض الطلبة وكان إذا سئل يبين الواقع كما في بقية عبارة الأزهري التي تركها الأستاذ وأما قول البرقاني «تكلموا فيه» وما في الترجمة أن الدارقطني تكلم فيه فمحصول على ما صرحوا به مما مر، ومر ما فيه.
وبعد فقد وصفوا ابن دوست بالحفظ والمعرفة قال الخطيب «كان مكثراً من الحديث عارفاً به حافظاً له، مكث مدة يملي في جامع المنصور بعد وفاة أبي طاهر
стр. 391
المخلص ثم انقطع عن الخروج ولزم بيته، كتب عن الحسن بن محمد الخلال وحمزة بن محمد بن طاهر الدقاق وأبو القاسم الأزهري وهبة الله بن الحسين الطبري وعامة أصحابنا، وسمعت منه جزءاً وأحداثه ولم يغمزوه في دينه بشيء، ولا استنكروا له حديثاً واحداً، فلا أرى أمره إلا قوياً والله أعلم.
٣٨ - أحمد بن المعذل (١) في (تاريخ بغداد) (١٣ / ٣٩٣) «أخبرنا القاضي أبو عبد الله الصيمري ... لأحمد بن المذل: إن كنت كاذبة الذي حدثني ... » قال الأستاذ ص ٩٥ «هو أول من قام بنشر مذهب مالك بالبصرة بعد أن تفقه على عبد الملك ابن الماجشون، وشيخه هذا حينما رحل إلى العراق من المدينة المنورة رحل ومعه من يغنيه فزهد فيه أهل العلم ... وهو الذي كان أخوه عبد الصمد بن المعذل يقول فيه:
أضاع الفريضة والسنة ... فتاه على الإنس والجنه « ... الأبيات» .
أقول: أما البيت فالرواية فيه «أطاع الفريضة ... » كما شرحته في (الطليعة) ص٦٣ فتجلد الأستاذ وقال في (الترحيب) ص ٤٥: «هذا تمحل لو كان مراده هذا لقال: أقام،.. وإنما الطاعة لله ولرسوله ولا للعمل، وهذا ظاهر» كذا قال ولو لم يوجد هذا الشعر إلا في كتاب واحد وفيه «أطاع» ولم يكن في السياق وغيره ما يدل على صحة ذلك ما ساغ لعالم تغييره لأن العربية لا تضيق بمن «أطاع الفريضة» بل يمكن تخريجها على عدة أوجه كالمجاز والتضمين وغير ذلك فكيف بالتغيير إلى أضاع مع إبطال الأدلة المعنوية كعجز البيت، والبيت الثاني وسبب قول ذلك الشعر وما هو معلوم من حال أحمد. هذا كله توضيح للواضح، وقابل هذا
стр. 392
بما يأتي في ترجمة الشافعي في الكلام على ما وقع في (مختصر المزني) : «وليست الأذنان من الوجه فيغسلان» .
وأما عبد الملك فلم يزهدوا فيه لاستجازته الغناء فقد سبقه إليه إبراهيم بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوق المجمع على توثيقه، وإنما زهدوا في عبد الملك لمنكراته في روايته ولاتهامه برأي جهم كما ترى في ترجمته من (التهذيب) ، وأحمد بن المعذل لم يطعن أحد في روايته ولا عقيدته ولا عرف بالترخيص في الغناء فيما علمت وقد وثق، ولا يضر العالم آن يكون في شيوخه مطعون فيه، ومن شيوخ أحمد من أصحاب مالك محمد بن مسلمة الذي تجاهله الأستاذ في (التأنيب) ونبهت عليه في (الطليعة) ص٨٧- ٨٩ فاعترف الأستاذ في (الترحيب) ، وسمع أحمد أيضاً من بشر بن عمر وإسماعيل بن أبي أويس وغيرهما من أصحاب مالك.
وذكر الأستاذ ما يتعلق بمذهب مالك من الأخذ بالقياس، وسألم بذلك في ترجمة مالك إن شاء الله تعالى.
٣٩- أحمد بن موسى النجار . قال الأستاذ ص ١٧ في ذكر أبي نعيم الأصبهاني: «أخرج رحلة ... بسند أحمد بن موسى النجار وعبد الله بن محمد البلوى وهما كذابان معروفان» .
أقول: البلاء من البلوى وهو الكذاب المعروف فأما النجار فلم يعرف (١)
٤٠- أحمد بن يونس . في (تاريخ بغداد) ١٣/٣٧٩ من طريق «عباس بن عبد العظيم حدثنا أحمد بن يونس، قال: اجتمع ابن أبي ليلى وأبو حنيفة عند عيسى العباسي والي الكوفة ... » قال الأستاذ ص ٥٦: «إن كان أحمد بن عبد الله بن يونس اليربوعي المتوفى سنة ٢٢٧ قلم يكن في عهد عيسى بن موسى والي الكوفة في سن تمكنه من الحضور في مثل تلك المجالس فيكون الخبر مقطوعاً، وأن كان أحمد بن يونس، فإنه غالباً ينسب إلى جده ولا يفهم عند
стр. 393
إطلاق أحمد بن يونس في تلك الطبقة غيره ومولده سنة ١٣٣ أو في التي تليها وقد صح عنه أنه قال: «مات الأعمش وأنا أربع عشرة سنة ورأيت أبا حنيفة ومسعراً، وابن أبي ليلى يقضي خارج المسجد من أجل الحيض» ومات الأعمش سنة ١٤٧ وقيل في التي تليها، ومات ابن أبي ليلى سنة ١٤٨ وعمر أحمد خمس عشرة على المشهور من وفاة الأعمش، وقد يبرز الأمير للناس أو يأذن عاماً أو يدخل عليه ابن الغلام ابن أربع سنة مع أبيه عمه مثلاً. والله أعلم.
٤١- الأحوص الجَوَّاب أبو الجواب . في (تاريخ بغداد) ١٣ / ٤٠٧ من طريق إسحاق بن إبراهيم البغوي: «حدثنا أبو الجواب ... » قال الأستاذ ص ١٣٣: «لم يكن بالقوي عند ابن معين» .
أقول: في (تهذيب التهذيب) : «قال ابن معين: ثقة، وقال مرة: ليس بذاك القوي» وهذا إنما يعطي أنه ليس غاية في الاتفاق فكأن ابن حبان فسر ذلك إذ قال في (الثقات) : «كان متقناً ربما وهم» وهذا إنما يظهر آثره عند ما يخالف من وثقوه مطلقاً، والأحوص من رجال مسلم في (صحيحه) .
٤٢- إسحاق بن إبراهيم الحنيني . في (تاريخ بغداد) ١٣/٣٩٦ من طريق «الحسن ابن الصباح، حدثنا إسحاق بن الحنيني قال: قال مالك..» قال الأستاذ ص ١٠٥: «كره ابن الجوزي في (الضعفاء) ، وقال الذهبي: صاحب أوابد، وقال البخاري: في حديثه نظر - وهو من أشد كلمات الجرح عنده -، وقال الحاكم أبو أحمد: «في حديثه بعض المناكير، وقال البزار» : كف بصره فاضطرب حديثه، وقال أبو حاتم: لم يرضه أحمد بن صالح، وقال النسائي: ليس بثقة» .
أقول: وقال الذهبي في (الميزان) : «كان ذا عبادة وصلاح، وقال عبد الله بن يوسف التنيسي: كان مالك يعظم الحنيني» وفي (تهذيب التهذيب) : «قال ابن حبان في (الثقات) : كان يخطئ، وقال عبد الله بن يوسف: كان مالك يعظمه ويكرمه ... وقال ابن أبي حاتم عن أبي زرعة: صالح، يعني في دينه لا في حديثه»
стр. 394
وذكروا أن البخاري يقول: «فيه نظر» أو «سكتوا عنه» فيمن هو عنده ضعيف جداً، قال السخاوي في (فتح المغيث) ص ١٦١ «وكثيراً ما يعبر البخاري بهاتين ... فيمن تركوا حديثه، بل قال ابن كثير: إنهما أدنى المنازل عنده وأردؤها» ولم يقل البخاري في الحنيني: «فيه نظر» إنما قال: «في حديثه نظر» وبينها فرق فقوله: «فيه نظر» تقتضي الطعن في صدقه وقوله: «في حديثه نظر» تشعر بأنه صالح في نفسه وإنما الخلل في حديثه لغفلة أو سوء حفظ ولعل الأستاذ يقول: هذا تمحل فيقال له: ألم تقل ص ٤٨ «وأما قوله في (تاريخه الكبير) :كان مرجئا سكتوا عنه وعن رأيه وعن حديثه فبيان لسبب إعراض عنه» وقد علمت أن «سكتوا عنه» هي أخت «فيه نظر» بل هي الكبرى. والمقصود هنا أن الحنيني كان صالحا في نفسه وقد سقنا شواهد ذلك فأما حديثه فكلمة البخاري تقتضي أنه مطرح لا يصلح حتى للاعتبار وكذلك كلمة النسائي وصنيع ابن حبان يقتضي انه يعتبر به وكذا كلمة الحاكم أبي أحمد ويوافقهما قول ابن عدي: «ضعيف ومع ضعفه يكتب حديثه» وكلمة البزار تقتضي أن حديثيه كان قبل عماه مستقيما فينظر متى عمي؟ ومتى سمع منه الحسن بن الصباح؟ وهل روايته التي ساقها الخطيب من مظان الغلط؟
٤٣- إسحاق بن إبراهيم الموصلي . في (تاريخ بغداد) ١٤/٢٤٩ من طريق «محمد ابن أبي الأزهر حدثنا حماد بن إسحاق الموصلي حدثني ... » قال الأستاذ: ص ١٧٦: «حماد إسحاق الموصلي ... هو وأبوه من رجال الأغاني ... » .
أقول: تراجع ترجمتاهما في (تاريخ بغداد) وزعم الأستاذ أن في القصة غضاضة على أبي يوسف وليس ذلك بظاهر وفيما هو منقول عن الحنفية من الحيل المباحة عندهم ما هو أقرب إلى الإيحاش منها. أما الخطيب فلعله إنما قصد بإيراد تلك الحكاية الظريفة تزيين (التاريخ) .
стр. 395
٤٤ - إسحاق بن عبد الرحمن . في (تاريخ بغداد) ١٣ / ٣٧٨ من طريق «جعفر ابن محمد الصندلي حدثنا إسحاق بن إبراهيم «بن عبد الرحمن البغوي» ابن عم ابن منيع: حدثنا إسحاق بن عبد الرحمن حدثنا حسن بن أبي مالك ... » قال الأستاذ ص ٥٢: «وإسحاق بن عبد الرحمن لا يعلم» .
أقول: شيخ الصندلي قديم يروي عن إسماعيل بن عليه المتوفى سنة ١٩٣ وعنه البخاري في (الصحيح) وغيره والحسن بن أبي مالك توفي سنة ٢٠٤ فلو كان للأستاذ غرض في تصحيح تلك الرواية لربما جزم بأن لفظ «حدثنا إسحاق بن عبد الرحمن» كان بهامش أصل قديم على أنها بدل «حدثنا إسحاق بن إبراهيم» وذلك بنسبة إسحاق إلى جده، فتوهم الناسخ أن تلك الحاشية لحق فأدرجها في المتن، ولذلك نظائر في النسخ الخطية.
٤٥ - إسحاق بن عبد الرحمن. ذكر الأستاذ ص ١٨٤ رواية أبي نعيم الأصبهاني عن أبي الشيخ عن عبد الرحمن بن داود عن عبيد بن خلف عن إسحاق بن عبد الرحمن عن الحسين الكرابيسي فذكر قصة. قال الأستاذ «إسحاق بن عبد الرحمن مجهول ... فلا يجدي تكلف التاج ابن السبكي في ترقيع السند» .
أقول: إنما قال ابن السبكي في (طبقات الشافعية) ج١ ص٢٥٣ «كذا في السند: عبيد عن إسحاق. وعبيد صاحب الكرابيسي ولا يمتنع أن يسمع عنه كما سمع منه» فأين الترقيع؟.
٤٦- أسد بن موسى بن إبراهيم المرواني الأموي ، يقال له: أسد السنة. في (تاريخ بغداد) (١٣ / ٣٨٣) من طريق «الربيع بن سليمان يقول: سمعت أسد بن موسى، قال ... » قال الأستاذ ص ٦٥ «منكر الحديث عند ابن حزم» أقول قد قال البخاري: «مشهور الحديث» وهذا بحسب الظاهر يبطل قول ابن حزم، لكن يجمع بينهما قول ابن يونس «حدث بأحاديث منكرة وأحسب الآفة من غيره» وقول النسائي «ثقة ولو لم يصنف كان خيراً له» وذلك أنه لما صنف احتاج
стр. 396
إلى الرواية عن الضعفاء فجاءت في ذلك مناكير، فحمل ابن حزم على أسد، ورأى ابن يونس أن أحاديثه عن الثقات معروفة، وحقق البخاري فقال «حديثه مشهور» يريد والله أعلم مشهور عمن روى عنهم فما كان فيه من إنكار فمن قبله، وقد قال ابن يونس أيضاً والبزار وابن قانع حافظ الحنفية: ثقة، وقال العجلي: ثقة صاحب سنة. وفي (الميزان) : «استشهد به البخاري، واحتج به النسائي وأبو داود وما علمت به بأساً» .
وقد أساء الأستاذ إلى نفسه جداً إذ يقتصر على كلمة ابن حزم في صدد الطعن، مع علمه بحقيقة الحال ولكن!
٤٧- إسماعيل بن إبراهيم بن معمر أبو الهذلي الهروي الكوفي . في (تاريخ بغداد) (١٣/٤٠٠) من طريق إبراهيم بن عبد الرحيم ثم من طريق عبد الله بن أحمد بن حنبل قال كل منهما «حدثني أبو معمر ... » قال الأستاذ ص ١١٤ «هو ممن أجاب في المحنة وقال: كفرنا وخرجنا، ويقال إن ابن معين قال: خرج الهذلي هذا إلى الرقة وحدث خمسة آلاف حديث أخطأ في ثلاثة آلف منها» .
أقول: قال الله ﵎: ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالأِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْراً فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ فأبو معمر ممن أكره والأستاذ يعلم من هو الذي شرح صدره بتلك المقالة. وأما ما جاء عن الإمام أحمد أنه كان ينهى عن الكتابة عن الذين أجابوا في المحنة فليس ذلك على معنى جرح من أجاب مكرها، بل أراد بذلك تثبيت أهل العلم والعامة، أما أهل العلم فخشية أن يبادروا بالإجابة قبل تحقق الإكراه، وأما العامة فخشية أن يتوهموا أن الذين أجابوا أجابوا عن الشراح صدر، فإن كان مغزى الأستاذ الطعن على أبي معمر لإيمانه بأن القرآن غير مخلوق، وقوله إن القول بأنه مخلوق
стр. 397
كفر، فتلك شكاة ظاهر عنك عارها. وأما الحكاية عن ابن معين فقد أنكرها الخطيب وغيره من أئمة الحديث ولكن الأستاذ، فإنه مع إظهاره أنه متهالك في القاع عنه، يكثر من التشبث بالأشياء المردودة والباطلة، ويلجأ إلى المغالطة والتهويلات الفارغة، وذلك يلجئ الناظر إلى ما يلجئه، فيقول لولا أن تلك المطاعن أو أكثرها حق لما اضطر مثل الكوثري في سعة اطلاعه وقوة عارضته إلى ما أضطر إليه في الإجابة عنه والمعروف عن ابن معين توثيق أبي معمر، قال عباس الدوري
«سأل يحيى بن معين عن أبي معمر وهارون بن معروف فقال: أبو معمر أكيس» هذا مع قوله هو وغيره في هارون «ثقة» وقال ابن سعد في أبي معمر «هو من هذيل أنفسهم صاحب سنة وفضل وهو ثقة ثبت» وقال ابن قانع حافظ الحنفية «ثقة ثبت» وروى عنه البخاري ومسلم في «الصحيحين» .
٤٨- إسماعيل بن بشر بن منصور السليمي أبو بشر البصري . في (تاريخ بغداد) (١٣/ ٣٩٦) من طريق «عبد الله بن أحمد الجصاص حدثنا إسماعيل بن بشر قال سمعت عبد الرحمن بن مهدي يقول ... » قال الأستاذ ص ١٠٧ «قدري يعادي مثبتي القدر، فلا يثبت بسند فيه مثله ومثل أبي المفضل عزوا هذا القول إلى أبي المهدي كما لا يثبت ما يعزوا إليه أبو نعيم في «الحلية» بطريق رسته لما سيأتي في رسته» .
أقول: قد تقدم في القواعد أن العداوة الدينية لا ترد بها الشهادة فكيف الرواية؟ ولم يكن إسماعيل داعية وقد قال أبو داود «صدوق» وروى عنه في «سننه» ولا يروي إلا عن ثقة كما تقدم في ترجمة أحمد بن سعد بن أبي مريم وكذلك روى عنه ابن خزيمة مع تثبته وأخرج له النسائي في «السنن» وذكره ابن حبان في «الثقات» ورسته هو عبد الرحمن بن عمر تأتي ترجمته.
стр. 398
٤٩- إسماعيل بن أبي الحكم . في (تاريخ بغداد) (١٣/٣٨٠) من طريق «الأثرم حدثني هارون بن إسحاق قال سمعت إسماعيل بن أبي الحكم يذكر عن عمر ابن عبيد ... » قال الأستاذ ص ٥٨ «فيكون إسماعيل هذا مجهولاً» .
أقول ذكره المزي في شيوخ هارون، وفي كتاب ابن أبي حاتم «إسماعيل بن أبي الحكم الثقفي روى عن عمران بن عيينة وعيسى بن يونس، روى عنه أبو زرعة، سئل أبي عنه فقال: شيخ» وفي «لسان الميزان» ج ٣ ص ٤١٦ «فمن عاد أبي زرعه أن لا يروي إلا عن ثقة» .
٥٠- إسماعيل بن حمدويه . ذكرته في «الطليعة» ص ٩٠ وذكرت هناك أنه وقع في النسخة «الثقات» «الإسكندرية» . ثم وقفت على نسخة أخرى أصح من الأولى محفوظة في المكتبة السعدية بحيدر أباد دكن وفيها «البيكندي» على الصواب.
٥١- إسماعيل بن عرعرة . قال الأستاذ ص ٤٨ «وأما قول أبي عبد الله بن الجعفي «البخاري صاحب الصحيح» في «تاريخه الصغير» : سمعت إسماعيل بن عرعرة يقول: قال أبو حنيفة: جاءت امرأة جهم إلينا فأدبت نسائنا. فليس بأحسن حالاً من سابقه بالنظر إلى تأخر طبقة إسماعيل بن عرعرة، فبينة وبين أبي حنيفة انقطاع، وإسماعيل بن عرعرة هذا مجهول الصفة لم يذكره أحد من أصحاب التواريخ التي اطلعنا عليها حتى البخاري ... نعم له ذكر في كتابة «السنة» لعبد الله بن أحمد في ص ٢٧ و١٥٤ بما يدل أنه بصري معاصر لعباس عبد العظيم العنبري، وليس في هذا أدنى غناء بعد أن أعلم أنه لم يرو أحد من أصحاب الأصول الستة عن ابن عرعرة هذا» .
أقول: في «إكمال بن ماكولا» «برند» أنه لعروة بن البرند البصري ابناً اسمه إسماعيل، وعروة ولد سنة ١١٠ ومات سنة ١٩٣ فلا مانع أن يكون له ابن أدرك أبا حنيفة ثم عاش حتماً حتى أدركه البخاري، وقد مر في ترجمة أحمد بن عبد الله أبو
стр. 399
عبد الرحمن أن البخاري لا يروي أي عن صدوق يتميز صحيح حديثه من سقيمه، وقد يكون الرجل ثقة مقلا من الرواية إنما لا يروي قليلاً من الحكايات فلا يعتني به أهل التواريخ ولا يحتاج إليه في الأمهات الست، وراجع ما مر في ترجمة إبراهيم بن شماس.
٥٢- إسماعيل بن عياش الحمصي . في (تاريخ بغداد) ١٣/٣٩٤ من طريق «محمد ابن عوف: حدثنا إسماعيل بن عباس الحمصي حدثنا هشام بن عروة ... » قال الأستاذ ص١٠٠ «الصواب: إسماعيل بن عياش ... وروايته عن غير الشاميين مردودة عن أهل النقد» .
أقول: إسماعيل ثقة في نفسه لكن عن غير الشاميين تخليط كثير فحده إذا روى عن غير الشاميين أن يصلح في المتابعات والشواهد. تلك الحكاية تابعه عليها سفيان بن عيينة وغيره كما يأتي في ترجمة هشام، وراجع ص ٩.
٥٣- إسماعيل بن عيسى بن علي الهاشمي . في «تاريخ بغداد» ١٣ / ٣٨٧ من طريق «عبد السلام بن عبد الرحمن حدثني إسماعيل بن عيسى بن علي الهاشمي قال: حدثني أبو إسحاق الفزاري ... » قال الأستاذ ص ٧٧: «إسماعيل بن عيسى من المجاهيل» .
أقول: الصواب أن يقول: «لم أعرفه» فأن عدم معرفة مثل الأستاذ بالرجل لا يستلزم أن يكون مجهولاً، راجع «الطليعة» ص ٨٦ - ٩٨.
٥٤- الأسود بن سالم . في «تاريخ بغداد» ١٣ / ٤٠٩) من طريق أبو عبيد: «كنت جالساً مع الأسود بن سالم في مسجد الجامع بالرصافة فتذكروا مسألة فقلت: أن أبا حنيفة يقول: فيها كيت وكيت، فقال لي الأسود تذكر أبا حنيفة في المسجد؟ فلم يكلمني حتى مات» . قال الأستاذ ص ١٣٤: «أين الأسود بن سالم من أبي عبيد الإمام في كل علم؟ وكان الأسود بن سالم بن العباد المتقشفين المقبلين على الله، ولم يكن له سعة في العلم ولا الالتفات إلى الفقه، كان يصعب عليه أن
стр. 400
يشتغل في المسجد بغير ذكر الله غير شاعر بأن مذاكرة الفقه من ذكر الله، وله رأيه وللأهل العلم رأيهم، ولم يكن هو ممن يحتج بقوله في هذا الموضع، ولا أدري لماذا تكلف الخطيب الرواية عنه وحاله معلوم مما رواه الخطيب نفسه في ج٧ ص٣٦ حيث قال: أخبرنا ... سمعت حبش بن برد يقول رأى أسود بن سالم يغسل وجهه من غدوة إلى نصف النهار فقيل له أيش خبرك؟ قال: رأيت اليوم مبتدعاً فان أغسل وجهي منذ رأيته وإلى الساعة وأنا أظنه لا ينفي» !
أقول: وأنا ما أدري لماذا تكلف الأستاذ بالتأويل المستكره؟ فأنه لا يخفي أن الأسود لم ينكر المذاكرة من حيث هي، ولو كان كذلك لنكرها عليهم عند شريعتهم فيها ولما كان لذكر أبي حنيفة وجه ولما حكى أبو عبيد الإمام في كل فن القصة على ما حكاها فأما قصة غسل الوجه فالذي في «التاريخ» حبش بن الورد، فكأن حبش بن أبي الورد المترجم في «التاريخ» أيضاً باسم محمد بن الورد ولقبه حبش وهو من المذكورين بالعبادة والزهد يروي الحكايات ولم يوثق. والأستاذ يعد قول الراوي «قيل لفلان» أو سئل فلان» منقطعاً للجهل بالقائل أو السائل، وقد رددت عليه ذلك في القواعد وغيرها، وقول حبش «رئي أسود» ظاهر في الانقطاع بخلاف «قيل» و «سئل» فإن الراوي قد يحضر الواقعة ويكون القائل أو السائل غيره دونه فأما أن يحضرها ويكون الرائي غيره دونه فلا إلا أن يكون أعمى. فليبحث الأستاذ لعله يجد نصا على أن حبشاً كان أعمى فيصير قوله «رئي أسود» بمنزلة قول غيره «قيل لفلان» و «سئل فلان» ونحو ذلك كقول سلمة «قال رجل لابن المبارك» ! فإن صحت القصة بالأسود أنه إنما قصد تنقير الناس عن البدع وأهلها!
٥٥- أصبغ بن خليل القرطبي . قال الأستاذ ص ١٠٥: «روى الحافظ أبو الوليد بن الفرضي عن أبي القاسم أصبغ بن خليل القرطبي الذي دارت عليه الفتوى في مذهب مالك خمسين عاماً وتوفي سنة ٢٧٣ أنه قال: لأن يكون في تابوتي رأس خنزير أحب إلي من أن يكون فيه (مصنف ابن شيبة) » !
стр. 401
أقول: (مصنف ابن أبي شيبة) مشتمل مع أحاديث صحاح على ضعاف وعلى أقوال مختلفة محكية عن بعض الصحابة وبعض التابعين وبعض من بعدهم، والظن بأصبغ أنه لم يقصد ذم الأحاديث، كيف وكان هو يروي (الموطأ) وغيره؟ وبعد، فماذا على المالكية من أصبغ هذا وقد كذبه أجلتهم كالقاسم بن أصبغ وابن الفرضي وعياض، ودوران الفتوى عليه إنما هو نتيجة أن العامة كانوا حريصين على الجمود على أقوال ابن القاسم صاحب مالك، والدولة موافقة لهم على ذلك، وكان هو عارفا بها جامداً عليها. وفي المالكية من حفاظ الحديث والمتبعين له إذا خالفه المنقول في مذهبهم عدد غير قليل، لعلهم يفضلون بذلك على بعض أصحاب المذاهب الأخرى!
ومن تأمل حال كثير من علماء المذاهب رأى أن كثيراً منهم قد تكون حالهم عند التحقيق شراً من حال أصبغ وذلك أنهم يظهرون التدين بقبول الحديث وتعظيم (الصحيحين) ويزيد بعضهم حتى من أهل عصرنا هذا فيقول: إن الحديث إذا كان في (الصحيحين) أو أحدهما فهو مقطوع بصحته، فإذا جاءوا إلى حديث مخالف لمذهبهم حرفوه أقبح تحريف، فالرد الصريح أخف ضرراً على المسلمين وأهو ن مؤنة على أهل «العلم والدين من إثارة الشبه والتطويل والتهويل الذي يغتر به كثير من الناس ويضطر العالم» إلى صرف وقته في كشف ذلك. والله المستعان.
٥٦- أنس بن مالك صاحب النبي ﷺ -. تقدم ما يتعلق به في (الطليعة) ص ٩٨- ١٠٦، وفي الفصلين الثاني والخامس من أوائل هذا الكتاب، وذكرت ص ١٠٠- ١٠١ من (الطليعة) بعض المعمرين من ثقات التابعين المحتج بهم مطلقاً إجماعاً، ويزاد عليهم مغرور ابن سويد وزر بن حبيش وأبو عثمان النهدي بلغ الأول مائة وعشرين سنة، والثاني مائة وسبعاً وعشرين سنة، والثالث مائة وثلاثين - وقيل: أربعين - سنة. وذكرت في ص ١٠٣ من (الطليعة) شاهداً لرواية أنس في أبوال الإبل ثم رأيت في (تفسير ابن جرير) ج ٦ ص ١١٩ - ١٣٠ «حدثنا محمد بن علي بن الحسن بن شقيق قال: سمعت أبي يقول: أخبرنا أبو حمزة عن عبد الكريم بن مالك الجزري وسئل عن أبوال الإبل؟
стр. 402
فقال: حدثني سعيد بن جبير عن المحاربين فقال: كان ناس أتوا النبي ﵌ ثم قالوا: إنا نجتوي المدينة. فقال النبي ﵌: هذه اللقاح تغدو عليكم وتروح فاشربوا أبوالها وألبانها» فذكر القصة وسياقها مخالف لسياق رواية أنس وفي آخرها الإشارة إلى حديث أنس وذلك يدل أن سعيد بن جبير تلقاها من غير أنس من الصحابة. والحديث مرسل صحيح رجاله ثقات كلهم وتأتي ترجمة محمد بن علي وترجمة أبي حمزة محمد بن ميمون السكري.
وعلي بن الحسن بن شقيق من متقدمي أصحاب أبي حمزة أن يظهر أن سماعه منه كان قبل أن يعمى أبو حمزة وعلي من المتثبتين وفي ترجمته من (تهذيب التهذيب) أنه قيل له: «سمعت (كتاب الصلاة) من أبي حمزة السكري؟» فقال: «نعم سمعت ولكن نهق حمار يوماً فاشتبه علي حديث فلا أدري أي حديث هو فتركت الكتاب كله» وكلام الأستاذ في (الترحيب) في العنعنة تقدم ما فيه في الفصل التاسع من أوائل الكتاب. والله الموفق.
٥٧- أيوب بن إسحاق بن سافري . راجع (الطليعة) ص ٥٩ -٦٠ أشار الأستاذ إلى ذلك في ص ٤٤ من (الترحيب) فلم يأت بشيء بل حاول الطعن في مهذب (تاريخ ابن عساكر) ، وذلك لا يغني عنه شيئاً، ثم قال: «لم يكن السافري إلا داعراً سافر الوجه، أصبحت الدعارة خلقاً فيه وملكه عنده رغم أنف هذا الناقد» .
أقول: أرغم الله أنف من يكابر، ويدفع الحق بالباطل، وانظر (طبقات أبي يعلى) ١/ ١٧١. (١)
٥٨- بشر بن السري . في (تاريخ بغداد) ١٣/٣٩١ من طريق «رجاء بن السندي سمعت بشر بن السري قال: أتيت أبا عوانة..» قال الأستاذ (ص٩٢) :
стр. 403
«يقول عنه الحميدي جهمي لا يحل أن يكتب عنه» .
أقول: ثبته عبد الرحمن بن مهدي جداً، وقال أحمد: «حدثنا بشر السري وكان متقناً للحديث عجباً» ووثقه ابن معين وغيره، واحتج به الشيخان في (الصحيحين) وبقية الستة. فأما التهجم فقال ابن معين في بشر: «رأيته يستقبل البيت يدعو على قوم يرمونه برأي جهم ويقول: معاذ الله أن أكون جهمياً» وقال أحمد: «سمعنا منه ثم ذكر حديث ﴿نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ فقال: ما أدري ما هذا، إيش هذا؟ . فوثب به الحميدي وأهل مكة، فاعتذر فلم يقبل منه وزهد الناس فيه، فلما قدمت المرة الثانية كان يجيء إلينا فلم نكتب عنه» .
أقول: لم ينصفوه فلعله إنما كان سمع ما صح عن مجاهد من تفسيره «ناظرة» في الآية بقوله: «تنتظر الثواب» فلما سمع الوجه الآخر استنكره من جهة كونه تفسيراً للآية لا من جهة إنكار الرؤية، أما ما زاده محمد بن حميد في الحكاية عن مجاهد: «لا يراه من خلقه شيء.» فمحمد بن حميد متهم. فإن كان بشراً استنكر الرؤية فقد كان حقهم أن يينوا له النصوص في إثباتها، فإذا أقر تبين أنه كان معذوراً فيما فرط منه، وإن أصر هجروه عن بينة. على أن الإجماع انعقد بعد ذلك على عذره والاحتجاج بروايته.
٥٩- بقية بن الوليد . في (تاريخ بغداد) ٢ / ١٧٩ من طريق «بقية يقول: قيل لإسماعيل بن عياش ... » قال الأستاذ ص ١٨٦: «حاله يقل سمعت رد روايته عند الجميع» .
أقول: بقية يدلس عن الضعفاء، فإذا لم يصرح بالسماع وجب التوقف لاحتمال أنه إنما سمع من ضعيف.
٦٠- تمام بن محمد بن عبد الله الأذني . في (تاريخ بغداد) ١٣ / ٤١٩
стр. 404
«أخبرنا العتيقي حدثنا تمام بن محمد بن عبد الله الأذني بدمشق أخبرنا أبو الميمون عبد الرحمن بن عبد الله البجلي ... » ذكر الأستاذ ص ١٦٤ بلفظ «تمام بن محمد بن عبد الله الرازي» وكتب في الحاشية: «وقع بدله (الأذني) في الطبعات الثلاث وهو تحريف، ومبلغ تعصب تمام وشيخه معلوم عند من عرف أحوالهما» .
أقول ترجمتاهما في (تاريخ دمشق) ولتمام ترجمة في (تذكرة الحفاظ) ج ٣ ص ٢٤٣، ولم أر من نسيهما ولا أحدهما إلى تعصب، ولا عرفت من أحوالهما ما يدل على ذلك. والمخالفة للمذهب لا تستلزم التعصب. وقد تقدم الكلام في التعصب في القواعد.
٦١- ثعلبة بن سهيل التميمي الطهوي . راجع (الطليعة) ص ٧٨ - ٨١، وما ذكرته هناك من أن ابن معين قد يطلق كلمة «ليس بشيء» لا يريد بها التضعيف وإنما يريد قلة الحديث ترى مستنده في ترجمة عبد العزيز بن المختار من (مقدمة الفتح) وترجمة كثير بن شنظير من (تهذيب التهذيب) ويعترف به الأستاذ كما ستراه في الترجمة الآتية.
٦٢- جراح بن منهال أبو العطوف . في (تاريخ بغداد) (١٣ / ٤٠٦) من طريق «سلمة بن سليمان يقول قال رجل لابن المبارك ... سلمة بن سليمان يقول: قال رجل لابن المبارك: أكان أبو حنيفة عالما؟ قال: لا ما كان بخليق لذاك ترك عطاء وأقبل على أبي العطوف» قال الأستاذ ص ١٢٨ «فيه انقطاع ومجهول لأنه لم يبين أنه سمع الرجل يقول وأنه حضر القصة كما لم يبين من هو هذا الرجل ... ثم من الغريب أن يزعم زاعم ... مع أنه ما من مسند من المسانيد السبعة عشر المؤلفة في أحاديث أبي حنيفة إلا وفيه روايته عن عطاء بكثرة وأما أبو العطوف ... فهو متأخر الوفاة عن أبي حنيفة بنحو ثماني عشر سنة وقد قلت رواية أبي حنيفة عنه جدا ولا مانع من الرواية عنه قبل طروء الغفلة، وقد ذكره أحمد بالغفلة فقط وقال ابن معين: ليس بشيء وهو كثيرا ما يقول هذا فيمن قل
стр. 405
حديثه ومن ظن بأبي حنيفة أنه لا يميز بين من به غفلة أو تهمة فقد ظن باطلا وأبو حنيفة يكثر جدا عن عطاء ... . بل ليس بين شيوخه بعد حماد بن أبي سليمان من يكثر عنه قدر إكثاره عن عطاء. وأما أبو العطوف فرواياته عنه كلها لا تزيد على نحو خمس روايات ... » .
أقول: أما الانقطاع والمجهول فقد تقدم النظر فيه في القواعد. وأما قوله: «ما من مسند من المسانيد السبعة عشر ... إلا وفيه روايته عن عطاء بكثرة» وقوله «وأبو حنيفة يكثر جدا عن عطاء» ففيه نظر ظاهر لأن غالب الجامعين لتلك المسانيد متأخرون وجماعة منهم متهمون بالكذب ومن لم يكن منهم متهما يكثر آن يكون في أسانيده إلى أبي حنيفة من لا يعتد بروايته ومع ذلك فقد تصحفت (جامع المسانيد) فلم أجد فيه عن أبي حنيفة عن عطاء إلا نحو ثلاثين رواية لعله لا يصح منها عن أبي حنيفة خمس أو ست فأين الكثرة؟ فضلا عن الإكثار جدا. على أن الحميدي قد قال: «حدثنا وكيع قال حدثنا أبو حنيفة انه سمع عطاء إن كان سمعه أخرجه الخطيب ورواه ابن أبي حاتم في كتابه (تقدمة الجرح والتعديل) في باب «ما ذكر من معرفة وكيع بن الجراح بناقلة الأخبار ورواة الآثار وكلامه فيهم» رواه عن أبيه عن الحميدي وذكره الأستاذ ص١٣٠ فزعم أن كلمة «إن كان سمعه» من قول الحميدي. ولم يضع الأستاذ شيئا هي من قول وكيع لكن ليس المقصود بها كما ذكر الأستاذ الشك في سماع أبي حنيفة مطلقا وإنما المقصود الشك في سماع خبر معين ذكره وكيع ولم يذكره الحميدي إذ كان قصد الحميدي إنما هو حكاية تلك الكلمة عن وكيع. وقد يحتمل أن الشك ليس من وكيع وإنما هو من أبي حنيفة نفسه كان يكون قال في ذلك الخبر: سمعت عطاء - إن كنت سمعته.. فعبر وكيع بما تقدم فإن كان هذا هو الواقع فليس فيه طعن من وكيع في أبي حنيفة كما فهموه. والله أعلم.
قوله «ولا مانع من الرواية عنه قبل طروء الغفلة» هذه دعوى مجردة فلم يذكر أحد قبل الأستاذ أن أبا العطوف طرأت عليه الغفلة، بل قدحوا فيه على الإطلاق
стр. 406
كما ترى بعض ذلك في (الطليعة) ص٨٠ ولو كان إنما بليته الغفلة وكانت طرأت عليه بعد أن سمع أبو حنيفة أو غيره لما طعنوا فيه بل كانوا يعدونه في جملة المختلطين الذين يوثقهم أهل العلم ويحتجون بما سمع منهم قبل الاختلاط. فأما قوله «ذكره أحمد بالغفلة فقط» فأحمد إمام ورع إذا كفاه غيره الكلام في رجل ورأى الناس قد تركوا حديثه لم يستحسن أن يشيع الكلام فيه، ومع ذلك فلم يشر أحمد إلى أن الغفلة طرأت كما زعم الأستاذ بل قضية كلامه أن الرجل لم يزل كذلك. وأما قول ابن معين «ليس بشيء» فلا ريب أنه يقولها في الراوي بمعنى قلة ما رواه جداً، يعني أنه لم يسند من الحديث ما يشتغل به كما مرت الإشارة إليه في ترجمة ثعلبة، فأما أنه كثيراً ما يقول هذا فيمن قل حديثه» فهذه مبالغة الأستاذ! وعلى ذلك فقد مضى تحقيق ذلك في ترجمة ثعلبة من (الطليعة) . وحاصله أن الظاهر المتبادر من هذه الكلمة الجرح فلا يعدل عنه إلا بحجة فلما كان ابن معين قد وثق ثعلبة ولم يقدح فيه غيره وثعلبة قليل الحديث جداً تبين أن مراد ابن معين بتلك الكلمة لو ثبتت قلة الحديث، وأبو العطوف لم يوثقه ابن معين ولا غيره بل أو سعوه جرحاً وحديثه غير قليل فقد ذكر له الأستاذ خمسة، وفي (لسان الميزان) ثلاثة أخرى لو لم يكن له غيرها لما كانت من القلة بحيث يصح أن يقال: إنها ليست بشيء ولولا أنهم تركوه ولم يكتبوا حديثه لوجدنا له غير ما ذكر، ولعله لولا أن جامعي المسانيد السبعة عشر علموا أن أبا العطوف تالف لوجدنا له في تلك المسانيد عشرات الأحاديث، فمن الواضح أن قول ابن معين في أبي العطوف «ليس بشيء» إنما محملها الجرح الشديد، فمحاولة الأستاذ أن يعكس القضية قلب للحقائق.
٦٣- جرير بن عبد الحميد . راجع (الطليعة) ص ٤٣ - ٤٦ وص ٨٣، واقتصر الأستاذ في (الترحيب) ص ٤٠ على أنه ليس فيما ذكرته ما يجدر التحدث عنه، كذا قال!
стр. 407
وقال في (التأنيب) ص١١٠ «مضطرب الحديث ... وكان سيئ الحفظ انفرد برواية حديث الأخرس الموضوع، والكلام فيه طويل الذيل وليس هو ممن يساق خبره في صدد سرد المحفوظ عند النقلة إلا في مذهب الخطيب» .
أقول: أما قوله «مضطرب الحديث» فكلمه لم يقلها أحد قبل الأستاذ، وليس هو ممن يقبل منه مثل هذا غاية الأمر أن تعد دعوى، فما البينة؟ ليس بيده إلا قصة طلاق الأخرس وعليه في ذلك أمران:
الأول: أن القصة تفرد بها سليمان بن داود الشاذكوني وليس بثقة، قال البخاري: «فيه نظر» وهذه من أشد كلمات الجرح في اصطلاح البخاري كما مر في ترجمة إسحاق بن إبراهيم الحنيني، وقال أبو حاتم «متروك الحديث» وقال النسائي «ليس بثقة» وقال صالح بن محمد الحافظ «كان يكذب في الحديث» والكلام فيه كثير، وفي القصة ما ينكر. فإن الشاذكوني قال «قدمت على جرير فأعجب بحفظي وكان لي مكرماً فقدم يحيى بن معين والبغداديون الذين معه وأنا ثَمَّ، فرأوا موضعي منه، فقال بعضهم: إن هذا بعثه ابن القطان وعبد الرحمن ليفسد حديثك ... » وابن القطان وعبد الرحمن هما إماما مصرهما يحيى بن سعيد القطان وعبد الرحمن بن مهدي، ومن الممتنع أن يكذب يحيي بن معين ورفقته عليهما هذا الكذب الفاحش.
الأمر الثاني: أن القصة لا تفيد اضطراباً وإنما تفيد تدليساً، زعم الشاذكوني أن جريراً ذكر أولاً عن مغيرة عن أيراهم في طلاق الخرس، ثم ذكره ثانياً عن سفيان عن مغيرة، ثم ثالثاً عن ابن المبارك عن سفيان، ثم قال «حدثنيه رجل خرساني عن ابن المبارك» فلو صحت القصة لما كان فيها إلا التدليس، بإسقاط ثلاثة، ثم بإسقاط اثنين، ثم بإسقاط واحد، ثم ذكره على وجهه، ولهذا قال ابن حجر في (تهذيب التهذيب) : «إن صحت حكاية الشاذكوني فجرير كان يدلس» ولم يذكره في طبقات المدلسين لأن القصة لم تصح ذكر وقد ذكر أبو خيثمة جريراً فقال: «لم يكن يدلس» .
стр. 408
وقول الأستاذ: «كان سيئ الحفظ لم يقلها أحد قبله أيضاً، وإنما المعروف أن جريراً كان لا يحدث من حفظه إلا نادراً، وإنما يحدث من كتبه، ولم ينكروا عليه شيئاً حدث به من حفظه، وأثنوا على كتبه بالصحة، فأما ما حكاه العقيلي عن أحمد أنه قال «لم يكن بالذكي اختلط عليه حديث أشعث وعاصم الأحول حتى قدم عليه بهز فعرفه» فقد ذكر هذا لابن معين فقال: «ألا تراه قد بينها» يعني أن جريراً بين لمن بروي عنه أن حديث أشعث وعاصم اختلط عليه حتى ميز له بهز ذلك، وعلى هذا فلم يحدث عنهما حتى ميز له بهز فكان يحدث عنهما ويبين الحال، وهذا هو محض الصدق والنصيحة والضبط والإتقان، فإنه لا يطلب من المحدث أن لا يشك في شيء وإنما المطلوب منه أن لا يحدث إلا بما يتقنه فإن حدث بما لا يتقنه بين الحال، فإذا فعل ذلك فقد أمنا من غلطة وحصل بذلك المقصود من الضبط.
فإن قيل فإنه يؤخذ من كلامهم أنه لم يكن يحفظ وإنما اعتماده على كتبه.
قلت: هذا لا يعطي ما زعمه الأستاذ «أنه كان سيئ الحفظ» فان هذه الكلمة إنما تطلق في صدد القدح فيمن لا يكون جيد الحفظ ومع ذلك يحدث من حفظة فيخطئ، فأما من لا يحدث من حفظه إلا بما أجاد حفظه كجرير فلا معنى للقدح فيه بأنه لم يكن جيد الحفظ.
وأما قول الأستاذ: «انفرد برواية حديث الأخرس الموضوع» فهذا تقليد من الأستاذ للشاذ كوني فانه هو الذي حكم على ذلك الخبر بأنه موضوع، والشاذ كوني قد عرفت حاله، فأما الخبر فإنما حدث به جرير عن مغيرة قوله كما في (الميزان) عن عثمان ابن أبي شيبة، وليس بموضوع ولا ضعيف، سواء أتوبع عليه جرير أم لم يتابع، فإنه لا ينكر لمثل جرير أن يتفرد بحديث مرفوع، فضلاً عن شيء من قول مغيرة بن مقسم.
وأما قول الأستاذ «والكلام فيه طويل الذيل» . فلم يبق إلا كلام الموثقين! قال الإمام أحمد «جرير أقل سقطاً من شريك، وشريك كان يخطئ» وقال ابن معين
стр. 409
نحوه. وقال العجلي والنسائي «ثقة» وقال ابن أبي حاتم «سألت أبي عن أبي الأحوص وجرير في حديث حصين، فقال: كان جريراً أكيس الرجلين، وجرير أحب إلي، قلت: يحتج بحديثه؟ قال: نعم، جرير ثقة، وهو أحب إلي في هشام بن عروة من يونس بن بكير» وقال ابن عمار «حجة كانت كتبه صحاحاً» وقال أبو أحمد الحاكم «هو عندهم ثقة» وقال الخليلي «ثقة متفق عليه» وقال اللالكائي «مجمع على ثقته» وقال قتيبة «ثنا جرير الحافظ المقدم لكني سمعته يشتم معاوية علانية» .
أقول: لم يبين ما هو الشتم؟ ولم يضره ذلك في روايته، بل أجمعوا على توثيقه كما رأيت واحتج به صاحبا (الصحيحين) وبقية الستة والناس.
قول الأستاذ «وليس هو ممن يساق خبره في صدد سرد المحفوظ عند النقلة إلا في مذهب الخطيب» .
أقول: ومذهب أهل العلم كافة كما رأيت!
٦٤- جعفر بن محمد بن شاكر . راجع (الطليعة) ص ١٠٩. قال الأستاذ في (الترحيب) «لا أريد التكلم عن ابن المنادي، وحاله معروف» .
أقول: نعم بالثقة والأمانة ومعه عصره أبو بكر الخطيب.
٦٥- جعفر بن محمد الصندلي . راجع «الطليعة» ص ٩١ - ٩٣ ذكر الأستاذ في «الترحيب» أن الخطيب لا يحتج به فيما هو مهتم فيه.
أقول: الخطيب ثقة مأمون إمام قد تقدمت ترجمته، وذكر ابن السمعاني أنه من نظراء يحيى بن معين وعلي بن المديني وأبي خيثمة وطبقتهم، كما تراه في ترجمة من «معجم الأدباء» لياقوت، والكلام في التهمة قد تقدم في القواعد، ومع الخطيب جماعة كما في «الطليعة» .
стр. 410
٦٦- جعفر بن محمد الفريابي . في «تاريخ بغداد» «١٣ / ٤١٨» من طريق العقيلي «ثنا سليمان بن داود العقيلي قال: سمعت أحمد بن الحسن الترمذي يقول «قال الخطيب ح» وأخبرنا عبيد الله بن عمر الواعظ حدثنا عثمان بن جعفر بن محمد السبيعي حدثنا الفريابي جعفر بن محمد حدثني أحمد بن الحسن والترمذي قال سمعت أحمد ابن حنبل ... » قال الأستاذ ص ١٦٣ «جعفر بن محمد الفريابي كان يجتمع عليه في مجلس تحديثه ثلاثون ألف رجل بينهم نحو عشرة آلاف أصحاب محابر، فعدلا روى مثله شيئاً يسير به الركبان، وهو الذي آذن على أذن مجنون على مل الأشهاد فنادى الجني هارباً بحيث يسمع الجماعة: من بشوم محمد مكو. على لسان المجنون بمعنى: أنا أنصرف ولا تقل محمد. كما في «تاريخ الخطيب» ، ومثل هذا الراوي لا نستطيع أن نقول فيه شيء، والله من وراءهم محيط» .
أقول هذا الرجل من كبار الحفاظ والأثبات. فأما قصة التأذين في أذن المصاب فقد كان النبي ﵌ يرقي ويأمر بالرقية، وكثيراً ما تظهر فائدة ذلك حالاً. ومن المعروف بين الناس سلفاً وخلفاً أن المصاب يتكلم بكلام كأنه كلام شخص آخر، فيقول الناس أن ذاك كلام الجني على لسان المصاب. هذا وذاك الكلام أنه سمع من المصاب والقائل أنه كلام الجني هو راوي القصة ولم يقع من الفريابي إلا التأذين في أذن المصاب أتباعاً لما ورد في الأثر، فأي شيء في ذلك؟
٦٧- حاجب بن أحمد الطوسي . في (تاريخ بغداد) (١٣/٤٠١) «أنبأنا القاضي أحمد بن الحسن الحرشي أخبرنا أبو محمد حاجب بن أحمد الطوسي حدثنا عبد الرحيم قال: قال عفان ... » قال الأستاذ ص ١١٧ «قال الحاكم: لم يسمع حديثاً قط لكنه كان له عم قد سمع فجاء البلاذري إليه فقال: هل كنت تحضر مع عمك في المجلس؟ قال: بلا، فأنتخب له من كتب عمه. ويقال: أنه كان ابن مائة وثماني سنين كما ذكره الذهبي، ولفظ عبد الرحيم لفظ الانقطاع» .
أقول: تتمة الترجمة في «الميزان» بعد قوله «من كتب عمه» : «تلك الأجزاء الخمسة، قال الحاكم في (تاريخه) : بلغني أن شيخنا أبا محمد أبا البلاذري كان يشهد له
стр. 411
بلقي هؤلاء وكان يزعم أنه ابن مائة وثمانين سنين، سمعت منه ولم يصل إلي منه ما سمعته ... » فظهر بهذا أن قوله أولاً: «لم يسمع حديثاً قط» إنما أراد به أنه لم يتصد للسماع بنفسه وإنما كان عمه يحضره معه مجالس السماع والبلاذري حافظ أثنى عليه الحاكم، أنظر ترجمته في «تذكرة الحفاظ» ج ٣ ص ١٠١، ولم يغمزوا حاجباً في عدالته ولا أنكروا عليه شيئاً من مروياته، ويأخذ مما تقدم أنه أنما كان يروي تلك الأجزاء التي أنتخبها له البلاذري من أصول عمه ولم يتعده وأحاديثه في «سنن البيهقي» أحاديث معروفة تتدل على صدقه وأمانته، وقد روى عنه ابن منده والقاضي أحمد بن الحسن الحرشي الراوي هذه الحكاية وهما من الثقات الإثبات. وعبد الرحيم ثقة غير مدلس فقوله «قال عفان» حكمه الاتصال كما سلف في القواعد.
٦٨- الحارث بن عمير البصري نزيل مكة في «تاريخ بغداد» «١٣/ ٣٧٠» من طريق «الحميدي حدثنا حمزة بن الحارث عن عمير عن أبيه قال سمعت رجل يسأل أبا حنفية في المسجد الحرام ... » قال الأستاذ ص ٣٦ «مختلف فيه والجرح مقدم، قال الذهبي «الميزان» : وما أراه إلا بين الضعف، فإن ابن حبان قال في «الضعفاء» : روى عن الإثبات والموضوعات. وقال الحاكم: روى عن حميد وجعفر الصادق أحاديث موضوعة. وفي «تهذيب التهذيب» : قال الأزدي: منكر الحديث. ونقل ابن الجوزي عن ابن خزيمة أنه قال: الحارث بن عمير كذاب» .
أقول الحارث بن عمير وثقة أهل عصره والكبار قال أبو حاتم عن سليمان بن حرب «كان حماد بن زيد يقدم الحارث بم عمير ويثني عليه» زاد غيره «ونظر إليه مرة فقال: هذا من ثقات أيوب» وروى عنه عبد الرحمن بن مهدي، وقد قال الأكرم عن أحمد: «إذا حدث عبد الرحمن عن رجل فهو حجة» وقال ابن معين والعجلي وأبو حاتم وأبو زرعة والنسائي والدارقطني: «ثقة» زاد أبو زرعة «رجل صالح» وفي «اللآلي المصنوعة» ص ١١٨ - ١١٩ عن الحافظ بن حجر في ذكر الحارث «استشهد به البخاري في «صحيحه» وروى عنه من الأئمة عبد الرحمن بن مهدي وسفيان بن عيينة واحتج به أصحاب السنن» وفيها بعد ذلك
стр. 412
«قال الحافظ ابن حجر في أماليه ... أثنى عليه حماد بن زيد ... وأخرج له البخاري تعليقاً ... » ولم يتكلم فيه أحد من المتقدمين، والعدالة تثبت بأقل من هذا، ومن ثبتت عدالته لم يقبل فيه الجرح إلا بحجة وبينة واضحة كما سلف في القواعد. فلننظر في المتكلمين فيه وكلامه:
أما الأزدي: فقد تكلموا فيه حتى اتهموه في الوضع راجع ترجمته في (لسان الميزان) ج ٥ رقم ٤٦٤ مع الرقم الذي يليه من «قال الخطيب» إلى آخر الترجمة فإنه كله متعلق بالأزدي، وقال ابن حجر في ترجمة أحمد بن شبيب في الفصل التاسع مع «مقدمة الفتح» : «لا عبرة بقول الأزدي لأنه هو ضعيف فكيف يعتمد في تضعيف الثقات» وذكر نحو ذلك في ترجمة خثيم بن عراك وغيرها فقال في ترجمة علي بن أبي هاشم «قدمت غير مرة أن الأزدي لا يعتبر تجريحه لضعفه هو» على أن الأزدي أستند إلى ما أستند إليه ابن حبان وسيأتي ما فيه.
وأما ابن خزيمة فلا تثبت تلك الكلمة عنه بحكاية ابن الجوزي المعضلة، ولا نعلم ابن الجوزي التزم الصحة فيما يحكيه بغير سند، ولو التزم لكان في صحة الاعتماد على نقله نظر لأنه كثير الأوهام، وقد أثنى عليه الذهبي في (تذكرة الحفاظ) كثيراً ثم حكى عن بعض أهل العلم أنه قال في ابن الجوزي: «كان كثير الغلط فيما يصنفه فإنه كان يفرغ من الكتاب ولا يعتبره» .
قال الذهبي: «نعم له وهم كثير في تواليفه يدخل عليه الداخل من العجلة والتحويل إلى مصنف آخر ومن أجل أن علمه من كتب صحف ما مارس فيها أرباب العلم كما ينبغي» وذكر ابن حجر في (لسان الميزان) ج٣ ص٨٤ حكاية عن ابن الجوزي ثم قال: «دلت هذه القصة على أن ابن الجوزي حاطب ليل لا ينقد ما يحدث به» .
وقد وقفت أنا على جملة من أو هامه منها أنه حكى عن أبي زرعه وأبي حاتم أنهما قالا في داود بن عمر بن زهير: «منكر الحديث» وإنما قالا ذلك في داود بن عطاء المدني، راجع التعليق على (تاريخ البخاري) ج ٢ قسم ١ ص ٢١٥. ومنها أنه حكى في إسحاق بن ناصح عن الإمام أحمد كلاماً إنما قاله أحمد في إسحاق بن
стр. 413
نجيح راجع (لسان الميزان) ج١ ص٣٧٦. ومنها أنه قال في الربيع بن عبد الله بن خطاف: «كان يحيى بن سعيد يثني عليه، وقال ابن مهدي لا تروعنه شيئاً» وهذا مقلوب كما في ترجمة الربيع من (التهذيب) . ومنها أنه حكى في سوار بن عبد الله بن سوار أن الثوري قال فيه: «ليس بشيء» مع أن سواراً هذا إنما ولد بعد موت الثوري وإنما قال الثوري تلك الكلمة في جده سوار بن عبد الله كما في (التهذيب) . ومنها أنه حكى في صخر بن عبد الله بن حرملة الحجازي أن ابن عدي وابن حبان اتهمته بالوضع، وإنما اتهما صخر بن محمد، ويقال ابن عبد الله الحاجي المروزي، راجع (التهذيب) و (اللسان) . ومنها أنه حكى في جعفر ابن حبان أبي الشهب البصري كلاماً عن الأئمة قالوه في جعفر بن الحارث أبي الأشهب الواسطي. راجع (التهذيب) ومنها أنه ذكر معاوية بن هشام فقال: وقيل هو معاوية بن أبي العباس روى ما ليس من سماعه فتركوه. كذا قال ومعاوية بن هشام من الثقات لم يروما ليس من سماعه ولم يتركه أحد، وإنما روى مروان بن معاوية الفزاري عن معاوية ابن أبي العباس أحاديث عن شيوخ الثوري وهي معروفة من حديث الثوري فقال ابن نمير، وأخذه عنه أبو زرعة وغيره: إن معاوية بن أبي العباس رجل متروك كان جاراً للثوري فلما مات الثوري أخذ معاوية كتبه فرواها عن شيوخه فسمعوا منه، ثم فطنوا لصنيعه فافتضح وتركوه، وبقي مروان يروي عنه. ورأى بعض الحفاظ أن معاوية بن هشام روى تلك الأحاديث عن الثوري، فسمعها منه مروان ثم دلس مروان اسمه وأسقط الثوري من السند فدلس مروان «تدليس» تسوية بعد تدليسه الاسم، وهذا القول على وهنة كما بينته في تعليقي على (الموضح) لا يفيد أن معاوية بن هشام روى ما لم يسمع ولا أنهم تركوه بني على أنه ذكر في موضوعاته حديثاً رواه الطبراني قال: حدثنا أحمد حدثنا إسحاق بن وهب العلاف حدثنا بشر بن عبيد الفارسي ... » ثم قال ابن
стр. 414
الجوزي «إسحاق كذاب ... » قال السيوطي في (اللآلي) ١ / ٢٠٦: «إنما الكذاب إسحاق بن وهب الطهرمسي فالتبس على المؤلف ... » يعني ابن الجوزي وصدق السيوطي، العلاف موثق وهو من شيوخ البخاري في (صحيحه) . والطهرمسي كذبوه إلى غير ذلك من أوهامه.
وأما الحاكم فأحسبه تبع ابن حبان، فان ابن حبان ذكر الحارث في (الضعفاء) وذكر ما أنكره من حديثه، والذي يستنكر من حديث الحارث حديثان: الأول رواه محمد بن زنبور المكي عن الحارث عن حميد، والثاني رواه ابن زنبور أيضاً عن الحارث عم جعفر بن محمد، فاستنكرها ابن حبان وكان عنده أن ابن زنبور ثقة فجعل الحمل على الحارث، وخالفه آخرون فجعلوا الحمل على ابن زنبور، قال مسلمة في ابن زنبور: «تكلم فيه لأنه روى عن الحارث بن عمير مناكير لا أصول لها وهو ثقة» وقال الحاكم أبو أحمد في ابن زنبور «ليس بالمتين عندهم تركه محمد بن إسحاق بن خزيمة» وهذا مما يدل على وهم ابن الجوزي.
وساق الخطيب في (الموضح) فصلاً في ابن زنبور فذكر أن الرواة عنه غيروا اسمه على سبعة أوجه وهذا يشعر بان الناس كانوا يستضعفونه لذلك كان الرواة عنه يدلسونه. وقال ابن حجر في ترجمة الحارث من (التهذيب) : «قال ابن حبان كان ممن يروي عن الإثبات الأشياء الموضوعات لا أصل له» ثم ساقه ابن حجر بسنده إلى محمد بن أبي الأزهر عن الحارث. وكذلك ذكره السيوطي في (اللآلي المصنوعة) ج١ ص١١٨ وابن الأزهر هو ابن زنبور وأسند الخطيب في (الموضح) هذا الحديث في ترجمة ابن زنبور. ثم قال ابن حجر: «والذي يظهر لي أن العلة فيه ممن دون الحارث» يعني من ابن زنبور، وخالفهم جميعاً النسائي فوثق الحارث، ووثق ابن زنبور أيضاً وقال مرة: «ليس به بأس» .
قال المعلمي: لو كان لا بد من جرح أحد الرجلين لكان ابن زنبور أحق بالجرح، لأن عدالة الحارث أثبت جداً وأقدم، ولكن التحقيق ما اقتضاه صنيع
стр. 415
النسائي من توثيق الرجلين، ويحمل الإنكار في بعض حديث ابن زنبور عن الحارث على خطأ ابن زنبور، وقد قال فيه ابن حبان نفسه في (الثقات) : «ربما أخطأ» . والظاهر أنه كان صغيراً عند سماعه من الحارث كما يعلم من تأمل ترجمتها، وقد يقدم في ترجمة جرير، فكأن ابن زنبور في أوائل طلبه كتب أحاديث عن الحارث ثم سمع من رجل آخر أحاديث كتبها في تلك الورقة ولم يسم الشيخ، ثقة بأنه لن يلتبس عليه، ثم غفل عن ذاك الكتاب مدة ثم نظر فيه فظن أن تلك الأحاديث كلها مما سمعه من الحارث. وقد وثق الأئمة جماعة من الرواة ومع ذلك ضعفوهم فيما يروونه عن شيوخ معينين منهم عبد الكريم الجزري فيما يرويه عن عطاء، ومنهم عثمان بن غياث وعمرو بن أبي عمرو وداود ابن الحصين فيما يروونه عن عكرمة، ومنهم عمرو بن أبي سلمة فيما يرويه عن زهير بن محمد، ومنهم هشيم فيما يرويه عن عكرمة، ومنهم عمرو بن أبي سلمة فيما يرويه عن زهير بن محمد، ومنهم هشيم فيما يرويه عن الزهري، ومنهم ورقاء فيما يرويه عن منصور بن المعتز، ومنهم الوليد بن مسلم فيما يرويه عن مالك. فهكذا ينبغي مع توثقاه ابن زنبور تضعيفه فيما يرويه عن الحارث بن عمير.
فإن قيل: فأين أنت عما في (الميزان) «ابن حبان ثنا الحسن بن سفيان ثنا محمود بن غيلان أنبأنا أبو أسامة ثنا الحارث بن عمير عن أيوب عن عكرمة عن ابن عباس. قال العباس: لأعلمن ما بقاء رسول الله ﵌ فينا، فاتاه فقال يا رسول الله لو اتخذنا لك مكاناً تكلم الناس منه، قال بل اصبر عليهم ينازعوني ردائي ويطأون عقبي ويصيبني غبارهم حتى يكون الله هو يريحني منهم. رواه حماد بن زيد عن أيوب فأرسله أو أن ابن عباس قاله - شك» فهذا الحديث لا شأن لابن زنبور فيه، وليس في سنده من يتجه الحمل عليه غير الحارث.
قلت: ليس في هذا الحديث ما ينكر وقد رواه حماد بن زيد غير أنه شك في إسناده وقد قال يعقوب بن شيبة «حماد بن زيد أثبت من ابن سلمة وكلّ ثقة غير أن ابن زيد
стр. 416
معروف بأنه يقصر في الأسانيد ويوقف المرفوع، كثير الشك بتوقيه وكان جليلاً لم يكن له كتاب يرجع إليه، فكان أحياناً يذكر فيرفع الحديث، وأحياناً يهاب الحديث ولا يرفعه» فأي مانع من أن يكون هذا مما قصر فيه حماد، حفظه الحارث، وقد كان حماد نفسه يثني على الحارث ويقدمه كما مر. فإن شدد مشدد فغاية الأمر أن يكون الخطأ في وصله، وهل الخطأ من الحارث أو ممن بعده؟ وعلى فرض أنه من الحارث فليس ذلك مما يوجب الجرح، ومثل هذا الخطأ وأظهر منه قد يقع للأكابر كما لك والثوري، والحكم المجمع عليه في ذلك أن من وقع منه ذلك قليلاً لم يضره بل يحتج به مطلقاً إلا فيما قامت الحجة على أنه أخطأ فيه، فالحارث بن عمير ثقة حتماً. والحمد لله رب العالمين.
٦٩- حبيب بن أبي حبين كاتب مالك . في (تاريخ بغداد) (١٣/٣٩٦) من طريق «الأبار حدثنا أبو الأزهر النيسابوري حدثنا حبيب كاتب مالك بن أنس عن مالك ... » . قال الأستاذ ص ١٠٦ يقول عنه داود: من أكذب الناس، وقال ابن عدي: أحاديثه كلها موضوعة، وقال أحمد: ليس بثقة، وقال ابن حبان: يروي عن الثقات الموضوعات» . أقول: اتفقوا على جرحه فلا معنى للرواية عنه ولو في المتابعات.
٧٠- الحجاج بن أرطاة . في (تاريخ بغداد) ١٣ / ٤١٥ من طريق «حماد بن زيد يقول: سمعت الحجاج بن أرطاة يقول: من أبو حنيفة؟! ... » قال الأستاذ ص١٥٥: «من فقهاء الكوفة ومحدثيها ويتكلم النقاد في حديثه» .
أقول: ليس له هنا رواية إنما هو شيء من قوله، وحاصل كلامهم في حديثه أنه صدوق مدلس يروي بالمعنى، وقد لخص ذلك محمد بن نصر المروزي قال: «والغالب على حديثه الإرسال والتدليس وتغيير الألفاظ» فإذا صرح بالسماع فقد أمنا تدليسه وهو فقيه عارف لا يخشى من روايته بالمعنى لكن إذا خالفه في اللفظ ثقة يتحرى الرواية
باللفظ، وكان بين اللفظيين اختلاف ما في المعنى قدم فيما اختلافا فيه لفظ الثقة الآخر. فأما محل الحجاج في علمه فقال ابن عيينة: «سمعت
стр. 417
ابن أبي نجيح يقول: ما جاءنا منكم (يعني أهل الكوفة) مثله - يعني الحجاج بن أرطاة» وقال سفيان الثوري: «عليكم به فإنه ما بقي أحد أعرف بما يخرج من رأسه منه» وقال حماد بن زيد: «قدم علينا جرير بن حازم من المدينة فكان يقول: حدثنا قيس بن سعد عن الحجاج بن أرطاة، فلبثنا ما شاء الله ثم قدم علينا الحجاج ابن ثلاثين أو إحدى وثلاثين فرأيت عليه من الزحام ما لم أر على بن أبي سليمان، رأيت عنده داود بن أبي هند ويونس بن عبيد ومطر الوراق جثاة على أرجلهم يقولون: يا أبا أرطاة ما تقول في كذا؟» .
٧١- الحجاج بن محمد الأعور . في (تاريخ بغداد) ١٣ / ٤٠٥ من طريق سُنَيد بن داود حدثنا حجاج قال: سألت قيس بن الربيع عن أبي حنيفة قال: أنا أعلم الناس به ... » قال الأستاذ ص ١٢٦: «سنيد إنما روى عن الحجاج بعد أن اختلط اختلاطاً شديداً، وقد رآه أهل العلم يلقن الحجاج فيتلقن منه، والملقن في السقوط عند أهل الفقه، وقال النسائي (في سنيد) : «غير ثقة» .
أقول: أما سنيد فستأتي ترجمته، وأما الحجاج فمدار الكلام فيه على الاختلاط والتلقن وههنا مباحث:
الأول: هل اختلط حجاج؟ وإن كان اختلط فهل حدث بعد اختلاطه؟
قال ابن سعد: «كان قد تغير في آخر عمره حين رجع إلى بغداد» وقال إبراهيم الحربي: أخبرني صديق لي قال: لما قدم حجاج الأعور آخر قدمة إلى بغداد خلط فرأيت يحيى بن معين عنده فرآه يحيى خلط فقال لابنه: لا تدخل عليه أحداً، قال: فلما كان بالعشي دخل الناس فأعطوه كتاب شعبة فقال: حدثنا شعبة عن عمرو بن مرة عن عيسى بن مريم عن خيثمة! فقال يحيى لابنه: قد قلت لك» فكلمة ابن سعد ليست بصريحة في الاختلاط لأن التغيير أعم من الاختلاط، وحكاية إبراهيم الحربي صريحة في الاختلاط لكن لا ندري من هو صديقه؟ وسكوت الحفاظ الأيقاظ كابن معين وأحمد وأبي خيثمة وكلهم بغداديون عن نقل اختلاط حجاج وبيان
стр. 418
تاريخه وبيان من سمع منه فيه مع إطلاقهم توثيق حجاج وتوثيق كثيرين ممن روى عن حجاج يدل حتماً على أحد أمرين: إما أن لا يكون حجاج اختلط، وإنما تغير تغيراً يسيراً لا يضر، وإما أن لا يكون سمع منه أحد في مدة اختلاطه، والثاني أقرب فكأن يحيى بن عشي ذاك اليوم في الوقت الذي جرت العادة بالدخول فيه على القادم للسماع منه خشية أن لا يعمل ابن حجاج بما أمره به، فوجد الأمر كذلك أذن لهم الابن فدخلوا ويحيى معهم قطعوا المجلس وحجبوا حجاباً حتى مات فلم يسمع منه أحد في الاختلاط. فلما وثق يحيى وبقية أهل العلم بذلك لم يروا ضرورة إلى أن يشيعوا اختلاط حجاج وبيان تاريخه، بل كانوا يوثقونه ويوثقون كثيراً من الذين سمعوا منه
مطلقاً، لعلهم أن ما بأيدي الناس من روايته كله كان في حال تمام ضبطه. وفي ترجمة حجاج من (مقدمة الفتح) : «أجمعوا إلى توثيقه وذكره أبو العرب الصقلي في (الضعفاء) بسبب أنه تغير في آخر عمره واختلط، لكن ما ضره الاختلاط فان إبراهيم الحربي حكى أن يحيى بن معين منع ابنه أن يدخل عليه بعد اختلاطه أحداً» فأما قوله في (التهذيب) : «وسيأتي في ترجمة سنيد بن داود عن الحلال ... » فستعلم ما فيه قريباً.
المبحث الثاني متى سمع سنيد من الحجاج؟
روى الأثرم وهو ثقة عن الإمام أحمد انه قال: «سنيد لزم حجاجاً قديماً، قد رأيت حجاجاً يملي عليه، وأرجوا، لا يكون حدث آلا بالصدق» وقال عبد الله بن أحمد عن أبيه: «رأيت سنيدا عند حجاج بن محمد وهو يسمع منه كتاب (الجامع لابن جريج) «وفيه» أخبرت عن الزهري. وأخبرت عن صفوان بن سليم. وغير ذلك. قال فجعل سنيد يقول لحجاج: يا أبا محمد قل: ابن جريج عن الزهري. وابن جريج عن صفوان بن سليم. قال فكان يقول له هكذا» قال عبد الله: «ولم
стр. 419
يحمده أبي فيما رآه يصنع بحجاج وذمة على ذلك قال أبي: وبعض تلك الأحاديث التي كان يرسلها ابن جرير أحاديث موضوعة، كان ابن جريج لا يبالي ممن آخذها» حكى هذا في (تهذيب التهذيب) ثم قال «وحكى الخلال عن الأثرم نحو ذلك ثم قال الخلال وروى (؟ ونرى) أن حجاجاً كان هذا منه في وقت تغيره، ويرى (؟ ونرى) أن أحاديث الناس عن حجاج صحاح إلا ما روى سنيد» . أقول: هذا حدس يرده نص الإمام أحمد كما تقدم، ومبنى هذا الحدس على توهم أن القصة ما يخدش في تثبيت حجاج، وإنما يكون الأمر كذلك لو كان إذا قيل: ابن جريج عن فلان. يحمل عللا سماع ابن جريج من فلان، وليس الأمر كذلك لأن ابن جريج مشهور بالتدليس، فإذا قيل: ابن جريج عن الزهري. ولم يجيء بيان السماع من وجه آخر، فأنه لا يحكم بالاتصال، بل يبنى على أو هن الاحتمالين وهو أن بين ابن جريج وبين الزهري واسطة، وذلك لاشتهار ابن جريج بالتدليس، وعلى هذا فسيان قيل: ابن جريج أخبرت عن الزهري. و: ابن جريج عن الزهري. ولهذا قال الإمام أحمد: أرجو أن لا يكون حدث إلا بالصدق. وإنما ذكر في رواية عبد الله كراهيته لذلك لأنه رآه خلاف الكمال في الأمانة. وفي (الكفاية) ص١٨٧ من طريق «عبد الله بن أحمد قال: كان إذا مر بأبي لحن فاحش غيره، وإذا كان لحناً سهلاً تركه، وقال: كذا قال الشيخ» فأنت ترى أحمد يمتنع من تغيير اللحن فما ظنك بما يقدم؟.
فإن قيل فما الحامل لسنيد على التماس ذلك من حجاج؟ قلت: طلب الاختصار والتزيين الصوري.
فتدبر ما تقدم يتبين لك أنه ليس في الحكاية ما يشعر بوهن في تثبيت حجاج حتى يقوي الحدس بأنها كانت في وقت تغيره، ويتضح لك أن ما تقدم من الدليل على أن حجاجاً لم يحدث في وقت تغيره هو على إطلاقه.
المبحث الثالث في التلقين:
стр. 420
التلقين القادح في الملقن هو أن يوقع الشيخ في الكذب ولا يبين، فإن كان إنما فعل ذلك امتحاناً للشيخ وبين ذلك في المجلس لن يضره، وأما الشيخ فإن قبل التلقين وكثر ذلك منه فإنه يسقط. دخل حفص بن غياث ويحيى بن سعيد القطان على موسى بن دينار المكي فوجدا عنده أبا شيخ جارية بن هرم الفقيمي فجعل حفص يقول لموسى امتحاناً: حدثتك عائشة بنت طلحة عن عائشة بكذا؟ وحدثك القاسم بن محمد عن عائشة بكذا؟ وحدثك سعيد بن جبير عن ابن عباس بكذا؟ ويذكر أحاديث قد علم أن موسى لم يسمعها ممن ذكر فأجابه موسى بالإثبات، وكان أبو شيخ مغفلاً فكتبها فلما فرغ حفص مد يده إلى ما منبه أبو شيخ فمحاه وبين له الواقع. راجع ترجمة موسى وجارية في (لسان الميزان) .
وما وقع من سنيد ليس بتلقين الكذب وإنما غايته أن يكون تلقيناً لتدليس التسوية، وتدليس التسوية أن يترك الراوي واسطة بعد شيخه كما يحكى عن الوليد بن مسلم أنه كان عنده أحاديث سمعها من الأوزاعي عن رجل عن الزهري، وأحاديث سمعها من الأوزاعي عن رجل عن نافع، فكان يقول فيها: حدثني الأوزاعي عن الزهري، وحدثني الأوزاعي عن نافع! وهذا تدليس قبيح، لكنه في قصة سنيد وحجاج لا محذور فيه لاشتهار ابن جريج بالتدليس كما مر.
وبذلك يتبين أن حجاجاً لم يتلقن غفلة ولا خيانة وإنما أجاب سنيداً إلى ما التمسه لعلمه أنه لا محذور فيه، وكره أحمد ذلك لما تقدم.
ومن ثناء الأئمة على الحجاج: قال الإمام أحمد «ما كان اضبطه وأشد تعاهده للحروف» وقال المعلي الرازي «قد رأيت أصحاب ابن جريج ما رأيت فيهم أثبت من حجاج» وقال علي ابن المديني والنسائي «ثقة» وكذا وثقه مسلم والعجلي وابن قانع ومسلمة بن قاسم وغيرهم واحتج به الجماعة.
٧٢- حرب بن إسماعيل الكرماني السيرجاني . لم ينقم عليه الأستاذ رواية. ولكنه علم أنه من أصحاب الإمام أحمد، فتناوله من بعد يسر حسواً في ارتغاء! قال
стр. 421
ص ١١٥ في ابن أبي حاتم «أفسده حرب بن إسماعيل السيرجاني في المعتقد حتى أصبح ينطوي على العداء لمتكلمي أهل الحق» .
وقال السها يا شمس أنت خفية ... وقال الدجى يا صبح لونك حائل
وقد أفردت المعتقد بقسم. وحرب من ثقات أصحاب أحمد لم يتكلم فيه أحد (١) .
٧٣- الحسن بن أحمد بن إبراهيم بن شاذان أبو علي بن أبي بكر . في (تاريخ بغداد) (١٣ / ٣٩٩) «أخبرنا الحسن بن أبي بكر أخبرنا حامد بن محمد الهروي ... » قال الأستاذ ص ١١٣ «يقول عنه الخطيب: إنه كان يشرب النبيذ» .
أقول: قال الخطيب ج ٧ ص ٢٧٩ «كتبنا عنه وكان صدوقاً صحيح الكتاب وكان يفهم الكلام على مذهب الأشعري وكان مشتهراً بشرب النبيذ إلى أن تركه بأخرة كتب عنه جماعة من شيوخنا كأبي بكر البرقاني ... سمعت أبا الحسن بن رزقويه يقول أبو علي ابن شاذان من أوثق من برأ الله في الحديث، وسماعي منه أحب إلي من السماع من غيره، أو كما قال» . فسماع البرقاني وغيره منه يدل انه كان على مذهب العراقيين في الترخيص في النبيذ ومثل ذلك لا يجرح به اتفاقاً، ومع ذلك فقد ترك ذلك بأخرة وسماع الخطيب منه متأخر، وغالب السماع أو جمعية في ذاك العصر من الكتب، وقد قال الخطيب: «كان صدوقاً صحيح الكتاب» . (٢)
стр. 422
٧٤- الحسن بن الحسين بن العباس بن دوما النعَّالي . في (تاريخ بغداد) ١٣/٣٧٤: «أخبرنا الحسن بن الحسين بن العباس النعالي أخبرنا أحمد بن جعفر بن سلم حدثنا أحمد ابن علي الأبار حدثنا أبو يحيى محمد بن عبد الله بن يزيد المقرئ عن أبيه قال: دعاني أبو حنيفة إلى الإرجاء. أخبرنا ابن رزق أخبرنا جعفر الخلدي حدثنا محمد بن عبد الله بن سليمان الحضرمي قال: حدثنا محمد بن عبد الله بن يزيد ... » بمثله وزاد فيه «فأبيت» قال الأستاذ ص ٤٦: «النعالي هو ابن دوما المزور، قال عنه الخطيب نفسه: أفسد أمره بأن ألحق لنفسه السماع في أشياء لم يكن عليها سماعه فكيف تكون رواية مثله في عداد المحفوظ عند النقلة؟ هكذا يكون المحفوظ عند الخطيب، وكأن الخطيب استشعر تداعي هذا السند حتى ساق شاهداً فيه ابن رزق والحضرمي، ولكن نعترف للخطيب ونقول له: قد يصدق الكذوب، ولا مانع من أن يكون أبو حنفية داعيا إلى الإرجاء الذي سبق» .
أقول: ابن رزق هو محمد بن أحمد بن رزق ثقة تأتي ترجمته، والحضرمي حافظ جليل تأتي ترجمته، فالسند الثاني لا غبار عليه، وإذا كان المتن محفوظاً بسند صحيح لم يزده سوقه مع ذلك بسند فيه مقال إلا تأكيدا على أن المقال في ابن دوما لا يضر ههنا، فإن كان الخطيب إنما يروي بذاك السند ما يأخذه من مصنف الأبار والعمدة في ذلك على أن تكون النسخة موثوقاً بها كما لو روى أحدنا بسند له من طريق البخاري مطعون فيه، وقد شرحت هذا في (الطليعة) وغيرها، والأبار هو الحافظ أحمد بن علي بن مسلم تقدمت ترجمته، والخطيب معروف بشدة التثبيت بل قد يبلغ به الأمر إلى التعنت فلم يكن ليروي عن مصنف الأبار إلا عن نسخة موثوق بها بعد معرفته صحة سماع ابن دوما. وفوق ذلك فالطعن في ابن دوما فيه نظر، ذكره الخطيب فقال «كان كثير السماع إلا أنه أفسد نفسه ... » العبارة التي حكاها الأستاذ، ثم قال الخطيب: «وذكرت للصوري جزءا من حديث الشافعي حدثنا ابن دوما فقال لي: لما دخلت بغداد رأيت هذا الجزء وفيه سماع ابن دوما الأكبر وليس فيه سماع أبي علي ثم سمع أبو علي فيه لنفسه وألحق اسمه مع اسم أخيه» فمن الجائز
стр. 423
أنهم كانوا يحضرونه مع أخيه ولم يكتبوا إسماعه لصغره فرأى أنه كان مميزاً وأن له الحق الرواية بذلك، فإن كان كتب سماعه في المجلس فهذا تدليس قبيح قد يكون استجازه بناء على ما يقوله الفقهاء في مسألة الظفر ونحوها بعلة أنه لا يصل إلى حقه إلا بذلك. وعلى كل حال فكما أن الخطيب لم يرو عنه الجزء الذي ذكره من حديث أبي بكر الشافعي فكذلك لم يرو عنه الخطيب شيئا إلا مما ثبت عنده صحة سماعه له مع الوثوق بالنسخة.
٧٥- الحسن بن الربيع أبو علي البجلي الكوفي . في (تاريخ بغداد) ١٣ / ٤١٤ من طريق «أبي بكر العين عن الحسن بن الربيع قال: ضرب ابن المبارك على حديث أبي حنيفة قبل أن يموت بأيام يسيرة» قال الأستاذ ص ١٥١: «يقول فيه ابن معين: لو كان يتقي الله لم يكن يحدث بالمغازي، ما كان يحسن يقرؤها. ومع ذلك لفظه لفظ انقطاع» .
أقول: لم تصح هذه الكلمة عن ابن معين، راجع (الطليعة) ص ٧٨، ولذلك لم تذكر في (التهذيب) ولا ذكر الحسن في (الميزان) ولا ذكر ابن حجر في (مقدمة الفتح) فيمن فيه كلام من رجال البخاري، ومع ذلك فقد أجاب عنها الخطيب. وفي (التهذيب) : قال ابن شاهين في (الثقات) : قال عثمان بن أبي شيبة: «الحسن بن الربيع صدوق وليس بحجة» وهذه الحكاية منقطعة فيما يحكيه في (ثقاته) عمن لم يدركه. وعثمان على قلة كلامه في الرجال يتعنت وكلمة «ليس بحجة» لا تنافي الثقة فقد قال عثمان نفسه في أحمد بن عبد الله بن يونس الثقة المأمون: «ثقة وليس بحجة» وراجع (فتح المغيث) ص ١٥٧. والحسن قد وثقه الناس قال أبو حاتم تشدده: «كان من أوثق أصحاب ابن إدريس» وقال العجلي: «كوفي ثقة صالح متعبد» وقال ابن خراش: «موفي ثقة» وروى عنه البخاري ومسلم في (الصحيحين) وأبو داود في (السنن) وهو لا يروي إلا عن ثقة كما مر في ترجمة أحمد
стр. 424
بن سعد بن أبي مريم، وروى عنه أبو زرعة ومن عادته أن لا يروي إلا عن ثقة كما في (لسان الميزان) ج ٢ ص ٤١٦ وأخرج له بقية الستة بواسطة، وقال ابن حبان في (الثقات) : «هو الذي غمض ابن المبارك ودفنه» وليس بمدلس، فقوله: «ضرب ابن المبارك» محكوم له بالاتصال كما سلف في القواعد (١) .
٧٦- الحسن بن الصباح أبو علي البزار الواسطي . في (تاريخ بغداد) ١٣/٣٩٦ من طريق «يعقوب بن سفيان حدثني الحسن بن الصباح حدثنا إسحاق بن إبراهيم الحنيني ... » .
قال الأستاذ ص ١٠٥: «ليس بقوي عند النسائي» .
أقول: عبارة النسائي: «ليس بالقوي» وبين العبارتين فرق لا أراه يخفي على الأستاذ ولا على عارف بالعربية، فكلمة «ليس بقوي» تنفي القوة مطلقاً وأن لم تثبت الضعف مطلقاً، وكلمة «ليس بالقوي» إنما تنفي الدرجة الكاملة من القوة، والنسائي يراعي هذا الفرق فقد قال هذه الكلمة في جماعة أقوياء منهم عبد ربه بن نافع وعبد الرحمن بن سليمان بن الغسيل فبين ابن حجر في ترجمتيها من (مقدمة الفتح) أن المقصود بذلك أنهما ليسا في درجة الأكابر من أقراهما، وقال في ترجمة الحسن بن الصباح:
«وثقه أحمد وأبو حاتم، وقال النسائي: صالح، وقال في الكنى: ليس بالقوي. قلت: هذا تليين هين، وقد روى عنه البخاري وأصحاب (السنن) إلا ابن ماجة ولم يكثر عنه البخاري» .
٧٧- الحسن بن علي بن محمد الحلواني نزيل مكة . في (تاريخ بغداد) ١٣/٣٩٨ من طريق «الأبار حدثنا الحسن بن علي ابن توبة ... » قال الأستاذ ص ١٠٩: «لم يكن أحمد يحمده كما ذكره الخطيب» .
أقول: إنما لم يحمده أحمد لأنه بلغه عنه أنه مع قوله (٠ القرآن كلام الله غير مخلوق ما نعرف غير هذا» أمتنع من إطلاق الكفر على القائلين بخلق القرآن فكأن أحمد
стр. 425
رأى أن امتناع العالم في ذاك العصر من إطلاق الكفر عليهم يكون ذريعة لانتشار تلك البدعة التي جَدَّ أهلها والدولة معهم في نشرها وحمل الناس عليها، ولعل الحلواني لم ينتبه لهذا، وعارض ذلك عنده ما يراه مفسدة أعظم. فأما قول أحمد: «لا أعرفه بطلب الحديث ولا رأيته يطلبه» فحق وصدق، أحمد في بلد والحلواني في بلد آخر، وقد قال يحيى القطان في عبد الواحد بن زياد: «ما رأيته طلب حديثاً قط» ولم يعدوا هذا تضعيفاً، والحلواني قال فيه يعقوب بن شيبة: «كان ثقة ثبتاً» وقال النسائي: «ثقة» وقال الترمذي: «كان حافظاً) . وروى عنه البخاري ومسلم في (صحيحهما) وأبو داود مع أنه لا يروي إلا عن ثقة ومع شدة متابعة لأحمد (١) .
٧٨- الحسن بن علي بن محمد أبو علي المذهب التميمي . له ذكر في ترجمة الخطيب وتكلم فيه الأستاذ في موضع آخر، وحاصل الكلام أن الخطيب قال في (التاريخ) ج ٧ ص٣٩٠: «كان يروي عن ابن مالك القطيعي (مسند أحمد بن حنبل) بأسره، وكان سماعه صحيحاً إلا لأجزاء منه فانه ألحق اسمه فيها وكذلك فعل في أجزاء من (فوائد ابن مالك) . وكان يروي عن ابن مالك أيضاً كتاب (الزاهد) لأحمد بن حنبل ولم يكن له به أصل عتيق وإنما كانت النسخة بخطه كتبها باخرة. وليس بمحل للحجة. حدثنا ابن المذهب ... ثنا ابن مالك وأبو سعيد الحرقي قالا ثنا أبو شعيب الحراني ثنا البابلتي ... وجميع ما كان عند ابن مالك عن أبي شعيب جزء واحد وليس هذا الحديث فيه. حدثني ابن المذهب حدثنا محمد بن إسماعيل الوراق وعلي بن عمر والحافظ وأبو عمر بن مهدي قالوا حدثنا الحسين بن إسماعيل ... فأنكرته عليه وأعلمته أن هذا الحديث لم يكن عند أبي عمر بن