← Улюм аль-хадис

Улюм аль-хадис · id 12767

التنكيل بما في تأنيب الكوثري من الأباطيل - ط المكتب الإسلامي

عبد الرحمن المعلمي اليماني

Полный текст (924 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.

стр. 421

ص ١١٥ في ابن أبي حاتم «أفسده حرب بن إسماعيل السيرجاني في المعتقد حتى أصبح ينطوي على العداء لمتكلمي أهل الحق» . وقال السها يا شمس أنت خفية ... وقال الدجى يا صبح لونك حائل وقد أفردت المعتقد بقسم. وحرب من ثقات أصحاب أحمد لم يتكلم فيه أحد (١) . ٧٣- الحسن بن أحمد بن إبراهيم بن شاذان أبو علي بن أبي بكر . في (تاريخ بغداد) (١٣ / ٣٩٩) «أخبرنا الحسن بن أبي بكر أخبرنا حامد بن محمد الهروي ... » قال الأستاذ ص ١١٣ «يقول عنه الخطيب: إنه كان يشرب النبيذ» . أقول: قال الخطيب ج ٧ ص ٢٧٩ «كتبنا عنه وكان صدوقاً صحيح الكتاب وكان يفهم الكلام على مذهب الأشعري وكان مشتهراً بشرب النبيذ إلى أن تركه بأخرة كتب عنه جماعة من شيوخنا كأبي بكر البرقاني ... سمعت أبا الحسن بن رزقويه يقول أبو علي ابن شاذان من أوثق من برأ الله في الحديث، وسماعي منه أحب إلي من السماع من غيره، أو كما قال» . فسماع البرقاني وغيره منه يدل انه كان على مذهب العراقيين في الترخيص في النبيذ ومثل ذلك لا يجرح به اتفاقاً، ومع ذلك فقد ترك ذلك بأخرة وسماع الخطيب منه متأخر، وغالب السماع أو جمعية في ذاك العصر من الكتب، وقد قال الخطيب: «كان صدوقاً صحيح الكتاب» . (٢)

стр. 422

٧٤- الحسن بن الحسين بن العباس بن دوما النعَّالي . في (تاريخ بغداد) ١٣/٣٧٤: «أخبرنا الحسن بن الحسين بن العباس النعالي أخبرنا أحمد بن جعفر بن سلم حدثنا أحمد ابن علي الأبار حدثنا أبو يحيى محمد بن عبد الله بن يزيد المقرئ عن أبيه قال: دعاني أبو حنيفة إلى الإرجاء. أخبرنا ابن رزق أخبرنا جعفر الخلدي حدثنا محمد بن عبد الله بن سليمان الحضرمي قال: حدثنا محمد بن عبد الله بن يزيد ... » بمثله وزاد فيه «فأبيت» قال الأستاذ ص ٤٦: «النعالي هو ابن دوما المزور، قال عنه الخطيب نفسه: أفسد أمره بأن ألحق لنفسه السماع في أشياء لم يكن عليها سماعه فكيف تكون رواية مثله في عداد المحفوظ عند النقلة؟ هكذا يكون المحفوظ عند الخطيب، وكأن الخطيب استشعر تداعي هذا السند حتى ساق شاهداً فيه ابن رزق والحضرمي، ولكن نعترف للخطيب ونقول له: قد يصدق الكذوب، ولا مانع من أن يكون أبو حنفية داعيا إلى الإرجاء الذي سبق» . أقول: ابن رزق هو محمد بن أحمد بن رزق ثقة تأتي ترجمته، والحضرمي حافظ جليل تأتي ترجمته، فالسند الثاني لا غبار عليه، وإذا كان المتن محفوظاً بسند صحيح لم يزده سوقه مع ذلك بسند فيه مقال إلا تأكيدا على أن المقال في ابن دوما لا يضر ههنا، فإن كان الخطيب إنما يروي بذاك السند ما يأخذه من مصنف الأبار والعمدة في ذلك على أن تكون النسخة موثوقاً بها كما لو روى أحدنا بسند له من طريق البخاري مطعون فيه، وقد شرحت هذا في (الطليعة) وغيرها، والأبار هو الحافظ أحمد بن علي بن مسلم تقدمت ترجمته، والخطيب معروف بشدة التثبيت بل قد يبلغ به الأمر إلى التعنت فلم يكن ليروي عن مصنف الأبار إلا عن نسخة موثوق بها بعد معرفته صحة سماع ابن دوما. وفوق ذلك فالطعن في ابن دوما فيه نظر، ذكره الخطيب فقال «كان كثير السماع إلا أنه أفسد نفسه ... » العبارة التي حكاها الأستاذ، ثم قال الخطيب: «وذكرت للصوري جزءا من حديث الشافعي حدثنا ابن دوما فقال لي: لما دخلت بغداد رأيت هذا الجزء وفيه سماع ابن دوما الأكبر وليس فيه سماع أبي علي ثم سمع أبو علي فيه لنفسه وألحق اسمه مع اسم أخيه» فمن الجائز

стр. 423

أنهم كانوا يحضرونه مع أخيه ولم يكتبوا إسماعه لصغره فرأى أنه كان مميزاً وأن له الحق الرواية بذلك، فإن كان كتب سماعه في المجلس فهذا تدليس قبيح قد يكون استجازه بناء على ما يقوله الفقهاء في مسألة الظفر ونحوها بعلة أنه لا يصل إلى حقه إلا بذلك. وعلى كل حال فكما أن الخطيب لم يرو عنه الجزء الذي ذكره من حديث أبي بكر الشافعي فكذلك لم يرو عنه الخطيب شيئا إلا مما ثبت عنده صحة سماعه له مع الوثوق بالنسخة. ٧٥- الحسن بن الربيع أبو علي البجلي الكوفي . في (تاريخ بغداد) ١٣ / ٤١٤ من طريق «أبي بكر العين عن الحسن بن الربيع قال: ضرب ابن المبارك على حديث أبي حنيفة قبل أن يموت بأيام يسيرة» قال الأستاذ ص ١٥١: «يقول فيه ابن معين: لو كان يتقي الله لم يكن يحدث بالمغازي، ما كان يحسن يقرؤها. ومع ذلك لفظه لفظ انقطاع» . أقول: لم تصح هذه الكلمة عن ابن معين، راجع (الطليعة) ص ٧٨، ولذلك لم تذكر في (التهذيب) ولا ذكر الحسن في (الميزان) ولا ذكر ابن حجر في (مقدمة الفتح) فيمن فيه كلام من رجال البخاري، ومع ذلك فقد أجاب عنها الخطيب. وفي (التهذيب) : قال ابن شاهين في (الثقات) : قال عثمان بن أبي شيبة: «الحسن بن الربيع صدوق وليس بحجة» وهذه الحكاية منقطعة فيما يحكيه في (ثقاته) عمن لم يدركه. وعثمان على قلة كلامه في الرجال يتعنت وكلمة «ليس بحجة» لا تنافي الثقة فقد قال عثمان نفسه في أحمد بن عبد الله بن يونس الثقة المأمون: «ثقة وليس بحجة» وراجع (فتح المغيث) ص ١٥٧. والحسن قد وثقه الناس قال أبو حاتم تشدده: «كان من أوثق أصحاب ابن إدريس» وقال العجلي: «كوفي ثقة صالح متعبد» وقال ابن خراش: «موفي ثقة» وروى عنه البخاري ومسلم في (الصحيحين) وأبو داود في (السنن) وهو لا يروي إلا عن ثقة كما مر في ترجمة أحمد

стр. 424

بن سعد بن أبي مريم، وروى عنه أبو زرعة ومن عادته أن لا يروي إلا عن ثقة كما في (لسان الميزان) ج ٢ ص ٤١٦ وأخرج له بقية الستة بواسطة، وقال ابن حبان في (الثقات) : «هو الذي غمض ابن المبارك ودفنه» وليس بمدلس، فقوله: «ضرب ابن المبارك» محكوم له بالاتصال كما سلف في القواعد (١) . ٧٦- الحسن بن الصباح أبو علي البزار الواسطي . في (تاريخ بغداد) ١٣/٣٩٦ من طريق «يعقوب بن سفيان حدثني الحسن بن الصباح حدثنا إسحاق بن إبراهيم الحنيني ... » . قال الأستاذ ص ١٠٥: «ليس بقوي عند النسائي» . أقول: عبارة النسائي: «ليس بالقوي» وبين العبارتين فرق لا أراه يخفي على الأستاذ ولا على عارف بالعربية، فكلمة «ليس بقوي» تنفي القوة مطلقاً وأن لم تثبت الضعف مطلقاً، وكلمة «ليس بالقوي» إنما تنفي الدرجة الكاملة من القوة، والنسائي يراعي هذا الفرق فقد قال هذه الكلمة في جماعة أقوياء منهم عبد ربه بن نافع وعبد الرحمن بن سليمان بن الغسيل فبين ابن حجر في ترجمتيها من (مقدمة الفتح) أن المقصود بذلك أنهما ليسا في درجة الأكابر من أقراهما، وقال في ترجمة الحسن بن الصباح: «وثقه أحمد وأبو حاتم، وقال النسائي: صالح، وقال في الكنى: ليس بالقوي. قلت: هذا تليين هين، وقد روى عنه البخاري وأصحاب (السنن) إلا ابن ماجة ولم يكثر عنه البخاري» . ٧٧- الحسن بن علي بن محمد الحلواني نزيل مكة . في (تاريخ بغداد) ١٣/٣٩٨ من طريق «الأبار حدثنا الحسن بن علي ابن توبة ... » قال الأستاذ ص ١٠٩: «لم يكن أحمد يحمده كما ذكره الخطيب» . أقول: إنما لم يحمده أحمد لأنه بلغه عنه أنه مع قوله (٠ القرآن كلام الله غير مخلوق ما نعرف غير هذا» أمتنع من إطلاق الكفر على القائلين بخلق القرآن فكأن أحمد

стр. 425

رأى أن امتناع العالم في ذاك العصر من إطلاق الكفر عليهم يكون ذريعة لانتشار تلك البدعة التي جَدَّ أهلها والدولة معهم في نشرها وحمل الناس عليها، ولعل الحلواني لم ينتبه لهذا، وعارض ذلك عنده ما يراه مفسدة أعظم. فأما قول أحمد: «لا أعرفه بطلب الحديث ولا رأيته يطلبه» فحق وصدق، أحمد في بلد والحلواني في بلد آخر، وقد قال يحيى القطان في عبد الواحد بن زياد: «ما رأيته طلب حديثاً قط» ولم يعدوا هذا تضعيفاً، والحلواني قال فيه يعقوب بن شيبة: «كان ثقة ثبتاً» وقال النسائي: «ثقة» وقال الترمذي: «كان حافظاً) . وروى عنه البخاري ومسلم في (صحيحهما) وأبو داود مع أنه لا يروي إلا عن ثقة ومع شدة متابعة لأحمد (١) . ٧٨- الحسن بن علي بن محمد أبو علي المذهب التميمي . له ذكر في ترجمة الخطيب وتكلم فيه الأستاذ في موضع آخر، وحاصل الكلام أن الخطيب قال في (التاريخ) ج ٧ ص٣٩٠: «كان يروي عن ابن مالك القطيعي (مسند أحمد بن حنبل) بأسره، وكان سماعه صحيحاً إلا لأجزاء منه فانه ألحق اسمه فيها وكذلك فعل في أجزاء من (فوائد ابن مالك) . وكان يروي عن ابن مالك أيضاً كتاب (الزاهد) لأحمد بن حنبل ولم يكن له به أصل عتيق وإنما كانت النسخة بخطه كتبها باخرة. وليس بمحل للحجة. حدثنا ابن المذهب ... ثنا ابن مالك وأبو سعيد الحرقي قالا ثنا أبو شعيب الحراني ثنا البابلتي ... وجميع ما كان عند ابن مالك عن أبي شعيب جزء واحد وليس هذا الحديث فيه. حدثني ابن المذهب حدثنا محمد بن إسماعيل الوراق وعلي بن عمر والحافظ وأبو عمر بن مهدي قالوا حدثنا الحسين بن إسماعيل ... فأنكرته عليه وأعلمته أن هذا الحديث لم يكن عند أبي عمر بن

стр. 426

مهدي فأخذ القلم وضرب على اسم ابن مهدي؛ وكان كثيراً يعرض عليّ أحاديث في أسانيدها أسماء قوم غير منسوبين ويسألني عنهم فاذكر له أنسابهم، فليحقها في تلك الأحاديث ويزيدها في أصوله موصولة بالأسماء، وكنت أنكر عليه هذا الفعل فلا يثني عنه» . أقول: أما الأمر الأول، وهو إلحاق السماع فأجاب ابن الجوزي في (المنتظم) ج ٨ ص ١٥٥ بقوله «هذا لا يوجب القدح لأنه إذا تبين سماعه للكتاب جاز أن يكتب سماعه بخطه؛ والعجب من عوام المحدثين كيف يجيزون قول الرجل أخبرني فلان ويمنعون أن يكتب سماعه بخط نفسه أو إلحاق سماعه بما يتقنه» . أقول: جرت عادتهم بكتابة السماع وأسماء السامعين في كل مجلس فمن لم يسمع له في بعض المجالس دل ذلك على أنه فاته فلم يسمعه، فإذا أدعى بعد ذلك سمعه أنه ارتابوا فيه لأنه خلاف الظاهر فإذا زاد فألحق اسمه أو تسمعيه بخط كاتب التسميع الأول قالوا: زوَّر. والظاهر أن هذا لم يقع من ابن المذهب، ولو كان وقع لبالغ الخطيب في التشنيع، وإنما ألحق ما ألحق بخطه الواضح، ولا ريب أن من استيقن أنه سمع جاز له أن يخبر أو يكتب أنه سمع، وأن من تثبيت عدالته وأمانته ثم ادعى سماعاً ولا معارض له، أو يعارضه ما مر ولكن له عذر قريب كأن يقول فاتني أولاً ذلك المجلس وكان الشيخ يعتني بي فأعاده لي وحدي ولم يحضر كاتب التسميع، فإنه يقبل منه، ولعل هذا هو الواقع، فقد دل اعتماد الخطيب عليه في كتاب (الزهد) كما يأتي واقتصاره في الحكم على قوله «ليس بمحل للحجة» أنه كان عنده صدوقاً، وذكر ابن نقطة كما في (الميزان) أن مسندي فضالة ابن عبيد وعوف بن مالك وأحاديث من مسند جابر لم تكن في كتاب ابن المذهب وهي ثابتة في رواية غيره عن شيخه قال: «ولو كان يلحق اسمه كما زعم الخطيب لألحق ما ذكرناه» يعني لو كان يلحق اسمه فيما لم يسمع، والخطيب لم يقل ذلك، وإنما أطلق أنه الحق اسمه لأن ثبوت السماع بمجرد الدعوى مع الصدق ليس في درجة ثبوته بالبينة، وقد قال الخطيب في (الكفاية) ص ١٠٩ «ومذاهب النقاد

стр. 427

للرجال غامضة دقيقة وربما سمع بعضهم في الراوي أدنى مغمز فتوقف عن الاحتجاج بخبره ... رجاء إن كان الراوي حيا أن يحمله ذلك على التحفظ ... وإن كان ميتاً أن ينزله من ينقل عنه منزلته فلا يلحقه بطبقة السالمين من ذلك المغمز ... » وقال شجاع الذهلي: «كان شيخاً عسراً في الرواية وسمع الكثير ولم يكن ممن يعتمد عليه في الرواية كأنه خلط في شيء من سماعه» وقال السلفي: «كان مع عسره متكلماً فيه ... » والعسر في الرواية هو الذي يمتنع من تحديث الناس إلا بعد الجهد وهذه الصفة تنافي التزيّد ودعوى سماع ما لم يسمع، إنما يدعي سماع ما لم يسمع من شهو ة شديدة في ازدحام الناس عليه وتكاثرهم حوله، ومن كان هكذا كان من شأنه أن يتعرض للناس يدعوهم إلى السماع منه ويرغبهم في ذلك، فأما من يأبى التحديث بما سمع إلا بعد جهد فأي داع له إلى التزيّد؟ وأما الأمر الثاني وهو قضية كتاب (الزهد) فقد قال السلفي عقب ما مر عنه «حدث بكتاب الزهد بعد ما عدم أصله من غير أصله» فدل هذا على أنه كان لابن المذهب أصل بكتاب (الزهد) ولكن عدمه وبقيت عنده نسخة بخطه فلعله كان قد عارضها بأصله أو أصل آخر علم مطابقته لأصله. ويقوي ذلك أن الخطيب نفسه سمع منه كتاب (الزهد) وروى منه أشياء. وأما الأمر الثالث وهو قول الخطيب «وليس بمحل للحجة» فحاصله أنها لا تقوم الحجة بما يتفرد به، وهذا لا يدفع أن يعتمد عليه في الرواية عنه من مصنف معروف: (المسند) و (الزهد) وسيأتي في ترجمة عبد العزيز بن الحارث طعنهم فيه وتشنيعهم عليه وتشهيرهم به بسبب حديثين نسبهما إلى (المسند) وهم يرون أنهما ليسا منه، ولم يغمزوا ابن المذهب بشيء ما من هذا القبيل، وذلك يدل أوضح دلالة على علمهم بمطابقة نسختيه اللتين كان يروي منهما (المسند) و (الزهد) لسائر النسخ الصحيحة فالكلام فيه وفي شيخه لا يقتضي أدنى خدش في صحة (المسند) و (الزهد) ، فليخسأ أعداء السنة.

стр. 428

وأما الخبران اللذان ذكرهما الخطيب، فالذي يظهر لي أن ابن المذهب كان يتعاطى التخريج من أصول بعض الأحاديث فيكتب الحديث من طريق شيخ من شيوخه ثم يتصفح أصوله فإذا وجد ذاك الحديث قد سمعه من شيخ آخر بذاك السند كتب اسم ذاك الشيخ مع اسم الشيخ الأول في تخريجه وهكذا وهذا الصنيع مظنة للغلط كان يريد أن يكتب اسم الشيخ على حديث فيخطئ فيكتبه على حديث آخر، أو يرى السند متفقاً فيتوهم أن المتن متفق، وإنما هو متن آخر، وأشباه ذلك وقد قال ابن معين «من سمع من حماد بن سلمة الأصناف ففيها اختلاف ومن سمع منه نسخاً فهو صحيح» وقال يعقوب بن سفيان في سليمان بن عبد الرحمن الدمشقي «كان صحيح الكتاب إلا أنه كان يحول، فإن وقع فيه شيء فمن النقل وسليمان ثقة» والمراد بأصناف حماد وتحويل سليمان نحو ما ذكرت من التخريج، وكأن ابن المذهب شعر بهذا من نفسه ولذلك ضرب على الاسم. وأما إلحاقه ما كان يذكر له الخطيب من أساب غير المنسوبين فتساهل لا يوجب الجرح ولكنه يدل على أن ابن المذهب لم يكن بمتقن وأنه كان فيه سلامة وحسن ظن بالخطيب ومعرفته، ولا نشك أن الخطيب لم يكن يذكر له من الأنساب إلا ما يستفتيه فالخطب إن شاء الله تعالى سهل؛ وعلى كل حال فلم ينصف ابن الجوزي إذ ينقم على الخطيب ما ذكره في ابن المذهب، ويزعم أن هذه الأمور كلها ليس فيها ما يستحق الذكر في ترجمة الراوي وأن الخطيب إنما جرى على عادة عوام المحدثين يجرحون بما ليس بجرح مع ميل من الخطيب على الحنابلة؛ كذا قال! فهو لا يتهم الخطيب فيما حكاه، وإنما يتهمه في اعتداده بهذه الأمور. ومن عرف وأنصف علم أن الخطيب لم يخرج عن طريق أئمة النقاد، وأنه مع ذلك لم يعتد بهذه الأمور مسقطاً للرواية البتة، وإنما قال «ليس بمحل للحجة» وقد قدمت ما يبين ذلك ويهو نه. والله المستعان. ٧٩- الحسن بن الفضل البوصرائي . في (تاريخ بغداد) ١٣ / ٤١٧: «أخبرنا البرقاني أخبرنا محمد بن الحسن السراجي أخبرنا عبد الرحمن بن أبي حاتم

стр. 429

الراوي حدثني أبي قال: سمعت محمد بن كثير العبدي يقول ... » فذكر حكاية ثم أردف ذلك بقوله «أخبرنا محمد ابن الحسين بن محمد المتوثي أخبرنا إسماعيل بن محمد الصفار حدثنا الحسن ابن الفضل البوصرائي قال: حدثنا محمد بن كثير العبدي ... » فذكر نحوه. قال الأستاذ ص ١٦١ «قال ابن المنادي: أكثر الناس عنه ثم انكشف أمره فتركوه وخرقوا حديثه؛ قاله الذهبي، ومثله في كتاب الخطيب نفسه، وهكذا المحفوظ عنده» . أقول: قد روى عن البوصرائي جماعة من الأكابر كابن صامد والصفار، وكلام ابن المنادي غير مفسر، وقد كانوا ربما يغضبون على التحدث، ويخرقون حديثه لغير موجب كما مر في (الطليعة) ص ٤٩ وكما تراه في ترجمة محمد بن بشر الزنبري من (لسان الميزان) والحكاية ثابتة بالسند الأول عن ابن حاتم، وقد أتثبتها في كتابة (الجرح والتعديل) ، وفي المعنى المقصود منها روايات أخرى كثيرة وبذلك يثبت أنه هو المحفوظ، فأما رواية البوصرائي فان لم تؤكد ذلك لم توهنه، فلا وجه لقول الأستاذ: «هكذا المحفوظ عنده» . ٨٠- الحسين بن أحمد الهروي الصفار . في (تاريخ بغداد) ١٣ / ٤٢٣: «أخبرنا محمد بن عمير بن بكير المقرئ أخبرنا الحسين بن أحمد الهروي الصفار ... » قال الأستاذ ص١٧٠: «قال البرقاني ... عندي عنه رزمة ولا أخرج عنه في الصحيح حرفاً واحداً، سمع من أبي القاسم البغوي ثلاثة أحاديث أو أربعة أحاديث، ثم حدث عنه بشيء كثير، كتبت عنه ثم بان لي أنه ليس بحجة. وقال الحاكم: كذاب لا يشتغل به، فبرئت بذلك ذمة الثوري من مثل تلك الكلمة الساقطة وركبت على أكتاف الخطيب الذي يعلم كل ذلك» . أقول: الهروي هذا له مستخرج على (صحيح مسلم) وروايته عن البغوي ما لم يسمعه منه قد تكون عملاً بالإجازة أو إعلام الشيخ، وعبارة البرقاني إنما فيها أن الرجل ليس بحجة ولا يخرج عنه في الصحيح وهذا يشعر بأنه يروى عنه في غير الصحيح للاعتبار، فأما قول الحاكم «كذاب» فبناها على ظاهر روايته عن البغوي

стр. 430

ما لم يسمعه منه وقد مر ما في ذلك، ثم قال الحاكم: « ... انصرف الرجل من الحج ورفض الحشمة وحدث بالمناكير» والتحديث بالمناكير إنما يضره إذا كانت النكارة من جهته، والمقصود هنا أنه لا يثبت بما ذكر تعمد الهروي للكذب المسقط وهو على ما اقتضاه كلام البرقاني ممن يكتب حديثه ويروى عنه للاعتبار، وتلك الكلمة التي في حكايته توجد لها في الترجمة عند الخطيب عدة أخوات عن الثوري توافقها في المعنى الذي ادعاه الخطيب بقوله «والمحفوظ ... » أقربها إليها حكايتان قبلها عن أبي عاصم عن الثوري، وأبو عاصم هذا هو النبيل الثقة المأمون، وحاول الأستاذ أن يجعله العباداني المجروح كما شرحته في (الطليعة) ص ٢٩- ٣٠. ٨١- الحسين بن إدريس الهروي . في (تاريخ بغداد) ١٣/٤٠٨: «أخبرنا البرقاني أخبرنا محمد بن عبد الله بن خميرويه أخبرنا الحسين بن إدريس قال: قال ابن عمار ... » قال الأستاذ ص ١٣٣ «يقول عنه ابن أبي حاتم بعد أن ذكر له أحاديث باطلة: لا أدري البلاء منه أم من خالد بن هياج. والهروي وخالد مذكوران في (ثقات ابن حبان) جهلاً منه بحالههما وتساهله في التوثيق مردود عند أهل النقد» . أقول: الحسين بن إدريس يروي عن سعيد بن منصور وعثمان بن أبي شيبة وداود بن رشيد وهشام بن عمار - وابن عمار وهو محمد بن عبد الله بن عمار - وخلق منهم خالد بن هياج. وخالد بن هياج يروي عن جماعة منهم أبوه هياج بن بسطام، وهياج قال فيه الإمام أحمد «متروك الحديث» وقال يحيى بن معين: «ضعيف الحديث ليس بشيء» وقال أبو داود: «تركوا حديثه» وألان أبو حاتم القول فيه قال: «يكتب حديثه ولا يحتج به» . وخالد ابن هياج يروي عن أبيه مناكير كثيرة روى عنه الحسين بن إدريس عدة منها، فتلك الأحاديث التي أنكرها ابن أبي حاتم يجوز أن يكون البلاء فيها من هياج ويبرأ منها خالد والحسين، ويجوز أن تكون من خالد ويبرأ منها هياج والحسين، ويجوز أن تكون من الحسين ويبرأ منها هياج وخالد، فأما ابن أبي

стр. 431

حاتم فيمن هو عنده عن أبيه أن هياجاً «يكتب حديثه ولا يحتج به» وهذه الكلمة يقولها أبو حاتم فيمن هو عنده صدوق ليس بحافظ يحدث بما لا يتقن حفظه فيغلظ ويضطرب كما صرح بذلك في ترجمة إبراهيم بن المهاجر. فرأي ابن أبي حاتم أن تلك المناكير التي رآها فيما كتب به إليه الحسين لا يحتملها هياج، ولم يكن يعرف خالداً ولا الحسين فجعل الآمر دائراً بينهما. ومقتضى كلام الأمام أحمد ويحيى ابن معين وأبي غير خالد من الثقات عن هياج، وما رواه خالد عن الثقات غير هياج، وما رواه الحسين عن الثقات غير خالد م وبذلك يتبين الحال، لذا وجدنا غير خالد من الثقات قد رووا عن هياج مناكير يتجه الحمل عليه، ووجدنا خالدا قد روى عن غير هياج من الثقات أحاديث عديدة كلها مستقيمة، ووجدنا الحسين قد روى عن الثقات غير خالد أحاديث كثيرة كلها مستقيمة، وسقط هياج وبرئ خالد والحسين، وهذا هو الذي تبين لابن حبان فذكر هياجاً في (الضعفاء) وقال: «كان مرجئاً يروي الموضوعات عن الثقات» ، وذكر خالداً في (الثقات) وكذلك ذكر الحسين وقال: «كان ركناً من أركان السنة في بلده» واخرج له في (صحيحه) وقد عرفه حق المعرفة، وتوثيق ابن حبان لمن عرفه حق المعرفة من اثبت التوثيق كما يأتي في ترجمة ابن حبان (١) وقد وافقه غيره على توثيق الحسين فوثقه الدارقطني. وقال ابن مأكولا: «كان من الحفاظ المكثرين» وقال ابن عساكر عقب كلمة ابن أبي حاتم: «البلاء في الأحاديث المذكورة من خالد بلا شك» فإما أن يكون ابن عساكر يبرئ هياجاً أيضاً ويجعل الحمل على خالد كما فعل الحاكم ويحيى بن أحمد بن زياد الهروي، وإما أن يكون مراده تبرئة الحسين ويكون الأمر دائراً بين وهياج، فالحسين ثقة اتفاقاً، وأما خالد والهياج فالأشبه صنيع ابن حبان فإن كبار الأئمة طعنوا في هياج كما مر، وفي ترجمة من (الميزان) أحاديث انتقدت عليه رواها غير خالد عنه ولم يذكروا لخالد شيئاً من

стр. 432

المناكير رواه عن غير هياج. والمقصود هنا بيان حال الحسين وقد اتضح بحمد الله تعالى أنه ثقة. ٨٢- الحسين بن حميد بن الربيع . ذكر الأستاذ ص ١٢٢: محمداً ولد الحسين هذا فقال: «الكذاب ابن الكذاب ... وقد قال مطين أن محمد بن الحسين هذا كذاب ابن كذاب، واقره ابن عقدة، ثم اقر ابن عدي وأبو أحمد الحاكم ابن عقدة في ذلك» . أقول: الحكاية عن مطين تفرد بها أحمد بن سعيد بن عقدة، وقد تقدم في ترجمة أنه ليس بعمدة، لكن ابن عدي قوى الحكاية فيما يتعلق بالحسين بقوله: «سمعت عبدان يقول سمعت حسين بن حميد بن الربيع يقول: سمعت أبا بكر بن أبي شيبة يتكلم في يحيى بن معين يقول: من أين له حديث حفص بن غياث عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة رفعه: من أقال نادماً عثرته. هو ذا كتب حفص بن غياث عندنا، وكتب ابنه عمر بن حفص ليس فيها من ذا شيء» وقال ابن عدي: «هذه الحكاية لم يحكها عن أبي بكر غير حسين هذا، وهو متهم فيها، ويحيى أجل من أن فيه مثل هذا، ... وهذا الحديث قد رواه زكريا بن عدي عن حفص بن غياث ... » ثم ذكر أنه قد رواه عن الأعمش أيضاً مالك بن سعير (١) ثم قال: «الحسين متهم عندي كما قال مطين» . أقول: كلمة مطين لم تثبت، وقد كان يحيى بن معين ينتقد على الرواة ما يراهم تفردوا به، وربما شدد فلعله بلغ أبا بكر بعض ذلك فرآه تشديداً في غير محله فذكر ما حكاه الحسين عنه يريد انه كما تفرد يحيى بهذا وليس ليحيى أن يشدد في مثل ذلك على من عرفت ثقته وأمانته؛ وعلى هذا لا يكون المقصود الطعن في يحيى كما فهمه الحسين وابن عدي، وبنى عليه ابن عدي استنكار الحكاية واتهام الحسين، لكن ابن

стр. 433

عدي علم أن يحيى تكلم في حميد ابن الربيع كلاماً شديداً، قال مرة: «أخزى الله ذاك ومن يسأل عنه» وقال أخرى: «أو يكتب عن ذاك؟ ! خبيث غير ثقة ولا مأمون يشرب الخمر ويأخذ دراهم الناس ويكابرهم عليها حتى يصالحوه» فوقع في نفس ابن عدي أن الحسين أراد الانتقام لأبيه من يحيى. وأقول: هذا وحده لا يوجب اتهام الحسين باختلاق الحكاية، بل يكفي اتهامه بأنه أبرزها في ذاك المعرض «يتكلم في يحيى بن معين» وليس هذا بالكذب المسقط على أنه قد يكون فهم ذلك ولم يتنبه لمقصود أبي بكر، والحسين مكثر، عارف قال الخطيب: «روى عن أبي نعيم ومسلم بن إبراهيم ومحمد بن طريف البجلي وأحمد بن يونس وغيرهم ... وكان فهماً عرفاً له كتاب مصنف في التاريخ» . فإذا كانت هذه حاله ولم ينكر عليه شيء إلا تلك الحكاية، فلا أرى اتهامه بالكذب لأجلها إلا ظلماً. والله أعلم. ٨٣- الحسين بن عبد الأول . في (تاريخ بغداد) ١٣ / ٣٧٩ من طريقة «أخبرني إسماعيل بن حماد بن أبي حنيفة قال: هو قول أبي حنيفة: القرآن مخلوق» . قال الأستاذ ص ٥٦: «قال أبو زرعة: لا أحدث عنه. وقال أبو حاتم: تكلم الناس فيه. وقال الذهبي: كذبه ابن معين» . أقول: ذكر الخطيب هذه الحكاية في إثناء الروايات عن أبي حنيفة في تلك المسألة فذكر أولا: روايات تبرئ أبا حنيفة عن تلك المقالة ثم قال: «ذكر الروايات عمن حكى عن أبي حنيفة القول بخلق القرآن ... » فساق روايات هذه واحدة منها فلم يعتمد الخطيب على رواية الحسين هذه، ولا جزم بما تضمنته هي والروايات القوية التي معها، بل قدم الروايات في نفي ذلك على أن نسبة إسماعيل هذه المقالة إلى جده مشهورة انظر ترجمته في (تاريخ بغداد) و (لسان الميزان) . والأستاذ وإن طعن في الراوي فإنه يثبت المروي ويتبجح به. ٨٤- الحسين بن علي بن يزيد الكرابيسي . قال الأستاذ ص ١٨٤: «متكلم فيه» .

стр. 434

أقول: تكلموا فيه لخوضه في طرف من الكلام واستخفافه بالإمام أحمد بن حنبل كما مر في ترجمة الخطيب، وأما الرواية فلم أر من غمزه فيها بل قال ابن حبان في (الثقات) : «كان ممن جمع وصنف ممن يحسن الفقه والحديث، أفسده قلة عقله» . (١) (٢) ٨٥- حماد بن سلمة بن دينار . في (تاريخ بغداد) (١٣/٣٩٠) عنه «أبو حنيفة هذا يستقبل السنة يردها برأيه» وفيه (١٣/٤٠٦) من طريق فهد بن عوف «سمعت حماد بن سلمه يكني أبا حنيفة أبا جيفة» قال الأستاذ ص ٩١ «حماد بن سلمة ليس ممن يفرق بين من يأخذ بالسنة ومن يردها، وهو راوي تلك الطامات في الصفات منها رؤية الله في صورة شاب ومثله يجب أن يسكت عن الأئمة حتى يسكت الناس عن تخليطه، وقال ص ١٣٩ «يروي تلك الطامات المدونة في كتب (الموضوعات) وقد أدخل في كتبه ربيباه ما شاء من المخازي كما قال ابن الجوزي، وتحاماه البخاري ولم يذكر مسلم من أحاديثه إلا ما سلم من التخليط من رواياته قبل أن يختلط، وكان المسكين على براعته في العربية وصيته الطيب مبدأ أمره، ساءت سمعته وأصبح أداة صماء بأيدي الحشوية في أواخر عمره ... » أقول: الكلام في حماد يعود إلى أربعة أوجه: الأول: أنه سيئ الحفظ يغلط. وهذا قد ذكره الأئمة، إلا أنهم خصوه بما يرويه عن غير ثابت وحميد واتفق أئمة عصرهم على أنه اثبت الناس في ثابت، وقال أحمد «أثبتهم في ثابت حماد بن سلمة» وقال أيضاً: «حماد بن سلمة أعلم الناس بحديث حميد وأصح حديثاً» . وقال في موضع آخر: «هو أثبت الناس في حميد الطويل ... » وقال ابن معين: «من خالف حماد بن سلمة في ثابت فالقول قول حماد» ، وقال أيضاً من سمع من حماد بن سلمة الأصناف ففيها اختلاف، ومن

стр. 435

سمع منه نسخاً فهو صحيح» يعني أن الخطأ كان يعرض له عندما يحول من أصوله إلى مصنفاته التي يجمع فيها من هنا وهنا، فأما النسخ فصحاح، وقال علي ابن المديني: «لم يكن في أصحاب ثابت اثبت من حماد بن سلمة، ثم بعده سليمان بن المغيرة، ثم بعده حماد بن زيد وهي صحاح» . الوجه الثاني: أنه تغير باخرة. وهذا لم يذكره إلا البيهقي، والبيهقي أرعبته شقاشق أستاذه ابن فورك المتجهم الذي حذا حذو ابن الثلجي في كتابه الذي صنفه في تحريف أحاديث الصفات والطعن فيها، وإنما قال البيهقي: «هو أحد أئمة المسلمين إلا أنه لما كبر قبل تغيره، وما سوى حديثه عن ثابت لا يبلغ اثني عشر حديثاً أخرجها في الشواهد» . أقول: أما التغير فلا مستند له ونصوص الأئمة تبين أن حماداً أثبت الناس في ثابت وحميد مطلقاً، وكأنه كان قد أتقن حفظ حديثهما، فأما حديثه عن غيرهما فلم يكن يحفظه، فكان يقع له فيه الخطأ إذا حدث من حفظه أو حين يحول إلى الأصناف التي جملها كما مر. ولم يتركه البخاري بل استشهد به في المواضع من (الصحيح) فأما عدم إخراجه له في الأصول فلا يوجب أن يكون عنده غير أهل لذلك، ولذلك نظائر، هذا سليمان بن المغيرة الذي تقدم أنه من أثبت الناس في ثابت وأنه أثبت فيه من حماد بن زيد وقد ثبته الأئمة جداً، قال أحمد: «ثبت ثبت» وقال ابن معين «ثقة ثقة» والثناء عليه كثير ولم يغمزه أحد، ومع ذلك ذكروا أن البخاري لم يحتج به ولم يخرج له إلا حديثاً واحداً مقرونا بغيره. وقد عتب ابن حبان على البخاري في شأن حماد بن سلمة وذكر أنه قد أخرج في غير الشواهد لمن هو دون حماد بكثير كأبي بكر بن عياش وفليح وعبد الرحمن بن عبد الله بن دينار. واعتذر أبو الفضل بن طاهر عن ذلك بكلام شريف قال: «حماد بن سلمة إمام كبير مدحه الأئمة وأطنبوا، لما تكلم بعض منتحلي الصنعة (كما يأتي)

стр. 436

أن بعض الكذبة أدخل في حديثه ما ليس منه لم يخرج عنه البخاري معتمداً عليه، بل استشهد به في مواضع ليبين أنه ثقة، وأخرج أحاديثه التي يرويها من حديث أقرانه كشعبة وحماد بن زيد وأبي عوانة وغيرهم. ومسلم اعتمد عليه لأنه رأى جماعة من أصحابه القدماء والمتأخرين لم يختلفوا وساهد مسلم منهم جماعة وأخذ عنهم، ثم عدالة الرجل في نفسه وإجماع أئمة أهل النقل على ثقته وأمانته» . الوجه الثالث: زعم بعضهم انه كان له ربيب يدخل في كتبه وقيل ربيبان وصحف بعضهم «ربيب حماد» إلى «زيد بن حماد» راجع (لسان الميزان) ج ٢ ص ٥٠٦. ومدار هذه التهمة الفاجرة على ما يأتي، وقال الذهبي في (الميزان) : «الدولابي حدثنا محمد بن شجاع ابن الثلجي حدثني إبراهيم بن عبد الرحمن بن مهدي قال: كان حماد بن سلمة لا يعرف بهذه الأحاديث - يعني التي في الصفات - حتى خرج مرة إلى (عبادان) فجاء وهو يرويها، فلا أحسب إلا شيطاناً خرج إليه من البحر فألقاها إليه. قال ابن الثلجي: فسمعت عباد بن صهيب يقول إن حماداً كان لا يحفظ، وكانوا يقولون إنها دست في كتبه، وقد قيل: إن ابن أبي العوجاء كان ربيبه فكان يدس في كتبه» قال الذهبي: «قلت: ابن الثلجي ليس بمصدق على حماد وأمثاله وقد اتهم. نسأل الله السلامة» . أقول: الدولابي حافظ حنفي له ترجمة في (لسان الميزان) ج ٥ ص٤١ وهو بريء من هذه الحكاية إن شاء الله إلا في قبوله لها من ابن الثلجي وروايتها عنه. كان ابن الثلجي من إتباع بشر المريسي جهمياً داعية عدواً للسنة وأهلها، قال مرة: «عند أحمد ابن حنبل كتب الزندقة، وأوصى أن لا يعطي من وصيته إلا من يقول: القرآن مخلوق. ولم أر من وثقه، بل اتهموه وكذبوه قال ابن عدي «كان يضع أحاديث في التشبيه وينسبها إلى أصحاب الحديث يثلبهم بذلك» وذكر ما رواه عن حبان بن هلال، وحبان ثقة، عن حماد بن سلمة عن أبي المهزم عن أبي هريرة مرفوعا «إن الله خلق الفرس فأجراها فعرقت ثم خلق نفسه منها» وكذبه أيضاً الساجي والأزدي وموسى بن القاسم الأشيب. فأما ما نسب غليه من التوسع في الفقه

стр. 437

وإظهار التعبد فلا يدفع ما تقدم. وحكايته هذه يلوح عليها الكذب، إبراهيم بن عبد الرحمن ابن مهدي ولد أبوه سنة ١٣٥ فمتى ترى ولد إبراهيم؟ ومولد ابن الثلجي كما ذكر عن نفسه سنة ١٨١ فمتى تراه سمع من إبراهيم؟ وفي ترجمة قيس بن الربيع من (التهذيب) شيء من رواية ابن المديني عن إبراهيم وهذا يشعر بأنه عاش بعد أبيه، وأبوه مات سنة ١٩٨ فإذا كان إبراهيم مات سنة ٢٠٠ فمتى تراه ولد؟ وقد قال الخليلي: «مات وهو شاب لا يعرف له إلا أحاديث دون العشرة يروي عنه الهاشمي جعفر بن عبد الواحد أحاديث أنكروها على الهاشمي وهو من الضعفاء» وحماد بن سلمة توفي سنة ١٦٧. ومقتضى ما تقدم أن يكون إبراهيم حينئذ إما صبياً صغيراً وإما لم يولد فمتى صحب حماد بن سلمة حتى عرف حديثه وعرف أنه لم يكن يروي تلك الأحاديث حتى خرج إلى «عبادان» وكيف عرف هذا الأمر العظيم ولم يعرفه أبوه وكبار الأئمة من أقران حماد وأصحابه؟ وكلهم أبلغوا في الثناء على حماد كما يأتي، ولا داعي إلى الحمل على إبراهيم لأنه لم يوثقه أحد، وذكر ابن حبان له في (الثقات) لا يجدي لأنه لم يثبت عنه أحاديث كثيرة يعرف باعتبارها أثقة هو أم لا؟ ولا إلى أن يقال لعل إبراهيم سمع ذلك من بعض الهلكى بل الحمل على ابن الثلجي كما ذكر الذهبي؛ وكذلك ما ذكره عن عباد بن صهيب مع أن عباداً متروك، وقال عبدان: لم يكذبه الناس وإنما لقنه صهيب بن محمد بن صهيب أحاديث في آخر الأمر» فعلى هذا فعباد وهو المبتلى بابن أخيه يدخل عليه في حديثه، وفي (الميزان) أحاديث من مناكيره. الوجه الرابع: أن حماداً روى أحاديث سماها الكوثري: طامات، وأشار إلى أن أشدها حديث رؤية الله في صورة شاب. والجواب: أن لهذا الحديث طرقاً معروفة في بعضها ما يشعر بأنها رؤيا منام، وفي بعضها ما يصرح بذلك، فإن كان كذلك اندفع الاستنكار رأساً، وإلا فلأهل العلم في تلك الأحاديث كلام معروف، وفي (اللآلئ المصنوعة) أن محقق الحنفية

стр. 438

ابن الهمام سئل عن الحديث فأجاب بان حجاب الصورة، وبقية الأحاديث إذا كانت من رواية حماد عن ثابت أو حميد أو مما حدث به أصوله فهي كما قال الله ﵎: ﴿فَإِنْ يَكْفُرْ بِهَا هَؤُلاءِ فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْماً لَيْسُوا بِهَا بِكَافِرِينَ﴾ الأنعام - ٨٩. وأختم بطرف من ثناء الأئمة على حماد في حياته وبعد وفاته ليتبين هل ساءت سمعته في أواخر عمره كما زعم الأستاذ؟ ! : قال ابن المبارك: «دخلت البصرة فما رأيت أحداً أشبه بمسالك الأول من حماد بن سلمة» وقال عفان: «قد رأيت من هو أعبد من حماد بن سلمة، ولكن ما رأيت أشد مواضبة على الخير وقراءة القرآن والعمل لله من حماد بن سلمة» وقال رجل لعفان: أحدثك عن حماد؟ قال: من حماد ويلك؟ قال: ابن سلمة. قال: ألا تقول: أمير المؤمنين؟ (وقال عبد الرحمن بن مهدي - والد إبراهيم الذي نسب إليه ابن الثلجي ما نسب -: «لو قيل لحماد بن سلمة: إنك تموت غداً، ما قدر أن يزيد في العمل شيئاً» وقال أيضاً: «حماد بن سلمة صحيح السماع، حسن اللقي، أدرك الناس، لم يتهم بلون من الألوان، ولم يلتبس بشيء، أحسن ملكه نفسه ولسانه ولم يطلقه على أحد فسلم حتى مات» وقال حماد بن زيد: «ما كنا نرى أحداً يتعلم بنية غير حماد ابن سلمة، وما نرى ألبوم من يعلم بنية غيره» وقال إسحاق بن الطباع: قال لي أبن عيينة: العلماء ثلاثة، عالم بالله وبالعلم، وعالم بالله ليس بعالم بالعلم، وعالم بالعلم ليس بعالم بالله. قال ابن الطباع: «الأول كحماد بن سلمة ... » وقال علي بن المديني: «من تكلم في حماد بن سلمة فاتهموه في الدين» . ٨٦- حنبل بن إسحاق . في (تاريخ بغداد) ١٣ / ٣٧١ من طريقه «حدثنا الحميدي حدثنا حمزة بن الحارث بن عمير عن أبيه قال: سمعت رجلاً يسأل أبا حنيفة في المسجد الحرام عن رجل قال: اشهد أن الكعبة حق، ولكن لا أدري هي هذه التي بمكة أم لا؟ فقال: مؤمن حقاً. وسأله عن رجل قال: أشهد أن

стр. 439

محمد بن عبد الله نبي، ولكن لا أدري هو الذي قبره بالمدينة أم؟ فقال: مؤمن حقاً ... » . وفيه ١٣ / ٣٨١ من طريقه «حدثنا الحميدي قال: سمعت سفيان قال: كنت في جنازة أم خصيب بالكوفة فسأل رجل أبا حنيفة عن مسالة من الصرف؟ فأفناه، فقلت يا أبا حنيفة إن أصحاب محمد ﷺ قد اختلفوا في هذه فغضب وقال للذي استفتاه: أذهب فاعمل بها فما كان فيها من إثم فهو علي» قال الأستاذ ص٣٦: «يتكلم فيه بعض أهل مذهبه ويرميه ابن شاقلا بالغلط في روايته كما ذكره ابن تيمية في تفسير سورة القلم، لكن لا نلتفت إلى كلامهم ونعده ثقة مأمونا كما يقول ابن نقطة في (التقييد) » وقال ص ٨٤: «غالط غير مرضي عند بعض أهل مذهبه» . أقول: قال الدارقطني: «كان صدوقا» وقال الخطيب: «كان ثقة ثبتا» وتخطئته في حكاية إنما تدل على اعتقاد أنه لم يكن معصوما من الخطأ وليس هذا مما يوهن الثقة المكثر كحنبل وقد خطا أهل العلم جماعة من اجله الصحابة بل قالوا: إن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام قد يخطئون في أمور الدنيا بل قال بعضهم: قد يعرض لهم الخطأ في شيء من أمر الدين ولكن ينبهو ن في الحال لمكان العصمة في التبليغ وقد تعرضت لذلك في قسم الاعتقاديات. والمقرر عند أهل العلم جميعا أن الثقة الثبت قد يخطئ فإن ثبت خطؤه في شيء فإنما يترك ذاك الشيء فأما بقية روايته فهي على الصواب ومن ادعى الخطأ في شيء فعليه البيان والأستاذ يعلم ذلك كله ولكن ... والله المستعان. ٨٧- خالد بن عبد الله القسري . في (تاريخ بغداد) ١٣/٣٨١ من طريق «محمد بن فليح المدني عن أخيه سليمان وكان علامة بالناس أن الذي استتاب أبا حنيفة خالد القسري..» قال الأستاذ ص ٦٢: «هو الذي بنى كنيسة لأمه تتعبد فيها وهو الذي يقال عنه انه ذبح الجعد بن درهم يوم عيد الأضحى أضحية عنه ... ما كان العلماء ليسكتوا في ذلك العهد أمام استخفافه لشعيرة من شعائر

стр. 440

الدين ... وسفك دم من وجب قتله شيء وذبحه على أن يكون أضحية شيء آخر وكانت سيرة خالد وصمة عار في تاريخ الإسلام» . أقول: كان خالد أميرا مسلما خلط عملا صالحا كإقامة الحدود وآخر سيئا الله أعلم ما يصح عنه منه. وقد جاء عن جماعة من الأئمة كما في (التأنيب) نفسه أن أبا حنيفة استتيب في الكفر مرتين فإن كان خالد هو الذي استتابه في أحدهما وقد شهد أولئك الأئمة أنها استتابة عن الكفر فأي معنى للطعن في خالد؟ هبه كان كافرا! أيجوز أن يحنق عليه مسلم لأنه رفع إليه إنسان يقول قولا شهد علماء المسلمين أنه كفر فاستتابه منه؟ وكان خالد يماني النسب وكان له منافسون على الإمارة من المضريين وأعداء كثيرون يحرصون على إساءة سمعته، وكان القصاصون ولا سيما بعد أن نكب خالد يتقربون إلى أعدائه بوضع الحكايات الشنيعة في ثلبه ولا ندري ما يصح من ذلك؟ وقضية الكنيسة إن صح فيها شيء فقد يكون بر أمه بمال فبنى لها وكيلها كنيسة فإنها كانت نصرانية وليس في هذا ما يعاب به خالد فقد أحل الله نكاح الكتابيات والتسري بهن ونهى عن إكراههن على الإسلام وأمر بإقرارهن على دينهن وأمر ببر الأمهات. فأما قضية الجعد فإن أهل العلم والدين شكروا خالد عليها ولا يزالون شاكرين له إلى يوم القيامة ومغالطة الأستاذ في قضية التضحية مما يضحك ويبكي يضحك لتعجرفه ويبكي لوقوعه من رجل ينعته أصحابه أو ينعت نفسه «الإمام الفقيه المحدث والحجة الثقة المحقق العلامة الكبير ... » لا يخفي على أحد أن الضحية الشرعية هي ذبح شاه أو بقرة أو بدنة بصفة مخصوصة في أيام الأضحى تقربا إلى الله تعالى بإراقة دمها، وليأكل منها المضحي وأهله ويهدي من لحمها إلى أصحابه ويتصدق على المساكين، وأن خالداً لم يذبح الجعد ليأكل من لحمه ويهدي ويتصدق، وإنما سماه تضحية لأنه إراقة دم يوم الضحى تقرباً إلى الله تعالى فشبهه بالضحية المشروعة من هذا الوجه كما سمى بعض الصحابة وغيرهم قتل عثمان ﵁ تضحية لأنه وقع في أيام الضحى.

стр. 441

فقال حسان: ضحوا بأشمط عنوان السجود به ... يقطع الليل تسبيحاً وقرآنا وقال أيمن بن خريم: ضحوا بعثمان في الشهر الحرام ضحى ... وأي ذبح حرام ويلهم ذبحوا وقال القاسم بن أمية: لعمري ليئس الذبح ضحيتم به ... وختم رسول الله في قتل صاحبه فان قيل: لكن يظهر من القصة أن خالدا لم يضح، بل اجتزأ بذبح الجعد. قلت: ليس ذلك بواضح، وكان خالد يذبح كل يوم عدة ذبائح وهب أنه لم يضح ذاك اليوم، فغاية الأمر أن يكون اجتزأ بإقامة ذلك الحد من جهة كونه قربه إلى الله وإقامة حد من حدود، والضحية عند جمهور أهل العلم ليست بواجبه، فلا إثم على من تركها، فإن كان مع تركه لها قد قام بقربه عظمية ورأى أن ما يفوته من اجر الضحية وإقامة الشعائر بما يجبره ما يرجوه على تلك القربة الأخرى فهو أبعد عن الإثم، ولو ضحى الرجل ألف أضحية لما بلغ من أجرها وإقامة الشعائر بها أن توازن إقامة الحد على الجعد، وإماتة فتنته. ٨٨- خالد بن يزيد بن عبد الرحمن بن أبي مالك . في (تاريخ بغداد) (١٣/٤١٢) عنه قال: «أحل أبو حنيفة ... » قال الأستاذ ص ١٤٥ «يقول عنه ابن معين: بالشام كتاب ينبغي أن يدفن، (كتاب الديات) لخالد بن يزيد بن أبي مالك، لم يرض أن يكذب على أبيه حتى كذب على الصحابة. قال ابن أبي الحواري: سمعت هذا الكتاب من خالد ثم أعطيته للعطار فأعطى الناس فيه حوائج. قال النسائي: غير ثقة. وقال أحمد: ليس بشيء» . أقول: إنما ذكر خالد في هذه الحكاية مسائل فقهية انتقدت على أبي حنيفة قد نظرت فيها في قسم الفقهيات - ومع ذلك فقد وثقه أحمد بن صالح المصري والعجلي

стр. 442

وبلديه وأبو زرعة الدمشقي وقال ابن عدي «لم أر من أحاديث خالد هذا إلا كل ما يحتمل في الرواية أو يرويه ضعيف عنه فيكون البلاء من الضعيف لا منه» وكتاب الديات قد يكون ما فيه مما استنكره ابن معين أخذه خالد عن الضعفاء فأؤصله. والله أعلم. (١) ٨٩- داود بن الحجر . في (تاريخ بغداد) (١٣ / ٣٩٢ - ٣٩٣) عدة روايات تتعلق بالمحرم إذا لم يجد إزاراً فلبس سراويل، أو لم يجد نعلا فلبس خفين - وقد ذكرت المسالة في الفقهيات - تكلم الأستاذ ص ٩٤ في الروايات إلى أن قال «وأما ما رواه ابن عبد البر في (الانتقاء) ص ١٤٠ من أنه لما قيل لأبي حنيفة ... قال لم يصح في هذا عندي ... وينتهي كل امرئ إلى ما سمع. فغير ثابت عنه لأن في سنده داود بن المحبر متروك باتفاق.. بل حديث إباحة لبس الخفين ... مخرج في (مسانيد أبي حنيفة) ، قفي (مسند أبي محمد البخاري الحارثي) عن أبي سعيد بن جعفر عن أحمد بن سعيد الثقفي عن المغيرة بن عبد الله عن أبي حنيفة عن عمرو بن دينار عن جابر بن زيد عن ابن عباس ... ، فهذا الحديث بهذا السند يرد على من يقول انه لم يبلغه حديث في هذا الباب ... فينهار بهذا البيان جميع تلك المزاعم ... هكذا يفضح الله الأفاكين» . أقول: داود وثقة ابن معين وقال أبو داود «ثقة شبه الضعيف، بلغني عن يحيى فيه كلام أنه يوثقه» وبهذا يعلم ما في قول الأستاذ «متروك باتفاق» وإن كان الصواب ما عليه الجمهور أن داود ساقط. ومع رد الأستاذ ذاك الخبر هنا فقد احتج به ص ٧٤ غذ قال «وأبو حنيفة الذي يقول: لعن الله من يخالف رسول الله ﷺ ... ، كما في (الانتقاء) لابن عبد البر ص ١٤١ كيف يخالف حديثاً صح عن الرسول ﵊؟ ومن زعم ذلك فقد أبعد في البهت نسأل الله

стр. 443

الصون» وقوله «لعن الله ... » قطعة من خبر داود الذي رده الأستاذ هنا. وغرض الأستاذ في الموضعين واحد وهو رد الروايات القوية فانه احتج به في ص ٧٤ على رد روايات قوية متعددة وختم بقوله «نسأل الله الصون» ورده ص ٩٤ ليرد روايات قوية ثم احتج على الرد بما هو أسقط من خبر داود وهو خبر الحارثي بذاك الإسناد والحارثي في (لسان الميزان) ج١ ص ٢٧ وفيها: «قال له ذكر في ترجمة علي بن جرير وترجمة الحارثي في (لسان الميزان) ج ١ ص ٢٧ وفيها: «قال ابن الجوزي قال أبو سعيد الرواس: يتهم بوضع الحديث. وقال أحمد السليماني: كان الخليلي ... له معرفة بهذا الشأن وهو لين، ضعفوه، حدثنا عنه الملاحمي وأحمد بن محمد البصير بعجائب» وسترى ما يكشف بعض حاله في ترجمة علي بن جرير. وشيخه أبو سعيد بن جعفر هو أبّا بن جعفر ترجمته في (لسان الميزان) ج ١ ص ٢٧ وفيها «قال ابن حبان كان يقعد يوم الجمعة بحذاء مجلس الساجي ... ذهبت إلى بيته للاختبار ... فرأيته قد وضع على أبي حنيفة أكثر من ثلاثمائة حديث ما حدث بها أبو حنيفة قط ... » قال ابن حجر «وقال حمزة (السهمي الحافظ) عن الحسن بن علي ابن غلام الزهري (الحافظ) : أبا بن جعفر كان يضع الحديث وحدث بنسخة نحو المائة عن شيخ له مجهولا زعم أن اسمه أحمد بن سعيد بن عمرو المطوعي عن ابن عيينة عن إبراهيم بن ميسرة عن أنس، وفيها مناكير لا تعرف. وقد أكثر عنه أبو «محمد» الحارثي في «مسند أبي حنيفة» . وشيخه هنا أحمد بن سعيد الثقفي لا يعرف أو لم يخلق، وهكذا المغيرة بن عبد الله ومن العجائب أن صاحب «جامع المسانيد» زعم أن المغيرة بن عبد الله اليشكري الذي يروى عن المغيرة بن شعبة المتوفى سنة خمسين!! وأعجب من ذلك قول الأستاذ «فهذا الحديث بهذا السند يرد ... » وهذه سخريه من الأستاذ لا أدري أبالعلم أم بنفسه أم بالذين يرى أنهم سيتلقون كلامه بالقبول الإعجاب؟ ثم ختم الأستاذ بقوله «هكذا يفضح الله الأفاكين» ولا يخفى أين موضع هذه الكلمة! والله المستعان.

стр. 444

٩٠- دعلج بن أحمد السجزي . في (تاريخ بغداد) (١٣/٣٧٩) من طريقه «أخبرنا أحمد بن علي الأبار حدثنا سفيان بن وكيع قال جاء عمر بن حماد ... » قال الأستاذ ص٥٧ «فدعلج تاجر مثرٍ كان عنده قفاف مملوءة ذهبا تبهر عيون من يبيت عنده من الرواة وتسلب ألبابهم، يتعانى الرواية ويواسي الرواة من أهل مذهبه في التشبيه وكان عنده تعصب وتغفل وكان الرواة الأظناء يبيتون عنده ويدخلون في كتبه أشياء فيرويها بسلامة باطن وذكر الذهبي من الوضاعين الذين كانوا يدخلون في كتبه اثنين أحدهما علي ابن الحسين الرصافي وقد قال عنه: يضع الحديث ويفتري على الله قال الدارقطني: لا يوصف ما أدخل هذا على الشيوخ ثم عمل محضر بأحاديث ادخلها على دعلج. وكذا أدخل أبو الحسين العطار المخرمي أحاديث على دعلج أيضا كما ذكره الذهبي ويجعلها ابن حجر شخصا واحدا بدون حجة» أقول: قد سلف في ترجمة أحمد بن علي الأبار أن دعلج سجستاني كان يطوف البلاد لسماع العلم وللتجارة ودخل بغداد وسنة نيف وعشرون سنة وسن الأبار فوق السبعين فسمع منه ومن غيره ومات الأبار بعد ذلك بسنوات وبقي دعلج في تطوافه ثم سكن مكة مدة ثم تحول إلى بغداد وأقام بها إلى أن مات سنة ٣٥١ وذلك بعد وفاة الأبار بإحدى وستين سنة. وتقدم أيضا أن دعلجا إنما أثرى بعد موت الأبار بدهر. فأما مطاعن الأستاذ في دعلج فأولها: أنه كان يعتقد التشبيه! وإنما أخذ الأستاذ ذلك من ذكرهم أن دعلجا أخذ عن ابن خزيمة كتبه وكان يفتى بقوله وابن خزيمة عند الأستاذ مشبه! وهبه ثبت أن دعلجا كان على عقيدة ابن خزيمة. وعقيدة ابن خزيمة هي في الجملة عقيدة أئمة الحديث وهي محض الأيمان وقد أفردت الاعتقاديات بقسم. وثانيها: أنه كان متعصبا! وهذا تخرص من الأستاذ فأما ما جاء من طريقة من الروايات فشيء سمعه فرواه وقد عاش دعلج ببغداد عشرات السنين كان الثناء عليه كله وفاق بينهم على اختلاف مذاهبهم ومشاربهم.

стр. 445

وثالثها: أن الرواة الأظناء كانوا يبيتون عنده ويدخلون في كتبه (١) وهذا تخرص أيضا نعم حكي عن رجل غير ظنين أنه بات عنده واراه ماله ولم يقل إن كتبه كانت مطروحة له ولا لغيره ممن يخشى منه العبث بها فأما إدخال بعضهم عليه أحاديث فذلك لا يقتضي الإدخال في كتبه بل إذا استخرج الشيخ أو غيره من أصوله أحاديث وسلمها إلى رجل ليرتبها وينسخها فذهب الرجل ونسخها وأدخل فيها أحاديث ليست حديث الشيخ وجاء بالنسخة فدفعها إليه ليحدث بها صدق انه أدخل عليه أحاديث ثم إذا كان الشيخ يقظا فاعتبر تلك النسخة بحفظه أو بمراجعة أصوله أو دفعها إلى ثقة مأمون عارف كالدارقطني فاعتبرها فأخرج تلك الزيارة ولم يحدث بها الشيخ لم يكن عليه في هذا باس ولعله هكذا جرى فقد قال الخطيب في دعلج «كان ثقة ثبتا قبل الحكام شهادته واثبتوا عدالته ... وكان أبو الحسن الدارقطني هو الناظر في أصوله والمصنف له كتبه فحدثني أبو العلاء الواسطي عن الدارقطني قال صنفت لدعلج (المسند الكبير) فكان إذا شك في حديث ضرب عليه ولم أر في مشايخنا اثبت منه ... حمزة بن يوسف السهمي يقول: سئل أبو الحسن الدارقطني عن دعلج بن أحمد؟ فقال: كان ثقة مأمون - وذكر له قصة في أمانته وفضله ونبله» وقال الذهبي في (تذكرة الحفاظ) ج ٣ ص ٩٢ «دعلج بن أحمد بن دعلج الإمام الفقيه محدث بغداد ... . روى عنه الدارقطني والحاكم وابن رزقويه وأبو إسحاق الأسفرائني وأبو القاسم بن بشران وعدد كثير. وقال الحاكم: سمعت الدارقطني يقول: صنف الدعلج (المسند الكبير) ولم أر في مشايخنا أثبت منه ... » وجعل الأستاذ المدخلين جماعة من أمانيه والمعروف رجل واحد ترجمته في (تاريخ بغداد) ج ١١ ص ٣٨٥ «على بن الحسين بن جعفر أبو الحسين البزاز يعرف بابن كرنيب وبابن العطار المخرمي ... بلغني عن الحاكم أبي عبد الله محمد ابن عبد النيسابوري قال: ذكر الدارقطني ابن العطار فذكر من إدخاله على المشايخ شيئا فوق الوصف وأنه اشهد عليه واتخذ

стр. 446

محضرا بإدخاله أحاديث على دعلج» وذكر الذهبي في (الميزان) واقتصر على قوله «أدخل على دعلج أحاديث قاله الدارقطني» ثم ذكر «علي بن الحسين الرصافي» وقال «قال الدارقطني لا يوصف ما أدخل على الشيوخ ثم عمل محضر عليه بأحاديث أدخلها على دعلج» فقال ابن حجر في (اللسان) هذه صفة علي بن الحسين بن كرنيب وقد مر» وحجته في ذلك أن القصة متفقة والاسم متفق واسم الأب متقارب فإن اسم «الحسن» و «الحسين» يكثر تحرف أحدهما إلى الآخر وليس في (تاريخ بغداد) إلا رجل واحد، والمخرم والرصافة محلتان ببغداد وقد يكون مسكن الرجل بينهما فينسب إلى هذه وإلى هذه وابن حجر مطلع على مأخذ الذهبي ولم يقف في شيء منها إلا على رجل واحد؛ وهذه الأمور إن لم تكف للجزم بأنه رجل واحد فلا ريب أنها تكفي للتوقف عن الجزم بأنها اثنان. وهب أنهما اثنان أو عشرة فإن ذلك لا يضر دعلجاً وروايته ما لم يثبت أن كان على وجه يتمناه الأستاذ هو الإمام أبو الحسن الدارقطني وهو الذي كان الناظر في أمور دعلج والمصنف له كتبه وهو الذي وثقه أثبت توثيق كما سلف، وفي ذلك ما يقطع نزاع من يخضع للحق، فأما المعاند فلا يقطعه إلا أن تشهد عليه أعضاؤه! ٩١- الربيع بن سليمان المرادي . في (تاريخ بغداد) ١٣ / ٤١٠ عنه «سمعت الشافعي يقول: أبو حنيفة يضع أول المسألة خطأ ثم يقيس الكتاب عليها» قال الأستاذ ص١٣٩ «الربيع المرادي الذي يقول فيه أبو يزيد القراطيسي ما يقول» . أقول في ترجمته من (التهذيب) : «قال أبو الحسين الرازي الحافظ والد تمام أخبرنا على ابن محمد بن أبي حسان الزيادي بحمص: سمعت أبا يزيد القراطيسي يوسف بن يزيد يقول: سماع الربيع بن سليمان من الشافعي ليس بالثبت وإنما أخذ أكثر الكتب من آل البويطي بعد موت البويطي؛ قال أبو الحسين: هذا لا يقبل من أبي يزيد، بل البويطي كان يقول: الربيع أثبت مني، وقد سمع أبو زرعة الرازي

стр. 447

كتب الشافعي كلها من الربيع قبل موت البويطي بأربع سنين» وقول القراطيسي: ليس بالثبت إنما مفاده نفي أن يكون غاية في الثبت ويفهم من ذلك انه ثبت في الجملة كما شرحته في ترجمة الحسن بن الصباح. ويوضح ذلك هنا ما بعده وحاصله أنه لم يكن للربيع في بعض مسموعاته من الشافعي أصول خاصة محفوظة عنده لأنه إنما أخذ أكثر الكتب من ورثة البويطي. وهذا تشدد من أبي يزيد في غير محله فقد يكون للربيع أصول خاصة محفوظة عنده ولا يمنعه ذلك من أخذ غيرها من ورثة البويطي ليحفظها، وعلى فرض انه لم يكن له ببعض الكتب أصول خاصة، وإنما كان سماع الربيع لها ثابت وقد عرف الكتب وأتقنها فإذا وثق بأنها لم تزل محفوظة في بيت البويطي حق الحفظ حتى أخذها فأي شيء في ذلك؟ . وقد قال الخليلي في الربيع «ثقة متفق عليه، والمزني مع جلالته استعان على ما فاته عن الشافعي بكتاب الربيع» ووثقه آخرون واعتمد الأئمة عليه في كتب الشافعي وغيرها. ومع هذا كله فالحكاية التي يحاول الأستاذ بمضمونها كما يأتي في ترجمة الشافعي، وقد روى الربيع عن البويطي عن الشافعي أشياء كما تراه بهامش (الأم) ج ٦ ص ٥٧ وكان عمر القراطيسي حين مات الشافعي ثماني عشرة سنة ولم يأخذ عن الشافعي وإنما رآه رؤية فلا خبرة له بما سمعه الربيع وإنما بني على الحدس كما سلف. ٩٢- رجاء بن السندي . في (تاريخ بغداد) ١٣ / ٣٩١ عنه «سمعت بشر بن السري قال أتيت أبا عوانة ... » قال الأستاذ ص ٩٢ «طويل اللسان وقد اعرض عنه أصحاب الأصول الستة» . أقول: أوهم الأستاذ بهذه العبارة أن رجاء كان بذيئاً وأن أصحاب الأصول لم يرضوه، وليس الأمر كذلك ولكن كان فصيحاً، قال بكر بن خلف: «ما رأيت أفصح منه» فهذا طول لسانه في اصطلاح الأستاذ الذي يقصد به الإيهام، فعل ذلك في مواضع! وتوفي رجاء سنة ٢٢١ فلم يدركه الترمذي والنسائي وابن ماجة

стр. 448

وأدركوا من أقرانه ومن هو أكبر منه من هو مثله أو أعلى إسناداً منه فلم يحتاجوه إلى الرواية عن رجل عنه لإيثارهم العلو، وأدركه أبو داود في (الجملة) لأنه مات وسن أبي داود نحو تسع عشرة سنة ولكنه في بلد غير بلده، فالظاهر أنه لم يلقه. فأما مسلم فإنه كان له حين مات رجاء لائقاً بأن يعتمده في (الصحيح) ويمكن أن يكون مسلم تشاغل أول عمره بالسماع ممن هو أسن من رجاء وأعلى إسناداً ففاته رجاء، وأما البخاري فقد ذكر الكمال انه روى عنه لكن قال المزي: «لم أجد له ذكراً في الصحيح» فقد لا يكون البخاري لقيه، وقد يكون لقيه مرة فلم يسمع منه إلا شيئاً عن شيوخه الذين أدرك البخاري أقرانهم فلم يحتج إلى النزول بالرواية عن رجاء. فتحصل من هذا أنهم إنما لم يخرجوا عنه إيثاراً للعلو من غير طريقه، على النزول من طريقه. وراجع ترجمة محمد بن أعين، وروى عنه أيضاً غبارهم بن موسى وأبو حاتم وقال: «صدوق» . وقال الحاكم «ركن من أركان الحديث» . ٩٣- رقبة بن مصقلة . في (تاريخ بغداد) (١٣ / ٤١٦) عن أبي أسامة «مر رجل على رقبة فقال من أين أقبلت؟ قال؟ من عند أبي حنيفة. قال: يمكنك من رأى ما مضغت وترجع إلى أهلك بغير ثقة» قال الأستاذ ص ١٥٨ «ليس من رجال الجرح والتعديل، وإنما هو من رجالات العرب الذين يحبون التنكيت والتندر وهو الذي استلقى على ظهره في المسجد، وهو يتقلب ويقول لمن يسائله عما به: إني صريع الفالوذج. يعني أنه متخوم بأكله، أو مصروع بالتشوق إليه. ومثل هذا الكلام موضعه كتب النوادر والمحاضرات..» أقول رقبة عن أنس فيما قيل وعن أبي إسحاق وعطاء ونافع وعبد العزيز بن صهيب وثابت البناني وطلحة بن مصرف وغيرهم، وعنه جرير بن عبد الحميد وأبو عوانة وابن عيينة وغيرهم؛ قال الإمام أحمد: «شيخ ثقة من الثقات مأمون»

стр. 449

وقال ابن معين والعجلي والنسائي «ثقة» واحتج به الشيخان في (الصحيحين) وغيرهما. ومثله لو جرح أو عدَّل لقبل منه، فأما الدعابة فلم تبلغ به بحمد الله ما يخدش في دينه وأمانته، وقصة الفالوذج إن صحت إنما فيها أنه أكل فالوذجا فتأذى به فقال ما قال تلطفاً ونصيحة لغيره فكان ماذا؟ ومع هذا كله فليس في كلمته التي ذكرها الخطيب جرح لأبي حنيفة. وقوله «ترجع إلى أهلك بغير ثقة» يعني بالرأي لأنه قد يرجع أبو حنيفة عنه بعد ساعة وقد قال حفص بن غياث «كنت أجلس إلى أبي حنيفة فاسمعه يسأل عن مسألة في اليوم الواحد فيفتي فيها بخمسة أقاويل فلما رأيت ذلك تركته وأقبلت على الحديث» ذكره الأستاذ ص ١٢٣. وقال زفر صاحب أبي حنيفة «كنا نختلف إلى أبي حنيفة ... فقال يوما أبو حنيفة لأبي يوسف: ويحك يا يعقوب لا تكتب كل ما تسمعه مني فإني قد أرى الرأي اليوم فأتركه غداً، وأرى الرأي غداً فأتركه بعد غد» ذكره الأستاذ ص ١١٨. ٩٤- زكريا بن يحيى الساجي . في (تاريخ بغداد) (١٣/٣٢٥) عنه «سمعت محمد ابن معاوية الزبادي يقول سمعت أبا جعفر يقول: كان أبو حنيفة اسمه عتيك بن زوطرة فسمى نفسه النعمان وسمى أباه ثابتاً» قال الأستاذ ص١٨ «شيخ المتعصبين كان وقاعاً، ينفرد بمناكير عن مجاهيل وتجد في (تاريخ بغداد) نماذج من انفراداته عن مجاهيل بأمور منكرة، ونضال الذهبي عنه من تجاهل العارف، وقال أبو الحسن ابن القطان: مختلف فيه في الحديث وثقه قوم وضعفه آخرون. وقال أبو بكر الرازي بعد أن ساق الحديث بطريقه: انفرد به الساجي ولم يكن مأموناً، وكفى في معرفة تعصب الرجال الاطلاع على أوائل كتاب (العلل) له» . أقول: أما التعصب فقد مر حكمه في القواعد في القواعد، وبينا أنه إذا ثبتت ثقة الرجل وأمانته لم يقدح ما يسميه الأستاذ تعصباً في روايته ولكن ينبغي التروي فيما يقوله برأيه لا اتهاماً له بتعمد الكذب والحكم بالباطل، بل لاحتمال أن الحنق حال بينه

стр. 450

وبين التثبت، وبهذه القاعدة نفسها نعامل ما حكاه الأستاذ عن أبي بكر الرازي إن كان ممن ثبتت ثقته وأمانته فلا نقبلها منه بغير مستند مع مخالفته لمن هو أثبت منه وأعلم بالحديث ورجاله، ولأمر ما ستر الأستاذ على نفسه وعلى الرازي فلم يذكر الحديث ولا بين موضعه. فأما قوله: «كان وقاعاً» فمن تصدى للجرح والتعديل والتنديد بمن يخالف السنة احتاج إلى ما يسميه الأستاذ وقيعة، وإنما المذموم أن يقع الرجل في الناس بما لا يراه حقاً أو بما لا يعذر في جهل أنه باطل. وأما الانفراد بمناكير عن مجاهيل إن صح فلا يضره، وإنما الحمل على أولئك المجاهيل ولا يترتب على ذلك مفسدة، ومثل ذلك ما يرويه عن الضعفاء، وكالحديث الذي في ترجمته في (لسان الميزان) سمعه من الساجي أبو داود وعبدان والبزار وغيرهم، رواه الساجي عن عبد الله ابن هارون بن أبي علقمة الفروي، وعبد الله هذا يقال له: «أبو علقمة الصغير» له ترجمة في (تهذيب التهذيب) ج ١٢ ص ١٧٢ وفيها: «قال الحاكم أبو أحمد: منكر الحديث ... وقال ابن عدي: له مناكير ... وذكره ابن حبان في (الثقات) وقال: يخطئ ويخالف وقال الدارقطني في غرائب مالك: متروك الحديث» فإن كان ذاك الحديث منكراً فالحمل فيه إلى الفروي، كالأحاديث الأخرى التي أنكرت عليه. وأما كلمة ابن قطان فلم يبين من هم الذين ضعفوه وماهر التضعيف وما وجهه، ومثل هذا النقل المرسل على عواهنه لا يلتفت إليه أمام التوثيق المحقق، وأخشى أن يكون اشتبه على ابن قطان بغيره ممن يقال له: «زكريا بن يحيى» وهم جماعة، وابن القطان ربما يأخذ من الصحف فيصحف فقد وقع له في موضع تصحيف في ثلاثة أسماء متوالية. راجع (لسان الميزان) ج ٢ ص ٢٠١- ٢٠٢ قد قال ابن حجر في (اللسان» متعقباً كلمة ابن القطان «ولا يغتر أحد بقول ابن القطان، وقد جازف بهذه المقالة، وما ضعف زكريا الساجي هذا أحد قط ... وذكره ابن أبي حاتم فقال: كان ثقة يعرف الحديث والفقه، وله مؤلفات حسان في الرجال واختلاف آلفها وأحكام القرآن ... وقال مسلمة بن القاسم: بصري ثقة» . والذهبي إنما قال

стр. 451

في (الميزان) : «أحد الأثبات ما علمت فيه جرحاً أصلاً. قال أبو الحسن بن القطان ... » فما الذي تجاهله الذهبي؟ أما كلمة ابن القطان فقد ذكرها. وأما ما حكاه الأستاذ عن الرازي، فليس الرازي ممن يذكر في هذا الشأن حتى يتتبع الذهبي وغيره كلامه، فيسوغ أن يظن بالذهبي أنه وقف على كلمته وأعرض عنا لمخالفتها هواه كما يتوهمه أو يوهمه الأستاذ! ٩٥- سالم بن عصام . وذكرته في (الطليعة) ص ٥٠ - ٥١ فأشار إلى ذلك في (الترحيب) ص ٤٠ - ٤١ وتعرض لأبي الشيخ عبد الله بن محمد بن جعفر بن حبان وستأتي ترجمته، وهو ثقة جبل وإن كره الأستاذ، وذكر أن كلمة «صدوق» دون كلمة «ثقة» وصدق في ذلك، ولكن أبا الشيخ أردفها بقوله «صاحب كتاب» وصاحب الكتاب يكفيه كونه في نفسه صدوقاً وكون كتابه صحيحاً. وقد توبع سالم كما ذكرته في (الطليعة) . ٩٦- سعيد بن مسلم بن قتيبة بن مسلم الباهلي الأمير . في (تاريخ بغداد) ١٣/٣٧٥ عنه «قلت لأبي يوسف: أكان أبو حنيفة مرجئاً؟ ! قال: نعم، قلت: أكان جهمياً؟ قال نعم، قلت: فأين أنت منه؟ قال: إنما كان أبو حنيفة مدرساً فما كان من قوله حسناً قبلناه، وما كان قبيحاً تركناه» . قال الأستاذ ص ٤٦ «عامل أرمينية في عهد الرشيد وقد حاق بالمسلمين ما حاق من البلايا هناك من سوء تصريف هذا العامل شيءون الحكم وابتعاده في الحكم عن الحكمة والسداد كما في (تاريخ ابن جرير) وغيره، وليس هو ممن يقبل له قول في مثل هذه المسائل» . أقول حسن السياسة شيء، والصدق في الرواية شيء آخر، ولسعيد ترجمة في (تاريخ بغداد) ج٩ ص٧٤ وفيها « ... قال العباس بن مصعب قدم مرو زمان المأمون ... وكان عالما بالحديث والعربية إلا أنه كان لا يبذل نفسه للناس» ولو قال الأستاذ: لم يوثق. لكفاه.

стр. 452

٩٧ - سعيد بن عامر الضبعي . في (تاريخ بغداد) ١٣ / ٣٩٧ عنه «حدثنا سلام أبي مطيع قال: كان أيوب قاعداً في المسجد الحرام فرآه أبو حنيفة فأقبل نحوه، فلما رآه أيوب قد أقبل نحوه، قال لصحابه: لا يعدنا بجربه، وقوموا. فتفرقوا» قال الأستاذ ص١٠٩ «في حديثه بعض الغلط كما قال ابن أبي حاتم» . أقول: إنما حكى ذلك ابن حاتم عن أبيه قال: «كان رجلاً صالحاً، وكان في حديثه بعض الغلط» وقد وقفت لسعيد على خطأ في إسناد حديث أو حديثين وذلك لا يضره وإنما حده أنه إذا خالف من هو أثبت منه ترجح قول الأثبت، وقد أثنى عليه الإمامان ابن مهدي والقطان، وقال ابن معين: «ثنا سعيد بن عامر الثقة المأمون» ووثقه أيضاً ابن سعد والعجلي وابن قانع حافظ الحنفية، وروى عنه الأئمة ابن المبارك وأحمد ويحيى وإسحاق وأبو خيثمة وعبد الله بن عبد الرحمن الدارمي وغيرهم. ٩٨- سفيان بن سعيد الثوري . في (تاريخ بغداد) في ترجمة أبي حنيفة عدة كلمات منسوبة إلى الثوري فيها غض من أبي حنيفة تعقبها الأستاذ في (التأنيب) بما تعقبها وفي بعض ذلك ما يؤول إلى الطعن في الثوري، فمن ذلك ما يتعلق بالإرجاء، وقد ذكرته في قسم الاعتقاديات، ومن ذلك الروايات في أن أبا حنيفة استتيب من الكفر مرتين، جاءت تلك الروايات عن الثوري وجماعة فتكلم الأستاذ في الروايات بما لا شأن لنا به هنا، وقال ص ٦٥: «روى ابن عبد البر بسنده عن عبد الله داود الخريبي الحافظ تكذيب استتابته مطلقا. فليراجع (الانتقاء) » أقول: تلك الرواية في (الانتقاء) ص ١٥٠ وهي من طريق محمد بن يونس الكديمي وقد قال الأستاذ ص ٦٠: «الكديمي متكلم فيه راجع (ميزان الاعتدال) » . أقول: وارجع أيضاً (تهذيب التهذيب) ، وحاصل ذلك أن الكديمي ليس بثقة،

стр. 453

وقد كذبه جماعة. وقال الأستاذ ص ٦٦: «وهناك رواية أخرى ... وذلك ما حدثه ابن أبي العوام الحافظ (؟) عن الحسن بن حماد سجادة قال، حدثنا أبو قطن عمرو بن الهيثم البصري ... » ثم قال الأستاذ: «وفي ذلك القول الفصل لأن أبا القاسم بن أبي العوام الحافظ (؟) صاحب النسائي وسجادة وأبو قطن كلهم من الثقات الإثبات» . أقول ابن العوام ذكرته في (الطليعة) ص ٢٧ - ٢٨ فراجعها، ولم يتعقب الأستاذ في (الترحيب) ذلك بشيء وأي قيمة لتوثيق الكوثري؟! ومع ذلك فلم يدرك سجادة، لأن سجادة توفى سنة ٢٤١ والنسائي نفسه يروي عن رجل عنه ويظهر أنه إنما وقع في كتاب ابن أبي العوام «حدثت عن الحسن بن حماد سجادة» فقول الأستاذ «وذلك ما حدثه» حقها أن تقرأ هكذا بالبناء للمجهول فعلى هذا لا يدري من شيخ ابن أبي العوام إن كان له شيخ غير نفسه وصح الخبر عنه. ومن ذلك أن الخطيب ساق عدة روايات عن الثوري والأوزاعي قال: «ما ولد في الإسلام مولود أشأم على هذه الأمة من أبي حنيفة» فقال الأستاذ ص ٧٢: «لو كان هذا الخبر ثبت عن الثوري والأوزاعي لسقطا بتلك الكلمة وحدها في هو ة الهوى والمجازفة كما سقط مذهباهما بعدهما سقوطا لا نهو ض لهما أمام الفقه الناضج وقد ورد: لا شؤم في الإسلام. وعلى فرض أن الشؤم يوجد في غير الثلاث الواردة في السنة وأن صاحبنا مشؤوم فمن أين لهما معرفة أنه في أعلى درجات المشؤمين ... .» أقول: لم يريدا الشؤم الذي نفاه الشرع وإنما أرادا الشؤم الذي يثبته الشرع والعقل، إذا كان في أخلاق الإنسان وأقواله وأفعاله ما من شأنه ديانة وعادة وقوع الضرر والمصائب بمن يصحبه ويتبعه ويتعدى ذلك إلى غيرهم ووقع ذلك ولم يزل ينتشر ودلت الحال على أنه لن يزال في انتشار صح أن يقال إنه مشيءوم وإذا ظن أن ما يلحق الأمة من الضرر بسبب رجل آخر صح أن يقال: إنه لم يولد مولود

стр. 454

أشأم على الأمة منه. كان الثوري والأوزاعي كجمهور الأئمة قبلها وفي عصرهما يريان الإرجاء ورد السنة بالرأي والقول ببعض مقالات الجهمية كل ذلك ضلالة من شأنها أن يشتد ضررها على الأمة في دينها ودنياها ورأيا صاحبكم وأتباعه مخطئين أو مصيبين جادين في نشر ذلك ولا تزال مقالاتهم تنتشر وتجر إلى ما هو شر منها حتى جرت قوما إلى القول بأن أخبار الآحاد مردودة مطلقا وآخرين إلى رد الأخبار مطلقا كما ذكره الشافعي ثم جرت إلى القول بأن النصوص الشرعية لا يحتج بها في العقائد! ثم إلى نسبه الكذب إلى أنبياء الله وإليه سبحانه كما شرحته في قسم الاعتقاديات. شاهد الثوري والأوزاعي طرفا من ذلك ودلتهما الحال على ما سيصير إليه الأمر فكان كما ظنا وهل كانت المحنة في زمن المأمون والمعتصم والواثق إلا على يدي أصحابكم ينسبون أقوالهم إلى صاحبكم؟ وفي كتاب (قضاة مصر) طرف من وصف ذلك. وهل جر إلى استفحال تلك المقالات إلا تلك المحنة؟ وأي ضر نزل بالأمة أشد من هذه المقالات؟ فأما سقوط مذهبيهما، فخيرة اختارها الله ﵎ لهما، فإن المجتهد قد يخطئ خطأ لا يخلو عن تقصير، وقد يقصر في زجر أتباعه عن تقليده هذا التقليد الذي نرى عليه كثيراً من الناس منذ زمان طويل، الذي يتعسر أو يتعذر الفرق بينه وبين اتخاذ الإجبار والرهبان أرباباً من دون الله، فقد يلحق المجتهد كفل من تلك التبعات، فسلم الله تعالى الثوري والأوازعي من ذلك، فأما ما يرجى من الأجر على الإتباع في الحق فلهما من ذلك النصيب الأوفر بما نشراه من السند علماً وعملاً، وهذه الأمهات الست المتداولة بين الناس حافلة بالأحاديث المروية من طريقهما وليس فيها لصاحبكم ومشاهير أصحابه حديث واحد! وقد قال الإمام أبو عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري في (تاريخه الكبير) في ترجمة الثوري «قال لنا عبدان عن ابن المبارك: كنت إذا شئت رأيت سفيان مصلياً، وإذا شئت رأيته محدثاً، وإذا شئت رأيته في غامض الفقه. ومجلس شهد (في التاريخ الصغير ص ١٨٧: شهدته)

стр. 455

ما صلي فيه على النبي ﷺ . يعني مجلس النعمان» ولهذه الحكاية طرف في (تاريخ بغداد) و (تقدمة الجرح والتعديل) لابن أبي حاتم وغيرهما. وقد علمنا كيف انتشر مذهبكم، أولاً: أولع الناس به لما فيه من تقريب الحصول على الرئاسة بدون تعب في تعب في طلب الأحاديث وسماعهما وحفظهما والبحث عن رواتها وعللها وغير ذلك، إذ رأوا أنه يكفي الرجل يحصل له طرف يسير من ذلك من ثم يتصرف برأيه، فإذا به قد صار رئيساً! ثانياً: ولي أصحابكم قضاء القضاة فكانوا يحرصون على أن لا يولوا قاضياً في بلد من بلدان الإسلام إلا على رأيهم، فرغب الناس فيه ليتولوا القضاة، ثم كان القضاة يسعون في نشر المذهب في جميع البلدان. ثالثاً: كانت المحنة على يدي أصحابكم واستمرت خلافة المأمون وخلافة المعتصم وخلافة الواثق، وكانت قوى الدولة كلها تحت إشارتهم فسعوا في نشر مذهبهم في الاعتقاد وفي الفقه في جميع القطار، وعمدوا إلى من يخالفهم في الفقه فقصدوه بأنواع الذي ولذلك تعمدوا أبا مسهر الأعلى بن مسهر عالم الشام وارث فقه الأوزاعي (١) والإمام أحمد بن حنبل حامل راية فقه الحديث (٢) وأبا يعقوب البويطي خليفة الشافعي (٣) وابن عبد الحكيم وغيره من المالكية بمصر، وفي كتاب (قضاة مصر) طرف مما صنعوه بمصر وفي ذلك يقول الشاعر يمدح قاضيكم بمصر: ولقد بجست العلم في طلابه ... وفجرت منه منابعاً لم تفجر فحميت قول أبي حنيفة بالهدى ... ومحمد واليوسفي الأذكر

стр. 456

وفتى أبي ليلى وقول قريعهم ... زفر القياس أخى الحجاج الأنظر وحطمت قول الشافعي وصحبه ... ومقالة ابن علية لم تصحر ألزقت قولهم الحصير فلم يجز ... عرض الحصير فإن بدا لك فاشبر والمالكية بعد ذكر شائع ... أخملتها فكأنها لم تذكر ثم ذكر إكراه علماء مصر على القول بخلق القرآن وغير ذلك، راجع كتاب (قضاة مصر) ص ٤٥٢. رابعاً: غلبت الأعاجم على الدولة فتعصبوا لمذهبكم لعلة في سبيلها وما فيه من التوسع في الرخص والحيل! خامساً: تتابعت دول من الأعاجم كانوا على هذه الوتيرة. سادساً: قام أصحابكم بدعاية لا نظير لها واستحلوا في سبيلها الكذب حتى على النبي ﷺ ، كما نراه في كتب المناقب. سابعاً: تمموا ذلك بالمغالطات التي ضرب فيها الكوثري المثل الأقصى في (التأنيب) كما شرحت أمثلة من ذلك في (الطليعة) وفي هذا الكتاب، ومر بعضها في هذه الترجمة نفسها. فأما النضج الذي يدعيه الأستاذ فيظهر نموذج منه في قسم الفقهيات، بل في المسألة الأولى منها! وقد كان خيراً للأستاذ ولأصحابه ولنا وللمسلمين أن يطوى الثوب على غزة ويقر الطير على مكناتها ويدع ما في (تاريخ بغداد) مدفوناً فيه ويذر النزاع الضئيل بين مسلمي الهند مقصورا عليهم ويتمثل قول زهير: وما الحرب إلا ما علمتم وذقتم ... وماهر عنها بالحديث المرجم متى تبعثوها تبعثوها ذميمة ... وتضر إذا أضريتموها فتضرم

стр. 457

فتعرككم عرك الرحى بثفالها ... وتلقح كشحا ثم تنتج فتتم فتنتج لكم غلمان أشأم كلهم ... كأحمر عاد ثم ترضع فتفطم فتغلل لكم ما لا تغل لأهلها ... قرى بالعراق من قفيز ودرهم وقد جرني الغضب للسنة وأئمتها إلى طرف مما أكره، وأعوذ بالله من شر نفسي وسيء عملي، ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالأِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلاً لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ﴾ . ومن أحب الوقوف على فضائل الثوري والأوزاعي فليراجع تراجمهما في (تقدمة الجرح والتعديل) لابن أبي حاتم، و (تهذيب التهذيب) وغير ذلك، ولنتبرك بذكر طرف منها: قال شعبة وابن عيينة وابن معين وغير واحد من الأئمة: «سفيان أمير المؤمنين في الحديث» وقال عبد الله بن المبارك: «كتبت عن ألف ومائة شيخ ما كتبت عن أفضل من سفيان» ، ثم قال: «ما رأيت من سفيان» . وقال عبد الله بن داود الخريبي: «ما رأيت أفقه من سفيان» . وقال أبو إسحاق الفزاري: «ما رأيت مثل رجلين: الأوزاعي والثوري ... ولو خيرت لهذه الأمة لاخترت لها الأوزاعي.. وكان والله إماماً إذ لا نصيب اليوم إماما» . وقال ابن المبارك: «لو قيل لي أختر لهذه الأمة لاخترت الثوري والأوزاعي، ثم لاخترت الأوزاعي لأنه أرفق الرجلين» وقال الخريبي: «كان الأوزاعي أفضل أهل زمانه» . ٩٩- سفيان بن عيينة . شارك الثوري في بعض الكلمات التي نقمها الأستاذ، ولا حاجة لذكر ذلك هنا ولعلك ترى طرفا منه في مواضعه، وأكتفي بالنظر فيما ذكره الأستاذ في (الترحيب) ص ٢٧ قال: «لم أذكر في (التأنيب) أن سفيان بن عيينة نفسه كان قد اختلط قبل وفاته بسنة أو أكثر فيمكن أن يقع منه هذا التخليط في عام الاختلاط» .

стр. 458

أقول: قال الذهبي في (الميزان) : «روى محمد بن عبد الله بن عمار الموصلي عن يحيى بن سعيد القطان قال: أشهد أن سفيان بن عيينة اختلط سنة سبع وتسعين ومائة فمن سمع منه فيها فسماعه لاشيء ... قلت: سمع منه فيها محمد بت عاصم صاحب ذاك الجزء العالي، ويغلب على ظني أن سائر شيوخ أئمة الستة سمعوا منه قبل سنة سبع، وأما سنة ثمان وتسعين ففيها مات ولم يلقه أحد فيها لأنه توفي قبل قدوم الحاج بأربعة أشهر؛ وأنا استبعد هذا الكلام من القطان وأعده غلطاً من ابن عمار، فإن القطان مات في صفر من سنة ثمان وتسعين وقت قدوم الحاج، ووقت تحدثيهم عن أخبار الحجاز، فمتى يمكن يحيى بن سعيد من أن يسمع اختلاط سفيان ثم يشهد عليه بذلك والموت قد نزل به؟ فلعله بلغه ذلك في أثناء سنة سبع مع أن يحيى متعنت جداً في الرجال، وسفيان فثقته مطلقا والله أعلم» . قال ابن حجر في (تهذيب التهذيب) : «ابن عمار من الإثبات المتقين وما المانع أن يكون يحيى بن سعيد سمعه من جماعة ممن حج في تلك السنة واعتمد قولهم وكانوا كثيراً فشهد على استفاضتهم؟ وقد وجدت عن يحيى بن سعيد شيئاً يصلح أن يكون سبباً لما نقله عن ابن عمار في حق ابن عيينة، وذلك ما أورده أبو سعيد ابن السمعاني في ترجمة إسماعيل بن أبي صالح المؤذن من (ذيل تاريخ بغداد) بسند له قوي إلى عبد الرحمن بن بشر بن الحكم قال: سمعت يحيى بن سعيد يقول: قلت لابن عيينة: كنت تكتب الحديث وتحدث اليوم وتزيد في إسناده أو تنقص منه؟ فقال: عليك بالسماع الأول فإني قد سئمت. وقد ذكر أبو معين الرازي في زيادة (كتاب الإيمان) لأحمد أن هارون بن معروف قال له: إن ابن عيينة تغير أمره باخرة، وإن سليمان بن حرب قال له: إن ابن عيينة أخطأ في عامة حديثه عن أيوب» . أقول: كان ابن عيينة بمكة والقطان بالبصرة ولم يحج القطان سنة فلعله حج سنة ست فرأى ابن عيينة قد ضعف حفظه قليلا فربما أخطأ في بعض مظان الخطأ من الأسانيد وحينئذ سأله فأجابه كما أخبر بذلك عبد الرحمن بن بشر ثم كأنه بلغ القطان في أثناء سنة سبع أو أوائل سنة ثمان أن ابن عيينة اخطأ في حديثين فعد

стр. 459

ذلك تغيرا أطلق كلمة «اختلط» على عادته في التشديد. وقد كان ابن عيينة أشهر من نار على علم فلو اختلط الاختلاط الاصطلاحي لسارت بذلك الركبان وتناقله كثير من أهل العلم وشاع وذاع وهذا (جزء محمد بن عاصم) سمعه من ابن عيينة في سنة سبع ولا نعلمهم انتقدوا منه حرفا واحدا فالحق أن ابن عيينة لم يختلط ولكن كبر سنه فلم يبق حفظه على ما كان عليه فصار ربما يخطئ في الأسانيد التي لم يكن قد بالغ في إتقانها كحديثه عن أيوب والذي يظهر أن ذلك خطأ هين ولهذا لم يعبا به أكثر الأئمة ووثقوا ابن عيينة مطلقا. ومع هذا فالحكاية التي تكلم فيها الأستاذ هي واقعة جرت لابن عيينة أخبر بها وليس ذلك من مظان الغلط وراويها عنه إبراهيم بن بشار الرمادي من قدماء أصحابه قال أبو عوانة في (صحيحه) ج ١ ص ٣٦٥: «كان ثقة من كبار أصحاب سفيان وممن سمع قديما منه» . ومناقب ابن عيينة في الكتب المشار إليها في ترجمة الثوري وغيرها ومن ذلك قال ابن وهب صاحب الإمام مالك: «ما رأيت أحدا أعلم بكتاب الله من ابن عيينة» وقال الشافعي: «ما رأيت أحدا من الناس فيه من آلة العلم ما في ابن عيينة وما رأيت أحدا أكف عن الفتيا منه» وقال أحمد: «ما رأيت أحدا علم بالقرآن والسنن منه» . ١٠٠- سفيان بن وكيع . في (تاريخ بغداد) ١٣ / ٣٧٩ عنه قال: «جاء عمر بن حماد بن أبي حنيفة فجلس إلينا فقال: سمعت أبي حماد يقول بعث ابن أبي ليلى إلى أبي حنيفة فسأله عن القرآن فقال: مخلوق ... .» قال الأستاذ ص ٥٧ «كان وراقه كذبا يدخل في كتبه ما شاء من الأكاذيب فيرويها هو فنبهو هـ على ذلك وأشاروا عليه أن يغير وراقه فلم يفعل فسقط عن مرتبة الاحتجاج عند النقد» . أقول: حسن الترمذي بعض أحاديثه وذكره ابن حبان في (الثقات) وقال:

стр. 460

«كان شيخا فاضلا صدوقا إلا إنه ابتلى بوراق سوء ... وهو من الضرب الذين لأن يخر أحدهم من السماء أحب إليهم من أن يكذبوا على رسول الله ﷺ » . وذكر له ابن عدي خمسة أحاديث معروفة إلا أن في أسانيدها خللا ثم قال: «إنما بلاؤه أنه كان يتلقن، يقال: كان له وراق يلقنه من حديث موقوف فيرفعه أو مرسل يوصله أو يبدل رجلا برجل» والحكاية التي ساقها الخطيب ليست من مظنة التلقين ولا من مظنة الإدخال في الكتب فإذا صح أن هذا الرجل صدوق في نفسه لم يكن في الطعن فيه بقصة الوراق فائدة هنا واكبر ما في الحكاية قول أبي حنيفة المقالة المذكورة والأستاذ يثبت ذلك ويتبجح به. ١٠١- سلام بن أبي مطيع . مرت الإشارة إلى روايته في ترجمة سعيد بن عامر. قال الأستاذ ص ١٠٩: «قال ابن حبان لا يجوز أن يحتج بما ينفرد به. وقال الحاكم: منسوب إلى الغفلة وسوء الحفظ» . أقول هذا الرجل من رجال (الصحيحين) منسوب إلى العقل لا إلى الغفلة فكأن الحاكم صحف، قال أبو داود: «كان يقال هو أعقل أهل البصرة» وقال البزار: «كان من خيار الناس وعقلائهم» وقال أحمد وأبو داود: «ثقة» . وقال ابن عدي: «لم أر أحداً من المتقدمين نسبة إلى الضعف، وأكثر ما فيه أن روايته عن قتادة فيها أحاديث ليست بمحفوظة وهو مع ذلك كله لا بأس به» . فكأن ابن حبان رأى بعض حديثه عن قتادة غريباً فأطلق، وروايته هنا هنا ليست عن قتادة، وإنما هي قصة جرت لأيوب شهدها سلام وليس ذلك من مظنة الغلط. راجع ص٩. ١٠٢- سلامة بن محمود القيسي . في (تاريخ بغداد) ١٣/٣٧٤ عنه «حدثنا عبد الله بن محمد بن عمرو قال سمعت أبا مسهر يقول كان أبو حنيفة رأس المرجئة» قال الأستاذ ص ٤٤٥ «من الزهاد المستثنين في كل شيء إلا في مثل هذا» !
следующие страницы →