ـ[التنكيل بما في تأنيب الكوثري من الأباطيل]ـ
تأليف: العلامة الشيخ عبد الرحمن بن يحيى المعلمي العتمي اليماني (١٣١٣ - ١٣٦٨)
تحقيق: محمد ناصر الدين الألباني
الناشر: المكتب الإسلامي
الطبعة الثانية: ١٤٠٦ هـ - ١٩٨٦ م
عدد الأجزاء: ٢
[الكتاب موافق للمطبوع، ومذيل بالحواشي، ومضاف لخدمة التراجم]
стр. 2
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
مقدمة الطبعة الثانية
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونصلي على محمد نبيه ورسوله وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين أما بعد:
فهذه الطبعة الثانية من "التنكيل بما في تأنيب الكوثري من الأباطيل". أقدمها للقراء بعد العناية المتوجبة لهذا الكتاب القيم، الذي بذل فيه مؤلفه وأساتذتي العلامة الشيخ عبد الرحمن المعلمي، والعلامة الشيخ عبد الرزاق حمزة، والعلامة الشيخ محمد بهجة البيطار، والمحدث الشيخ محمد ناصر الدين الألباني، ما بذلوا فيه من جهد، مضيفاً إلى جهدهم الكريم بعض التيسير والتعليق والإضافة، مع إعادة صف الكتاب بحروف جديدة واضحة، وتصحيح وترتيب يتناسب والأهمية التي يستحقها.
وقد قدمت "طليعة التنكيل" ثم "الكوثري وتعليقاته: ثم "المقابلة بين الهدى والضلال " بعد حذف مقدمتها، ثم " ترجمة المعلمي "، ثم " مقدمة الألباني" وجعلت الفهرس في آخر الكتاب. وقد استللت منه "القائد إلى تصحيح العقائد" وأفردته بالطبع. لأنه بحث خاص، وعمل غير مرتبط بما سبق.
والله أسأل أن يحسن مثوبة الجميع وأن يتغمد برحمته فاضل الحجاز، وعين أعيان جدة الشيخ محمد بن حسين نصيف الذي كان له الفضل في الطبعة الأولى، وأن يتغمدنا جميعاً برحمته، والحمد لله رب العالمين.
زهير الشاويش
стр. 3
طليعة
التنكيل بما في تأنيب الكوثري من الأباطيل
الطبعة الثانية
تأليف: العلامة الشيخ عبد الرحمن بن يحيى المعلمي العتمي اليماني
علق عليه: محمد ناصر الدين الألباني
الجزء الأول
المكتب الإسلامي
стр. 4
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل على محمد، وعلى آل محمد، كما صليت على آل إبراهيم، وبارك على محمد، وعلى آل محمد، كما باركت على آل إبراهيم، إنك حميد مجيد.
أما بعد: فإني وقفت على كتاب (تأنيب الخطيب) للأستاذ العلامة محمد زاهد الكوثري، الذي تعقب فيه ما ذكره الحافظ المحدث الخطيب البغدادي في ترجمة الإمام أبي حنيفة من (تاريخ بغداد) (١) من الروايات عن الماضين في الغض من أبي حنيفة، فرأيت الأستاذ تعدى ما يوافقه عليه أهل العلم من توقير أبي حنيفة وحسن الذب عنه - إلى ما لا يرضاه عالم متثبت من المغالطات المضادة للأمانة العلمية، ومن التخليط في القواعد، والطعن في أئمة السنة ونقلتها، حتى / تناول بعض أفاضل الصحابة والتابعين والأئمة الثلاثة مالكاً والشافعي وأحمد وأضرابهم وكبار أئمة الحديث وثقات نقلته والرد لأحاديث صحيحة ثابتة، والعيب للعقيدة السلفية، فأساء في ذلك جداً حتى إلى الإمام أبي حنيفة نفسه، فإن من لا يزعم أنه لا يتأتى الدفاع عن أبي حنيفة إلا بمثل ذلك الصنيع فساء ما يثني عليه (٢) .
فدعاني ذلك إلى تعقيب الأستاذ فيما تعدى فيه، فجمعت في ذلك كتاباً أسميته (التنكيل بما في تأنيب الكوثري من الأباطيل) ، ورتبته على أربعة أقسام:
стр. 5
(القسم الأول) في تحرير القواعد التي خلط فيها.
(الثاني) في تراجم الأئمة والرواة الذين طعن فيهم وهم نحو ثلاثمائة فيهم أنس بن مالك ﵁، وهشام بن عروة بن الزبير بن العوام، والأئمة الثلاثة، وفيهم الخطيب، وأدرجت في ذلك تراجم أفراد مطعون فيهم حاول توثيقهم، ورتبت التراجم على الحروف المعجمة.
(الثالث) في الفقهيات، وهي مسائل انتقدت على أبي حنيفة وأصحابه، حاول الأستاذ الانتصار لمذهبه.
(الرابع) في الاعتقاديات ذكرت فيه الحجة الواضحة لصحة عقيدة أئمة الحديث إجمالاً. وعدة مسائل تعرض لها الأستاذ، ولم أقتصر على مقصود التعقب، بل حرصت على أن يكون الكتاب جامعاً لفوائد غزيرة في علوم السنة مما يعين على التبحر والتحقيق فيها.
وحرصت على توخي الحق والعدل، واجتناب ما كرهته للأستاذ، خلا أن إفراطه في إساءة القول في الأئمة جرأني على أن أصرح ببعض ما يقتضيه صنيعه.
وأسأل الله التوفيق لي وله.
والكتاب على وشك التمام (١) ، وهذه (طليعة) له أعجلها للقراء شرحت فيها من مغالطات الأستاذ ومجازفاته، وذلك أنواع.
- ١ -
فمن أوابده تبديل الرواة، يتكلم في الأسانيد التي يسوقها الخطيب طاعناً في رجالها واحداً واحداً، فيمر به الرجل الثقة الذي لا يجد فيه طعناً مقبولاً فيفتش الأستاذ عن رجل آخر يوافق ذلك الثقة في الاسم واسم / الأب ويكون مقدوحاً فيه، فإذا ظفر به
стр. 6
زعم أنه هو الذي في السند (١) .
فمن أمثلة ذلك:
١، ٢ - صالح بن أحمد، ومحمد بن أيوب. قال الخطيب في (التاريخ) (ج ١٣ ص٣٩٤) «أخبرنا محمد بن عيسى بن عبد العزيز البزاز بهمذان حدثنا صالح بن أحمد التميمي الحافظ حدثنا القاسم بن أبي صالح حدثنا محمد بن أيوب أخبرنا إبراهيم بن بشار قال سمعت سفيان ابن عيينة ... .» .
تكلم الأستاذ في هذه الرواية ص٩٧ من (التأنيب) فقال: (في سنده صالح بن أحمد التميمي، وهو ابن أبي مقاتل القيراطي هروي الأصل، ذكر الخطيب عن ابن حبان أنه كان يسرق الحديث ... والقاسم بن أبي صالح الحذاء ذهبت كتبه بعد الفتنة، فكان يقرأ من كتب الناس وكف بصره كما قاله العراقي، ونقله ابن حجر في (لسان الميزان) ، ومحمد بن أيوب ابن هشام الرازي كذبه أبو حاتم، ولا أدري كيف يسوق الخطيب مثل ذلك الخبر بمثل السند المذكور، ولعل الله سبحانه طمس بصيرته ليفضحه فيما يدعي / أنه المحفوظ عند النقلة بخذلانه المكشوف في كل خطوة.
(أقول) أما صالح فهو صالح بن أحمد، وهو موصوف في السند نفسه بأنه:
(١) تميمي
(٢) وحافظ
(٣) ويظهر أنه همذاني لأن شيخه والراوي عنه همذانيان.
(٤) ويروي عن القاسم بن أبي صالح.
(٥) ويروي عنه محمد بن عيسى بن عبد العزيز.
стр. 7
(٦) وينبغي بمقتضى العادة أن يكون توفي بعد القاسم بمدة.
(٧) وينبغي بمقتضى العادة أن لا يكون بين وفاته ووفاة الراوي عنه مدة طويلة مما يندر مثله.
وهذه الأوجه كلها منتفية في حق القيراطي، فلم يوصف بأنه تميمي، ولا بأنه حافظ وإن قيل كان يذكر بالحفظ، فإن هذا لا يستلزم أن يطلق عليه لقب (الحافظ) ، ولم يذكر أنه همذاني، بل ذكروا أنه هروي الأصل سكن بغداد (١) ولم تذكر له رواية عن القاسم (٢) ولا لمحمد بن عبد العزيز رواية عنه، (٣) «والظاهر أنه جيءَ به إلى بغداد طفلاً، أو ولد بها، فإن في ترجمته من (تاريخ بغداد) ذكر جماعة من شيوخه وكلهم عراقيون من أهل بغداد والبصرة ونواحيها، أو ممن ورد على بغداد، وسماعه منه قديم، فمن شيوخه البغداديين يعقوب الدروقي المتوفى سنة ٢٥٢ (٤) ، ويوسف بن موسى القطان المتوفى ٢٥٣، ومن البصريين محمد بن يحيى بن أبي حزم القِطَعي المتوفى سنة ٢٥٣، وصرح الخطيب في ترجمة فضلك الرازي بأن ابن أبي مقاتل بغدادي فلا شأن له من جهة السماع بهمذان ولا بهراة» . (٥) وكانت وفاته سنة ٣١٦هـ، أي قبل وفاة القاسم باثنتين وعشرين سنة، وقبل وفاة محمد بن عيسى بن عبد العزيز بمائة وأربع عشرة سنة.
/ ومن اطلع على (التأنيب) وغيره من مؤلفات الأستاذ علم أنه لم يؤت من جهل بطريق الكشف عن تراجم الرجال الواقعين في الأسانيد، ومعرفة كيف يعلم انطباق
стр. 8
الترجمة على المذكور في السند من عدم انطباقها، ولا من بخل بالوقت ولا سآمة للتفتيش، فلا بد أن يكون قد عرف أكثر هذه الوجوه إن لم نقل جميعها وبذلك علم لا محالة أن صالح بن أحمد الواقع في السند ليس بالقيراطي فيحمله ذلك على مواصلة البحث، فيجد في (تاريخ بغداد) نفسه في الصفحة اليسرى التي تلت الصفحة التي فيها ترجمة القيراطي، وقد نقل الكوثري عنها، سيجد ثمة رجلاً آخر صالحاً «صالح بن أحمد بن محمد أبو الفضل التميمي الهمذاني قدم بغداد وحدث بها عن ... والقاسم بن بندار (وهو القاسم بن أبي صالح كما في ترجمته من (لسان الميزان) ، وقد نقل الأستاذ عنها) ... وكان حافظاً فهماً ثقة ثبتاً ... » . ولهذا الحافظ ترجمة في (تذكرة الحفاظ) ج٣ ص١٨١ وفيها في أسماء شيوخه «القاسم بن أبي صالح» وفيها ثناء أهل العلم عليه، وفيها أن وفاته سنة ٣٨٤، وذكره / ابن السمعاني في (الأنساب) الورقة ٥٩٢، وذكر في الرواة عنه أبا الفضل محمد بن عيسى البزاز، وإذا كانت وفاة هذا الحافظ سنة ٣٨٤ فهي متأخرة عن وفاة القاسم بست وأربعين سنة، ومثل هذا يكثر في العادة في الفرق بين وفاة الرجل ووفاة شيخه ووفاة الراوي عنه، فاتضح يقيناً أن هذا الحافظ الفهم الثقة الثابت هو الواقع في السند.
وقد عرف الكوثري هذا حق معرفته، والدليل على ذلك:
أولاً: ما عرفناه من معرفته وتيقظه.
ثانياً: أن ترجمة التميمي قريبة من ترجمة القيراطي التي طالعها الكوثري.
ثالثاً: أن من عادة الكوثري، كما يعلم من (التأنيب) ، أنه عندما يريد القدح في الراوي يتتبع التراجم التي فيها ذلك الاسم واسم الأب فيما تصل إليه يده من الكتب، ولا يكاد يقنع بترجمة فيها قدح، لطمعه أن يجد أخرى فيها قدح أشفى لغيظه.
/ رابعاً: في عبارة الكوثري «والقاسم بن أبي صالح الحذاء ذهبت كتبه بعد الفتنة،
стр. 9
وكان يقرأ من كتب الناس وكف بصره، قاله العراقي، ونقله ابن حجر في (لسان الميزان) » .
والذي في (لسان الميزان) جزء ٤ ص٤٦٠:
« (ز) - قاسم بن أبي صالح بندار الحذاء ... روى عنه إبراهيم بن محمد بن يعقوب وصالح بن أحمد الحافظ ... قال صالح كان صدوقاً متقناً لحديثه وكتبه صحاح بخطه، فلما وقعت الفتنة ذهبت عنه كتبه فكأن يقرأ من كتب الناس وكف بصره، وسماع المتقدمين عنه أصح» .
وحرف (ز) أول الترجمة إشارة إلى أنها من زيادة ابن حجر. وكما نبه عليه في خطبة (اللسان) ، وذكر هناك أن لشيخه العراقي ذيلاً على الميزان، وأنه إذا أراد ترجمة في (اللسان) فما كان من ذيل شيخه العراقي جعل في أول الترجمة حرف (ذ) وما كان من غيره جعل حرف (ز) فعلم من هذا أن ترجمة القاسم من زيادة ابن حجر نفسه لا من ذيل العراقي.
وهب أن الكوثري وهم في هذا، فالمقصود هنا أن الذي في الترجمة من الكلام في القاسم هو من كلام الراوي / عنه صالح بن أحمد الحافظ، فلماذا دلس الكوثري النقل وحرفه ونسبه إلى العراقي؟
الجواب واضح، وهو أن الكوثري خشي إن نسب الكلام إلى صالح بن أحمد الحافظ أن ينتبه القارئ فيفهم أن صالح بن أحمد الحافظ هذا هو في الواقع في سند الخطيب وليس هو القيراطي لوجهين:
(الأول) أن القيراطي مطعون فيه، فلم يكن الحفاظ ليعتدوا بكلامه في القاسم، وكذلك الكوثري لم يكن ليعتد بكلام القيراطي.
(الثاني) أن كلام صالح في الترجمة يدل أنه تأخر بعد القاسم، والقيراطي توفي قبل القاسم باثنتين وعشرين سنة، وبهذا يتبين أن الكلام في القاسم لا يضره بالنسبة إلى رواية الخطيب، لأنها من رواية صالح بن أحمد الحافظ نفسه عنه وهو المتكلم فيه، فلم يكن ليروي عنه إلا ما سمعه منه من أصوله قبل ذهابها، فأعرض الكوثري لهذين
стр. 10
الغرضين عن صالح بن أحمد الحافظ، ونسب كلامه إلى العراقي وحذف من العبارة ما فيه ثناء على القاسم، وهذه / عادة له ستأتي أمثلة منها إن شاء الله تعالى.
والمقصود هنا إثبات أن الكوثري قد عرف يقيناً أن صالح بن أحمد الواقع في السند ليس هو بالقيراطي، بل هو ذاك الحافظ الفهم الثقة الثبت (١) ، ولكن كان الكوثري مضطراً إلى الطعن في تلك الرواية، ولم يجد في ذاك الحافظ مغمزاً، ووقعت بيده ترجمة القيراطي المطعون فيه وعرف أن هذا الفن أصبح في غاية الغربة فغلب على ظنه أنه إذا زعم أن الواقع في السند هو القيراطي لا يرد ذلك عليه أحد، فأما الله ﵎ فله معه حساب آخر والله المستعان.
وأما محمد بن أيوب فالكوثري يعلم بهذا الاسم في تلك الطبقة، والمراد عند الإطلاق في الرواية هو الحافظ الجليل الثقة الثبت محمد بن أيوب بن يحيى بن الضريس ترجمته في (تذكرة الحفاظ) جزء ٣ صفحة ١٩٥.
وقد احتج الكوثري ص ١١٤ في معارضة ما رواه ابن أبي حاتم عن / أبيه عن ابن أبي سريج بما رواه الخطيب عن البرقاني عن أبي العباس بن حمدان عن محمد بن أيوب عن ابن أبي سريج، وذلك بناء من الكوثري على أن شيخ ابن حمدان هو محمد بن أيوب بن يحيى ابن الضريس لشهرته، هذا مع أنه لا يعرف لابن الضريس رواية عن ابن سريج فأما روايته عن إبراهيم بن بشار فنص عليها المزي في ترجمة إبراهيم من (تهذيبه) قال:
«روى عنه ... ومحمد بن أيوب بن يحيى بن الضريس» .
стр. 11
فأما محمد بن أيوب بن هشام فمقل مرغوب عن الرواية عنه، لا تعرف له رواية عن إبراهيم بن بشار ولا للقاسم بن أبي صالح رواية عنه.
فقد بدل الكوثري عمداً في ذاك السند حافظين جليلين برجلين مطعون فيهما، وصنع ما صنع في شأن القاسم بن أبي صالح، وقد بان أنه ثقة وأن هذه الرواية من صحيح روايته.
ومن العجائب أن الكوثري ارتكب هذه الأباطيل وهو يعلم أن ذلك لا يغني عنه شيئاً، ولو لم تتبين الحقيقة، لأن الأثر ثابت عن إبراهيم بن بشار من غير هذه الطريق، فقد ذكره ابن عبد البر في (الانتقاء) ص ١٤٨ / عن (تاريخ ابن أبي خيثمة) قال: «حدثنا إبراهيم بن بشار ... » و (الانتقاء) تحت نظر الكوثري كل وقت كما يدل عليه كثرة نقله عنه في (التأنيب) .
وأعجب من هذا كله وأغرب قول الكوثري بعد تلك الأفاعيل:
ولا أدري كيف يسوق الخطيب ... ولعل الله سبحانه طمس بصيرته ليفضحه بخلانه المكشوف في كل خطوة» .
وهذا المترجى واقع ولكن بمن؟!
٣- أحمد بن الخليل، قال الخطيب جزء١٣ ص ٣٧٥: «أخبرنا ابن الفضل أخبرنا عبد الله بن جعفر حدثنا يعقوب بن سفيان حدثنا أحمد بن الخليل حدثنا عبدة ... ذكر الكوثري هذه الرواية ص٤٦ وقال: أحمد بن الخليل هو البغدادي المعروف بجور توفي سنة ٢٦٠، قال الدارقطني / ضعيف لا يحتج به، وهكذا يكون المحفوظ عند الخطيب.
أقول: الصواب في لقب البغدادي الذي تكلم فيه الدارقطني (حور) بالحاء المهملة كما ضبطه أصحاب (المشتبه) - والذي في (الميزان) و (اللسان) في وفاته (بقي إلى ما بعد الستين ومائتين ولم يذكروا له رواية عن عبدة، ولا ليعقوب بن سفيان رواية عنه، وقد قال يعقوب بن سفيان كما في ترجمة أحمد بن صالح من (تهذيب التهذيب) :
стр. 12
كتبت عن ألف شيخ وكسر كلهم ثقات.
وقبل ترجمة (حور) في (تاريخ بغداد) ترجمة رجل آخر هو (أحمد بن الخليل أبو علي التاجر البغدادي ... روى عنه ... ويعقوب بن سفيان) وهذا التاجر له ترجمة في (التهذيب) ، وفيها رواية يعقوب بن سفيان عنه، وتوثيق الأئمة له وفيها:
«قلت: لم أر له في أسماء شيوخ النسائي ذكراً بل الذي فيه أحمد بن الخليل نيسابوري كتبنا عنه لا بأس به، وقد قال الدارقطني: قديم، لم يحدث عنه من البغداديين أحد / وإنما حديثه بخراسان فلعله سكن خراسان» .
أقول: فكأن النسائي نسبه إلى مسكنه - فهذا هو الواقع في سند الخطيب، لأنه هو الذي يروي عنه يعقوب بن سفيان، ولأنه ثقة، ويعقوب كتب عن الثقات، ولأنه سكن خراسان.
وشيخه في السند عبدة، وهو خراساني، ولا ريب أن الكوثري عند تفتيشه عن أحمد ابن الخليل وقف أولاً على ترجمة هذا التاجر وعرف أنه هو الواقع في السند، ولكنه رآه ثقة، وهو بالحاجة إلى الطعن في تلك الرواية فعدل عنه إلى ذاك الضعيف (حور) نعوذ بالله من الحور بعد الكور، وهكذا تكون الأمانة!
٤- محمد بن جبّويه، قال الخطيب (ج٣ ص ٣٧٠) «جبريل بن محمد المعدل بهمذان حدثنا محمد بن حيويه (كذا) النخاس حدثنا محمود بن غيلان» ذكر الكوثري هذه الرواية ص ٣٤ وقال «في الطبعات الثلاث، حيويه والصحيح جبويه، هو ابن جبويه النخاس الهمذاني وقد كذبه الذهبي في (تلخيص المستدرك) حيث قال في حديث مينا: ابن جبويه / متهم بالكذب» .
وذكر الخطيب جزء ١٣ صفحة ٣٨١ أثراً آخر بمثل السند المتقدم فقال الكوثري ص ٦٤: «ووقع في الطبعات الثلاث بلفظ حيويه، وهو تصحيف كما سبق، متهم بالكذب،
стр. 13
وقال الذهبي في (مشتبه النسبة) (كذا) (١) ومحمد بن جبويه الهمذاني عن محمود بن غيلان. اهـ. لكن لا يمكن إدراكه لابن غيلان والحبر كذب ملفق» .
(أقول) قول الكوثري «لا يمكن إدراكه لابن غيلان» واضح الدلالة على أنه اطلع على وفاة هذا الرجل، وليست مذكورة في (تلخيص المستدرك) ولا في (المشتبه) ، وإنما هي مذكورة في ترجمته من الكتب، إذن فقد اطلع الكوثري على ترجمته، وهذا واضح فإنه يبعد أن يعثر الأستاذ على ما في (تلخيص المستدرك) بدون أن يقف على الترجمة، وهبه عثر على ذلك قبل النظر في الترجمة، فمن عادته أنه لا يشتفي بمثل ذلك الطعن بل يفتش على الترجمة لعله يجد فيها طعناً أشد من ذلك، وكأنني بالكوثري أول ما نظر في هذا الرجل راجع (الميزان) و (اللسان) ، فوجد في الأول بين ترجمتي محمد ابن حنيفة ومحمد بن حيدره «محمد بن حيويه بن المؤمل الكرجي ... / قال الخطيب ... » ووجد في الثاني بين ترجمتي محمد بن حويطب ومحمد بن حيدره كما في الأول، وزاد: وروى أيضاً عن الدبري ... مات سنة ٣٧٣ وأورد له الحاكم في المستدرك حديثاً في مناقب فاطمة. فقال الذهبي: محمد بن حيويه الكرجي متهم بالكذب» ولما وجد الكوثري فيهما «قال الخطيب» راجع (تاريخ بغداد) فوجد فيه ج ٥ ص ٢٣٣ في أواخر الحاء المهملة من أباء المحمدين ترجمة هذا الرجل، ولما وجد في (اللسان) ذكر (المستدرك) راجع فضائل فاطمة ﵍ من المستدرك، فوجد فيه جزء ٣ ص١٦٠ «حدثنا أبو بكر محمد بن حيويه بن المؤمل الهمذاني حدثنا إسحاق ... » وفي (تلخيصه للذهبي) : «حدثنا محمد بن حيويه الهمذاني حدثنا إسحاق الدبري» ثم قال الذهبي: «ابن حيويه متهم بالكذب» . ولم يجد الأستاذ في هذه المراجع كلها ما يشعر بأن هذا هو الواقع في سند تينك الروايتين عند الخطيب، بل وجد ما يدفع ذلك فإنهم أرّخوا وفاة هذا الرجل سنة ٣٧٣ وشيخ الواقع في السند محمود ابن غيلان وفاته سنة ٢٣٩، ومن هنا أخذ الأستاذ أنه لم يدركه، ثم راجع الكوثري (مشتبه الذهبي) لعله / يجد فيه ذكراً للواقع في السند
стр. 14
فظفر بذلك «محمد بن جبويه الهمذاني عن محمود بن غيلان» فعلم أن هذا هو الواقع في السند وأنه غير الكرجي.
أولاً: لأنهم اتفقوا على أن أول اسم والد الكرجي حاء مهملة، وكلهم من أئمة (المشتبه) ، ومنهم الذهبي نفسه في (الميزان) وهو الذي ضبط والد الراوي عن محمود ابن غيلان بالجيم والموحدة.
ثانياً: لأن الذهبي يقول في ابن جبويه «عن محمود بن غيلان» والكرجي لم يدرك محموداً، فانقسم الكوثري شطرين، شطره (١) حقق أن الصواب في الواقع في السند (محمد بن جبويه) بالجيم والموحدة، وشطره مال مع الهوى، فزعم أن الواقع في السند هو الذي اتهمه الذهبي!
وكنت كذي رِجلين رجل صحيحة ... ورجل رمى فيها الزمان فشلت
/ وقد ذكر ابن ماكولا في (الإكمال) الرجلين فقال: «أما جبويه أوله جيم معجمة بعدها باء مشددة بواحدة، فهو محمد بن جبويه بن بندار أبو جعفر الهمذاني النخاس، يروي عن محمود بن غيلان حدث عنه ... » . (وجبريل بن محمد) وقال فيمن أوله حاء مهملة (وأما حيويه بياء قبل الواو معجمة باثنتين من تحتها فهو ... ومحمد بن حيويه أبو بكر الكرجي، يعرف بابن أبي روضة حدث عن ... وإسحاق الدبري» .
وعذر الكوثري أن ابن جبويه لم يطعن فيه أحد، وهو مضطر إلى الطعن في تينك الروايتين، وهكذا تكون الأمانة عند الكوثري.
هذا والأثر الأول رواه محمود بن غيلان عن وكيع، فقال الكوثري بعدما تقدم:
«فلا يصح هذا الخبر عن وكيع بمثل هذا السند، والذي صح عنه هو ما أخرجه الحافظ أبو القاسم بن أبي العوام صاحب النسائي والطحاوي في كتابه (فضائل أبي حنيفة وأصحابه) المحفوظ بدار الكتب المصرية وعليه خطوط كثير من كبار العلماء الأقدمين وسماعاتهم، وهو من / مرويات السلفي حيث قال: حدثني محمد بن أحمد بن حماد قال: حدثنا إبراهيم بن جنيد قال حدثنا عبيد بن يعيش قال حدثنا
стр. 15
وكيع ... اهـ، وأين هذا من ذاك؟! فبذلك تبين ما في رواية الخطيب بطريق ابن جبويه الكذاب من الدخائل. هكذا يكون المحفوظ عند الخطيب، نسأل الله العافية» .
(أقول) : المشهور من آل أبي العوام أحمد بن محمد بن عبد الله بن محمد بن أحمد، ولاه العبيديون الباطنية القضاء بمصر، فكان يقضي بمذهبهم، ولم أر من وثقه، روى عنه الشهاب القضاعي هذا الكتاب الذي ذكره الكوثري، رواه أحمد عن أبيه عن جده على أنه تأليف الجد عبد الله بن محمد وقد فتشت عن تراجمهم فأما أحمد بن محمد فله ترجمة في (قضاة مصر) وفي (الجواهر المضيئة في طبقات الحنفية) لعبد القادر القرشي، ووعد القرشي أن يذكر أباه وجده، ثم ذكر الجد فقال: «عبد الله بن محمد بن أحمد جد أحمد بن محمد بن عبد الله الإمام المذكور في حرف الألف، ويأتي ابنه محمد» .
هذا نص الترجمة بحذافيرها، ولم أجد / فيها (١) ترجمة لمحمد، فعبد الله هذا هو الذي يقول الكوثري فيه (الحافظ وصاحب النسائي والطحاوي) كأنه أخذ ذلك من روايته عنهما في ذاك الكتاب.
فأما أحمد فقد عرف بعض حاله، وأما أبوه وجدّه فلم أجد لهما أثراً إلا من طريقه، وأما محمد بن أحمد بن حماد (٢) فترجمته في (لسان الميزان) ج ٥ ص ٤١.
وأما إبراهيم بن جنيد فإن كان هو في الرقي فمجهول كما في (لسان الميزان) جزء١ ص ٤٥.
وإن كان هو إبراهيم بن عبد الله بن الجنيد الختلي البغدادي، نسب إلى جده فثقة، لكن لم أر في ترجمته من (تاريخ بغداد) ذكر عبيد بن يعيش في شيوخه، ولا محمد بن أحمد بن حماد في الرواة عنه، وأما عبيد بن يعيش فذكره ابن حبان في الثقات وقال: «كان يخطئ» .
وعلى فرض صحة هذه الرواية فليس فيها ما ينافي رواية الخطيب، بل هما متفقتان
стр. 16
في أصل المعنى، غاية الأمر أن في رواية الخطيب زيادة، وقد يكون وكيع قال مرة / كذا، وقال مرة كذا، وعلى فرض التنافي فرواية الخطيب أثبت، والكوثري يتحقق ذلك، ولكنه يفعل الأفاعيل، ثم يبالغ في التهويل، ثم يقول: «نسأل الله العافية» !
٥- أبو عاصم، قال الخطيب ج ١٣ ص ٣٩١: «الأبار حدثنا الحسن بن علي الحلواني حدثنا أبو عاصم عن أبي عَوانة» فذكر الكوثري هذه الرواية ص ٩٢ ثم قال: وفيه أيضاً أبو عاصم العباداني وهو منكر الحديث.
(أقول) الكوثري يعلم أن الواقع في السند هو أبو عاصم النبيل الضحاك بن مخلد الثقة المأمون، لأنه هو المشهور بأبي عاصم في تلك الطبقة والمراد عند الإطلاق، وعنه يروي الحلواني كما في ترجمة الضحاك من (تهذيب التهذيب) وترجمة الحلواني من (تهذيب المزي) ، ولكن هكذا تكون الأمانة عند الكوثري!
وذكر الخطيب ج ٣ ص ٤٢٣ أثرين أحدهما من طريق أبي قلابة الرقاشي والآخر من طريق مسدد، كلاهما عن / أبي عاصم عن سفيان الثوري، فذكرهما الكوثري ص ١٦٩ ثم قال: وربما يكون أبو عاصم في السندين هو العباداني وحاله معلومة.
(فأقول) قد علم الكوثري أنه الضحاك بن مخلد النبيل الثقة المأمون، فإنه المعروف بالرواية عن الثوري كما في ترجمته من (تهذيب التهذيب) ، وترجمة الثوري من (تهذيب المِزي) وعنه يروي أبو قلابة الرقاشي كما في ترجمته من (تاريخ بغداد) ج ١٠ ص ٤٢٥، وقد تغلب الكوثري هنا على هواه إلى حد ما، إذ اقتصر على قوله: «وربما» ولم يجزم كعادته.
٦- أحمد بن إبراهيم. قال الخطيب ج١٣ ص ٣٨١: «الأبار أخبرنا أحمد بن إبراهيم قال قيل لشريك ... » .
ذكر الكوثري هذه الرواية ص ٦١ ثم قال: وأما أحمد بن إبراهيم فهو النكري ولفظه لفظ الانقطاع، ولم يدرك شريكاً إلا وهو صبي.
(فأقول) أول مذكور ممن يقال له أحمد بن إبراهيم في (تاريخ بغداد) ، و (تهذيب التهذيب) «أحمد بن إبراهيم بن خالد / الموصلي..» وذكر الخطيب سماعه من
стр. 17
شريك، وذكر المزي في (التهذيب) شريكاً في شيوخه، ويعلم من تاريخ وفاته والنظر في مولد أن الأبار أدركه إدراكاً واضحاً وهو معه في بلد، وبذلك يعلم أنه هو الواقع في السند، ولكن الكوثري رأى هذا ثقة فالتمس غيره ممن تتهيأ له المغالطة به ويكون فيه مطعن فلم يجد إلا النكري وهو ثقة أيضاً لكن كان صغيراً عند وفاة شريك، ولم تذكر له رواية عن شريك، فقنع الكوثري بهذا، وهكذا تكون الأمانة عنده!
وأما قوله: «لفظ انقطاع» فيرده أن أحمد بن إبراهيم الموصلي ثقة، وقد ثبت سماعه من شريك، ولم يكن مدلساً، فروايته عن شريك محمولة على السماع كما هو معروف في علوم الحديث، وأصول الفقه،، وسيأتي شرح هذه القاعدة وبعض دقائقها في القسم الأول من (التنكيل) إن شاء الله تعالى (١) .
٧- أبو الوزير. قال الخطيب (ج ١٣ ص ٣٨٤) / عبد الله بن محمود المروزي، قال سمعت محمد بن عبد الله بن قهزاذ يقول: سمعت أبا الوزير أنه حضر عبد الله بن المبارك..» . ذكر الكوثري هذه الرواية ص ٦٩ ثم قال: عبد الله بن محمود مجهول الصفة، وكذا أبو الوزير عمر بن مطرف.
أقول: عبد الله بن محمود من الحفاظ الأثبات كما يأتي في نوع (٢) - ٧ - من هذه الطليعة إن شاء الله تعالى.
وأما الوزير فكيف يزعم الأستاذ أنه عمر بن مطرف، مع أن عمر بن مطرف لم يعرف برواية أصلاً، وإنما ذكر اسمه في نسب ابنيه إبراهيم ومحمد.
وقد قال الكوثري ص ٨٣: «قاعدة ابن المبارك في الفقه ... » وإنما أخذ ذلك مما رواه الخطيب ج ١٣ ص ٣٤٣» أبو حمزة المروزي قال سمعت ابن أعْيَن أبا
стр. 18
الوزير» . وعادة الكوثري في الصبر على التنقيب تقضي بأنه قد راجع (الكنى) للدولأبي فوجد فيه جزء ٢ صفحة ١٤٧ «أبو الوزير محمد بن أعين المروزي روى عن ابن المبارك» فبادر الأستاذ إلى نظر هذا الاسم في (تهذيب التهذيب) فوجد فيه جزء ٩ ص ٦٦ «محمد بن أعيَن / أبو الوزير المروزي خادم ابن المبارك، روى عنه وعن ابن عيينة وفضيل بن عياض، وخلق وعنه أحمد وإسحاق ... ومحمد بن عبد الله بن قهزاذ وآخرون، قال أبو محمد بن علي بن حمزة المروزي: يقال إن عبد الله أوصى إليه، وكان من ثقاته وخواصه، وذكره ابن حبان في «الثقات» وقد ذكره ابن أبي حاتم ج ٣ ق ٢ صفحة ٢٠٧ فقال: «وَصِيُّ ابن المبارك» .
فعلم الكوثري يقيناً أن هذا هو الواقع في السند، ولكنه لم يجد مغمزاً لأن ثقة ابن المبارك به واعتماده عليه توثيق، ورواية الإمام أحمد عنه توثيق لما عرف من توقي أحمد (١) ، ومع ذلك توثيق ابن حبان، ولم يعارض ذلك شيء، ففزع الكوثري إلى التبديل كعادته، فزعم أن أبا الوزير الواقع في السند هو عمر بن مطرف لأنه لم يجد في كنى (التهذيب) ذكراً لأبي الوزير، فطمع أن من يتعقبه لا يهتدي إلى ترجمة محمد بن أعين!
ثم رأى في الأبناء من (التهذيب) «ابن وزير جماعة منهم محمد» فرجع إلى من يقال (محمد بن الوزير) فوجد جماعة معهم «محمد بن أبي الوزير هو محمد بن عمر، تقدم» فنظر ترجمته فإذا هو محمد بن عمر بن مطرف، فمن هنا أخذ الكوثري اسم عمر بن مطرف والله أعلم.
وهكذا تكون الأمانة عند الكوثري.!
стр. 19
٨- محمد بن أحمد بن سهل: قال الكوثري صفحة ٦٣ «وهناك رواية: وهي ما رواه هبة الله الطبري في (شرح السنة) عن محمد بن أحمد بن سهل (الأصباغي) عن محمد بن أحمد بن الحسن أبي علي بن الصواف ... » .
كذا فسر الكوثري من عنده بقوله: «الأصباغي» ، مع أن الأصباغي سكن دمشق وهو مقل لا يعرف له رواية عن ابن الصواف، ولا لهبة الله رواية عنه ولا لقاء، واقتصر الخطيب في ترجمته ج ١ ص ٣٠٧ على قوله: «سكن دمشق وحدث بها عن محمد بن الحسين البستنبان، وروى عنه أبو الفتح بن مسرور» .
ومعرفة الكوثري ويقظته أن يكون قد شعر بهذا وفتش، فعلم أن شيخ هبة الله في السند هو محمد بن / أحمد بن سهل أبو الفتح بن أبي الفوارس الحافظ الثقة الثبت وترجمته في (تاريخ بغداد) ج ١ ص ٣٥٢ وفيها «سمع من ... وأبي علي بن الصواف ... حدث عنه ... وهبة الله بن الحسن الطبري» .
وإنما أسقط هبة الله في ذاك السند اسم الجد على ما يعرف من عادة المحدثين في تفننهم في ذكر شيوخهم الذين أكثروا عنهم.
٩- محمد بن عمر، قال الخطيب (ج ١٣ ص ٤٠٥) : «محمد بن الحسين بن حميد ابن الربيع حدثنا محمد بن عمر بن دليل قال: سمعت محمد بن عبيد الطنافسي ... »
ذكر الكوثري هذه الرواية ص ١٢٦ وقال: «محمد بن عمر هو ابن وليد التيمي، وقد تصحف «وليد» إلى «دليل» في الطبعات كلها، ويقول عنه ابن حبان: يروى عن مالك ما ليس من حديثه» .
أقول: لم يذكروا في ترجمة محمد بن عمر بن وليد التيمي الذي تكلم فيه ابن حبان وغيره أنه يروي عن محمد بن عبيد الطنافسي، ولا أنه يروي عنه محمد بن الحسين بن حميد بن الربيع وأراه أقدم من ذلك، فإنه يروي عن المتوفين حوالي سنة ١٨٠هـ، كمسلم بن خالد، ومالك، وهشيم، فيبعد أن ينزل إلى محمد بن عبيد المتوفى سنة ٢٠٤، ولم يذكروا روايا عن التيمي هذا إلا أبا زرعة المولود سنة ٢٠٠، ويبعد أن
стр. 20
يكون أدركه، أعني التيمي هذا، محمد بن الحسين بن حميد الذي أقدم من سمي من شيوخه موتاً أبو سعيد الأشج المتوفى سنة ٢٥٧، فالأقرب أن يكون الواقع في السند هو محمد بن عمر بن وليد الكندي الكوفي، يروي عن الكوفيين المتوفين حوالي سنة مائتين، وأقدم من سمي من شيوخه محمد بن فضيل المتوفى سنة ١٩٥.
وذكر ابن أبي حاتم هذا الكندي فقال: «كتب عنه أبي في الرحلة الثالثة بالكوفة، وقدمنا الكوفة سنة ٢٥٥ وهو حي فلم يقض السماع منه» وقال النسائي: «لا بأس به» ، وذكره ابن حبان في الثقات. فهذا كوفي يروي عن أقران محمد عبيد - ومحمد بن عبيد كوفي وقد أدركه - أعني الكندي - محمد بن حسين بن حميد بن الربيع وهو كوفي أيضاً، وهذا لا يخفى / على الكوثري لكنه لم يجد في هذا مغمزاً فعدل إلى التيمي المطعون فيه لحاجة الكوثري إلى الطعن في تلك الرواية، والله المستعان.
١٠- محمد بن سعيد. قال الخطيب (ج ١٣ ص٣٧٥) : « ... محمود بن غيلان حدثنا محمد بن سعيد عن أبيه ... » فذكر الكوثري هذه الرواية ص ٤٧ ثم قال: محمد بن سعيد هو ابن مسلم الباهلي، وقد قال ابن حجر عنه في (تعجيل المنفعة) : منكر الحديث مضطربه، وقد تركه أبو حاتم ووهاه أبو زرعة فقال ليس بشيء. اهـ. وإلى الله نشكو من هؤلاء الرواة الذين لا يخافون الله، هكذا يكون المحفوظ عند الخطيب» .
أقول: هذا يصلح أن يعد نوعاً مستقلاً من مغالطات الكوثري وهو اغتنام الخطأ الواقع في بعض الكتب إذا وافق غرضه، والذي في (تعجيل المنفعة) ص ٣٢٤ «محمد بن سعيد الباهلي البصري الأثرم عن سلام بن سليمان القارئ، وعنه أبو بكر محمد بن عبد الله جار عبد الله بن أحمد وشيخه ويعقوب بن سفيان ومحمد بن غالب تمتام وجماعة منهم أبو حاتم ثم تركه وقال: هو منكر الحديث مضطرب الحديث ووهاه / أبو زرعة، فقال ليس هو بشيء» فهذه الترجمة فيها تخليط لا أدري أعن سقط نشأ أم عن غلط، وهذا الذي تكلموا فيه ليس هو محمد بن سعيد بن سلم، ولا هو باهلي، بل هو محمد بن سعيد بن زياد أبو سعيد القرشي الكزبري البصري الأثرم، ذكره البخاري في (التاريخ) (ق ١ ج ١ ص٩٦) » محمد بن سعيد القرشي
стр. 21
البصري ... » وذكره ابن أبي حاتم في كتابه (ج ٣ ق٢ ص ٢٦٤) «محمد بن سعيد بن زياد القرشي أبو سعيد المصري (البصري) الأثرم سكن بغداد، سمع منه أبي ولم يحدث عنه، سمعته يقول: هو منكر الحديث مضطرب الحديث، سألت أبا زرعة عنه فقال: ضعيف الحديث وليس بشيء» وله ترجمة في (تاريخ بغداد) ج ٥ ص ٣٠٥ وفي (الميزان) و (اللسان) ، ولا أشك أن الكوثري عرف ذلك وعرف أن ما في (التعجيل) تخليط ولكن إذا كان الكوثري يصطنع المغالطات اصطناعاً كما مرَّ فكيف لا يغتنم ما جاء عفواً والذي يظهر أن هناك محمد بن سعيد الباهلي يروي عن سلام بن سليمان القارئ وعنه محمد بن سعيد بن زياد جار عبد الله بن أحمد فاختلط في (التعجيل) ترجمة هذا بترجمة محمد بن سعيد بن زياد القرشي الكزبري البصري الأثرم، فأما الواقع في السند فهو كما قال الكوثري محمد بن سعيد بن سلم الباهلي، ولم يطعن فيه أحد، وتأمل قول الكوثري: «وإلى الله نشكو ... » !
١١- أبو شيخ الأصبهاني، قال الخطيب (ج ١٣ ص ٣٨٤) : «محمد بن عبد الله الشافعي قال: حدثني أبو شيخ الأصبهاني حدثنا الأثرم» وقال ج ١٣ ص ٤١١: «محمد بن عبد الله بن إبراهيم الشافعي حدثنا أبو شيخ الأصبهاني حدثنا الأثرم» أشار الكوثري ص ٦٩ إلى الرواية الأولى وقال: «في سنده أبو شيخ الأصبهاني ضعفه بلديه الحافظ أبو أحمد العسال، وله ميل إلى التجسيم» ؛ وأشار ص ١٤١ إلى الرواية الثانية وقال: «في سنده أبو الشيخ الأصبهاني وقد ضعفه العسال. (١)
стр. 22
وذكر / الكوثري ص ٤٩ حكاية في سندها أبو محمد بن حيان فقال: «وأبو محمد بن حيان هو أبو الشيخ ... قد ضعفه بلديه الحافظ العسال» .
أقول: أما أبو الشيخ وهو أيضاً أبو محمد عبد الله بن محمد بن جعفر بن حيان
стр. 23
الأصبهاني فتأتي ترجمته في (التنكيل) إن شاء الله تعالى (١) . وأما هذا الراوي عن الأثرم وعنه أبو بكر محمد بن عبد الله الشافعي فهو رجل آخر ترجمته في (تاريخ بغداد) ج ٢ ص ٣٢٦: «محمد بن الحسين بن إبراهيم بن زياد بن عجلان أبو شيخ الأصبهاني، سكن بغداد وحدث بها عن ... وأبي بكر الأثرم، روى عنه أبو بكر الشافعي وكان ثقة» .
فلا أدري أعرف الكوثري هذا وفعل ما فعل عمداً؟ أم استعجل هنا على خلاف عادته، فلم يبحث حتى يتبين له أن أبا شيخ هذا غير أبي الشيخ المشهور (١) . فالله أعلم.
١٢ - أبو الحسن بن الرزاز. في (تاريخ بغداد) ج ٣ ص ١٢١ ترجمة لمحمد بن العباس ابن حيويه أبي عمر الخزاز، وفيها: «حدثني الأزهري قال: كان أبو عمر بن حيويه مكثراً وكان فيه تسامح، وربما أراد أن يقرأ شيئاً ولا يقرب أصله منه فيقرؤه / من كتاب أبي الحسن بن الرزاز لثقته بذلك الكتاب، وإن لم يكن فيه سماعه، وكان مع ذلك ثقة» .
فاحتاج الكوثري إلى الطعن في ابن حيويه هذا، فذكر ص ٢١ بعض العبارة وقال: «على أن أبا الحسن بن البزاز الذي كان يثق بكتابه هو علي بن أحمد المعروف بابن طيب البزاز، وهو معمر متأخر الوفاة: نص الخطيب على أن ابناً له أدخل في أصوله تسميعات طرية، فماذا تكون قيمة تحديث من يثق بها فيحدث من تلك الأصول» .
стр. 24
أقول: في (تاريخ بغداد) ج ١١ ص ٣٣٠: «علي بن أحمد أبو الحسن المعروف بابن طيب الرزاز ... له دكان في سوق الرزازين ... حدثني بعض أصحابنا قال: دفع إليَّ علي بن الرزاز ... وحدثني الخلال قال: أخرج إلي الرزاز ... قلت: وقد شاهدت جزءاً من أصول الرزاز، وكان الرزاز مع هذا كثير السماع» .
ثم ذكر أنه ولد سنة ٣٣٥ ومات سنة ٤١٩، فالذي كان ابن حيويه ربما يقرأ من كتابه هو «أبو الحسن بن الرزاز» وعلي بن أحمد هذا هو أبو الحسن الرزاز كما تكرر في ترجمته، / فأما قوله في أولها (١) «المعروف بابن طيب الرزاز» فقوله: «الرزاز» من وصف علي نفسه لا من وصف «طيب» .
وسياق الترجمة يبين ذلك، وأيضاً فعلي بن أحمد أصغر من ابن حيويه بأربعين سنة، فيبعد جداً أن يحتاج ابن حيويه في قراءة حديثه إلى كتاب هذا المتأخر، وأيضاً فلا يعرف بين الرجلين علاقة.
وفي (تاريخ بغداد) ج ١٢ ص ٨٥ «علي بن محمد بن سعيد أبو الحسن الكندي الرزاز ... قال العتيقي: وكان أميناً مستورداً له أصول حسان» وذكر أنه توفي سنة ٣٧٢، فهذا أقرب إلى أن يكون هو المراد، لكنه (الرزاز) لا ابن الرزاز.
وفي (تاريخ بغداد) ج ١٢ ص ١١٣ «علي بن موسى بن إسحاق أبو الحسن، يعرف بابن الرزاز سمع ... روى عنه ابن حيويه والدارقطني، وكان فاضلاً أديباً ثقة عالماً» .
فهذا هو الذي يتعين أن يكون المراد بقول الأزهري «فيقرؤه من كتاب أبي الحسن بن الرزاز لثقته بذلك الكتاب وإن لم يكن فيه سماعه» فكأن بعض كتب علي ابن موسى هذه صارت بعد وفاته إلى تلميذه ابن حيويه، وكان فيها ما سمه ابن حيويه، لكن لم يقيد سماعه في تلك النسخة التي هي من كتب الشيخ، وبهذا تبين أنه لا يلحق ابن حيويه عيب ولا يوجب صنيعه أدنى قدح، وسيأتي بسط ذلك في ترجمة
стр. 25
محمد بن العباس من (التنكيل) إن شاء الله تعالى.
والمقصود هنا أن أبا الحسن بن الرزاز هو علي بن موسى بن إسحاق لا علي بن أحمد كما زعم الكوثري.
وقد بقي غير هذه الأمثلة تأتي في مواضعها من (التنكيل) إن شاء الله تعالى. (١)
-٢-
ومن عوامده أنه يعمد إلى كلام لا علاقة له بالجرح فيجعله جرحاً! فمن أمثلة ذلك:
١و٢: جرير بن عبد الحميد وأبو عوانة الوضاح بن عبد الله اليشكري، قال الذهبي في خطبة (الميزان) : «وفيه: يعني / (الميزان) من تُكلم فيه مع ثقته وجلالته بأدنى لين وأقل تجريح، فلولا أن ابن عدي أو غيره من مؤلفي كتب الجرح ذكروا ذلك الشخص لما ذكرته لثقته» .
وهكذا قد ذكر في الترجمة عبارة لا قدح فيها ولا مدح، وإنما ذكرها لاتصالها بغيرها، فمن ذلك أنه ذكر جرير بن عبد الحميد فقال في أثناء الترجمة: «قال ابن عمار كان حجة وكانت كتبه صحاحاً، قال سليمان بن حرب: كان جرير وأبو عوانة يتشابهان ما كان يصلح إلا أن يكونا راعيين، وقال ابن المديني: كان جرير بن عبد الحميد صاحب ليل. وقال أبو حاتم: جرير يحتج به، وقال سليمان بن حرب: كان جرير وأبو عوانة يصلحان أن يكونا راعيي غنم كانا يتشابهان في رأي العين؛ كتبت عنه وأنا وابن مهدي وشاذان بمكة» لم يتعرض صاحب (التهذيب) مع محاولته استيعاب كل ما يقال من جرح أو تعديل لقضية التشابه ولا الصلاحية لرعي الغنم لأنه لم ير فيها ما يتعلق بالجرح والتعديل.
وأما الذهبي فذكر ذلك لاتصاله بغيره، ولأن ذكر الصلاحية لرعي الغنم إنما فائدته تحقيق التشابه في رأي العين، وبيان أنهما كانا يتشابهان، ربما تكون له فائدة ما.
стр. 26
والمقصود أن مراد سليمان من بيان صلاحية الرجلين لرعي الغنم هو تحقيق تشابهما في رأي العين كما يبينه السياق، ووجه ذلك أن من عادة الغنم أنها تنقاد لراعيها الذي قد عرفته وألفته وأنست به وعرفت صوته، فإذا تأخر ذاك الراعي في بعض الأيام وخرج بالغنم آخر لم تعهده الغنم لقي منها شدة لا تنقاد له ولا تجتمع على صوته ولا تنزجر بزجره. لكن لعله لو كان الثاني شديد الشبه بالأول لانقادت له الغنم، تتوهم أنه صاحبها الأول، فأراد سليمان أن تشابه جرير وأبي عوانة شديد بحيث لو رعى أحدهما غنماً مدة حتى عرفته وأنست به ثم تأخر عنها وخرج الآخر لانقادت له الغنم، تتوهم أنه الأول.
وقد روى سليمان بن حرب عن الرجلين، وقال أبو حاتم: «كان سليمان بن حرب قل من يرضى من المشايخ، فإذا رأيته قد روى عن شيخ فاعلم أنه ثقة» . أما الكوثري فإنه احتاج إلى الطعن في هذين الحافظين الجليلين جرير وأبي عوانة، فكان مما تمحله للطعن فيهما تلك الكلمة، وقطعها، وفصلها بحيث يخفي المراد منها، فقال في صفحة ١٠١ في جرير «مضطرب الحديث لا يصلح إلا أن يكون راعي غنم عند سليمان بن حرب» .
وقال ص ٩٢ في أبي عوانة: «كان يراه سليمان بن حرب لا يصلح إلا أن يكون راعي غنم» وأعاد نحو ذلك ص ١١٨. هب أنه لا يعرف عادة الغنم فقد كان ينبغي أن ينبهه السياق، ولعله قد تنبه ولكن تعمد المغالطة، ولذلك قطع العبارة وفصلها. والله المستعان (١) .
٣- محمد بن عبد الوهاب أبو أحمد الفراء. قال الكوثري ص ١٣٥: «معلول عند أبي يعلى الخليلي في (الإرشاد) » .
أقول: إطلاق كلمة معلول على الراوي من بدع الكوثري، والذي في ترجمة محمد بن عبد الوهاب من «تهذيب التهذيب» : قال الخليلي في (الإرشاد) عقب حديث علي بن هشام بن سعير بن الخمس عن مغيرة عن إبراهيم عن علقمة عن عبد الله - في
стр. 27
الوسوسة - قال لي عبد الله بن محمد الحافظ: أعجب من مسلم كيف أدخل هذا الحديث في / (الصحيح) عن محمد بن عبد الوهاب وهو معلول فرد. اهـ ولم أر الحديث المذكور في (صحيح مسلم) إلا عن يوسف بن يعقوب الصفار عن علي بن عثام، فالله تعالى أعلم» .
أقول: مقصود ابن حجر من ذكر هذه الحكاية التنبيه على ما فيها من رواية مسلم في (الصحيح) عن محمد بن عبد الوهاب، فإن ذلك غير ثابت إلا أن يصح هذا بأن يكون وقع في بعض النسخ من (صحيح مسلم) ، روايته الحديث عن محمد بن عبد الوهاب، وقد رواه أبو عوانة في (صحيحه) (ج ١ ص ٧٩) عن محمد بن عبد الوهاب عن علي بن عثام، وقول عبد الله ابن محمد «وهو معلول وفرد» يريد الحديث كما لا يخفى، وعلته جاءت من فوق، ففي ترجمة سُعير بن الخمس من «تهذيب التهذيب» أن مسلماً أخرج له هذا الحديث الواحد، قال ابن حجر: «قلت رفعه هو وأرسله غيره» وإنما قال عبد الله بن محمد: «عن محمد بن عبد الوهاب» لأن محمداً من معاصري مسلم وعاش مسلم إحدى عشر سنة، ومن عادة المحدثين اجتناب رواية ما ينزل سندهم فيه، والنزول في رواية مسلم عن محمد بن عبد الوهاب واضح /، فتعجب عبد الله ابن محمد من إخراج مسلم الحديث في (الصحيح) ، مع أن هناك مانعين من إخراجه:
الأول: نزول سنده.
الثاني: أنه معلول وفرد، فبان أنه ليس في تلك الكلمة غض من محمد بن عبد الوهاب، وهو من الحفاظ الثقات الأثبات، ولم يجد الكوثري فيه مغمزاً، فاضطر إلى تلك المغالطة القبيحة، والله المستعان.
٤- عبد الله بن محمد بن عثمان بن السقاء. قال الكوثري صفحة ١٤٧: «هجره أهل واسط لروايته حديث الطير / كما في (طبقات الحافظ للذهبي) » .
أقول: الذي في ترجمة هذا الحافظ من (تذكرة الحفاظ) ج ٣ ص ١٦٥ من قول الحافظ خميس الحوزي «من وجوه الواسطيين وذوي الثروة والحفظ. وبارك الله في
стр. 28
سنه وعلمه، واتفق أنه أملى حديث الطير فلم تحتمله نفوسهم فوثبوا به وأقاموا وغسلوا موضعه فمضى ولزم بيته» .
أقول: أفلا يعلم الأستاذ أم هذه حماقة من العامة وجهل لا يلحق ابن السقاء بها عيب ولا ذم ولا ما يشبه ذلك، وحديث الطير مشهور روي من طرق كثيرة، ولم ينكر أهل السنة مجيئه من طرق كثيرة، وإنما ينكرون صحته، وقد صححه الحاكم، وقال غيره إن طرقه كثيرة يدل مجموعها أن له أصلاً، وممن رواه النسائي في الخصائص، فكأني بالكوثري يقول: كما أن عامة ذاك العصر اشتد نكيرهم على هذا الحافظ وظنوا أن روايته لذاك الحديث توجب سقوطه، فلعل عامة هذا الزمان إذا رأوا الأستاذ الكوثري قد ذكر الحكاية في معرض الطعن في ذاك الحافظ أن يظنوا أن في القصة ما يعد جرحاً ! والله المستعان.
٥- سالم بن عصام. قال الخطيب (ج ١٣ ص٤١٠) : «أخبرنا أبو نعيم الحافظ حدثنا أبو محمد عبد الله بن محمد بن جعفر بن حيان: حدثنا سالم بن عصام: حدثنا رستة عن موسى بن المساور قال سمعت جبر، وهو عصام بن يزيد يقول سمعت سفيان الثوري ... »
قال الكوثري ص ١٣٦: «وسالم بن عصام صاحب غرائب» .
أقول: ذكره الراوي عنه هنا وهو أبو محمد ويُقال أبو الشيخ عبد الله بن محمد بن جعفر بن حيان في كتابه: «طبقات الأصبهانيين» (١) وقال: «وكان شيخاً صدوقاً صاحب كتاب وكتبنا عنه أحاديث غرائب، فمن حسان ما كتبنا عنه ... » .
وقال أبو نعيم الحافظ الأصبهاني في (تاريخ أصبهان) : «صاحب كتاب كثير الحديث والغرائب» .
أقول: ومن كثر حديثه لا بد أن تكون عنده غرائب، وليس ذلك بموجب للضعف، وإنما الذي يضر أن تكون تلك الغرائب منكرة، وأبو الشيخ وأبو نعيم
стр. 29
التزما في كتابيهما النص على الغرائب حتى قال الشيخ في ترجمة الحافظ الجليل أبي مسعود أحمد بن الفرات: «وغرائب حديثه وما ينفرد به كثير» والغرائب التي كانت عند سالم ليست بمنكرة كما يُعلم من قول أبي الشيخ «كان شيخاً صدوقاً صاحب كتاب» ومع هذا فقد توبع على الأثر الذي ساقه الخطيب، قال أبو الشيخ في ترجمة موسى بن المساور من (الطبقات) «حدثنا محمد بن عمرو، قال حدثنا رستة، قال: حدثنا موسى بن المساور قال: سمعت عصام ابن يزيد ... » فذكر مثل ما ذكر سالم، ومحمد بن عمرو أراه محمد بن عمرو الأبهري ذكر أبو الشيخ في ترجمته أنه من شيوخه وأنه يروي عن رستة، فإما أن يكون نسبه إلى جده وإما أن يكون سقط (بن أحمد) من النسخة.
٦- الهيثم بن خلف الدوري، قال الكوثري ص ٤٧: «يروي الإسماعيلي عنه في صحيحة إصراره على خطأ، وفي الاحتجاج برواية مثله وقفة» .
أقول: الخطأ الذي يضر الراوي الإصرار عليه هو ما يخشى أن تترتب عليه مفسدة ويكون الخطأ من المصر نفسه، وذلك كمن يسمع حديثاً بسند صحيح فيغلظ فيركب على ذاك السند متناً موضوعاً فينبهه أهل العلم فلا يرجع، وليس ما وقع للهيثم من هذا القبيل، إنما وقع عنده في حديث الزهري عن محمود بن الربيع عن عتبان، وقع عنده (محمد بن الربيع) بدل (محمود بن الربيع) وثبت على ذلك وهذا لا مفسدة فيه، بل ثبات الهيثم يدل على عظم أمانته وشدة تثبته إذ لم يستحل أن يغير ما في أصله، وقد وقع لمالك بن أنس الإمام نحو هذا، كان يقول في عمرو بن عثمان: (عمر بن عثمان) وثبت على ذلك، وقد قال الإسماعيلي نفسه في الهيثم أنه «أحد الأثبات» .
٧- محمد بن عبد الله بن عمار. انظر ما يأتي (٥: ١١) .
-٣-
ومن عجائبه اهتبال التصحيف أو الغلط الواقع في بعض الكتب إذا وافق غرضه! فمن أمثلة ذلك.
стр. 30
١ - وضاح بن عبد الله أبو عوانة ذكروا في ترجمة علي بن عاصم مما عابوا به علي ابن عاصم أنه كان يغلط فيتبين له مخالفة الحفاظ له فلا يعبأ بذلك، بل ينتقص أولئك الحفاظ، ففي «تاريخ بغداد» (ج ١١ ص ٤٥٠) في ترجمة علي بن عاصم عن علي بن المديني مراجعة دارت بينه وبين علي بن عاصم وفيها « ... فقلت له إنما هذا عن مغيرة رأي حماد، قال: فقال من حدثكم؟ قلت: جرير، قال ذاك الصبي، ... قال: مُر شيء آخر، فقلت: يخالفونك في هذا، فقال: من؟ قلت أبو عوانة، قال: وضاح ذاك العبد، ... قال: وقال لشعبة: ذاك المسكين» . فوقعت هذه الحكاية في ترجمة علي بن عاصم من «تهذيب التهذيب» المطبوع ووقع فيها «وضّاع ذاك العبد» ولم يخف على ذي معرفة أن هذا تصحيف وأن الصواب «وضاح» كما في «تاريخ بغداد» ، وعلى ذلك قرائن منها السياق، فإنه إنما قال في جرير «ذاك الصبي» وفي شعبة «ذاك المسكين» : فلم يجاوز حد الاستحقار، فكذلك ينبغي في حق أبي عوانة.
(ومنها) أن الذهبي لخص تلك الحكاية بقوله في (الميزان) : «وقيل كان يستصغر الفضلاء» .
ومنها أن أبا عوانة من الأكابر، وعلى بن عاصم مغموز، فلو تجرأ علي بن عاصم فرمى أبا عوانة بالكذب لقامت عليه القيامة، ومنها أنه لم يُعرف لعلي بن عاصم كلام في الرواة بحق أو باطل، وإنما كان راويه، ومع ذلك فلم يحمد في روايته.
ومنها أنه لو كان في عبارة علي بن عاصم ما يعد جرحاً لأبي عوانة لكان حقه أن يذكر في ترجمة أبي عوانة، وبالجملة فلا يشك عارف أن الصواب (وضاح ذاك العبد) كما في (تاريخ بغداد) ، ولا أشك أن الكوثري لا يخفى عليه ذلك حتى ولو لم يطلع على ما في (تاريخ بغداد) ، مع أنه قد طالع الترجمة فيه ونقل عنها، ولكنه كان محتاجاً إلى أن يطعن في أبي عوانة ووقعت بيده تلك الغنيمة الباردة فيما يريه الهوى فلم يتمالك أن وقع، فقال ص ٩٢: وأما أبو عوانة ... لكن يقول عنه علي بن عاصم: (وضاع ذاك العبد) ، وقال ص ٧١: «بلغ به الأمر إلى أن كذبه علي بن عاصم» كذا صنع الكوثري الذي يقيم نفسه مقام من يتكلم في الصحابة والتابعين، ويكثر من كتابة «نسأل الله السلامة» ، «نسأل الله العافية» ! وهكذا تكون الأمانة عند الأستاذ.
٢- أبو عوانة أيضاً ... أبو عوانة الوضاح بن عبد الله اتفق الأئمة على الثناء
стр. 31
عليه والاحتجاج بروايته، وأخرج له الشيخان في (الصحيحين) أحاديث كثيرة، ويأتي بعض ثناء الأئمة عليه في ترجمته من (التنكيل) وصح أنه أدرك الحسن البصري وابن سيرين وحفظ بعض أحوالهما، قال البخاري في ترجمته من (التاريخ) ج٤ ق ٣ ص ١٨١:
«سمع الحكم ابن عتيبة وحماد بن أبي سليمان وقتادة ... قال لنا عبد الله بن عثمان أخبرنا يزيد بن زريع قال: أخبرنا أبو عوانة قال: رأيت محمد / بن سيرين في أصحاب السكر فكلما رآه قوم ذكروا الله، وقال لنا موسى بن إسماعيل، قال لي أبو عوانة: كل شيء حدثتك فقد سمعته» يعني أنه لا يدلس ولا يروي عمن لم سمع منه.
وقال ابن سعد في (الطبقات) ج ٧ ق ٢ ص ٤٣: «أخبرنا هشام أبو الوليد الطيالسي، قال: حدثنا أبو عوانة قال: رأيت الحسن بن أبي الحسن يوم عرفة خرج من المقصورة فجلس في صحن المسجد وجلس الناس من حوله» وهذه الأسانيد بغاية الصحة، وفي (الصحيحين) من رواية أبي عوانة عن قتادة أحاديث، كحديث «ما من مسم يغرس غرساً ... » وحديث «من نسي الصلاة ... » وحديث «تسحروا فإن في السحور بركة» وأخرج له مسلم في (صحيحه) من حديثه عن الحكم بن عتيبة كما ذكره المزي في (تهذيبه) .
ووفاة الحسن وابن سيرين سنة ١١٠، والحكم سنة / ١١٥ وقتادة سنة ١١٧، وحماد سنة ١٢٠ وقيل قبلها، وذكر ابن حبان في ترجمة قتادة من (الثقات) وفاته سنة ١١٧ وذكر في ترجمة أبي عوانة روايته عن قتادة ثم قال في أبي عوانة: «وكان مولده سنة اثنتين وتسعين، ومات في شهر ربيع الأول سنة ست وسبعين ومائة» هكذا في النسخة المحفوظة في المكتبة الآصفية في حيدر أباد الدكن تحت رقم ١-٤ من فن الرجال المجلد الثالث الورقة ٢١٨ الوجه الأول، ومثله في نسخة أخرى جيدة محفوظة في المكتبة السعيدية بحيدر أباد. وكانت عند الحافظ ابن حجر من (ثقات ابن حبان) نسخة يشكو في كتبه من سقمها، قال في (تهذيب التهذيب) (ج ٨ ص ٤٠٣) « ... ذكره ابن حبان في (الثقات) ... وقال: روى عنه حبيب، كذا في النسخة وهي سقيمة» وقال في (لسان الميزان) (ج ٢ ص ٤٤٢) :
стр. 32
«رافع بن سلمان ... ذكره ابن حبان في (الثقات) ، لكن وقع في النسخة - وفيها سقم ... رافع بن سنان» .
فوقع في تلك النسخة السقيمة تخليط في ترجمة أبي عوانة فذكره ابن حجر في (تهذيب التهذيب) وبين أنه خطأ قطعاً، ومع ذلك ففي عبارة ابن حجر تخليط في النسخة من (تهذيب التهذيب) المطبوع. فيه جزء ١١ ص١١٨: «وذكره ابن حبان في (الثقات) وقال كان مولده سنة اثنتين وعشرين ومائة، وقال: هو خطأ للشك فيه لأنه صح أنه رأى ابن سيرين ... » . وقوله: «وقال هو خطأ للشك فيه» صوابه والله أعلم: «كذا قال: وهو خطأ لا شك فيه» ، وقد علمت أن البلاء من نسخة (الثقات) التي كانت عند ابن حجر.
وليس الكوثري ممن يخفى عليه هذا ولا ما هو أخفى منه، لكنه كان محتاجا إلى الطعن في أبي عوانة ظلمًا وعدواناً. فقال ص ١١٨ في أبي عوانة: «فعلى تقدير ولادته سنة ١٢٢ كما هو المشهور - كذا - لا تصح رؤيته للحسن ولا لابن سيرين ... » .
فليفرض القارئ أن الكوثري في مقام إثبات سماع أبي عوانة من الحكم بن عتيبة أو قتادة أو حماد، وأن بعض مخالفي الكوثري حاول دفع ذلك فقال: «فعلى تقدير ... » عبارة الكوثري نفسها، فما عسى أن يقول الكوثري في ذلك المخالف؟ أما نحن فنجترئ بأن نقول: هكذا تكون الأمانة عند الكوثري.
٣- أبو عوانة أيضا، انظر ما يأتي ٨: ٢.
٤- محمد بن سعيد، راجع ما تقدم ١: ١٠.
٥- أيوب بن إسحاق بن سافري، في ترجمته من «تهذيب تاريخ بن عساكر» ج ٣ ص ٢٠٠ عن ابن يونس « ... وكان في خُلقه زعارة، وسأله أبو حميد في شيء يكتبه عنه فمطله ... » ومعروف في اللغة ومتكرر في التراجم أن يقال: «في خلق فلان زعارة» أي شراسة، وهذا وإن كان غير محمود فليس مما يقدح في العدالة أو يخدش في الرواية، لكن وقع في (تاريخ بغداد) : ج ٧ ص ١٠ في هذه الحكاية «وكانت في خلقه دعارة» كذا وهذا تصحيف لا يخفى مثله على الكوثري، أولاً: لأنه
стр. 33
ليس في كلامهم «في خلق فلان دعارة» وإنما يقولون: فلان داعر بين الدعارة - إذا كان خبيثاً أو فاسقاً. ثانياً: لأن ابن يونس عقب كلمته بقوله: «سأله أبو حميد في شيء من الأخبار يكتبه عنه فمطله ... »
وهذه شراسة خلق لا خبث أو فسق. ثالثاً: لأن المؤلفين في المجروحين لم يذكروا هذا الرجل ولو وصف بالخبث أو الفسق لما تركوا ذكره، ولكن الكوثري احتاج إلى الطعن في هذا الرجل فقال ص ١٣٧: ذاك الداعر ... تكلم فيه ابن يونس: كذا قال ولم يتكلم فيه ابن يونس بما يقدح وقد ذكره ابن أبي حاتم في كتابه وقال: «كتبت عنه بالرملة وذكرته لأبي فعرفه وقال: كان صدوقاً» .
٧- عبد الله بن عمر الرماح، هو عبد الله بن عمر بن ميمون بن بحر بن الرماح، واسم الرماح سعد، له ولأبيه ترجمتان في (طبقات الحنفية) ، وهما معروفان عندهم، وللأب ترجمة في (تهذيب التهذيب) (ج ٧ ص ٤٩٨) وفي (تاريخ بغداد) (ج ١١ ص ١٨٢) وفي كتاب ابن أبي حاتم وغيرها، ووقع في (تاريخ بغداد) (ج ١٣ ص ٣٨٦) في سند حكاية «عبد الله بن عثمان بن الرماح» فاحتاج الكوثري إلى ردها والتي قبلها فقال ص ٧٣ (وفي سند الخبر الأول الخزاز وفي الثاني ابن الرماح فلا يصحان مع وجودهما في السندين) اقتصر على قوله (ابن الرماح) ولم يتنبه على أن (عثمان) تصحيف والصواب (عمر) . كما ذكر الكوثري نفسه في اسم آخر قال ص ٩٣: «فلعل لفظ - عمر - صحف إلى عثمان حيث يشبه هذا ذاك في الرسم عند حذف الألف المتوسطة في عثمان كما هو رسم الأقدمين» .
وكأنه خشي أن ينبه القارئ على أن ابن الرماح هو ذاك العالم الحنفي لم يتكلم فيه أحد بما يرد روايته بل تركه يتوهم أن هذا رجل مجهول لأنه لا يجد في الكتب ترجمة لعبد الله ابن عثمان بن الرماح، بل يتوهم أنه ضعيف، وقف الكوثري على تضعيفه في الكتب التي لم تطبع، ولذلك قال ما قال !
٨- أحمد بن المعذل، ذكر الكوثري ص ٩٥ قوله:
إن كنت كاذبة الذي حدثتني ... فعليك إثم أبي حنيفة أو زفر
المائلين إلى القياس تعمداً ... والراغبين عن التمسك بالأثر
стр. 34
ثم قال: وهو الذي كان أخوه عبد الصمد بن المعذل يقول فيه:
أضاع الفريضة والسنة ... فتاه على الإنس والجنة
أقول: إنما قال عبد الصمد: (أطاع ... ) هكذا في (الديباج المذهب) ص ٣٠ ولآلئ البكري ص ٣٢٥ والسياق يعينه، كان عبد الصمد ماجناً، وكان أحمد عالماً صالحاً تقياً فكان يعظ عبد الصمد ويزجره، فقال عبد الصمد (أطاع ... ) البيت، وبعده:
كأن لنا النار من دونه ... وأفرده الله بالجنة
يريد أن أحمد معجب بتقواه وورعه، فأداه ذلك إلى أن أتاه على غيره.
فإن قيل إنما أراد الكوثري التنكيت والتبكيت مقابلة الإساءة بمثلها، قلت رأس مال العالم الصدق، ومن استحل التحريف في موضع ترويجاً لرأيه لم يؤمن أن يحرف في غيره.
стр. 35
اعتبار
لكن الكوثري عندما تخالف الألفاظ هواه، كثيراً ما يدعى أنها مصحفة فيزعم أن (الدين) محرف عن (أرى) وأن (يكذب) محرف عن (يكتب) و (للفرس ... والرجل) عن (للفارس ... وللراجل) وغير ذلك.
في (تاريخ بغداد) ج ١٣ ص٣٨٦ « ... محبوب بن موسى قال سمعت يوسف بن أسباط يقول: قال أبو حنيفة لو أدركني رَسُولُ الله ﵌ أو أدركته لأخذ بكثير من قولي، قال وسمعت أبا إسحاق يقول: كان أبو حنيفة يجيئه الشيء عن النبي ﵌ فيخالفه إلى غيره» .
ذكر الكوثري هذا ص ٧٥ وذكر أن في النسخة الخطية زيادة سوق الخبر بسند آخر- وفي (تاريخ بغداد) ج ١٣ ص ٣٩٠ « ... أبو صالح الفراء قال سمعت يوسف بن أسباط يقول: رد أبو حنيفة على رَسُولُ الله ﵌ أربعمائة حديث أو أكثر ... وقال أبو حنيفة: لو أدركني النبي ﵌ وأدركته أخذ بكثير من قولي، وهل الدين إلا الرأي الحسن» .
стр. 36
ذكر الكوثري هذا ص ٨٥ وهذه الكلمة (لو أدركني) لها تأويل قريب ذكرته في (التنكيل) ولم يقع / عليه الحنفية بل ذهبوا يتعسفون، فروى عبد الله بن محمد بن يعقوب الحارثي: حدثني أبو طالب سعيد بن محمد بن أبان البردعي في مسجد أبي الحسن الكرخي ببغداد حدثني أبو جعفر ... الطحاوي أنبأنا بكار بن قتيبة أنبأنا هلال بن يحيى الرأي البصري سمعت يوسف بن خالد السمتي» فذكر قصة طويلة فيها عجائب، تراها في (مناقب أبي حنيفة) للموفق المكي ج٢ ص ١٠١- ١٠٩، وقد أشرت إلى بعضها في (التنكيل) وهذه الحكاية لا يشك عارف في أنها مكذوبة على الطحاوي، فعبد الله بن محمد ترجمته في (لسان الميزان) ج ٣ ص ٣٤٨ - وشيخه لا يعرف، وإنما ذكره صاحب (الجواهر المضيئة) بما تضمنته هذه الحكاية، فلم يسمع به إلا فيها، ويغلب على الظن أنه لا يوجد منه إلا اسمه، ولو كان للقصة أثر عند الطحاوي لما فاتت ابن أبي العوام ومن تدبر القصة لم يشك في اختلاقها، وفيها «لو أدركني البتي لترك كثيراً من قوله» مع أنه يعلم منها ومن غيرها أن البتي وهو عثمان بن مسلم البصري الفقيه كان يومئذ حياً يرزق.
وذكر الأستاذ ص ١٣ ما رُوي عن حماد بن زيد قال: / ذكر أبو حنيفة عند البتي فقال: ذاك رجل أخطأ عصم دينه كيف يكون حاله. ثم قال الكوثري: «عثمان ابن مسلم البتي توفي سنة ١٤٣ هـوكانت تجري بينه وبين أبي حنيفة مراسلات، وكان يوسف بن خالد السمتي بعد أن تفقه على أبي حنيفة رجع إلى البصرة وأخذ يجابه البتي» وفي تلك الأخلوقة أن أبا حنيفة قال: «لو أدركني البتي أول ما اجتمع به خالد بن يوسف، فمن تدبر علم أن تلك الأخلوقة المنسوبة إلى يوسف ابن خالد إنما اختلقت لما شاعت حكاية يوسف بن أسباط، فأراد المختلق علاجها فوقع فيما وقع فيه، ثم أن الكوثري لم يقتصر على ما قيل من دعوى التصحيف في «النبي» بل زاد أمرين:
الأول: أنه على فرض أن أبا حنيفة قال تلك الكلمة بلفظ «النبي» فقوله: «لأخذ» المراد به «لأخذني» .
الثاني: أنه رأى أن من تقدمه لم يتعرضوا لما وقع في إحدى الروايات «وهل الدين إلا الرأي الحسن» .
стр. 37
فقال الكوثري ص ٨٨: «فلا أشك أن - الدين - مصحف من أرى» وذهب يوجه احتمال العادة لمثل ذلك. وهذا موضع الاعتبار، بينما ترى الكوثري يصنع ما تقدم في الأمثلة فيغض النظر عن التصحيف الواضح والخطأ المكشوف إذا به يحاول دعوى التصحيف التي لا يشك في بطلانها، ولا عجب في ذلك إذ مغزى الكوثري إنما هو الانتصار لهواه، وقد تقدمت أن لتلك الكلمة المنقولة عن أبي حنيفة تأويلاً قريبا بدون دعوى التصحيف ولا التحريف، وستجده في (التنكيل) إن شاء الله.
-٤-
ومن غرائبه تحريف نصوص أئمة الجرح والتعديل، تجيء عن أحدهم الكلمة فيها غض من الراوي بما لا يضره أو بما فيه تليين خفيف لا يعد جرحاً فيحتاج الكوثري إلى الطعن فيمن قيلت فيه فيحكيها بلفظ آخر يفيد الجرح، فمن أمثلة ذلك:
١- إبراهيم بن سعيد الجوهري، هو من شيوخ مسلم في (صحيحه) ومن كبار الحفاظ، قال فيه أحمد بن حنبل -كثير الكتاب، كتب فأكثر) وقال الكوثري نفسه ص ١٥١: «كان إبراهيم بن سعيد الجوهري يقول: كل حديث لم يكن عندي من مائة وجه فأنا فيه يتيم» وتجد الحكاية بتمامها في ترجمة إبراهيم من
(الميزان) .
وكان من عادة المكثرين أن يترددوا إلى كبار الشيوخ ليسمعوا منهم، فربما جاء أحدهم إلى شيخ قد سمع منه ما لم يسمعه من قبل، فيتفق أن يشرع الشيخ يحدث بجزء قد كان ذاك المكثر سمعه منه قبل ذلك فلا يعتني باستماعه ثانياً أو ثالثاً لأنه يرى ذلك تحصيل حاصل فكأنه اتفق لإبراهيم هذا واقعة من هذا القبيل، فحكى عبد الرحمن ابن خراش قال: «سمعت حجاج بن الشاعر يقول: رأيت إبراهيم بن سعيد عند أبي نعيم وأبو نعيم يقرأ وهو نائم -وكان الحجاج يقع فيه» .
وسيأتي إيضاح الجواب في ترجمة إبراهيم من (التنكيل) .
والمقصود هنا أن الكوثري ذكر تلك المقالة فحرفها تحريفاً قبيحاً. قال (ص ٧٥) :
стр. 38
«كان يتلقى وهو نائم، كما قال الحافظ حجاج ابن الشاعر، فحجاج هذا ممن جرحه لا يندمل» .
وقال ص ١١٩: «رماه الحافظ حجاج بن الشاعر بأنه كان يتلقى وهو نائم» فعبارة حجاج تحتمل ما قدمنا، ليس فيها ما يدل على أن إبراهيم صار بعد ذلك المجلس يروي عن أبي نعيم أحاديث / يزعم أنه تلقاها في ذاك الوقت الذي كان إبراهيم فيه نائماً. وعبارة الكوثري تفيد هذا، وعبارة حجاج إنما تدل على مرة واحدة عند أبي نعيم، وعبارة الكوثري تدل أن التلقي في حال النوم كان من عادة إبراهيم عند أبي نعيم وغيره! فتدبر وتأمل.
٢-مؤمل بن وهاب، قال الكوثري ص ٦٥: «ضعفه ابن معين على ما حكاه الخطيب» .
أقول: إنما حكى الخطيب ج ١٣ ص ١٨١ عن إبراهيم بن عبد الله بن الجنيد قال: «سئل يحيى بن معين وأنا أسمع عن مؤمل بن أهاب فكأنه ضعفه» فتدبر، وقد قال أبو حاتم (صدوق) وقال النسائي: (لا بأس) به وقال مرة: ثقة، وقال مسلمة بن قاسم: ثقة صدوق.
٣- أحمد بن سلمان النجاد، قال الكوثري ص ٦٥: «يقول الدارقطني: يحدث من كتاب غيره بما لم يكن في أصوله» .
أقول: إنما الدارقطني: «حدث ... » كما في (تاريخ بغداد)
و (الميزان) و (اللسان) ، وذاك يصدق بمرة واحدة كما حمله الخطيب وغيره كما يأتي في ترجمة النجاد تكرر مراراً!
٤- أحمد بن كامل، قال الكوثري ص٤٣: «فيه يقول الدارقطني ... ربما حدث بما ليس عنده كما رواه الخطيب» .
أقول: عبارة الدارقطني كما في (تاريخ بغداد) وغيره « ... بما ليس عنده في كتابه أن لا يكون عنده في حفظه، وتأتي ترجمة أحمد في (التنكيل) .
стр. 39
٥- عبد الله علي المديني، قال الكوثري ص ١٦٨: «وهو لم يسمع من أبيه على ما يقال» .
أقول: يريد الكوثري بهذا قول الدارقطني، وعبارة الدارقطني كما في (تاريخ بغداد) «أخذ كتبه وروى أخباره مناولة، قال: وما سمع كثيراً من أبيه» .
فقوله: «وما سمع كثيراً من أبيه» واضح في أنه سمع/ منه، إلا أنه لم يكثر، وأول عبارته يفيد أن ما لم يسمعه من كتب أبيه وأخباره أخذه منه مناولة، وهي من طرق التلقي، فعلى هذا تكون روايته عن أبيه متصلة صحيحة إن صرح بالسماع فسماع، وإلا احتمل أن يكون سماعاً وأن يكون مناولة، والرواية التي ذكرها الخطيب من طريقه ولأجلها تعرض له الكوثري قد بين فيها السماع، هذا والسماع أصله أن يملي الشيخ بلفظه والتلميذ يسمع، لكن قد يطلق السماع على ما هو أعم من ذلك، وهذا هو المتبادر من قولهم: فلان لم يسمع من فلان، فيفهم منه أن روايته عنه منقطعة حتى ولو صرح بالاتصال يكون كذباً، وهذا هو مفهوم عبارة الكوثري لأنه قصد بها الطعن في رواية هذا الرجل التي بين فيها السماع، فانظر تحريفه لعبارة الدارقطني.
٦- محمد بن أحمد الحكيمي، قال الكوثري ص ١١٤: «قال البرقاني في حديثه مناكير» .
أقول: لفظ البرقاني كما في (تاريخ بغداد) ج١ ص٢٦٩ و (لسان الميزان) ج٥ ص ٤٥ «ثقة إلا أنه يروي مناكير» / وبين العبارتين فرق عظيم فإن «يروي مناكير» يقال في الذي يرويه ما سمعه مما فيه نكارة ولا ذنب له في النكارة، بل الحمل فيها على من فوقه، فالمعنى أنه ليس من المبالغين في التنقي والتوقي الذين لا يحدثون مما سمعوا إلا بما لا نكارة فيه، ومعلوم أن هذا ليس بجرح، وقولهم: «في حديثه مناكير» كثيراً ما تقال فيمن تكون النكارة من جهته جزماً أو احتمالاً فلا يكون ثقة.
وهذا المعنى هو الذي أراد الكوثري إفهامه، ولذلك حذف كلمة «ثقة» ؛ وقد
стр. 40
تعقب الخطيب كلمة البرقاني بقوله: «وقد اختبرت أنا حديثه فقلما رأيت فيه منكراً» فثبت أن هذا الرجل مع ثقته غير مقتصر في التنقي والتوقي، وأن ما وقع في روايته مما ينكر قليل جداً. وقال ابن حجر في (لسان الميزان) : «ذكرته - يعني زيادة على (الميزان) - لأن المصنف ذكر عثمان بن أحمد الدقاق الصدوق الثقة بسبب كونه يروي المناكير» .
أقول: لا عذر لابن حجر في هذا.
أولاً: لأنه أنكر على الذهبي ذكره لعثمان، كما يأتي في ترجمته من (التنكيل)
ثانياً: لأن المناكير في مرويات عثمان كثيرة، والله المستعان.
-٥-
ومن فواقره تقطيع نصوص أئمة الجرح والتعديل، يختزل منها القطعة التي توافق غرضه، وقد يكون فيما يدعه من النص ما يبين أن معنى ما يقتطعه غير المتبادر منه عند انفراده، فمن أمثلة ذلك:
١- القاسم بن أبي صالح، راجع ما تقدم ١: ٢.
٢ و٣- جرير بن عبد الحميد وأبو عوانة الوضاح، راجع ما تقدم (٢-١و٢) .
٤- عبد الله بن علي بن المديني، راجع ما تقدم ٤: ٥.
٥- محمد بن أحمد الحكيمي، راجع ما تقدم ٤: ٦.
٦- محمد بن يحيى بن أبي عمر، قال الكوثري ص ١٦٦: «قال عنه أبو حاتم: كان به غفلة حدّث حديثاً موضوعاً عن ابن عيينة» ، أقول عبارة أبي حاتم كما في كتاب ابنه و (التهذيب) وغيرهما: «كان رجلاً صالحاً وكان به غفلة، رأيت عنده حديثاً موضوعاً قد حدث به عن ابن عيينة وكان صدوقاً» هذا وابن أبي عمر مكثر جداً عن ابن عيينة، فإذا اشتبه عليه حديث واحد لم يضره،