← Улюм аль-хадис

Улюм аль-хадис · id 12767

التنكيل بما في تأنيب الكوثري من الأباطيل - ط المكتب الإسلامي

عبد الرحمن المعلمي اليماني

Полный текст (924 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

ذكر الكوثري هذا ص ٨٥ وهذه الكلمة (لو أدركني) لها تأويل قريب ذكرته في (التنكيل) ولم يقع / عليه الحنفية بل ذهبوا يتعسفون، فروى عبد الله بن محمد بن يعقوب الحارثي: حدثني أبو طالب سعيد بن محمد بن أبان البردعي في مسجد أبي الحسن الكرخي ببغداد حدثني أبو جعفر ... الطحاوي أنبأنا بكار بن قتيبة أنبأنا هلال بن يحيى الرأي البصري سمعت يوسف بن خالد السمتي» فذكر قصة طويلة فيها عجائب، تراها في (مناقب أبي حنيفة) للموفق المكي ج٢ ص ١٠١- ١٠٩، وقد أشرت إلى بعضها في (التنكيل) وهذه الحكاية لا يشك عارف في أنها مكذوبة على الطحاوي، فعبد الله بن محمد ترجمته في (لسان الميزان) ج ٣ ص ٣٤٨ - وشيخه لا يعرف، وإنما ذكره صاحب (الجواهر المضيئة) بما تضمنته هذه الحكاية، فلم يسمع به إلا فيها، ويغلب على الظن أنه لا يوجد منه إلا اسمه، ولو كان للقصة أثر عند الطحاوي لما فاتت ابن أبي العوام ومن تدبر القصة لم يشك في اختلاقها، وفيها «لو أدركني البتي لترك كثيراً من قوله» مع أنه يعلم منها ومن غيرها أن البتي وهو عثمان بن مسلم البصري الفقيه كان يومئذ حياً يرزق. وذكر الأستاذ ص ١٣ ما رُوي عن حماد بن زيد قال: / ذكر أبو حنيفة عند البتي فقال: ذاك رجل أخطأ عصم دينه كيف يكون حاله. ثم قال الكوثري: «عثمان ابن مسلم البتي توفي سنة ١٤٣ هـوكانت تجري بينه وبين أبي حنيفة مراسلات، وكان يوسف بن خالد السمتي بعد أن تفقه على أبي حنيفة رجع إلى البصرة وأخذ يجابه البتي» وفي تلك الأخلوقة أن أبا حنيفة قال: «لو أدركني البتي أول ما اجتمع به خالد بن يوسف، فمن تدبر علم أن تلك الأخلوقة المنسوبة إلى يوسف ابن خالد إنما اختلقت لما شاعت حكاية يوسف بن أسباط، فأراد المختلق علاجها فوقع فيما وقع فيه، ثم أن الكوثري لم يقتصر على ما قيل من دعوى التصحيف في «النبي» بل زاد أمرين: الأول: أنه على فرض أن أبا حنيفة قال تلك الكلمة بلفظ «النبي» فقوله: «لأخذ» المراد به «لأخذني» . الثاني: أنه رأى أن من تقدمه لم يتعرضوا لما وقع في إحدى الروايات «وهل الدين إلا الرأي الحسن» .

стр. 37

فقال الكوثري ص ٨٨: «فلا أشك أن - الدين - مصحف من أرى» وذهب يوجه احتمال العادة لمثل ذلك. وهذا موضع الاعتبار، بينما ترى الكوثري يصنع ما تقدم في الأمثلة فيغض النظر عن التصحيف الواضح والخطأ المكشوف إذا به يحاول دعوى التصحيف التي لا يشك في بطلانها، ولا عجب في ذلك إذ مغزى الكوثري إنما هو الانتصار لهواه، وقد تقدمت أن لتلك الكلمة المنقولة عن أبي حنيفة تأويلاً قريبا بدون دعوى التصحيف ولا التحريف، وستجده في (التنكيل) إن شاء الله. -٤- ومن غرائبه تحريف نصوص أئمة الجرح والتعديل، تجيء عن أحدهم الكلمة فيها غض من الراوي بما لا يضره أو بما فيه تليين خفيف لا يعد جرحاً فيحتاج الكوثري إلى الطعن فيمن قيلت فيه فيحكيها بلفظ آخر يفيد الجرح، فمن أمثلة ذلك: ١- إبراهيم بن سعيد الجوهري، هو من شيوخ مسلم في (صحيحه) ومن كبار الحفاظ، قال فيه أحمد بن حنبل -كثير الكتاب، كتب فأكثر) وقال الكوثري نفسه ص ١٥١: «كان إبراهيم بن سعيد الجوهري يقول: كل حديث لم يكن عندي من مائة وجه فأنا فيه يتيم» وتجد الحكاية بتمامها في ترجمة إبراهيم من (الميزان) . وكان من عادة المكثرين أن يترددوا إلى كبار الشيوخ ليسمعوا منهم، فربما جاء أحدهم إلى شيخ قد سمع منه ما لم يسمعه من قبل، فيتفق أن يشرع الشيخ يحدث بجزء قد كان ذاك المكثر سمعه منه قبل ذلك فلا يعتني باستماعه ثانياً أو ثالثاً لأنه يرى ذلك تحصيل حاصل فكأنه اتفق لإبراهيم هذا واقعة من هذا القبيل، فحكى عبد الرحمن ابن خراش قال: «سمعت حجاج بن الشاعر يقول: رأيت إبراهيم بن سعيد عند أبي نعيم وأبو نعيم يقرأ وهو نائم -وكان الحجاج يقع فيه» . وسيأتي إيضاح الجواب في ترجمة إبراهيم من (التنكيل) . والمقصود هنا أن الكوثري ذكر تلك المقالة فحرفها تحريفاً قبيحاً. قال (ص ٧٥) :

стр. 38

«كان يتلقى وهو نائم، كما قال الحافظ حجاج ابن الشاعر، فحجاج هذا ممن جرحه لا يندمل» . وقال ص ١١٩: «رماه الحافظ حجاج بن الشاعر بأنه كان يتلقى وهو نائم» فعبارة حجاج تحتمل ما قدمنا، ليس فيها ما يدل على أن إبراهيم صار بعد ذلك المجلس يروي عن أبي نعيم أحاديث / يزعم أنه تلقاها في ذاك الوقت الذي كان إبراهيم فيه نائماً. وعبارة الكوثري تفيد هذا، وعبارة حجاج إنما تدل على مرة واحدة عند أبي نعيم، وعبارة الكوثري تدل أن التلقي في حال النوم كان من عادة إبراهيم عند أبي نعيم وغيره! فتدبر وتأمل. ٢-مؤمل بن وهاب، قال الكوثري ص ٦٥: «ضعفه ابن معين على ما حكاه الخطيب» . أقول: إنما حكى الخطيب ج ١٣ ص ١٨١ عن إبراهيم بن عبد الله بن الجنيد قال: «سئل يحيى بن معين وأنا أسمع عن مؤمل بن أهاب فكأنه ضعفه» فتدبر، وقد قال أبو حاتم (صدوق) وقال النسائي: (لا بأس) به وقال مرة: ثقة، وقال مسلمة بن قاسم: ثقة صدوق. ٣- أحمد بن سلمان النجاد، قال الكوثري ص ٦٥: «يقول الدارقطني: يحدث من كتاب غيره بما لم يكن في أصوله» . أقول: إنما الدارقطني: «حدث ... » كما في (تاريخ بغداد) و (الميزان) و (اللسان) ، وذاك يصدق بمرة واحدة كما حمله الخطيب وغيره كما يأتي في ترجمة النجاد تكرر مراراً! ٤- أحمد بن كامل، قال الكوثري ص٤٣: «فيه يقول الدارقطني ... ربما حدث بما ليس عنده كما رواه الخطيب» . أقول: عبارة الدارقطني كما في (تاريخ بغداد) وغيره « ... بما ليس عنده في كتابه أن لا يكون عنده في حفظه، وتأتي ترجمة أحمد في (التنكيل) .

стр. 39

٥- عبد الله علي المديني، قال الكوثري ص ١٦٨: «وهو لم يسمع من أبيه على ما يقال» . أقول: يريد الكوثري بهذا قول الدارقطني، وعبارة الدارقطني كما في (تاريخ بغداد) «أخذ كتبه وروى أخباره مناولة، قال: وما سمع كثيراً من أبيه» . فقوله: «وما سمع كثيراً من أبيه» واضح في أنه سمع/ منه، إلا أنه لم يكثر، وأول عبارته يفيد أن ما لم يسمعه من كتب أبيه وأخباره أخذه منه مناولة، وهي من طرق التلقي، فعلى هذا تكون روايته عن أبيه متصلة صحيحة إن صرح بالسماع فسماع، وإلا احتمل أن يكون سماعاً وأن يكون مناولة، والرواية التي ذكرها الخطيب من طريقه ولأجلها تعرض له الكوثري قد بين فيها السماع، هذا والسماع أصله أن يملي الشيخ بلفظه والتلميذ يسمع، لكن قد يطلق السماع على ما هو أعم من ذلك، وهذا هو المتبادر من قولهم: فلان لم يسمع من فلان، فيفهم منه أن روايته عنه منقطعة حتى ولو صرح بالاتصال يكون كذباً، وهذا هو مفهوم عبارة الكوثري لأنه قصد بها الطعن في رواية هذا الرجل التي بين فيها السماع، فانظر تحريفه لعبارة الدارقطني. ٦- محمد بن أحمد الحكيمي، قال الكوثري ص ١١٤: «قال البرقاني في حديثه مناكير» . أقول: لفظ البرقاني كما في (تاريخ بغداد) ج١ ص٢٦٩ و (لسان الميزان) ج٥ ص ٤٥ «ثقة إلا أنه يروي مناكير» / وبين العبارتين فرق عظيم فإن «يروي مناكير» يقال في الذي يرويه ما سمعه مما فيه نكارة ولا ذنب له في النكارة، بل الحمل فيها على من فوقه، فالمعنى أنه ليس من المبالغين في التنقي والتوقي الذين لا يحدثون مما سمعوا إلا بما لا نكارة فيه، ومعلوم أن هذا ليس بجرح، وقولهم: «في حديثه مناكير» كثيراً ما تقال فيمن تكون النكارة من جهته جزماً أو احتمالاً فلا يكون ثقة. وهذا المعنى هو الذي أراد الكوثري إفهامه، ولذلك حذف كلمة «ثقة» ؛ وقد

стр. 40

تعقب الخطيب كلمة البرقاني بقوله: «وقد اختبرت أنا حديثه فقلما رأيت فيه منكراً» فثبت أن هذا الرجل مع ثقته غير مقتصر في التنقي والتوقي، وأن ما وقع في روايته مما ينكر قليل جداً. وقال ابن حجر في (لسان الميزان) : «ذكرته - يعني زيادة على (الميزان) - لأن المصنف ذكر عثمان بن أحمد الدقاق الصدوق الثقة بسبب كونه يروي المناكير» . أقول: لا عذر لابن حجر في هذا. أولاً: لأنه أنكر على الذهبي ذكره لعثمان، كما يأتي في ترجمته من (التنكيل) ثانياً: لأن المناكير في مرويات عثمان كثيرة، والله المستعان. -٥- ومن فواقره تقطيع نصوص أئمة الجرح والتعديل، يختزل منها القطعة التي توافق غرضه، وقد يكون فيما يدعه من النص ما يبين أن معنى ما يقتطعه غير المتبادر منه عند انفراده، فمن أمثلة ذلك: ١- القاسم بن أبي صالح، راجع ما تقدم ١: ٢. ٢ و٣- جرير بن عبد الحميد وأبو عوانة الوضاح، راجع ما تقدم (٢-١و٢) . ٤- عبد الله بن علي بن المديني، راجع ما تقدم ٤: ٥. ٥- محمد بن أحمد الحكيمي، راجع ما تقدم ٤: ٦. ٦- محمد بن يحيى بن أبي عمر، قال الكوثري ص ١٦٦: «قال عنه أبو حاتم: كان به غفلة حدّث حديثاً موضوعاً عن ابن عيينة» ، أقول عبارة أبي حاتم كما في كتاب ابنه و (التهذيب) وغيرهما: «كان رجلاً صالحاً وكان به غفلة، رأيت عنده حديثاً موضوعاً قد حدث به عن ابن عيينة وكان صدوقاً» هذا وابن أبي عمر مكثر جداً عن ابن عيينة، فإذا اشتبه عليه حديث واحد لم يضره،

стр. 41

ولعل أبا حاتم نبهه عليه فترك روايته، وقد يكون أبو حاتم أخطأ في ظن الحديث موضوعاً، وسئل الإمام أحمد: عمن نكتب؟ فقال أما بمكة فابن أبي عمر. وقد أكثر مسلم في (صحيحه) عن ابن أبي عمر، له عنده على ما حكي عن (الزهرة) مائتا حديث وستة عشر حديثاً. ٧- محبوب بن موسى، قال الكوثري ص ١٧: «يقول عنه أبو داود لا تقبل حكاياته إلا من كتاب» . أقول: عبارة أبو داود كما في (التهذيب) و (الميزان) «ثقة: لا يلتفت إلى حكاياته إلا من كتاب» ويأتي تحقيق حال محبوب في ترجمته من (التنكيل) إن شاء الله تعالى. ٨- سعيد بن عامر، قال الكوثري ص ١٠٩: «في حديثه بعض الغلط كما قال ابن أبي حاتم» . أقول: عبارة ابن أبي حاتم كما نقلها عن أبيه كما في كتابه وغيره «كان رجلاً صالحاً وكان في حديثه بعض الغلط وهو / صدوق» وتأتي ترجمة سعيد في (التنكيل) . ٩- سليمان بن حسان الحلبي. قال الكوثري ص ١٠٩: «قال أبو حاتم عنه (١) سألت ابن أبي غالب عنه فقال: لا أعرفه ولا أرى البغداديين يروون عنه» . أقول: تتمة عبارة أبي حاتم كما في كتاب ابنه و (تاريخ بغداد) ج ٩ ص ٢١ «وروى عنه من الرازيين أربعة أو خمسة» قال ابن أبي حاتم: «قلت لأبي ما تقول فيه؟ قال: هو صحيح الحديث» . ١٠- محمد بن العباس أبو عمرو بن حيوية، راجع ما تقدم ١: ١٢ وتأتي ترجمة محمد في (التنكيل) . ١١- محمد بن عبد الله بن عمار الموصلي، قال الكوثري ص ١٣٣: «قال ابن عدي رأيت أبا يعلى يسيء القول فيه ويقول: شهد على خالي بالزور. وله

стр. 42

عن أهل الموصل أفراد وغرائب اهـ، وأبو يعلى من أعرف الناس به وكلامه فيه قاض على كلام الآخرين، أقول: آخر ما حكاه ابن عدي عن أبي يعلى قوله بالزور وعقب ذلك كما في التهذيب، قال ابن عدي وابن عمار: ثقة حسن الحديث عن أهل الموصل معافى بن عمران وغيره، وعنده عنهم أفراد وغرائب، وقد شهد أحمد بن حنبل أنه رآه عند يحيى القطان، ولم أر أحداً من مشايخنا يذكره بغير الجميل، وهو عندهم ثقة» . فحذف الكوثري توثيق ابن عدي وجميع مشايخه لابن عمار، وحذف الدليل على أن المراد بالأفراد والغرائب الأفراد والغرائب الصحيحة التي يمدح صاحبها لدلالتها على إكثاره عنايته ومهارته في الفن كما تقدم شيء من ذلك (٢: ٥) وحذف الدليل على أن أبا يعلى كان عنده نفرة عن ابن عمار توجب أن لا يعتد بكلامه المذكور فيه، كما يأتي إيضاح ذلك في ترجمة ابن عمار من (التنكيل) . والكوثري يتشبث بهذه القاعدة ويتوسع فيها جداً فيردد كثيراً من الروايات المحققة والجرح المفسر المحقق بدعوى انحراف الراوي أو الجارح من المجروح، وإن كان الراوي أو اجارح جماعة من الأئمة ولم يثبت ما يعارض قولهم بل مع ثبوت ما يوافق قولهم عمن كان موافقاً للمجروح مائلاً إليه، كما يأتي بعض ذلك في ترجمة أحمد بن محمد بن الصلت بن الغلس من (التنكيل) . ثم يتناقض الكوثري ههنا فيزعم أن تلك الكلمة المحتملة الصادرة من أبي يعلى مع تبين نفرته عن ابن عمار يرد بها توثيق الجمهور لابن عمار، وسيأتي في القسم الأول من (التنكيل) تحقيق هذه القاعدة، وفي القسم الثاني ترجمة ابن عمار وبيان إمامته وجلالته. ١٢- محمد بن فضيل بن غزوان، قال الكوثري ص ٣٩ في الكلام في القاسم التمار: «وقال ابن سعد عن (١) محمد بن فضيل الراوي عنه: بعضهم لا يحتج به» .

стр. 43

أقول: عبارة ابن سعد كما في (طبقاته) ج ٦ ص ٢٧١ و (التهذيب) وغيرها: «كان ثقة صدوقاً كثير الحديث متشيعاً، وبعضهم لا يحتج به» . فحذف الكوثري التوثيق الصريح، والدليل على أن عدم احتجاج بعضهم بابن فضيل إنما هو لتشيعه، وقد وثقه ابن معين ويعقوب بن سفيان والعجلي وغيرهم، ولم يطعن أحد في روايته، وقال ابن شاهين: «قال علي ابن المديني: كان ثقة ثبتاً في الحديث» وقال الدارقطني: «كان ثبتاً في الحديث إلا أنه كان منحرفاً عن عثمان» وقد جاء ما يدافع هذا (١) . قال أبو هشام الرفاعي: «سمعت ابن فضيل يقول: رحم الله عثمان ولا يرحم من لا يترحم عليه» وذكر ابن حجر في (مقدمة الفتح) كلام ابن سعد ثم قال: «قلت إنما توقف فيه من توقف لتشيعه» . ثم ذكر كلام أبي هشام ثم قال: «احتج به الجماعة» . يعني الشيخين في (صحيحهما) وبقية الستة، ولا أدري من هو الذي لم يحتج بابن فضيل أو توقيفه؟ ولعل المراد بذلك بعض المتشددين في السنة لم يرو عن ابن فضيل لأنه يراه متشيعاً ويرى في الرواية عنه ترويجاً للتشيع فتوقف لذلك، لا لأن ابن فضيل ليس بحجة، ويأتي في القسم الأول من (التنكيل) تحقيق حكم رواية المبتدع بما يعلم منه أن مثل ابن فضيل حجة على الإطلاق. -٦- ومن عواقره أنه يعمد إلى جرح لم يثبت فيحكيه بصيغة الجزم محتجاً به، فمن أمثلة ذلك. ١- الحسن بن الربيع، قال الكوثري ص ١٥١: «يقول فيه ابن معين لو كان يتقي الله لم يكن يحدث بالمغازي، ما كان يحسن يقرؤها» . أقول: هذا الكلام إنما رواه بكر بن سهل الدمياطي عن عبد الخالق بن منصور

стр. 44

عن ابن معين، وبكر بن سهل لم يوثقه أحد، بل ضعفه النسائي، ورماه الذهبي في (الميزان) بالوضع. ٢- ثعلبة بن سهيل القاضي، قال الكوثري ص ١١ ضعيف. أقول: هذا يصلح أن يعد من أمثلة النوع الثامن - ٨ - لكن أظن الكوثري اعتمد على ما حكاه أبو الفتح محمد / بن الحسين الأزدي عن ابن معين أنه قال في ثعلبة «ليس بشيء» وهذه الحكاية منقطعة كما قاله الذهبي في (الميزان) ، لأن بين الأزدي وابن معين مفازة، ومع ذلك فالأزدي نفسه متهم! له ترجمة في (تاريخ بغداد) و (الميزان) و (اللسان) (١) ثم لو فرض صحة تلك الكلمة عن ابن معين، فابن معين مما يطلق «ليس بشيء» لا يريد الجرح وإنما يريد أن الرجل قليل الحديث. وقد ذكر الكوثري ذلك ص ١٢٩ ويأتي تحقيق ذلك في ترجمة ثعلبة من (التنكيل) وحاصله أن ابن معين قد يقول «ليس بشيء» على معنى قلة الحديث فلا تكون جرحاً، وقد يقولها على وجه الجرح كما يقولها غيره فتكون جرحاً، فإذا وجدنا الراوي الذي قال فيه ابن معين: «ليس بشيء» قليل الحديث وقد وثق، وجب حمل كلمة ابن معين على معنى قلة الحديث، ووجدنا ابن معين نفسه قد ثبت عنه أنه قال في ثعلبة لا بأس به. وقال مرة: ثقة، كما في (التهذيب) ، وممن قال ابن معين فيه: «ليس بشيء» أبو العطوف الجراح بن المنهال فنظرنا في حاله فإذا له أحاديث غير قليلة ولم يوثقه أحد بل جرحوه، قال ابن المديني: «لا يكتب حديثه» وقال البخاري ومسلم: «منكر الحديث» وقال النسائي والدارقطني: «متروك» وقال أبو حاتم والدولابي الحنفي: «متروك الحديث ذاهب لا يكتب حديثه» وقال النسائي في (التمييز) : «ليس بثقة ولا يكتب حديثه» وذكره البرقي فيما اتهم بالكذب وقال ابن حبان «كان يكذب في الحديث ويشرب الخمر ... » والكلام

стр. 45

فيه أكثر من هذا فعرفنا أن قول ابن معين فيه: «ليس بشيء» أراد بها الجرح كما هو المعروف عند غيره في معناها، فتدبر ما تقدم ثم انظر حال الكوثري إذ يبني على حكاية الأزدي عن ابن معين إنه قال في ثعلبة «ليس بشيء» ويعلم حال الأزدي وأنه كان بعد ابن معين بمدة ويعرف أن ابن معين قد يطلق تلك الكلمة لا على سبيل الجرح، وأن الحجة قائمة على أن هذا من ذاك، ومع ذلك كله يقول الكوثري في ثعلبة «ضعيف» وفي أبي العطوف يرى الكوثري جرح الأئمة له وأن له أحاديث غير قليلة، وأن ذلك مبين أن قول ابن معين فيه: «ليس بشيء» إنما أراد بها الجرح، ولكن الكوثري يقول ص ١٢٩: «وقال ابن معين: ليس بشيء، وهو كثيراً ما يقول هذا فيمن قل حديثه» ! وعذر الكوثري أنه بحاجة إلى رد رواية رواها ثعلبة وإلى تقوية أبي العطوف، هكذا تكون الأمانة عند الكوثري ! ٣- عبد الله بن جعفر بن درستويه. قال الكوثري صفحة ٣٩: «كان يحدث عمن لم يدركه لأجل دريهمات يأخذها، فادفع إليه درهماً يصطنع لك ما شيءت من الأكاذيب» ذكر الكوثري هذه التهمة في عدة مواضع كلها بالجزم، بل نبز هذا العالم الفاضل الذي لا ذنب له إلا أنه روى كتاباً مشهوراً وهو (تاريخ يعقوب بن سفيان) ، وقد ثبت سماعه له حتى أن الذي أنكر عليه رجع أخيراً فقصده فسمع منه، كما في ترجمته من (تاريخ بغداد) ، نبزه الكوثري بلقب «الدراهمي» مع أنه لا مستند للكوثري في ذلك، إلا ما حكاه الخطيب عن هبة الله الطبري أنه ذكر ابن درستويه وضعفه وقال: «بلغني أنه قيل له حدث عن ابن عباس الدوري حديثاً ونحن نعطيك درهماً، ففعل، ولم يكن سمع من عباس» . ولا يخفى على عالم أن هذه الحكاية لا يصح الاستناد عليها لجهالة المبلغ للطبري، والكوثري أعلم الناس بهذا بل جاوزه كثيراً فيقول راداً لروايات الثقات الأثبات عمن يصرحون باسمه وقد ثبتت صحبتهم له وهم مع ذلك أبرياء من التدليس فيقول الكوثري: «اللفظ لفظ انقطاع ! حتى أحوجني ذلك إلى أن بينت في القسم الأول

стр. 46

من (التنكيل) شرح قاعدة الاتصال والانقطاع، وتحقيق الحكم فيما يشتبه منها، ومع هذا فقد قال الخطيب: «هذه الحكاية باطلة ... » هكذا تكون الأمانة عند الكوثري ! ويأتي بقية الكلام في ترجمة عبد الله بن جعفر من (التنكيل) . ٤- الأصمعي عبد الملك بن قريب. قال الكوثري ص ٥٤: «كذبه أبو زيد الأنصاري» . أقول: حاكى ذلك عن أبي زيد هو أحمد بن عبيدة بن / ناصح وهو مطعون فيه، وفي (الميزان) في ترجمة الأصمعي «أحمد بن عبيد ليس بعمدة» ونقل الكوثري نفسه هذا ص ٤٢ حين احتاج إلى رد رواية لأحمد بن عبيد. قال الكوثري: «فلم يكن بعمدة كما ذكره الذهبي في ترجمة عبد الملك الأصمعي من (الميزان) يجزم الأستاذ هنا بأنه ليس بعمدة، ثم يعتده فيقول في الأصمعي: كذبه أبو زيد الأنصاري. هكذا تكون الأمانة عند الكوثري! ٥- جرير بن عبد الحميد. قال الكوثري ص ١١٠: «تفرد برواية حديث الأخرس الموضوع» . أقول: مستند الكوثري حكاية سليمان الشاذكوني هالك ويأتي يوم شرح الحال في ترجمة جرير من (التنكيل) . (١) ٦- سليم بن عيسى القارئ. قال الكوثري ص ٦٠: «كان ضعيفاً في الحديث ... وقد روى عن الثوري خبراً منكراً ساقه العقيلي» . أقول: لا مستند للكوثري في قوله: «كان ضعيفاً في الحديث» / إلا ذكر العقيلي ومن تبعه سليم بن عيسى في كتب الضعفاء مع رواية ذاك الحديث من طريق سليم بن عيسى.

стр. 47

فأما ذكر الراوي في بعض كتب الضعفاء فلا يضره ما لم يكن فيما ذكر به ما يوجب ضعفه، وذلك أنهم كثيراً ما يذكرون الرجل لكلام فيه لا يثبت أو لا يقدح أو نحو ذلك. وأما ذاك الحديث فرواه العقيلي عن يحيى بن صالح (١) متكلم فيه وأبو صالح كاتب الليث ليس بعمدة تأتي ترجمته في (التنكيل) (٢) ، فعلى هذا لا يثبت أن سليماً روى ذاك الحديث ومع هذا فسليم الذي ذكره العقيلي وروى عنه ذاك الحديث ليس هو بالقارئ صاحب حمزة الواقع في سند الخطيب، وإيضاح ذلك أن العقيلي قال «سليم بن عيسى مجهول في النقل حديثه منكر غير محفوظ. حدثنا يحيى ... » كما مرَّ فقول العقيلي «مجهول في النقل حديثه منكر» واضح في أنه عنده غير القارئ، فإن القارئ معروف مشهور، وهذا مجهول لا يعرف عنه إلا بذاك الحديث كما تقتضيه عبارة العقيلي، ويؤكد هذا أن الذي ذكره العقيلي وروى عنه ذاك الحديث، كنيته " أبو يحيى " كما في السند، هكذا هو في كتاب العقيلي في النسخة المحفوظة بالمكتبة الآصفية في حيدر أباد الدكن (٣) وهكذا هو في (الميزان) وليست هذه كنية القارئ، أما القارئ فقال ابن الجزري في ترجمته من (طبقات القراء) ج ١ ص ٣١٨ «كنيته أبو عيسى ويقال أبو محمد» . والذهبي وإن بدأ في الميزان فزعم أنه القارئ فإنه رجع بعد ذلك ولفظه «سليم بن عيسى الكوفي القارئ، إمام في القراءة، وروى عن الثوري خبراً منكراً ساقه العقيلي، ولعل هذا الرجل غير القارئ ... » . فقد أتضح أن سليم بن عيسى القارئ الواقع في سند الخطيب لا يناله وهن مما ذكر العقيلي ثم الذهبي، لأنه إن لم يكن هو الذي روى العقيلي عن يحيى بن عثمان

стр. 48

عن كاتب الليث عنه ذاك الحديث فواضح، وإن كان إياه فلا يثبت عنه رواية ذاك الحديث للكلام في كاتب الليث وفي الراوي عنه. ولنكتف بهذه الأمثلة هنا، ويأتي لها في قسم التراجم / من (التنكيل) نظائر منها في ترجمة حماد بن سلمة، ومنها في ترجمة محمد بن حسين بن حميد بن الربيع. اعتبار كما رأيت الكوثري حيث له غرض في الطعن في الراوي قد يعمد إلى جرح يعلم أنه لا يثبت فيجزم به، فكذلك حيث يكون له غرض في تقوية الراوي قد يعمد إلى ثناء عليه يعلم أنه لا يثبت فيجزم به، كما يأتي في ترجمة أحمد بن محمد بن الصلت بن المغلس الحِمَّاني من (التنكيل) (١) والله المستعان. - ٧ - ومن تجاهله ومجازفاته قوله في المعروف الموثق «مجهول» أو «مجهول الصفة» أو «لم يوثق» أو نحو ذلك، فمن الأمثلة: ١- عبد الله بن محمود. روى الخطيب جزء ١٣ ص ٣٨٤ من طريق عبد الله بن محمود المروزي قال سمعت محمد بن عبد الله بن قهزاذ..» فقال الأستاذ ص ٧٠ «وعبد الله بن محمود مجهول الصفة» . / أقول: في ترجمة محمد بن عبد الله بن قهزاذ من «تهذيب التهذيب» جزء ٩ ص ٢٧١ «روى عنه ... وعبد الله بن محمود السعدي» . ولعبد الله بن محمود السعدي المروزي ترجمة في كتاب ابن أبي حاتم وقال «كتب إلى أبي بمسائل ابن المبارك من تأليفه» وله ترجمة في (تذكرة الحفاظ) (جزء ٢ ص

стр. 49

٢٥٧) . قال الذهبي «الحافظ الثقة محدث مرو أبو عبد الرحمن عبد الله بن محمود بن عبد الله السعدي. قال الحاكم: ثقة مأمون» . (١) ٢- محمد بن مسلمة. روى الخطيب ج ١٣ ص ٣٩٥ من طريق البخاري «حدثنا صاحب لنا قال: قلت لمحمد بن مسلمة ... » فقال الكوثري صفحة ١٠٣ في الحاشية «مجهول وليس هو بكاتب الحارث بن مسكين فإنه محمد بن سلمة ... » . أقول: قد قرأ الكوثري ترجمته في (الانتقاء) لابن عبد البر الذي بث الكوثري عقاربه في تعليقاته عليه ٥٦ وفي (تاريخ البخاري) جزء ١ ق١ ص ٢٤٠ «محمد بن مسلمة أبو هشام المخزومي المدني ... سمع مالكاً ... وقيل لمحمد / بن مسلمة ما لرأي فلان ... » . فذكر الحكاية التي ذكرها الخطيب، وقال ابن حبان في (الثقات) : «محمد بن هشام بن إسماعيل أبو هشام المخزومي.. يروي عنه هارون بن عبد الله الحمال والناس، وكان ممن يتفقه على مذهب مالك ويفرّع على أصوله، ممن صنف وجمع» وذكره ابن أبي حاتم في كتابه وقال « ... روى عنه عبد الرحمن بن عبد الملك ابن أبي شيبة وأبي ... سألت أبي عنه فقال: كان أحد فقهاء المدينة من أصحاب مالك، وكان من أفقههم.. سئل أبي عنه فقال: مديني ثقة» . وفي (الديباج المذهب) صفحة ٢٢٧ «محمد بن مسلمة.. روى محمد هذا عن مالك وتفقه عنده، وكان أحد فقهاء المدينة من أصحاب مالك وكان أفقههم وهو ثقة، وله كتب فقه أخذت عنه، وهو ثقة مأمون حجة، جمع العلم والورع توفي سنة ٢٠٦» .

стр. 50

ويبعد جداً أن يكون هذا كله خفي على الكوثري مع ما عرفناه منه من النشاط في التفتيش عن التراجم، بل في سياق كلامه ما يشعر بأنه هذا الرجل، فإنه قال صفحة ١٠٤ «ونهمس في أذن هذا المتعصب الهاذي: إن كنت ... فما رأيك في مذهب إمامك ... » يعني مالكاً، والله المستعان. ٣- طاهر بن محمد، ذكر الخطيب جزء ١٣ ص ٣٧٣ حكاية من طريق «طاهر بن محمد حدثنا وكيع ... » فقال الكوثري ص ٤٣ «طاهر بن محمد مجهول» . أقول: بل معروف موثق، هو طاهر بن أبي أحمد بن عبد الله الزبيري، ذكره المِزي في (تهذيبه) في الرواة عن وكيع، وذكره ابن أبي حاتم في كتابه وقال: «روى عنه محمد بن عبد الله الحضرمي وموسى بن إسحاق القاضي» وذكره ابن حبان في (الثقات) وقال: «يروي عن وكيع وأبي أسامة حدثنا عنه محمد بن إدريس الشامي، مستقيم الحديث» وهذا من توثيق ابن حبان الذي لا مغمز فيه، كما يأتي شرحه في ترجمة ابن حبان من (التنكيل) . (١) ٤- إسماعيل بن حمدويه. ذكر الخطيب ج ١٣ ص ٤١٤ أثراً من طريق «سلامة ابن محمود القيسي، حدثنا إسماعيل بن حمدويه البيكندي قال سمعت الحميدي ... » فقال الكوثري ص ١٥٠: «إسماعيل بن حمدويه مجهول» . أقول ذكره ابن حبان في (الثقات) - ووقع في النسخة «السكندري» (٢) . وقال: «يروى عن أبي نعيم وأبي الوليد وأهل البصرة، حدثنا عنه محمد بن المنذر شكر كان مقيماً بالرملة زماناً وكتب عنه شكر» . أقول: فقد عرفه ابن حبان وعرف حديثه، وتوثيقه لمن عرفه وعرف حديثه مقبول،

стр. 51

كتوثيق غيره من الأئمة، ويأتي ذلك في ترجمة ابن حبان من (التنكيل) . ٥- عبد الرحمن بن داود بن منصور. ذكر الكوثري ص ١٨٤ رواية لأبي نعيم الأصبهاني عن أبي الشيخ عن عبد الرحمن بن داود بن منصور. فقال الكوثري: «عبد الرحمن بن داود مجهول» . أقول: ذكره أبو الشيخ وأبو نعيم أنفسهما في كتأبيهما، فقال أبو الشيخ: «عنده حديث الشام ومصر، أكثر الناس حديثاً عنهم، كان من الفقهاء صاحب أصول ثقة مأمون» . وذكر أبو نعيم في (تاريخ أصبهان) نحو ذلك، وهذان الكتابان قد وقف عليهما الكوثري، فإنه قال ص ٥٩ عند ذكر عمر بن قيس الماصر: «له ولذويه ذكر واسع في (تاريخ أصبهان) لأبي الشيخ» وقال ص ١٥١ في أحمد بن عبد الله الأصبهاني: «مترجم في (تاريخ أصبهان) لأبي نعيم» وفي كلا النقلين نظر، لكن المقصود هنا بيان وقوف الكوثري على الكتأبين، وقد دل على ذلك كلامه في سالم بن عصام كما مر (٢: ٥) ، (١) ولا يخفى على الكوثري أن عبد الرحمن هذا أصبهاني، فالظن به أنه راجع ترجمته في الكتأبين المذكورين. ٦- أحمد بن الفضل بن خزيمة. وقال الكوثري ص ١١١ «لم يوثق» . أقول: هو أحمد بن الفضل بن العباس بن خزيمة ترجمته في (تاريخ بغداد) ج ٤ ص ٣٤٧ وفيها وكان ثقة. ٧- جعفر بن محمد الصندلي. قال الكوثري صفحة ١٤١: « «الذي» أثنى ابن حيوية عليه وحده، لا يكون إلا من هذا الصنف» . أقول: ابن حيويه هو محمد بن العباس أبو عمر بن / حيويه الخزاز ستأتي ترجمته في (التنكيل) ، وهو أحد الثقات الإثبات العارفين، ومع ذلك ففي ترجمة جعفر هذا من (تاريخ بغداد) «وكان ثقة صالحاً ديناً سكن باب الشعير، أخبرنا أحمد بن أبي جعفر حدثنا يوسف بن عمر القواس حدثنا أبو الفضل جعفر بن محمد الصندلي الأطروش سنة سبع عشرة وثلاثمائة ومات فيها، وكان يقال إنه من الأبدال» . ثم ذكر الخطيب

стр. 52

أن الصحيح أنه مات سنة ٣١٨، وقال ابن الجوزي في (المنتظم) ج٦ ص٢٣٤ في ترجمة جعفر هذا «وكان ثقة صالحاً ديناً، وكان يقال إنه من الأبدال» . اعتبار كما أن الكوثري يتجاهل المعروفين الثقات حين يكون هواه رد روايتهم، فكذلك يتعارف المجاهيل ويحتج بروايتهم إذا كانت روايتهم توافق هواه، وسيأتي في (التنكيل) أمثلة لذلك. منها: في ترجمة أحمد بن عبد الله الأصفهاني، ذكر الخطيب أثراً من طريق علي بن حمشاذ عنه واستنكره، فقال الكوثري صفحة ١٥١ «سعى الخطيب ... بأن يقول: إن أحمد بن عبد الله الأصفهاني مجهول، كيف وهو من ثقات شيوخ ابن حمشاذ مترجم في (تاريخ أصفهان) لأبي نعيم» . كذا قال: وقد فتشت (تاريخ أبي نعيم) فوجدت فيه ممن يقال له (أحمد بن عبد الله) جماعة ليس في ترجمة واحد منهم ما يشعر بأنه هذا، وفوق ذلك جميعهم غير موثقين! (١) ومنها في ترجمة أحمد بن محمد بن الصلت بن المغلس الحماني، ذكر الخطيب بسنده حكاية عن ابن أبي خثيمة وردها بنكارتها لأن في السند مجاهيل. فاحتج الكوثري بتلك الحكاية جازماً بها ودفع كلام الخطيب بقوله «وهذا مما يغيظ الخطيب جداً ويحمله على ركوب كل مركب للتخلص منه بدون جدوى» . كذا قال، ثم لم يبين ما يعرف به أولئك الذين جهلهم الخطيب (٢) . منها في ترجمة الإمام الشافعي فيما يتعلق / بكتاب (التعليم) المنسوب لمسعود بن شيبة، هذا الكتيب فيه جهالات في الطعن في مالك والشافعي، وذكر ابن حجر في (لسان الميزان) مسعود بن شيبة وقال: «مجهول لا يعرف عمن أخذ العلم ولا من أخذ

стр. 53

عنه، له مختصر سماه (التعليم) ... » فزعم الكوثري في حاشية صفحة ٣ «أنه معروف عند الحافظ عبد القادر القرشي و ... وغيرهم، فنعد صنيع ابن حجر هذا من تجاهلاته المعروفة لحاجة في النفس، وقانا الله اتباع الهوى» . كذا قال، والقرشي وغيره لم يعرفوا من حال مسعود بن شيبة إلا بما أخذوه من كتاب (التعليم) نفسه، وليس في ذلك ما يدل أنهم عرفوه المعرفة التي تنافي الجهالة، والواقع أن كتاب (التعليم) ألفه حنفي مجهول متعصب وكتب على ظاهره ذاك الاسم المستعار (مسعود بن شيبة) ولكن الكوثري مع معرفته الحقيقة يلدغ ويصيء ويرمي الأئمة بدائه ثم يقول: وقانا الله اتباع الهوى! ومما يدخل في هذا الضرب قول الكوثري ص ١٦ عند نقله ما ذكره الخطيب في موضع قبر أبي حنيفة: «كان من المناسب أن يذكر الخطيب هنا ما ذكره في ج ١ ص ١٢٣ من تبرك الشافعي بأبي حنيفة حيث قال: أخبرنا القاضي أبو عبد الله الحسين بن علي الصيمري قال: أنبأنا عمر بن إبراهيم المقرئ قال أنبأنا مكرم بن أحمد قال أنبأنا عمر بن إسحاق بن إبراهيم قال أنبأنا علي بن ميمون قال سمعت الشافعي يقول: إني لأتبرك بأبي حنيفة وأجيء إلى قبره في كل يوم - يعني زائراً - فإذا عرضت لي حاجة صليت ركعتين وجئت إلى قبره وسألت الله تعالى الحاجة عنده فما تبعد عني حتى تقضى اهـ. ورجال هذا السند كلهم موثقون عند الخطيب» . أقول: أما الصيمري وشيخه فموثقان عند الخطيب أي في (تاريخه) كما هو الظاهر - ومع هذا فالظاهر أن هذه الحكاية من كتاب (مناقب أبي حنيفة) الذي جمعه مكرم بن أحمد، وكان كتاباً معروفاً، ولعله كان عند الخطيب نسخة منه وكان سماعه له من الصيمري، ومعظم الاعتماد في مثل هذا على صحة النسخة، ولم يكن الخطيب ليعتمد عليها إلا وهي صحيحة، فالصيمري وشيخه من الوسائط السندية - فلا يضر تلك الرواية أن يكون فيهما أو في أحدهما كلام - / على أنه لا كلام فيهما فيما أعلم، وأما مكرم فقد قال الخطيب في ترجمته «وكان ثقة» ولم أر ما يخالف ذلك سولى ما ذكره الخطيب ج٤ ص ٢٠٩ في ترجمة أحمد بن الصلت بن المغلس الحماني قال: «حدثني أبو القاسم الأزهري قال: سئل أبو الحسن علي بن عمر الدارقطني وأنا أسمع عن جمع

стр. 54

مكرم بن أحمد (فضائل أبو حنيفة) ؟ فقال: موضوع، كله كذب، وضعه أحمد بن المغلس الحماني ... » . فهذه العبارة تحتمل أوجهاً: الأول: أن يكون الدارقطني تجوز في قوله: (كله) وإنما أراد أن الموضوع بعض ما تضمنه ذاك المجموع، وهو ما فيه رواية عن أحمد بن محمد بن الصلت بن المغلس. الثاني: أن تكون عبارة الدارقطني على ظاهرها، ويكون ما في ذلك المجموع من غير الحماني أصله من وضع الحماني، ولكن كان لمكرم إجازات من أولئك الشيوخ فأسقط اسم الحماني من تلك الروايات ورواها عن أولئك المشايخ بحق الإجازة، كما قيل إن الحافظ أبا نعيم الأصبهاني ربما صنع مثل ذلك كما يأتي في ترجمته من (التنكيل) . الثالث: أن يكون مكرم واطأ الحماني، فوضع له الحماني تلك الحكايات عن شيوخ الذين أدركهم مكرم، فرواها مكرم عنهم، وهذا الوجه الثالث هو الموافق لظاهر سؤال الأزهري للدارقطني وجوب الدارقطني، لكن يدفعه توثيق الخطيب لمكرم، وأنه لم يذكره أحد في (الضعفاء) ، والوجه الثاني أيضاً موافق لظاهر سؤال الأزهري وجواب الدارقطني، وهو أدنى أن لا يدفعه ما يدفع الثالث. وعلى كل حال فلم ينحل الإشكال، فدعه وافرض أن الراجح هو الوجه الأول، وأن هذه الرواية صحيحة عن عمر بن إسحاق بن إبراهيم، فمن عمر هذا؟ ومن شيخه أموثقان هما عند الخطيب كما زعم الكوثري؟. أما أنا فقد فتشت (تاريخ بغداد) فلم أجد فيه، لا موثقين ولا غير موثقين، بل ولا وجدتهما في غيره، نعم في غيره علي بن ميمون الرقي يروي عن بعض مشايخ

стр. 55

الشافعي ونحوهم، وهو موثق لكن لا نعرف له رواية عن الشافعي، وقد راجعت (توالي التأسيس) لابن حجر لأنه حاول فيها استيعاب الرواة عن الشافعي فلم أجد فيهم علي / ابن ميمون لا الرقي ولا غيره، انظر (توالي التأسيس) ص ٨١. هذا حال السند، ولا يخفى على ذي معرفة أنه لا يثبت بمثله شيء، ويؤكد ذلك حال القصة، فإن زيارته قبر أبي حنيفة كل يوم بعيد في العادة، وتحريه قصده للدعاء عنده بعيد أيضاً، إنما يعرف تحري القبور لسؤال الحوائج عندها بعد عصر الشافعي بمدة، فأما تحري الصلاة عنده فأبعد وأبعد. والمقصود إنما هو المقابلة بين قول الكوثري «ورجال هذا السند كلهم موثقون عند الخطيب» مع الأمثلة السابقة، وبين الأمثلة المتقدمة في النوع (١) (٧) . وبيان أن الكوثري إن تجاهل المعروفين الموثقين من رواة ما يخالف هواه، فإنه يتعارف المجهولين من رواة ما يوافقه، والله المستعان. - ٨ - ومن أعاجيبه أنه يطلق صيغ الجرح مفسرة وغير مفسرة بما لا يوجد في كلام الأئمة، ولا له عليه بينة، فمن أمثلة ذلك: ١- أنس بن مالك صاحب رَسُولُ اللهِ ﷺ . قال الكوثري صفحة ٨٠ «وأما حديث الرضخ فمروي عن أنس / بطريق هشام بن زيد، وأبي قلابة عنعنة، وفيه القتل بقول المقتول من غير بينة، وهذا غير معروف في الشرع، وفي رواية قتادة عن أنس إقرار القاتل لكن عنعنة قتادة متكلم فيها، وقد انفرد برواية الرضخ أنس ﵁ في عهد هرمه، كانفراده برواية شرب أبوال الإبل العيني في رواية قتادة (زاد في الحاشية - كما في (الكفاية) للخطيب ص ٧٤ برغم حملات البدر العيني على الإتقاني وصاحب (العناية) في ذلك ... ) وبحكاية معاقبة العرنيين تلك العقوبة للحجاج الظالم المشهور، حينما سأله عن أشد عقوبة عاقب بها النبي ﷺ ، حتى استاء الحسن

стр. 56

البصري من ذلك، ومن رأي أبي حنيفة ﵃ مع كونهم عدولاً ليسوا بمعصومين من مثل قلة الضبط الناشيءة عن الأمية أو كبر السن، فيرجح رواية الفقيه منهم على رواية غيره عند التعارض، ورواية غير الهرم منهم على رواية الهرم ... » . أقول: المقصود هنا ما في هذه العبارة من زعم أن أنساً ﵁ هرم واختل ضبطه! ولا أعرف أحداً قبل الكوثري زعم هذا. نعم ذكروا أنه ﵁ لما كبر نسي بعض حديثه لكن لا يلزم من النسيان اختلال الضبط فإن الناسي إن نسي الحديث أصلاً لم يحدث به البتة وكيف يحدث به وهو ناس له؟ وإن عرض له تردد في قصة أو في بعضها فإنه إذا كان ضابطاً لم يحدث بها، أو يحدث بها ويبين التردد والشك، فالضابط هو الذي لا يحدث إلا بما يتقنه، فما لم يتقنه لم يحدث به أو حدث به وبين شكه، سواء أكان عدم الاتقان لذاك أول مرة عند التلقي أم عارضاً. وزعمه أنه هرم غير قويم، لأن الهرم أقصى الكبر، ولم يبلغ أنس أقصى الكبر، أما من جهة كبر السن فقد قيل إنه لم يجاوز المائة وقيل بل جاوزها بثلاث سنين، وغلّطوا من قال إنه جاوزها بسبع سنين وقد كان في عصره من قومه وغيرهم من عاش فوق ذلك، فبلغ حسان مائة وعشرين سنة، وكان سويد بن غفلة يؤم الناس في قيام رمضان وقد أتى عليه مائة وعشرون سنة، ثم عاش حتى تم له مائة وثلاثون سنه، وبلغ أبو رجاء العطاردي مائة وسبعاً وعشرين سنه، وبلغ أبو عمرو سعد بن إياس الشيباني مائة وعشرين سنة، وبلغ المعرور بن سويد مائة وعشرين سنة، وبلغ زر بن حبيش مائة وسبعاً وعشرين سنة، وبلغ أبو عثمان النهدي مائة وثلاثين وقيل مائة وأربعين سنة، وحسان صحأبي من قوم أنس، والستة الباقون كلهم ثقات أثبات مجمع على الاحتجاج بروايتهم مطلقاً، ولم يطعن أحد في أحد منهم بأنه تغير بأخرة. وأما من جهة قوة البدن فلم يزل أنس صالحاً حتى مات لم يعرض له وهن شديد،

стр. 57

وأما من جهة كمال العقل وحضور الذهن فلم يزل أنس كامل العقل حاضر الذهن حتى مات. وأحب أن أتتبع عبارة الأستاذ السابقة ليتضح للقارئ تحقيق الأستاذ وتثبته ! أما هشام فهو ابن زيد بن أنس بن مالك، وليس هو بمدلس، والراوي عنه شعبة، وهو معروف بالتحفظ عن رواية ما يخشى فيه التدليس، والحديث في (الصحيحين) ، وأما أبو قلابة فهو عبد الله بن زيد الجرمي، وقد قال أبو حاتم «لا يعرف له تدليس» وسماعه من أنس ثابت كما في حديث العرنيين وغيره، فعنعنة هذين محمولة على السماع باتفاق أهل العلم. فقول الكوثري: «وفيه القتل بقول المقتول» إنما يكون فيه ذلك لو صرح بنفي الاعتراف، ولم يصرح به، وإذا وقع الاعتراف، وهذا كما في دلالة الاقتضاء المشروحة في أصول الفقه، وهي أنه إذا لم يصح المعنى الظاهر عقلاً أو شرعاً وجب إضمار ما يصح به الكلام، ولا يعد عدم صحة الظاهر مسوغاً لرده رأساً، فكذلك هنا، بل الأمر هنا أوضح فإن ترك الراوي لبعض الجزئيات مما يرى أنه لا يخفي ثبوته على أحد أسهل من الحذف في التركيب، هذا كله على فرض أنه لم ينقل الاعتراف وهو منقول ثابت في رواية قتادة. قول الكوثري: «عنعنة قتادة متكلم فيها» . أقول: دع عنعنته وخذ تصريحه، قال البخاري في (الصحيح) في «باب إذا أقر بالقتل مرة قتل به» : حدثني إسحاق أخبرنا حبان حدثنا همام حدثنا قتادة حدثنا أنس ابن مالك أن يهودياً رَضَّ رأس جارية بين حجرين، فجيء باليهودي فاعترف - فأمر النبي ﷺ فرضَّ رأسه بالحجارة، وقد قال همام بحجرين. وفي (مسند الإمام أحمد) (١) ج ٣ ص ٢٦٩ حدثنا عفان حدثنا همام قال أنا

стр. 58

قتادة أن أنساً « ... خذ اليهودي فجيء به فاعترف» فهل في هذا عنعنة يا كوثري؟ (١) . (أقول) أما الانفراد فليس بمانع من الاحتجاج عند / أهل السنة، بل بإجماع الصحابة والتابعين، بل الأدلة في ذلك أوضح، ولم يشترط التعدد إلا بعض أهل البدع، نعم قد يتوقف في بعض الأفراد لقيام قرائن تشعر بالغلط، والمرجع في ذلك إلى أئمة الحديث، وليس قرينة، وأئمة الحديث قد صححوا هذا الحديث كما علمت. وأما قوله «في عهد هرمه» فقد تقدم أنه لم يهرم، وليس هناك دليل على أنه لم يحدث بهذا الحديث إلا بعد كبره، فالجزم بذلك مجازفة. قوله «كانفراده برواية شرب أبوال الإبل في رواية قتادة» . (أقول) في (فتح الباري) « ... وروى ابن المنذر عن ابن عباس مرفوعاً: الإبل شفاء للذربة بطونهم» والحديث في (الصحيحين) وغيرهما عن قتادة مصرحاً في بعض طرقه بالسماع من أنس.، بل ثبت في (الصحيحين) وغيرهما من رواية أبي قلابة مصرحاً في بعض طرقه بالسماع من أنس، وثبت في (صحيح مسلم) من رواية عبد العزيز بن صهيب وحميد بن أنس. وفي (تفسير ابن جرير) ٦ / ١١٩ - ١٢٠ بسند صحيح عن سعيد بن جبير ذكر القصة بسياق أخر وفيها «فاشربوا أبو الها وألبانها» . وما في (الكفاية) صفحة ٧٤ حاصله أن الخطيب عقد باباً لما استثبت فيه الراوي غيره وميزه، فذكر في / جملة الأمثلة عن حميد عن أنس «فشربتم من ألبانها قال حميد وقال قتادة عن أنس: وأبوالها» فمقصود الخطيب أن حميداً لم يحفظ الحديث (وأبوالها) وإنما أخذه من قتادة، فهذا حجة على أن حميداً

стр. 59

ليس في محفوظه عن أنس (وأبوالها) وليس فيه ما يدل أن قتادة تفرد بها، وقد ثبت من رواية أبي قلابة وعبد العزيز ابن صهيب، ثم فرض تفرد قتادة أحفظهم. قول الكوثري: «وبحكاية معاقبة العرنيين» . أقول: كان اجتماع أنس بالحجاج لما كان الحجاج بالبصرة وذلك سنة ٧٥ هـ قبل وفاة أنس ببضع عشرة سنة وليس في الحديث ما يصلح أن يكون شبهة للحجاج على ظلمه، ولو كان فيه ذلك فلم يكن الحجاج يحتاج في ظلمه إلى شبهة، ومع هذا فلأنس عذر، وهو أنه قد كان حدث بالحديث قبل ذلك، فلعله لما سأله الحجاج خشي أن يكون قد بلغ الحجاج تحديثه به، فإذا كتمه عند سؤاله إياه اتخذ الحجاج ذلك ذريعة إلى إيذاء أنس، ثم أقول إن كان مقصود الكوثري أن تحديث أنس للحجاج بتلك القصة يدل على اختلال ضبط أنس، فلا يخفي بطلان هذا وإن كان مقصوده أن ذلك موجب لفسق أنس فليصرح به. قوله «قلة الضبط الناشيءة عنه من الأمية أو كبر السن» . أقول: أما الأمية فليست مما يوجب قلة الضبط، وإنما غايتها أن يكون في رواية صاحبها كثير من الرواية بالمعنى، وليس ذلك بقادح، ومع ذلك فلم يكن أنس أمياً، ولا يخشى في حديث الرضخ، ولا حديث العرنيين رواية أنس بالمعنى، أما عدم الأمية ففي (الإصابة) «قال محمد بن عبد الله الأنصاري حدثنا ابن عون عن موسى بن أنس أن أبا بكر لما استخلف بعث إلى أنس ليوجهه إلى البحرين على السعاية، فدخل عليه عمر فاستشاره فقال: ابعثه فإنه لبيب كاتب. وأما الرواية بالمعنى فإنما تخشى في الأحاديث القولية، والحديثان فعليان. قوله «فيرجح ... » . أقول: الترجيح إنما يكون عند قيام المعارض، ولم يعارض حديثي أنس - ولا سيما حديث الرضخ - شيء يعتد به، وليس مما يوهن أن يكون بحيث لو عارضه ما هو أرجح منه لقدم الراجح، فإن هذا الوهن إنما يحصل عند / وجود المعارض

стр. 60

الأقوى، فإذا لم يكن هناك معارض في أقوى لم يكن هناك وهن. وهذا وسيأتي بسط الكلام على حديث الرضخ في الفقهيات من (التنكيل) وتأتي ترجمة أنس في قسم التراجم هناك، (١) والله الموفق. ٢- أبو عوانة الوضاح. قال الكوثري ص ٩٢: « ... وما رواه في ست سنوات في آخر عمره، لا يعتد به لاختلاطه» . أقول: فتشت المظان فلم أر أحداً زعم أن أبا عوانة اختلط، وكأن الكوثري تشبت بما في (تاريخ بغداد) ١٣: ٤٦٥ « ... محمد بن غالب حدثنا أبو سلمة قال: قال لي أبو هشام المخزومي: من لم يكتب عن أبي عوانة قبل سنة سبعين ومائة فإنه لم يسمع منه» ثم عقب ذلك بذكر وفاة أبي عوانة سنة ١٧٥، أو سنة ١٧٦، وحمل الكوثري قوله «فلم يسمع منه» على المجاز، أي فلم يسمع منه سماعاً يعتد به، ثم تخرص أن ذلك لأجل اختلاطه. ويدفع هذا أن مثل أبي عوانة في إمامته وجلالته وكثرة حديثه وكثرة الآخذين عنه لو اختلط لاشتهر بذلك وانتشر، فكيف لو دام ذلك سنوات؟ وقد اعتنى الأئمة بجمع أسماء الذين اختلطوا، فلم يذكروا أبا عوانة، واعتنى المؤلفون في الضعفاء بذكر الذين اختلطوا، فلم يذكروا أبا عوانة، ومن ذكره منهم لم يذكر أنه اختلط، وإنما ذكر أنه كان إذا حدث من حفظه يغلط، ومع ذلك فهذه الرواية لا وجود لها في (تهذيب التهذيب) مع حرصه على ذكر كل ما فيه مدح أو قدح، وظهر من ذلك أنها ليست في أصوله، والذي يظهر أنهم حملوها على أن المقصود بها بيان تاريخ الوفاة (٢) لأن الخطيب عقبها بما هو صريح في ذلك، فإما أن يكونوا أعرضوا عنها لشذوذها وإجمالها وإما أن يكون وقع في نسخة التاريخ المطبوع سقط والأصل قبل سنة ست وسبعين فرأوا أن مع إجمالها محتملة للوجهين المصرح بهما، فإن كان ولا بد فقد يكون المراد بها معنى ما روى عن الإمام أحمد أن أبا عوانة كان في آخر عمره يقرأ من كتب الناس، يعني

стр. 61

اعتماداً على حفظه مع قول أحمد «إذا حدث أبو عوانة من كتابه فهو أثبت، وإذا حدث من غير كتابه ربما وهم» فيكون أبو هشام بالغ في قوله «فلم يسمع منه» فأما الاختلاط فلا وجه له البتة. ٣- محمد بن علي بن الحسين بن شقيق، في (تاريخ بغداد) ١٣: ٤١٤ من طريق «أحمد بن الحسين البلخي يقول: سمعت محمد بن علي بن الحسين بن شقيق يقول سمعت أبي يقول سمعت عبد الله بن المبارك يقول: لَحَديث واحد من حديث الزهري أحب إلي من جميع كلام أبي حنيفة» . فذكر الكوثري ص ١٥١ أثراً قبل هذا، ثم قال «وفي سند الخبر الذي بعده محمد ابن شفيق (كذا) وليس بذاك، ومتن الخبر لحديث واحد ... » . فمحمد بن علي بن الحسين بن شقيق وثقة النسائي وغيره وقال الحاكم «كان محدث مرو» ولم يغمزه أحد، فأما أبوه فمن جلة أصحاب ابن المبارك احتج به الشيخان في (الصحيحين) وبقية الستة. ٤- حسين بن حريث أبو عمار المرزوي. قال الكوثري ص ٨٣ «كثير الأغراب» . أقول: لم أجد للكوثري سلفاً في هذا، والحسين بن حريث من شيوخ الشيخين في (الصحيحين) ، وأبي داود والترمذي والنسائي في كتبهم، ووثقه النسائي وغيره ولم يغمزه أحد. ٥- علي بن محمد بن مهران السواق. قال الكوثري ص ١٥٦: «من ضعفاء شيوخ الدارقطني» كذا قال الرجل روى عنه الدارقطني ووثقه الخطيب ولم يغمزه أحد (١) وتأتي ترجمته في (التنكيل) . ٦- جعفر بن محمد بن شاكر. قال الكوثري ص ١٠٩: «بلغ تسعين سنة واختل ضبطه» .

стр. 62

أقول العمر فذكروا أن جعفر قارب التسعين، وأما اختلال الضبط فمن مجازفات الكوثري، قال الخطيب (٧: ١٧٦) : «كان عابداً زاهداً ثقة صادقاً متقناً ضابطاً» وأسند عن ابن المنادي «كان ذا فضل وعبادة وزهد، انتفع به خلق كثير الحديث» وعنه أيضاً «كان من الصالحين، أكثر الناس عنه لثقته وصلاحه، بلغ تسعين سنة غير يسير» . وبلوغ التسعين لا يستلزم اختلال الضبط كما مر في ترجمة أنس، ويتأكد ذلك في هؤلاء المتأخرين، لأن اعتمادهم على أصول مثبتة منقحة محفوظة، لا على الحفظ، والله الموفق. فهذه ثمانية من فروع مغالطات الكوثري ومجازفاته؛ وبقي بعض أمثلتها، وسترى ذلك في (التنكيل) . وكذلك بقيت فروع أخرى ستراها في (التنكيل) إن شاء الله تعالى، منها أنه قد يكون في الرجل كلام يسير لا يضر، فيزعمه الكوثري جرحاً ترد به الرواية، كما قال في الحسن بن علي الحلواني، والحسن بن أبي بكر، وعثمان بن أحمد بن السماك ومحمد بن عباس بن حيويه. ومنها أن الكوثري قد يحكي كلاماً في الرجل مع أنه لا يضره بالنسبة إلى الموضع الذي يتكلم عليه، كأن يروي الخطيب عن رجل كلاماً قاله برأيه، فيحكي الكوثري في ذلك الرجل كلاماً حاصله أنه لم يكن جيد الحفظ، كما قال في إبراهيم بن محمد أبي إسحاق الفزاري ويوسف بن أسباط وسفيان بن وكيع وقيس بن الربيع ومؤمل بن إسماعيل ومحمد بن ميمون أبي حمزة ومحمد بن جعفر بن الهيثم. ومنها أن الخطيب كثيراً ما ينقل الروايات عن بعض المصنفات المشهورة، ولكنه على عادة أقرانه لا يصرح بالنقل، بل يرويها بسنده الذي سمع به ذاك الكتاب، فيتكلف الكوثري الكلام في بعض من بين الخطيب وبين / مؤلف الكتاب، مع أن هذا لا يقدح في الرواية، إذ معظم الاعتماد في مثل هذا على صحة النسخة ككلامه في عبد الله بن جعفر ابن درستويه، والحسن بن الحسين بن دوما، ومحمد بن أحمد رزق، وأحمد بن كامل.

стр. 63

ومنها: أن الكوثري يعمد إلى كلام قد ردّه الأئمة فيتجاهل الكوثري ردهم ويحتج بذلك الكلام، ككلامه في علي بن عبد الله بن المديني، وبشر بن السرَي، وأحمد بن صالح، ومحمد بن بشار، وإسماعيل بن إبراهيم أبي معمر الهذلي، وأبي مسهر عبد الأعلى ابن مسهر، وعبد الله بن محمد بن أبي الأسود، ومحمد بن عبد الله بن عمار. ومنها: أنه يعمد إلى ما يعلم أنه لا يعد جرحاً البتة فيعتد به ويهول، مثل كلامه في عبد الله بن الزبير الحميدي، والحسن بن أبي بكر بن شاذان، ورجاء بن السندي. ومنها: أنه يتهم بعض الحفاظ الثقات بتهم لا أصل لها، كما قاله في الحميدي وأحمد بن علي الأبار، إلى غير ذلك. وسترى إلى شاء الله تعالى هذا كله وغيره في (التنكيل) . وحسبي الله ونعم الوكيل، وصلى الله وسلم على خاتم أنبيائه محمد وآله وصحبه.

стр. 64

الكوثري وتعليقاته بقلم علاّمة الشام الأستاذ الشيخ محمد بهجة البيطار مقال نشرته مجلة الرابطة العربية التي تصدر بمصر بعددي ١٠٦ و١٠٧ المؤرخين ١ و٨ جمادى الأولى ١٣٥٧- ٢٩ حزيران (يونية) و ٦ تموز (يوليو) ١٩٣٨ وجاء محرفاً وساقطاً عنه عدة سطور، فلزم طبعه.

стр. 65

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ إن تعجب فعجب لرجل أعجمي يدعي الغيرة على الإسلام والدفاع عن عقائده وعن فقه المسلمين، ثم تراه لا- يألو جهداً في نفي ما أثبت الله لنفسه في كتابه، وعلى لسان نبيه خاتم أنبيائه ورسله، ﷺ ، من آيات صفائه، ونعوت جلاله، ﵎، ويطعن في أئمة الحديث، ونوابغ العلماء وأشهر مشاهير الأمة، من دون ورع ولا حياء، ولا يبالي أن يكتب العقائد من عند نفسه، وأن يملي التاريخ من حقده، فينحل أهل السنة عقائد المُعتزلة، ويثنى عليهم بها، ويشوه تراجم الرجال ومحاسنهم، ويقلب الحقائق رأساً على عقب. هذا هو الشيخ زاهد الكوثري الجركسي الذي كان سمح له الأستاذ السيد حسام الدين القدسي أن يصحح بعض مطبوعاته، وأن يعلق عليها تعليقات لا يخرج بها عن دائرة الحقيقة، ولا يفتات فيها على أحد بشيء. ولما وقف على هذا النزر الذتي علقه رأى فيه من ضروب الخيانات والجنايات ما تقف له الشعور، وتقشعر منه الجلود، ويسئل من مثله العافية، فاضطر الحسام الفاضل إلى إيقافه عن التصحيح والتعليق، وأعلن في مقدمة كتاب "الانتقاء" (١) خيانته على رؤوس الأشهاد، وجنايته على الدين وأهله، بما لم يسبق إلى مثله، وذكر أمثلة منها، تراجع في تلك المقدمة. وأشار إلى تعيين تعليقاته كلها ليكون القراء على بينة

стр. 66

من أمرها. وإليك أيها القارىء الكريم أمثلة مما ذكرناه لتشهد بصحة قولنا فيه، ولتعلم مبلغ هذا الرجل من الدين والحقيقة والإنصاف. (٣) هذا وقدكان الشيخ محمد زاهد الكوثري يصحح الكتاب ويعلق عليه ثم أوقفت ذلك في الصفحة ٨٨ لما اطلعت عليه من دخلة في علمه وعمله دفعتني إلى النظر في تعليقاته على النزر من مطبوعاتي بغير العين التى كانت لاتأخذ منه إلاعالما مخلصا فرأيته في بعضها باحثا بمادة واسعة وتوجيه لم يحبق اله وهو شطر السبب في اعجابي به بما تأتى اليه من عدم النفاذ إلى أغراضه وفي بعضها يحاول الارتجال في التاريخ تعصبا واجتراء والباقي تعليق ككل تعليق وكلام ككل كلام. وخيفة أن أشاركه في الإثم إذا أنا سكت عن جهله بعد علمه سقت هذه الكلمة الموجزة معلناً براءتي مما كان من هذا القبيل. وأنا ضارب له مثلا ليقاس عليه فانه قال في " ذيول الطبقات ص ٣٠٠ " عن الكلوناتي " شهدوا له بأنه أكثر معاصريه سماعا ملأ البلاد المصرية رواية" ويقول الأستاذ المحقق السيد أحمد رافع الطهطاوي "وهذه الشهادة إنما نقلت عن الأمير تغري برمش وفيها مجازفة فكم من كتاب وجزء ومعجم ومشيخة قرأه أوسمعه الحافظ ابن حجر لعل الكلوناتى ما رآه ". وقال الكوثري أيضاً في الذيول ص ١٣٧ وهو يدافع عن مغلطاي في أمور إن لم يكن ثابتاً أكثرها فبعضها لا تتماسك في دفعه حجة "وليس هذا الكلام مما يحط من مقدار من تكون إمامته وعلو شأنه كما أشرنا إليه كما لم يحط من مقدار ابن الجزري كلام من تكلم فيه" مع أنه قال في ترجمة ابن الجزري ص ٣٧٧ "لما طلب منه الأمير الكبير ايتمس رفع حساب أوقافه التي كان جعلها تحت نظره أيام قضائه بالشام هرب إلى الروم ولم يكن في قضائه محمود السيرة كما ذكر السخاوي وغيره" وسكت. فلعله كان مبطلا في النفاح عن مغلطاي والوقيعة في الإمام ابن الجزري فتناقض

стр. 67

(٤) وهو يشد من عصبيته في الأكثر لكل من يحسب أن يتصل بدم جركسي سواء أكان حنفيا أم غير حنفي فيخلق لهم من المحاسن والدفاع ما لا يكون على تصديقه التاريخ ويعلن بمساوئ غيرهم ولو قيلت للنيل منهم والوقيعة فيهم. ولو أن ابن تيمية أو السيوطي أو غيرهما كان في محل مغلطاي فيما قيل عنه لاستجمع ضروب القول ليثبت انتقاصه ولو قالوا عن أحدهم ما قاله عن الكلوناتي "شهدوا له" لسعى لنقده. ولابد لي هنا من التصريح بما هو له مما لم يعز إليه في موطنه وإن كانت القرائن تنادي بأنه من قلمه ليس غير: مقدمة الاختلاف في اللفظ ومقدمة وتعليقات بيان زغل العلم وترجمة السبكي في الدرة المضية وما يؤخذ به الخطيب البغدادي في ترجمته من التطفيل. ولا أعرض له الآن كما عرض لهم و (إنما يتذكر أولو الألباب) وهو زاهد بن حسن بن علي بن خضوع بن باى بن قانبت بن قنصو الجركسي الكوثري نسبة لقرية الكواثرة بضفة نهر شبز ببلاد القوقاز المولود عام ١٢٩٦ على ما يقول. حسام الدين المقدسي

стр. 68

قلبه للحقائق رأساً على عقب قال الإمام أبو القاسم بن عساكر حافظ الشام في كتاب "تبيين كذب المفترى" فيما نسب إلى الإمام أبي الحسن الأشعري (ص ٢٧) وقذفوه (أي الإمام الأشعري) بمثل ما قذفت به اليهودُ عبدَ الله بن سلام، وأباه سلاماً. ونقل في (ص ٤٠) عن أبي بكر القيرواني أن أبا الحسن لما رجع عن مذهب الاعتزال صار عند المعتزلة ككتابيّ أسلم، وأظهر عوار ما تركه، فهو أعدى الخلق إلى أهل الذمة، وكذلك الأشعري أعدى الخلق إلى المعتزلة، فهم يشنعون عليه الأشانيع، وينسبون إليه الأباطيل. وعلق عليه الكوثري فقال في تعليل ما قذفت به اليهود ابن سلام وأباه، حيث قال اليهود: هو شرنا وابن شرنا، وتنقصوه حين علموا أنه أسلم، بعد أن كانوا يقولون فيه: هو خيرنا وابن خيرنا، وأفضلنا وابن أفضلنا، وهم قوم بهت أهل غدر وكذب وفجور، على ما جاء في صحيح البخاري وغيره. (قال الكوثري) : وقد ورث منهم أفراخهم المشبهة الوقيعة في إمام السنة ببهتان يختلقونه هداهم الله تعالى. انتهى. فانظر أيها المطلع البصير إلى هذه الوقيعة الشنيعة في أئمة التوحيد والفقه والحديث، وكيف يجعلهم الكوثري أفراخ اليهود، ويرميهم بالتشبيه وباختلاق البهتان، وهم لم يزيدوا على أن أثبتوا لله تعالى ما أثبته هو لنفسه، من غير تشبيه، ولا تمثيل، ولا تأويل، ولاتعطيل. وهذا هو مذهب الإمام الأشعري الأخير الذي صار إليه، ودان الله به، وعزم أن يلقاه عليه.

стр. 69

وفي "التبيين " (ص ٤٠) أنه- ﵀ (١) - "صعد على منبر الجامع بالبصرة بعد صلاة الجمعة ومعه شريط شده في وسطه، وقال: اشهدوا عليّ أني كنت على غير دين الإسلام، وإني قد أسلمت الساعة، وأني تائب مما كنت فيه من القول بالإعتزال. فعلى مذهب هذا الأعجمي الشركسي صار الإمام أبو الحسن الأشعري فرخاً لليهود مجسماً، وقد كان على مذهب الأعتزال المعطل مسلماً!! ولذلك تراه يحمل مثالب المعتزلة على أهل السنة والجماعة مثبتي النصوص، وشمميهم: مشبهة، وأفراخ اليهود. وحاشاهم، وهو في كلامه أو سهامه التي يوجهها إليهم، يطعن في إمام الأشاعرة لرجوعه إلى المذهب الحق، وإيثاره نصوص الكتاب والسنة، واتباعه هدى سلف هذه الأمة، ويحاول أن ينقض بتعليقاته كتاب الإمام ابن عساكر الذي انتصر فيه للإمام أبي الحسن ومذهب السلف ودين الحق، إما عن جهل، أو سوء نية وقصد "والله عليم بذات الصدور" (٢) . ولكن الإمام الأشعري صرح أنه كان في اعتزاله على غير الإسلام، وأنه أسلم منذ الساعة التي دخل فيها في مذهب السلف. فليختر الكوثري إما الدخول معه في الإسلام أو قبول ما كان عليه من قبل!!

стр. 70

الكوثري وتبين كذب المفترى (مخالفته لأهل السنة في إثبات الصفات) أرأيت هذا العنوان الذي هو إسم كتاب الحافظ ابن اعساكر -رحمه الله تعالى- إنه ينطبق على الكوثري فيما علق عليه، فهو أشد الناس عداوة لمذهب أئمة السلف في الأسماء والصفات، وهذا الكتاب ألف في الأشعري بعد رجوعه إلى مذهبهم. فدعوى الكوثري فيه كدعوى آل حرب في زياد، وتعليقاته عليه مفسدة لأصله مناقضة له، وقد عد في "التبيين" الكتب التي ألفها الإمام أبو الحسن وذكر أسماءها، وروى عن الأشعري- ﵀ أنه قال: وألفنا كتاباً كبيراً في الصفات- وهو أكبر كتبه- سميناه كتاب "الجوابات في الصفات عن مسائل أهل الزيغ والشبهات". نقضنا فيه كتاباً ألفناه قديماً على تصحيح مذهب المعتزلة، لم يؤلف لهم كتاب مثله، ثم أبان الله سبحانه لنا الحق فرجعنا عنه فنقضناه، وأوضحنا أبطلانه. فهلا رجع الكوثري عن مسائل أهل الزيغ والشبهات إلى مذهب الحق كما رجع الإمام؟ أم يريد أن يستمر في هذا التخبط بديجور الأكاذيب والأوهام. واليك شذرة من عقيدة الإمام الأشعري التي أفصح عنها في أول كتاب "الأبانة" (١) ليظهر لك من هو الأحق بالأنتساب إلى هذا الإمام. قال رحمه الله تعالى. باب في إبانة أهل الحق والسنة فإن قال لنا قائل: قد أنكرتم قول المعتزلة، والقدرية، والجهمية، والحرورية، والرافضة، والمرجئة، فعرفونا قولكم الذي به تقولون، وديانتكم التي بها تدينون.

стр. 71

قيل له: قولنا الذي نقول به، وديانتنا التي ندين بها، التمسكَ بكتابِ ربنا ، وبسنة نبينا ﵊. وما روى عن الصحابة والتابعن وأئمة الحديث، ونحن بذلك معتصمون، وبما كان يقول به أبو عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل- نضر الله وجهه ورفع درجته وأجزل مثوبته- قائلون، ولما خالف قوله مخالفون، لأنه الإمام الفاضل، والرئيس الكامل، الذي أبان الله به الحق، ورفع به الضلال، وأوضح به المنهاج، وقمع به بدع المبتدعين، وزيغ الزائغين، وشك الشاكين، فرحمة الله عليه من إمام مقدم، وجليل معظم مفخم. وجملة قولنا: إنا نقر بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، وبما جاؤوا به من عند الله، وما رواه الثقات عن رسول الله ﷺ لا نردا من ذلك شيئاً. (ثم قال) : وإن الله مستو على عرشه كما قال (الرحمن على العرش استوى) . وأن له وجهاً كما قال (ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام) وأن له يدين بلا كيف كما قال: (خلقت بيدي) وكما قال: (بل يداه مبسوطتان) وأن له عينين بلا كيف كما قال: (تجري بأعيننا) . ثم عقد الإمام الأشعري في كتابها "الإبانة" أبواباً وفصولاً في إثبات الصفات الإلهية صفة صفة، ونصر العقائد السنية عقيدة عقيدة، ورد شبه أهل الزيغ والضلال المحرفين شبهة شبهة. فكتابه هذا- ﵀ هو مجموعة عقائد وحقائق لأهل السنة. ودحض أباطيل لأهل البدع والأهواء، ولكنه- ﵁ أقام الحجج القاهرة على أنه يدين الله تعالى بما يدل عليه كتابه وسنة رسوله ﷺ ، وأن مذهبه هو مذهب الصحابة والتابعين وأئمة الحديث، وهو مذهب إمام السنة أحمد بن حنبل- نضر الله وجهه-. وترى من أبواب هذا الكتاب "الإبانة" "باب ذكر الاستواء على العرش" و "باب الكلام في الوجه والعينين والبصر واليدين". ولكن الكوثري- عامله الله بما يستحق- لا يقيم لشيء من هذا وزناً، ولا يرفع به رأسأ، بل يعده ضرباً من الضلال والخبال، وإن كان في كتاب الله المتعال، وفي كلام

стр. 72

النبي المبين، لما نزل من عند الله، وإن كان مذهب الصحابة والتابعين وأهل الحديث وأئمة الرواية، وحتى وإن كان مذهب أبي الحسن الأشعري الذي يزعم الانتصار له، بل وإن كان مذهب الإمام أبي حنيفة النعمان الذي يدعي الانتماء إليه، وهو يرد عليه سفهاً. فقد قال الإمام أبو حنيفة- ﵁ في كتابه "الفقه الأكبر" المطبوع مع كتاب "الإبانة" (ص ١٦) : "من قال لا أعرف الله أفي السماء أم في الأرض؟ فقد كفر، قال الله تعالى: (الرحمن على العرش استوى) فإن قال: أقول بهذه الآية ولكن لا أدري أين العرش، في السماء، أم في الأرض؟ فقد كفر أيضاً. وقال في كتاب الوصية (ص ١٠) : "ونقر بأن الله على العرش استوى. وقال في "الفقه الأكبر" أيضاً (ص ١٤) : وله يد ووجه ونفس كما ذكره الله تعالى في القرآن، فما ذكره الله تعالى في القرآن من ذكر الوجه واليد والنفس، فهو له صفات بلا كيف، ولا يقال: إن يده قدرته أو نعمته، لأن فيه إبطال الصفة. اهـ. أترى الكوثري بعد هذا كله أشعرياً، أو حنفياً؟ أم تراه جهمياً أو معتزلياً؟ ثم تراه في ظلمات حواشيه يزعم أن كتاب "الإبانة" ليس مما ألفه الإمام في أواخر حياته، ويدعي أن طبعتها محرفة، وهو يريد بهذا التخريف إبطال الثقة بكتاب "الإبانة" وبالمذهب الحق الذي صار إليه الإمام، ورده إلى مذهب الاعتزال. وماذا بعد الحق إلا الضلال. وقد أذكرنا بهذا التعصب الذميم بما حكاه في رسالة الذب عن الأشعري الحافظ أبو محمد بن علي البغدادي أنه شاهد نسخة من "الإبانة" بخطه مقروءة مصححة (قال) : ونسخت منها نسخة وقابلتها عليها بعد أن كنت كتبت نسخة أخرى مما وجدته في كتاب الإمام نصر المقدسي. "ولقد عرضها بعض أصحابنا على عظيم من عظماء الجهمية المنتمين افتراء إلى أبي

стр. 73

الحسن الأشعري- بيت المقدس- فانكرها وجحدها. وقال: ما سمعنا بها قط، ولا هي من تصنيفه، واجتهد آخراً في إعمال رويته، ليزيل الشبهة بفطنته، فقال بعد تحريك لحيته: لعله ألفها لما كان حشوياً!! فما دريت من أي أمر به أعجب أمن جهله بالكتاب مع شهرته، وكثرة من ذكره في التصانيف من العلماء، أو من جهله بحال شيخه الذي يفتري عليه بانتمائه إليه. واشتهاره قبل توبته بالاعتزال بين الأمة عالمها وجاهلها. اهـ فما أشبه الكوثري المحرف لآيات الكتاب المجيد، بهذا الجاهل العنيد، وهو مقلد له ولأمثاله في تلقيب مثبتي النصوص: بالحشوية، وهم الصحابة والتابعون وأئمة السلف والصالحون "كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلَّا كَذِبًا" " تِلْكَ آَيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللَّهِ وَآَيَاتِهِ يُؤْمِنُونَ" "وَيْلٌ لِكُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ. يَسْمَعُ آَيَاتِ اللَّهِ تُتْلَى عَلَيْهِ ثُمَّ يُصِرُّ مُسْتَكْبِرًا كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ". خيانته في النقل وجرأته على الله إن مما يقضي بالعجب تلاعب الكوثري في النقل وتناقضه فيه. وجرأته على الله ، وطعنه في أهل القرون الثلاثة المفضلة، وهم الصحابة والتابعون وأتباعهم باحسان فيما اجمعوا عليه. وجعل عقيدتهم التي هي نصوص القرآن القطعية من شواذ شيخ الإسلام ابن تيمية. وإليك البيان: أورد الحافظ ابن حجر (ج ١٣) من شرحه للبخاري أقوال القرون الثلاثة ومن تبعهم بإحسان في قوله تعالى: (وكان عرشه على الماء) ثم نقل حافظ المشرق ابن حجر عن حافظ المغرب ابن عبد البر قوله "أهل السنة مجمعون على الإقرار بهذه الصفات الواردة في الكتاب والسنة ولم يكيفوا شيئاً منها. وأما الجهمية والمعتزلة والخوارج فقالوا: من أقر بها فهو مشبه. فسماهم من أقر بها معطلة" اهـ وترى الحافظ الذهبي في كتاب "إثبات العلو لله تعالى" (١) ينقل ما يؤيد ذلك عن

стр. 74

جميع أصناف العلماء. ومثله الإمام ابن القيم في "اجتماع الجيوش الإسلامية" بما يجزم المؤمن معه أن إثبات الصفات عقيدة السلف قاطبة. ويجيىء في الزمن الأخير الكوثري المتعصب عليهم جميعا. الجريء على الحق بالهوى. فيطعن في عقيدتهم وعقيدة نابغة الإسلام، وعلم الأعلام، الإمام تقي الدين أحمد ابن تيمية، الذي جدد لنا في كتبه عهد السلف بسلامة إيمانهم وقوة برهانهم، والجمع بين صريح العقل وصحيح النقل جمعاً مطابقاً لنصوص اللغة، وحقائق الدين وهدي القرون الثلاثة المفضلة، ويعيب عليه في حواشية على "التبين" (ص ٣٩٣) وفي "إشفاقه" (ص ٧٤) ما قاله في نقض أساس التقديس للرازي (١) عند الكلام في الاستواء: "ولو شاء لاستقر على ظهر بعوضة فاستقلت به بقدرته، فكيف على عرش عظيم؟ ". وهو ينتزع هذه الجملة من كلامه انتزاعاً ويحذف منها ليشوه وجه الحقيقة مع أن المراد منها ظاهر، وهو أن العرش وحملته محمولون بقدرته، وأصلها في الكواكب

стр. 75

(المجلد ٢٥) لولا ذلك- أي قدرته وإرادته- ما استقل به العرش ولا الحملة، ولا السماوات والأرض ومن فيهن، ولو قد شاء لاستقر، على ظهر بعوضة، فاستقلت به بقدرته، ولطف ربوبيته، فكيف على عرش عظيم أكبر من السماوات السبع والأرضين السبع ... الخ. وقد حذف الكوثري قول شيخ الإسلام (ولطف ربوبيته) ليخفي المراد، وهو أن القدرة الإلهية قائمة بجميع المخلوقات مستقلة بها من العرش الذي هو أكبر مخلوق، إلى صغار الذر والبعوض، وهو تعالى بائن منها، مستغن عنها، عال عليها جميعاً. وإنما أراد الكوثري أن يشنع بضرب البعوضة مثلاً!! أو لا يذكر الكوثري أن الله تعالى ضربها مثلاً، فقال سبحانه: "إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا فَأَمَّا الَّذِينَ آَمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ ... " الآية؟ ولما عاب الكفار ذكر النحل والنمل والذباب والعنكبوت في القرآن، ذكرهم تعالى في هذه الآية إن البعوضة فما فوقها من عجائب خلق الله، وأنها مشتملة على حكمة بالغة "وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ" وفي قوله تعالى: "فَأَمَّا الَّذِينَ آَمَنُوا" الآية. «وفي هذا» ثناء عظيم على المؤمنين واعتداد بعلمهم أنه الحق، ونعى على الكافرين إغفالهم حظهم وعنادهم ورميهم بالكلمة الحمقاء كما قال الزمخشري في "كشافه": فيا ليت شعري من أي الفريقين هذا المعترض حتى يعيب مثلاً مضروباً في القرآن؟ وأصغر مخلوق لله هو خلق معجز للبشر عن أن يأتوا بمثله، كما أن أقصر سورة من القرآن هي وحي معجز لهم أن يأتوا بمثله (١) اهـ.
следующие страницы →