← Улюм аль-хадис

Улюм аль-хадис · id 12767

التنكيل بما في تأنيب الكوثري من الأباطيل - ط المكتب الإسلامي

عبد الرحمن المعلمي اليماني

Полный текст (924 стр.). Показаны 701–740 · переход к 706.

стр. 701

ذلك (١) . فهذا هو الذي وقع من أبي شافع بدليل قول الكشي «وكان ثقة في الحديث» . والله المستعان. ٢٤٩- المفضل بن غسان الغلابي . في (تاريخ بغداد) ١٣ / ٤٢٠ عنه قال «أبو حنيفة ضعيف» قال الأستاذ ص ١٦٩: «من المنحرفين عن أهل الكوفة مثل عمرو ابن علي الفلاس البصري وإبراهيم بن يعقوب الجوزجاني الناصبي وحالهم يغني عن التعرض للأسانيد، على أن الجرح غير المفسر لا يؤثر في أي راو فضلا عمن ثبتت إمامته، وتواترت أمانته» . أقول: تقدمت ترجمة الجوزجاني وترجمة عمرو بن علي وبينا أن الجوزجاني شديد على الشيعة ولم تبلغ شدته بحمد الله أن يخرج عن الحد، إنما يقول في الشيعي «زائغ» أو «رديء المذهب» أو نحو ذلك، وأبو حنيفة لم يشتهر بالتشيع، وعمرو بن علي والغلابي لا أعرفهما بانحراف، نعم هؤلاء كلهم مخالفون لأبي حنيفة في المذهب، والمخالفة لا تقتضي اطراح جرح المخالف البتة وقد قبل الناس من يحيى بن معين وغيره من الأئمة جرحهم لكثير من الرواة المخالفين لهم في المذهب، والجرح غير المفسر هو الخطأ، فمتى تبين أو ترجح أنه خطأ لم يؤخذ به، والإمامة في الفقه لا تستلزم الثقة في الحديث، ولا يضر الحنفية أن يثبت أن أبا حنيفة ممن لا تقوم الحجة بما ينفرد بروايته، ولا تكاد توجد لهم مسألة يمكن أن يستدلوا عليها بشيء تفرد أبو حنيفة بروايته إلا وهم يستدلون عليها بأشياء أخرى، وقد استدل بعضهم على الشافعي بحديث أبي حنيفة عن عاصم في المرتدة، فلما رد عليه ذلك لم يكابر بل قال: «إني إنما ذهبت في ترك قتل النساء إلى القياس ... » كما تقدم في ترجمة الشافعي. وكما أن الإنصاف يقضي أن لا يتخذ ما ثبت عن

стр. 702

الأئمة كسفيان الثوري وغيره من قولهم في أبي حنيفة ما يقتضي أنها لا تقوم الحجة [بما ينفرد بروايته، ذريعة إلى الطعن في فقهه جملة وفي مذهبه، فكذلك يقضي أن لا يتخذ] (*) ما يستدل به على فقهه جملة ذريعة إلى رد كلام أئمة الفن في روايته (١) . وأقتصر هنا على هذا القدر. وأسأل الله تعالى التوفيق. ٢٥٠- منصور بن أبي مزاحم . في (تاريخ بغداد) ١٣ / ٤٠٠ من طريقين عنه أنه سمع مالك بن أنس يقول في أبي حنيفة «كاد الدين ... » قال الأستاذ ص ١١٦: «ليس منصور بن أبي مزاحم التركي البطل المغوار من رجال هذا الميدان» . أقول: ذكروا أن هذا التركي كان كاتبا في الديوان، ثم ترك ذلك وتجرد للحديث، وهو عندهم ثقة، قال أبو زرعة عن ابن معين: «تركي ثبت» وقال أبو حاتم: «صدوق» وذكر أنه سأل ابن معين عنه فأثنى عليه وقال: «كتبت عنه» وقال الدارقطني: «ثقة» وأخرج له مسلم في (صحيحه) وأبو داود والنسائي وخطأه أحمد في حديث، ولا يضره ذلك. وقد غلبت الأستاذ هنا نزعته الجنسية فلم يقل في هذا التركي إلا أنه ليس من رجال الميدان ولا أدري ما عنى بذلك؟ وفي مقابل ذلك خلع عليه لقب «البطل المغوار» جزافاً وإنما كان كاتبا ثم صار محدثاً. ٢٥١- موسى بن إسماعيل أبو سلمة التبوذكي . في (تاريخ بغداد) ١٣ / ٣٩٣ من طريقة «حدثنا أبو عوانة قال سمعت أبا حنيفة ... » قال الأستاذ: «رواية تلك الطامات عن حماد بن سلمة» . أقول: يعني ما رواه من أحاديث الصفات وقد تقدم النظر في ذلك في ترجمة حماد بن سلمة وتلك الأحاديث ما بين حق قد وكل الله به قوما يؤمنون به وبين حق محمول على معنى يليق به، فإن كان في شيء خطأ فلا شأن لأبي سلمة به وهو مجمع على ثقته والاحتجاج به.

стр. 703

٢٥٢- موسى بن المساور أبو الهيثم الضبي . تقدمت روايته في ترجمة عبد الرحمن بن عمر. قال الأستاذ ص ١٣٦: «من رجال (الحلية) مجهول الحال ولم أر من وثقه» . أقول: قال أبو الشيخ في (طبقات الأصبهانيين) : «روى عن سفيان بن عيينة وعبيد الله ابن معاذ ووكيع والناس وكان خيراً فاضلاً ترك ما ورثه من أبيه لأخوته ولم يأخذ منه شيئاً لأن أباه كان يتولى للسلطان ... » (ونحو ذلك في (تاريخ أصبهان) لأبي نعيم. وبذا يثبت أن الرجل عدل صدوق ويبقى النظر في ضبطه، وسكوت هذين الحافظين وغيرهما من حفاظ أصبهان وغيرهم عن الكلام في روايته يدل أنه لم يكن به بأس. ٢٥٣- مؤمل بن إسماعيل . تقدمت روايته في ترجمة عامر بن إسماعيل. قال الأستاذ ص ٣٨: «يقول فيه البخاري: إنه منكر الحديث. ويقول أبو زرعة: «في حديثه خطأ كثير» . أقول: وثقه إسحاق بن راهويه ويحيى بن معين، ووثقه أيضاً ابن سعد والدارقطني ووصفاه بكثرة الخطأ، ولخص محمد بن نصر المروزي حاله فقال: «إذا انفرد بحديث وجب أن يتوقف فيه ويتثبت، لأنه كان سيئ الحفظ كثير الغلط» . فحده أن لا يحتج به إلا فيما توبع فيه، وفيما ليس من مظان الخطأ. ٢٥٤- مؤمل بن إهاب . راجع (الطليعة) ص ٦٨. وحاصل ذلك أن الأستاذ قال في (التأنيب) ص ٦٥: «ضعفه ابن معين على ما حكاه الخطيب» فبينت أن الخطيب إنما حكى عن ابن الجنيد قال: «سئل يحيى بن معين وأنا أسمع عن مؤمل بن إهاب فكأنه ضعفه» وقد وثقه جماعة فقال الأستاذ في (الترحيب) ص ٤٥: «فقول القائل - كأنه ضعفه - لا يفرق كثيراً من قوله: ضعفه لكون الحكم على الأحاديث بالصحة والضعف، وعلى الرجال بالثقة والضعف، في أخبار الآحاد مبنيا على ما يبدو للناظر، لا على ما في نفس الأمر، فظهر أن ذلك

стр. 704

عبارة عن غلبة الظن فيما لا يقين فيه، وسبق أن نقلنا عن أحمد في الرمادي: كأنه يغير الألفاظ - وقد بني الذم الشديد باعتبار أن ظن الناظر ملزم» . أقول: ابن الجنيد هنا راو لا ناظر وباب الرواية اليقين، فإن كان قد يكفي الظن فذاك الظن الجازم وآيته أن يجزم الراوي الثقة. فأما قوله: «أظن» مثلا، فإنه يصدق بظن ما وقد قال الله تعالى: «إن بعض الظن إثم» فما بالك بقوله: «فكأنه ضعفه» وأصل كلمة «كأن» للتشبيه، والتشبيه يستلزم كون المشبه غير المشبه به. فأما معناها الثاني فعبر عنه في مغنى اللبيب بقوله: «الشك والظن» فدل ذلك على أنها دون «أظنه» . وفي ترجمة الحسن بن موسى الأشيب من (مقدمة الفتح) مثل هذه الكلمة «كأنه ضعيف» فدفعها الحافظ ابن حجر بقوله: «هذا ظن لا تقوم به حجة» . هذا وتردد ابن الجنيد يحتمل وجهين أظهرهما: أن يكون جرى من ابن معين عندما سئل عن مؤمل ما يشعر بأنه لم يعجبه مؤمل. ولا ندري ما الذي جرى منه وما قدر دلالته؟ على أنهم مما يقولون: «ضعفه فلان» مع أن الواقع من فلان تليين يسير كما تقدمت الإشارة إليه في القاعدة السادسة من قسم القواعد، فما بالك بقوله: «فكأنه ضعفه» ؟ وإنما ينقل أهل العلم أمثال هذه الكلمة لاحتمال أن يوجد تضعيف صريح فيكون مما يعتضد به. فأما هنا فلا يوجد إلا التوثيق، نعم الثقات يتفاوتون في درجات التثبيت ويظهر أن مؤملاً لم يكن في أعالي الدرجات ففي الرواة من هو أثبت منه، وإنما يظهر أمر ذلك عند التحالف والتعارض عند الأولين. فأما كلمة الإمام أحمد في إبراهيم بن بشار الرمادي فقد تقدم لفظها في ترجمة إبراهيم فراجعها يتبين لك أن أحمد كان جازماً بأن إبراهيم كان يملي علي الناس على خلاف ما سمعوا، وأنه إنما لامه وذمه على ذلك، وإنما قال: «كأنه يغير الألفاظ» لأحد أمرين: الأول: أن يكون أحمد جوز أن تكون العبارة التي ساقها إبراهيم هي

стр. 705

عبارة ابن عيينة نفسه قبل ذلك المجلس وأن تكون عبارة إبراهيم نفسه بأن غير ألفاظ ابن عيينة وعبر عن المعنى، وكانت نفس أحمد مائلة إلى هذا الاحتمال الثاني: «كأنه يغير الألفاظ» أي من عنده. الأمر الثاني: أن يكون أحمد قد علم جملة حين سمع في ذاك المجلس عبارة سفيان ثم عبارة إبراهيم اختلاف العبارتين، ولم يحقق حينئذ وجه الاختلاف، ثم لما اخبر بذلك مال إلى أن الوجه هو تغيير الألفاظ، وعلى كلا الأمرين فأحمد محقق لاختلاف العبارتين جازم به، وعلى ذلك بنى اللوم والذم، لا على مجرد احتمال أن إبراهيم يغير الألفاظ، فإن قيل: اختلاف العبارتين مستلزم لتغيير الألفاظ؟ قلت: إن صح هذا استعمل أحمد «كأن» في التحقيق بدليل ما قبلها، وذلك خلاف المعنى المتبادر منها، وليس في نقل الجنيد ما يوجب صرفها عن أصل معناها الذي تقدم بيانه. وإذا اشتبه الأمر في المنقول عن إمام، وجب الرجوع إلى المنقول عن غيره، وقد ذكرت في (الطليعة) توثيق الأئمة لمؤمل، وبذلك يرجح رجحاناً ظاهراً أن ابن معين لم يضعفه. والله المستعان. ٢٥٥- مهنأ بن يحيى . في (تاريخ بغداد) ١٣ / ٤١١ من طريق «عبد الله بن أحمد بن حنبل حدثنا مهنأ بن يحيى قال: سمعت أحمد بن حنبل يقول ... » قال الأستاذ ص ١٤٣: «قال أبو الفتح الأزدي ... : منكر الحديث، وتابعه الخطيب» . أقول: الأزدي نفسه متكلم فيه حتى رمي بالوضع، وقد رد ابن حجر في مواضع من (مقدمة الفتح) جرحه وبين أنه لا يعتد به، (١) وقول الكوثري: «وتابعه الخطيب» باطل فقد روى ابن الآبنوسي عن الخطيب: «كل من ذكرت فيه أقاويل الناس من جرح أو تعديل فالتعويل على ما أخرت» كما في (تذكرة الحفاظ) ج ٣ ص ٣١٥، وههنا بدأ الخطيب في ترجمة منها بحكاية قول الأزدي

стр. 706

ثم أتبعا برواية السلمي عن الدارقطني: «ثقة نبيل» ، ثم ذكر مكانة مهنأ عند أحمد وثناء أصحابه عليه، فعلم بذلك أن التعويل عنده على التوثيق. وبهذا يعلم ما في عبارة ابن الجوزي في (المنتظم) ج ٨ ص ٣٦٨ في تجنياته على الخطيب: «ذكر مهنأ بن يحيى وكان من كبار أصحاب أحمد وذكر عن الدارقطني أنه قال: مهنأ ثقة نبيل، وحكى بعد (!) ذلك عن أبي الفتح الأزدي ... وهو يعلم أن الأزدي مطعون فيه عند الكل ... فلا يستحي الخطيب أن يقابل قول الدارقطني في مهنأ بقول هذا ثم لا يتكلم عليه؟ هذا ينبئ عن عصيبة وقلة دين» . أقول: عفا الله عنك يا أبا الفرج، ما أرى الباعث لك على التجني على الخطيب إلا ما قدمته في ترجمته، وعليك في كلامك هذا مؤاخذات: الأولى: أن الموجود في (تاريخ الخطيب) تعقيب كلمة الأزدي بحكاية السلمي عن الدارقطني كما مر. الثانية: أن هذا مع ذكر مكانة مهنأ عند أحمد وثناء أصحابه عليه في قوة الرد على كلمة الأزدي كما مر. الثالثة: أنك إذ ذكرت ما قيل في الأزدي كان ينبغي أن تذكر ما قيل في السلمي حاكي التوثيق عن الدارقطني وقد ذكر ترجمته في (المنتظم) ج ٨ ص ٦ وفيها قول محمد ابن يوسف القطان: «كان أبو عبد الرحمن غير ثقة ولم يكن سمع من الأصم شيئا يسيرا فلما مات الحاكم أبو عبد الله ابن البيع حدث عن الأصم بـ «تاريخ يحيى بن معين» وبأشياء كثيرة سواها، وكان يضع للصوفية الأحاديث» . ولم تتعقب هذا ولا ذكرت ما يخالفه. الرابعة: أن الأزدي ذكر متمسكه، فلا يسوغ رد قوله إلا ببيان سقوط حجته. الخامسة: أنك بعد التسامح بما تقدم لم يكن ينبغي لك «أن» تقول: «عصبية وقلة دين» محاذرة على الأقل أن يشاحك مشاح فيرد ذلك عليك. أما متمسك الأزدي فهو أن مهنأ روى عن زيد بن أبي الزرقاء عن سفيان الثوري عن علي بن زيد بن جدعان عن سعيد بن المسيب عن جابر حديثا في

стр. 707

الجمعة، ولا يعلم رواه أحد غيره عن زيد بن أبي الزرقاء، ولا عن غيره عن سفيان الثوري؛ فلا يعرف عن الثوري إلا بهذا الإسناد. وإنما يعرف من رواية عبد الله بن محمد العدوي التميمي رواه عن علي بن زيد، والعدوي طعنوا فيه، وقال وكيع: «يضع الحديث» وحكى ابن عبد البر عن جماعة أهل العلم بالحديث أنهم يقولون: إن هذا الحديث من وضعه؟ كذا في ترجمة العدوي من (التهذيب) وفي ترجمة مهنأ من (اللسان) عن ابن عبد البر: «لهذا الحديث طرق ليس فيها ما يقوم به حجة إلا أن مجموعها يدل على بطلان قول من حمل على العدوي أو على مهنأ بن يحيى» فلو كان ابن الجوزي نظر في هذا الحديث وحقق لكان أولى به مما صنع، وعلى كل حال فغاية ما في الباب أن يكون مهنأ أخطأ في سند هذا الحديث، فكان ماذا؟ ! وقد ذكره ابن حبان في (الثقات) وقال: «كان من خيار الناس في حديث أحمد بن حنبل وبشر الحافي مستقيم الحديث» . ويكفيه مكانته عند أحمد وثناء أصحابه عليه. والله أعلم. ٢٥٦- نصر بن محمد البغدادي . في (تاريخ بغداد) ١٣ / ٤١٩ من طريق أبي الميمون عبد الرحمن بن عبد الله البجلي: «سمعت نصر بن محمد البغدادي يقول سمعت يحيى ابن معين يقول: كان محمد بن الحسن كذابا وكان جهميا، وكان أبو حنيفة جهميا ولم يكن كذابا» . قال الأستاذ ص ١٦٤: «كانا والله بريئان (؟) من الكذاب والتجهم، وقد احتج الشافعي إمام الخطيب بمحمد بن الحسن. ووثقه علي ابن المديني أيضا كما جزم بذلك ابن الجوزي في (المنتظم) وابن حجر في (تعجيل المنفعة) مع أن ابن المديني أقرب من ابن معين إلى النيل من أصحاب أبي حنيفة، والدارقطني على تعصبه البالغ يقول في (غرائب مالك) ... وابن معين من أبرأ الناس من أن يكذب عليهما وهو الذي يقول: إني سمعت (الجامع الصغير) من محمد بن الحسن، وليس هو ممن يتفقه على الكذابين في نظره ... نعم لو كان ... أو كل من ينزه الله سبحانه عن مشابهة المخلوق وعن حلول الحوادث فيه، أو حلوله في الحوادث

стр. 708

جهميا كما هو مصطلح الحشوية، لكان كذابا وجهميا كل من يفهم ما يقول وينزه الله سبحانه عن لوازم الجسيمة ... فلا يكون الخبر إلا مكذوبا على ابن معين ولو رواه ألف شخص من أمثال نصر بن محمد البغدادي. ومن الغريب أنه إذا روى ألف راو عن ابن معين أن الشافعي ليس بثقة مثلاً تعد هذه الرواية عنه كاذبة بخلاف ما إذا كانت الرواية عنه في أبي حنيفة أو أحد أصحابه ... نعم سبق أن كذب أبو يوسف محمداً في مسائل عزاها إليه، ولما بلغ الخبر محمدا قال: كلا ولكن الشيخ نسي. ثم تبين أن قول محمد هو الصواب ... قاتل الله التعصب ما أفضحه لصاحبه» . أقول: لا توجد في (تاريخ بغداد) ولا غيره ترجمة باسم «نصر بن محمد البغدادي» وإعراض الأستاذ عن أن يشير إلى هذا فيقول «مجهول» أو نحوه إلى الطريق التي سلكها بدل أنه قد عرف أن لفظ «نصر» تحريف وأن الصواب «مضر» ولمضر بن محمد البغدادي ترجمة في (تاريخ بغداد) ج ١٣ ص ٢٦١ وفيها أنه يروي عن يحيى بن معين وأحمد بن حنبل وغيرهما، وأن الدارقطني قال فيه: «ثقة» . فأما الشافعي فلا نعلمه احتج بشيء ينفرد به محمد بن الحسن حتى أن يقال: إنه احتج به، ومع ذلك فلو وثق الشافعي محمدا لما دل ذلك على بطلان النقل عن ابن معين فقد كان الشافعي يوثق إبراهيم بن أبي يحيى الذي كذبه الجمهور، ثم استقر الاتفاق على قولهم. وأما توثيق ابن المديني فإنما ذلك حكاية حكاها ابنه عبد الله عنه أنه قال: «صدوق» وقد طعن الأستاذ في رواية عبد الله بن علي بن المديني عن أبيه مطلقا كما تقدم في ترجمته، واستهان بقولهم «صدوق» وكذب من قيلت فيه كما تقدم في ترجمة علي بن جرير البار ودي. وأما زعم الأستاذ أن أبن المديني أقرب من ابن معين إلى النيل من أصحاب أبي حنيفة ففيه نظر غذ قد يكون ثناؤه أمام مسايرته للجهمية

стр. 709

الحنفية كما تقدم في ترجمته، وقد يستدل على ذلك أن نيل ابن ثابت وابن المديني أقرب إلى ذلك كما قال الأستاذ فكيف ثبت عنه خلافه؟ والتحقيق أنه لا منافاة والاختلاف في مثل هذا كثير. وأما كلمة الدارقطني فقد مر البحث فيها في ترجمته، ثم الكلام في ذلك كالكلام في كلمة ابن المديني، وأما ما ذكره الأستاذ أن ابن معين قال: «سمعت (الجامع الصغير) من محمد بن الحسن» فلا منافاة بل قد يكون سماعه (للجامع) في مبتدأ أمره ثم تبين له ما تبين وفي ترجمة محمد بن كثير القرشي من (التهذيب) : «قال رأيت حديث الشيخ مستقيما» . وقد ذكر الأستاذ تكذيب أبي يوسف لمحمد، والظاهر أنه كان فبل ذلك عنده حسن الحال ثم طرأ ما اقتضى أن يكذبه، ومع هذا كله فلم ينفرد هذا الرجل بما رواه عن ابن معين فقد قال العقيلي «حدثنا أحمد بن محمد بن صدقة قال: سمعت العباس الدوري يقول: سمعت يحيى بن معين يقول: جهمي كذاب «هكذا في ترجمة محمد بن الحسن من (لسان الميزان) (١) وروى محمد بن سعيد العوفي عن ابن معين أنه رمى محمدا بالكذب وقد تقدمت ترجمة العوفي، وفيها ابن أبي مريم عن ابن معين في محمد بن الحسن «ليس بسيئ، ولا يكتب حديثه» . وقال المفضل الغلابي ومعاوية بن صالح عن ابن معين «حسن اللؤلؤي ومحمد بن الحسن ضعيفان» ولم يأت عن ابن معين ما يخالف نقل هؤلاء الجماعة، فأما قضية (الجامع الصغير) فقد مر ما فيها. وأمنا قضية التجهم فقد اعترف الأستاذ باصطلاح أهل السنة سماهم «الحشوية» وهو وجميع أهل العلم يعلمون أن يحيى بن معين كان من أهل ذاك الاصطلاح، واعترف الأستاذ بأن أبا حنيفة ومحمد بن الحسن جهميان بذاك المعنى،

стр. 710

وبذلك ثبتت رواية مضر بن محمد البغدادي، أما ما فيها من نسبة الجهمية فباعتراف الأستاذ، وأما ما فيها من التكذيب فبالحجة الواضحة، فبقي قوله: «فلا يكون الخبر إلا مكذوبا على ابن معين ولو رواه ألف شخص من أمثال نصر بن محمد البغدادي» ! من باب قول العامة «عنز ولو طارت» . وقوله: «ومن الغريب أنه لو روى ألف راو ... » تقدم النظر فيه في ترجمة الشافعي فليراجعها القارئ وليوازن بينها وبين رواية مضر ليتبين له أن الكوثري لا ينتفع بأن يساوي الذرة بالجبل، بل يحاول أن يجعل ذرة في عظم جبل ويجعل جبلاً في ذرة! ولعل الأستاذ يضج من قضية نصر ومضر. فأقول: هو ن عليك يا أستاذ وخذ اعترافي أو شهادتي بأن نصراً غير مضر، فهل ينفعك ذلك شيئاً؟ هذا كله مناقشة للأستاذ في تكذيبه الرواة عن ابن معين، وما تشبت به في ذلك. فأما محمد بن الحسن فهو أجل وأفضل مما يتراءى هنا، ولتحقيق ذلك موضع آخر. ٢٥٧- النضر بن محمد المروزي . في (تاريخ بغداد) ١٣ / ٤٠١ من طريق عبد الرحيم بن منيب «حدثنا النضر بن محمد قال: كنا نختلف إلى أبي حنيفة وشامي معنا، فلما أراد الخروج جاء ليودعه فقال: يا شامي، تحمل هذا الكلام إلى الشام؟ فقال: نعم، قال: تحمل سراً» . قال الأستاذ ص ١١٨: «ضعفه البخاري في (كتابه الصغير) لكن وثقه النسائي، وهو من فقهاء أصحاب أبي حنيفة ومن المكثرين عنه، فبالنظر إلى حاله يريد بقوله هذا على تقدير ثبوته عنه التنكيت على أهل الشام» . أقول: إنما قال البخاري: «فيه ضعف» ، وكذا قال الساجي، وقال الحاكم أبو أحمد: «ليس بالقوي» ، وقال النسائي والدارقطني: «ثقة» ، وذكره ابن حبان في (الثقات) ، وقال ابن سعد: «كان مقدما في العلم والفقه والعقل والفضل، وكان صديقاً لابن المبارك، وكان من أصحاب أبي حنيفة» ، وهذا يقتضي أنه لم يكن

стр. 711

يتابع أبا حنيفة في كل شيء، فهم مقبول. وليس هو المخاطب للشامي كما قد يوهمه كلام الأستاذ، وإنما المخاطب للشامي بما ذكر أبو حنيفة نفسه كما صريح الرواية، واحتمال أن يكون أبو حنيفة إنما أراد التنكيت لا يخفى حاله. ٢٥٨- نعيم بن حماد . ذكر الأستاذ ص ٤٩ عن (الأسماء والصفات) للبيهقي رواية من طريقة: «سمعت نوح بن أبي مريم أبا عصمة يقول: كنا عند أبي حنيفة أول ما ظهر جهم وجاءته امرأة من ترمذ كانت تجالس جهماً ... » وفي (تاريخ بغداد) ١٣ / ٣٩٦ من طريقة. «قال سفيان: ما وضع في الإسلام من الشر ما وضع أبو حنيفة إلا فلان - لرجل صلب» . قال الأستاذ ص ٤٩: «معروف باختلاق مثالب ضد أبي حنيفة، وكلام أهل الجرح فيه واسع الذيل، وذكره غير واحد من كبار علماء أصول الدين في عداد المجسمة بل القائلين باللحم والدم. وقال الأستاذ ص ١٠٧: «له ثلاثة عشر كتاباً في الرد على من يسميهم: الجهمية، ودعا إليها العجلي فاعرض عنها ... ولا شك أنه كان وضاع مثالب كما يقول أبو الفتح الأزدي وأبو بشر الدولابي وغيرهما، وكم أتعب أهل النقد بمناكيره، ويوجد من روى عنه من الأجلة رغبة في علو السند، ولا يرفع ذلك من شأنه إن لم يضع من شأن الراوي، ومن حاول الدفاع عنه يتسع عليه الخرق» . أقول: نعيم من أخيار الأمة وأعلام الأئمة وشهداء السنة ما كفى الجهمية الحنفية أن اضطهدوه في حياته إذ حاولوا إكراهه على أن يعترف بخلق القرآن فأبى فخلدوه في السجن مثقلاً بالحديد حتى مات، فجر بحديده فألقي في حفرة ولم يكفن ولم يصل عليه - صلت عليه الملائكة - حتى تتبعوه بعد موته بالتضليل والتكذيب على أنه لم يجرؤ منهم على تكذيبه أحد قبل الأستاذ، إلا أن أحدهم وهو الدولابي ركب لذلك مطية الكذب فقال: «وقال غيره ... » . أما عقيدته أئمة السنة المخلدة في كتاب الله ، وأما الذين كان يسميهم «الجهمية» فكان أئمة المسلمين في زمانه وقبله وبعده يسمونهم هذا الاسم،

стр. 712

وأما إعراض العجلي عن كتبه فلم يعرض عنها مخالفة لنعيم ولا رغبة عن الأخذ عنه وهو ممن وثق نعيماً كما يأتي، وإنما كان العجلي مستغرقاً في الحديث فلم يحب أن يتشاغل بالنظر في أقوال المبتدعة والرد عليها إشفاقاً على نفسه من أن يعلق به بعض أو ضارها. وأما كلام أئمة الجرح والتعديل فيه بين موثق له مطلقا، ومثن عليه ملين، لما ينفرد به مما هو مظنة الخطأ، بحجة أنه كان لكثرة ما سمع من الحديث ربما يشبه عليه فيخطئ» وقد روى عنه البخاري في (صحيحه) وروى له بقية الستة بواسطة إلا النسائي (١) لا رغبة في علو السند كما يزعم الأستاذ فقد أدركوا كثيراً من أقرانه وممن هو أكبر منه، ولكن علماً بصدقه وأمانته، وأن ما نسب إلى الوهم فيه ليس بكثير في كثرة ما روى. فأما الدولابي فهو محمد بن أحمد بن حماد له ترجمة في (الميزان) و (اللسان) قال ابن يونس: «من أهل الصنعة حسن التضعيف وكان يضعف» وقال الدارقطني: «تكلموا فيه لما تبين من أمره الأخير» وذكر ابن عدي قول الدولابي في معبد الجهني الذي روى أبو حنيفة عن منصور بن زازان عن الحسن عنه، أنه معبد بن هو ذة الذي ذكره البخاري في (تاريخه) . قال ابن عدي: «هذا الذي قاله غير صحيح، وذلك أن معبد بن هو ذة أنصاري فكيف يكون جهنيا؟ «ومعبد الجهني معروف ليس بصحابي، وما حمل الدولابي على ذلك إلا ميله لمذهبه» . وقال ابن عدي أيضاً: «ابن حماد متهم فيما قاله في نعيم بن حماد لصلابته في أهل الرأي» . وفي ترجمة نعيم من (مقدمة الفتح) بعد الإشارة إلى حكاية الدولابي «وتعقب ذلك ابن عدي بأن الدولابي كان متعصباً عليه لأنه كان شديداً على أهل الرأي. وهذا هو

стр. 713

الصواب» وقال في (التهذيب) : «حاشى الدولابي أن يتهم، وإنما الشأن في شيخه الذي نقل ذلك عنه فإنه مجهول متهم» . أقول: لا أرى الدولابي يبرأ من عهدة ذاك النقل المريب فإن ابن عدي قال كما في (التهذيب) : «قال لنا ابن حماد - يعني الدولابي - نعيم يروي عن ابن المبارك قال النسائي: ضعيف، وقال غيره: كان يضع الحديث في تقوية السنة وحكايات في ثلب حنيفة كلها كذب. قال ابن عدي وابن حماد متهم ... » فلا يحتمل أن يكون الدولابي سمع تلك الكلمة ممن يعتد بقوله وإلا لصرح به وصرخ به صراخاً. فإن كان سمعها ممن لا يعتد به فلم يكن له أن يحكيها على هذا الوجه بل كان عليه أن يعرض عنها لعدم الاعتداد بقائلها، أو على الأقل أن يصرح باسمه. وإن كان يسمعها من أحد وإنما اختلق ذلك فأمره أسوأ، وإن كان كنى بقوله: «غيره» عن نفسه كأنه أراد «وقلت أنا» فالأمر في هذا أخف، وقد عرف تعصب الدولابي على نعيم، فلا يقبل قوله فيه بلا حجة مع شذوذه عن أئمة الحديث الذين لا يكاد هو يذكر معهم. وأما أبو الفتح محمد بن الحسين الأزدي فهو نفسه على يدي عدل! وترجمته في (تاريخ بغداد) و (الميزان) و (اللسان) تبين ذلك، مع أنه إنما نقل كلام الدولابي وإن لم يصرح باسمه، والدليل على ذلك توافق العبارتين، أما عبارة الدولابي فقد مرت، وأما عبارة الأزدي فقال: «قالوا كان يضع الحديث في تقوية السنة وحكايات مزورة قي صلب أبي حنيفة كلها كذب» . أما كلام الأئمة فقال الإمام أحمد: «لقد كان من الثقات» وقال العجلي:: «ثقة» ، وقال أبو حاتم مع تشدده: «صدوق» وروى عنه البخاري في (صحيحه) كما مر وأخرج له بقية الستة إلا النسائي، وصح عن ابن معين من أوجه أنه قال: «ثقة» وروى عنه، وجاء عنه أنه مع ثنائه عليه لينه في الرواية، وأتم ذلك رواية علي بن حسين بن حبان وفيها عن ابن معين «نعيم بن حماد صدوق ثقة رجل صالح،

стр. 714

أنا أعرف الناس به، كان رفيقي بالبصرة ... إلا أنه كان يتوهم الشيء فيخطئ فيه، وأما هو فكان من أهل الصدق» . وقال الحافظ أبو علي النيسابوري: سمعت النسائي يذكر فضل نعيم بن حماد وتقدمه في العلم والمعرفة والسنن، ثم قيل له في قبول حديثه؟ فقال: قد كثر تفرده عن الأئمة المعروفين بأحاديث كثيرة فصار في حد من لا يحتج به» . وهذا يدل أن ما روي عن النسائي أنه قال مرة: «ليس بثقة» إنما أراد بها أنه ليس في أن يحتج به، وهب أن النسائي شدد فكلام الأكثر أرجح ولا سيما ابن معين، لكمال معرفته ولكونه رافق نعيماً وجالسه انتقدت عليه ثم قال: «وعامة ما أنكر عليه هو الذي ذكرته وأرجو أن يكون باقي حديثه مستقيماً» . وقال ابن حجر في (التهذيب) : «أما نعيم فقد ثبتت عدالته وصدقه ولكن في حديثه أو هام معروفة وقد قال فيه الدارقطني: إمام في السنة كثرة الوهم. وقال أبو أحمد الحاكم: ربما يخالف في بعض حديثه. وقد مضى أن ابن عدي تتبع ما وهم فيه، فهذا فصل القول فيه» . وإنما أوقع نعيماً فيما وقع فيه من الأوهام أنه سمع فأكثر جداً من الثقات ومن الضعفاء، قال أحمد بن ثابت أبو يحيى «سمعت أحمد ويحيى بن معين يقولان: نعيم معروف بالطلب» ثم ذمه بأنه يروي عن غير الثقات. وفي (الميزان) عن ابن معين يقولان: نعيم معروف بالطلب» ثم ذمه بأنه يروي عن غير الثقات. وفي (الميزان) عن ابن معين: «نعيم بن حماد ... كتب عن روح بن عبادة خمسين ألف حديث» . هذا ما سمعه من رجل واحد ليس هو بأشهر شيوخه فما ظنك بمجموع ما عنده على شيوخه؟ وقال صالح بن محمد «كان نعيم يحدث من حفظه وعنده مناكير كثيرة لا يتابع عليها» فلكثرة حديث نعيم عن الثقات وعن الضعفاء واعتماده على حفظه كان ربما اشتبه عليه ما سمعه من بعض الضعفاء بما سمع من بعض الثقات فيظن أنه سمع الأول بسند الثاني فيرويه كذلك. ولو لم يخطئ وروى كما سمع أتبين أنه إن كان هناك نكارة فالحمل فيها على من فوقه. وقد تقدم أن ابن عدي تتبع ما انتقد على نعيم، وذكر الذهبي في (الميزان)

стр. 715

ثمانية أحاديث وكأنها أشد ما انتقد على نعيم، وما عداها فالأمر فيه قريب، ولا بأس أن أسوقها هنا وأنظر فيها على مقدار فهمي. وأسأل الله التوفيق. الحديث الأول: أخرجه الحاكم في (المستدرك) ج ٤ ص ٤٣٠ « ... نعيم بن حماد ثنا عيسى بن يونس عن حرير بن عثمان عن عبد الرحمن بن جبير بن نفير عن أبيه عن عوف بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «ستفترق أمتي على بضع وسبعين فرقة أعظمها فرقة قوم يقيسون الأمور برأيهم، فيحرمون الحلال، ويحللون الحرام» قال الحاكم: «هذا حديث صحيح على شرط الشيخين» . أقول: هذا الحديث أشد ما أنكر على نعيم. أنكره ابن معين ووثق نعيما وقال: «شُبِّه له» وقال دحيم: «هذا حديث صفوان بن عمرو، حديث معاوية» يعني أن إسناده مقلوب، لهذا الحديث شواهد مرفوعة وموقوفة في (المستدرك) ج ١ ص ١٢٨ و (سنن الدارمي) ج ١ ص ٦٥ وغيرهما (١) . وقد تابع نعيماً على روايته عن عيسى بن يونس جماعة منهم ثلاثة أقوياء سويد بن سعيد الحدثاني، وعبد الله بن جعفر الرقي، والحكم بن المبارك الخواستي، وسويد من رجال مسلم إلا أنه كان في آخر عمره يقبل التلقين لكن في ترجمته ما يدل أنه كان إذا نبه على خطئه رجع، وقد روجع في هذا الحديث فثبت على أنه سمعه من عيسى بن يونس. والرقي موثق إلا أنه نسب إلى الاختلاط بأخرة، لكن ذكر ابن حبان أن اختلاطه لم يكن فاحشاً، وراوي هذا الحديث عنه ثقة وهو الذي أخبر بأنه اختلط، فقد يقال لو علم أنه اختلط اختلاطاً شديداً وكان إنما سمع منه هذا الحديث عند

стр. 716

اختلاطه، لكن الظاهر أن لا يرويه عنه إلا مقرونا ببيان أنه إنما سمع منه هذا الحديث عند اختلاطه، لكن الظاهر أن لا يرويه عنه إلا مقرونا ببيان أنه إنما سمعه منه بعد الاختلاط. والخواستي وثقه ابن حبان وابن منده وابن السمعاني، وقال ابن عدي في ترجمة سويد «يقال أنه لا بأس به» لكنه عده عند هذا الحديث في ترجمة أحمد بن عبد الرحمن بن وهب فيمن سرق هذا الحديث من نعيم. وذكر الذهبي في (الميزان) متابعة هؤلاء الثلاثة لنعيم ثم قال: «قلت هؤلاء الأربعة لا يجوز في العادة أن يتفقوا على باطل، فإن كان خطأ، فمن عيسى بن يونس» . والله أعلم. (١) الحديث الثاني: قال ابن جرير في تفسير سورة «سبأ» : «حدثني زكريا بن أبان المصري قال: ثنا نعيم قال: ثنا الوليد بن مسلم عن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر عن ابن أبي زكريا عن رجاء بن حيوة عن النواس بن سمعان قال: قال رسول الله ﷺ : إذا أراد الله أن يوحي بالأمر أخذت السموات منه رجفة - أو قال: رعدة - شديدة خوف أمر الله، فإذا سمع بذلك أهل السموات صعقوا وخروا لله سجداً، فيكون أول من يرفع رأسه جبرائيل، فيكلمه الله من وحيه بما أراد ثم جبرائيل على الملائكة كلما مر بسماء سأله ملائكتها: ماذا قال ربنا يا جبرائيل؟ فيقول جبرائيل: قال الحق وهو العلي الكبير، قال: فيقولون كلهم مثل ما قال جبرائيل، فينتهي جبرائيل بالوحي حيث أمره الله» . سئل عنه دحيم فقال: لا أصل له. أقول: المتن غير منكر، وله شواهد، ففي (صحيح البخاري) من حديث أبي هريرة مرفوعاً «إذا قضى الله الأمر في السماء، ضربت الملائكة أجنحتها خضعاناً لقوله، كأنه سلسلة علة صفوان، فإذا فزع عن قلوبهم، قالوا: ماذا قال ربكم؟ قالوا الذي قال: قال: الحق وهو العلي الكبير ... » هكذا في تفسير سورة «سبأ» ، وأخرجه البخاري أيضاً في «التوحيد» وذكر معه «قال مسروق عن ابن مسعود: إذا تكلم الله بالوحي سمع أهل السموات شيئاً فإذا فزع عن قلوبهم وسكن الصوت عرفوا

стр. 717

أنه الحق من ربكم ونادوا: ماذا قال ربكم؟ قالوا الحق» وذكر ابن حجر في (الفتح) طرق حديث ابن مسعود وأنه جاء من عدة أوجه مرفوعاً وفي بعض طرق « ... فيصعقون فلا يزالون كذلك حتى يأتيهم جبريل، فإذا جاءهم جبريل فزع عن قلوبهم، قال ويقولون: يا جبريل ماذا قال ربكم؟ قال: فيقول الحق، قال: فينادون الحق الحق» وراجع تفسيره سورة «سبأ» من (تفسير ابن جرير) ، وراجع (الفتح) في تفسيره سورة (سبأ» وفي «التوحيد» فالنكارة في السند فقط، وقد يقال: نعيم مكثر جداً، وكان يتتبع هذا الضرب من الأحاديث، والوليد مكثر جداً تفرد بأحاديث كثيرة فيحتمل هذا الحديث لنعيم، فإن كان هناك خطأ فقد مر وجهه. والله اعلم. الحديث الثالث: في (تاريخ بغداد) ج ١٣ ص ٣١١ من طريق محمد بن إسماعيل الترمذي «حدثنا نعيم بن حماد حدثنا ابن وهب حدثنا عمرو بن الحارث عن سعيد بن إسماعيل الترمذي «حدثنا نعيم بن حماد حدثنا ابن وهب حدثنا عمرو بن الحارث عن سعيد بن أبي هلال عن مروان بن عثمان عن عمارة بن عامر عن أم الطفيل امرأة أنها سمعت النبي ﷺ يذكر أنه رأى ربه تعالى في المنام في أحسن صورة شاباً موفراً رجلاه في خف عليه نعلان من ذهب على وجهه فراش من ذهب» . أقول في (اللآلئ المصنوعة) ج ١ ص ١٦ بعد ذكر حديث نعيم هذا: «ولم ينفرد بهذا الحديث فقد رواه جماعة عن ابن وهب قال الطبراني: حدثنا روح بن الفرج حدثنا يحيى ابن بكير ح وحدثنا أحمد بن رشدين حدثنا يحيى بن سليمان الجعفي وأحمد بن صالح قالوا: حدثنا عبد الله بن وهب - فذكره بسنده ومتنه سواء» ثم ذكر حديث حماد بن سلمة بسنده إلى ابن عباس مرفوعاً: «رأيت ربي في صورة شاب له وفرة» وتصحيح أبي زرعه له وعدة متابعات وشواهد له. والطبراني وروح ابن الفرج ويحيى بن بكير من الثقات، وفي يحيى كلام يسير لا يضره، وهو من رجال (الصحيحين) . ويحيى بن سليمان وأحمد بن صالح ثقتان لكن الراوي عنهما أحمد ابن الحداد الفقيه أنه سمع النسائي يقول: «ومن مروان بن عثمان حتى يصدق على الله ؟!» وهذا يشعر بأن النسائي عرف ثبوت الحديث عن بن عثمان حتى يصدق على الله ؟!» وهذا يشعر بأن النسائي عرف ثبوت الحديث عن ابن وهب

стр. 718

بسنده فلم يحمل على نعيم ولا يحيى بن بكير وإنما ترقى إلى مروان بن عثمان ومروان ضعفه أبو حاتم، وقال ابن حبان في ترجمة عمارة بن عامر: «حدثنا منكراً، لم يسمع عمارة من أم الطفيل» فأعلمه بالانقطاع. وعلى كل حال فقد ظهرت براءة نعيم من عهدة هذا الحديث. الحديث الرابع: قال الترمذي في أواخر «كتاب الفتن» من _ جامعه) : «حدثنا إبراهيم بن يعقوب الجوزجاني حدثنا بن حماد الترمذي نعيم حماد حدثنا سفيان بن عيينة عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال ك إنكم في زمان من ترك منكم عشر ما أمكر به هلك، ثم يأتي زمان من عمل منكم بعشر ما أمر به نجا. قال أبو عيسى: هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث نعيم بن حماد بعشر ما أمر به نجا. قال أبو عيسى: هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث نعيم بن حماد عن سفيان بن عيينة، قال: وفي الباب عن أبي ذر وأبي سعيد» . أقول: حديث أبي ذر في (مسند أحمد) ج ٥ ص ١٥٥ و (التاريخ الكبير) للبخاري ج ١ قسم ٢ ص ٣٧١. فكأنه وقع لنعيم حديث أبي ذر أو أبي سعيد بسند، وحديث آخر عن سفيان بن عيينة بسنده فاشتبه عليه الحديثان، فظن أنه سمع ذاك سمع ذاك المتن بهذا السند. والله أعلم. الحديث الخامس والسادس: في (الميزان) : «ومنها حديثه عن ابن المبارك وعبدة عن عبيد الله عن نافع عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ كان يكبر في العيدين سبعاً في الأولى، وخمساً في الثانية، والمحفوظ أنه موقوف» وفيه «نعيم عن الدر أوردي عن سيهل عن أبيه عن أبي هريرة مرفوعا، قال: لا تقل أهر يق الماء ولكن قل أبول. والصواب أنه موقوف» . أقول: إن ثبت رجحان الوقف فيهما فالأمر هين ومثل هذا الخطأ لم يكد يسلم منه أحد كما ترى في كتب العلل. وقد اغتفر أكثر من ذلك لمن لا يساوي نعيما في كثرة الحديث ولا ينصفه.

стр. 719

الحديث السابع والثامن: في (الميزان) : «بقية عن ثور عن خالد بن معدان عن واثلة بن الأسقع مرفوعا: المتعبد بلا فقه كالحمار في الطاحونة. وبه قال: تغطية الرأس بالنهار فقه، وبالليل ريبة. لم يروهما عن بقية سواء» . أقول: بقية بن الوليد بحر لا ساحل له يأخذ عن كل من دب ودرج ويدلس فالتفرد عنه ليس بالمنكر ولا سيما لمثل نعيم. فهذه هي الأحاديث التي ذكرت في (الميزان) في ترجمة نعيم وقضية ذلك أنها أشد ما انتقد عليه، ومن تدبر ذلك وعلم كثرة حديث نعيم وشيوخه، وأنه كان يحدث من حفظه، وكان قد طالع كتب العلل جزم بأن نعيماً مظلوم، وأن حقه أن يحتج به ولو انفرد، إلا أنه يجب التوقف عما ينكر مما ينفرد به، فإن غيره من الثقات المتفق عليهم قد تفردوا وغلطوا، هذا التوقف عما ينكر مما ينفرد به، فإن غيره من الثقات المتفق عليهم قد تفردوا وغلطوا، هذا الوليد بن مسلم يقول أبو داود: «روى عن مالك عشرة أحاديث ليس لها أصل، منها أربعة عن نافع» ، ولذلك نظائر. أما الاحتجاج به فيما توبع عليه فواضح جداً، وكذلك ما يرويه من كلام مشايخه أنفسهم، إلا أنه قد يحتمل أن يروي بعض ذلك بالمعنى فيتفق أن يقع فيما رواه لفظ أبلغ مما سمعه وكلمة أشد، فإذا كان للفظ الذي حكاه متابعة أو شاهد اندفع هذا الاحتمال. والله أعلم. (١) ٢٥٩- الوضاح بن عبد الله أبو عوانة أحد الأئمة . راجع (الطليعة) ص ٤٣ و٤٦ و٥٣ و١٠٦ و١٠٨ والعبارة التي نقلتها ص ٥٧ عن (الثقات) وجدتها كذلك في نسخة أخرى من (الثقات) جيدة في المكتبة السعيدية بحيدر آباد، وما ذكرته في الموضع الأخير رأيت ما يتعلق به في ترجمة أبي عوانة من (تاريخ جرجان) لحمزة بن يوسف السهمي قال «سمعت أبا بكر الإسماعيلي

стр. 720

وعبد الله بن الحافظ يقولان: أبو عوانة اسمه الوضاح وهو من سبي جرجان سكن البصرة وهو مولى يزيد بن عطاء الواسطي مات سنة سبعين ومائة» . وتعقب الأستاذ في (الترحيب) ص ٤١ ما ذكرته في (الطليعة) ص ٥٣ - ٥٥ أن علي ابن عاصم إنما قال: «وضاح» لا «وضاع» فذكر الأستاذ أن قولي في دائرة الاحتمال، قال: «لكن قول علي بن عاصم في جرير بن عبد الحميد: ذاك الصبي - وفي شعبة: ذاك المسكين - يبعد احتمال ذكر اسم أبي عوانة على أن الغالب في اسمه: الوضاح - باللام، بل يكون علي ابن عاصم أسرف في رميه أبا عوانة بالوضع والكذب» . أقول: ليس في هذا ما يدفع الحق فقد ذكرت في (الطليعة) من القرائن ما هو أقوى من هذا بكثير، بل ليس لهذا قوة البتة، فإن من المعروف أن ذكر الرجل بكنيته إكرام له، وكان أبو عوانة مشهوراً بكنيته لا يكاد يذكر إلا بها فنص علي بن عاصم على اسمه تأكيداً لاحتقاره، رداً على مخاطبة الذي ذكره بلفظ «أبو عوانة» كأنه قال: «ليس بأهل أن يذكر بكنيته وإنما ينبغي أن يذكر اسمه» ولهذا الغرض نفسه قال: «ليس بأهل أن يذكر بكنيته وإنما ينبغي أن يذكر اسمه» ولهذا الغرض نفسه قال: «وضاح» بترك اللام، لأن في الإتيان باللام تفخيماً للاسم ينافي غرضه، ولم يتفق له مثل هذا في شعبة وجرير لأنهما معروفان باسميهما، ولا تدخل عليهما اللام فاعتاض عن ذلك بأن ترك التلفظ باسميهما، على أن في ترجمة أبي عوانة من (تاريخ البخاري) «وضاع» بدون لام، وأكثر ما يذكر أبو عوانة بكنيته، فالغلبة التي زعمها الأستاذ ليست بحيث يسوغ الاعتداد بها، ولا أرى الأمر إلا أو ضح من هذا، ولولا غلبة الهوى على الأستاذ الكوثري لما كابر، والذي أو قع مصحح (تهذيب التهذيب) في الغلط مع قرب الشكل أنه لم يكن ممارساً للفن، وترجمة أبي عوانة متأخرة عن ترجمة علي بن عاصم التي ذكرت فيها تلك العبارة، وذكر أبي عوانة فيما قبل ذلك يقع بكنيته، وقد عرف ذاك المصحح أن من ألفاظ المحدثين «وضاع» فمشى عليه الخطأ كما مشى عليه مثله وأبعد منه في مواضع كثيرة من الكتاب يعرفها الأستاذ وغيره.

стр. 721

٢٦٠- الوليد بن مسلم . في (تاريخ بغداد) ١٣ / ٤٠٠ من طريق آبى معمر «حدثنا الوليد بن مسلم قال: قال لي مالك بن انس: أيتكلم برأي أبي حنيفة عندكم؟ قلت: نعم، قال: ما ينبغي لبلدكم أن تسكن» ومن وجه آخر عن أبي معمر: «عن الوليد بن مسلم قال: قال لي مالك بن انس: أيذكر أبو حنيفة ببلدكم؟ قلت: نعم، قال: ما ينبغي لبلدكم أن تسكن» . قال الأستاذ ص ١١٤: «ينسبه ابن عدي إلى التدليس الفاحش» . أقول: قد علم الأستاذ أن التدليس ليس بجرح، وإنما يذكر صاحبه به ليعرف فلا يقضي على ما جاء عنه بالعنعنة أنه متصل ما لم يتبين ذلك من وجه آخر، وقد صرح الوليد هنا بالسماع غاية التصريح فلا مدخل للتدليس هنا البتة. ٢٦١- هشام بن عروة بن الزبير بن العوام . تقدم ما يتعلق به في الفصل الثالث أوائل الكتاب. وقال الأستاذ في حاشية ص ٩٨ من (التأنيب) : « ... على أن ما يؤخذ به هشام بعد رحيله إلى العراق أمور تتعلق بالضبط في التحقيق وإلا فمالك أخرج عنه في (الموطأ) » . أقول: في (تهذيب التهذيب) : «قال أبو الحسن بن القطان: تغير قبل موته، ولم نر له في ذلك سلفاً» . وقال الذهبي في (الميزان) : «هشام بن عروة أحد الأعلام، حجة، إمام، لكن في الكبر تناقص حفظه أو وهم ... ولما قدم العراق في آخر عمره حدث بجملة كثيرة من العلم في غضون ذلك يسيراً أحاديث لم يجودها، ومثل ذلك يقع لمالك ولشعبة ولوكيع ولكبار الثقات، فدع عنك الخبط، وذر خلط الأئمة الثقات بالضعفاء والمختلطين فهو شيخ الإسلام، ولكن أحسن الله عزاءنا فيك يا ابن القطان!» . أقول: أما النسيان فلا يلزم منه خلل في الضبط لأن غايته أنه كان أولاً يحفظ أحاديث فحدث بها ثم نسيها فلم يحدث بها.

стр. 722

وأما الوهم، فإذا كان يسيراً يقع مثله لمالك وشعبة وكبار الثقات فلا يستحق أن يسمى خللاً في الضبط، ولا ينبغي أن يسمى تغيراً، غاية الأمر أنه رجع عن الكمال الفائق المعروف لمالك وشعبة وكبار الثقات، ولم يذكروا في ترجمته شيئاً نسب فيه إلى الوهم إلا ما وقع له مرة في حديث أم زرع، والحديث في (الصحيحين) وغيرهما عنه عن أبيه عن عائشة قالت: «جلس إحدى عشرة امرأة ... » فساقت القصة بطولها وفيها ذكر أم زرع، وفي آخره: «قالت عائشة: قال رسول الله ﷺ : كنت لك كأبي زرع لأم زرع» . وهذا السياق صحيح اتفاقاً ولكن رواه هشام مرة أخرى فرفع القصة كلها، وقد توبع على ذلك كما في (الفتح) ولكن الأول أرجح، وأستدل بعضهم على رفع القصة كلها بأن المرفوع اتفاقاً وهو قوله ﵌: «كنت لك كأبي زرع لأم زرع» مبنى على القصة فلا بد أن يكون ﷺ بدأ فذكر القصة ثم بنى عليها تلك الكلمة أو بدأ بتلك الكلمة فسألته عائشة فذكر القصة. وأجيب باحتمال أن تكون القصة كانت مما يحكيه العرب وكان ﵌ قد سمعهم يحكونها وعلم أن عائشة قد سمعنها فبنى عليها تلك الكلمة. وعلى كل حال فهذا وهم يسير قد رجع عنه هشام. يقي ما قيل: إن هشاماً كان يدلس ن قال يعقوب بن سفيان: «ثقة ثبت لم ينكر عليه شيء إلا بعدما صار إلى العراق فإنه انبسط في الرواية عن أبيه فأنكر ذلك عليه أهل بلده، والذي نرى أن هشاما تسهل لأهل العراق، إنه كان لا يحدث عن أبيه آبى بما سمعه منه، فكن تسهله أنه أرسل عن أبيه عما كان يسمعه من غير أبيه عن أبيه» وجاء عن ابن خراش ما يفهم منه هذا المعنى وقد تفهم منه زيادة لا دليل عليها فلا تقبل من ابن خراش، وعدة ابن حجر في الطبقة الأول من المدلسين، وهو طبقة من لم يوصف بذلك إلا نادراً. والتحقيق أنه لم يدلس قط ولكن كان ربما يحدث بالحديث عن فلان عن أبيه فيسمع الناس منه ذلك ويعرفونه ثم ربما ذكر ذلك الحديث بلفظ «قال أبي» أو نحوه

стр. 723

اتكالاً على أنه قد سبق بيان أنه إنما سمعه من فلان عن أبيه، فيغتنم بعض الناس حكايته الثانية فيروي ذاك الحديث عنه عن أبيه لما فيه صورة العلو، مع الاتكال على أن الناس قد سمعوا روايته الأولى وحفظوها. وفي مقدمة (صحيح مسلم) ما يصرح بأن هشاماً غير مدلس، وفيه أن غير المدلس قد يرسل وذكر لذلك أمثلة منها حديث رواه جماعة عن هشام «أخبرني أخي عثمان بن عروة عن عروة» . ورواه آخرون عن هشام عن أبيه، ومع هذا فإنما اتفق لهشام مثل ذلك نادراً، ولم يتفق إلا حيث يكون الذي بينه وبين أبيه ثقة لا شك فيه كأخيه عثمان ومحمد بن عبد الرحمن بن نوفل يتيم عروة. والله الموفق. ٢٦٢- هشام بن محمد بن السائب الكلبي . من عادة الخطيب أن يذكر آخر ترجمة الرجل تاريخ وفاته ورؤيا رئيت له بعد موته وأبياتاً قيلي في رثائه حيث يتيسر ذلك، فذكر في آخر ترجمة محمد بت الحسن تاريخ وفاته، واتصل بذلك أبيات رثى بها ذكر ما روي أنه رئي في المنام فقال: «قال لي إني لم أجعلك وعاء للعلم وأنا أريد أن أعذبك - قيل له فما فعل أبو يوسف؟ قال: فوقي - قيل فما فعل أبو حنيفة؟ قال: فوق أبي يوسف بطبقات» . وربما اتفق أن يكون فيما يختم به الترجمة من الشعر غضاضة ما على صاحب الترجمة فيغتفرها الخطيب في سبيل تزيينه (التاريخ) كما فعل في ترجمة الأصمعي حيث ذكر البيتين المعروفين: لعن الله أعظماً حملوها ... نحو دار البلى على خشبات أعظماً تبغض النبي وأهل الـ ... بيت والطيبين والطيبات وهذا مع تبجيل الخطيب للأصمعي وأنه لا غرض له في ذمة، فاتفق له ما هو دون هذا بكثير في ترجمة أبي يوسف، ذكر ما روي عن معروف الكرخي أنه قال: «رأيت كأني دخلت الجنة فإذا قصر قد بني وثم شرفه ... فقلت لمن هذا؟ فقالوا: لأبي يوسف القاضي ... بتعليمه الناس الخير ... » ثم ذكر تاريخ وفاته وذكر من طريق هشام ابن الكلبي أبياتاً ذكر أنها أنشدت على قبر أبي يوسف عقب وفاته أولها:

стр. 724

سقى جدثاً به يعقوب أمسى ... من الوسمى منبجس ركام (١) وفيها تنكيت شعري خفيف بلا سبب ولا لعن، فجاء الكوثري فذكر الأصمعي وغضب عليه لروايته ما سمع، وتجني عليه وذكر بدون أدنى مناسبة بيتي اللعن تشفياً من الأصمعي فقط، ثم في ترجمة محمد بن الحسن ضج وعج وهاج وماج وطول ينقم على الخطيب إيراد الإثبات المذكورة، والوقت أعز من أن نضيعه في تعقب تهويل الكوثري فأما ابن الكلبي فكما قال. ٢٦٣- الهيثم بن جميل . في (تاريخ بغداد) ١٣ / ٣٨٥ من طريق عبد الله بن خبيق قال: سمعت الهيثم بن جميل يقول: سمعت أبا عوانة يقول: كان أبو حنيفة مرجئا يرى السيف ... ، قال الأستاذ ص ٧١: «قال ابن عدي: لم يكن بالحافظ يغلط على الثقات» . أقول: روى عبد الله بن أحمد عن أبيه: «كان أصحاب الحديث ببغداد أبو كامل وأبو مسلمة الخز الخزاعي والهيثم، وكان الهيثم أحفظهم وأبو كامل أتقنهم» . ذكر هذا في (التهذيب) في ترجمة أبي كامل مظفر بن مدرك ثم قال: «وحكى أبو طالب عن أحمد نحوه وزاد: لم يكونوا يحملون عن كل أحد، ولم يكتبوا إلا عن الثقات» وذكر في ترجمة الهيثم قول أحمد: «ثقة» قال: «وقال العجلي: ثقة صاحب سنة. وقال إبراهيم الحربي: أما الصدق فلا يدفع عنه، وهو ثقة. وقال الدارقطني: ثقة حافظ» . وذكر قبل ذلك قول ابن سعد « ... وكان ثقة» أما الغلط فذكر له الذهبي في (الميزان) حديثاً واحداً، فإن كان هو الذي أشار إليه ابن عدي، فابن عدي هو الغالط، والحديث هو ما رواه الهيثم عن أبي عوانة عن عبد الأعلى عن سعيد

стр. 725

بن جبير عن ابن عباس مرفوعاً: من قال في القرآن بغير علم فليتبوأ مقعده من النار. كأن المغلط بنى على أن هذا المتن معروف من رواية سفيان الثوري عن عبد الأعلى، فأما أبو عوانة فالمعروف من روايته عن عبد الأعلى بهذا السند حديث «لتقوا الحديث عني إلا ما علمتم من كذب علي متعمداً فليتبوأ مقعده من النار» ويجاب عن هذا بأن في (مسند أحمد) ج ١ ص ٣٢٣. حدثنا أبو الوليد ثنا أبو عوانة عن عبد الأعلى ... اتقوا الحديث عني ... ومن كذب في القرآن بغير علم فليتبوأ مقعده من النار» فجمع بين الجملتين، وأخرج الترمذي عن سفيان بن وكيع عن سويد عمرو الكلبي عن أبي عوانة نحوه وقال في الجملة الثانية «ومن قال في القرى، ... » فتبين أن المتنين حديث واحد اقتصر الثوري في روايته عن عبد الأعلى أحدهما، واقتصر أبو عوانة في روايته الهيثم على الآخر، وجمعهما في رواية أبي الوليد وسويد بن عمرو. وفي (سنن البيهقي) ج ٧ ص ٤٦٢ من طريق ابن عدي بسنده إلى الهيثم «نا سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار عن ابن عباس ﵄ عن النبي ﷺ قال: لا يحرم الرضاع إلا ما كان في الحولين» ثم حكى عن ابن عدي قال: «غير الهيثم يوفقه علي ابن عباس» وذكره الدارقطني في (السنن) ص ٤٩٨ ثم قال: «لم يسنده عن ابن عيينة غير الهيثم بن جميل وهو ثقة حافظ «. أقول: فإن حكم للهيثم كما قد يشعر به كلام الدارقطني فذاك، وإن ترجح خطؤه حكما يشير إليه كلام ابن عدي فمثل هذا الخطأ اليسير لم يسلم منه كبار الأئمة كما يعلم من كتب العلل. ومع ذلك فحكاية الهيثم عن أبي عوانة في شان أبي حنيفة بمظنة للخطأ. والله المستعان. (١) ٢٦٤- يحيى بن حمزة بن واقد الحضرمي الأصل الدمشقي . في (تاريخ بغداد)

стр. 726

١٣ / ٣٧٢ من طريق «يعقوب بن سفيان حدثني علي بن عثمان بن نفيل حدثنا أبو مسهر حدثنا يحيى بن حمزة وسعيد يسمع أن أبا حنيفة قال: لو أن رجلاً عبد هذه النعل يتقرب بها إلى الله لم أر بذلك بأساً. فقال سعيد: هذا الكفر صراحاً» . قال الأستاذ ص ٣٩ «يحيى بن حمزة قدري لا يتخذ قوله ضد أئمة السنة حجة» . أقول: أما قوله من رأيه فربما، وأما روايته فلا وجه لردها كما مر تحقيقه في القواعد، وقد وثقه ابن معين ودحيم وأبو داود والنسائي ويعقوب بن شيبة وغيرهم، واحتج به الشيخان في (الصحيحين) وسائر الأئمة ولم يغمز بشيء سوى القدر، ولم يكن داعية، وقد توبع في هذه الحكاية كما مر في ترجمة القاسم بن حبيب - والله أعلم. ٢٦٥- يحيى بن عبد الحميد الحماني . في (تاريخ بغداد) ١٣ / ٣٧٩ من طرق مسدد بن قطن سمعت أبي يقول: سمعت يحيى بن عبد الحميد يقول: سمعت عشرة كلهم ثقات يقولون: سمعنا أبا حنيفة يقول: القرآن مخلوق» قال الأستاذ ص ٥٦: «متكلم فيه إلى أن قيل فيه: كذاب» . أقول: أما يحيى بن معين فكان يوثقه ويدافع عنه، وقد تضافرت الروايات على أن يحيى بن عبد الحميد كان يأخذ أحاديث الناس فيرويها عن شيوخهم، فإن كان يصرح في ذلك بالسماع فهذا هو المعروف بسرقة الحديث، وهو كذاب، وإلا فهو تدليس، وعلى كل حال فلم يتهم بوضع حديث أو حكاية، والأستاذ يعترف بأن أبا حنيفة كان يرى أن القرآن مخلوق ويعد ذلك من مناقبه. (١) ٢٦٦- يزيد بن يوسف الشامي . في (تاريخ بغداد) ١٣ / ٣٨٥ من طريقة «قال لي أبو إسحاق الفزاري جاءني نعي أخي من العراق ... » قال الأستاذ ص ٧٠: «يقول عنه ابن معين: ليس بثقة. والنسائي: متروك» . أقول: عبارة النسائي «متروك الحديث» وقال أبو داود: «ضعيف» وقال صالح بن

стр. 727

محمد: «تركوا حديثه» وحكى ابن شاهين في (الضعفاء) أن ابن معين قال: «كان كذاباً» وقد أجمل بعضهم القول فيه، وتوبع على أصل القصة لكن في روايته زيادة أن أبا حنيفة هو الذي أفتى أخا أبي إسحاق بالخروج فتشبث الأستاذ في كلامه في أبي إسحاق إبراهيم بن محمد الفزاري بهذه الزيادة كما مر في ترجمة أبي إسحاق، وتغافل عن تفرد يزيد هذا بتلك الزيادة. والله المستعان. ٢٦٧- يعقوب بن سفيان بن جوان الفارسي أبو يوسف الفسوي . قال الأستاذ ص ١٠٠: «يقال: إنه كان يتكلم في عثمان» . أقول: يعقوب إمام جليل علماً وحفظاً وإتباعا للسنة عنها، وهذه الساقطة التي لقطها الأستاذ أشار إليها الذهبي في ترجمة يعقوب من (تذكرة الحفاظ) ج ٢ ص ١٤٦ قال «قيل إنه كان يتكلم في عثمان ﵁، ولم يصح» ! ٢٦٨- يوسف بن أسباط . في (تاريخ بغداد) ١٣ / ٣٢٤ من طريق «محبوب بن موسى يقول: سمعت ابن أسباط يقول: ولد أبو حنيفة وأبوه نصراني» قال الأستاذ ص ١٧ «من مغفلي الزهاد، دفن كتبه واختلط، واستقر الأمر على أنه لا يحتج به، وأين هذا السند من سند الخبر الذي يليه في (تاريخ الخطيب) نفسه وفيه: وولد ثابت على الإسلام ... وجد أبي حنيفة النعمان بن قيس المرزبان بن زوطى بن ماه كان حامل راية علي بن أبي طالب كرم الله وجهه يوم النهر - كما ذكره ... السمناني في كتاب (روضة الفضلاء) ... ودعاء علي كرم الله وجهه لوالد أبي حنيفة في عهد جده مما ساقه الخطيب بسنده ... بل لم يكن بين أجداده نصراني أصلاً لأنه منحدر النسب من دم فارسي» . أقول: أما التغفيل والاختلاط فمن مفتريات الكوثري، وأما دفن كتبه فصحيح، وكذلك فعل آخرون من أهل الورع، (١) كانوا يرون أن حفظ الحديث

стр. 728

وروايته فرض كفاية، وأن في غيرهم من أهل العلم من يقوم بالكفاية وزيادة، ويرون أن التصدي للرواية مع قيام الكفاية بغيرهم لا يخلو من حظ النفس بطلب المنزلة بين الناس. ثم لم يتصد يوسف للرواية بعد أن دفن كتبه ولكن كان يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، ويرغب في الطاعة ويحذر من المعصية، ويحض علي أتباع السنة / وينفر عن البدعة، فربما احتاج لآي أثناء ذلك؟ قال ابن معين: «ثقة» وقال ابن حبان في (الثقات) : «كان من عباد أهل الشام وقرائهم، سكن إنطاكية وكان لا يأكل إلا الحلال، فإن لم يجده استف التراب، وكان من خيار أهل زمانه، مستقيم الحديث، ربما أخطأ مات سنة ١٩٥» فعبارة ابن حبان تعطي أن خطأه كان يسيراً لا يمنع من الاحتجاج حيث لم يتبين خطؤه، ويشهد لذلك إطلاق ابن معين أنه ثقة. وقال البخاري: «كان قد دفن كتبه فصار لا يجيء بالحديث كما ينبغي» . وهذا يشعر بأنه كان يكثر منه الخطأ في مظانه، وقريب من ذلك قول ابن عدي: «من أهل الصدق إلا أنه لما عدم كتبه صار يحمل على حفظه فيغلظ ويشتبه عليه ولا يعتمد الكذب وبالغ الخطيب فقال: «يغلط في الحديث كثيراً» . فأما قول الأستاذ: «وأين هذا من سند الخبر الذي يليه» فذاك الخبر من طريق عمر ابن حماد بن أبي حنيفة قال: أبو حنيفة النعمان بن ثابت بن زوطى فأما زوطى فإنه من أهل كابل، وولد ثابت على الإسلام وكان زوطى مملوكاً لبني تيم الله ثعلبة فأعتق ... » فهذا الخبر وإن خالف ما مر عن يوسف بن أسباط، فهو مخالف لما زاده السمناني عصري الخطيب كما يقوله الأستاذ ولم يذكر السمناني سنداً فيما يظهر وبينه وبين النهروان نحو أربعمائة سنة، ومخالف أيضاً لما يروي عن إسماعيل بن حماد من إنكار أن يكونوا مولى عتاقة» وما ذكر من دعاء علي ﵁ لا يصح

стр. 729

سنده إلى إسماعيل بن حماد كما أشار إليه في (تهذيب التهذيب) ، وإسماعيل إسماعيل! وفي الحكاية ما ينكره الأستاذ وهو قوله: «ولد جدي النعمان سنة ثمانين» وإن صح أنه من أبناء فارس لم يمنع ذلك أن يكون تنصر أحد آبائه، وقد كان سلمان الفارسي نصرانياً، وفي قصته أنه كان في بلاد فارس دعاة إلى النصرانية، وأيا ما كان فالحرص على إثبات شيء مما يتعلق بذاك الاختلاف لا يليق بأهل العلم، وقد قال الله ﵎: «أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِمَا فِي صُحُفِ مُوسَى. وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى. أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى. وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى» . ٢٦٩- أبو الأخنس الكناني . في (تاريخ بغداد) ١٣ / ٣٧٥ من طريق «أحمد بن على الأبار حدثنا منصور بن أبي مزاحم حدثني أبو الأخنس الكناني قال: رأيت أبا حنيفة - أو حدثني الثقة أنه رأى أبا حنيفة - آخذا بزمام بعير مولاة للجهم قدمت «من» خراسان يقود جملها بظهر الكوفة» قال الأستاذ ص ٥٠: «الراوي عن أبي حنيفة في هذه الحكاية مغفل لا يدري هل رأى أبا حنيفة أو سمع من رآه» . أقول: الظاهر أن الشك ممن بعده، وأبو الأخنس هذا اسمه بكير كما ذكره الدولابي الحنفي في (الكنى) ج ١ ص ١١٧ وساق إلى «معاوية بن صالح قال: ثنا منصور بن أبي مزاحم قال: ثنا أبو الأخنس بكير الكناني ... » وقد تعددت الحكايات في شأن أبي حنيفة وامرأة جهمية، واختلفت في نسبتها إلى جهم، ففي بعضها أنها امرأة جهم، وفي بعضها أنها مولاته، وفي بعضها أنها امرأة كانت تجالسه. والله أعلم.

стр. 730

٢٧٠- أبو جزي بن عمرو بن سعيد بن سلم بن قتيبة بن مسلم الباهلي . في «تاريخ بغداد» ١٣ / ٣٧٥ من طريق يعقوب بن سفيان: «حدثنا أبو جزي (بن) عمرو بن سعيد ابن سالم «صوابه سلم» قال: سمعت جدي قال: قلت: لأبي يوسف: أكان أبو حنيفة مرجئاً؟ قال: نعم قلت: أكان جهمياً؟ قال: نعم «قلت» (١) : فأين أنت منه قال: أنما كان أبو حنيفة مدرساً فما كان من قوله حسناً قبلنها وما كان قبيحاً تركنها ذكر الأستاذ ص ٤٦ أن في الطبعة الهندية والنسخة الخطية من «التاريخ» : «أبو جزي ابن عمرو» وهو الصواب ثم شكك في سعيد ابن سالم ومال إلى أنه سعيد بن سلم ثم قال: «على أنه لا يعرف له ابن يسمى عمراً ولا أبن ابن يكنى أبا جزي» أقول: بل ذلك معروف ففي الباب ٤١ من الجزء الرابع من «خصائص ابن حني» «أنشد الأصمعي آبا توبة ميمون بن حفص مؤدب عمرو بن سعيد بن سلم بحضره سعيد» وفي «الكامل» للمبرد ص ٧١٦: «حدثني علي بن القاسم قال: حدثني أبو هلابة الجرمي قال: حججنا مرة مع أبي جزي بن عمرو بن سعيد قال: وكنا في ذراه وهو إذ ذاك بهي وضي فجلسنا في المسجد الحرام: هذا أبو جزء أمير ابن عمرو وكان أميراً ابن سعيد وكان أميراً ابن سلم وكان أميرا ابن قتيبة وكان أميراً» وراجع ترجمة أحمد ابن الخليل. ٢٧١- أبو جعفر تقدمت الإشارة إلى حكايته في ترجمة زكريا يحيى الساجي قال الأستاذ ص ١٨: «مجهول» .

стр. 731

أقول: لم يتبين لي من هو؟ (١) ٢٧٢- أبو محمد . في (تاريخ بغداد ١٣ / ٣٧٩) من طريق «العباس بن عبد العظيم حدثنا أحمد بن يونس ... » ومن طريق «محمد بن العباس - يعني المؤدب - حدثنا أبو محمد - شيخ له - أخبرني أحمد بن يونس ... قال الأستاذ ص ٥٧: «شيخ مجهول» . أقول: إنما هي متابعة. ٢٧٣- ابن سختويه بن مازيار . في (تاريخ بغداد) ١٣ / ٣٧٥ من طريق أبي حامد ابن بلال «حدثنا ابن سختويه بن مازيار حدثنا علي بن عثمان ... » قال الأستاذ ص ٤٨: «ليس محمد بن عمرو الشيرازي لتقدم وفاته، ولا هو إبراهيم بن محمد المزكي النيسابوري لتأخر وفاته عن وفاة أبي حامد بن بلال بدهر، ولا هو أحد أجداد المزكي لأن جد هذا البيت سختويه بن مازيار كما هنا وعلى وعلى فرض أنه أقيم عبد الله مقام مازيار يكون غير معلوم الصفة» . أقول: ينبغي أن يراجع (تاريخ نيسابور) للحاكم ولم أقف عليه. «رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْأِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلّاً لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ» (٢) .

стр. 732

القسم الثالث: البحث مع الحنفية في سبع عشرة قضية

стр. 733

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله رب العالمين، الذي من يرد به خيراً يفقه في الدين، وأشهد وألا اله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صلّ على محمد وعلى آله، كما صليت على آل إبراهيم، وبارك على محمد وعلى آل محمد، كما باركت على آل ابراهيم، إنك حميد مجيد. أما بعد: فهذه بضع عشرة مسألة وردت فيها أحاديث ذكر الخطيب في ترجمة أبي حنيفة من (تاريخ بغداد) إنكار بعض المتقدمين على أبي حنيفة ردها، فتعرض لها الأستاذ محمد زاهد الكوثري في كتابه (تأنيب الخطيب) فتعقبه في ذلك كما تعقبه في غيره وسأذكر في كل مسألة كلامه، وماله، وما عليه. وأسأل الله التوفيق.

стр. 734

المسألة الأولى: إذا بلغ الماء قلتين لم ينجس في (تاريخ بغداد) ١٣/٣٨٩ من طريق «الفضل بن موسى السيناني يقول: سمعت أبا حنيفة يقول: من أصحابي من يبول قلتين. يرد على النبي ﷺ : إذا كان الماء قلتين لم ينجس» . قال الأستاذ ص٨٣: «وحديث القلتين (١) لم يأخذ به أحد من الفقهاء قبل المائتين (٢) لأن في ذلك اضطراباً عظيماً (٣) ولم يقل بتصحيحه إلا المتساهلون (٤) ولم ينفع تصحيح من صححه في الأخذ به لعدم تعين المراد بالقلتين (٥) حتى أن ابن دقيق العيد يعترف في شرح (عمدة الأحكام) بقوة احتجاج الحنفية بحديث الماء الدائم في (الصحيح) (٦) فدعونا معاشر الحنفية نتوضأ من الحنفيات ولا نغطس في المستنقعات» . أقول: في هذه العبارة ستة أمور كما أشرت إليه بالأرقام. فأما الأمر الأول فالمنقول عن السلف قبل أبي حنيفة وفي عصرها مذهبان: الأول: أن الماء سواء أكان قليلاً أم كثيراً لا ينجس إلا أن تخالطه النجاسة فتغير لونه أو ريحه أو طعمه، وإليه ذهب المالك، وكذلك أحمد في رواية وهو أيسر المذاهب علماً وعملاً، وقد جاءت عن النبي ﷺ أحاديث

стр. 735

أن الماء طهوراً لا ينجسه شيء (١) وجاء في الروايات استثناء ما غيرت النجاسة أحد أوصافه، وهي ضعيفة من جهة الاسناد، ولكن حكوا الاجماع على ذلك. المذهب الثاني: أن هذا حكم الماء الكثير بحسب مقداره في نفسه فأما القليل فينجس بوقوع النجاسة فيه وإن لم يغير أحد أوصافه، والقائلون بهذا يستثنون بعض النجاسات كالتي لا يدركها الطرف، والتي تعم بها البلوى وميتة ما لا دم له سائل، وتفصيل ذلك في كتب الفقه. ثم المشهور في التقدير أن ما بلغ قلتين فهو كثير وما دون ذلك فهو قليل جاء في هذا عن النبي ﷺ حديث القلتين، وروي من قول عبد الله بن عمر وعبد الله بن عباس وأبي هريرة، ومن قول مجاهد وغيره من التابعين، وأخذ به نصاً عبيد الله بن عبد الله بن عمر وبعض فقهاء مكة، والظاهر أن كل من روى الحديث من الصحابة فمن بعدهم يأخذ به، ولا يُعدل عن هذا الظاهر إلا بإثبات خلافة، ولم يصح عن النبي ﷺ تقدير آخر، فأما من بعده فرويت أقوال: أولها عن ابن عباس ذكر ذنوبين (٢) ، وفي سنده ضعف، ولو صح لما تحتمت مخالفته للقلتين فإن ابن عباس معروف بالميل إلى التيسير والتوسعة فلعله حمل القلتين على الإطلاق فرأى أنه يصدق بالقلتين الصغيرتين اللتين تسع كل منها ذنوباً (٣) فقط. ثانيها: عن سعيد بن جبير ذكر ثلاث قلال، وسعيد كان بالعراق فكأنه رأى قلال العراق صغيرة، كما أشار الشافعي القرب إلى ذلك في القرب، فحرز سعيد أن

стр. 736

ثلاثا من قلال العراق تعادل القلتين اللتين يحمل عليهما الحديث. ثالثها: عن مسروق قال: «إذا بلغ الماء كذا لم ينجسه شيء» ونحوه عن ابن سيرين وأبي عبيدة بن عبد الله بن مسعود، وهؤلاء عراقيون فإما أن يكونوا لم يحققوا مقدار القلتين في الحديث بقلال العراق فأجملوا، وإما أن يكون كل منهم أشار إلى ماء معّين فأراد بقوله: «كذا» أي بمقدار هذا الماء المشار إليه، وقد ثبت بقولهم أنهم يرون التقدير، ولأن يحمل ذلك على التقدير المنقول عن النبي ﷺ أولى من أن يحمل على تقدير لا يعلم له مستند من الشرع. رابعها: عن عبد الله بن عمرو بن العاص ذكر أربعين قلة، وروي مثله من وجه ضعيف عن أبي هريرة، وقيل عنه أربعين غرباً (١) ، وقيل، أربعين دلواً. وهذا القول يحتمل معنيين، الأول: المعنى المعروف لحديث القلتين، والمعنى الثاني أن ما بلغ الأربعين لا ينجس البتة، إلا مخالطة نجاسة لا تغير أحد أوصافه، لأنه قلتان وأكثر، ولا بمخالطة نجاسة تغير أحد أوصافه لأن ذلك لا يقع عادة، إذ لا يعرف ذاك العصر ببلاد العرب ماء يبلغ أربعين أو أزيد تقع فيه نجاسة تغيره. والمعنى الأول يحتاج إلى الاستثناء من منطوقه فيقال: إلا أن يتغير، ومن مفهومه فيقال: إلا بعض النجاسات كميتة ما لا دم له سائل، مع ذلك لا يكون لمفهومه مستند معروف من الشرع بل المنقول عن الشرع خلافه. وأيضاً فلم يذهب إليه أحد من الفقهاء. فأما أن يترجح المعنى الثاني وتكون فائدة ذاك القول أن من ورد ماء فوجده متغيراً فإن كان من الكثرة بحيث لا يعرف عادة أن تقع فيه نجاسة تغيره فله استعماله بدون بحث، وإن كان دون ذلك فعليه أن يتروى ويبحث، وإما أن يحمل على المعنى الأول ويطرح مفهومه ويقال: لعل ذاك القول كان عند سؤال عن ماء بذاك المقدر وقعت فيه نجاسة ولم تغيره، فذكر الأربعين لموافقة الواقع لا للتقيد.

стр. 737

هذا، ولم أجد عن المتقدمين من الفقهاء، وغيرهم حرفا واحداً فيه التفات إلى ما اعتمده الحنفية من اعتبار مساحة وجه الماء دون مقداره وكان الأستاذ شعر بهذا فحاول عبثاً أن يشرك مع مذهبه في ذلك مذهب القلتين، إذ قال: «لم يأخذ به أحد الفقهاء قبل المائتين» وقد علم أن القول بالقلتين مروي عن النبي ﷺ ثم عن جماعة من الصحابة والتابعين وغيرهم. فأما الحنفية فذهبوا في الجملة إلى الفرق بين القليل والكثير لكنهم لم يعتبروا مقدار الماء في نفسه، وإنما نظروا إلى مساحة وجهه وعندهم في ذلك روايات: الأولى: أن الماء راكد الذي تقع فيه نجاسة لا تغير أحد أوصافه، إذا كانت مساحة وجهه بحيث يظن المحتاج خلوص النجاسة من أحد طرفية إلى الآخر بنجس وإلا فلا. الثانية: أنه إذا كانت بحيث ذا حرك أدناه اضطرب شديد جداً كما تراه في كتبهم المطولة. واستبعد بعضهم عدم اعتبار العمق، فاشترطوا عمقاً! واختلفوا في قدره! فقيل أن يكون بحيث لا ينحسر بالاغتراف، وقيل: أربع أصابع، وقيل: ما بلغ الكعبين، وقيل: شبر، وقيل: ذراع، وقيل: ذراعان!!! واختلف على الرواية الثانية في الحركة فقيل: حركة المغتسل، وقيل المتوضئ، وقيل اليد، ولم يعتبروا وقوع الحركة إنما ذكروها لمعرفة قدر المساحة، سواء في الحكم عندهم أكان الماء عند وقوع النجاسة وبعدها ساكناً أم تحرك، وقالوا: إذا كان بالمساحة المشروطة فللمحتاج أن يغتسل النجاسة وإن لم يكن قد تحرك! وقالوا: إذا كانت مساحة وجه الماء تساوى القدر المشروط كفى وإن كان دقيقاً كأن يكون طوله مائة ذراع وعرضه ذراعاً! وقال محققهم ابن الهمام في ترجيح الرواية الأولى: «هو الأليق بأصل أبي حنيفة أعني عدم التحكم بتقدير فيما لم يرد فيه تقدير شرعي» . أقول: والرواية الأولى فيها تحكم، والبول مثلاً إذا وقع في الماء ثم تحرك الماء خلصت ذرات البول إلى جميع الماء كما تشاهد إذا صببت قارورة مداد في حوض فقد

стр. 738

يظهر لون مداد في الماء واضحاً، وقد يظهر بتأمل، وقد لا يظهر ذلك بسب اختلاف قدر الماء وقدر المداد وقدر لونه، وعلى كل حال فالخلوص محقق، وإنما لا يظهر اللون لتفرق الذرات، وظنون الناس لا ترجع غالباً إلى دلالة وإنما ترجع إلى طبائعهم، فمنهم متقزز ينفر عن حوض كبير إذا رأى إنساناً واحداً بال فيه وآخر لا ينفر، ولكن لوا رأى ثلاثة بالوا فيه لنفر، وثالث لا ينفر ولو رأى عشرة بالوا فيه. وإذا جردت الرواية الأولى عن التحكم، لم يكد يتحصل منها إلا أن قائلها وَكَّل الناس إلى طباعهم، وفي عد هذا قولاً ومذهباً نظر. وقد حكى الحنفية أن محمد بن الحسن كان يقول: بعشر في عشر، ثم رجع وقال: «لا أوقت شيئاً» وعقد الشافعي لهذه المسألة باباً طويلاً تراه في الكتاب (اختلاف الحديث) بهامش (الأم) ج٧ص١٠٥-١٢٥ وذكر أنه أنه ناظر بعضهم، والظاهر أنه محمد بن الحسن، وفي المناظرة: «قال قد سمعت قولك في الماء» فلو قلت لا ينجس الماء بحال للقياس على ما وصفت أن الماء يزيل الأنجاس كان قولاً لا يستطيع أحدُ رده ... قلت: ولا يجوز إلا أن ينجس شيء من الماء إلا بأن يتغير ... أو ينجس كله بكل ما خالطه؟ قال: ما يستقيم في القياس إلا هذا، ولكن لا قياس مع خلاف خبر لازم. قلت: فقد خالفت الخبر اللازم ولم تقل معقولاً ولم تقس» وقال في موضع آخر: «فقال: لقد سمعت أبا يوسف يقول: قول الحجازيين في الماء أحسن من قولنا، وقولنا فيه خطأ» . وقال في موضع آخر: «ما أحسن قولكم في الماء» . أقول: فانحصر الحق في المذهبين الأولين وسقط ما يخالفهما. وأما الأمر الثاني: وهو الاضطراب في روايات ذاك الحديث فالاضطراب الضار أن يكون الحديث حجة على أحد الوجهين مثلاًَ دون الأخر ولا يتجه الجمع ولا الترجيح، أو يكثر الاضطراب ويشتد بحيث يدل إن الراوي المضطرب الذي مدار الحديث عليه لم يضبط. وليس الأمر في هذا الحديث كذلك كما يعلم من مراجعة (سنن الدارقطني) و (المستدرك) و (سنن البيهقي (١)) .

стр. 739

وأما الأمر الثالث وهو قول الأستاذ «ولم يقل بتصحيحه إلا المتساهلون» ففيه مجازفة فقد صححه الشافعي وأحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه وأبو عبيد القاسم بن سلام، وحكى الشافعي عن مناظرة من الحنفية ويظهر أنه محمد بن الحسن أنه اعترف بثبوته، كما في كتاب (اختلاف الحديث) بهامش (الأم) ج٧ص ١١٥ولفظة «فقلت: أليس تثبيت الأحاديث التي وصفت. فقال: أما حديث الوليد بن كثير «وهو حديث القلتين» ، وحديث ولوغ الكلب في الماء، وحديث موسى بن أبي عثمان فتثبت بإسنادها، وحديث بئر بضاعة فيثبت بشهرته وأنه معروف» ؛ واعترف الطحاوي بصحته كما يأتي، وصححه ابن خزيمة وابن حبان والحاكم وغيرهم، قال الحاكم في (المستدرك) ج١ص١٣٢: «حديث صحيح على شرط الشيخين فقد احتجا جميعاً بجمع رواته ولم يخرجاه، وأظنهما والله أعلم لم يخرجاه لخلاف فيه ... » ثم ذكر الخلاف وأثبت أن ما هو متابعة تزيد الحديث قوة. وأما الأمر الرابع وهو قول الأستاذ: «ولم ينفع تصحيح صححه لعدم تعين المراد بالقلتين» ففي (فتح الباري) : «واعترف الطحاوي من الحنفية بذلك (يعنى بصحة الحديث) لكنه اعتذر عن القول به بأن القلة في العرب تطلق على الكبيرة والصغيرة كالجرة ولم يثبت في الحديث تقديرهما فيكون مجملاً فلا يعمل به وقواه ابن دقيق العيد ... .» أقول: قال الله : ﴿فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ ومن المساكين الصغير والكبير والطويل الجسيم والقصير القضيف، ومن المماليك الصغير والكبير وقد يقال نحو ذلك في الإطعام والكسوة إذ يصدقان بتمرة تمرة وقلنسوة، وأمثال هذا في النصوص كثير، وفيها ذكر المقادير كالصاع والرطل والمثقال والميل والفرسخ وغير ذلك مما

стр. 740

وقع فيه الاشتباه والاختلاف، ولم يقل أحد في شيء من ذلك أنه مجمل، بل منهم من يقول بمقتضى الإطلاق، ومنهم من يذهب إلى الغالب أو الأوسط، ومنهم من يختار الأكمل فيمكن الأخذ بمعنى الإطلاق في القلتين فيؤول ذلك إلى تحقيق المقدار بما يملأ قلتين أصغر ما يكون من القلال ولا يخدش في ذلك أنه قد يكون مقدار قلة كبيرة أو نصفها مثلاً كما قد يأتي نحو ذلك في كسوة المساكين على القول بأنه يكفى ما يسمى كسوة المساكين. ويمكن الأخذ بالأحوط كما فعل الشافعي وغيره، ولا ريب أن ما بلغ قلتين من أكبر القلال المعهودة حينئذ وزاد على ذلك داخل في الحكم منطوق الحديث حتماً على كل تقدير، وهو أنه لا ينجس، وأن ما لم يبلغ قلتين من أصغر القلال المعهود حينئذ داخل في الحكم مفهوم الحديث حتماً، وهو أنه ينجس، فلا يتوهم في الحديث إجمال بالنظر إلى هذين المقدارين وإنما يبقى الشك في ما بينهما فيؤخذ فيه بالاحتياط. وقال ابن التركماني في (الجوهر النقي) : «وقد اختلف في تفسير القلتين اختلافاً شديداً كما ترى، ففسرتا بخمس قرب، وبأربع، وبأربعة وستين رطلا، وباثنين وثلاثين رطلا، وبالجرتين مطلقا، وبالجرتين بقيد الكبر وبالخابيتين، والخابية: الحُبَّ، فظهر بهذا جهالة مقدار القلتين فتعذر العمل بها» . أقول: أما الاختلاف في تفسير القلة بمقتضى اللغة فمن تأمل كلام أهل اللغة وموارد الاستعمال وتفسير المحدثين السابقين ظهر له أن القلة هي الجرة، وإنما جاء قيد الكبر من جهتين: الأولى: تفسير أهل الغريب لما ورد في الحديث في ذكر سدرة المنتهى «فإذا نبقها مثل قلال هجر، وإذا ورقها مثل آذان الفيلة» وقلال هجر مشهورة بالكبر، وتفخم شأن السدرة يقتضي الكبر. الثانية: تفسير المحتاطين لحديث القلتين، وفي (سنن البيهقي) ج١ص٢٦٤ عن مجاهد تفسير القلتين بالجرتين ونحوه عن وكيع ويحيى بن آدم، وعن ابن إسحاق: «هذه الجرار التي يستقى فيها الماء والدواريق» وعن هشيم: «الجرتين الكبار» وعن
следующие страницы →