مخالفة لما في أصله لم يكن له أن يروي إلا ما في أصله، وقد قال حمزة السهمي في «تاريخ جر جان» ص ١٢٢ - ١٢٣ «أخبرنا أبو أحمد بن عدي ... أن النبي ﷺ قال: أقيلوا ذوي الهيئات عثراتهم. - في كتابي بخطي: عثراتهم. - ورأيت في كتاب ابن عدي بخطه: عقوبتهم» فلو أن حمزة أنه روى ذاك الحديث وقال: «عقوبتهم ٩٩ ثم رأى أهل العلم أصله وفيه «عثراتهم» فراجعه في ذلك فقال: نعم، ولكن بعد سماعي بمدة رأيت في أصل شيخي «عقوبتهم» لعدوا هذا تساهلا. ومن روى من أصل شيخه لا يؤمن أن يقع في نحو هذا إلا إذا كان قد كرر مقابلا حتى وثق كل الوثوق بالمطابقة، وأولى به وإن وثق كل الوثوق أن لا يروي إلا من أصله نفسه فإن كان الخزاز سمع ذاك الكتاب ومن أبي الحسن ابن الرزاز فتساهله هو ترك الأولى كما عرفت. وعلى الاحتمال الثاني لا يكون للخزاز أن يروي من كتاب ليس هو أصله ولا أصل شيخه إلا أن يقابله بأصله مقابلة دقيقة فيثق بمطابقته لأصله، ومع ذلك فالأولى به أن لا يروي إلا من أصله، وعلى هذا فتساهل الخزاز هو في ترك الأولى كما اقتضته عباراتهم في الثناء عليه كما مر.
قال الأستاذ: «وكان ينبغي أن يذكر في السند اسم شيخه الذي ناوله أصله، وليس بمعقول أن يهمل التلميذ ذكر شيخه في سند ما حمله وتلقاه بطريقه» .
أقول: هذا مبني على الاحتمال الأول وأن لا يكون الخزاز سمع الكتاب أصلا وإنما ناوله إياه ابن الرزاز، والذي نقوله إنه كان على الاحتمال الأول فالخزاز سمع ذاك الكتاب سماعا من ابن الرزاز، وإلا لغمزوه بأنه يعتمد على الإجازة بل عبارة الأزهري نفسه تصرح بهذا فإن فيها «ربما أراد أن يقرأ شيئا ولا يقرب أصله منه فيقرؤه من كتاب أبي الحسن بن الرزاز» وهذا يدل أن له أصلا بذاك المصنف غير ذاك الكتاب، إلا أنه لم يقرب منه ولو كان إنما يرويه بمناولة الشيخ ذاك الكتاب لما كان له أصل آخر. ثم إن كان سمع ذاك المصنف من ابن الرزاز فقد كان إذا قرأ منه قال: «أخبرنا أبو الحسن ابن الرزاز» ثم يقرأ من الكتاب، وإن كان إنما سمعه من غير ابن الرزاز فإنما كان يذكر اسم شيخه في ذاك المصنف
стр. 667
ولا معنى لذكر ابن الرزاز. فإن بنى الأستاذ على الاحتمال الأول وقال: لكني لم أر في (تاريخ الخطيب) شيئا رواه الخطيب من طريق الخزاز عن ابن الرزاز. قلت: أما كونه شيخه، فقد صرح به الخطيب؛ وأما اجتناب الخطيب أن يروي من طريق الخزاز عن ابن الرزاز فذلك من كمال احتياط الخطيب وتثبته البارع لم تطب نفسه أن يروي من ذاك الوجه الذي قد قيل فيه، وإن كان ذاك القيل لا يضر. والله أعلم.
٢١٠- محمد بن عبد الله بن أبان أبو بكر الهيتي . في (تاريخ بغداد) ١٣ / ٣٨٢ «أخبرنا محمد بن عبد الله بن أبان الهيتي حدثنا أحمد بن سلمان النجاد حدثنا عبد الله بن أحمد ابن حنبل قال: قلت لأبي: كان أبو حنيفة استتيب؟ قال: نعم» . قال الأستاذ ص ٦٥ «كان مغفلا مع خلوه من علم الحديث كما يقول الخطيب» .
أقول: أول عبارة الخطيب: «كانت أصول أبي بكر الهيتي سقيمة كثيرة الخطأ أي أنه كان شيخا مستورا صالحا فقيرا مقلا معروفا بالخير وكان مغفلا ... » والخطيب معروف بالتيقظ والتثبت فلم يكن ليروي عن هذا الرجل إلا ما يثق بصحته، وقضية الاستتابة متواترة.
٢١١- محمد بن عبد الله بن إبراهيم أبو بكر الشافعي . قال الأستاذ ص ١١١ «يكثر المصنف عنه جدا في مثالب أبي حنيفة وكان كلفا بأن يدعى بالشافعي وليس له عمل في مذهب الشافعي غير النيل من فقيه الملة بالرواية عن مجاهيل وكذابين في مثالبه ... وأنت تعلم أن كثيرا من النقاد لا يقبل كلام الناس بعضهم في بعض عند اختلاف مذاهبهم ... حتى أن الإمام الشافعي لا يقبل شهادة المتعصب» .
стр. 668
أقول: قد تتبعت تلك الروايات فلم أر في شيوخه فيها كذابين ولا مجاهيل إنما له رواية واحدة عن الكديمي، والكديمي قد وثقه بعضهم، وأطلق بعضهم تكذبيه، وروايتان أخريان عن رجل لم أظفر بترجمته، وآخر لم أظفر بترجمته، وسائر رواياته عن الثقات المعروفين، ولم يعرف هذا الرجل بتعصب، وأما قضية اختلاف المذاهب وزعم أن الشافعي يرد شهادة المتعصب فقد مر تحقيقه في القواعد. وأبو بكر ثقة حافظ متفق على توثيقه وتثبيته راجع ترجمته في (تاريخ بغداد) و (تذكرة الحفاظ) .
٢١٢- محمد بن عبد الله سليمان الحضرمي الحافظ، لقبه «مُطين» تقدمت الإشارة إلى روايته في ترجمة عامر بن إسماعيل. قال الأستاذ ص ٣٨: «تكلم فيه بن أبي شيبة» .
يعني محمد بن عثمان بن أبي شيبة وستأتي ترجمته وقول الأستاذ فيه: «الكذاب كذبه غير واحد» ! وقوله: «الكذاب مكشوف الأمر» فإن كانت هذه أو نصفها حاله عنده فكيف يعتد بكلامه في هذا الحافظ الجليل الذي قال فيه الدارقطني: «ثقة جبل» والأستاذ يعلم أنه كانت بين الرجلين ثغرة شديدة وهو يكرر الرواية بما دونها، فكيف لا يرد بها قول أحدهما في الآخر! على أن ذاك الكلام ليس فيه بحمد الله ما يقدح، لكن غير الأستاذ يلام على تشبته بما يعلم بطلانه!!
٢١٣- محمد بن عبد الله بن الحكم . مرت روايته في ترجمة الشافعي. قال الأستاذ ص ١٣٧: «لا أتكلم ... ولا بنقل ما قاله الحميدي والربيع المؤذن في ابن عبد الحكيم ... » .
أقول: أما كلمة الحميدي في ابن عبد الحكم فهي ككلمة ابن عبد الحكم في الحميدي، فلتة لسان عند استحقاق غضب كما سبق في ترجمة الحميدي فلا تضر ذا ولا ذاك كما سبق في القواعد. وأما مقالة الربيع فقد أجاب عنها أهل العلم كما في
стр. 669
(التهذيب) وغيره. ووثقوا ابن عبد الحكم.
٢١٤- محمد بن عبد الله بن عمار الموصلي الحافظ . في (تاريخ بغداد) ١٣ / ٤٠٧ من طريق «الحسين بن إدريس قال ابن عمار: إذا شككت في شيء نظرت إلى ما قال أبو حنيفة ... » قال الأستاذ ص ١٣٣: «قال ابن عدي: رأيت أبا يعلي سيئ القول فيه ويقول شهد على خالي بالزور عن أهل الموصل أفراد وغرائب. اهـ وأبو يعلي الموصلي من أعرف الناس به، وكلامه قاض على كلام الآخرين» .
أقول: آخر ما حكاه ابن عدي عن أبي يعلي قوله «بالزور» ، ثم قال ابن عدي: «وابن عمار ثقة حسن الحديث عن أهل الموصل معافى بن عمران وغيره وعنده عنهم أفراد وغرائب وقد شهد أحمد بن حنبل أنه رآه عند يحيى القطان ولم أر أحدا من مشايخنا يذكره بغير الجميل، وهو عندهم ثقة» ووثقه وأثنى عليه جماعة كثيرة، فأما أبو يعلي فكانت بينه وبين ابن عمار مباعدة ما في المذهب كما يدل عليه عكوف أبي يعلي على سماع كتب أهل الرأي من بشر بن الوليد، وردفتها كدورة عائلية كما يدل عليه قول أبي يعلي: «شهد خالي بالزور» وهذه كلمة مرسلة لم يبين ما هو الزور؟ ومن أين عرف أبو يعلي أنه زور؟ وعلى فرض تحققه ذلك فهل تعمد ابن عمار الشهادة بالباطل أو أخطأ؟ وإعراض الناس - ومنهم ابن عدي حاكي الكلمة عن أبي يعلي - عن كلمته يبين أنها كلمة طائشة لا تستحق أن يلتفت إليها. وابن عمار أكبر من أبي يعلي بنحو خمسين سنة فلعل أبا يعلي سمع خاله - ومن خاله؟ - يقول: شهد على ابن عمار بالزور فأخذها أبو يعلي ولم يحققها، وقدمنا في القواعد في القواعد أنه إذا ظهر أن بين الرجلين ثغرة لم يقبل ما يقوله أحدهما في الآخر إلا مفسرا محققا مثبتا، ويتأكد ذلك بإعراض الناس عن كلمة أبي يعلي وإجماعهم على توثيق ابن عمار. فأما الغرائب فقد دلت كلمة ابن عدي على أنها غرائب صحاح ولهذا ذكرها في صدد المدح، فحوله الكوثري إلى القدح. والله المستعان.
٢١٥- محمد بن عبد الله بن محمد بن حموديه أبو عبد الله الضبي الحاكم
стр. 670
النيسابوري.
قال الأستاذ ص ٧٠: «اختلط في آخره اختلاطا شنيعا على تعصبه البالغ» وقال ص ١٤٩: «شديد التعصب اختلط في آخره، ويقال عنه أنه كان رافضيا خبيثا» .
أقول: أما التعصب فإن كان للحاكم طرف منه ففي تشيعه الخفيف، وأما على أهل الرأي فلم يعرف بتعصب وقد سبق حكم التعصب في المقدمة، وأما قول بعضهم «إمام في الحديث رافضي خبيث» فقد أجاب عنهما الذهبي في (الميزان) قال: «إن الله يحب الإنصاف ما الرجل برافضي، بل شيعي فقط» . وتذكرني هذه الكلمة ما حكوه أن الصاحب ابن عباد كتب إلى قاضي قم:
أيها القاضي بقم ... قد عزلناك فقم
فقال القاضي: ما عزلتني إلا هذه السجعة. وأما قول الكوثري «اختلط ... اختلاطا شنيعا فمجازفة، بل لم يختلط، وإنما قال ابن حجر في (اللسان) بعد أن ذكر ما في (المستدرك) من التساهل: «قيل في الاعتذار عنه أنه عند تصنيفه (المستدرك) كان في أواخر عمره، وذكر بعضهم أنه حصل له تغير وغفلة في آخر عمره ويدل على ذلك أنه ذكر جماعة في كتاب (الضعفاء) له وقطع بترك الرواية عنهم ومنع من الاحتجاج بهم، ثم أخرج أحاديث بعضهم في (مستدركه) وصححها» ولعل المراد بقوله «ذكر بعضهم» ما في «تذكرة الحفاظ» وهذا لا يستلزم الغفلة، ومع ذلك قوله «تغيير وغفلة» لا يؤدي معنى الاختلاط، فكيف الاختلاط الشنيع؟ وقد رأيت في (المستدرك) المطبوع إثبات تواريخ السماع على الحاكم في أوله أي ج ١ ص ٢ ثم ص ٣٦، ص ٦٩ فـ ص ٩٤ فـ ص ١٢٩ فص ١٦٣، وتاريخ الأول سابع المحرم سنة ٣٩٣ (١) ، والثاني بعد ثلاثة أشهر
стр. 671
تقريبا، وهكذا بعد كل ثلاثة أشهر يملي جزءا في نيف وثلاثين صفحة من مطبوع، ولم يستمر إثبات ذلك في جميع الكتب، وآخر ما وجدته فيه ج ٣ ص ١٥٦ في غرة ذي القعدة سنة ٤٠٢ وهذا يدل أن تلك الطريقة استمرت منتظمة إلى ذاك الموضع، فأما بعد ذلك فلا أعلم، فإنه لو بقي ذاك الانتظام لم يتم الكتاب ألا سنة ٤١٠ لكن الحاكم توفي سنة ٤٠٥ وفي المجلد الرابع ص ٢٤٩ ذكر الحاكم أول سند «أخبرنا الحاكم أبو عبد الله ... » لكنه بلا تاريخ. هذا واقتصاره في كل ثلاثة أشهر على مجلس واحد يملي فيه جزء بذاك القدر يدل أنه أنما ألف الكتاب في تلك المدة، فكان الحكام مع اشتغاله بمؤلفات أخرى يشتغل بتأليف «المستدرك» والتزام أن يحضر في كل ثلاثة أشهر جزء ويخرجه للناس فيسمعونه إذا لو كان قد ألف الكتاب قبل ذلك وبيضه فلماذا يقتصر في أسماع الناس على يوم في كل ثلاثة أشهر؟ فأما إسراعه في أواخر فلعله فرغ من مصنفاته الأخرى التي كان يشتغل بها مع «المستدرك» فتفرغ لـ «المستدرك» وفي «فتح المغيث» ص ١٣ عند ذكر تساهل الحاكم في المستدرك «فيه عدة موضوعات حمله على تصحيحها إما التعصب لما رمي به من التشيع، وإما غيره فضلا عن الضعيف وغيره، بل يقال: أن السبب في ذلك أنه صنفه في أواخر عمره وقد حصلت له غفلة وتغير وأنه لم يتيسر له تحريره وتنقيحه، ويدل له أن تساهله في قدر الخمس الأول منه قليل جدا لما فيه فأنه وجد عنده: إلى هنا انتهى إملاء الحاكم» .
أقول: لا أرى الذنب للتشيع فإنه يتساهل في فضائل بقية الصحابة كالشيخين وغيرهم (١) وفي المطبوع ج ٣ ص ١٥٦ «حدثنا الحاكم ... أمل غرة ذي القعدة سنة اثنتين وأربعمائة» وعادته كما تقدم أن يملي في المجلس جزء في بضع وثلاثين صفحه من المطبوع فقد أملى إلى نحو صفحة ١٩٠ من المجلد الثالث المطبوع وذلك أكثر من نصف الكتاب فأما الموضع الذي فيه ج ٤ ص ٣٤٩ فإنما فيه «أخبرنا ... » وليس فيه لفظ «إملاء» ولا ذكر التاريخ.
стр. 672
والذي يظهر لي في ما وقع في «المستدرك» من الخلل أن له عدة أسباب:
الأول: حرص الحاكم على الإكثار وقد قال في خطبة «المستدرك» : «قد نبغ في عصرنا هذا جماعة من المبتدعة يشمتون برواة الآثار بأن جميع ما يصح عندكم من الحديث لا يبلغ عشرة آلاف حديث وهذه الأسانيد المجموعة المشتملة على الألف جزء أو أقل أو أكثر كلها سقيمة غير صحيحة» فكان له هوى في الإكثار للرد على هؤلاء.
والثاني: أنه قد يقع حديث بسند عال أو يكون غريبا مما يتنافس فيه المحدثين فيحرص على إثباته وفي «تذكرة الحفاظ» ج ٢ ص ٢٧٠ «قال الحافظ أبو عبد الله الأخرم استعان بي السراج في تخريجه على «صحيح مسلم» أتحير من كثرة حديثه وحسن أصوله، وكان إذا وجد الخبر عاليا يقول: لا بد أن يكتبه «يعني في المستخرج» فأقول: ليس من شروط صاحبنا «يعني مسلما فشفعني فيه» . فعرض للحاكم نحو هذا كلما وجد عنده حديثنا يفرح بعلوه أو غرابته اشتهى أن يثبته في «المستدرك» .
الثالث: أنه لأجل السببين الأولين ولكي يخفف عن نفسه من التعب في البحث والنظر لم يلتزم أن لا يخرج ما له علة وأشار إلى ذلك، قال في الخطبة: «سألني جماعة ... أن أجمع كتابا: يشتمل على الأحاديث المروية بأسانيد يحتج محمد بن إسماعيل ومسلم بن الحجاج بمثلها إذ لا سبيل إلى إخراج مالا علة له فإنهما رحمهما الله لم يدعيا ذلك لأنفسهما» ولم يصب في هذا فإن الشيخين ملتزمان أن لا يخرجا إلا ما غلب على ظنهما بعد النظر والبحث والتدبر أنه ليس له علة قادحة، وظاهر كلامه أنه لم يلتفت إلى العلل البتة وأنه يخرج ما كان رجاله مثل وإن لم يغلب على ظنه أنه ليس علة قادحة.
الرابع: أنه لأجل السببين الأولين توسع في معنى قوله: «بأسانيد يحتج ... بمثلها» ، فبنى على أن في رجال الصحيحين من فيه كلام فأخرج عن جماعة يعلم أن
стр. 673
فيهم كلاما. ومحل التوسع أن الشيخين إنما يخرجان لمن فيه كلام في مواضع معروفة.
أحدها: أن يؤدي اجتهادهما إلى أن ذاك الكلام لا يضره في روايته البتة، كما أخرج البخاري لعكرمة.
الثاني: أن يؤدي اجتهادهما إلى أن ذاك الكلام إنما يقتضي أنه لا يصلح للاحتجاج به وحده، ويريان أنه يصلح لأن يحتج به مقرونا أو حيث تابعه غيره ونحو ذلك.
ثالثها: أن يريا أن الضعف الذي في الرجل خاص بروايته عن فلان من شيوخه، أو برواية فلان عنه، أو بما يسمع منه غير كتابه، أو بما سمع منه بعد اختلاطه، أو بما جاء عنه عنعنة وهو مدلس ولم يأت عنه من وجه آخر ما يدفع ريبة التدليس. فيخرجان للرجل حيث يصلح ولا يخرجان له حيث لا يصلح. وقصر الحاكم في مراعاة هذا وزاد فأخرج في مواضع لمن لم يخرجا ولا أحدهما له بناء على أنه نظير من قد أخرجا له، فلو قيل له: كيف أخرجت لهذا وهو متكلم فيه؟ لعله يجيب بأنهما قد أخرجا لفلان وفيه كلام قريب من الكلام في هذا ولو وفى بهذا لهان الخطب، لكنه لم يف به بل أخرج لجماعة هلكى.
الخامس: أنه شرع في تأليف (المستدرك) بعد أن بلغ عمره اثنتين وسبعين سنة وقد ضعفت ذاكرته كما تقدم عنه وكان فيما يظهر تحت يده كتب أخرى يصنفها مع (المستدرك) وقد استشعر قرب أجله فهو حريص على إتمام (المستدرك) وتلك المصنفات قبل موته، فقد يتوهم في الرجل يقع في السند أنهما أخرجا له، أو أنه فلان الذي أخرجا له، والواقع أنه رجل آخر، أو أنه لم يخرج أو نحو ذلك، وقد رأيت له في (المستدرك) عدة أوهام من هذا القبيل يجزم بها فيقول في الرجل: قد أخرج له مسلم، مثلا، مع أن مسلما إنما أخرج لرجل آخر شبيه اسمه، يقول في الرجل: فلان الواقع في السند هو فلان بن فلان. والصواب أنه غيره.
لكنه مع هذا كله لم يقع خلل ما في روايته لأنه إنما كان ينقل من أصوله المضبوطة، وإنما وقع الخلل في أحكامه ن فكل حديث في (المستدرك) فقد سمعه
стр. 674
الحاكم كما هو، هذا هو القدر الذي تحصل به الثقة، فأما حكمه بأنه على شرط الشيخين، أو أنه صحيح، أو أن فلانا المذكور فيه صحابي، أو أنه هو فلان بن فلان، ونحو ذلك، فهذا قد وقع فيه (١) كثير من الخلل.
هذا وذكرهم للحاكم بالتساهل إنما يخصونه بـ (المستدرك) فكتبه في الجرح والتعديل لم يغمزه أحد بشيء مما فيها أعلم، وبهذا يتبين أن التشبث بما وقع له في (المستدرك) وبكلامهم فيه لأجله إن كان لإيجاب التروي في أحكامه التي في (المستدرك) فهو وجيه، وإن كان للقدح في روايته أو في أحكامه في غير (المستدرك) في الجرح والتعديل ونحوه فلا وجه لذلك، بل حاله في ذلك إطراح ما قام الدليل على أنه أخطا فيه، وقبول ما عداه. والله الموفق.
٢١٦- محمد بن عبد الله بت محمد بن عبد الله أبو الفضل الشيباني . في (تاريخ بغداد) ١٣ / ٣٩٦: «أخبرني الأزهري حدثنا أبو الفضل الشيباني حدثنا عبد الله بن أحمد الجصاص ... » . قال الأستاذ ص ١٠٧: «كتبوا عنه ثم بان كذبه فتركوا حديثه كما في (تاريخ الخطيب) ج ٥ ص ٤٦٧» .
أقول: ذكروا أنه كان ذا هيئة وسمت حسن يحفظ فانتخب عليه الدارقطني سبعة عشر جزءا وسمعها الناس منه وقال الدارقطني: «يشبه الشيوخ» ثم روى عن ابن المراد شيئا، فقيل له: الأكبر أم الأصغر؟ فقال: الأكبر. فقيل له: متى سمعت منه؟ فقال: سنة ٣١٠. فبلغ ذلك الدارقطني، فكذبه في ذلك وتركوا السماع منه، ثم فسد بعد ذلك فانضم إلى الرافضة، وصار يضع لهم على ما قال الخطيب. والأزهري الذي روى الخطيب هنا عنه من هذا الرجل هو ممن حكى القصة، فإنما روى عنه من تلك الأجزاء التي انتخبها الدارقطني. والله المستعان (٢) .
стр. 675
٢١٧- محمد بن عبيد الطنافسي . قال الأستاذ في (الترحيب) ص ٣٧: «يقول فيه أحمد: يخطئ. ولا يرجع عن خطئه» .
أقول: الظاهر أن خطأه إنما كان في اللحن فقد وصف بأنه يلحن، فأما الثقة، فقد وثقه أحمد نفسه، وابن معين وابن عمار والنسائي والعجلي وابن سعد والدارقطني وغيرهم، وقال ابن المديني: «كان كيسا» ، واحتج به الشيخان في (الصحيحين) وبقية الأئمة. وانظر ما يأتي في ترجمة المسيب بن واضح.
٢١٨- محمد بن أبي عتاب أبو بكر الأعين . مرت الإشارة إلى روايته في ترجمة محمد بن إبراهيم بن جناد. قال الأستاذ ص ١٥٨: «لم يكن من أهل الحديث، كما قال ابن معين» .
أقول: هذه كلمة مجملة، وقد فسرها الخطيب بقوله: «يعني لم يكن بالحافظ للطرق والعلل، وأما الصدق فلم يكن مدفوعا عنه» . وقال الأمام أحمد: «رحمه الله تعالى، مات ولا يعرف إلا الحديث، ولم يكن صاحب كلام، وإني لأغبطه» ، وذكره ابن حبان في (الثقات) وأخرج له مسلم في مقدمة (صحيحه) ولروايته المشار إليها شواهد كثيرة.
٢١٩- محمد بن عثمان بن أبي شيبة. جاءت عنه كلمة مرت الإشارة إلى موضعها في ترجمة راويها عنه طريف بن عبيد الله، وفي (تاريخ بغداد) ١٣ / ٤٢٠: «أخبرنا ابن رزق معين وسئل عن أبي حنيفة فقال: كان يضعف في الحديث» . قال الأستاذ ص ١٤٧: «المجسم الكذاب كذبه غير واحد» وقال ص ١٦٨: «كذاب مكشوف الأمر» .
أقول: أما ما يسميه الأستاذ تجسيما مما يجرح به كما مر في القواعد، وقد بسطت الكلام في قسم الاعتقاديات من هذا الكتاب. وأما التكذيب فإنه تفرد بنقله أحمد بن محمد بن سعيد ابن عقدة وليس بعمدة
стр. 676
كما تقدم في ترجمته، وتقدم في ترجمة محمد بن الحسين أنه لا يقبل من ابن عقدة ما ينقله من الجرح، ولا سيما إذا كان في مخالفة في المذهب كما هنا. ويؤكد ذلك هنا أن ابن عقدة نقل التكذيب عن عشرة مشهورين من أهل الحديث وتفرد بذلك كله فيما اعلم فلم يرو غيره عن أحد منهم تكذيب محمد بن عثمان ن وقد كان محمد ببغداد وبغاية الشهرة كثير الخصوم فتفرد ابن عقدة عن أولئك العشرة كاف لتوهين نقله. وقد كانت بين محمد بن عثمان ومحمد بن عبد الله بن سليمان الحضرمي مطين مشاقة ساق الخطيب بعض خبرها عن الحافظ أبي نعيم عبد الملك بن محمد بن عدي الجرجاني الذي توسط بينهما، ثم قال أبو نعيم: «طهر لي أن الصواب الإمساك عن قبول كل واحد منهما في صاحبه» . وليس في القصة ما هو بين في التكذيب. وذكر الخطيب عن حمزة السهمي أنه سأل الدارقطني عن محمد بن عثمان؟ فقال: «كان يقال: أخذ كتاب ابن أبي أنس وكتب غير محدث» وليس في هذا ما هو بين في الجرح لأنه لا يدري من القائل؟ ولا أن محمدا أخذ الكتب بغير حق، أو روى منها بغير حق، والحافظ العرف قد يشتري كتب غيره ليطالعها، كما كان الإمام أحمد يطلب كتب الواقدي وينظر فيها. وقال الخطيب: «سألت البرقاني عن ابن أبي شيبة فقال: لم أزل اسمع الشيوخ يذكرون أنه مقدوح فيه» . وليس في هذا ما يوجب الجرح، غذ لم يبين من هو القادح وما هو قدحه؟ وكأن ذلك إشارة إلى كلام مطين ونقل ابن عقدة، وقد مر ما في ذلك. وروى الخطيب عن ابن المنادي قال: «أكثر الناس عنه على اضطراب فيه ... كنا نسمع شيوخ أهل الحديث وكهولهم يقولون: مات حديث الكوفة بموت موسى بن إسحاق ومحمد بن عثمان واني جعفر الحضرمي وعبيد بن غنام» واضطرابه في بعض حديثه ليس بموجب جرحا.
وقال الخطيب أول الترجمة: «كان كثير الحديث واسع الرواية له معرفة وفهم ... سئل أبو علي صالح بن محمد عن محمد بن عثمان بن أبي شيبة؟ فقال: ثقة. سئل عبدان عن ابن عثمان بن أبي شيبة فقال: ما علمنا إلا خيرا» وفي (الميزان) و (اللسان) : «قال ابن عدي: لم أر له حديثا منكرا وهو على ما وصف لي عبدان
стр. 677
لا بأس به» . وفي (اللسان) (ذكره ابن حبان في (الثقات) وقال كتب عنه أصحابنا ... وقال مسلمة بن قاسم: لا بأس به كتب الناس عنه ولا أعلم أحدا تركه» . وذكر الأستاذ ص ٦٣ حكاية من (شرح السنة) جاءت من طريق محمد بن عثمان وفيها زيادة هن خالد بن نافع، وراح الأستاذ يتكلم فيها ويحمل على محمد بن عثمان. فأما زيادة خالد بن نافع إن قام الدليل على بطلان ما فيها فالذنب لخالد وأما بقية الحكاية فإنما الإيهام في سياقها، فإنه يوهم أن حمادا شهد عند ابن أبي ليلى بعد ولايته القضاء، والذي تبينه الروايات الأخرى أن حمادا كان يذكر ذلك ثم بعد موت حماد رفعت القضية إلى ابن أبي ليلى وشهد ناس بمثل ما يذكره حماد، وليس من شرط الثقة أن لا يخطئ ولا يهم، فما من ثقة إلا وقد أخطأ، وإنما شرط الثقة أن يكون صدوقا الغالب عليه الصواب، فإذا كان فما تبين أنه أخطأ فيه اطرح، وقبل ما عداه. والله الموفق.
٢٢٠- محمد بن علي أبو جعفر الوراق، لقبه حمدان . في (تاريخ بغداد) ١٣ / ٣٩٣ من طريق أبي بكر الشافعي «حدثنا محمد بن علي أبو جعفر حدثنا أبو سلمة ... » قال الأستاذ ص ٩٦: «هو حمدان الوراق حنبلي جلد من أصحاب أحمد» .
أقول: بحسب حمدان من الفضل أن لا يجد هذا الطعان ما يذمه به إلا نسبته إلى السنة وإمامها. والحمد لله الذي أنطق الكوثري بتلك الكلمة فإنها مما يكشف تمويه الجهمية، ويهتك الحجب التي سدلوها بين المسلمين وكتاب ربهم وسنة نبيهم وإمامهم الحق.
ولحمدان ترجمة في (تذكرة الحفاظ) ج ٢ ص ١٥٢ قال: «الحافظ المتقن ... قال الخطيب: كان فاضلا حافظا عارفا ثقة، روى ابن شاهين عن أبيه قال: كان من نبلاء أصحاب أحمد، وقال ابن المنادي: حمدان بن علي مشهود له الفضل والصلاح والصدق ... وقال الدارقطني: ثقة» .
стр. 678
٢٢١- محمد بن علي بن الحسن بن شقيق . راجع (الطليعة) ص ١٠٨ قال الأستاذ في (الترحيب) ص ٥٠: «أما قولي في محمد بن علي بن الحسن بن شقيق: ليس بالقوي فيكفي في إثباته إعراض الشيخين عن إخراج حديثه في (الصحيح) مع روايتهما عنه خارج (الصحيح) » .
أقول: ليس هذا بشيء، من شأنهما في (الصحيح) أن يتطلبا العلو ما وجدوا إليه سبيلا، ولا يرضيان بالنزول إلا أن يتفق لهما حديث صحيح تشتد الحاجة إلى ذكره في (الصحيح) ولا يقع لهما إلا بنزول. فلم يتفق لهما ذلك هنا، وهذا الرجل سنه قريب من سنهما فروايتهما عنه نزول، وهناك وجوه أخر لعدم إخراجها للرجل في الصحيح، راجع ترجمة إبراهيم بن شماس ولهذا لم يلتفت المحققون إلى عدم إخراجها للرجل في الصحيح، راجع ترجمة إبراهيم بن شماس ولهذا لم يلتفت المحققون إلى عدم إخراجها فلم يعدوا عدم إخراجهما الحديث دليلا على عدم صحته، ولا عدم إخراجها للرجل دليلا على لينه. ومحمد هذا وثقه النسائي، والنسائي ممن قد يفوق الشيخين في التشدد كما نبهوا عليه في ترجمته، ووثقه غيره أيضا، وروى عنه أبو حاتم وقال: «صدوق» وأبو زرعة ومن عادته أن لا يروي إلا عن ثقة كما في لسان الميزان (ج ٢ ص ٤١٦) ، وبقي بن مخلد وهو لا يروي إلا عن ثقة كما مر في ترجمة أحمد بن سعد، وابن خزيمة وهو لا يروي في (صحيحه) إلا عن ثقة. والله الموفق.
٢٢٢- محمد بن علي بن عطية أبو طالب المكي . في (تاريخ بغداد) ١٣ / ٤١٣ حكاية من طريقة. قال الأستاذ ص ١٤٧: «أحد السالمية ويقول عنه الخطيب: إن له أشياء منكرة في الصفات. ثم روى عنه» .
أقول: عبارة الخطيب ج ٣ ص ٨٩: «صنف كتابا سماه (قوت القلوب) على لسان الصوفية ذكر فيه أشياء منكرة مستشنعة في الصفات ... قال العتيقي: وكان رجلا صالحا مجتهدا في العبادة» .
أقول: يراجع كتابه فقد يكون المستنكر إنما هو من رأيه، لا روايته، فإذا كان
стр. 679
كذلك فقد مر تحقيقه في القواعد.
٢٢٣- محمد بن علي البلخي . في (تاريخ بغداد) ١٣ / ٤٠٩: أخبرنا أبو حازم عمر بن أحمد بن إبراهيم العبدوي الحافظ بنيسابور أخبرنا محمد بن أحمد بن الغطريف بجرجان حدثنا محمد بن علي البلخي حدثني محمد بن أحمد التميمي بمصر حدثني محمد بن جعفر الأسامي قال: كان أبو حنيفة يتهم شيطان الطاق ... » .
حكى الأستاذ هذه العبارة ص ١٣٥ وزاد فيها قبل بن محمد بن جعفر «عبد الله بن» بين قوسين يعني أن الصواب « ... بمصر حدثني عبد الله بن محمد بن جعفر الأسامي ... » ثم قال: «محمد بن علي بن الحسن البلخي الهروي يغلب على رواياته المناكير ومحمد بن أحمد التميمي العامري المصري كان كذابا يروي نسخة موضوعة كما قال ابن يونس وبالنظر إلى أن وفاته سنة ٣٤٣ لا يكون شيخه ولد إلا في النصف الأخير من المائة الثالثة فيكون بين محمد ابن جعفر الأسامي شيخه وبين شيطان الطاق المعاصر لأبي حنيفة زمان» .
أقول: البلخي الذي ذكره الأستاذ يقال له: «الجباخاني» توفي سنة ٣٥٧ فكأنه أصغر من الغطريفي فإن مولد الغطريفي قديم فقد سمع من الحسن بن سفيان المتوفى ٣٠٣ ونحوه. ومحمد بن أحمد الذي تكلم فيه ابن يونس هو محمد بن أحمد بن عبد الله بن عبد الجبار بن هاشم بن عبد الجبار ابن عبد الرحمن بن عيسى بن وردان الورداني العامري المصري، لم يذكروا أنه يقال له: «التميمي» والذي في سند الخطيب «التميمي» وليس فيه «العامري» والتميمي والعامري لا يجتمعان في حاق النسب، زد على هذا أن العامري توفى سنة ٣٤٣ فسنه قريب من سن الغطريفي والجباخاني - هذا وفي السند قول التميمي: «حدثني محمد بن جعفر الأسامي» .
فإن كان الأستاذ أومأ بزيادته إلى أنه عبد الله بن محمد بن أسامة الأسامي المذكور في (الميزان) و (اللسان) فلا أرى العامري أدركه لأن عبد الله يروي عن الليث بن سعد المتوفى سنة ١٧٥ وابن لهيعة المتوفى قبل ذلك، وإن أراد أن شيخ العامري هو والد عبد الله هذا فذلك أبعده مع أنه محمد بن أسامة، لا محمد بن جعفر.
стр. 680
فالحاصل أننا لم نعرف التميمي ولا الأسامي ولم نتحقق من هو البلخي؟ والله اعلم.
٢٢٤- محمد بن علي أبو العلاء الواسطي القاضي . تقدمت الإشارة إلى روايته في ترجمة محمد بن عثمان بن أبي شيبة. قال الأستاذ ص ١٤٧: «وهذا أيضا في عداد المحفوظ عند النقلة في النظر الخطيب نع أنه هو الذي يقول عن أبي العلاء الواسطي: رأيت له أصولا مضطربة وأشياء سماعه فيها مفسود إما مصلح بالقلم وإما مكشوط بالسكين، وقد انفرد برواية المسلسل بأخذ اليد» .
أقول: أما القضية المحفوظ فقد أجبنا عنها في ترجمة الخطيب، وأما ما وقع في أصول أبي العلاء فالخطيب هو الذي حقق ذلك، فالظن به أنه انتقى من مرويات أبي العلاء ما تبين له صحة سماعه فذاك هو الذي يرويه عنه، وأما المسلسل فقد بين أبو العلاء وهمه فيه ورجع عنه كما ذكره الخطيب. وقال ابن حجر في (اللسان) : «الذي يظهر لي ... أنه وهم في أشياء بين الخطيب بعضها، وأما كونه اتهم بها أو ببعضها فليس هذا مذكورا في تاريخ الخطيب ولا غيره ... وفي الجملة فأبو العلاء لا يعتمد على حفظه فأما كونه متهماً فلا» .
أقول: قد يقال: إنه اتهم في دعوى السماع، وإن لم يتهم بالوضع. والله أعلم.
٢٢٥- محمد بن عمر بن محمد بن بهتة . تقدمت الإشارة إلى روايته في ترجمة ابن عقدة. قال الأستاذ ص ٧٨: «شيعي لا يرضاه الخطيب» .
أقول: إنما قال الخطيب «سألت البرقاني عن ابن بهتة فقال: لا بأس: لا بأس به إلا أنه كان يذكر أن في مذهبه شيئا، ويقولون: هو طالبي. قلت للبرقاني تعني بذلك أنه شيعي، قال نعم. أخبرنا أحمد بن محمد بن محمد العتيقي قال سنة ٢٧٤ فيها توفي أبو الحسن محمد بن عمر بهتة في رجب وكان ثقة» . فقد ثبت التوثيق ولم يثبت ما ينافيه. (١)
стр. 681
٢٢٦- محمد بن عمرو العقيلي الحافظ . قال الأستاذ ص ١٥٠: «ذلك المتعصب الخاسر» وقال ص ١٦٣: «لا نستطيع أن نثق بمثل الخطيب ولا بمثل العقيلي بعد أن شاهدنا منهما ما شاهدناه» .
أقول: لا حرج أن نتسامح مع الأستاذ فنقول: قد كان في العقيلي تشدد ما فينبغي التثبيت فيما يقول من عند نفسه في مظان تشدده، فأما روايته فهي مقبولة على كل حال وقد تقدم إيضاح ذلك في القواعد، فأما الخسران فالعقيلي بعيد عنه بحمد الله، وأما قوله: «لا نستطيع أن نثق» فليس الأستاذ بأول من غلبه هواه!
٢٢٧- محمد بن عوف . تقدمت الإشارة إلى حكايته في ترجمة إسماعيل بن عياش قال الأستاذ ص ١٠٠ «مجهول لأنه ليس أبا جعفر الطائي الحمصي الحافظ لتأخر ميلاده عن وفاة إسماعيل بن عياش» .
أقول: لم يتضح لي أمره ولعله وقع في السند سقط والحكاية ثابتة من وجوه أخرى.
٢٢٨- محمد بن الفضل السدوسي المشهور بعارم . في (تاريخ بغداد) ١٣ / ٣٩٢ من طريق الآبار وحدثنا عن الحسن بن علي الحلواني «حدثنا يزيد بن هارون عن حماد ... ح ... الآبار وحدثنا أبو موسى عيسى بن عامر حدثنا عارم عن حماد ... » ثم ساق الخطيب نحو ذلك من طريق إبراهيم بن الحجاج عن حماد بن زيد. قال الأستاذ ص ٩٤: «عارم - محمد ابن الفضل اختلط اختلاطا شديدا بعد سنة ٢٢٠ وعيسى بن عامر ممن سمع منه بعد ذلك» .
أقول: أما هذه الحكاية فقد تابع عارما عليها ثقتان كما رأيت، وأما سماع عيسى من عارم بعد اختلاطه فلم يثبته الأستاذ، وقد قال الدارقطني في عارم: «تغير بأخرة وما ظهر له بعد اختلاطه حديث منكر وهو ثقة» وخالفه ابن حبان فرد عليه
стр. 682
الذهبي كما في (الميزان) (١) .
٢٢٩- محمد بن فليح بن سليمان . مرت الإشارة إلى حكايته في ترجمة سليمان بن فليح قال الأستاذ ص ٦٢: «يقول عنه ابن معين: إنه ليس بثقة» .
أقول: روى أبو حاتم عن معاوية بن صالح عن ابن معين: «فليح بن سليمان ليس بثقة، ولا ابنه» . فسئل أبو حاتم فقال: «ما به بأس، ليس بذاك القوى» وقد اختلفت كلمات ابن معين في فليح قال مرة: «ليس بالقوي ولا يحتج بحديثه، هو دون الدراوردي» وقال مرة: «ضعيف ما أقربه من أبي أويس» وقال مرة: «أبو أويس مثل فليح: صدوق وليس بحجة» . فهذا كله يدل أن قوله في الرواية الأولى: «ليس بثقة» ، إنما أراد أنه ليس بحيث يقال له ثقة وترداد الوطأة خفة في قوله: «ولا ابنه» فإنها أخف من أن يقال في الابن: «ليس بثقة» ويتأكد ذلك بأن محمد بن فليح روى عنه البخاري في (الصحيح) والنسائي في (السنن) وقال الدارقطني: «ثقة» وذكره ابن حبان في (الثقات) .
٢٣٠- محمد بن كثير العبدي . في (تاريخ بغداد) ١٣ / ٤١٧ من طريق ابن أبي حاتم «حدثني أبي قال سمعت محمد بن كثير العبدي يقول: كنت عند سفيان الثوري فذكر حديثا فقال رجل حدثني فلان بغير هذا، فقال: من هو؟ قال: أبو حنيفة. قال: أحلتني على غير مليء» قال الأستاذ ص ١٦١: «فيه يقول ابن معين: لا تكتبوا عنه، لم يكن بالثقة» .
أقول: قال الإمام أحمد: «ثقة، لقد مات على سنة» وقال أبو حاتم مع تشدده:
стр. 683
«صدوق» وأخرج له الشيخان في (الصحيحين) وبقية الستة روى عنه أبو داود وهو لا يروي إلا عن ثقة كما تقدم في ترجمة أحمد بن سعد بن أبي مريم، وروى عنه أبو زرعة ومن عادته أن لا يروي إلا عن ثقة كما في (لسان الميزان) ج ٢ ص ٤١٦ وقال ابن حبان في (الثقات) : «كان تقيا فاضلا» وهذا كله يدل أن ابن معين إنما أراد بقوله: «ليس بثقة» أنه ليس بالكامل في الثقة، فأما كلمة «لا تكتبوا عنه» فلم أجدها، نعم قال ابن الجنيد عن ابن معين: «كان في حديثه ألفاظ، كأنه ضعفه» قال: «ثم سألته عنه فقال: لم يكن لسائل أن يكتب عنه» وابن معين كغيره إذا لم يفسر الجرح وخالفه الأكثرون يرجح قولهم. ولهذه الحكاية عدة شواهد عند الخطيب وغيره.
٢٣١- محمد بن كثير المصيصي . تقدمت روايته في ترجمة علي بن زيد الفرائضي.
قال الأستاذ ص ١١١: «ضعفه أحمد عندي ثقة» هو أحمد أيضا لا أبو حاتم وقال أحمد عقبها: «بلغني أنه قيل له كيف سمعت من معمر؟ قال: سمعت منه باليمن، بعث بها إلي إنسان من اليمن» . فهذه حجة أحمد، حمل الحكاية على أن محمد بن كثير لم يسمع من معمر، وإنما بعث إليه أنسأن بصحيفة من اليمن فيها أحاديث عن معمر فظن محمد بن كثير أن ذلك يقوم مقام السماع من معمر. وليس هذا بالبين غذ قد يكون مراده «سمعت منه باليمن وتركت أصلي باليمن ثم بعث إلي» فأما أبو حاتم فإنما قال: «كان رجلا صالحا سكن المصيصة، وأصله من صنعاء اليمن، كان في حديثه بعض الإنكار» وقال أيضا: «سمعت الحسن بن الربيع يقول: محمد بن كثير اليوم أوثق الناس، وينبغي لمن يطلب الحديث لله تعالى أن يخرج إليه، كان يكتب عنه وأبو إسحاق الفزاري حي، وكان يعرف بالخير مذ كان» وقال ابن الجنيد عن ابن معين: «كان صدوقا» وقال عبيد بن محمد الكشوري عن ابن معين: «ثقة» وقال ابن سعد: «كان ثقة ويذكرون أنه اختلط في أواخر عمره» وقال ابن حبان في
стр. 684
(الثقات) : «يخطئ ويغرب» وقال أبو داود: «لم يكن يفهم الحديث» . وقال أبو حاتم: «دفع إلى محمد بن كثير كتاب من حديثه عن الأوزاعي فكان يقول في كل حديث منها: ثنا محمد بن كثير عن الأوزاعي» ! وقال الذهبي: «هذا تغفيل يسقط الراوي به» .
أقول: أما السقوط فلا، وقد انتقدوا عليه أحاديث ذكرها الذهبي في (الميزان) .
الأول: روى عن الثوري عن إسماعيل عن قيس عن جرير: أظنه - شك ابن كثير - فذكر حديثا. قالوا: الصواب بالسند عن قيس عن دكين. وقد شك محمد بن كثير وبين شكه وليس من شرط الثقة أن لا يشك.
الثاني: حديث في قراءة (يس) رفعه محمد بن كثير وصوبوا أنه مرسل، وهذا خطأ هين يحتمل للمكثر.
الثالث: حديث رواه عن الأوزاعي عن ابن عجلان عن سعيد بن أبي سعيد المقبري عن أبيه عن آبى هريرة مرفوعا: «إذا وطئ أحدكم الأذى بخفيه ... » رواه هكذا أبو داود من طريق محمد بن كثير، ورواه آخرون عن الأوزاعي قال: أنبئت أن سعيد المقبري حدث عن أبيه ... » وليس في هذا ما يقطع به بالوهم، فإن كان وهم فمثله يحتمل للمكثر لأن الأوزاعي مما يروي عن ابن هذا ما عجلان عن سعيد المقبري.
الرابع: أخرج الترمذي عن الحسن بن الصباح عن محمد بن كثير - زاد في بعض النسخ: العبدي (؟) - عن الأوزاعي عن قتادة عن أنس قال: رأى النبي ﷺ أبا بكر وعمر فقال: هذان سيدا كهو ل الجنة ... » قال الترمذي: «حسن غريب من هذا الوجه» ثم أخرجه من حديث علي. وهذا الحديث ذكر في (الميزان) و (التهذيب) في ترجمة محمد بن كثير المصيصي وأنه أنكر عليه ن ذكر لابن المديني فقال: «كنت أشتهي أن أرى هذا الشيخ، فالآن لا أحب أن أراه» وأحسب أبا
стр. 685
حاتم وابن حبان إنما أشارا إلى هذا الحديث إذ قال الأول: «في حديثه بعض الإنكار» وقال الثاني: «يغرب» والحديث مذكور من حديث علي ﵁، ووهم محمد بن كثير في إسناده لا يسقطه بل حقه أن يتقى ما يظهر أنه وهم فيه ن ويحتج به فيما توبع عليه، وينظر فيما تفرد به، وليس بمنكر. والله أعلم.
٢٣٢- محمد بن محمد بن سليمان الباغندي وأبوه . تاريخ بغداد ١٣ / ٣٧١: «أخبرني الحسن بن محمد الخلال حدثنا محمد بن العباس الخزاز- وأخبرنا محمد بن أحمد بن حسنون الترسي أخبرنا موسى بن عيسى بن عبد الله السراج - قالا حدثنا محمد بن الباغندي حدثنا أبي قال: كنت عند عبد الله بن الزبير فأتاه كتاب أحمد بن حنبل: اكتب إلي بأشنع مسألة عن أبي حنيفة فكتب إليه: حدثني الحارث بن عميد قال: سمعت أبا حنيفة يقول ... » .
قال الأستاذ ص ٣٧: « ... قال الدارقطني: كان كثير التدليس يحدث بما لم يسمع وربما سرق اهـ ... وكان إبراهيم بن الأصبهاني يكذبه، وكان الأب يكذب الابن، والابن الأب، وكثير من أهل النقد يصدقهما في تكذيب أحدهما الآخر ... ومن الدليل على بطلان الخبر من أسامة أن الحميدي مكي لم يجالس أصحاب أبي حنيفة ولا درس فقهه، وأحمد عراقي تفقه على أصحاب أبي حنيفة فمثل أحمد العراقي لا يسأل الحميدي المكي ... » .
أقول: أما خبر تكذيب كل منهما الآخر، فرواه الخطيب عن أبي العلاء محمد بن علي الواسطي وقد تقدمت ترجمته عن عبد الله بن إبراهيم الزبيبي (١) قال: قال أبو بكر أحمد بن أبي الطيب المؤدب ... وأبو بكر هذا لم أظفر بترجمته، فإن صحت الحكاية فالظاهر أن الأب إنما أنكر على الابن شدة التدليس الذي صورته كذب كما يأتي، فأما كلمة الابن ففلتة لسان عند سورة غضب فلا يعتد بها، والأب ذكره ابن حبان في (الثقات) وحكى السلمي عن الدارقطني أنه قال: «لا بأس به» ، وقال الخطيب: «مذكور بالضعف، ولا أعلم لأية علة ضعف فإن رواياته كلها مستقيمة
стр. 686
ولا أعلم في حديثه منكرا» .
أقول: لعل ابن أبي الفوارس إنما ضعفه لأنه قد يخطئ كما وقع في هذه الحكاية جعلها من رواية الحميدي عن الحارث بن عمير والصواب: الحميدي عن حمزة بن الحارث بن عمير عن أبيه كما قاله حنبل بن إسحاق.
وأما الابن فقال الإسماعيلي: «لا أتهمه ولكنه خبيث التدليس» وقال ابن مظاهر: «هذا رجل لا يكذب ولكن يحمله الشره على أن يقول حدثنا» .
وروى الخطيب من طريق عمر بن الحسن بن علي وقد تقدمت ترجمته قال: «سمعت أبا عبد الله محمد بن أحمد بن أبي خيثمة وذكر عنده أبو بكر محمد بن محمد بن سليمان الباغندي فقال: ثقة كثير الحديث لو كان بالموصل لخرجتم إليه ولكنه منطرح إليكم ولا تريدونه» جزم الذهبي في (التذكرة) و (الميزان) وتبعه ابن حجر في (اللسان) بنسبة هذه الكلمة إلى محمد بن أحمد أبي خيثمة بناء على الوثوق بعمر بن الحسن وقد مرت ترجمته.
وقال الحاكم عن ابن المظفر: «الباغندي ثقة إمام لا ينكر منه إلا التدليس والأئمة دلسوا» وقال الخطيب: «لم يثبت من أمر ابن الباغندي ما يعاب به سوى التدليس ورأيت كافة شيوخنا يحتجون بحديثه ويخرجونه في الصحيح» وقال الذهبي بعد أن حكى كلمة ابن الأصبهاني: «بل هو صدوق من بحور الحديث» وقال ابن حجر في (طبقات المدلسين) ص ١٥: «مشهور بالتدليس مع الصدق والأمانة» .
أقول: هي قضية واحدة أطلق بعضهم أنها كذب وبعضهم أنها تحديث بما لم يسمع وبعضهم أنها تدليس خبيث. وهو أنه كان يطلق فيما أخذه من ثقة عن أبي بكر بن أبي شيبة مثلا «حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة» ! وإذا قد عرف اصطلاحه في هذا فليس بكذب.
وفي (فتح المغيث) ص ٧٥ نظائر قال: «كقول الحسن البصري خطبنا ابن عباس، و: خطبنا عتبة بن غزوان. وأراد أهل البصرة بلده فإنه لم يكن بها حين خطبتهما ونحوه في قوله: ثنا أبو هريرة. وقول طاوس: قدم علينا معاذ اليمن. وأراد أهل بلده فإنه لم يدركه» وقال: قبل ذلك: «بل وصف به من
стр. 687
صرح بالإخبار في الإجازة كأبي نعيم والتحديث في الوجادة كإسحاق بن راشد الجزري وكذا فيما لم يسمعه كفطر بن خلفية ... وقال ابن عمار عن القطان: كان فطر صاحب ذي: سمعت، سمعت. يعني أنه يدلس فيما عداها» ولا شبهة في جواز مثل هذا لغة إذا كانت هناك قرينة، وقد خاطب الله تعالى اليهود في عصر محمد ﷺ بقوله: «وَإِذْ أَنْجَيْنَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ» الآيات وفيها: «وإذ قلتم يا موسى» وفي (الصحيح) عن السائب بن يزيد: «كنا نؤتي بالشارب في عهد رسول الله ﷺ ... » . قال ابن حجر في (الفتح) : «وفيه إسناد القائل الفعل بصيغة الجمع التي هو فيها مجازا ... لأن السائب كان صغيرا جدا ... فكأن مراده بقول: كنا، أي الصحابة» . وكثيرا ما يقع في أشعار العرب: «قتلنا فلانا» وفعلنا وفعلنا، والفاعل غيره من قومه، فإذا كانت هناك قرينة تنقي الحقيقة أو تدافع ظهور الكلمة فيها خرجت عن الكذاب، ومن القرينة أن يعرف عن الرجل أنه مما يستعمل هذا وإن لم تكن هناك قرينة خاصة، اتكالا على هذه القرينة العامة وهي أنه مما يستعمل ذلك.
وأما قول الدارقطني: «ربما سرق» فكأنه أراد بها أنه قد يقول: «حدثنا أبو بكر ابن أبي شيبة» مثلا فيما لم يسمعه من أبي بكر ولا ممن سمعه من أبي بكر وإنما وجده في كتاب رجل سمعه من أبي يكر، كأن الدارقطني أخذ هذا من قصة حكاها عن ابن حنزابة وليست بالبينة في ذلك، وهب أن ذلك صح فالوجادة صحيحة من طرق التحمل فآل الأمر إلى التدليس، وقد دلت استقامة حديث الباغندي وخلوه عن المناكير على أنه كان لا يدلس إلا فيما لا شبهة في صحته عمن يسميه فلا يقول مثلا: «حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة» إلا فيما يستيقن أن أبا بكر بن أبي شبيه حدث به فهذا تحقيق حاله.
أما قول الأستاذ: «ومن الدليل على بطلان الخبر ... » فليس بشيء لأن غالب
стр. 688
الكلمات المستشنعة من أبي حنيفة كانت منه إذ كان بمكة في أوائل أمره كما يعلم من تتبع الحكايات، وكان الحميدي تتبع ذلك وأصحاب أبي حنيفة الذين سمع منهم أحمد شيئا في بدء أمره، وقد تقدم النظر في ذلك في ترجمته - كان أدبهم يمنعهم من الأخبار عن شيخهم بما يستشنع، ولا سيما إذا علموا أن ذلك كان في أول أمره، ثم رجع أو كف عنه. والله المستعان. (١)
٢٣٣- محمد بن المظفر بن إبراهيم أبو المفتوح الخياط . تقدمت الإشارة إلى روايته في ترجمة محمد بن علي بن عطية. قال الأستاذ ص ١٤٨: «لا يعرفه أحد سوى الخطيب ولا روى عنه أحد سواه» .
أقول: بنى هذه المجازفة على قول الخطيب في ترجمة هذا الرجل: «كتبت عنه في سنة ٤١٣ وهو شيخ صدوق كان يسكن دار إسحاق، ولا أعلم كتب عنه أحد غيري» .
ويكفي هذا الرجل رواية الخطيب وتصديقه.
٢٣٤- محمد بن معاوية الزيادي . تقدمت الإشارة إلى روايته في ترجمة زكريا بن يحيى الساجي. قال الأستاذ ص ١٨: «والزيادي ممن أعرض عنهم الأئمة الستة في أصولهم، وعادة ابن حبان في التوثيق معروفة» .
أقول: قد قدمنا مرارا أن كونهم لم يخرجوا للرجل ليس بدليل على وهنه عندهم ولا سيما من كان سنة قريبا من سنهم وكان مقلا كهذا الرجل فإنهم كغيرهم من أهل الحديث إنما يُعنون بعلو الإسناد ولا ينزلون إلا لضرورة، وقد روى النسائي عن هذا الرجل في (عمل اليوم والليلة) وقال في مشيخته: «أرجو أن يكون صدوقا، كتبت عنه شيئا يسيرا» وإنما قال «أرجو ... » لأنه إنما سمع منه شيئا يسيرا ولم يتفرغ لاختباره لاشتغاله بالسعي وراء من هم أعلى منه إسنادا ممن هم
стр. 689
في طبقة شيوخ هذا الرجل، وقد قال مسلمة بن قاسم: «ثقة صدوق» وقال ابن حبان في (الثقات) : «كان صاحب حديث» . فدل هذا أنه قد عرفه حق معرفته وقد قدمنا في ترجمة ابن حبان أن مثل هذا من توثيقه توثيق مقبول، بل قد يكون أثبت من توثيق كثير من الأئمة، لأن ابن حبان كثيرا ما يتعنت في الذين يعرفهم، ولم يغمزه أحد.
٢٣٥- محمد بن موسى البربري . في (تاريخ بغداد) ١٣ / ٣٧٤ من طريق يعقوب ابن سفيان قال: «حدثنا سليمان بن حرب» ثم من طريق البربري هذا «حدثنا ابن الغلابي عن سليمان في ترجمة طلق بن حبيب. قال الأستاذ ص ٤٣: «قال عنه الدارقطني إنه لم يكن بالقوي. ولم يكن يحفظ غير حديثين أحدهما موضوع عند الأكثرين» .
أقول: كلمة الدارقطني تعطي أنه في الجملة كما مر في ترجمة الحسن بن الصباح، وأما الحفظ فليس بشرط، كان علم الرجل في كتبه ومنها يروي، وذلك أثبت من الحفظ، والحديث الذي زعم الكوثري أنه موضوع، هو حديث الطير، وقد تقدمت الإشارة إليه في ترجمة عبد الله بن محمد بن عثمان ابن السقاء، وأهل الحديث يروونه قبل أن يخلق البربري بزمان طويل، فأي شيء عليه إذا رواه؟ فأما حفظة له فكأنه لأن الناس كانوا يكثرون من السؤال عنه. ومع هذا فقد توبع البربري في هذه الحكاية كما رأيت.
٢٣٦- محمد بن ميمون أبو حمزة السكري . في (تاريخ بغداد) ١٣ / ٣٩٤ من طريق «إسحاق بن راهويه حدثني أحمد بن النضر قال: سمعت أبا حمزة السكري يقول: سمعت أبا حنيفة ... » قال الأستاذ ص ٩٧: «مختلط وإنما روى عنه من روى من أصحاب الصحاح قبل الاختلاط» .
أقول: لم يختلط، وإنما قال النسائي: «ذهب بصره في آخر عمره، فمن كتب
стр. 690
عنه قبل ذلك فحديثه جيد» وإنما يخشى منه بعد عماه أن يحدث من حفظه بالأحاديث التي تطول أسانيدها وتشتبه فيخطئ، وليس ما هنا كذلك، فأما ذكر ابن القطان الفاسي له فيمن اختلط فلم يعرف له مستند غير كلام النسائي، وقد علمت أن ذلك ليس بالاختلاط الاصطلاحي.
٢٣٧- نصر بن محمد بن مالك . (تاريخ بغداد) ١٣ / ٤١٢: «أخبرني الحسن بن أبي طالب أخبرنا محمد بن نصر بن مالك حدثنا أبو الحسن علي بن إبراهيم النجاد ... » قال الأستاذ ص ١٤٤: «ذلك الكذاب صاحب التسميع الطري ... » .
أقول: قال الأزهري: «حضرت عند محمد بن نصر بن مالك فوجدته على حاله عظيمة من الفقر والفاقة وعرض على شيئا من كتبه لأشتريه، ثم انصرفت من عنده وحضرت عند أبي الحسن ابن رزقويه فقال لي: ألا ترى ابن مالك؟ جاءني بقطعة من كتب أبي الدنيا قال اشترها مني فإن فيها سماعك معي ... قال الأزهري: فنظرت في تلك الكتب وقد سمع فيها ابن مالك بخطه لبن رزقويه تسميعا طريا» فهذا الرجل أنما خلط بأخرة لعظم ما نزل به، والحكاية التي رواها الخطيب من طريقه راويها عنه من المتثبتين الذين كانت عادتهم أن لا يسمعوا من الرجل إلا من أصوله الموثوق بها. (١)
٢٣٨- محمد بن يعلي زنبور . في (تاريخ بغداد) ١٣ / ٣٧٥ من طريقة: «سمعت أبا حنيفة يقول: قدمت علينا امرأة جهم بن صفوان فأدبت نسائنا» . قال الأستاذ ص ٤٨: «قال البخاري عنه: ذاهب الحديث. و «قال» النسائي: ليس بثقة - و «قال» أبو حاتم: متروك و «قال» أحمد بن سنان: كان جهميا. ومن المقرر عند أهل النقد أن رواية المبتدع لا تقبل فيما يؤيد به بدعته ... على أنه مات سنة ٢٠٤ فيصغر عن إدراك ما يمكن أن يتصور حدوثه في أواخر الدولة الأموية» .
стр. 691
أقول: قد وثقه أبو كريب وذكره ابن حبان في (الثقات) وقال: «لا يجوز الاحتجاج به فيما خالف فيه الثقات» والظاهر أنهم شددوا عليه لبدعته ورواية المبتدع قد تقدم النظر فيها في القواعد ن وروايته هذه لها شوهد تدل أن للقصة أصلا، والمنقول أنه توفي سنة ٢٠٥ ولم يحك أنه شاهد القصة: إنه يصغر عن إدراكها، إنما حكى قول أبي حنيفة وقد أدركه وسمع منه وروى عنه.
٢٣٩- محمد بن يوسف الفريابي . في (تاريخ بغداد) ١٣ / ٤١٢ من طريقه «كنا في مجلس سعيد بن عبد العزيز بدمشق ... » قال الأستاذ ص ١٤٦: «ذلك الرجل الصالح الذي سكن عسقلان مرابطا ... وكان يأمر أهل الثغر بالاستثناء في كل شيء ... وكان بالغ العداء للمرجئة الذين لا يستثنون في الإيمان ... »
أقول: الإرجاء والاستثناء قد تعرضت لهما في قسم الاعتقاديات. والمخالفة في المذهب قد تقدم النظر فيها في القواعد واتضح أنها لا تقدح في الرواية كما لا ترد بها الشهادة، والفريابي ثقة ثبت فاضل لا يتهمه إلا مخذول.
٢٤٠- محمد بن يونس الجمال . في (تاريخ بغداد) ١٣ / ٤١٦ من طريقة «سمعت يحيى بن سعيد يقول: سمعت شعبة يقول: كيف من تراب خير من أبي حنيفة» . قال الأستاذ ص ١٥٩: «قال محمد بن الجهم هو عندي متهم، قالوا: كان له ابن يدخل عليه الأحاديث، وقال ابن عدي: ممن يسرق الناس ... »
أقول: محمد بن الجهم هو السمري صدوق وليس من رجال هذا الشأن وقوله: «قالوا كان له ابن ... » لم يبين من القائل، وابن عدي إنما رماه بالسرقة لحديث واحد رواه عن ابن عيينة فذكر ابن عدي أنه حديث حسين الجعفي ثقة ثبت فالحديث ثابت عن ابن عيينة وقد سمع الجمال من ابن عيينة فالحكم على الجمال بأنه لم يسمعه وإنما سرقه ليس بالبين، لكن لم أر من وثق الجمال فهو ممن يستشهد به في الجملة. والله أعلم.
٢٤١- محمد بن يونس الكديمي مرت الإشارة إلى روايته في ترجمة ضرار بن صرد قال الأستاذ ص ٦٠: «متكلم فيه راجع (ميزان الاعتدال) » .
стр. 692
أقول: الكديمي ليس بعمدة وقد توبع على روايته المذكورة كما تقدم، ومر له ذكر في ترجمة سفيان الثوري.
٢٤٢- محمود بن إسحاق بن محمود القواس . في (تاريخ بغداد) ١٣ / ٤١١ «أخبرني محمد بن عبد الملك القرشي أخبرنا أحمد بن محمد بن الحسين الرازي حدثنا محمود بن إسحاق بن محمود القواس بخاري قال: سمعت أبا عمرو وحريث بن عبد الرحمن ... » قال الأستاذ ص ٤٢: «لا نثق بالقواس وصاحبه» .
أقول إذا كان أهل العلم قد وثقوهما وثبتوهما ولم يتكلم أحد منهم فيهما فماذا ينفعك أن تقول: لا تثق بهما؟ ومحمود هو صاحب الأنام أبي عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري روى عنه (جزء رفع اليدين) و (جزء القراءة خلف الأمام) وهو آخر من روى عنه ببخاري كما في (مقدمة الفتح) والراوي عنه هو الحافظ البصير ترجمته في (تذكرة الحفاظ) ج ٣ ص ٢١٨ والحكاية تتعلق بالطلاق قبل النكاح وقد نظرت فيها في قسم الفقهيات.
٢٤٣- مسدد بن قطن . في (تاريخ بغداد) ١٣ / ٤١٣ من طريق الحاكم «سمعت أبا جعفر محمد بن هانئ يقول: حدثنا مسدد بن قطن حدثنا محمد بن أبي عتاب الأعين حدثنا علي بن جرير الأبيوردي ... قال الأستاذ ص ١٤٩: «ليس بأحسن حالا من أبيه السابق ذكره» .
أقول: قد تقدمت ترجمة أبيه، والنظر فيما قيل فيه ولا شأن له بهذه الرواية، فأما مسدد فترجمته في (تاريخ نيسابور) وفيها كما في (مرءاة الجنان) و (الشذرات) : «كان مربي عصره والمقدم في الزهد والورع» ولم يتكلم فيه أحد، وروايته هذه قد صحت عن علي ابن جرير من أوجه كما تقدم في ترجمته علي بن جرير، وما فيها من ترك ابن المبارك الرواية عن أبي حنيفة بأخرة، قد ثبت من عدة وجوه أخرى (١) .
стр. 693
٢٤٤- مسلم بن أبي مسلم . في (تاريخ بغداد) ١٣ / ٣٨٥ من طريق «الحسن بن الوضاح المؤدب حدثنا مسلم بن أبي مسلم الحرفي (؟) حدثنا أبو إسحاق الفزاري ... » قال الأستاذ ص ٧٢: «مسلم بن أبي مسلم عبد الرحمن الجرمي وثقه الخطيب الفزاري ... » قال الأستاذ ص ٧٢: «مسلم بن آبى عبد الرحمن الجرمي وثقة الخطيب لكن في (اللسان) أنه ربما يخطئ، وقال البيهقي غير قوي. وقال أبو الفتح الأزدي: حدث بأحاديث لا يتابع عليها» .
أقول: ذكره ابن حبان في (الثقات) : «مسلم بن أبي مسلم الجرمي سكن بغداد يروي عن يزيد بن هارون ومخلد بن الحسين ثنا عنه الحسن بن سفيان وأبو يعلى، ربما أخطأ، مات سنة أربعين ومائتين» . وقد قدمنا في ترجمة ابن حبان أن توثيقه، لمن قد عرفه من أثبت التوثيق، وقوله «ربما أخطأ» لا ينافي التوثيق، وإنما يظهر اثر ذلك إذا خالف من هو أثبت منه، فآما أبو الفتح محمد بن الحسين الأزدي، فليس في نفسه كل ما حدث به، وإنما شرطه أن لا يتفرد بالمناكير عن المشاهير فيكثر، والظاهر أن الأزدي إنما عني الحديث الذي ذكره البيهقي وهو ما رواه مسلم هذا عن مخلد بن الحسين عن هشام بن حسان عن ابن سيرين عن أبي هريرة مرفوعا: لا يقل أحدكم زرعته، ولكن ليقل حرثته، قال أبو هريرة: ألم تسمع إلى قول الله «أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ. أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ) (الواقعة:٦٤) » . وهذا الحديث أخرجه ابن جرير في تفسير سورة الواقعة عن أحمد بن الوليد القرشي عن مسلم وفي (اللسان) أن البيهقي أخرجه في (شعب الأيمان) من وجهين «عنه» وقال إن مسلما غير قوي (١) . ولعل ابن حبان إنما أشار بقوله «ربما أخطأ» إلى هذا الحديث حمله
стр. 694
على أن الصواب موقوف وأخطأ مسلم في رفعه، ومسلم مكثر في التفسير كما يعلم من (تفسير ابن جرير) فإن ترجح خطاؤه في هذا الحديث الواحد لم يضره ذلك إن شاء الله. وابن حبان والخطيب أعرف بالفن ودقائقه من البيهقي.
٢٤٥- المسيب بن واضح . ذكر الأستاذ ص ٧٥ رواية محبوب بن موسى عن يوسف بن أسباط «قال أبو حنيفة: لو أدركني رسول الله ﷺ أو أدركته لأخذ بكثير من قولي: «وفي الطبعة الهندية والمخطوطة بدار الكتب المصرية زيادة سوق الخبر بسند آخر ... عن المسيب بن واضح عن يوسف بن أسباط إلى آخره» ثم قال: «يقول أبو حاتم عن المسيب: صدوق يخطئ كثيرا، فإذا قيل له لم يقبل اهـ. ومثله يكون مردود الرواية، وقد ضعفه الدارقطني وابن الجوزي» .
أقول: ذكر الخطيب في (الكفاية) ص ١٤٣ - ١٤٧ ما يتعلق بخطأ الراوي وبعدم رجوعه، فذكروا أنه يرد رواية من كان الغالب عليه الغلط، ومن يغلط في حديث مجتمع عليه فينكر عليه فلا يرجع. ومعلوم من تصرفاتهم ومن مقتضى أدلتهم أن هذا حكم الغلط الفاحش الذي تعظم مفسدته فلا يدخل ما كان من قبيل اللحن الذي لا يفسد المعنى، ومن قبيل ما كان يقع من شعبة من الخطأ في الأسماء وما كان يقع من وكيع وأشباه ذلك، وكما وقع من مالك كان يقول في عمرو بن عثمان: «عمر بن عثمان» وفي معاوية بن الحكم «عمر بن الحكم» وفي أبي عبد الله الصنابجي «عبد الله الصنابجي» وقد جاء عن معن بن عيسى أنه ذكر ذلك لمالك فقال مالك: «هكذا حفظنا وهكذا وقع في كتأبي، ونحن نخطئ، ومن يسلم من الخطأ» فلم يرجع مالك مع اعترافه باحتمال الخطأ، فكلمة أبي حاتم في المسيب لا تدل على أنه كان الغالب عليه، ولا أن خطأه كان فاحشا، ولا أنه بين له في حديث اتفاق أهل على تخطئته فلم يرجع. وقد قال أبو عروبة في المسيب: «كان لا يحدث إلا بشيء يعرفه يقف عليه» وهذا يشعر بأن غالب ما وقع منه من الخطأ ليس منه بل ممن فوقه، وفكان يثبت على ما سمع قائلا في نفسه: إن كان خطأ فهو ممن فوقي لا
стр. 695
مني. وفي (الميزان) و (اللسان) عن ابن عدي أنه ساق الأحاديث التي تنتقد على المسيب ثم قال: «أرجو أن باقي حديثه مستقيم وهو ممن يكتب حديثه» وذكر في (الميزان) أربعة أحاديث، إما أن تكون هي جميع ما ذكره ابن عدي (١) ، وإما أن يكون الذهبي رأى الأمر فيما عداها محتملا.
الأول: رواه المسيب عن يوسف بن أسباط، ويوسف ربما أخطأ في الأسانيد.
الثاني: حديث رواه ابن عدي عن الحسين بن إبراهيم السكوني - لم أقف على ترجمته - عن المسيب بسنده عن ابن عمر مرفوعا أنه كره شم الطعام، وقال: إنما تشم السباع. وقد روى الطبراني في (الكبير) والبيهقي في (الشعب) كما في (الجامع الصغير) من حديث أم سلمة مرفوعا: «لا تشموا الطعام كما تشمه السباع» . فلينظر في سنده ويقارن بسند حديث المسيب لعله يتبين وجه الغلط. (٢) .
والثالث: ليس بالمنكر أراه، فإن كان فيه خطأ فيحتمل أن يكون من فوق.
стр. 696
والله أعلم. (١)
الرابع: قالوا: صوابه موقوف. وعلى هذا فإنما أخطأ في رفعه. وزاد في (اللسان) خامسا: وهو من رواية المسيب عن يوسف بن أسباط. وقال ابن عدي: «كان النسائي حسن الرأي فيه ويقول: الناس يؤذوننا فيه» . وذكره ابن حبان في (الثقات) وقال: «وكان يخطئ» . وقال الدارقطني: «فيه ضعف» وسئل عبدان عن عبد الوهاب بن الضحاك والمسيب فقال: كلاهما سواء» وهذا إسراف، عبد الوهاب كذابل، والمسيب صدوق، هذه أن لا يحتج بما ينفرد به، والحكاية التي تكلم فيه الأستاذ من أجلها قد توبع عليها وليست من مظان الغلط. والله أعلم.
وللمسيب رواية في ترجمة أبي يوسف وقع فيها أن رجلا قال لابن المبارك: «مات أبو يوسف» فقال ابن المبارك: «مسكين ... » قال الأستاذ ص ١٨٧: «ابن المبارك مات قبل أبي يوسف بسنة كاملة اتفاقا ... هكذا يفضح الله البهاتين» .
أقول: كثيرا ما يشاع موت الرجل خطأ، وقد كان ابن المبارك شديدا على أبي يوسف لولايته القضاء، ومجالسته الخلفاء، وقد غضب ابن المبارك على إسماعيل بن إبراهيم ابن علية لولايته شيئا خفيفا وقال فيه تلك الأبيات السائرة، وإذا كان أبو حنيفة يفتي بالخروج على المنصور العباسي ويرى أنه أفضل من الرباط في قتال الروم
стр. 697
كما تقدم في ترجمة إبراهيم بن محمد أبي إسحاق الفزاري، فليت شعري ماذا كان يقول في أبي يوسف لو أدرك ولايته القضاء ومجالسته الرشيد؟.
٢٤٦- مصعب بن خارجة بن مصعب . تقدمت روايته في ترجمة أحمد بن عبد الله أبو عبد الرحمن وفيها قوله: «سمعت حمادا ... » . قال الأستاذ ص ١٢٧: «مجهول الصفة كما يقول أبو حاتم» .
أقول: قد عرفه ابن حبان فقال في (الثقات) : «مصعب بن خارجة بن مصعب من أهل سرخس يروي عن حماد بن زيد وأبيه روى عنه أهل بلدة مات سنة إحدى أو اثنتين ومائتين وكان على قضاء سرخس» ونقل ابن حجر في (اللسان) بعض هذه العبارة وفيه العبارة وفيه أيضا «حماد ابن زيد» فقول الأستاذ: إن حماد في الحكاية هو ابن سلمة فيه ما فيه (١) .
٢٤٧- مطرف بن عبد الله بن مطرف بن سليمان بن يسار أبو مصعب اليساري الأصم . في (تاريخ بغداد) ١٣ / ٣٩٩ من طريق «القاسم بن المغيرة الجوهري حدثنا كطرف أبو مصعب الأصم قال: سئل مالك بن انس عن قول عمر في العراق: بها الداء العضال. قال الهلكة في الدين، ومنهم أبو حنيفة» . ذكر الأستاذ ص ١١٣ أن الصواب «عن قول كعب لعمر» لأنه كذلك في (الموطأ) . ثم قال ص ١١٤: «قال ابن عدي يروي المناكير عن ابن أبي ذئب ومالك، ولذا فند هذه الرواية أبو الوليد الباجي ... » .
أقول: فسر ابن عدي كلمته بأن ذكر أحاديث مناكير رواها ابن عدي عن أحمد بن داود بن عبد الغفار عن أبي مصعب فرد الذهبي وغيره على ابن عدي بأن الحمل في تلك الأحاديث على أحمد بن داود، وأحمد بن داود كذبه الدارقطني، ورماه العقيلي وابن طاهر بالوضع.
стр. 698
أقول: قد وقع لابن عدي شبيه بهذا في غالب القطان قال ابن حجر في (مقدمة الفتح) : «وأما ابن عدي فذكره في (الضعفاء) وأورد له أحاديث الحمل فيها على الراوي عنه عمر بن مختار البصري وهو من عجيب ما وقع لابن عدي، والكمال لله» .
ويظهر لي أن لابن عدي هنا عذراً ما، ففي ترجمة أحمد بن داود من (اللسان) : قال أبو سعيد بن يونس: حدث عن أبي مصعب بحديث منكر، فسألته عنه فأخرجه من كتابه كما حدث به» وفيه بعد ذلك، ذكر حديثه عن أبي مصعب عن عبد الله بن عمر عن سهيل عن أبيه عن أبي هريرة مرفوعاً: من رأى مبتلى فقال: الحمد لله، إلخ، قال: «قال ابن عدي لما حدث أحمد بهذا الحديث عن مطرف: كانوا يتهمونه ... فظلموه لأنه قد رواه عن مطرف علي بن عمر وعباس الدوري والربيع ... » فقد يكون الحديث في أصل أحمد بن داود وعرف أن غيره قد رواه عن مطرف ورأى أن الحمل فيه على مطرف البتة فقاس بقية الأحاديث عليه، وقد يكون الحديث الذي ذكره ابن يونس غير هذا الحديث، ويكون ابن عدي رأى الأحاديث في اصل أحمد بن داود فاعتقد براءته منها للدليل الظاهر وهو ثبوتها في أصله فحملها كلها على مطرف، فإن كان الأمر على هذا الوجه الثاني فذاك الدليل وهو ثبوت الأحاديث في أصله يحتمل الخلل، ففي (لسان الميزان) ج ١ ص ٢٥٣: «أحمد بن محمد بن الأزهر ... قال ابن حبان: كان ممن يتعاطى حفظ الحديث ويجري مع أهل الصناعة فيه ولا يكاد يذكر له باب إلا وأغرب فيه عن الثقات ويأتي فيه عن الإثبات بما لا يتابع عليه، ذاكرته بأشياء كثيرة فأغرب علي فيها، فطاولته على الانبساط، فأخرج إلي أصول أحاديث ... فأخرج إلي كتابه بأصل عتيق ... قال ابن حبان: فكأنه كان يعملها في صباه ... » . فهذا رجل روى أحاديث باطلة وأبرز أصله العتيق بها فإما أن يكون كان معه وقت طلبه، كان يسمع شيئاً ويكتب في أصله معه أشياء يعملها، وإما أن يكون كان دجالاً من وقت طلبه، كان يسمع شيئاً ويكتب في أصله معه أشياء يعملها، وإما أن يكون كان معه وقت
стр. 699
طلبه بعض الدجالين، فكان يدخل عليه ما لم يسمع كما وقع لبعض المصريين مع خالد بن نجيح كما تراه في ترجمة عثمان بن صالح السهمي من (مقدمة الفتح) . وفي ترجمة محمد بن غالب تمتام من (الميزان) أنه أنكر عليه حديث فجاء بأصله إلى إسماعيل: «ربما وقع الخطأ للناس في الحداثة» . وفي (الكفاية) ص ١١٨ - ١١٩ عن حسين ابن حبان:
«قلت ليحيى بن معين: ما تقول في رجل حدث بأحاديث منكرة فردها عليه أصحاب الحديث، إن هو رجع وقال: ظننتها، فأما إذ أنكرتموها علي فقد رجعت عنها؟ فقال: لا يكون صدوقا أبدا، ... فقفلت ليحيى: ما يبرئه؟ قال: يخرج كتاباً عتيقا فيه هذه الأحاديث، فإذا أخرجها في كتاب عتيق فهو صدوق، فيكون شبه له وأخطأ كما يخطئ الناس فيرجع عنها» . فأنت ترى ابن معين لم يجعل ثبوتها في الأصل العتيق دليلاً على ثبوتها عمن رواها صاحب الأصل عنهم، بل حمله على أنه شبه له وأخطأ في أيام طلبه. إذا تقرر هذا فلعل الأحاديث التي ذكرها ابن عدي عن أحمد بن داود عن أبي مصعب رآها ابن عدي في أصل عتيق لأحمد بن داود فبنى على ذلك دليل ثبوتها عن أبي مصعب، وهذا الدليل لا يوثق به كما رأيت لكن في البناء عليه عذر ما لابن عدي يخف به تعجب الذهبي إذ يقول: «هذه أباطيل حاشا مطرفاً من روايتها، وإنما البلاء من أحمد بن داود فكيف خفي هذا على ابن عدي؟ !» .
بقي حديث مطرف عن عبد الله عمر العمري عن سهيل عن أبيه عن أبي هريرة رفعه «من رأى مبتلى فقال: الحمد لله الذي عافاني مما ابتلاك به وفضلني على كثير ممن خلق تفضيلاً، لم يصبه ذلك البلاء» فهذا رواه جماعة عن أبي مصعب وأخرجه الترمذي وقال: «غريب من هذا الوجه» وزاد في بعض النسخ «حسن» وأخرج قبل ذلك من طريق عمروابن دينار مولى آل الزبير عن سالم بن عبد الله بن عمر عن أبيه عن عمر - نحوه» وعمرو بن دينار هذا متكلم فيه وعدوا هذا الحديث فيما أنكر عليه، وأحسب أن بعض الرواة سمع هذا وسمع حديث سهيل عن أبيه عن أبي هريرة مرفوعاً: «من قال إذا أمسى ثلاث مرات: أعوذ بكلمات
стр. 700
الله التامات من شر ما خلق لم تضره حمة تلك الليلة» فاشتبه عليه الحديثان فحسب الأول بسند الثاني فرواه كذلك، وقد يكون هذا الخطأ من مطرف وقد يكون من شيخه عبد الله بن عمر بن حفص بن عاصم فإنه لين حتى قال البخاري: «ذاهب لا أروي عنه شيئا» فإن كان الخطأ من أبي مصعب فقد يخطئ على عبد الله بن عمر ما لا يخطئ على مالك لمزيد اختصاصه به.
والأثر: «إن بالعراق الداء العضال» ثابت في (الموطأ) عن مالك، ومطرف يقول: «سئل مالك» فليس هنا مظنة الخطأ، ومطرف قال فيه أبو حاتم: «مضطرب الحديث صدوق» ورجحه على إسماعيل بن أبي أويس، وقال ابن سعد والدارقطني: «ثقة» وروى أبو زرعة ومن عادته أن لا يروي إلا عن ثقة كما مر مرارا، وروى عنه البخاري في (صحيحه) .
٢٤٨- معبد بن أبو شافع . تقدمت روايته في ترجمة القاسم بن عثمان، وتقدم هناك قول الأستاذ: «كذبه أبو زرعة الكشي» .
أقول: هكذا وقع في (الميزان) و (اللسان) ، وأبو زرعة الكشي هو محمد بن يوسف الجنيدي. قال حمزة السمي في (تاريخ جرجان) في ترجمة معبد «حدثنا عنه جماعة سمعت أبا زرعة محمد بن يوسف الجنيدي يقول: كان أبو شافع اسمه واسم أبيه واسم جده غير ما ذكر، هو غير أسماءهم وكان ثقة في الحديث إلا أنه كان يشرب المسكر» . فكأن بعضهم استروح إلى قوله: «هو غير أسماءهم» فعدها تكذيباً، وتبعه غيره بدون تحقيق، وتغيير الاسم ليس بكذب وقد غير النبي ﷺ أسماء جماعة (١) وغير في بعضهم اسمه واسم أبيه، اللهم أن يدعي الرجل أن اسمه لم يزل كذلك، وهذا يدفعه قول الكشي «وكان ثقة في الحديث» . فأما شرب المسكر فقد تأول جماعة في ما عدا الخمر المتفق عليها فيشربون القدر الذي لا يسكرهم، ولم يعد أهل العلم ذلك قادحاً في العدالة، وإن ذم أكثرهم
стр. 701
ذلك (١) . فهذا هو الذي وقع من أبي شافع بدليل قول الكشي «وكان ثقة في الحديث» . والله المستعان.
٢٤٩- المفضل بن غسان الغلابي . في (تاريخ بغداد) ١٣ / ٤٢٠ عنه قال «أبو حنيفة ضعيف» قال الأستاذ ص ١٦٩: «من المنحرفين عن أهل الكوفة مثل عمرو ابن علي الفلاس البصري وإبراهيم بن يعقوب الجوزجاني الناصبي وحالهم يغني عن التعرض للأسانيد، على أن الجرح غير المفسر لا يؤثر في أي راو فضلا عمن ثبتت إمامته، وتواترت أمانته» .
أقول: تقدمت ترجمة الجوزجاني وترجمة عمرو بن علي وبينا أن الجوزجاني شديد على الشيعة ولم تبلغ شدته بحمد الله أن يخرج عن الحد، إنما يقول في الشيعي «زائغ» أو «رديء المذهب» أو نحو ذلك، وأبو حنيفة لم يشتهر بالتشيع، وعمرو بن علي والغلابي لا أعرفهما بانحراف، نعم هؤلاء كلهم مخالفون لأبي حنيفة في المذهب، والمخالفة لا تقتضي اطراح جرح المخالف البتة وقد قبل الناس من يحيى بن معين وغيره من الأئمة جرحهم لكثير من الرواة المخالفين لهم في المذهب، والجرح غير المفسر هو الخطأ، فمتى تبين أو ترجح أنه خطأ لم يؤخذ به، والإمامة في الفقه لا تستلزم الثقة في الحديث، ولا يضر الحنفية أن يثبت أن أبا حنيفة ممن لا تقوم الحجة بما ينفرد بروايته، ولا تكاد توجد لهم مسألة يمكن أن يستدلوا عليها بشيء تفرد أبو حنيفة بروايته إلا وهم يستدلون عليها بأشياء أخرى، وقد استدل بعضهم على الشافعي بحديث أبي حنيفة عن عاصم في المرتدة، فلما رد عليه ذلك لم يكابر بل قال: «إني إنما ذهبت في ترك قتل النساء إلى القياس ... » كما تقدم في ترجمة الشافعي. وكما أن الإنصاف يقضي أن لا يتخذ ما ثبت عن
стр. 702
الأئمة كسفيان الثوري وغيره من قولهم في أبي حنيفة ما يقتضي أنها لا تقوم الحجة [بما ينفرد بروايته، ذريعة إلى الطعن في فقهه جملة وفي مذهبه، فكذلك يقضي أن لا يتخذ] (*) ما يستدل به على فقهه جملة ذريعة إلى رد كلام أئمة الفن في روايته (١) . وأقتصر هنا على هذا القدر. وأسأل الله تعالى التوفيق.
٢٥٠- منصور بن أبي مزاحم . في (تاريخ بغداد) ١٣ / ٤٠٠ من طريقين عنه أنه سمع مالك بن أنس يقول في أبي حنيفة «كاد الدين ... » قال الأستاذ ص ١١٦: «ليس منصور بن أبي مزاحم التركي البطل المغوار من رجال هذا الميدان» .
أقول: ذكروا أن هذا التركي كان كاتبا في الديوان، ثم ترك ذلك وتجرد للحديث، وهو عندهم ثقة، قال أبو زرعة عن ابن معين: «تركي ثبت» وقال أبو حاتم: «صدوق» وذكر أنه سأل ابن معين عنه فأثنى عليه وقال: «كتبت عنه» وقال الدارقطني: «ثقة»
وأخرج له مسلم في (صحيحه) وأبو داود والنسائي وخطأه أحمد في حديث، ولا يضره ذلك. وقد غلبت الأستاذ هنا نزعته الجنسية فلم يقل في هذا التركي إلا أنه ليس من رجال الميدان ولا أدري ما عنى بذلك؟ وفي مقابل ذلك خلع عليه لقب «البطل المغوار» جزافاً وإنما كان كاتبا ثم صار محدثاً.
٢٥١- موسى بن إسماعيل أبو سلمة التبوذكي . في (تاريخ بغداد) ١٣ / ٣٩٣ من طريقة «حدثنا أبو عوانة قال سمعت أبا حنيفة ... » قال الأستاذ: «رواية تلك الطامات عن حماد بن سلمة» .
أقول: يعني ما رواه من أحاديث الصفات وقد تقدم النظر في ذلك في ترجمة حماد بن سلمة وتلك الأحاديث ما بين حق قد وكل الله به قوما يؤمنون به وبين حق محمول على معنى يليق به، فإن كان في شيء خطأ فلا شأن لأبي سلمة به وهو مجمع على ثقته والاحتجاج به.
стр. 703
٢٥٢- موسى بن المساور أبو الهيثم الضبي . تقدمت روايته في ترجمة عبد الرحمن بن عمر. قال الأستاذ ص ١٣٦: «من رجال (الحلية) مجهول الحال ولم أر من وثقه» .
أقول: قال أبو الشيخ في (طبقات الأصبهانيين) : «روى عن سفيان بن عيينة وعبيد الله ابن معاذ ووكيع والناس وكان خيراً فاضلاً ترك ما ورثه من أبيه لأخوته ولم يأخذ منه شيئاً لأن أباه كان يتولى للسلطان ... » (ونحو ذلك في (تاريخ أصبهان) لأبي نعيم. وبذا يثبت أن الرجل عدل صدوق ويبقى النظر في ضبطه، وسكوت هذين الحافظين وغيرهما من حفاظ أصبهان وغيرهم عن الكلام في روايته يدل أنه لم يكن به بأس.
٢٥٣- مؤمل بن إسماعيل . تقدمت روايته في ترجمة عامر بن إسماعيل. قال الأستاذ ص ٣٨: «يقول فيه البخاري: إنه منكر الحديث. ويقول أبو زرعة: «في حديثه خطأ كثير» .
أقول: وثقه إسحاق بن راهويه ويحيى بن معين، ووثقه أيضاً ابن سعد والدارقطني ووصفاه بكثرة الخطأ، ولخص محمد بن نصر المروزي حاله فقال: «إذا انفرد بحديث وجب أن يتوقف فيه ويتثبت، لأنه كان سيئ الحفظ كثير الغلط» .
فحده أن لا يحتج به إلا فيما توبع فيه، وفيما ليس من مظان الخطأ.
٢٥٤- مؤمل بن إهاب . راجع (الطليعة) ص ٦٨. وحاصل ذلك أن الأستاذ قال في (التأنيب) ص ٦٥: «ضعفه ابن معين على ما حكاه الخطيب» فبينت أن الخطيب إنما حكى عن ابن الجنيد قال: «سئل يحيى بن معين وأنا أسمع عن مؤمل بن إهاب فكأنه ضعفه» وقد وثقه جماعة فقال الأستاذ في (الترحيب) ص ٤٥: «فقول القائل - كأنه ضعفه - لا يفرق كثيراً من قوله: ضعفه لكون الحكم على الأحاديث بالصحة والضعف، وعلى الرجال بالثقة والضعف، في أخبار الآحاد مبنيا على ما يبدو للناظر، لا على ما في نفس الأمر، فظهر أن ذلك
стр. 704
عبارة عن غلبة الظن فيما لا يقين فيه، وسبق أن نقلنا عن أحمد في الرمادي: كأنه يغير الألفاظ - وقد بني الذم الشديد باعتبار أن ظن الناظر ملزم» .
أقول: ابن الجنيد هنا راو لا ناظر وباب الرواية اليقين، فإن كان قد يكفي الظن فذاك الظن الجازم وآيته أن يجزم الراوي الثقة. فأما قوله: «أظن» مثلا، فإنه يصدق بظن ما وقد قال الله تعالى: «إن بعض الظن إثم» فما بالك بقوله: «فكأنه ضعفه» وأصل كلمة «كأن» للتشبيه، والتشبيه يستلزم كون المشبه غير المشبه به. فأما معناها الثاني فعبر عنه في مغنى اللبيب بقوله: «الشك والظن» فدل ذلك على أنها دون «أظنه» . وفي ترجمة الحسن بن موسى الأشيب من (مقدمة الفتح) مثل هذه الكلمة «كأنه ضعيف» فدفعها الحافظ ابن حجر بقوله: «هذا ظن لا تقوم به حجة» .
هذا وتردد ابن الجنيد يحتمل وجهين أظهرهما: أن يكون جرى من ابن معين عندما سئل عن مؤمل ما يشعر بأنه لم يعجبه مؤمل. ولا ندري ما الذي جرى منه وما قدر دلالته؟ على أنهم مما يقولون: «ضعفه فلان» مع أن الواقع من فلان تليين يسير كما تقدمت الإشارة إليه في القاعدة السادسة من قسم القواعد، فما بالك بقوله: «فكأنه ضعفه» ؟ وإنما ينقل أهل العلم أمثال هذه الكلمة لاحتمال أن يوجد تضعيف صريح فيكون مما يعتضد به. فأما هنا فلا يوجد إلا التوثيق، نعم الثقات يتفاوتون في درجات التثبيت ويظهر أن مؤملاً لم يكن في أعالي الدرجات ففي الرواة من هو أثبت منه، وإنما يظهر أمر ذلك عند التحالف والتعارض عند الأولين.
فأما كلمة الإمام أحمد في إبراهيم بن بشار الرمادي فقد تقدم لفظها في ترجمة إبراهيم فراجعها يتبين لك أن أحمد كان جازماً بأن إبراهيم كان يملي علي الناس على خلاف ما سمعوا، وأنه إنما لامه وذمه على ذلك، وإنما قال: «كأنه يغير الألفاظ» لأحد أمرين:
الأول: أن يكون أحمد جوز أن تكون العبارة التي ساقها إبراهيم هي
стр. 705
عبارة ابن عيينة نفسه قبل ذلك المجلس وأن تكون عبارة إبراهيم نفسه بأن غير ألفاظ ابن عيينة وعبر عن المعنى، وكانت نفس أحمد مائلة إلى هذا الاحتمال الثاني: «كأنه يغير الألفاظ» أي من عنده.
الأمر الثاني: أن يكون أحمد قد علم جملة حين سمع في ذاك المجلس عبارة سفيان ثم عبارة إبراهيم اختلاف العبارتين، ولم يحقق حينئذ وجه الاختلاف، ثم لما اخبر بذلك مال إلى أن الوجه هو تغيير الألفاظ، وعلى كلا الأمرين فأحمد محقق لاختلاف العبارتين جازم به، وعلى ذلك بنى اللوم والذم، لا على مجرد احتمال أن إبراهيم يغير الألفاظ، فإن قيل: اختلاف العبارتين مستلزم لتغيير الألفاظ؟ قلت: إن صح هذا استعمل أحمد «كأن» في التحقيق بدليل ما قبلها، وذلك خلاف المعنى المتبادر منها، وليس في نقل الجنيد ما يوجب صرفها عن أصل معناها الذي تقدم بيانه. وإذا اشتبه الأمر في المنقول عن إمام، وجب الرجوع إلى المنقول عن غيره، وقد ذكرت في (الطليعة) توثيق الأئمة لمؤمل، وبذلك يرجح رجحاناً ظاهراً أن ابن معين لم يضعفه. والله المستعان.
٢٥٥- مهنأ بن يحيى . في (تاريخ بغداد) ١٣ / ٤١١ من طريق «عبد الله بن أحمد بن حنبل حدثنا مهنأ بن يحيى قال: سمعت أحمد بن حنبل يقول ... » قال الأستاذ ص ١٤٣: «قال أبو الفتح الأزدي ... : منكر الحديث، وتابعه الخطيب» .
أقول: الأزدي نفسه متكلم فيه حتى رمي بالوضع، وقد رد ابن حجر في مواضع من (مقدمة الفتح) جرحه وبين أنه لا يعتد به، (١) وقول الكوثري: «وتابعه الخطيب» باطل فقد روى ابن الآبنوسي عن الخطيب: «كل من ذكرت فيه أقاويل الناس من جرح أو تعديل فالتعويل على ما أخرت» كما في (تذكرة الحفاظ) ج ٣ ص ٣١٥، وههنا بدأ الخطيب في ترجمة منها بحكاية قول الأزدي