قيل له: قولنا الذي نقول به، وديانتنا التي ندين بها، التمسكَ بكتابِ ربنا ، وبسنة نبينا ﵊. وما روى عن الصحابة والتابعن وأئمة الحديث، ونحن بذلك معتصمون، وبما كان يقول به أبو عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل- نضر الله وجهه ورفع درجته وأجزل مثوبته- قائلون، ولما خالف قوله مخالفون، لأنه الإمام الفاضل، والرئيس الكامل، الذي أبان الله به الحق، ورفع به الضلال، وأوضح به المنهاج، وقمع به بدع المبتدعين، وزيغ الزائغين، وشك الشاكين، فرحمة الله عليه من إمام مقدم، وجليل معظم مفخم.
وجملة قولنا: إنا نقر بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، وبما جاؤوا به من عند الله، وما رواه الثقات عن رسول الله ﷺ لا نردا من ذلك شيئاً.
(ثم قال) : وإن الله مستو على عرشه كما قال (الرحمن على العرش استوى) .
وأن له وجهاً كما قال (ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام) وأن له يدين بلا كيف كما قال: (خلقت بيدي) وكما قال: (بل يداه مبسوطتان) وأن له عينين بلا كيف كما قال: (تجري بأعيننا) .
ثم عقد الإمام الأشعري في كتابها "الإبانة" أبواباً وفصولاً في إثبات الصفات الإلهية صفة صفة، ونصر العقائد السنية عقيدة عقيدة، ورد شبه أهل الزيغ والضلال المحرفين شبهة شبهة.
فكتابه هذا- ﵀ هو مجموعة عقائد وحقائق لأهل السنة. ودحض أباطيل لأهل البدع والأهواء، ولكنه- ﵁ أقام الحجج القاهرة على أنه يدين الله تعالى بما يدل عليه كتابه وسنة رسوله ﷺ ، وأن مذهبه هو مذهب الصحابة والتابعين وأئمة الحديث، وهو مذهب إمام السنة أحمد بن حنبل- نضر الله وجهه-.
وترى من أبواب هذا الكتاب "الإبانة" "باب ذكر الاستواء على العرش" و "باب الكلام في الوجه والعينين والبصر واليدين".
ولكن الكوثري- عامله الله بما يستحق- لا يقيم لشيء من هذا وزناً، ولا يرفع به رأسأ، بل يعده ضرباً من الضلال والخبال، وإن كان في كتاب الله المتعال، وفي كلام
стр. 72
النبي المبين، لما نزل من عند الله، وإن كان مذهب الصحابة والتابعين وأهل الحديث وأئمة الرواية، وحتى وإن كان مذهب أبي الحسن الأشعري الذي يزعم الانتصار له،
بل وإن كان مذهب الإمام أبي حنيفة النعمان الذي يدعي الانتماء إليه، وهو يرد عليه سفهاً.
فقد قال الإمام أبو حنيفة- ﵁ في كتابه "الفقه الأكبر" المطبوع مع كتاب "الإبانة" (ص ١٦) :
"من قال لا أعرف الله أفي السماء أم في الأرض؟ فقد كفر، قال الله تعالى: (الرحمن على العرش استوى) فإن قال: أقول بهذه الآية ولكن لا أدري أين العرش، في السماء، أم في الأرض؟ فقد كفر أيضاً.
وقال في كتاب الوصية (ص ١٠) : "ونقر بأن الله على العرش استوى. وقال في "الفقه الأكبر" أيضاً (ص ١٤) : وله يد ووجه ونفس كما ذكره الله تعالى في القرآن، فما ذكره الله تعالى في القرآن من ذكر الوجه واليد والنفس، فهو له صفات بلا كيف، ولا يقال: إن يده قدرته أو نعمته، لأن فيه إبطال الصفة. اهـ.
أترى الكوثري بعد هذا كله أشعرياً، أو حنفياً؟ أم تراه جهمياً أو معتزلياً؟
ثم تراه في ظلمات حواشيه يزعم أن كتاب "الإبانة" ليس مما ألفه الإمام في أواخر حياته، ويدعي أن طبعتها محرفة، وهو يريد بهذا التخريف إبطال الثقة بكتاب "الإبانة" وبالمذهب الحق الذي صار إليه الإمام، ورده إلى مذهب الاعتزال. وماذا بعد
الحق إلا الضلال.
وقد أذكرنا بهذا التعصب الذميم بما حكاه في رسالة الذب عن الأشعري الحافظ أبو محمد بن علي البغدادي أنه شاهد نسخة من "الإبانة" بخطه مقروءة مصححة (قال) : ونسخت منها نسخة وقابلتها عليها بعد أن كنت كتبت نسخة أخرى مما وجدته في كتاب الإمام نصر المقدسي.
"ولقد عرضها بعض أصحابنا على عظيم من عظماء الجهمية المنتمين افتراء إلى أبي
стр. 73
الحسن الأشعري- بيت المقدس- فانكرها وجحدها. وقال: ما سمعنا بها قط، ولا هي من تصنيفه، واجتهد آخراً في إعمال رويته، ليزيل الشبهة بفطنته، فقال بعد تحريك لحيته: لعله ألفها لما كان حشوياً!! فما دريت من أي أمر به أعجب أمن جهله بالكتاب مع شهرته، وكثرة من ذكره في التصانيف من العلماء، أو من جهله بحال شيخه الذي يفتري عليه بانتمائه إليه. واشتهاره قبل توبته بالاعتزال بين الأمة عالمها وجاهلها. اهـ
فما أشبه الكوثري المحرف لآيات الكتاب المجيد، بهذا الجاهل العنيد، وهو مقلد له ولأمثاله في تلقيب مثبتي النصوص: بالحشوية، وهم الصحابة والتابعون وأئمة السلف والصالحون "كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلَّا كَذِبًا" " تِلْكَ
آَيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللَّهِ وَآَيَاتِهِ يُؤْمِنُونَ" "وَيْلٌ لِكُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ. يَسْمَعُ آَيَاتِ اللَّهِ تُتْلَى عَلَيْهِ ثُمَّ يُصِرُّ مُسْتَكْبِرًا كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ".
خيانته في النقل وجرأته على الله
إن مما يقضي بالعجب تلاعب الكوثري في النقل وتناقضه فيه. وجرأته على الله ، وطعنه في أهل القرون الثلاثة المفضلة، وهم الصحابة والتابعون وأتباعهم باحسان فيما اجمعوا عليه. وجعل عقيدتهم التي هي نصوص القرآن القطعية من شواذ شيخ الإسلام ابن تيمية. وإليك البيان:
أورد الحافظ ابن حجر (ج ١٣) من شرحه للبخاري أقوال القرون الثلاثة ومن تبعهم بإحسان في قوله تعالى: (وكان عرشه على الماء) ثم نقل حافظ المشرق ابن حجر عن حافظ المغرب ابن عبد البر قوله "أهل السنة مجمعون على الإقرار بهذه الصفات الواردة في الكتاب والسنة ولم يكيفوا شيئاً منها. وأما الجهمية والمعتزلة والخوارج فقالوا: من أقر بها فهو مشبه. فسماهم من أقر بها معطلة" اهـ
وترى الحافظ الذهبي في كتاب "إثبات العلو لله تعالى" (١) ينقل ما يؤيد ذلك عن
стр. 74
جميع أصناف العلماء. ومثله الإمام ابن القيم في "اجتماع الجيوش الإسلامية" بما يجزم المؤمن معه أن إثبات الصفات عقيدة السلف قاطبة.
ويجيىء في الزمن الأخير الكوثري المتعصب عليهم جميعا. الجريء على الحق بالهوى. فيطعن في عقيدتهم وعقيدة نابغة الإسلام، وعلم الأعلام، الإمام تقي الدين أحمد ابن تيمية، الذي جدد لنا في كتبه عهد السلف بسلامة إيمانهم وقوة برهانهم، والجمع بين صريح العقل وصحيح النقل جمعاً مطابقاً لنصوص اللغة، وحقائق الدين وهدي القرون الثلاثة المفضلة، ويعيب عليه في حواشية على "التبين" (ص ٣٩٣) وفي "إشفاقه" (ص ٧٤) ما قاله في نقض أساس التقديس للرازي (١) عند الكلام في الاستواء: "ولو شاء لاستقر على ظهر بعوضة فاستقلت به بقدرته، فكيف على عرش عظيم؟ ".
وهو ينتزع هذه الجملة من كلامه انتزاعاً ويحذف منها ليشوه وجه الحقيقة مع أن المراد منها ظاهر، وهو أن العرش وحملته محمولون بقدرته، وأصلها في الكواكب
стр. 75
(المجلد ٢٥) لولا ذلك- أي قدرته وإرادته- ما استقل به العرش ولا الحملة، ولا السماوات والأرض ومن فيهن، ولو قد شاء لاستقر، على ظهر بعوضة، فاستقلت به بقدرته، ولطف ربوبيته، فكيف على عرش عظيم أكبر من السماوات السبع
والأرضين السبع ... الخ.
وقد حذف الكوثري قول شيخ الإسلام (ولطف ربوبيته) ليخفي المراد، وهو أن القدرة الإلهية قائمة بجميع المخلوقات مستقلة بها من العرش الذي هو أكبر مخلوق، إلى صغار الذر والبعوض، وهو تعالى بائن منها، مستغن عنها، عال عليها جميعاً.
وإنما أراد الكوثري أن يشنع بضرب البعوضة مثلاً!! أو لا يذكر الكوثري أن الله تعالى ضربها مثلاً، فقال سبحانه: "إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا فَأَمَّا الَّذِينَ آَمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ ... " الآية؟
ولما عاب الكفار ذكر النحل والنمل والذباب والعنكبوت في القرآن، ذكرهم تعالى في هذه الآية إن البعوضة فما فوقها من عجائب خلق الله، وأنها مشتملة على حكمة بالغة "وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ" وفي قوله تعالى: "فَأَمَّا
الَّذِينَ آَمَنُوا" الآية. «وفي هذا» ثناء عظيم على المؤمنين واعتداد بعلمهم أنه الحق، ونعى على الكافرين إغفالهم حظهم وعنادهم ورميهم بالكلمة الحمقاء كما قال الزمخشري في "كشافه": فيا ليت شعري من أي الفريقين هذا المعترض حتى يعيب
مثلاً مضروباً في القرآن؟ وأصغر مخلوق لله هو خلق معجز للبشر عن أن يأتوا بمثله، كما أن أقصر سورة من القرآن هي وحي معجز لهم أن يأتوا بمثله (١) اهـ.
стр. 76
عرش الرحمن
ثبت بالنصوص القرآنية القطعية التي لا مجال للتأويل ولا التضليل فيها، أن الله مستو على عرشه، بائن من خلقه، قاهر فوق عباده، وأن عرش الرحمن أعظم مخلوقات الله، وقد أفرده الله بالذكر في آيات كثيرة، ووصفه بأوصاف دلت على أن له
وجوداً مستقلًا عن سائر الموجودات، وهذه شذرة مما كتبه شيخ الإسلام ابن تيمية في الرسالة العرشية، قال ﵁:
وأما العرش فالأخبار تدل على مباينته لغيره من المخلوقات وأنه ليس نسبته إلى بعضها كنسبة بعضها إلى بعض (١) قال الله تعالى: الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ" وقال : "وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ
فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ" الآية.
فأخبر أن للعرش حملة، اليوم ويوم القيامة، وأن حملته ومن حوله يسبحون بحمد ربهم ويستغفرون للمؤمنين، ومعلوم أن قيام فلك من الأفلاك بقدرة الله تعالى كقيام سائر الأفلاك لا فرق في ذلك بين كرة وكرة، وإن قدر أن لبعضها ملائكة في نفس
الأمر تحملها فحكمه حكم نظيره قال تعالى: "وَتَرَى الْمَلَائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ" الآية، فذكر هناك أن الملائكة تحف من حول العرش، وذكر في موضع آخر أن له حملة، وجمع في موضع ثالث بين حملته ومن حوله فقال: "الَّذِينَ يَحْمِلُونَ
الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ" وأيضاً فقد أخبر أن عرشه كان على الماء قبل أن يخلق السموات والأرض كما قال تعالى: "وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ
стр. 77
عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ" وقد ثبت في صحيح البخاري عن عمران بن حصين عن النبي ﷺ أنه قال: "كان الله ولم يكن شيء غيره وكان عرشه على الماء وكتب في الذكر كل شيء وخلق السموات والأرض" وفي رواية له "كان الله ولم يكن شيء قبله وكان عرشه على الماء، ثم خلق السموات والأرض وكتب في الذكر كل شي" وفي رواية لغيره
صحيحه "كان الله ولم يكن شيء معه، وكان عرشه على الماء ثم كتب في الذكر كل شيء".
وفي صحيح مسلم عن عبد الله بن عمرو عن النبي ﷺ أنه قال: "إن الله قدر مقادير الخلائق قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة وكان عرشه على الماء" وهذا التقدير بعد وجود العرش، وقبل خلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة، وهو يتمدح بانه ذو العرش، كقوله سبحانه (قُلْ لَوْ كَانَ مَعَهُ آَلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ إِذًا لَابْتَغَوْا إِلَى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلًا" وقوله تعالى: رَفِيعُ الدَّرَجَاتِ ذُو الْعَرْشِ يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ لِيُنْذِرَ يَوْمَ التَّلَاقِ. يَوْمَ هُمْ بَارِزُونَ لَا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ وقال تعالى:
"وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ. ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ" وقد قرىء المجيد بالرفع صفة لله وقرىء بالخفض صفة للعرش. وقال تعالى "قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ. سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ" فوصف العرش بأنه مجيد، وأنه عظيم، وقال تعالى: "فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ" فوصفه بأنه كريم أيضاً وكذلك في الصحيحين عن ابن عباس ﵁ أن النبي ﷺ -كان يقول عند الكرب: "لا إله إلا الله العظيم الحليم لا إله إلا الله رب العرش العظيم، لا إله إلا الله رب السموات ورب الأرض ورب العرش الكريم" فوصفه الحديث بانه عظيم وكريم أيضاً" اهـ.
فأين يذهب المعترض بهذه الآيات الكريمة والنصوص القطعية في إثبات العرش ووصفه، وهل من سبيل إلى إنكارها أو صرفها عن ظاهرها، وتاويل أعظم مخلوق وأكبر موجود بالعدم الصرف، وأي فرق بين وجود السموات والأرض والعرش والكرسي يا ترى وهل يعقل ما يقول من يعادي هذه النصوص، ويخرق الإجماع الذي
стр. 78
حكاه ابن عبد البر، ويلقب ابن تيمية بالحشوي، ويسمي المؤولين والمعطلين بأهل السنة؟ ويقول عن ابن تيمية: لا يعد هذا الحشوي من صغار تلامذتهم، كا تراه في مقدمة تبيين كذب المفتري. وتلقيب شيخ الإسلام بالحشوي من الحشو الذي لم يقع له نظير، ومن التقليد المميت للعقل والشعور، بل من التعصب الشنيع الذي لا يرضاه لنفسه إلا ورثة اليهود البهت، فإن هذا الإمام جمع في كتابه بين العقل والنقل جمعاً كم فيه أفواه جميع أهل الابتداع والأهواء، وهذا الخوض بالباطل لا يضر شيخ الإسلام ولا يزيد مريديه إلا بصيرة في دينهم ورسوخاً، ويأبى الله للحق إلا أن يظهر، وللباطل إلا أن يذل ويقهر، وها هي ذي كتب شيخ الإسلام تطبع وتنشر، وتطرد بدورها ظلام الشكوك والأوهام "بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ".
كذب مفضوح في كتاب مطبوع
لو كان هذا الرجل- الكوثري- ممن يتقي الله ويبالي خزي الدنيا ويوم الحساب، لما رضي لنفسه هذا الموقف الشاذ الذي وقفه من حملة القرآن، ودعاة السنة وحماتها، ولما استباح لنفسه الكذب في التاريخ والتجني على أئمة الدين، ومفاخر المسلمين في كل العصور.
لا أطيل القول عليك أيها القارىء الكريم، وإنما أنقل لك جملة مما قال في كتابه الأخير الذي سماه "الإشفاق على أحكام الطلاق" كانه أشفق على المسلمن من أن يعودوا إلى عهد الطلاق الشرعي في الإسلام وأراد أن تستمر هذه الفوضى في البيوت، وتبقى نصوص القرآن محجوبة عن المسلمين- فقد عرض في كتابه هذا لنابغة الإسلام الإمام ابن تيمية كدأبه في عامة ما يكتب، ولكن هذه الكتابة من أفضح ما كتب وأخزاه، قال هداه الله (ص ٧٣) . ولولا شدة ابن تيمية في رده على ابن المطهر في منهاجه، إلى أن بلغ به الأمر أن يتعرض لعلي بن أبي طالب كرم الله وجهه على الوجه الذي تراه في أوائل الجزء الثالث منه، بطريق يأباه كثير من أقحاح الخوارج مع توهين الأحاديث الجيدة في هذا السبيل- لما قامت دولة الغلاة من الشيعة في بلاد الفرس والعراق وشرقي الأسيا (كذا) الصغرى وأذربيجان من عهد الملك المغولي خدابنده.
стр. 79
وابن المطهر الحلى لما وصل إليه كتاب ابن تيمية هذا، قال كنت أجاوبه لو كان يفهم كلامي، ولكن جوابي يكون بالفعل. حتى سعى سعياً إلى أن تمكن من قلب الدولة السنية من تلك الأقطار، إلى دولة غالية في التشيع بحمل خدابنده الملك الشعوب على التمذهب بمذهب ابن المطهر، ولم يزل الغلو في التشيع في تلك البلاد منذ عمل ابن تيمية هذا، ولو كان يسعى بحكمة لما بعدت شقة الخلاف بين الأخوان المسلمين على الوجه الذي تراه. اهـ
أقول: كلامه هذا صريح في أن الإمامٍ ابن تيمية هو الذي أثار ثائرة الشيعة بتعصبه عليهم. وطعنه فيهم، وتنقيصه علياً ﵇ بما يأبى مثله الخوارج، وأنه هو الذي حمل ابن المطهر على هذا الغلو في التشيع والسعي في نشر المذهب من عهد الملك المغولي خدابنده الذي تشيع وقلب دولته شيعية بسعي ابن المطهر الحلي، هذا وأن "منهاج السنة النبوية" في نقض كلام الشيعة والقدرية لشيخ الإسلام هو الذي زاد النار ضراماً. إلخ.
سبحان الله!! ما أجرأ هذا الرجل على تشويه الحقائق وإفساد التاريخ، فهو ممن زين له سوء عمله فرآه حسناً، وإليك الجواب عن هذا الكذب الصريح.
١- إن شيخ الإسلام ابن تيمية لم يؤلف كتابه "منهاج السنة النبوية" ابتداء، ولكنه ألفه رداً على كتاب الحلي الشيعي الذي سماه "منهاج الكرامة"، وقد قال ﵀ في مقدمة كتابه. أما بعد فإنه أحضر إلى طائفة من أهل السنة والجماعة كتاباً صنفه بعض شيوخ الرافضة في عصرنا منفقاً لهذه البضاعة، يدعو به إلى مذهب الرافضة الامامية من أمكنه دعوته من ولاة الأمور وغيرهم (إلى أن قال) وذكر من أحضر هذا الكتاب بأنه من أعظم الأسباب في تقرير مذهبهم عند من مال إليهم من الملوك وغيرهم، وقد صنفه للملك المعروف الذي سماه خدابنده، وطلبوا مني بيان ما في هذا الكتاب من الضلال وباطل الخطاب اهـ.
فأنت ترى أن كتاب منهاج السنة النبوية قد كتب رداً لاعتداء من اعتدى على أهل السنة وتهجم عليهم، وطعن في دينهم، وأن شيخ الإسلام، قد أحضر إليه كتاب الشيعي ولم يكن رآه، وطلب منه أهل السنة والجماعة رد مفترياته على أهل السنة وهو
стр. 80
شيخهم بل شيخ الإسلام، ومن أولى منه ببيان الحق وأقدر منه عليه؟
٢- إن الملك المغولي خدابنده قد ترفض أو تشيع على يد ابن المطهر الحلى قبل صدصر رد شيخ الإسلام عليه كما هو ظاهر من كلامه.
٣- إن أقصى ما في كلام شيخ الإسلام هو الدعوة إلى الاعتدال في الأقوال والأعمال، وتخفيف غلو الغاليين في العقائد، وتقليص ظل عصبيات أهل البدع والأهواء، ودفع أكاذيبهم وأباطيلهم، والغرض من ذلك كله تنوير العقول، وتقريب
القلوب، وتطهيرها مما تراكم عليها من أوضار الباطل، وأوغار الحقد، وإزالة ما استحكم فيها من جفوة وقسوة.
وهذه نبذة صغيرة من كلام شيخ الإسلام مصدقة لما ذكرناه.
قال ﵀ "وأما الرافضي فإذا قدح في معاوية بأنه كان باغياً ظالماً، قال له الناصبي: وعلي أيضاً كان باغياً ظالماً لما قاتل المسلمن على إمارته وبدأهم بالقتال، وصال عليهم وسفك دماء الأمة بغير فائدة لا في دينهم ولا في دنياهم، وكان السيف
مسلولاً في خلافته على أهل الملة، مكفوفاً على الكفار- إلى أن قال-: فالخوارج والمروانية وكثير من المعتزلة وغيرهم يقدحون في علي- ﵁ وكلهم مخطئون في ذلك ضالون مبتدعون ". اهـ
فانت ترى أن شيخ الإسلام يحكي كلام الروافض والنواصب والخوارج، ولكنه لا يحكم لفريق على فريق، بل يحكم بأنههم مخطئون مبتدعة ضالون، خلافاً لما يزعمه الكوثري، المقلد الغبي، من انتقاص مقام الإمام علي، فما أضيع البرهان عند المقلد!
٤- وأوضح وأفضح مما تقدم أن هذا المعتدي على التاريخ، الذي أسقطه الحسام القدسي بسبب اعتدائه- كما بينا من قبل- دعواه أن ابن تيمية هو سبب الغلو في التشيع، وبسط سلطانه في الأرض، ويوهم كلامه أو يفهم أن السلطان خدابنده قد
стр. 81
ترفض ونشر مذهب ابن المطهر بسبب ابن تيمية، وتحامله على الشيعة في منهاج السنة النبوية، وقال: وابن المطهر الحلى لما وصل إليه كتاب ابن تيمية هذا، قال: كنت أجاوبه لو كان يفهم كلامي، ولكن جوابي يكون بالفعل حتى سعى سعياً إلى أن تمكن من قلب الدولة السنية من تلك الأقطار إلى دولة غالية في التشيع بحمل خدابنده الملك الشعوب على التمذهب بمذهب ابن المطهر، ولم يزل الغلو في التشيع متغلغلاً في تلك البلاد، منذ عمل ابن تيمية هذا. اهـ
ونحن ننقل لك بعد هذا الكلام ما ذكره الشيعة الامامية أنفسهم في سبب ترفض الملك خدابنده، ليعلم مبلغ هذا الرجل من تحريف التاريخ وقلب الحقائق الواقعية بكل وقاحة وصفاقة، ونسجل عليه حقده وتعصبه على رجال الإسلام العظام، وافتراءه عليهم الكذب الصريح.
جاء في كتاب "روضات الجنات في تراجم الشيعة" تأليف ميرزا محمد باقر الموسوي الخوانساري الميلاد، والأصفهاني الموطن والمهاد- في ترجمة الحسن بن المطهر الحلي ما نصه، ثم نقل عن كتاب شرح مولانا التقى المجلسي على الفقيه نقلاً عن جماعة من الأصحاب: أن الشاه خدابنده المذكورغضب يوماً على امرأته فقال لها: أنت طالق ثلاثاً، ثم ندم وجمع العلماء فقالوا: لا بد من المحلل فقال عندكم في كل مسألة أقاويل مختلفة، أوَ ليس لكم هنا اختلاف؟ فقالوا لا، فقال أحد وزرائه: إن عالماً بالحلة وهو يقول ببطلان الطلاق، فبعث كتابه إلى العلامة (١) وأحضره- وهنا أطال في وصف اجتماعه بعلماء السنة ومناظرته لهم، بما يضحك الثكلى ويشبه كلام الصبيان (ثم قال) وعلى أي حال فالطلاق الذي أوقعه الملك باطل، لأنه لم يتحقق شروطه، ومنه العدلان، فهل قال الملك بمحضرهما؟ قال لا. ثم شرع في البحث مع العلماء حتى ألزمهم جميعاً فتشيع الملك، وبعث إلى البلاد والأقاليم حتى يخطبوا بالأئمة الإثنى عشر، ويضربوا السكك على أسمائهم، وينفقوها على أطراف المساجد، والمشاهد!!
منهم (ثم قال) : والذي في أصفهان موجود الأن في الجامع القديم الذي كتب في زمانه
стр. 82
ثلاثة مواضع منه، وكذا في معبديه- مكوار لنجان، ومعبد الشيخ نور الدين النطزي من الفرقاء، وكذا على منارة دار السيادة التي تممها هذا السلطان من بعد ما أحدثه أخوه غازان. اهـ.
(ثم قال) : وهذه اليد العظمى والمنة الكبرى التي له على أهل الحق مما لم ينكره أحد من المخالفن والموافقين، حتى أن في بعض تواريخ العامة (أي أهل السنة) رأيت التعبير عن هذه الحكاية بمثل هذه الصورة ومن سوانح سنة سبع وسبعمائة، أظهر خدابنده شعار التشيع باضلال ابن المطهر. اهـ
أعلمت الأن أيها القارىء الكريم السبب الذي من أجله ترفض هذا الجاهل الأعجمي المغولي وأنه مسألة شخصية. لا دخل فيها لشيخ الإسلام ابن تيمية، ولا لكتاب منهاج السنة النبوية، وهو كونه طلق زوجته ثلاثاً وهو غضبان، واستفتى أمثال
الكوثري من علماء عصره فأفتوه بالمحلل، وهو الذي سماه الرسول ﷺ : التيس المستعار، وقال الملك لهم: عندكم في كل مسألة أقاويل مختلفة، أو ليس لكم هنا اختلاف قالوا لا، لا بد من المحلل- أي الملعون بلسان الرسول ﷺ هو والمحلل له، فاستنكف الملك عن هذا التحليل الذي هو زنا صريح، ولو أخذوا بما كان عليه
الطلاق الثلاث في عهده ﷺ وفي عهد صاحبيه، لخرجوا من جحر الضب الذي أوقعوا الملك معهم فيه، ولو اهتدى إلى شيخ الإسلام ابن تيمية لوجد لمسألته عنده حلاً نبوياً سنياً غير شيعي، ولكن الكوثري يلبس شيخ الإسلام ذنب غيره، فعليه ما يستحق من ربه، لماذا تسكت أيها الكوثري عمن أحرجوا الملك فأخرجوه من بينهم، وتطعن في دين من يرده وقومه إلى حظيرة السنة؟ أكان بالله إثماً أن يؤلف ابن تيمية كتاب "منهاج السنة النبوية في نقض كلام الشيعة والقدرية". ويرد به ضلالات ابن المطهر الحلي. والكوثري السني فيما يزعم يتبجح بقول الحلي الشيعي لإمام السنة.
كنت أجاوبه لو كان يفهم كلامي!.
وفي كتاب روضات الجنات في تراجم الشيعة، الذي لخصنا عنه ما تقدم (ص
стр. 83
(١٧١- ١٧٤) (١) نقلأ عن تذكرة الشيخ نور الدين علي بن عراق المصري- أن الشيخ تقي الدين ابن تيمية الذي كان من جملة علماء السنة معاصراً للشيخ جمال الدين العلامة المذكور- منكرأ عليه في الخفاء كثيراً- كتب إليه إلعلامة بهذه الأبيات:
لو كنت تعلم كل ما علم الورى ... طراً لصرت صديق كل العالم
لكن جهلت فقلت أن جميع من ... يهوى خلاف هو اك ليس بعالم
فكتب الشيخ شمس الدين محمد بن محمد بن عبد الكريم الموصلي في جوابه هذه القطعة وأرسلها إليه:
يا من يموه في السؤال مسفسطا ... إن الذي ألزمت ليس بلازم
هذا رسول الله يعلم كل ما ... علموا وقد عاداه جل العالم (٣)
وترى الكوثري ينوه بكلمة ابن المطهر الحمقاء التي أخذها من شعره، ولكنه لم يذكر جوابها السديد لبعض علماء السنة، ويمكنك أن تقف مما أوردناه لك على دخيلته، وتعرف حقيقة نحلته وخبيئته.
وجملة القول. أن هذا الرجل (الكوثري) لا يعتد بعقله ولا بنقله ولا بعلمه ولا بدينه. ومن يراجع تعليقاته يتحقق صدق ما قلناه فيه، على أنا أوردنا شواهد منها دلت على سائرها، وعرفتنا حقيقة قائلها، فمن بقي له شك فيها فليرجع إليها، ليرى كيف أن التعصب يعمي ويصم، والله عليم بذات الصدور (٣) .
стр. 84
فصل: في الكشف عن مذهب المعتزلة وبيان حقيقته
كانت المعتزلة تقول: إن الله منَزَّه عن الأعراض والأبعاض والحوادث والحدود، ومقصودهم نفيُ الصفات ونفيُ الأفعال، ونفي مباينته للخلق وعلوه على العرش، وكانوا يعبِّرون عن مذاهب أهل الإثبات أهل السنة بالعبارات المجملة التي تشعر الناس بفساد المذهب، فإنهم إذا قالوا: إن الله منزه عن الأعراض لم يكن في ظاهر هذه العبارة ما ينكر، لأن الناس يفهمون من ذلك أنه منزه عن الاستحالة والفساد، كالأعراض التى تعرض لبني آدم من الأمراض والأسقام، ولا ريب أن الله منزَّه عن ذلك، ولكن مقصودهم أنه ليس له علم ولا قدرة ولا حياة ولا كلام قائم به، ولا غير ذلك من الصفات التي يسمونها هم أعراضاً. وكذلك إذا قالوا: إن الله منزَّه عن الحدود والأحياز والجهات، أوهموا الناس أن مقصودهم بذلك أنه لا تحصره المخلوقات، ولا تحوزه المصنوعات، وهذا المعنى صحيح، ومقصودهم أنه ليس مبايناً للخلق ولا منفصلاً عنه، وأنه ليس فوق السماوات رب ولا على العرش إله، وأن محمداً لم يعرج به إليه، ولم ينزل منه شيء، ولا يصعد إليه شيء، ولا يتقرب إليه شيء، ولا يتقرب إلى شيء، ولا ترفع إليه الأيدي في الدعاء ولا غيره، ونحو ذلك من معاني الجهمية. وإذا قالوا: إنه ليس بجسم أوهموا أنه ليس من جنس المخلوقات، ولا مثل أبدان الخلق، وهذا المعنى صحيح، ولكن مقصودهم بذلك أنه لا يرى ولا يتكلم بنفسه، ولا تقوم به صفة، ولا هو مباين للخلق وأمثال ذلك. وإذا قالوا: لا
стр. 85
تحله الحوادث أوهموا الناس أن مرادهم أنه لا يكون محلاً للتغيرات والاستحالات ونحو ذلك من الأحداث التي تحدث للمخلوقين فتحيلهم وتفسدهم، وهذا معنى صحيح، ولكن مقصودهم بذلك أنه ليس له فعل اختياري يقوم بنفسه، ولا له كلام ولا فعل يقوم به يتعلق بمشيئته وقدرته، وأنه لا يقدر على استواء أو نزول أو إتيان، أو مجيء وأن المخلوقات التي خلقها لم يكن منه عند خلقها فعل أصلاً، بل عين المخلوقات هي الفعل، ليس هناك فعل ومفعول، وخلق ومخلوق، بل المخلوق عين الخلق، والمفعول عين الفعل ونحو ذلك، وابن كُلاَّب ومن اتبعه وافقوهم على هذا، وخالفوهم في إثبات الصفات.
الإمام الأشعري يثبت الصفات بالشرع تارة وبالعقل أخرى وكذلك الأشعري يثبت الصفات بالشرع تارة وبالعقل أخرى، ولهذا يثبت العلوّ ونحوه مما تنفيه المعتزلة، ويثبت الاستواء على العرش، ويرد على من تأوله بالاستيلاء ونحوه مما لا يختص بالعرش- أي هو تعالى مستول على كل شيء من مخلوقاته لا على العرش وحده، وهو العالي على كل شيء، المحيط بكل شيء في جميع أحواله من نزوله وارتفاعه، لا يحيط به شيء، ولا يحتوي عليه شيء. وكان الأشعري وأئمة أصحابه يقولون: أنهم يحتجون بالعقل لما عرف ثبوته بالسمع، فالشرع هو الذي يعتمد عليه في أصول الدين، والعقل عاضد له معاون، لكن المعتزلة القائلين بأن دلالة السمع موقوفة على صحته صرحوا بأنه لا يستدل بأقوال الرسول على ما يجب ويمتنع من الصفات بل ولا الأفعال، وصرحوا بأنه لا يجوز الاحتجاج على ذلك بالكتاب والسنة وإن وافق العقل، فكيف إذا خالفه.
وهذه الطريقة هي التي سلكها من وافق المعتزلة في ذلك.
وأما الأشعري وأئمة أصحابه فإخهم مثبتون لها (أي الصفات الخبَرية) يردون على من ينفيها، أو يقف فيها فضلاً عمن يتأولها.
وأمَّا مسألة قيام الأفعال الاختيارية به، فإنَّ ابن كُلاَّب والأشعري وغيرهما ينفونها، وعلى ذلك بنوا قولهم في مسالة القرآن، وبسبب ذلك وغيره تكلم الناس فيهم في هذا الباب بما هو معروف في كتب أهل العلم ونسبوهم إلى البدعة، والصواب أن الله
стр. 86
بجميع صفات ذاته واحد، لم يزل ولا يزال، وما أضيف إلى الله من صفات فعله مما هو غير بائن عن الله فغير مخلوق.
خلاصة ما تقدم
الردّ بعشرات الآيات على من يقول: إن الله تعالى لا يتكلم إلا بأصوات قديمة أزلية ليست متعاقبة وهو لا يقدر على التكلم بها، ولا له في ذلك مشيئة ولا فعل (٦٠- ٦٣ ج ٢) وقد جاء في آخرها قوله: وأمثال ذلك- كثير في كتاب الله تعالى، بل يدخل في ذلك عامَّة ما أخبر الله به من أفعاله لا سيما المرتبة كقوله تعالى: "وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى" (١) ، "وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ" (٢) ، "أَلَمْ نُهْلِكِ الْأَوَّلِينَ. ثُمَّ نُتْبِعُهُمُ الْآَخِرِينَ" (٣) ، وآيات كثيرة كلها تدل على أفعال الله تعالى بالتعاقب والترتيب.
(ص ٦٠) وخلاصة هذا المبحث الطويل الجليل هو في قوله: لكن المقصود هنا أن نبين أن القرآن والسنة فيهما من الدلالة على هذا الأصل ما لا يكاد يحصر، فمن له فهم في كتاب الله يستدل بما ذكر من النصوص على ما ترك، ومن عرف حقيقة قول النفاة علم أن القرآن مناقض لذلك مناقضة لا حيلة لهم فيها، وأن القرآن يثبت ما يقدر عليه ويشاؤه من أفعاله تعالى التي ليست هي نفس المخلوقات.
كلام هؤلاء الطوائف
من تدبَّر كلام هؤلاء الطوائف بعضهم مع بعض تبين له أنهم لا يعتصمون فيما يخالفون به الكتاب والسنة إلا بحجة جدلية يسلمها بعضهم لبعض، وآخر منتهاهم حجة يحتجون بها في إثبات حدوث العالم لقيام الأكوان به أو الأعراض، ونحو ذلك من الحجج التي هي أصل الكلام المحدَث الذي ذمَّه السلف والأئمة، وقالوا: إنه جهل، وإن حكم أهله أن يضربوا بالجريد والنعال، ويطاف بهم في القبائل
стр. 87
والعشائر، ويقال: هذا جزاء من ترك الكتاب والسنة وأقبل على الكلام، وكذا مَن عرف حقائق ما انتهى إليه هؤلاء الفضلاء الأذكياء ازداد بصيرة وعلماً ويقيناً بما جاء به الرسول ﷺ ، وبأن ما يعارضون به الكتاب والسنّة من كلامهم الذي يسمونه عقليات، هي من هذا الجنس الذي لا يتفق إلا بما فيه من الألفاظ المجملة المشتبهة مع مَن قلَّت معرفته بما جاء به الرسول وبطرق إثبات ذلك، ويتوهم أن بمثل هذا الكلام يثبت معرفة الله وصدق رسله، وأن الطعن في ذلكِ طعن فيما به يصير العبد مؤمناً، فيتعجَّل ردّ كثيرمما جاء به الرسول ﷺ ، لظنه أنَّه بهذا الرد يصير مصدِّقاً للرسول في الباقي.
(ص ٢٠٧) وهذا مما يبين أن ما جاءت به الرسل هو الحق، وأن الأدلة العقلية الصريحة توافق ما جاءت به الرسل، وأن صريح المعقول، لا يناقض صحيح المنقول، وإنما يقع التناقض بين ما يدخل في السمع وليس منه، وما يدخل في العقل وليس منه، كالذين جعلوا من السمع أن الرب لم يزل معطلاً عن الكلام والفعل، لا يتكلم بمشيئته، ولا يفعل بمشيئته، بل ولا يمكنه عندهم أنه لا يزال يتكلم بمشيئته ويفعل بمشيئته، فجعلى هؤلاء هذا قول الرسل، وليس هو قولهم، وجعل هؤلاء من المعقول أنه يمتنع دوام كونه قادراً على الكلام والفعل بمشيئته.
(ص ١١١) فإذا خلق في الشجرة "إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ" (١) - ولم يقم هو به كلام- كان ذلك كلاماً للشجرة، فتكون هي القائلة!! والحوادث لا تحل به تعالى من غير مشيئة ولا قدرة، بل يفعلها بمشيئته وقدرته، واتصافه بها واجب لأنها صفات كمال، والذات الموصوفة بصفاتها، القادرة على أفعالها، مستلزمة لما يلزمها من الصفات، قادرة على ما تشاؤه من الأفعال.
نفي القول بخلق القرآن
(ص ١٢٣) إن الطريقة المعروفة التي سلكها الأشعري وأصحابه في مسألة القرآن هم ومن وافقهم على هذا الأصل من أصحاب أحمد وغيرهم كأبي الحسن التميمي،
стр. 88
والقاضي أبي يعلى (سنة ٤٥٨ هـ) وابن عقيل (سنة ٢٥٥ هـ) وأبي الحسن الزعفراني (سنة ٢٥٩ هـ) من أصحاب أحمد (سنة ٢٤١ هـ) وكابي المعالي (سنة ٤٧٨ هـ) وأمثاله وأبي القاسم الرواسي، وأبي سعيد المتولي (سنة ٤٧٨ هـ) وغيرهم من أصحاب الشافعي (سنة ٣٠٤ هـ) ؛ والقاضي أبي الوليد الباجي (سنة ٤٧٤ هـ) وأبي بكر الطرطوشي (سنة ٥٢٠ هـ) وأبي بكر بن العربي (سنة ٥٤٣ هـ) وغيرهم من أصحاب مالك (سنة ١٧٩ هـ) ، وكأبي منصور الماتريدي (سنة ٣٣٣ هـ) وميمون النسفي (سنة ٥٠٨ هـ) وغيرهما من أصحاب أبي حنيفة (سنة ١٥٠ هـ) ، أنهم قالوا:
لو كان القرآن مخلوقاً للزم أن يخلقه إما في ذاته أو في محل غيره، أو قائماً بنفسه، لا في ذاته ولا في محل آخر، و (الأوَّل) يستلزم أن يكون محلاَّ للحوادث، و (الثاني) يقتضي أن يكون الكلام كلام المحل الذي خلق فيه، فلا يكون ذلك الكلام كلام الله كسائر الصفات إذا خلقها في محل، كالعلم والحياة والحركة واللون وغير ذلك. و (الثالث) يقتضي أن تقوم الصفة بنفسها، وهذا ممتنع. فهذه الطريقة هي عمدة هؤلاء في مسألة القرآن، وقد سبقهم عبد العزيز المكي (سنة ٢٤٠ هـ) صاحب المحاورة المشهورة إلى هذا التقسيم، وقد يظن الظان أن كلامهم هو كلامه بعينه، وأنه كان يقول بقولهم أن الله لا يقوم بذاته ما يتعلق بقدرته ومشيئته، وأن قوله من جنس قول ابن كلاَّب، وليس الأمر على ذلك، فإن عبد العزيز هذا، له في الرد على الجهمية وغيرهم من الكلام ما لا يعرف فيه خروج عن مذهب السلف وأهل الحديث، وذكر طرفاً من هذه
المناظرة التي جرت بحضور الخليفة المأمون بين عبد العزيز الكناني المكي وبشر المريسي (سنة ٢١٨ هـ) إلى أن قال عبد العزيز: وما كان قبل الخلق متقدماً، فليس هو من الخلق في شيء ثم قال: فقد كسرت قول بشر بالكتاب والسنة واللغة العربية، والنظر والمعقول. ثم قال ابن تيمية- معلقاً على كلام عبد العزيز وبشر-: والمقصود هنا أن ما قام بذاته، لا يسميه أحد منهم مخلوقاً، سواء كان حادثاً أو قديماً، وبهذا يظهر احتجاج عبد العزيز على بشر، فإن بشراً من أئمة الجهمية نفاة الصفات، وعنده لم يقم بذات الله تعالى صفة ولا فعل ولا قدرة ولا كلام ولا إرادة، بل ما ثمَّ عنده إلا الذات المجردة عن الصفات والمخلوقات المنفصلة عنها كما تقول بذلك الجهمية من المعتزلة وغيرهم، فاحتج عليه عبد العزيز بحجتين عقليتين، (إحداهما) أنه إذا كان كلام الله
стр. 89
مخلوقاً، ولم يخلقه في غيره ولا خلقه قائماً بنفسه، لزم أن يكون مخلوقاً في نفس الله، وهذا باطل. و (الثانية) أن المخلوقات المنفصلة عن الله خلقها الله بما ليس من المخلوقات، إما القدرة كما أقر به بشر، وإما فعله وأمره وإرادته كما قاله عبد العزيز، وعلى التقديرين ثبت أنه كان قبل المخلوقات من الصفات ما ليس بمخلوق، فبطل أصل قول بشر والجهمية أنه ليس لله صفة، وأن كل ما سوى الذات المجردة فهو مخلوق، وتبين أن الذات يقوم بها معان ليست مخلوقة، وهذا حجة مثبتة الصفات للقائلين بأن القرآن كلام الله غير مخلوق على من نفى الصفات، وقال بخلق القرآن.
стр. 90
المقابلة بين الهدى والضلال
حول ترحيب الكوثري بنقد تأنيبه
بقلم العلامة الشيخ عبد الرزاق حمزة
تحقيق: عبد الله بن صالح المدني الفقيه
المكتب الإسلامي
стр. 91
مقدمة
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله الهادي إلى الطريق الأقوم، المتفضل علينا بنعمة الإيمان والإسلام، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه وسلم.
أما بعد:
فهذه الرسالة القيمة مما كتبه أستاذنا العلاَّمة: الشيخ محمد عبد الرزاق حمزة، أستاذ دار الحديث، وإمام الحرم المكي- عليه رحمة الله -.
وقد كانت الرغبة في طبعها مع التعليقات عليها في حياته، ولكن ما أن باشرت اعدادها للطبع حتى وافاه الأجل. والله أسال له الرحمة والمغفرة، وأرجوه تعالى، أن يجعل من أبنائه وتلامذته خير خلفاء له، وأن يوفقهم للخير، وأن يسدد خطاهم لإكمال طريقه على النهج السوي. إنه تعالى أكرم مسؤول.
стр. 92
ترجمة فضيلة الشيخ محمد عبد الرزاق حمزة ﵀
ولادته ونسبه:
وُلد الشيخ محمد عبد الرزاق حمزة في إحدى قرى مصر (كفر شكر) التي تقع قريباً من) بنها (شمال القاهرة، وعلى بُعد خمسين) كلم (تقريباً) .
وتنتهي شجرة نسبه إلى سيدنا حمزة بن عبد المطلب ﵁، لكنه ﵀ لم يكن ليرضى أن يذكر شيئاً من هذا القبيل، لأن له من مبادئه وعقيدته التي كان يدعو إليها وينشرها بين ما يمنعه من ذلك. فالأنساب لا ترفع أحداً، وإن أكرم الناس عند الله أتقاهم، وإنه لا فرق بين عربي وأعجمي إلا بالتّقوى.
دراستُهُ.
تعلّم القراءة والكتابة وحفظ القرآن الكريم في مدرسة قريته، وبعد أن بلغ السن القانونية التي تخوّله دخول الأزهر، أبدى رغبتَهُ لوالده، ورغم الممانعة التي أبداها ذووه محتجين ببُعد المسافة بين بلده والقاهرة فإنه أصَرَّ على طلبه، فنزل والده على رغبته وأدخله الأزْهر.
وعُرف منذ انتظامه في طلب العلم بالجدِّيَّة والاجتهاد والتفوق في مختلف الموادّ؛ لهذا كان موضع تقدير أساتذته. ومدرسيه وزملائه؛ وفي مقدمة هؤلاء جميعاً شيخ الأزهر نفسه، فضيلة الشيخ سليم البشري- ﵀.
стр. 93
في مدرسة (دار الدعوة والإرشاد) .
في ذلك الحين، قام السيد رشيد رضا- ﵀ بتأسيس معهد أسماه (دار الدعوة والإرشاد) غايته: بث الفكرة الإسلامية النقيّة من شوائب البدع والخرافات؛ وإحياء السنَّة المحمدية، والدعوة إلى الاقتداء، ونَبْذ التقليد في الدين.
فانضم إلى المعهد العديد من شباب مصر وغيرها من البلاد العربية والإسلامية، منهم الشيخ محمد عبد الرزاق حمزة. وكان حضوره لدروس السيد رشيد رضا- رحمهما الله- باكورة اشتغاله بكُتُب الحديث والتخصص فيها؛ والإضطلاع بأعباء نشر الدعوة الإسلامية مصفّاةً من كل شائبة. ولقد توثقت صلتُهُ بمؤسس الدّار لاتفاق الميول وتوَحد الإتجاهات فيما يتعلَّق بشؤون العقيدة والعبادات.
ومن ثَمَّ انطلق الشيخ محمد عبد الرزاق ﵀ في القرى والمدُن ينشر الدعوة السلفيَّة ويبشِّر بها، محارباً كل بدْعة؛ راداً كُلّ فرْيَة، داعياً إلى كل سنَّةٍ.
ولم يكن ليُبالي أبداً بما يلقاه من بعض المتعصبين والجهلة؛ بل استمر في دعوته إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة.
صلته بالشيخ عبد الظاهر أبي السَّمْح.
كما توثقت صلتُهُ في (دار الدعوة والإرشاد) بالشيخ عبد الظاهر أبي السَّمْح الذي كان قد أوذي مراراً وتكراراً في سبيل دعوته السلفية ودفاعِهِ عنها، ومحاربتهِ للجهل والخرافة؛ ثم ترسَّخت هذه الصلة وتوطَّدت هذه العلاقة بعد أن تزوّج "أبو السمح" من شقيقة الشيخ محمد عبد الرزاق حمزة.
نشاطه العلمي في القاهرة.
وعندما قامت الحرب العالمية الأولى اضطر صاحب "دار الدعوة" لإغلاق أبوابها.
إِلا أن الشيخ محمد عبد الرزاق حمزة لم ينقطع عن الاتصال بالسيد رشيد رضا؛ فانتقل معه إلى إدارة مجلة (المنار) فكان السيد يستعين به في تصحيح ملازم المجلة،
стр. 94
أو يعهد إليه يتنقيح بعض النصوص الخطية، أو المتون المطبوعة، أو تصحيح الكتب التي أعادت طبعها دار "المنار".
وكان يدبِّج المقالات التوجيهية الهادفة وينشرها في المجلات التي تصدرها بعض الجمعيات الإسلامية في القاهرة كمجلة "مكارم الأخلاق " ومجلة " الهدى النبوي ".
في الحجاز.
وفي عام (١٣٤٤ هـ- ١٩٢٥م) ، قصد الشيخ محمد عبد الرزاق حمزة، والشيخ عبد الظاهر محمد أبو السمح إلى مكة المكرمة لأداء فريضة الحج؛ فلقيا جلالة الملك عبد العزيز آل سعود- ﵀ حاجاً، فرحّب بهما وقد عرف عنهما بواسطة أستاذهما السيد رشيد رضا الشيء الكثير؛ فدعاهما لتولي منصب الإمامة والخطابة والتدريس في الحرمين الشريفن، فلبّيا الطلب، وانتقلا بأهلهما عام (١٣٤٧ هـ، ١٩٢٨ م) .
في المدينة المنّورة.
فقام بعمله الذي اوكل إليه في المدينة خير قيام، وكانت له جولات واسعة في الإصلاح الديني، ونظم دروساً صباحية ومسائية في الحرم النبوي في الحديث والتفسير والتوحيد، مما كان له الأثر الطيب في نفوس الشباب المثقَّف وخصوصاً في موسم الحج.
الانتقال إلى مكة.
لم تطل إقامة الشيخ محمد عبد الرزاق في المدينة المنورة، وفي غضون سنة (١٣٤٨ هـ. ١٩٢٩ م) انتقل إلى مكة المكرمة مساعداً للشيخ عبد الظاهر في الإمامة والخطابة
في الحرم المكي الشريف.
كما عُهِدَ إليه القيام بالتدريس في " المعهد العلمي السعودي " أكبر مؤسسة علمية يومئذٍ؛ ولم تقتصر دروسه في المعهد على المواد الدينية، بل تناولت العلوم المدنية كالرياضيات والحساب والهندسة والجبر والعلوم الطبيعية.
стр. 95
الدروس العامة.
لقد أقبل على الدروس العامة في الحرم المكي بهمةٍ لا تعرف الكلل أو الملل؛ فقد خصَّص ما بين العشائين وبعد صلاة الفجر من كل يَومٍ لدروس التفسير والحديث متبعاً طريقة محبَّبة مما جعله محط أنظار المثقفين.
الدروس الخاصة.
ولقد اتخذ "﵀ " من حُجرته التي كانت تُعرف بقُبَّةِ الساعات- بجوار باب عليٍّ في الحرم المكي- موئلًا لطُلاَّب الدروس الخاصة في اللغة، والتفسير، والأصول، والعلوم المختلفة من جبرٍ وهندسة وفلك، مستخدماً في دروس الفلك الطرق العلمية الحديثة.
ولقد دفعه ولَعُه بعلم الفلك إلى فكرة إقامة مرصد فلكي على رأس جبل أب قُبَيْس في مكة المكرمة للاستعانة به في رؤية الهلال؛ فاستجابت له السّلطات المسؤولة، واستحضرت بعض الآلات اللازمة، إلا أن الفكرة لم يُكتبْ لها التمام.
من " دار الدعوة والإرشاد " إلى "دار الحديث ".
كان الاهتمام بالحديث وعلومه الشغل الشاغل للشيخين عبد الظاهر أبي السمح، ومحمد عبد الرزاق حمزة، فقاما بتأسيس دار الحديث بمكة المكرمة بعد استئذان جلالة الملك عبد العزيز آل سعود- ﵀ وتشجيعه عام (١٣٥٠ هـ ١٩٣١ م) . وقد ساعد على ذلك رجل الفضل الشيخ محمد نصيف. ﵀.
فكان الشيخ عبد الظاهر مدير الدار، والشيخ محمد عبد الرزاق المدرِّس الأول؛ كما استعانا بنخبَةٍ من العلمِاء أهل الإختصاص والكفاءة؛ ولقد أدت هذه الدار خدماتٍ جُلَّي للناشيءة الإسلامية وطُلاب العلم. واستمر الشيخ عبد الظاهر في إدارتها حتى توفاه الله ، فخلفه الشيخ عبد الرزاق حتى أقعدته الأمراض.
стр. 96
في الرياض.
وفي عام (١٣٧٢ هـ ١٩٥٢ م) انتُدبَ الشيخ محمد عبد الرزاق بأمر من سماحة مفتي الديار السعودية الشيخ محمد بن ابراهيم للتدريس في المعهد العلمي بالرياض؛ فبقي هناك سنة واحدة عاد بعدها إلى مكة المكرمة.
إحالته على التقاعد.
وعند بلوغه الرابعة والستين من عمره أحيل إلى التقاعد بأمرٍ من سماحة رئيس القضاة بمكة المكرمة.
ولكن هذا لم يمنعه من الاستمرار في أداء رسالته الدينية وخاصة في ميدان التدريس العام، مما جعل حتى أقرب المقرَّبين منه وخلصاءه لا يعلمون من أمر التقاعد شيئاً.
مرضه ووفاته.
وفي أواخر عام (١٣٨٥ هـ ١٩٦٥ م) اشتدت عليه وطاة الأمراض، فأجبرته على الغزْلة، مكتفياً بقراءة القرآن ومطالعة الكتب.
ثم زادت عليه الوطأة؛ فلازم الفراش منذ عام (١٣٩٠ هـ ١٩٧٠ م) واستمر كذلك حتى وافاه الأجل المحتوم من بعد ظهر يوم الخميس في الثاني والعشرين من شهر صفر الخير عام ١٣٩٢ هـ ١٩٧٢ م. وصُلِّيَ عليه من بعد مغرب ذلك اليوم، ودفن بالمُعَلَّا.
آثاره العلمية.
١- كتاب "الصلاة". ويعتبر دائرة معارف كاملة لموضوع الصلاة فقد جمع فيه كل ما يتعلَّق بالصلاة وأنواعها.
٢- كتاب "الشواهد والنصوص". ألَّفه رداً على آراء عبد الله القصيمي الضالة في كتابه: (هذه هي الأغلال) .
стр. 97
٣- رسالة في الرد على بعض آراء الكوثري. لما قام هذا بنشر اعتراضاته وشتائمه على
الصحابة والتابعيين وكبار علماء الأمة.
٤- كتاب "ظلمات أبي رَيّة"، ولقد ذكر العلَّامة الشيخ محمد عبد الرزاق- ﵀
أنه قد كتب هذا الرد وهو مريض في مستشفى الطائف. بعيداً عن مراجعه.
ويعتبر ردّه هذا، من أمتن وأشهر ما كُتب، مدَعَّماً بالأدلة القواطع، والأقوال
الفواصل.
٥- "عنوان المجد في تاريخ نجد" لابن بشر. طبعة مكة.
٦- رسالة التوحيد، للإمام جعفر الصادق.
٧- مورد الظمآن إلى زوائد ابن حِبّان.
٨- الباعث الحثيث إلى فن مصطلح الحديث.
٩- تعليقات على الحموية الكبرى، لشيخ الإسلام ابن تيمية.
١٠- تعليقات على رسالة الطلاق، لشيخ الإسلام ابن تيمية.
١١- تعليقات على "الكبائر" للذهبي.
١٢- ومن الرسائل التي ألَّفها ولم تُطْبَع رسالة (الحمد لله رب العالمين في الفِطَرِ والعقول والأديان) .
﵀ رحمة الأبرار، وأسكنه فسيح جناته.
стр. 98
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
أطلع علينا الكوثري " ترحيبه " بنقد الشيخ عبد الرحمن اليماني لتأنيبه، فخرجنا من الاطلاع عليه بالعبر الآتية:
(١) امتعض الكوثري امتعاضاً لم يستطع كتمانه من ظهور كتاب "النقض" على بشر المريسي للامام عثمان بن سعيد الدارمي، وكتاب "السنة" لامام أهل السنة الإمام أحمد بن محمد بن حنبل أبي عبد الله الشيباني، رواية ابنه عبد الله عنه، مغتاظاً مما فيهما من إثبات صفات الكمال لله تعالى، التي عدها سلفه الجهم بن صفوان، والجعد بن درهم ومن اتبعِ خطواتهما، تجسيماً وتشبيهاً بزعمهم الفاسد، تعالى الله عما يقول الجعد وشيعته علوا كبيراً.
ألا فليعلم الكوثري- إن كان يحب أن يعلم- أن كتاب "السنة" للامام أحمد، وكتاب "الرد على المريسي" للامام عثمان بن سعيد الدارمي وأمثالها، كلها تدور على روايات وصف الله بما وصف به نفسه، وبما وصفه به رسوله ﷺ ، وما جاء عن خيار الأمة وسلفها في ذلك، وإن شرق بما فيها الجهميون، والمريسيون، والجعديون، ومخانيث المتفلسفة، في كل مصر وزمان، وعصر ومكان، وعلى من لا يصدق أن يأتينا بخبر في الكتابين لا يوجد في كتب الأئمة الأعلام حفاظ الإسلام، أصحاب الدواوين المشهورة: كمالك (١) ، وأحمد (٢) ، والشافعي، والبخاري، ومسلم، وأبي داود،
стр. 99
والترمذي ومَنْ بعدَهم كابن جرير، وابن أبي حاتم، وابن خزيمة، وأبي عوانة الأسفرائني، والآجري، والبيهقي، وابن عبد البر، ومن لا يعد ولا يحصى من أئمة الإسلام وحفاظه؛ وعلى من تحشرجت نفسه وضاق صدره بما في كتب هؤلاء الأعلام من الايمان بالله وصفاته، والهدى الذي جاء به الإسلام ودين النبيين جميعاً من وصف الله بالكمال وتنزيهه عن النقص والمحال، وأنها كلها تدور على رواية السنة التي تبين كتاب الله تعالى وتفسره- أقول: من ضاق بذلك ذرعاً فليمدد بسبب إلى السماء، ثم ليقطع فلينظر هل يذهبن كيده ما يغيظ، وليمت غيظاً وليتفصد حنقاً على الحق وأهله.
إن الله تعالى وصف نفسه بما جاء في القرآن بأنه الرحمن الرحيم، الذي لم يلد ولم يولد، الأحد الصمد، لا تأخذه سِنَة ولا نوم يُطعِم ولا يٌطعَم كما قال: "وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا" (١) وبقوله: " هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلَائِكَةُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ" (٢) وبقوله: "وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا" (٣) وبقوله: يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ " (٤) وبقوله: "وَرَافِعُكَ إِلَيَّ" (٥) وبقوله: "بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ" (٦) وبقوله: " هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آَيَاتِ رَبِّكَ " (٧) وبقوله: "مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ " (٨) وقوله: "بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ" (٩) وقوله: "وَنَادَيْنَاهُ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ الْأَيْمَنِ وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا" (١٠) إلى غير ذلك مما لا يحصى كثرة، بل هو أكثر آي القرآن وجمهرته، وأهم ما جاء فيه وأزكاه وأطيبه.
فمن لم يؤمن بهذا وبما فسره من أحاديث رسول الله ﷺ ، وكلام الأئمة من
стр. 100
الصحابة والتابعين وتابعيهم ومقتفي آثارهم إلى يوم القيامة، فليبْكِ على نفسه وليندب حظه من الإسلام، ونعوذ بالله من مُضلات الفتن، ونسأل الله الذي عافانا مما ابتلى به هؤلاء، أن يديم علينا الهداية، آمن.
إن الدفع في صدور هذه النصوص وردها بالتحريف والإبطال والتكذيب هو داء قديم، ومرض عضال، أو سم زعاف، نفثه في هذه الأمة الجعد بن درهم (١) وتولى نشره قبل ذلك رأس الدهرية والزندقة فرعون رأس الكفر إذ يقول: " يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ. أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كَاذِبًا" (٢) فليس عند اللعين وشيعته إله فوق السماوات ولا رب استوى على العرش ولا خالق بائن من خلقه يتكلم ويفعل ما يشاء، وعند هؤلاء المخانيث فروخ المعطلة والجهمية أن وصف الله بما وصف به نفسه تشبيه وتجسيم وتجسيد، ويضربون لذلك الأمثال مخالفين قوله تعالى: "فَلَا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَالَ إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ" (٣) وإذا سئلوا: هل تؤمنون أن رب العالمين وخالق الخلق موجود حي عليم قادر مريد سميع بصير؟ فيقول من لم يكابر منهم: نعم. فإذا سئل: عن المجيء لفصل الحساب، وإشراق الأرض بنور ربها وإتيانه في ظُلَلٍ من الغمام، ونزوله إلى سماء الدنيا، وندائه بصوت يسمعه من قرب كما يسمعه من بعد، إلى آخر ما جاء في النصوص (٤) امتعض وانتفض وقال: هذه صفات المخلوقات وتدل على التجسيم، فيجب أن ننزه الخالق عنها بزعمهم.
فإذا قيل له: وأي فرق بين الحياة والعلم والقدرة والارادة والسمع والبصر وبين هذه؟ أليست كلها موجودة في المخلوقات ونصف بها الخالق على وجه لا يشبه وصف المخلوقات؟ فنقول: حياته غير حياة المخلوقات، وكذلك علمه، وسمعه، وبصره.
стр. 101
وكذلك، مجيئه، ونزوله. فنصفه بالكمال، وننزهه عن مشابهة المخلوقات بها، فلماذا لا تقول فيما أنكرت من النصوص كما قلت فيما اعترفت به منها؟ والكل من وادٍ واحد، ومن مشكاةٍ واحدة، نصوص قرآنية وأحاديث نبوية، كلها نور وايمان، والتنزيه في الجميع حتم لا بد منه، والاقرار في الجميع واحد، ونفي مشابهة صفات المخلوقات بصفات الخالق إيمان واجب على كل مؤمن. وإذا طولب المفرقون بفرقان بَيّن، وسئلوا عن الفرق بين ما قبلوا وما رفضوا. لم يكن عندهم إلا تقليد الجعد والجهم وبشر المريسي الذي توجع الكوثري من نشر: "نقض" الدارمي (١) له، وانتفخت أوداجه لطبعه، وطبع "السنة" للإمام أحمد، ولم يخف غيظه من أئمة الإسلام: البيهقي (٢) وإمام الأئمة ابن خزيمة، والخلال، وأبي الشيخ، وأمثالهم من أئمة الهدى، والحديث والسنة، تحت ستار الدفاع عن أبي حنيفة الذي أغناه الله عن دفاع محب جاهل.
وأخيراً- وليس بآخر- نقول للكوثري: إنا آمنا بهذه النصوص على ظاهرها مع
стр. 102
تنزيه الله تعالى عن مشابهة المخلوقات وان اقشعر منها جلد الجعديين والجهميين والمريسيين، ونوالي عليها ونعادي على إنكارها، ولنا في ابراهيم والذين آمنوا معه
أحسن قدوة، وأزكى أسوة "إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآَءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ" (١) .
ولا نهن ولا نخاف ولا يزعجنا تنبز الألقاب (٢) ، كحشوية أو مجسمهّ، أو اخترل مخترع لقصهّ البعوضة التي اخترعها الكوثري ليطفىِء نور الله بفمه.
طلب المباهلة
وإن شاء الكوثري أن نباهله: أن ذلك هو الصراط الستقيم، والسبيل السوي، ودين الله الذي جاءت به رسله من أولهم إلى آخرهم، وأن طريقة الجعد بن درهم، والجهم بن صفوان (٣) ، وبشر المريسي- الذي يتوجع له الكوثري ويغيظه طبع الرد عليه- هي طريقة النفاة المتفلسفة، وضعها لهم رأس الكفر فرعون، لعنة الله عليه إلى يوم الدين، واتبعه عليها كل متفلسف متحذلق مجانب للهدي النبوي، إن شاء أن نباهله على ذلك باهلناه، وإلا فَلْيَصِحْ ما طاب له الصياح، وليرتزق بهذه الأوراق التي يخرجها على الناس ما شاء له الارتزاق، وليمؤَه ما شاء له التمويه؛ وليدجل ما شاء له التدجيل. وإن أجاب إلى المباهلة فليذهب إلى ما شاء من مسجد، أو مشهد، أو قبر.
وأنا سأقف أمام باب بيت الله الحرام الكعبة المشرفة، وأدعو الله أن ينزل لعنته على كل كذاب مفترٍ، معاد لسبيل الهدى، مبغض لسلف الأمة وأئمتها، مفترٍ عليهم، مشوِّه للحق الذي جاءوا به، محرف لنصوص الكتاب والسنة، صارف لها عن الهدى الذي جاءت به.
стр. 103
الحقيقة والمجاز
(٢) كرر الكوثري وأعاد في الدال والمدلول، والحقيقة والمجاز، والحرف والصوت والمداد، وبهت بعض الأئمة كابن قدامة بما لا يصح أن يقوله عاقل، كل ذلك ليتحلل مما اشتهر عن أئمة السلف أن القرآن كلام الله غير مخلوق، منه بدأ واليه يعود، وحاصل ما أبدأ وأعاد، أنه ليس لله تعالى كلام يتلى بيننا! وأن ما بين دفتي المصحف ليس كلام الله، فخالف النصوص، والاجماع، وسلف الأمة وأئمتها، فما أدري ما يقول في قوله تعالى "وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ" (١) " وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (٢) .
بل أدري أنه سيقول، بل قد قال فعلاً: حتى يسمع مدلول، أو دال كلام الله، لا أن يسمع كلام الله حقاً، وهذا هو تحريف كلام الله بعد سماعه وعقله تقليداً لمتفلسفة اليونان.
وإذ قيل له: هل نادى الله موسى وناجاه وقربه نجياً وهل سمع موسى كلام الله؟ فسيقول: بل قال: إنما سمع مدلول، أو دال كلام الله! وهكذا من أنواع هذه القرمطة التي تفسد العقول والفِطر، وتشكك في كتب الله وشرائعه.
ونسأله عما تقر به العقول وتعترف به الفِطَر، أن الكلام هو كلام من قاله ابتداءً وانشاءً وتاليفاً؛ فهذا القرآن الذي نسمعه من القارىء ونسمع صوته به: من الذي
стр. 104
قاله ابتداء، ومن أول من قال:"الم" "ألمص" "ألمر" " كهيعص" " طسم" " ص " "ق" "ن" أهو الله الذي تكلم بذلك أولَاً، ونزل به الروح الأمن جبريل على قلب النبي الأمي محمد ﷺ وقرأه النبي على أصحابه؟.
إن قلت: ذلك، فهذا هو المطلوب، القرآن كلام الله تكلم به أولًا وهو كلامه حقاً، وما نسمعه من القارىء هو كلام الله نسمعه من صوت القارىء، وليس هو كلام القارىء، فالكلام كلام الله حروفه ومعانيه، والصوت صوت القارىء رخيماً أو غليظاً، ففرق في الفطر السليمة بين الكلام المؤلف من كلمات وحروف، وبين الصوت الذي هواهتزاز الهو اء في الحنجرة، والفم، وطبقات الهو اء، وكل ذي فطرة سليمة يعلم أن: " الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ " (١) كلام الله، وصوت القارىء بها هو صوت القارىء، ومداد الكاتب لها مداده، وللكلام وجود في الأعيان، وفي الأذهان، وفي الكتابة.
فإن قلت: إن الذي نسمعه من القرّاء، ونكتبه في المصاحف، ليس كلام الله، فقل لي بربك: من أولَ من تكلم به، بكلماته، وحروفه، واعفنا بربك من دالٍّ ومدلول، وحكاية وعبارة، التي تؤول إلى أن القرآن بكلماته وحروفه ليس كلام الله، فتشبه فيلسوف قريش إذ يقول في القرآن: " إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ. إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ " (٢) وقولهم " وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا " (٣) .
وبعد: فإنا نؤمن أن القرآن كلام الله؛ ألفاظه، وحروفه، ومعانيه، ليس من تأليف مخلوق، لا جبريل، ولا محمد، ولا اللوح المحفوظ، ولا من نظم أي مخلوق - غير الله تعالى- قرأه القارىء فالكلام كلام الله والصوت صوت القارىء، أوكتبه الكاتب، فالكلام المكتوب كلام الله، والكتابة والمداد وحركة اليد فعل الكاتب، والورق صنع الوراقين. والحديث يقول: (إن الله ينادي بصوت- أي يوم القيامة- يسمعه من قَرُبَ كما يسمعه من بَعُدَ" (٤) ونقول: إن الله كلم موسى وأسمعه كلام الله
стр. 105
في الجنة، فلا يكون شيء ألذ ولا أجمل من سماع كلام الله من الله، وليحرم الجهمية والجعدية، والمريسية، أنفسهم من الايمان بسماع كلام الله تعالى، وران على قلوبهم ما اخترعته لهم الفلسفة من دال ومدلول وعبارة وحكاية ومحال، حتى حرمتهم لذة كلام الله تعالى، والإيمان به عند تلاوته، وأسقطت حرمته من قلوبهم.
اللهم ايماناً كإيمان العجائز، ونحمدك على العافية من فلسفة الرازي والآمدي، والتفتازاني، ونفي الجعد، والجهم، والمريسي وأذنابهم إلى عصر الكوثري، ولك الحمد والمنة على ما هديتنا ووفقتنا من الايمان بكتابك الكريم، وسنة نبيك الهادي إلى صراطك المستقيم، واتباع سلف الأمة وأئمتها، واقتفاء خُطاهم، وسلوك سبيلهم، ومجانبة طرق الغواية والضلال والغضب من أمثال جعد وجهم وَبِشْر ومن ينصرهم، ويغضب لهم، ويحمى حمية الجاهلية للرد عليهم وبيان زيغهم وزيفيم وممن يحذر من شرورهم، وينصح للمسلمين وأئمتهم وعامتهم، ولكتاب الله تعالى وسنة نبيه ﷺ ويحتمل الأذى في بيانها وتعليمها ونشرها والصبر عليها، والدعوة عليها وإن كرهها الكارهون، وغضب لتبيانها ونشرها، وطبع الكتب الهادمة لضلال جعد وجهم وبشر وأمثالهم (١) ، ومن غص بنصوص القرآن والسنة وطريق سلف الأمة وأئمتها، ونسأله تعالى بحقه وكرمه ولطفه كما هدانا لهذا أن يديمه علينا إلى الممات، وأن يحشرنا مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين.
الإيمان قول وعمل
(٣) يرمي الكوثري خيار الأمة الذين قالوا: إن الإيمان، قول، وعمل، واعتقاد؛ ويزيد بالطاعات، وينقص بالمعاصي قالوا ذلك اتباعاً للنصوص الصريحة المستفيضة من القرآن والسنة: بانهم- في سبيل الانحياز الى المعتزلة أو الخوارج متهماً لهم أنهم-
стр. 106
يقولون: إن من أخل بشيء من العمل يكون أخل بالإيمان، (١) فبئس ما افتراه عليهمْ، كبرت كلمة تخرج من فيك يا كوثري، أن يكون خيار الأمة وأكابر الأئمة، مالك، والشافعي، وأحمد، والبخاري، ومسلم، وأبو داود، والترمذي ومن قبلهم من التابعين، والصحابة، ومن بعدهم ممن هو على آثارهم، منحازين إلى المعتزلة والخوارج، شاعرين بزعمك- أو غير شاعرين- وهم أعرف الناس بشرور المعتزلة والخوارج وضلالهم، وأنصح الأمة للأمة، بالبعد عن الانحراف عن طريق أهل السنة والجماعة، تشهد بذلك أقولهم وآثارهم وتعاليمهم، وكتبهم ومجالسهم وتلاميذهم، في كل بلد وفي كل عصر ومصر إلى يوم القيامة.
لقد قالوا: يتفاوت الايمان من أدنى درجاته في آخر من يخرج من النار، إلى أعلى درجاته في أعلى عِلِّيين من أهل الغرف الذين يتراءون كالكوكب الدري الغابر في الأفق. ولم يقولوا: إن إيمان السكير العربيد الذي لا يدري عن نفسه- لسكره وعربدته- كايمان جبريل، وميكائيل، ومحمد رسول الله ﷺ ، وصديق الأمة أبي بكر، وفاروقها عمر وغيرهم.
لم يقولوا بهذه المخزيات، وإنما قالوا بما قال الله ورسوله: من تفاوت أهل الايمان في الإيمان والأعمال، وتدرجهم ممن في قلبه أدنى أدنى أدنى مثقال ذرة من الإيمان، إلى سكان الفردوس أعلى الجنة وصاحب الدرجة الرفيعة والوسيلة والمقام المحمود، ولا يقولون: إن من أخل بشيء من الأعمال يكون قد أخل بالإيمان، كما بَهَتَهُمْ به هذا البهات، وافتراه عليهم، فأقوالهم وكتبهم وتعاليمهم ومتواتر مذاهبهم: أن المؤمن يكون فيه خير وشرة وله حسنات وسيئات ولا يخلو من الخير إلا الشيطان الرجيم، ولا يسلم من الشر إلا الملائكة والنبيون صلوات الله عليهم أجمعين، وهذا هو السبب في تصريحهم بالاستثناء في الايمان، فيقول أحدهم: أنا مؤمن إن شاء تعالى اعترافاً بالخطأ
стр. 107
والنقص وتقريراً للتقصير والتواني؛ وإيماناً منهم بأن هذا الدين لن يشاده أحد إلا غلبه، فيسددون ويقاربون، ويستغفرون الله لتقصيرهم وعدم اللحاق بأول القافلة، فيستثنون في الايمان. لهذه المقاصد الصحيحة لا شكاً في دينهم كما تجناه عليهم هذا المتجني وأضرابه، الذين قالوا؛ سؤال: هل يجوز التزوج بالشافعية التي تقول: أنا مؤمنة إن شاء الله، فتشك في دينها؟ والجواب: يجوز قياساً على الذمية اليهودية والنصرانية (١) ، يا للعجب العجاب وضياع العقل والصواب! مسلمة تؤمن بالله واليوم الآخر تعترف أن الايمان يزيد وينقص، بنص القرآن والحديث ولا تعرف كم عندها من درجات الإيمان، وكم حصلت من شعبه وأغصانه، أو بتعبير حسابي عصري كم النسبة المئوية أو الألفية عندها من الإيمان، فتكل الأمر إلى علام الغيوب وتقول: أنا مؤمنة إن شاء الله تعالى، فيأتي قوم يقولون: إن إيمان السكير العربيد كإيمان جبريل، وميكائيل، ومحمد ﷺ ، وأبي بكر، يقولون بكفرها، ويشككون في جواز نكاحها، ثم يستحي منهم من بقي للحياء فيه بقية، فيقيسها على اليهودية والنصرانية! مسلمة تقاس في جواز نكاحها بجواز نكاح اليهودية والنصرانية!؟
وأنا بدوري على قلة عنايتي بأصولهم، أتعجب من هذا القياس الذي تأباه أصولهم وأوضاعهم، فهذه المسلمة التقية التي استثنت في إيمانها خوفاً من الله تعالى أن تتإلى عليه بشيء لا تحيط بمداه وجوانبه، تحكم عليها قواعدهم أنها شاكة، فهي بزعمهم مرتدة، فكيف جاز قياسها على اليهودية والنصرانية في حل النكاح؟ فالقياس المتجه شكلاً على أصولهم، الباطل موضوعاً بنص كتاب الله وسنة رسوله ﷺ : أن هذه الشَّاكَّة المرتدة تقتل بعد أن تستتاب؛ لا أن يحل زواجها قياساً على اليهودية والنصرانية- بزعمهم- التي لا تقتل ولا تستتاب، والقوم أهل القياس، فكيف غاب عنهم الفرق بين المرتدة والذمية؟
إن عمر بن الخطاب ﵁ بُشر بقصر في الجنة، رآه رسول الله ﷺ ، فبكى
стр. 108
للبشارة (١) ، وإن عائشة أم المؤمنين تقول في قول الله تعالى: " وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آَتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ " (٢) فتقول: هم الذين يزنون ويسرقون ويخافون؟ فيقَول لها النبي ﷺ : لا يا ابنة الصديق، بل هم الذين يصلون ويتصدقون ويخافون أن لا تقبل منهم؛ أوكما قال ﷺ على ما جاء الحديث في ذلك، في مسند الإمام أحمد ﵁ (٣) وأرضاه، وأسكننا الجنة معه بمنه وكرمه.
أفما يكفي هذا وأمثاله وأمثال أمثاله لزجر العاقل المؤمن عن أن يجزم بشيء لا يحيط علمه بحدوده؟ ويدير اجتماع شعت شجرة الايمان فيه؟ وهو لا يدرك معرفة عُشْر عشر معشارها، فضلاً عن العمل به، فيستحي أن يقول: أنا مؤمن حقأ، وأن إيمان السكير العربيد وآكل مال اليتامى، وقاطع الطريق، وربما قاتل الأنبياء والصديقين، هو كإيمان جبريل، وميكائيل، ومحمد، وأبي بكر، وعمر، وعثمان، وعلي؟
إحراج الكوثري
لنا أن نسأل الكوثري سؤالاً، ليخرج لنا جواباً يَّتجر به ويأكل به طعامه ويرتزق به (وطالب القوت ما تعدى) نسأله سؤالا لعله يستجدي أهل الجدوى بسببه في نفقات طبع جوابه ونشره، ونكون قد أحسنا إليه ولو بطريق غير مباشر، وهذا هو السؤال:
إذا كان الإيمان هو المعرفة والتصديق فقط ليس معه شيء من عمل القلب: خوفه، ورجائه، وخشيته، وتقواه. وليس معه شيء من عمل الجوارح: لا نطق اللسان، ولا عبادة الله، ولا الركوع، ولا السجود. بل وقد يكون معه: قتل الأنبياء، وتكذيبهم، والسجود للأصنام والذبح لهم- إذا كان الإيمان يكون هكذا، فلماذا كفر اليهود وهم الذين يعرفون الرسول والحقَّ كما يعرفون أبناءهم؟ ولماذا كان فرعون رأس الكفر وهو يعلم أن آيات موسى أنزلها رب السموات والأرض، بصائر وتأييداً لموسى؟ ولماذا كان هو
стр. 109
وقومه أكفر خلق الله، وهم الذين أيقنوا بآيات الله " وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ " (١) ولماذا كفر كفار قريش وهم الذين قال الله فيهم: " فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ " (٢) ولماذا كان إبليس رافع راية الكفران، وهو يعلم أن الله رب العالمين وهو يعترف بعزة الله، وهدايته، وربوبيته؟.
نريد جواباً إرجائياً أن الايمان معرفة فحسب، حتى يكون كل هؤلاء مؤمنين حقاً كإيمان جبريل، وميكائيل، ومحمد ﷺ وأبي بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، والعشرة المبشرة بالجنة، والصحابة أجمعين، وإلا فليستح المجادل في الحق بعد ما تبين، والرزق على الله تعالى، لا على الإشتراء بآيات الله ثمناً قليلًا، والتعيش بالدجل والتغرير بالاغنام، والاتجار بدين الله تجارة باطلة مغشوشة سخيفة ولنتوجه جميعاً إلى الاهتمام بالمسلمين اليوم، والفتن التي تحيط بهم، وتحل قريباً من دارهم، وأعداء الله ورسوله وأعداء الديانات جميعاً يتسابقون جميعا إلى اخترل المهلكات والمدمرات من قنابل ذرية جهنمية، وإيدروجينية، وجهنميات الجو والبر والبحر والسماء والأرض.
فلنستح جميعاً من هذا الجدل الباطل، والتشكيك في دين الله تعالى، لدى العامة وأشباه العامة، وإضحاك العقلاء علينا، لأننا نعيش في غير عصرنا ونخالط من لا يعرفنا ولا نعرفه، إن كان بقي عندنا للحياء بقية.
اللامذهبية
(٤) يرمي الكوثري المؤمنين بكتاب ربهم والمتبعين لسنة نبيهم، والمقتفين لآثار السلف الصالح من الصحابة، والتابعين المقتدين بأئمة الهدى، في العمل بالكتاب والسنة، المؤمنين بأن كتاب الله وسنة نبيه حق وهدى ونور، في كل زمان ومكان، وفي كل عصر ومصر، وليست ألغازاً ولا أحاجي، ولم يتول الله بنفسه حفظ كتابه وسنة نبيه إلى اليوم، وإلى ما شاء الله تعالى إلا للعمل بهما والاهتداء بهديهما، لا لكتابة حُجُبٍ بهما، وأكل عيش بالتغني بها في مجالس الأفراح والمناحات، وأذية الأموات عند
стр. 110
القبور، وعدم حصر دين الله الكامل الشامل العام الرحمة المهداة إلى العالم أجمع، في نفر يقل عددهم عن أصابع اليد الواحدة، والزام الناس بآصار وأغلال ونحاتات أفكار سقيمة عقيمة، وتقييد الناس وتغليلهم بقيود المتهو كين (١) وأغلال من يشبه الأحبار والرهبان الذين يأكلون أموال الناس بالإثم، الصادين عن سبيل الله البيضاء النيرة، التي تركنا عليها رسول الله ﷺ حتى اضطروا الناس إلى الحشر في جحر الضب، من قيود التقاليد وأغلاها؛ واضطروهم إلى الخروج عن هذا الدين الحنيف الذي عسروه بضيق عقولهم، ودنسوه بسخفهم- إلى الخروج إلى حرية عصرية ومدنية فاسقة خليعة، بسوء عمل هؤلاء المسيئين إلى ربهم، وكتابه، ودينه، ورسوله- يسمي الكوثري هؤلاء المهتدين نبزاً لهم باللامذهبية، زاعماً: أنهم قنطرة اللادينية، (٢) وهذا ليس وراءه وراء، في قلب الحقيقة، ولبس الحق بالباطل، وليس ذلك بأول عجائبه ولا بآخر لجاجه، فان متبعي الكتاب والسنة في كل زمان ومكان، هم حجج الله في أرضه، وهم نجوم الهداية لخلقه، وهم ورثة الانبياء الذين لم يورثوا درهماً ولا ديناراً، وإنما ورثوا العلم والهدى والبصيرة في الدين.
فهل لنا أن نسأل الكوثري عن البلاد التي نبذته مع أضرابه الذين لبسوا الدين مقلوباً، وجعلوا منه حجباً وتمائم، ومحللات نكاح بتيس مستعار. نسأله: كم كان فيها مهتدون بالكتاب والسنة ممن يسميهم: لا مذهبية سببوا لها استبدال قوانين
أوروبا، ومدنيتها وكفرها بدين الله حقه وباطله؟ فليسِّم لنا واحداً ممن سألناه عنه، فإذا لم يقدر أن يسمي واحداً في تلك البلاد- وهو ما نسجله عليه من الآن إلا إذا كان