← Улюм аль-хадис

Улюм аль-хадис · id 12767

التنكيل بما في تأنيب الكوثري من الأباطيل - ط المكتب الإسلامي

عبد الرحمن المعلمي اليماني

Полный текст (924 стр.). Показаны 771–810 · переход к 776.

стр. 771

وأما الأمر الثامن وهو قول الكوثري: (وإنما خلافهم فيما هو الأفضل) فوجيه في الجملة فإن منهم من عرف أن الرفع سنة باقية، وفعل السنة افضل من تركها، ومن تابعين فمن بعدهم من لم تبلغه هذه السنة منوجه يثبت أو بلغته ولكن غلبت عليه شبهه ترجح بها عنده أنها منسوخة فيكون عنده أم الرفع بدعة، وترك البدعة أفضل من فعلها، وكذلك من التبس عليه الحال فإن نا يحتمل أن يكون سنة ةإن يكون بدعة فتر كه أفضل، فأما من أعرض عن الحجج واسترسل مع الشهاب إيثار لهواه، فله حكم آخر. والله المستعان.

стр. 772

المسألة الثالثة: أفظر الحاجم والمحجوم في (تاريخ بغداد) ١٣/٣٨٨ من طريق عبد الصمد بن عبد الوارث عن أبيه: «قال: ذكر لأبي حنيفة قول النبي ﷺ : أفطر الحاجم والمحجوم. فقال: هذا سجع» . قال لاأستاذ ص ٨١: «حديث: أفطر أفطر لحاجم والمحجوم لم يثبته كثير من أهل الحديث منهم ابن معين بمعنى أنهما عرضه للأفطار ... » . قلت: ممن صحح الحديث من وجه أو أكثر الإمام أحمد وابن المديني وإسحاق بن راهو ية والبخاري وأبو زرعة وعثمان بن سعيد الدارمي وابن خزيمة وغيرهم. فأما ابن معين ففي (الفتح) : قال المروذي: قلت لأحمد: إن يحيى بن معين قال: ليس فيه شيء يثبت. فقال: هذا مجازفة» . وزعم الأستاذ أن من أثبته يراه منسوخاً أو مؤولاً، ليس كما قال، فإنه ترك القسم الثالث، قال ابن حجر في (فتح الباري) : «وعن علي وعطاء والأوزاعي وأحمد وإسحاق وأبي ثور يفطر الحاجم والمحجوم، وأوجبوا عليهما القضاء، وشذ عطاء فأوجب الكفارة أيضاً، وقال بقول أحمد من الشافعية ابن خزيمة وابن المنذر وأبو الوليد النيسابورى وابن حبان ... وبذلك قال الداودي من المالكية» . فأما دعوى النسخ بحديث أن النبي ﷺ احتجم وهو صائم. فالحديث رواه عبد الوارث عن أيوب عن عكرمة عن ابن عباس: «احتجم النبي ﷺ وهو صائم» ،

стр. 773

ورواه وهيب عن أيوب بسنده: «أن النبي ﷺ احتجم وهو محرم، واحتجم وهو صائم» . وفي (الفتح) «ورواه ابن علية معمر عن أيوب عن عكرمة مرسلاً، واختلف على حماد بن زيد في وصلة وإرساله» . وجاء عن مقسم عن ابن عباس:: «احتجم رسول الله ﷺ بين مكة والمدينة وهو صائم محرم» . وذكر البيهقي ج٤ ص ٢٦٣ وقال: «وراه أيضاً ميمون بن مهران عن ابن عباس» ، وكذلك في رواية لابن جريج عن عطاء عن ابن عباس كما في (الفتح) عن عكرمة عن ابن عباس عند أحمد ج١ ص٣٠٥ ذكر قصة اليهودية التي وضعت السم في الطعام النبي ﷺ إذا وجد من ذلك شيئاً احتجم، قال: فسافر مرة فلما أحرم وجد من ذلك شيئاً فاحتجم» . وقد أجاب ابن خزيمة عن هذا الحديث بأن للمسافر إذا أصبح صائماً ثم بدا له أثناء النهار أن يفطر، وحاصل الجواب انه ﷺ أصبح في سفرة صائماً ثم لما هاج به الوجع احتجم فأفطر، وكأن ابن عباس لم يكن قد بلغه أن الحجامة تفطر الصائم احتج بالقصة على حسب ظنه. وهذا كما سمع أسامة يحدث بحديث: «لا ربا إلا في النسيئة» ولم يثبت عنده حديث: «لا تبيعوا الذهب مع بالذهب ولا الورق بالورق إلا وزناً بوزن مثلاً يداً بيد» فكان يفتي بحل ذهب بالذهب مع التفاصيل نقداً وكذا الفضة بالفضة، ثم جاء أن بعض الصحابة أخبره بالحديث الاخر فرجع (١) . وكما أخبره أسامة أن النبي ﷺ دخل الكعبة فلم يصلي فيها، فكان يفتي بذلك، وقد صح عن بلال أنه دخل مع النبي ﷺ الكعبة، وأنه صلى بين العمودين المقدمين، وكما كان يرى أن لا قراءة في السرية، ويذكر أن النبي ﷺ لم يكن يقرأ فيها، فقيل له: لعله كان يقرأ في نفسه، فغضب. وقد أثبت غيره القراءة بما لا تبقى معه شبهة. وأمثال هذا كثير ممال يحتج به الصحابي على

стр. 774

حسب ظنه ويتبين أن ظنه كان خطأ. وقد روى عطاء ذاك الحديث عن ابن عباس ثم ذهب إلى الافطار كما مر. فإن قيل: لو كان النبي ﷺ أفطر بالحجامة لكان الظاهر أن يبين ذلك للناس؟ قلت: يجاب أن النبي ﷺ اكتفى بما سبق منه من بيان أنه يفطر الحاجم والمحجوم، ومن بيان أن الصائم في السفر يحل له الافطار. فإن قيل: فقد جاء عن أبي سعيد الخدري وعن أنس أن النبي ﷺ رخص في الحجامة للصائم. (١) قلت: في صحة ذلك عنهما كما ترى في (فتح الباري) ، ولوصح أمكن أن يكون مرادهما بالترخيص ما ذكره ابن عباس من احتجامه ﷺ وهو وهو صائم في سفره، وقد مر ما فيه. وأما التأويل بصرف النص عن ظاهره فلا مسوغ له. والله أعلم (١) .

стр. 775

المسألة الرابعة: إشعار الهدى في (تاريخ بغداد) ١٣/٣٩٠ عن يوسف بن أسباط: « ... وأشعر رسول الله ﷺ وأصحابه، وقال أبو حنيفة: الإشعار مثلة» قال الأستاذ ص٨٧: «ليس من قوله فقط، بل أثر يرويه عن حماد عن إبراهيم النخعي كما يشتر إلى ذلك الترمذي ... .، يريدان إشعار أهل زمانها المبالغ فيه ولام التعريف تحمل على المعهود في زمانهما ... على أن الأعمش يقول: لم نسمع إبراهيم النخعي يقول شيئاً إلا وهو مروي، كما تجد ما بمعناه في (الحلية) لأبي نعيم، فيكون قول النخعي هذا أثراً يحتج به، وأنت عرفت قيمة مراسيل النخعي عند ابن عبد البر وغيره» .

стр. 776

أقول أما الترمذي فروى من طريق وكيع حديث إشعار النبي ﷺ . ثم قال: «سمعت يوسف بن عيسى (وهو ثقة) يقول: «سمعت وكيعاً يقول حين روى هذا الحديث قال: لا تنظروا إلى قول أهل الرأى في هذا فإن الاشعار سنة وقولهم بدعة» قال الترمذي: سمعت أبا السائب (سلم بن جنادة وهو ثقة) يقول: كنا عند وكيع فقال لرجل عنده ممن ينظر في الرأى: أشعر رسول الله ﷺ ، ويقول أبو حنيفة: هو مثلة؟ قال الرجل: فإنه قد روي عن إبراهيم النخعي أنه قال: الإشعار مثلة. قال: فرأيت وكيعاً غضب غضباً شديداً، وقال:: أقول لك: قال رسول الله ﷺ وتقول: قال إبراهيم؟ ما أحقك بأن تحبس ثم لا تخرج حتى تنزع عن قولك هذا» . القائل: «فإنه قد روي عن إبراهيم» لا يدري من هو وممن سمعه وكيف إسناده، ولكن الأستاذ بنى على دعاوى: الأولى: أن ذاك الرجل ثقة. الثانية: أن قوله: «فإنه قد روي» معناه فإن أبا حنيفة روي. الثالثة: أنه سمع ذلك من أبي من أبي حنيفة. الرابعة: أن أباحنيفة روي ذلك عن حماد، مع أنه لا ذكر لحماد في الحكاية. الخامسة: أن ذلك أثر، مع أن الأستاذ نقم نحو ذلك في (الترحيب) ص ٢٨ فقال: «وإطلاق الأثر على مالم يؤثر عن النبي ﷺ وأصحابه ﵃ في دين الله شيء مبتكر في سبيل تقوية الخبر الزائف من هذا الناقد الصالح!» . السادسة: أن 'براهيم النخعي لم يكن يستنبط ولا يقيس وإنما كان يقول ما يرويه بنصه، والأستاذ يعلم أن المتواتر عن إبراهيم خلاف ذلك، غاية الأمر أنه يسوغ أن يقال: إنه لم يكن يفتي برأيه المحض، وإنما كان يستنبط من المرويات ويقيس عليها فيكون عرضة للخطأ كغيره.

стр. 777

السابعة: أن تلك المرويات التي كان إبراهيم لا يتعدي منصوصهاً لا تشمل أقول من قلبه من التعابعين ولا الصحابة وإنما هي النصوص النبوية فتكون أقول إبراهيم وفتاواه كلها كلها مراسيل أرسلها عن النبي ﷺ . الثامنة: أن ذلك حجة. ولا أطيل بمناقشة الأستاذ في هذه المزاعم، وقد رجع هو عن الثلاث الأخير بقوله: «يريدان إشعار أهل زمانهما المبالغ فيه ... » ومع ذلك فهذه دعوى جديدة، والظاهر الواضح من قول القائل: «الإشعار مثله» الحكم على الإشعار مطلقاً ولوأراد ما زعمه الأستاذ لقال: «لمبالغة في الأشعار مثلة» أو نحو ذلك. فأما إبراهيم فلم يثبت ذاك القول عنه، فلا ضرورة إلى الاعتذار عنه بعذر، إن دفع الملامة من جهة، أو قع فيها من جهتين: الأولى: الاطلاق الموهم للباطل. الثانية: أتهامه جميح أهل زمانه وفيهم بقايا الصحابة والتابعون بالاطباق على مالا يجوز حتى استساغ أن يطلق ولا بفصل. وأما أبو حنيفة فقد اعتذر عنه الطحاوي بقوله: «إنما كره ما يفعل على وجه يخاف منه هلاك البدن ... فأرادسد هذا الباب عن العامة لأنهم لا يراعون لاحدّ في ذلك، وأما من كان عارفاً بالسنة فى ذلك فلا» . والمقصود هنا إثبات أن الأشعار سنة وذلك حاصل على كل حال.

стр. 778

المسألة الخامسة: المحرم لا يجد إزارا أو نعلين يلبس السراويل والخف ولا فدية عليه في (تاريخ بغداد) ١٣/٣٩٢ من طريق حماد بن زيد قال: «شهدت أبا حنيفة رسئل عن محرم لم يجد إزاراً فلبس سراويل، قال: عليه الفدية، قلت: سبحان الله ... ...» قال الأستاذ ص ٩٤: «فهذان إنما أبيحا لعذر كمن به أذى في رأسه فلا تحول هذه الإباحة دون وجوب الفدية كمن في رأسه أذي فلَبس، على ما في القرآن الكريم، وليس في الأحاديث ما يصرح بسقوط الفدية عن المعذور. أقول: الذي في القرآن هو قول الله ﵎: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ وَلا تَحْلِقُوا رُؤُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ بِهِ أَذىً مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ (١) . فالذي في الآية الحلق، فقول الأستاذ «فلبس، على ما في القران الكريم» لا وجه له اللهم إلا أن يريد: قياساً على ما في القرآن ففي عبارته تلبيس ومع ذلك ففي صحة القياس نظر لتوقفها على عدم الاحرام - أعني التحلل - كما جعل السلام علماً على الخروج من الصلاة، والسلام من خطاب الناس وهو أشد

стр. 779

منافاة للصلاة من غيره بدليل أنه لا يجوز منه في الصلاة قليل ولا كثير حتى في حال القتال، وإن احتاج إليه لاستغاثة مثلاً بخلاف الحركة مثلاً فإنها وإن كانت منافية للصلاة أيضاً إلا أنه لا يجوز القليل منها مطلقاً ويجوز الكثير في صلاة الخوف، فالتشديد في الحلق لايستلزم التشديد فيما هو أخف منه. فإن كان هناك إجماع على وجوب الفدية على من احتاج إلى لبس عمامة لمرض مثلاً فلا يقاس عليه لبس فاقد الإزار للسراويل، وفاقد النعلين للخفين، لأن ستر الرأس غير المطلوب شرعاً كطلب ستر العورة ووقاية الرجلين مما قد يمنع من استطاعة المشيء إلى الحج وأداء أعماله، والتشديد في الأول لا يستلزم التشديد في الثاني. فأما قياس لبس السراويل والخفين على الحلق المنصوص في القرآن فأبعد عن الصحة لاجتماع الفارقين معاً، فإن قيل: أرأيت إذا تمكن فاقد الازار من فتق السراويل وتلفيقه بالخياطة حتى يكون إزار كافياً له، وتمكن فاقد النعلين من تقطيع الخفين حتى يصيرا نعلين؟ قلت: لا يتجه إلزامه ذلك لأنه يكثر أن لا يتمكن الانسان من ذلك، وإذا تمكن ففيه إفساد للمال ينقص قيمته ومنفعته. هذا وقد صح في الباب حديثان: الأول حديث ابن عمر في (الصحيحين) وغيرهما أن النبي ﷺ سئل عما يلبس المحرم فقال: «لا يلبس القميص ولا العمائم ولا السراويلات ولا البرانس ولا الخفاف إلا أحد لا يجد نعلين فليلبس الخفين وليقطعهما أسفل من الكعبين ... ...» ويؤخذ منه من باب أولى الإذن في السراويل لمن لم يجد إزاراً لان الحاجة الى ستر أسفل البدن أشد وكونه مطلوباً شرعاً أظهر ويبقى النظر في القطع فقد يقال كما أمر بقطع أعلى الخفين فكذلك ينبغي قطع ما تحت الركبتين من السراويل وقد يقال إنما يقطع ما تحت أنصاف الساقين لأنما فوق ذلك إلى الركب مشروع ستره أيضاً وان لم يجب بخلاف ستر الكعبين وما فوقهما وقد يقال لا يتعين القطع بل الأولى العطف والثبيت بالخياطة لأن ذلك محصل للمقصود بدون إفساد، وله كان يتاتى بنحو ذلك في الخفين لقلنا به فيهما أيضاً فأما فتق السراويل ثم تلفيقه بالخياطة حتى يكون ازاراً فقد دل على عدم لزومه إكتفاء الحديث بما اكتفى به في الخفين ولم

стр. 780

يشترط تقطيعهما حتى يصيرا نعلين. الحديث الثاني: الحديث ابن عباس في (الصحيحين) وغيرهما «سمعت رسول الله ﷺ يخطب بعرفات: من لم يجد إزاراً فليلبس سراويل، ومن لم يجد نعلين فليلبس خفين» ففي هذا الحديث النص على السراويل والخفين معاً ولم يذكر القطع، فمن أهل العلم من أخذ به على اطلاقه وقال إنه نسخ للأمر بقطع الخفين لأن حديث أبن عباس، متأخر ومنهم من حمل المطلق على المقيد فقال بقطع الخفين، فعلى الأول يكون عدم وجوب قطع السراويل أولى، أما على الثاني فقد يتمسك فيه بالاطلاق، وقد يقال بل يكون حكمه ما تقدم في الكلام على الحديث الأول. وعلى كل حال فسكوت الحديثين عن ذكر الفدية يدل أنها لا تجب، وإلا لزم تأخير البيان عن وقت الحاجة، والبيان المتقدم في القرآن لم يتعرض لقضية السراويل والخفين لا نصاً ولا تنبيهاً كما تقدم. والله أعلم. المسألة السادسة: درهم وجوزة بدرهمين في (تاريخ بغداد) ١٣/٤١٢ عن خالد بن يزيد بن أبي مالك قال: «أحل أبوحنيفة الزنا والربا ... أما تحليل الربا فقال: درهم وجوزة بدرهمين نسيئة لا بأس به ... » قال الأستاذ ص ١٤٥: «فرية بلا مرية لأنها على خلاف المدون في مذهبه، وأبو حنيفة من أشد الفقهاء في النسيئة» . أقول: إن صح الكلام الأستاذ فقد يكون أبو حنيفة قال قولاً ثم رجع عنه، وقد يكون خالد رأى إجازة ذلك نقداً تستلزم إجازة نحوه نسيئة كما يأتي، وبيان

стр. 781

أن ذلك من مرفوع تلك القاعدة: صاع تمر ودجرهم نقد بخمسة آصع من تمر نقداً، يعتل الحنفية في إجازة ذلك بأنه في معنى بيعتين جائزتين صاع بصاع نقداً وأربعة آصع بدرهم نقداً فيقال لهم: فكذلك صاع تمر ودرهم نقداً بخمسة آصع نسيئة أحدها نقداً والباقي نسيئة، إذيمكن أن يقال هو في امعنى بيعتين جائزتين صاع بصاع نقداً أربعة آصع نسيئة بدرهم نقداً. فإن التزموا ذلك جاء ربا النسيئة، وإن قالوا لا ننجيزه إذ قد يقصدان الربا كأن يكون عند رجل تمر جيد وعند آخر صاع تمر ردى لا يسد حاجته فيحتالان بتلك البيعة قاصدين صاعاً بدرهم نقداً وصاعاً نقداً بأربعة آصع نسيئة. قلنا فكذلك النقد قد يقصدان صاعاً بدرهم نقداً وصاعاً بأربعة آصع نقداً، فالأستاذ تبرأ من ربا فوقع فى ربا. والحاصل ان هناك معنيين أحدهما ربا قصداه وقام الدليل على قصدهما إياه، والآخر جائز حاولا أن يوهماه / أفلا يعاب من أعرض عن الأول وينى الحكم على الثاني؟ نعم إذا لم يراع سد الذريعة أن يصحح العقد إحساناً للظن بالمسلمين، ويكره لهم هذه المعاملة مطلقاً لأنها متهمة وذريعة إلى الربا / وربما يمكن الحنفية تنزيل قول أبي الحنفية على هذا، وبذلك يدفعون المعرة عن إمامهم وأنفسهم. والله الموفق.

стр. 782

المسألة السابعة: خيارالمجلس في (تاريخ بغداد) ١٣/٣٨٧ عن بشير بن المفضل قال: «قلت لأبي حنيفة: نافع عن أبن عمر أن النبي ﷺ قال: البيعان بالخيار ما لم يتفرقا. قال: هذا رجز» . قال الأستاذ ص ٨٧: «إذا حمل - يعنى الحديث - على خيار المجلس يكون مخالفاً لنص كتاب الله الذى يبيح التصرف لكل من المتعاقدين فيما يخصه بمجرد تحقق ما يدل على التراضي قال الله تعالى: «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ» . أقول: في (روح المعاني) ج ٢ ص ٧٧ «المعنى: لا يأكل بعضهم أموال بعض، والمراد بالباطل ما يخالف الشرع كالربا والقمار والبخس والظلم، قاله السدي وهو المروى عن الباقر ري الله عنه. وعن الحسن: هو ما كان بغير استحقاق من طريق الأعوض. وأخرج عنه وعن عكرمة ابن جرير أنهما قالا: كان الرجل يتحرج أن يأكل عند أحد من الناس بهذه الآية، فنسخ ذلك الآية التي في سورة النور «وَلَا عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ» الآية، والقول الأول أقوى لأن ما أكل على وجه مكارم الأخلاق لا يكرن أكلاً بالباطل، وقد أخرج ابن أبي حاتم والطبراني بسند صحيح عن ابن مسعود أنه قال في الآية: إنها محكمة ما نسخت

стр. 783

ولاتنسخ إلى يوم القيامة» . أقول: المعنى الأول مبني على أن الباء في قوله «بالباطل» للسبية، وأن الباطل ما لا يعتد به الشرع سبباً للحل. والمعنى الثاني مبني على أن الباء للمقابلة وأن الباطل ما لا تحقق له ونسبة المعنى الأول إلى السّدي لا أراها تصح، وإنما قال السدي كما في (تفسير ابن جرير) ج٥ص١٩ «بالباطل: الربا والقمار والبخس والظلم. إلا أن تكون تجارة: ليربح في الدرهم ألفا إن استطاع» فأول عبارته يصلح للمعنيين، وبيان صلاحيتها للثاني في القمار والبخس والظلم ظاهر، فأما الربا فإن من أقرض مائة ليقتضي مائة وعشرة يأكل العشرة بما لا تحقق له فإن غايته أن يقول: لو لم أقرض المائة لعلي كنت اتجرت فيها فربحت، ولعل المستقرض اتجر فيها فربح. فيقال له هذا لا تحقق له لعلك لو لم تقرضها لسرقت منك، ولعلك لو اتجرت فيها لخسرت مع ما يلحقك والعناء، ولعل المستقرض لم يتجر فيها، ولعله اتجر فخسر أو ذهب منه رأس المال، فإن ربح فيتبعه. ولتمام هذا موضع آخر، وإنما المقصود هنا أن ذكر السدي للربا لا يحتم أنه قائل بالمعنى الأول. وآخر عبارة السدي ظاهر في معنى الثاني وأنه رأى أن الغبن في البيع من الأخذ بالباطل المراد في الاية ولكنه مستثنى استثناء متصلاً على ما هنوالأصل في الاستثناء، ولنفرض مثالاً يبين ذلك: ثوبان قيمة كل منهما بخسب الزمان والمكان عشرة، فقد يجهل البائع ذلك ويظن قيمة كل منهما خمسة فقد فيبيعها بعشرة، وقد يجهل المشترى فيظن قيمة كل منها عشرين فيشتريها بأربعين فمن أخذهما بقيمة أحدهما فقد أخذ أحدهما أو نصفيهما بما لاتحقق له، ومن باعهما بمثلي قيمتها فقد أخذ نصف الثمن بما لا يحقق له، هذا باعتبار قيمة الزمان والمكان، وهو المتعارف بين الناس، فإن من باع أو اشترى بقيمة الزمان والمكان لا يعده الناس غابناً أو مغبوناً البتة، ولكنك إذا تعمقت قد تقول: إنما القيمة الحقيقة مقدار ما غرمه البائع على السلعة، أو مقدار ما ينقصه فقدها، فيقال لك: هذا بالنظر إلى البائع، فأما بالنظر إلى المشترى فقيمتهما مقدار ماتنفقه، وقد يتعارضان، كمن عنده ماء كثير فباع منه شربة

стр. 784

لمضطر، ويبقى النظر في الثمن ويخفى الأمر ويضطرب وتضيق المعاملة جداً. لا جرم عدل الشرع إلى اعتبار ما تراضي به المتبايعان، فما تراضيا به فهو القيمة التي يعتد بها الشرع في التجارة، لكن هذا لا يمنع أن يسمى الغبن أكلاً بالباطل بالنظر إلى التحقق، وليس من لازم الباطل بهذا المعنى أن يكون محرماً في الشرع، وفي الحديث: «كل شيء يلهو به الرجل باطل غلا رمية بقوسة وتأديبة فرسه وملاعبته امراته فإنهن من الحق (١) » ومعلوم أن فيما يلهو به الرجل غير هذه الثلاث ما هو مباح إجماعاً. فأما ما أكل على وجه مكارم الأخلاق فإنه إذا عمل فيه بالمشروع لم يكن على كلا المعنيين من الأكل بالباطل، وذلك أن الباذل قد يقصد مكافأة المبذول له على إحسان سابق، وقد يرجوعوضاً مستقبلاً، إما مالاً وإما منفعة، وأقل ذلك الثناء، والأكل في مقابل غحسان سابق أكل بأمر متحقق، والمشروع للمبذول له على رجاء مستقبل أن يقبل عازماً غعلى المكافأة فيكون بمنزله من يفترض عازماً على لأن يقضى، وإنما كان بعض الصحابة أولاً يتورعون عن الأكل في بيوت أقاربهم وأصدقائهم خشية أن لا يتيسر لهم المكافأة المرضية. فبين الله تعالى لهم في آية النور أنه لا حرج في الأكل، يريد والله أعلم مادام ذلك جارياً على المعروف، والمعروف أن الناس يكرم بعضهم بعضا ويكافئ بعضهم بعضا بالمعروف، فمن أكل عازماً على المكافأة بحسب ما هو معروف بين أهل المروءات فلم يأكل بما لا تحقق له، نعم لو فرضنا أن رجلاً غنياً لئيماً اعتاد أن يتردد على بيوت أقاربه وأصدقائه ليأكل عندهم غير عازم على المكافأة المعروفة كان هذا والله أعلم داخلاً في الباطل على كلا المعنيين. وإذا تدبرت علمت أنه على المعنى الثاني ليس هناك نسخ، وإنما هو بيان لدفع ما توهمه أولئك المتحرجون، وقد عرف عن السلف أنهم ربما يطلقون النسخ على

стр. 785

مطلق البيان، فهذا والله أعلم من ذاك. وبهذا كله اندفع مارجح به المعنى الأول وترجح المعنى الثاني فيكون الاستثناء متصلاً كما هو الأصل. والله أعلم. وقوله تعالى: «عن تراض» نص في اشتراط رضا كلٍ من المتبايعين، والرضا معنى خفي، وسنة الشارع في مثله أن يضبطه بأمر ظاهر منضبط يشتمل على المعنى الذي عليه مدار الحكمة كالرضا ههنا، فيكون مدار الحكم على ذاك الضابط ههنا؟ بنى الأستاذ على أنه الصيغة أي الإيجاب والقبول كما في النكاح. وذلك مدفوع بوجهين: الأول: أن الصيغة قد علمت بقوله: «تجارة» . الثاني: أنها ليست بواضحه الدلالة على الرضا إذ تكون عن هزل أو سبق لسان أو استعجال قبل تمكن الرضا من النفس، ويكثر وقوعه ويتكرر، ويكثر التغابن لكثرة الجهل بقيمة المثل بخلاف النكاح فإنه قد لا يقع في العمر إلا مرة، ويحتاط الناس له ما لا يحتاطون للبيع، والشارع يتشوف إلى تثبيت النكاح ما لا يتشوف إلى تثبيت البيع، جاء في ال حديث: «أبغض الحلال إلى الله الطلاق (١) » وجاء فيه: «من أقال نادماً بيعته أقال الله عثرته يوم القيامة» ومبنى البيع على المشاحة ومبنى النكاح على مكارمه، وأوضح من هذا كله أن في الحديث: «ثلاث جدهن جد وهزلهن جد: النكاح والطلاق والرجعة (٢) ففرق هذا ثلاثة وبين غيرها كالبيع، على أن تعين الضابط غنما هو للشارع، فإذا لم يظهر من الكتاب وجب الرجوع إلى السنة، فنجدها قد تعيين الضابط التراضي بحصول أحد أمرين بعد الإيجاب والقبول، وأما احتيار اللزوم، وأما أن يستمرا على ظاهر حالهما من التراضي مدة اجتماعهما ويتفرقا على ذلك، ولا يخفى على المتدبر أن هذا بغاية المطابقة

стр. 786

للحكمة، أما اختيار اللزوم فواضح أنه بين في استحكام التراضي، وأما الاستمرار على ظاهر الحال من التراضي والتفرق على ذلك فلأن الغالب أنه إذا كان هناك هزل أو سبق لسان أو استعجال أن يتدار كه صاحبه قبل التفرق ولا سيما إا علم أن التفرق يقطع الخيار. فبان بهذا أن الحديث مفسر للآية التفسير الواضح المطابق للحكمة، لا مخالف لها كما زعم الكوثري، وراجع (تفسير أبن جرير) . ويؤكد هذا المعنى مافي (سنن أبي داود) وغيرهما من حديث عمرو بن شعيب عت أبيه عن عبد الله بن عمرو بن العاص مرفوعاً: «المتبايعان بالخيار ما لم يتفرقا، إلا أن تكون الصفقة خيار ولا يحل له ان يفارق٥ صاحبه خشية أن يستقيله» . والمراد والله أعلم انه لا يحل لأحد هما أن يستغفل صاحبه فبفارقه وهو لا يشعر إذ قد لا يكون استحكم رضاه وكان يريد الفسخ إلا أنه أمهل اعتماداً على أن ذلك لا يفوت، حتى لورآه يريد المفارقة لبادر بالفسخ. فأما ما جاء عن ابن عمر أنه كان إذا اشترى شيئاًُ يعجبه فارق صاحبه، فمحمول على مبادرته بالمفارق وصاحبه يراه، أو لا يكون وقف على هذه الزيادة، وقوله: «حتى يستقله» ، لا يدل على الزوم العقد، فإن الاستقاله بعد الزوم العقد لا تمنع فيها المفارقة. إذا قد يستقله بعد أن يفارقه ويمضي زمان، وإنما المراد والله أعلم أن صاحبه قد يندم في المجلس فلا يبادر إلى الفسخ ويرى من حسن الأدب والعشرة أن يقول له: «أقلني» ليكون الفسخ برضاهما فإنه أطيب للنفوس. قال الكوثري: «على أن لحديث إذا حمل على الخيار الرجوع بمعنى ان البائع والمشترى إذا أو جب فله حق الرجوع قبل قبول الآخر في المجلس فيزول خيار الرجوع من الموجب بائعاً كان أو مشترياً بقبول الآخر قبل انقطاع المجلس، فهذا المعنى يكون غير مخالف لكتاب الله تعالى» . أقول: قد علمت أن الحديث بالمعنى الواضح من إثبات خيار المجلس لكل من المتبايعينبعد تبايعهما غير مخالف لكتاب الله تعالى، وأما هذا المعنى الذي ذكره الكوثري فالحديث غير محتمل له كما يأتي، ولو احتمله وحمل عليه لبقي ما في

стр. 787

القرآن في معنى المجمل لأن أحدهما «بعت» وقول الآخر فوراً: «اشتريت» لا يتضح به التراضي المشروط في القرآن لاحتمال الهزل وسبق اللسان والاستعجال كما مر. ثم حاول الأستاذ تقريب احتمال الحديث للمعنى الذي زعمه فقال: «وعلى هذا التقدير يكون لفظ «المتبايعين» حقيقة، إذ هذا اللفظ محمول على حال العقد في تقديرنا، وحمله على مابعد صدور كلمتي المتعاقدين يجعله مجازاً كونياً. وفائدة الحديث أن خيار الرجوع ثابت لهما مادام أحدهما أو جب ولم يقبل الآخر في المجلس لاكا لخلع على مال والعتق على مال، لأنه ليس المزوج ولا المولى الرجوع فيهما قبل قبول المرأة والعبد» . أقول: فللمجيء إلى الفرارإلى هذا القول أن تأويل قدماء الحنفية «المتبايعان» بالمتساومين والتفرق بالايجاب والقبول أبطل بوجوه، منها أنه أخرج للَّفظ عن حقيقة بلا حجة، ومنها أن الحديث يبقى بلا فائدة إذ لا يجهل أحد أن التساوم لا يلزم به شيء. وستعلم أن هذا الفار كالمستجير من الرمضاء بالنار. قوله: «يجعله مجازاً كونياً تفسيره أن من الأصول المقررة أن المشتق يصدق على المةصوف حقيقة حين وجود المعنى المشتق منه، فإن لم يكن فىخر جزء منه، فأما قبل حصوله فمجاز كوني أي باعتبار ما سيكون، واختلف فيما بعد زواله فقيل حقيقة، وقيل مجاز كوني أي باعتبار ما كان. فأقول الأصل يقضي بأنه لا يصدق حقيقة على الإنسان لفظ «بائع» إلا حين وجود البيع حقيقة، وإنما يكون ذلك عند آخر حرف من الصغة المتأخر، والحديث يثبت أن لكل منهما حينئذ الخيار ويستمر إلى أن يتفرقا، وهذا قولنا. وأو ضح من ذلك أن الذي الحديث «المتبايعان» والتفاعل إنما يوجد عند وجود فعل الثاني، ألا تراك إذا ضربت رجلاً أنه لا يصدق أنه لا يصدق عليكما «متضاربان» ولا عليك أنك احد الضاربين، وإنما يصدق ذلك إذا عقب ذلك ضربه لك فحينما تصيبك ضربته يوجد التضارب حقيقة فيصدق عليكما أنمكما متضاربان وأنك أحد المتضاربين. فإن قلت: كيف وقد زال

стр. 788

فعلي؟ قلت: الزائل هو ضربك والفعل المشتق منه هنا هو التضارب وهو الفعل واحد ضربك جزء منه والجزء لا يشترط بقاؤه ولا يضر زواله، ألا ترى أنه لا يصدق حقيقة على من يتكلم أنه «متكلم» عند آخر حرف من كلامه مع أن كثير الحروف قد زالت؟ فإنما يصدق حقيقة على المتبايعين أنهما «متبايعان» عند آخر حرف من صيغة المتأخر منهما وحينئذ يثبت لهما بحكم الحديث الخيار مستمراً أن يتفرقا، وهذا قولنا. ووجه ثالث وهو أن الحديث كما في (الموطأ) و (الصحيحين) يثبت أن «لكل واحد منهما الخيار حتى يتفرقا» فهو ثابت للمتأخر قطعاً يثبت له آخر حرف من صيغته مستمراً إلى أن يتفرقا، ولا قائل بأنه يثبت للمتأخر دون المتقدم فثبت له عند آخر حرف من صيغة الثاني مستمراً إلى أن يتفرقاً، وهو قولنا. ولوقال المحتسب للعون وهو يرى رجلاً يضرب آخر: أمسك الضارب حتى تحضره عند الحاكم لكانت كلمة «الضارب» حقيقة لحكم بالإمساك مستمراً إلى غايته، وإن كانت الضرب ينقطع قلبها، وهكذا في السارق والزاني وغير ذلك، فقد اتضح أن قولنا مبني على حقيقة، وضل سعي الأستاذ في زعمك أنه يكون مجازاً، فأما القولالذى اختاره فلا يحتمله الحديث حقيقة ولا مجازاً. فأما قولهخ: «وفائدة الحديث ... .» فمبنى على القول الذي قد فرغنا منه، ومع ذلك فالحديث أثبت الخيار لكل واحدٍ من المتبايعين، وصيغة الموجب للبيع لا يتضمنمالا يحتاج إلى قبول بخلاف موجب الخلع أو العتق على مال فإن اجابه يتضمن الطلاق أو العتق، فإيجابه في معنى تعليق الطلاق أو العتق ولا رجوع في ذلك، فثبت أنه لا يتوهم في البادي بالصيغة من المتساومين أنه لا رجوع له، فحمل الحديث على هذا المعنى الذي اختاره الأستاذ مثل حمله على المتساومين في أنه لا يكون له فائدة. هذا ولم يظفر الأستاذ بعد الجهد بشهبه ما تجرئه على زعم كلمة «يتفرقا» في الحديث إن حملت إلى قولنا كانت مجازاً، وإن حملت على قولهم كانت حقيقة،، فعدل إلى قوله: «والتفرق بالأقوال شائع في الكتاب والسنة نحوقوله تعالى:

стр. 789

«وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا» وقوله تعالى وقوله تعالى «وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ» وقوله تعالى: «وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ (١) اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ» وفي الحديث (افترقت اليهود - الحديث) (٢) بل التفرق بالأبدان خروج من شأنه لإفساد العقود في الشرع لا إتمامها كعقد الصرف قبل القبض، وعقد السلم قبل القبض لرأس المال، والدين بالدين قبل تعيين أحدهما وفي حمل الحديث على التفرق بالأبد ان خروج عن الأصول، ومخالفة لكتاب الله تعالى وأما حملة على التفرق بالأقوال فليس فيه خروج عن الأصول ولا مخالفة لكتاب الله تعالى مع كونه أشهر في الكتاب والسنة» .

стр. 790

أقول: التفرق فك الاجتماع، وهو حقيقة في التفرق بالأبدان بلا شبهة، وكثيراً ما يأتي الإجتماع والتفرق مجازاً في الأمور المعنوية بحسب ما تدل عليه القرائن، ومن ذلك الشواهد التي ساقها الأستاذ، ومجيء الكلمة في موضع أو أكثر مجازاً بقرينته لا يسوغ حملها على المجاز حيث لا قرينة، وهذه كلمة «أسد» كثر جدا استعمالها في الرجل الشجاع مع القرينة حتى لقد يكون ذلك أكثر من استعمالها في معناها الحقيقي، ومع ذلك لا يقول عاقل أنه يسوغ حملها على المجاز حيث لا قرينة، وهذا أصل قطعي ينبغي استحضاره فقد كثر تغافل المتأو لين عنه تلبيساً على الناس. نعم إذا ثبت ان الشارع نقض الكلمة الى معنى الآخر صارت حقيقة شرعيه في معنى الذي نقلة اليه وهذا هنا، إذ لا يدعي أحد أن الشارع نقض كلمة «التفرق» الى معنى غير معناها اللغوي. وأما كثرة مجيئها في القران في الأمور المعنوية فانما ذلك لأن تلك الامور مهمة في نظر الشارع فكثر ذكرها دون افتراق الابدان، ولها في ذلك اسوة بكلمات كثيرة كرقبه والكظم والزيغ والخيف واللين والغلظ وغير ذلك. ولا اختصاص للشواهد التى ذكرها الأستاذ بالقول بل كلها في تفرق معنوى قد يقع بالقول وقد يقع بغيره، فالتفرق عن الإعتصام بحبل الله يحصل بأن يكفر بعض، ويبتدع ويجاهر بالعصيان بعض، وكل من كفر والابتداع والعصيان قد يقع بالإعتقاد وبالفعل، وبالقول وتفرق اهل الكتاب بعد مجيء الرسول هو بإيمان بعضهم، وإشتداد كفر بعضهم ولا اختصاص لذلك بالقول، وتفرق الزوجين قد يكون بالفعل كارضاعها ضرة لها صغيرة، وبالقول من الجانبين، وبنية الزواج القاطعة على قول مالك، وافتراق اليهود باختلاف اعتقاداتهم وما يبني عليها من الأفعال والأقوال. ومع هذا فالتفرق في هذه الأمثلة إنما هو عن اجتماع سابق، وتعاقد متساومين اجدر بأن يسمى اجتماعاً بعد تفرق كما لا يخفى. لكننى أرفد الأستاذ فأقول: إن المتساومين يجتمعان بأبدانهما وتحملهما الرغبة في لبيع على أن يبقيا مجتمعين ساعة، ثم إذا تعاقد زال سبب الأجتماع فيتفرقان بأبدانهما، فالتعاقد كأنه سبب للتفرق فقد

стр. 791

يسوغ إطلاق التفرق على التعاقد لذلك، لكن قد يقال: ليس التعاقد سبباً مباشراً، ومثله في ذلك عدم الاتفاق على الثمن فإنهما إذا يئسا من الاتفاق زال سبب الاجتماع، ثم إن ساغ ذاك الاطلاق فمجاز ضعيف لا دليل عليه ولا ملجيء إليه، بل الحديث نص صريح في قولنا، فقفي (الصحيحين) من حديث الإمام الليث بن سعيد عن نافع عن ابن عمر مرفوعاً «إذا تبايع الرجلان فكل واحد منهما بالخيار ما لم يتفرقا وكانا جميعاً ... وإن تفرقا بعد أن يتبايعا ولم يترك واحد منهما البيع فقد وجب البيع» . قوله «بل التفرق بالأبدان من شأنه افساد العقود ... » . أقول: فساد العقد في هذه المسائل ليس للتفرق من حيث هو تفرق بل من جهة أخرى حصلت بالتفرق وهي صيرورته رباً في الأولى، وبيع في بدين في الأخريين، وتفرق المتعاقدين في شراء دارٍ أو فرس معينة بذهب أو فضة مثلاً لا يحصل به شيء من ذلك ولا ما يشبهه، بل يحصل به ما يثبت العقد ويؤكده وهو تبين صحة التراضي المشروط في كتاب الله واستحكامه كما تقدم إيضاحه. وكثيراً ما يناط بالأمر الواحد حكمان مختلفتان من جهتين مختلفيتين كإسلام أحد الزوجين ينافي النكاح، إذا كان الآخر كافراً، ويثبة إذا أسلم الآخر أيضاً، أو كان قد أسلم قبل ذلك على خلاف، وكإسلام المرأة الأيم يُحل نكاحها للمسلم ويحرمه للكافر، ويمنع إرثها من أرقابها الكفار، ويثبته لها من أرقابها المسلمين. وأمثال ذلك لا تحصى. على أن الأثر الحاصل بالتفرق في مسألتنا ليس هو تصحيح العقد حتى تظهر مخالفته لتلك الصور فإن العقد قد صح بالإيجاب والقبول وإنما أثر التفرق قطع الخيار، وإن شيءت فقل إفساد الخيار. قوله «خروج عن الأصول ومخالفة لكتاب الله تعالى» . أقول: أما الخروج عن الأصول فالمراد به مخالفة القياس يسمونه خروجاً عن

стр. 792

الأصول تمويهاً وتهويلاً وتستراً وقد تقدم الجواب الواضح عماد ذكره الأستاذ من القياس. وبينما الأستاذ يتبجح في آخر ص ١٦١ بقوله: «أجمع فقهاء العراق على ان الحديث الضعيف «يرجح على القياس» ويقول ص ١٨١ في الحسن بن زياد «كأن يأبي الخوض في القياس في مورد النص كما فعل مع بعض المشاغبين في المسألة القهقهة في الصلاة» يعنى ببعض المشاغبين الإمام الشافعي ورفيقاً له أورد على الحسن بن زياد أنه يرى أن قذف المحصنات في الصلاة لا يبطل الوضوء فكيف يرى أن القهقهة تبطله؟ فقام الحسن وذهب، (١) إذا بالأستاذ يرد أحاديث خيار المجلس زاعماً أنها مخالفة للقياس، هذا مع ضعف حديثه القهقهة ورضوح القياس المخالف له وثبوت أحاديث الخيار ووهن القياس المخالف لها. وأما المخالفة للكتاب فقد تقدم تفنيد زعمها، وبينما ترى الأستاذ يحاول التشبت بدعوى مخالفة الكتاب هنا، إذا به يعرض في مسألة القصاص في القتال بالمثل ومسألة مقدار ما يقطع سارقه عن الدلالات القرآنية الواضحة مع ما يوافقها من الأحاديث الصحيحة وموافقة القياس الجلي في مسألة القصاص. إلى غير ذلك من التناقض الذي يؤلف بينه أمر واحد هو الذب عن المذهب، والغلو في ذلك إلى الحد الذي يصعب معه تبرئة صاحبه من أن يكون ممن اتخذ إلهه هواه، واتخذ الأحبار والرهبان أرباباً من دون الله؛ والله المستعان. قال الأستاذ «ولا نص فيما يروى عن ابن عمر من القيام من مجلس العقد على أن خيار المجلس من مذهبه، بل قد يكون هذا منه لأجل أن يقطع على من بايعه حق الرجوع لاحتمال أنه ممن يرى خيار المجلس، وقد خوصم ابن عمر إلى عثمان في البراءة من العيوب فحمله عثمان على خلاف رأيه فيها فأصبح يرعى الآراء في عقوده» . أقول: قد روى ابن عمر عن النبي ﷺ الحديث صريحاً في

стр. 793

إثبات خيار المجلس كما تقدم، وفي (صحيح البخاري) من طريق يحيى بن سعيد عن نافع عن ابن عمر مرفوعاً ... الحديث، ثم قال نافع: «وكان ابن عمر إذا اشترى شيئاً يعجبه فارق صاحبه» وفي (صحيح البخاري) من طريق الزهرى عن سالم بن عبد الله بن عمر عن أبيه «بعت من أمير المؤمنين عثمان ... فلما تبايعنا رجعت على عقبي حتى خرجت من بيته خشية أن يرادّني البيع، وكانت السنة المتبايعين بالخيار حتى يتفرقا ... فلما وجب بيعي رأيت أني قد غبنته» . فصراحة الحديث نفسه ثم جعله سبباً لمفارقة ابن عمر من يشتري منه ما يعجبه وقوله: «وكانت السنة ... » وقوله: «فلما وجب بيعي وبيعه ... » بغاية الوضوح في بطلان قول الأستاذ «قد يكون هذا منه ... » . قال الأستاذ: «ولأصحابنا حجج ناهضة» . أقول: بل شبه داحضة. قال: «وعالم دار الهجرة مع أبي حنفية وأصحابه في هذه المسألة، ومن ظن وهناً بما انفق عليه إمام أهل العراق وإمام أهل الحجاز فقد ظن سواء» . أقول: أما من اعتقد وهن قولهما المخالف لما ثبت عن النبي ﷺ من رواية جماعة من الصحابة وعمل به وقضى به جماعة منهم بعد النبي ﷺ ولا يعلم لهم مخالفة من الصحابة فإنما اعتقد ما يحب على كل مسلم أن يعتقده، فمن زعم أن هذا المعتقد قد ظن سواء فقد شارف الخطر الأكبر أو وقع فيه. ثم ذكر الأستاذ كلمة ابن أبي ذئب وهو محمد بن عبد الرحمن بن المغيرة، وقد ذكرتها في ترجمتة في قسم التراجم. وفي (تاريخ بغداد) ١٣/٣٨٩ عن ابن عينية قال: «ما رأيت أجراً على الله من أبي حنيفة كان يضرب الأمثال لحديث النبي ﷺ فيرده. بلغه أني أروي

стр. 794

«البيعان بالخيار ما لم يتفرقا» فجعل يقول: أريت إن كانا في سفينة، أرأيت إن كانا في السجن، أرأيت إن كانا في سفر كيف يتفرقان؟ قال الأستاذ ص ٨٢: «هكذا كان غوص أبي حنيفة على المعنى حتى اهتدى إلى أن المراد بالافتراق الافتراق بالأقوال لا الأبدان» . أقول: مغزى تلك العبارة أننا إذا قلبنا الحديث ورد علينا أنه قد يتفق أن لا يتمكن المتأبيعان من التفرق. والجواب أن الحديث قد فتح لهما باباً آخر يتمكنان به من إبرام العقد وهو أن يختارا اللزوم فيلزم من غير تفرق، وإن أرادا أو أحدهها الفسخ فظاهر. وكان أبا حنيفة لم تبلغه رواية مصرحة بذلك. فإن قيل قد يبادر أحدهما فيختار اللزوم ويأبي الآخر أن يختار اللزوم أو يفسخ فيتضرر والمبادر لأنه لا يمكنه إبرام العقد ولا فسخه. قلت: هو المضيق على نفسه بمبادرته فلينتظر التمكن من المفارقة بأن تصل السفينة إلى مرفأ، أو يطلقا أو أحدهما من السجن، أو ينقل أحدهما إلى سجن آخر، أو يبلغ المسافران حيث لا يخاف من الانفراد والتباعد عن الرفقة. فإن قيل لكن المدة قد تطول مع جهالتها. قلت اتفاق أن يجتمع أن يبادر أحدهما ويمتنع التفرق وتطول المدة وتفحش الجهالة، نادر جداً، ويقع مثل ذلك كثيراً في خيار الرؤية، وكذلك في الصرف والسلم وغيرها مما لا يستقر فيه العقد إلا بالقبض قبل التفرق، فمثل ذلك الاستبعاد إن ساغ أن يعتد به ففى التوفيق عن الأخذ بدليل في ثبوته أو في دلالته نظر، وليس الأمر ههنا كذلك، فإن الحديث بغاية الصحة والشهرة ووضوح الدلالة، فهو في (الصحيحين) وغيرهما من طرق عن ابن عمر، وصح عنه من قوله وفعله ما يوافقه، وهو في (الصحيحين) غيرهما من حديث حكيم بن حزام، وصح عن أبي برزة أنه رواه وقضى به، جاء من حديث عبد الله بن عمر وأبي هريرة وسمرة ةغيرهم، وجاء عن أمير المؤمنين على القضاء به، ولا مخالف من الصحابة، وإنما جاء الخلاف فيه من التابعين عن ربيعة بالمدينة وإبراهيم النخعي بالكوفة، واشتد نكير ابن أبي ذئب إذ قيل له: إن مالكاً لا يأخذ بهذا الحديث، فقال: «يستتاب فإن تاب وإلا يقتل»

стр. 795

ومالك إنما اعتذر في (الموطأ) بقوله بعد أن روى الحديث «ليس لهذا عندنا حد معروف ولا أمر معمول به فيه» ؛ وتعقبه الشافعي وغيره بأن الحد معروف نقلا ونظراً، فإنه معلوم أن التفرق حقيقة في التفرق بالأبدان، وحده معروف في العرب، وقد اتفقوا على نظيرة في الصرف والسلم، والعمل ثابت عن الصحابة وكثير من أئمة التابعين بالمدينة وغيرهما. وراجع كتاب (الأم) للشافعي أوائل المجلد الثالث (١) .

стр. 796

المسألة الثامنة: رجل خلا خلوة مريبة بامراة أجنبية يحل له أن يتزوجها فعثر عليها فقال: نحن زوجان تقدم في المسألة السادسة قول خالد بن يزيد بن أبي مالك: «أحل أبو حنيفة الزنا ... » . قال: «وأما تحليل الزنا فقال: لوأن رجلاً وامراة اجتمعا في بيت وهما معروفا الأبوين فقالت المرأة: هو زوجي. وقال هو: هي امرأتي لم عرض لهما» قال الأستاذ ص١٤٥: «قال الملك المعظم في (السهم المصيب) : إذا جاء واحد من امراة ورجل فقالا له: نحن زوجان، فبأي طريقة يفرق بينهما أو يتعرض عليها لأن كل واحد منهما يدعى أمراً حلالاً، ولوفتح هذا الباب لكان الإنسان كل يوم بل ساعة يشهد على نفسهو على زوجه أنهما زوجان وهذا لم يقل به أحد منالائمة، وفيه من الحرج مالايخفى على أحد» . أقول: على كتب الحنفية: «إن إقرار الرجل أنه زوجها وهي أنها زوجته يكون إنكاحاً ويتضمن إقرارهما «الانشاء» فهذه هي مسألة ابن أبي مالك استشهاد الاسناذ نفسه وكذالك ملكه المعظم عنده ولذلك لجأ إلى المغالطة. وحاصلها أننا إذا عرفنا رجلاً وامرأة نعلم أنهما ليسا بزوجين ثم وجدناهما في خلوة مريبة فقال: هي زوجتى، وقالنت: هو زوجى، فأبو حنيفة يقول يقول: يكون اعترافهما عقداً ينقد به النكاح فيصيران زوجين من حينئذ ولا يعرض لهما! ففى هذا ثلاثة أمور. الأولى: أنه بلا ولي. الثاني: أنه كيف يكون إنشاء وإن لم يقصداه.

стр. 797

الثالث: أنه كيف لا يعرض لهما بإنكار وتعزير على الأقل لأنهما قد ارتكبا الحرام قطعاً وهو خلوة لأنهما إن كانا تلفظا بزواج قبل العثور عليهما فذاك باطل إذ لا ولي ولا شهود وإن لم يتلفظا إلا بدعواهما الزوجية، أو اعترافهما بها عند العثور عليهما فالأمر أوضح، وأيضاً فالتعزيز متجه من وجه آخر وذلك لئلا يكون هذا تسهيلاً للفجور، يخلو الفاجر بالفاجرة آمنين مطمئنين قائلين: إن لم يطلع علينا فذاك المقصود، وإن اطلع علينا قلنا: نحن زوجان! .

стр. 798

المسألة التاسعة: الطلاق قبل النكاح (١) في (تاريخ بغداد) ١٣/٤١١: عن أحمد بن حنبل أنه قيل له: قول أبي حنيفة: الطلاق قبل النكاح؟ فقال: «مسكين أبو حنيفة، كأنه لم يكن من العراق، وكأنه لم يكن من العلم بشيء، قد جاء فيه عن النبي ﷺ وعن الصحابة، وعن نيف وعشرين من التابعين مثل سعيد بن جبير، وسعيد بن المسيب، عطاء، وطاوس، وعكرمة كيف يجترى أن يقول: تطلق؟» . قال الأستاذ ص ١٤٢: « ... على أن مذهب أبي حنيفة أنه لا طلاق إلا في ملك أو مضافاً إلى ملك أو علقة من علائق الملك، ... وقد أجمعت الأمة أنه لا يقع طلاق قبل النكاح لقوله تعالى: «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنّ» الآية، فمن علق الطلاق بالنكاح وقال: إن نكحت فلانة فهي طالق. لا يعد هذا المعلق مطلقاً قبل النكاح ولا طلاق واقعاً قبل النكاح، وإنما يعد مطلقاً بعده حيث يقع الطلاق بعد عقد النكاح فيكون هذا خارجاً من متناول الآية ومن متناول حديث: لا طلاق قبل النكاح، لأن الطلاق في تلك المسألة بعد النكاح لا قبله، وإليه ذهب أبو حنيفة وأصحابة الثلاثة وعثمان البتي. وهو قول الثوري ومالك والنخعي ومجاهد والشعبي وعمر بن عبد العزيز فيما إذا خص. والأحاديث في هذا الباب لا تخلو عن اضطراب، والخلاف طويل الذيل بين السلف

стр. 799

فيما إذا عم أو خص. وقول عمر بن الخطاب صريح فيما ذهب إليه أبو حنيفة وأصحابة، وتابع الشافعي ابن المسيب سواء عم أو خص، وإليه ذهب أحمد. أقول: قال البخاري في (الصحيح) : «باب لا طلاق قبل النكاح وقول تعالى: «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا فَمَتِّعُوهُنَّ وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحاً جَمِيلاً» . وقال ابن عباس: جعل الله الطلاق بعد النكاح، ويروى في ذلك عن علي وسعيد بن المسيب وعروة بن الزبير وأبي بكر بن عبد الرحمن وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة، وأبان بن عثمان وعلي بن حسين وشريح وسعيد بن جبير والقاسم وسالم وطاوس والحسن وعكرمة وعطاء وعامر بن سعيد وجابر بن زيد ونافع بن جبير ومحمد بن كعب وسليمان بن يسار ومجاهد والقاسم بن عبد الرحمن وعمرو بن هرم والشعبي أنها لا تطلق» . والآثار عن جماعة من هؤلاء صحيحه كما في (الفتح) ولم يصح عن عمر بن الخطاب شيء في الباب، وجمهور السلف على عدم الوقوع مطلقاً، وروي عن ابن مسعود إنه إذا خص وقع وإذا عم كأن قال: «كل أمرأة ... » لم يقع، وعن ابن عباس انه انكر هذا فقال: «ما قالها زلم يصح عن عمر بن الخطاب شيء في الباب، وجمهور السلف على عدم الوقوع مطلقاً، وروى عن ابن مسعود أنه إذا خص وقع، وإذا عم كأن قال: «كل امرأة ... » لم يقع، وعن ابن عباس أنه أنكر هذا فقال: «ما قالها ابن مسعود، وإن يكن قالها فزلة من عالم ... قال الله تعالى ... » فتلا الآية وممن نقل عنه هذا القول الشعبي وإبراهيم النخعي وحماد بن أبي سليمان شيخ أبي حنيفة، وهو مشهور عن مالك، وقيل عنه كالجمهور أنه لا يقع مطلقاً وهذا مذهب الشافعي وأحمد، وقال أبو حنيفة: يقع مطلقاً. ولا يعلم له سلف في ذلك. فأما الآية فاحتج بها حبر الأمة وترجمان القران عبد الله بن عباس ثم زين العابدين على بن الحسين ثم البخاري على عدم الوقوع مطلقاً، وزعم بعضهم كالأستاذ أنها لا تدل على أنه لا يقع الطلاق على المرأة قبل نكاحها فأما من قال: «إن تزوجت فلانة فهي طالق» فلا تدل الآية على عدم وقوعه لأنه إذا وقع فإنما يقع

стр. 800

بعد النكاح، وأقول: يقال: «طلقت (بفتح اللام مخففة) فلانة أي انحلت عقدة نكاحها بقول من الزوج، ويقال: «طلق فلان امرأته» أي جعلها تطلق كما يقال سرّحها أي جعلها تسرح، وسيّرها جعلها تسير، وغير ذلك. فطلاق الرجل يتضمن أمرين: الأول: قوله الخاص. والثاني: وقوع الأثر على المرأة فتنحل به عقدة نكاحها. وإذا قيل: «طلق فلان امرأته اليوم» فالمتبادر أن قوله وانحلال العقدة وقعا ذاك اليوم فهذا هو الحقيقة فمن قال لإمراته يوم السبت: إذا جاء يوم الجمعة فأنت طالق لم يصدق على وجه الحقيقة أن يقال قبل يوم الجمعة: إنه طلق. ولا أن يقال: طلق يوم السبت، ولا طلق قبل يوم الجمعة ولكنه يقال بعد مجيء يوم الجمعة: إنه طلق. فإذا أُريد التفضيل قيل: علق طلاقها يوم السبت وطلقت يوم الجمعة. ونظير ذلك، إذا جرح رجل آخر يوم السبت جراحة مات منها يوم الجمعة فلا يقال حقيقة قبل الموت أنه قتل، ولكن يقال بعد الموت أنه قتله، ولا يقال قتله يوم السبت ولا يوم الجمعة بل يقال جرحه يوم السبت فمات يوم الجمعة. فقوله تعالى في الآية: «ثم طلقتموهن» يقتضي تأخير الأمرين معاً: قول الرجل وانحلال العقدة. ويؤيده أمرين: الأول: قوله: «ثم طلقتموهن» وكلمة «ثم» تقتضي المهلة، وإذا كان الطلاق معلقاً بالنكاح، وقلنا إنه يقع وقع بلا مهلة. الثاني: قوله: «وسرحوهن سراحاً جميلاً» والتسريح هنا إرجاعها إلى أهلها وإنما يكون ذلك إذا كانت قد زفت إليه، ومن كان معلوماً أنه بنكاحه يقع طلاقه فمتى تزف إليه المرأة حتى يقال له: سرحها سراحاً جميلاً؟ وأما الحديث فاحتج به جماعة من المتقدمين على عدم الوقوع، وتأوله بعضهم بما ذكر الأستاذ، وأقول: إن كان لفظ «طلاق» فيه اسماً من التطليق كالكلام من التكلم سقط التأويل كما يعلم مما مر، وإن كان مصدر قولنا «طَلَقَتِ المرأةُ» كان للتأويل مساغ، والأول هو الأكثر والأشهر في الاستعمال، وقد دفع التأويل بأنه لا

стр. 801

يجهل أحد أن المرأة لا تطلق ممن ليس لها بزوج فحمل الحديث على هذا النفي يجعله خلوا عن الفائدة. وأما النظر فلا ريب أن الله ﵎ وإنما شرع النكاح والطلاق لمقاصد عظيمة، وأن مثل ذلك الطلاق لا يحتمل أن يحصل به مقصد شرعي، وهو مضاد لشرع النكاح. وبعد فإذا لم يثبت عن السلف قبل أبي حنيفة إلا قولان، وأحدهما تدفعه الأدلة المذكورة وهو ضعيف في القياس، تعين القول الآخر وهو مذهب علي وابن عباس ثم مذهب الشافعي وأحمد. والله الموفق (١) .

стр. 802

المسألة العاشرة: العقيقة مشروعة في (تاريخ بغداد) ١٣/٤١١ عن أحمد بن حنبل «في العقيقة عن النبي ﷺ أحاديث مسندة وعن أصحابه وعن التابعين، وقال أبو حنيفة: هو من عمل الجاهلية» . قال الأستاذ ص ١٤٢: «نعم كان أهل الجاهلية يرون وجوب العقيقة وأبيحت في الإسلام من غير وجوب في رأي أبي حنيفة وأصحابه قال الإمام محمد ابن الحسن الشيباني في (الآثار) : أخبرنا أبو حنيفة عن حماد عن إبراهيم قال: كانت العقيقة في الجاهلية، فلما جاء الإسلام رفضت. قال محمد: وأخبرنا أبو حنيفة قال: حدثنا رجل عن محمد ابن الحنفية أن العقيقة: كانت في الجاهلية فلماء جاء الإسلام رفضت» . ثم قال الأستاذ: «يرى أبو حنيفة أن ما كان من عمل أهل الجاهلية معتبرين وجوبه عليهم إذا عمل به في الإسلام لا يدل هذا العمل إلا الإباحة لا على إبقاء الوجوب المعتبر في الجاهلية ... » . أقول: قول القائل: «من عمل الجاهلية» ظاهر في أنها محظورة، وكلمة «عمل» تدل أن كلامه في العقيقة نفسها لا في اعتقاد وجوبها فقط، وقول القائل «فلما جاء الإسلام رفضت» ظاهر في أنها غير مشروعة البتة فيكون اعتقاد مشروعيتها ضلالاً كبيراً وتديناً بما لم ينزل الله به سلطاناً، فأما محمد بن الحنفية فلا يصح الأثر عنه، إذ لا يدرى من شيخ أبي حنيفة أثقة أم لا؟ وأما ابراهيم فناف، والمثبت مقدم عليه. وقد ورد في مشروعيتها أحاديث قولية منها حديثان في (صحيح البخاري) ذكرهما البيهقي في (السنن) ج٩ ص ٢٩٨ فاعترضه ابن التركماني قائلاً:

стр. 803

«ظاهرهما دليل على وجوبها فهما غير مطابقين لمدعاه» . والقول بالوجوب منقول عن الظاهرية، واحتج من يقول بالندب بحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده مرفوعاً: «من ولد له ولد فأحب أن ينسك عنه فلينسك، عن الغلام شاتان..» وهذا الحديث أيضاً يدل على مشروعيتها فإن النسك عبادة إذا لم تكن واجبة كانت مندوبة ولابد، وسواء أكان أهل الجاهلية يعتقدون وجوبها أم لا، فإنها لم ترفض في الإسلام بل هي مشروعة فيه. (١)

стр. 804

المسألة الحادي عشرة: للراجل سهم من الغنيمة وللفارس ثلاثة، سهم له وسهمان لفرسه في (تاريخ بغداد) ١٣/٣٩٠ عن يوسف بن أسباط « ... قال رسول الله ﷺ للفرس سهمان وللرجل سهم. قال أبو حنيفة: أنا لا أجعل سهم بهيمة أكثر من سهم المؤمن» قال الأستاذ ص٨٦: فقوله (للفر سهمان وللرجل سهم) هكذا في بعض الروايات وفي بعضها (للفارس سهم وللرجل سهمان) وهو الذى اختاره أبو حنيفة وهو الذى وقع في الفظ مجمع بن جارية المخرج في (سنن أبي داود) ... فأبو حنيفة لما رأى اختلاف ألفاظ الرواة ... نظر فوجد أن الشرع لا يرى تمليك البهائم فحكم على أن رواية (للفرس سهمان) المفيدة بظاهرها تمليك بهيمة ضعف مايملك الرجل من غلط الرواى حيث كانت الألف تحذف من الوسط في خط الأقدمين في غير الاعلام أيضاً فقرأهذاالغالط (فرساً) و (رجلاً) ماتحب قرأءته (فارساً) و (راجلاً) فتتابعت رواة على الغلط قاصدين باللفظين المذكورين الخيل والإنسان مع إمكان إرادتهم الفارس من الفرس كما يراد بالخيلالخالية عند قيام القرينة جمعاً بين الروايتين، ومضى آخرون علىرواية الحديث على الصحة. فرد أبو حنيفة على الغالطين بقوله: لأني لا أفضل بهيمة على مؤمن. ليفهمهم أنه لا تمليك في الشرع للبهائم، والمجاز خلاف الأصل، وإنما تكلم عن التفضيل مع أنه ايضاً لا يقول بمساوة البهيمة لمؤمن لأن كلام في الحديث المغلوط فيه ... وقول أبي يوسف في الخراج بعد وفاة أبي حنيفة ومتابعة الشافعي له في (الأم) مع زيادة تشنيع بعيدان عن مغزى فقيه الملة ... وأما ما ورد في مضاعفة سهم الفارس في بعض الحروب فقد حمله أبو حنيفة على التنفيل جمعا بين الأدلة، لأن الحاجة إلى

стр. 805

الفرسان تختلف باختلاف الحروب. أبهذا يكون أبو حنيفة رد على رسول الله ﷺ ؟. حاشاه» . أقول: لايخفى ما في هذا التوجيه من التعسف. وقد كثرت الحكايات عن أبي حنيفة في مجابهة من يعترض عليه بالكلماتالموحشة، فقد يقال: أنه كان يتبرم بالمعرضين، ولا يراهم أهلاً للمناظرة، فكانيدفعهم بتلك الكلمات لئلا يعودوإلى التعرض، غير مبال بما يترتب على ذلك من اعتقادهم. فهل جرى على هذه الطريقة مع أصحابة حتى أن أخصهم به وآثرهم عنده وأعلمهم بمقاصده -وهو أبو يوسف -لم يتفطن له الأستاذ؟ فأما حذف الألف في كتاب المتقدمين فيقع في ثلاثة مواضع الأول: حيث يؤمن اللبس إما لعدم ما يلتبس به مثل: القاسم بن فلان سليمان بن فلان. وإسحاق بن فلان. فإن هذه الأعلام إذا كتبت بلا ألف لا يوجد ما يلتبس بها. وأما في متابة القرآن الذي من شأنه أن يؤخذ بالتلقي والتلقين وتعم معرفته بحيث إذا أخطاء مخطئ لم يلبث أن ينبه. وأما فيما يصح على كلا الوجهين مثل جبريل و «ملك يوم الدين» وليس قوله في الحديث «للفرس للرجل» . في شيء من هذا. اللهم إلا أن يخطيء الكاتب يسمع «للفارس للرجل» فيحسب ذلك مما يجوز تخفيفه في الكتابة فيكتب «للفرس. للرجل» لكنه كما قد يحتمل هذا فكذلك قد يحتمل أن يخطئ القارى بأن يكون الكاتب سمع «للفرس. للرجل» فكتبها كذلك، ثم توهم القارئ أن الأصل «للفارس. للرجل» وإنما حذف الألف تخفيفاً في الكتابة فيقرؤها «للفارس. للرجل» ويريها كذلك. وأما تقديم الحقيقة على المجاز، فالذي في الرواية «جعل للفرس همين وللرجل سهماً» ولا يتجه في قوله: «للفرس» مجاز، بل اللام لام التعليل، أي جعل لأجل الفرس. فغن قيل: بل اللام لشبه التمليك، قلنا فما الحجة على أن لام شبه التمليك مجاز؟ فإن كانت هناك حجة فجعلهاللتعليل اولى تقديماً للحقيقة على المجاز وكذلك لوساغ أن يطلق «الفرس» ويراد «الفارس» كما زعم الأستاذ.

стр. 806

على أن سواغ ذلك غير مسلم فإنه غير معروف ولا قرينة عليه، فأما إطلاق «الخيل» وإرادة «الفرسان» فمستفيض، وإنما يسوغ بقرينة، وإنما جاء حيث يكون المقام ذكر الجيش حيث لا تكون الخيل إلا مع فرسانها فيكون بينهماضرب من التلازم. هب أنه اتجه المجداز فتقدم علىالمجاز محله في الكلمة الواحدة يجب حملها على معناها الحقيقي ولا يجوز حملها علىمعنى مجازى بلاحجة كما ارتبكه الأستاذ في غير موضوع. فأما روايتان مختلفتان متنافيتان والكلام في إحد اهما حقيقة وفي الأخرى مجاز صحيح بقرينته فلا يتجه تقديم الأولى للان المتكلم كما يتكلم بالحقيقة فكذلك يتكلم بالمجاز، والمخطئ كما يخطئ من الحقيقة إلى المجاز، فكذلك عكسه، بل احتمله أقرب، لأن أغلب ما يكون الخطأ بالحمل على المألوف، وغالب كا يقع من التصحيف كذلك، فقد رأيت مالا أحصيه اسم «زَبر» مصحفاً إلى «أنس» واسم «سعر» مصحفاً إلى «سعد» ولا أذكر أننى رأيت عكس هذا. قال الشاعر: فمن يك سائلا عني فإني ... من الفتيان أيام الخُنان وقال الآخر: كساك ولم تستكسه فحمدته ... أخ لك يعطيك الجزيل وياصر فصحف الناس قافيتى هذين البيتين إلى «الختان. ناصر» وأمثال هذا كثيرة لا يخفى على من له إلمام. وهكذا الخطاء في الأسانيد أغلب ما يقع بسلوك الجادة، فهشام بن عروة غالب روايته عن أبيه عن عائيشة، وقد يروى عن وهب بن كيسان عن عبيد بن عمير فقد يسمع رجل من هشام خبراً بالسند الثاني ثم مضي على السامع زمان فيشبه عليه فيتوهم أنه سمع ذاك الخبر من هشام بالسند الأول على ما هو الغالب المألوف، ولذلك تجد أئمة الحديث إذا وجدوا راويين اختلفا بأن رويا عن هشام خبراً واحداً جعله أحدهما عن هشام عن وهب عن عبيد، وجعله الآخر عن هشام عن أبيه عن

стр. 807

عائشة، فالغالب أن يقدموا الأول ويخطؤوا الثاني، هذا مثال ومن راجع كتب علل الحديث وجد من هذا مالا يحصى. هب أن الحقيقة تقدم على المجاز في الروايتين المتنافيتين فإنما لا يبعدذلك جداً حيث لا يوجد للرواية الأخرى مرجح قوي، ليس الأمر ها هنا كذلك بل من تتبع الروايات وجد الأمر بغاية الوضوح. وشرح ذلك أن الحنفية يتشبثون بأربعة أشياء: أولها: حديث مجمع، والجوابعنه أنه من رواية مجمع بن يعقوب بن مجمع عن أبيه بسنده وفي (سنن لبيهقي) ج٦ص٣٢٥ ان الشافعي قال: «مجمع بن يعقوب شيخ لا يعرف» . أقول: أما مجمع فمعروف لا بأس به، فلعل الشافعي أر اد أباه يعقوب بن مجمع ففي (نصب الراية عن ابن القطان «علة هذا الحديث الجهل بحال يعقوب بن مجمع ولا يعرفروى عنه غير ابنه. وذكر المزي راويين آخرين ولكنهما ضعيفان، ولم يوثق يعقوب أحد فأما ذكر ابن حبان له في (التقات) فلا يجدى شيئاً لما عرف من قاعدة ابن حبان من ذكر المجاهيل في (الثقاب) فقد ذكر الأستاذ ذلك في غير موضع، وشرحته في الأمر الثامن من القاعدة السادسة من قسم القواعد، وفي ترجمة ابن حبان من قسم التراجم. وفي الحديث وهم آخر فإن فيه أن فرسان المسلمين يوم خبير كانوا ثلثمائة، والمعروف أنهم كانوا مائتين، وأبو داود وإن أخرج الحديث في (سننه) فقد تعقبه كما في (نصب الراية) بقوله: «هذا وهم إنما كانواغ مائتي فارس فأعطى الفرس سهمين وأعطى صاحبه سهما» وأخرج جماعة منهم الحاكم في (المستدرك ج٢٣٢٦عن ابن عباس: «أن رسول الله ﷺ فسم المائتي فرس يوم خبير سهمين سهمين» وفي (مصنف ابن أبي شيبة) عن أبي خالد الأحمر عن يحيى بن سعيد الأنصارى عن صالح بن كيسان أن النبي ﷺ أسهم يوم خيبر لمائتي فرس لكل منهم سهمين. وهو لاء كلهم ثقات متفق عليهم وصالح من أفاضل التابعين. وفي (سنن البيهقي) ج ص ٣٢٦ بسند (السيرة) عن ابن إسحاق

стр. 808

«حدثني ابن محمد بن مسلمة عمن أدركه من أهله وحدثني عبد الله بن أبي بكر بن حزم قال: كانت المقاسم على اموال خيبر على الف وثمان مائة سهم الرجال الف واربع مائة والخيل مأتين فرس، فكان للفرس سهمان ولصاحبه سهم وللرجال سهم وأكثر الروايات وأثبتها في عدد الجيش انه الف واربع مائة وفي بعض الرواياتن الف وخمس مائة وجمع اهل العلم بين ذذلك بأن عدد مقاتل المستحقين للسهم كانوا الفاً واربع مائة ومعهم نحومائة ممن لا يستحق سهماً من العبيد والنساء وصبيان وجاء عن بشير بن يسار قال: شهيدها مائة فرس وجعل للفرس سهمين وهذا محمول على خيل الأنصار فأما مجموع الخيل فكانت مائتين. الثاني: حديث عبد الله بن عمر بن حفص بن عاصم العمري عن نافع عن بن عمر: «أن رسول اللله ﷺ كان يسهم للفارس سهمين وللراجل سهما» اخرجه الدارقطني ثم قال: «ورواه القعنبي عن العمري بالشك في الفارس والفرس ثنا أبو بكر ثناء محمد بن على الوراق نا القعنبي عنه» فقد شك العمرى وهو مع ذلك كثير الخطأ حتى قال البخاري «ذاهب لا أروي عنه شيئاً» ومن أثنى عليه فلصلاحه وصدقه، وأنه ليس بالساقط. الثالث: ما وقع في رواية بعضهم عن عبيد الله بن عمنر بن حفص بن عاصم رسيأتي ذلك في الكلام على حديثه. الرابع: قال ابن أبي سيبة في (المصنف) : «غنذر عن شعبة عن أبي إسحاق عن هانئ عن على قال: للفارس سهمان قال شعبة: وجدته مكتوباً عند (بياض) » وقال قبل ذلك: «معاذ ثنا حبيب بن شهاب عن أبيه عن أبي موسى أنه أنه أسهم للفارس سهمين وللرجل سهماً» . أما الأثر عن على فقول شعبة: «وجدته ... .» عبارة مشككة. وقد روى الشافعي كما في (سننالبيهقي) ج٦ص٣٢٧ «عن شاذان (الأسود بن عامر) عن زهير عن أبي إسحاق قال: غزوت مع سعيد بن عثمان فأسهم لفرسي سهمين ولي

стр. 809

سهما. قال أبو إسحاق: وكذلك حدثني هانئ بن بن هانئ عن على، وكذلك حدثني حارثة بن مضرب عن عمر» وفي (مصنف ابن أبي شيبة) : «وكيع ثنا سفيان وإسرائيل عن أبي إسحاق قال: شهدنا غزوة مع سعيد بنم عثمان، ومعى عثمان بن هانئ ومعي فرسان ومع هانئ فرسان، فأسهم لي ولفرسي خمسة اسهم، وأسهم لهانئ ولفرسية خمسة أسهم» وهذا غير مخالف لرواية زهير لأنه إذا أسهم للفرسين أربعة أسهم ولصاحبها سهما فقد أسهم للفرس سهمين، ولصاحبه سهما. وهذا بلا شك أثبت مما ذكره شعبة. ومع هذا فهانئ بن هانئ لم يرو عنه إلا أبو إسحاق وحده قال ابن المدينى. «مجهول» وقال النسائي: «ليس به بأس» . ومن عادة النسائي توثيق بعض المجاهيل كما شرحته في الأمر الثامن من القاعدة السادسة من قسم القواعد. وأما الأثر عن أبي موسى فسنده جيد وقد تأوله بعضهم بأن معناه للفارس من حيث هو ذوفرس وذلك لا ينافي أن يكون له سهم ثابت من حيث هو رجل وفي هذا تعسف. وقد ذكر أبن التركماني أن أبن جرير ذكر في (تهذيبه) أن هذا كان في واقعه (تستر) فكأن هذا رأى لأبي موسى فيما إذا كانت الواقعة قتال حصين يضعف غناء الخيل فيه، وقد جاء عن جماعة من التابعين أنهم كانوا ينقصون سهام الخيل في قتال الحصون أو لا يسهمون لها شيئاً، ذكر ذلك ابن أبي شيبة وغيره، وذكره إنكار عمنر بن عبد العزيز ذلك، وإنكار مكحول له واحتجاجه بأن النبي ﷺ أسهم في غنائم خبير للفرس سهمين ولصاحبه سهما مع أن خيبر كانت حصناً. ولعل ابن جرير قد ذكر هذا المعنى في (التهذيب) فليراجعه من تيسر له ذلك. حديث عبيد الله بن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب عبيد الله هذا ثقة جليل أثبت من أخيه عبد الله بما لا يحصى بل جاء عن يحيى بن

стр. 810

سعيد القطان والإمام أحمد وأحمد بن صالح أن عبيد الله أثبت أصحابه نافع، وفيهم مالك وغيره. وقد وقعت على الجماعة الحديث. الأول: الإمام المضروب به المثل في الحفظ والإتقان والفقه والزهد والعبادة والسنة أبو عبد الله سفيان بن سعيد الثورى، قال الإمام أحمد في (المسند) ج٢ص١٥٢: «ثنا عبد الرزاق أنا سفيان بن عن عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمران أن النبي ﷺ جعل للفرس سهمين وللرجل سهماً» ورواه الدارقطني في (تالسنن) ص٤٦٧ ن طريق عبد الله بن الوليد العدتي عن سفيان -بسنده - (١) «أن رسول الله ﷺ اسهم للرجل ولفرسه ثلاثة أسهم للرجل سهم ولفرسه سهمان» . ورواه البيهقي في (السنن) ج٦ص٣٢٥ من طريق أبي حذيفة عن سفيان -بسنده - «أن رسول الله ﷺ أسهم للرجل ثلاثة أسهم للرجل سهم وللفرس سهمان» . الثاني: الحافظ المقدم هشيم بن بشير الواسطي رواه عنه الامام أحمد في (المسند) ج٢ص٢ وهو أول حديث في (مسند ابن عمر) ولفظه: «أن رسول الله ﷺ جعل يوم خيبر للفرس سهمين وللرجل سهماً» . الثالث: أبومعاوية محمد بن خازم الضرير رواه عنه الامام أحمد في (المسند) ج٢ص٢ ولفظه: «أن رسول الله ﷺ أسهم للرجل ولفرسه ثلاثة أسهم، سهماً له، وسهمين لفرسه» ، وراه ابودالود في (السنن) عن أحمد، وقد رواه عن أبي معاوية أيضاً على بن محمد بن أبي الشوارب عند ابن ماجه، والحسن بن محمد الزعفراني عند الذار قطني ص ٤٦٧، وسعدان بن نصر عند البيهقي ج٦ ص٣٢٥. الرابع: إسحاق الأزرق عند الشافعي كما في (مسنده) بهامش «الأم» ج٦ص٢٥٠ « ... . أن رسول الله ﷺ ضرب للفرس بسهم» ؟ الخامس: سليم بن أخضر رواه مسلم في (صحيحه) عن يحيى بن يحيى وأبي كامل عنه « ... .أن رسول الله ﷺ قسم في النفل للفرس سهمين، وللرجل سهماً» وقع
следующие страницы →