على أن سواغ ذلك غير مسلم فإنه غير معروف ولا قرينة عليه، فأما إطلاق «الخيل» وإرادة «الفرسان» فمستفيض، وإنما يسوغ بقرينة، وإنما جاء حيث يكون المقام ذكر الجيش حيث لا تكون الخيل إلا مع فرسانها فيكون بينهماضرب من التلازم.
هب أنه اتجه المجداز فتقدم علىالمجاز محله في الكلمة الواحدة يجب حملها على معناها الحقيقي ولا يجوز حملها علىمعنى مجازى بلاحجة كما ارتبكه الأستاذ في غير موضوع. فأما روايتان مختلفتان متنافيتان والكلام في إحد اهما حقيقة وفي الأخرى مجاز صحيح بقرينته فلا يتجه تقديم الأولى للان المتكلم كما يتكلم بالحقيقة فكذلك يتكلم بالمجاز، والمخطئ كما يخطئ من الحقيقة إلى المجاز، فكذلك عكسه، بل احتمله أقرب، لأن أغلب ما يكون الخطأ بالحمل على المألوف، وغالب كا يقع من التصحيف كذلك، فقد رأيت مالا أحصيه اسم «زَبر» مصحفاً إلى «أنس» واسم «سعر» مصحفاً إلى «سعد» ولا أذكر أننى رأيت عكس هذا. قال الشاعر:
فمن يك سائلا عني فإني ... من الفتيان أيام الخُنان
وقال الآخر:
كساك ولم تستكسه فحمدته ... أخ لك يعطيك الجزيل وياصر
فصحف الناس قافيتى هذين البيتين إلى «الختان. ناصر» وأمثال هذا كثيرة لا يخفى على من له إلمام.
وهكذا الخطاء في الأسانيد أغلب ما يقع بسلوك الجادة، فهشام بن عروة غالب روايته عن أبيه عن عائيشة، وقد يروى عن وهب بن كيسان عن عبيد بن عمير فقد يسمع رجل من هشام خبراً بالسند الثاني ثم مضي على السامع زمان فيشبه عليه فيتوهم أنه سمع ذاك الخبر من هشام بالسند الأول على ما هو الغالب المألوف، ولذلك تجد أئمة الحديث إذا وجدوا راويين اختلفا بأن رويا عن هشام خبراً واحداً جعله أحدهما عن هشام عن وهب عن عبيد، وجعله الآخر عن هشام عن أبيه عن
стр. 807
عائشة، فالغالب أن يقدموا الأول ويخطؤوا الثاني، هذا مثال ومن راجع كتب علل الحديث وجد من هذا مالا يحصى.
هب أن الحقيقة تقدم على المجاز في الروايتين المتنافيتين فإنما لا يبعدذلك جداً حيث لا يوجد للرواية الأخرى مرجح قوي، ليس الأمر ها هنا كذلك بل من تتبع الروايات وجد الأمر بغاية الوضوح. وشرح ذلك أن الحنفية يتشبثون بأربعة أشياء:
أولها: حديث مجمع، والجوابعنه أنه من رواية مجمع بن يعقوب بن مجمع عن أبيه بسنده وفي (سنن لبيهقي) ج٦ص٣٢٥ ان الشافعي قال: «مجمع بن يعقوب شيخ لا يعرف» . أقول: أما مجمع فمعروف لا بأس به، فلعل الشافعي أر اد أباه يعقوب بن مجمع ففي (نصب الراية عن ابن القطان «علة هذا الحديث الجهل بحال يعقوب بن مجمع ولا يعرفروى عنه غير ابنه. وذكر المزي راويين آخرين ولكنهما ضعيفان، ولم يوثق يعقوب أحد فأما ذكر ابن حبان له في (التقات) فلا يجدى شيئاً لما عرف من قاعدة ابن حبان من ذكر المجاهيل في (الثقاب) فقد ذكر الأستاذ ذلك في غير موضع، وشرحته في الأمر الثامن من القاعدة السادسة من قسم القواعد، وفي ترجمة ابن حبان من قسم التراجم. وفي الحديث وهم آخر فإن فيه أن فرسان المسلمين يوم خبير كانوا ثلثمائة، والمعروف أنهم كانوا مائتين، وأبو داود وإن أخرج الحديث في (سننه) فقد تعقبه كما في (نصب الراية) بقوله: «هذا وهم إنما كانواغ مائتي فارس فأعطى الفرس سهمين وأعطى صاحبه سهما» وأخرج جماعة منهم الحاكم في (المستدرك ج٢٣٢٦عن ابن عباس: «أن رسول الله ﷺ فسم المائتي فرس يوم خبير سهمين سهمين» وفي (مصنف ابن أبي شيبة) عن أبي خالد الأحمر عن يحيى بن سعيد الأنصارى عن صالح بن كيسان أن النبي ﷺ أسهم يوم خيبر لمائتي فرس لكل منهم سهمين.
وهو لاء كلهم ثقات متفق عليهم وصالح من أفاضل التابعين. وفي (سنن البيهقي)
ج ص ٣٢٦ بسند (السيرة) عن ابن إسحاق
стр. 808
«حدثني ابن محمد بن مسلمة عمن أدركه من أهله وحدثني عبد الله بن أبي بكر بن حزم قال: كانت المقاسم على اموال خيبر على الف وثمان مائة سهم الرجال الف واربع مائة والخيل مأتين فرس، فكان للفرس سهمان ولصاحبه سهم وللرجال سهم وأكثر الروايات وأثبتها في عدد الجيش انه الف واربع مائة وفي بعض الرواياتن الف وخمس مائة وجمع اهل العلم بين ذذلك بأن عدد مقاتل المستحقين للسهم كانوا الفاً واربع مائة ومعهم نحومائة ممن لا يستحق سهماً من العبيد والنساء وصبيان وجاء عن بشير بن يسار قال: شهيدها مائة فرس وجعل للفرس سهمين وهذا محمول على خيل الأنصار فأما مجموع الخيل فكانت مائتين.
الثاني: حديث عبد الله بن عمر بن حفص بن عاصم العمري عن نافع عن بن عمر: «أن رسول اللله ﷺ كان يسهم للفارس سهمين وللراجل سهما» اخرجه الدارقطني ثم قال: «ورواه القعنبي عن العمري بالشك في الفارس والفرس ثنا أبو بكر ثناء محمد بن على الوراق نا القعنبي عنه» فقد شك العمرى وهو مع ذلك كثير الخطأ حتى قال البخاري «ذاهب لا أروي عنه شيئاً» ومن أثنى عليه فلصلاحه وصدقه، وأنه ليس بالساقط.
الثالث: ما وقع في رواية بعضهم عن عبيد الله بن عمنر بن حفص بن عاصم رسيأتي ذلك في الكلام على حديثه.
الرابع: قال ابن أبي سيبة في (المصنف) : «غنذر عن شعبة عن أبي إسحاق عن هانئ عن على قال: للفارس سهمان قال شعبة: وجدته مكتوباً عند (بياض) » وقال قبل ذلك: «معاذ ثنا حبيب بن شهاب عن أبيه عن أبي موسى أنه أنه أسهم للفارس سهمين وللرجل سهماً» .
أما الأثر عن على فقول شعبة: «وجدته ... .» عبارة مشككة. وقد روى الشافعي كما في (سننالبيهقي) ج٦ص٣٢٧ «عن شاذان (الأسود بن عامر) عن زهير عن أبي إسحاق قال: غزوت مع سعيد بن عثمان فأسهم لفرسي سهمين ولي
стр. 809
سهما. قال أبو إسحاق: وكذلك حدثني هانئ بن بن هانئ عن على، وكذلك حدثني حارثة بن مضرب عن عمر» وفي (مصنف ابن أبي شيبة) : «وكيع ثنا سفيان وإسرائيل عن أبي إسحاق قال: شهدنا غزوة مع سعيد بنم عثمان، ومعى عثمان بن هانئ ومعي فرسان ومع هانئ فرسان، فأسهم لي ولفرسي خمسة اسهم، وأسهم لهانئ ولفرسية خمسة أسهم» وهذا غير مخالف لرواية زهير لأنه إذا أسهم للفرسين أربعة أسهم ولصاحبها سهما فقد أسهم للفرس سهمين، ولصاحبه سهما. وهذا بلا شك أثبت مما ذكره شعبة. ومع هذا فهانئ بن هانئ لم يرو عنه إلا أبو إسحاق وحده قال ابن المدينى. «مجهول» وقال النسائي: «ليس به بأس» . ومن عادة النسائي توثيق بعض المجاهيل كما شرحته في الأمر الثامن من القاعدة السادسة من قسم القواعد.
وأما الأثر عن أبي موسى فسنده جيد وقد تأوله بعضهم بأن معناه للفارس من حيث هو ذوفرس وذلك لا ينافي أن يكون له سهم ثابت من حيث هو رجل وفي هذا تعسف. وقد ذكر أبن التركماني أن أبن جرير ذكر في (تهذيبه) أن هذا كان في واقعه (تستر) فكأن هذا رأى لأبي موسى فيما إذا كانت الواقعة قتال حصين يضعف غناء الخيل فيه، وقد جاء عن جماعة من التابعين أنهم كانوا ينقصون سهام الخيل في قتال الحصون أو لا يسهمون لها شيئاً، ذكر ذلك ابن أبي شيبة وغيره، وذكره إنكار عمنر بن عبد العزيز ذلك، وإنكار مكحول له واحتجاجه بأن النبي ﷺ أسهم في غنائم خبير للفرس سهمين ولصاحبه سهما مع أن خيبر كانت حصناً. ولعل ابن جرير قد ذكر هذا المعنى في (التهذيب) فليراجعه من تيسر له ذلك.
حديث عبيد الله بن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب
عبيد الله هذا ثقة جليل أثبت من أخيه عبد الله بما لا يحصى بل جاء عن يحيى بن
стр. 810
سعيد القطان والإمام أحمد وأحمد بن صالح أن عبيد الله أثبت أصحابه نافع، وفيهم مالك وغيره.
وقد وقعت على الجماعة الحديث.
الأول: الإمام المضروب به المثل في الحفظ والإتقان والفقه والزهد والعبادة والسنة أبو عبد الله سفيان بن سعيد الثورى، قال الإمام أحمد في (المسند) ج٢ص١٥٢: «ثنا عبد الرزاق أنا سفيان بن عن عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمران أن النبي ﷺ جعل للفرس سهمين وللرجل سهماً» ورواه الدارقطني في (تالسنن) ص٤٦٧ ن طريق عبد الله بن الوليد العدتي عن سفيان -بسنده - (١) «أن رسول الله ﷺ اسهم للرجل ولفرسه ثلاثة أسهم للرجل سهم ولفرسه سهمان» . ورواه البيهقي في (السنن) ج٦ص٣٢٥ من طريق أبي حذيفة عن سفيان -بسنده - «أن رسول الله ﷺ أسهم للرجل ثلاثة أسهم للرجل سهم وللفرس سهمان» .
الثاني: الحافظ المقدم هشيم بن بشير الواسطي رواه عنه الامام أحمد في (المسند) ج٢ص٢ وهو أول حديث في (مسند ابن عمر) ولفظه: «أن رسول الله ﷺ جعل يوم خيبر للفرس سهمين وللرجل سهماً» . الثالث: أبومعاوية محمد بن خازم الضرير رواه عنه الامام أحمد في (المسند) ج٢ص٢ ولفظه: «أن رسول الله ﷺ أسهم للرجل ولفرسه ثلاثة أسهم، سهماً له، وسهمين لفرسه» ، وراه ابودالود في (السنن) عن أحمد، وقد رواه عن أبي معاوية أيضاً على بن محمد بن أبي الشوارب عند ابن ماجه، والحسن بن محمد الزعفراني عند الذار قطني ص ٤٦٧، وسعدان بن نصر عند البيهقي ج٦ ص٣٢٥.
الرابع: إسحاق الأزرق عند الشافعي كما في (مسنده) بهامش «الأم» ج٦ص٢٥٠ « ... . أن رسول الله ﷺ ضرب للفرس بسهم» ؟
الخامس: سليم بن أخضر رواه مسلم في (صحيحه) عن يحيى بن يحيى وأبي كامل عنه « ... .أن رسول الله ﷺ قسم في النفل للفرس سهمين، وللرجل سهماً» وقع
стр. 811
عند بعض رواة الصحيح «للراجل» وقد رواه عن سليم أيضاً عبد الرحمن بن مهدى (مسند أحمد) ج٢ ص٦٢، وعفان (مسند أحمد) ج٢ص٧٢، وأحمد بن عبده وحميد بن مسعدة عند الترمذى وفي روايتهم جميعاً: «للرجل» .
السادس: أبو أسامة رواه عنه عبيد ابن إسماعيل عند البخاري في (صححه) في «كتاب الجهاد» : « ... أن رسول الله ﷺ جعل للفرس سهمين، ولصاحبه سهماً» وكذلك رواه عن أبي أسامة محمد بن عثمان بن كرامة عند الدارقطني ص ٤٦٧، وأبوالأزهر عند البيهقي ج ٦ ص ٣٢٤، ورواه ابن أبي شيبة في (المصنف) عن أبي أسامة وعبد الله ابن نمير وسيأتي.
السابع: عبد الله بن نمير رواه عنه الإمام أحمد في (المسند) ج ٢ ص١٤٣: « ... أن رسول الله ﷺ قسم للفرس سهمين وللرجل سهما» وكذلك رواه الدارقطني ص٤٦٧ من طريق أحمد، رواه مسلم في (الصحيح) عن محمد بن نمير عن أبيه، وأحال على متن سليم بن أخضر قال: «مثله ولم يذكر: في النفل» ورواه الدارقطني أيضاً من طريق عبد الرحمن بن بشير بن الحكم عن عبد الله بن نمير. وفي (مصنف أبن أبي شيبة) باب «في الفارس كم يقسم له؟ من قال: ثلاثة أسهم» . حدثنا أبو أسامة وعبد الله بن نمير قالا: ثنا عبيد الله بن عمر ... أن رسول ألله ﷺ جعل للفرس سهمين وللرجل سهماً» وذكره ابن حجر في (الفتح) عن (مصنف ابن أبي شيبة) وذكر أن أبي عاصم رواه في «كتاب الجهاد» له عن ابن أبي شيبة كذلك. وقال الدارقطني ص ٤٦٩: «حدثنا أبو بكر النيسابوري نا أحمد بن منصور (الرمادي) نا أبو بكر بن أبي شيبة نا أبو أسامة وابن زيد نمير ... أن الرسول الله ﷺ جعل للفارس سهمين , وللراجل سهماً. قال
الرمادي: كذا يقول ابن غير. قال لنا النيسابوري: هذا عندي وهم من ابن أبي شيبة أو الرمادي لأن أحمد ابن حنبل وعبد الرحمن بن بشر وغيرهما رووه عن ابن غير خلاف هذا, وقد تقدم ذكره عنهما , ورواه ابن كرامة وغير عن أبي أسامة خلاف هذا أيضاً وقد تقدم.
стр. 812
أقول: الوهم من الرمادي فقد تقدم عن (مصنف ابن أبي شيبة) : للفرس. للرجل وكذلك نقله ابن حجر عن (المصنف) وكذلك رواه ابن أبي عاصم عن ابن أبي شيبه كما مر , ويؤكد ذلك أن ابن أبي شيبه صدر بهذا الحديث الباب الذي قال في عنوانه: «من قال ثلاثة أسهم» كما مر , ثمذكر باباً آخر عنوانه: «من قال للفارس سهمان؟» فذكر فيه حديث مجمع وأثري علي وأبي موسى فلو كان عنده أن لفظ ابن غير كما زعم الرمادي أو لفظ أبي أسامة أو كليهما «للفارس. للرجل» لوضع الحديث في الباب الثاني.
فإن قيل: لعله تأول التأويل الذي تقدمت الإشارة إليه في الكلام على أثر أبي موسى.
قلت: يمنع من ذلك التأويل.
الثاني: تصديره باب «من قال: ثلاثة أسهم» بهذا الحديث.
الثالث: أن ذاك التأويل يحتمله أثرا عل وأبي موسى ولم يدرجهما في هذا الباب، بل جعلهما في باب «من قال: للفارس سهمان» .
فإن قيل: فقد قال ابن تركماني في (الجوهر النقي) : «وفي «الأحكام» لعبد الحق: وقد روي عن أبن عمر أنه ﵇ جعل للفارس سهمين وللراجل سهماً. وذكره أبو بكر ابن أبي شيبة وغيره» ونقل الزيلعي في (نصب الراية) ج٣ص حديث ابن أبي شيبة وفيه: «للفارس. للرجل» ثم قال: «ومن طريق ابن أبي شيبة رواه الدارقطني في
(سننه) وقال أبو بكر النيسابورى ... » .
أقول: أما عبد الحق فلا أراه إلا اعتمد على رواية الرمادي، وأما ابن التركماني فالمعتبة عليه فإنه ينقل كثيراً عن (مصنف ابن أبي شيبة) نفسه، بل نقل عنه بعد أسطر أثر علي، فما باله أعرض هنا عن النقل عنه، وتناوله من بعيد من (أحكام
стр. 813
عبد الحق) ؟! وأمات الزيلعي فلا أراه إلا اعتمد على رواية الدارقطني عن النيسابوري عن الرمادي، فإما أن لا يكون راجع (المصنف) لظنه موافقته لما الرمادي، وإما أن يكون حمل الخطأ على النسخة التي وقف عليها من (المصنف) خطأ كما قاله الرمادي. والله المستعان.
الثامن: زائدة بن قدامة عند البخاري في (صحيحه) في «غزوة خيبر» رواه البخاري عن الحسن بن إسحاق عن محمد بن سابق عن زائدة « ... قسم الرسول الله ﷺ يوم الخيبر للفرس سهمين وللرجل سهماً. فسره نافع فقال: إذا كان مع الرجل فرس فله ثلاثة أسهم فإن لم يكن له فرس فله سهم» وهذا التفسير يدل أن الصواب في المتن «للرجل» لكن وقع في نسخ (الصحيح) كما رأيت، وزائدة متقن لكن شيخ البخاري ليس بالمشهور، ومحمد بن سابق، قال ابن حجر في ترجمته من الفصل التاسع من (مقدمة الفتح) : «وثقة العجلي وقواه أحمد بن حنبل وقال يعقوب بن شيبة: كان ثقة وليس ممن يوصف بالضبط. وقال النسائي: لا بأس به، وقال أبن أبي خيثمة عن ابن معين: ضعيف. قلت ليس له في البخاري سوى حديث واحد في «الوصايا» ... وقد تابعه عليه عبيد الله بن موسى» . كذا قال وفاته هذا الحديث، وعذر البخاري أنه رأى أن الوهم في هذا الحديث يسير يجبره التفسير. ومع ذلك فلم يذكره في «باب سهمان الخيل» وإنما ذكره في «غزوة خيبر» .
التاسع: ابن المبارك رواه عته علي بن الحسن بن شقيق كما في (فتح الباري) ، ذكر روايوالرمادي عن نعيم عن ابن المبارك الآيتة ولفظها « ... عن النبي ﷺ أنه اسهم للفارس سهممين وللرجل سهماًَ، ثم قال: «وقدجرواه على ابن الحسن ابن شقيق - هو أثبت من نعيم - عن ابن المبارك بلفظ: أسهم للفرس» ولم يذكره بقية لأنه إنما اعتنى بلفظ الفارس والفرس وقد قال قبل ذلك: « ... فيما رواه أحمد ابن منصور الرمادي عن أبي بكر بن أبي شيبة ... بلفظ: أسهم للفارس سهمين
стр. 814
قال الدارقطني ... » . فأما ما رواه الدارقطني ص ٤٦٩ «حدثنا أبو بكر النيسابوري نا أحمد بن منصور (الرمادي) نا نعيم بن حماد نا ابن المبارك ... عن النبي ﷺ أنه أسهم للفارس سهمين وللرجل سهماً. قال أحمد كذا لفظ نعيم عن ابن المبارك، والناس يخالفونه. قال النيسابوري: ولعل الوهم من نعيم لان ابن المبارك من اثبت الناس» .
أقول: نعيم كثير الوهم، وكلام الحنفية فيه شديد جذاً كما في ترجمته من قسم التراجم، ولكني أخشى أن يكون الوهم من الرمادي كما وهم على أبي بكر بن أبي شيبة. ولا أدرى ما بليته في هذا الحديث مع انهم وثقوه. وقال ابن تركماني: «رواه ابن تركمانى عن عبيد الله بإسناده فقال فيه: للفارس سهمين وللرجل سهماً ذكره صاحب (التمهيد) » .
أقول: وهذه معقبة أخرى على ابن التركمانى، إذا لم يذكر أن صاحب (التمهيد) إنما رواه من طريق الرمادي عن نعيم! والله المستعان.
العاشر: حماد بن سلمة. قال الدار قطنى ص ٤٦٨ «حدثنا أبو بكر النيسابوري نا أحمد ابن يوسف السلمي نا النضر بن محمد بن موسى اليمامى نا حماد بن سلمة ... أن الرسول الله ﷺ أسهم للفارس سهماً وللفرس سه. خالفه حجاج بن المنهال عن حماد فقال: للفارس سهمين وللرجل سهماً» .
أقول: حماد كثير الخطأ إنما ثبتوه فيما يرويه عن ثابت وحميد، وكلام الحنفية فيه الشديد كما تراه في ترجمته من قسم التراجم، وأولى روايتيه بالصحة ما وافق فيه الثقات الأثبات.
وفي الباب مما يدل على ان للفرس سهمين ولصاحبه سهماً
في (نصب الراية) ج ٣ ص ٤١٦ عن الطبراني (الأو سط) : «ثنا محمد بن عبد الله الحضرمي ثنا هشام بن يونس عن أبي معاوية عن عبيد الله بن عمر عن نافع
стр. 815
عن ابن عمر عن عمر أن النبي ﷺ أسهم له يوم خيبر ثلاثة أسهم سهما له. وسهمين لفرسه» ، قال الطبراني: «ورواه الناس عن عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر عن النبي ﷺ . وهذا تفرد به هشام ابن يونس عن أبي معاوية» .
أقول: وقد رواه جماعة عن أبي معاوية فلم يقولوا فلم يقولوا «عن عمر» وقالوا: «أسهم للرجل» نعم وقع في (سنن أبي داود) عن أحمد عن أبي معاوية «أسهم لرجل» وهذا كأنه يشد من رواية هشام، وهشام ثقة، ولا يبعد أن يكون الحديث عند عبيد الله عن نافع من الوجهين، ولكن الناس أعرضوا عن هذا لخصوصة بعمر، وعنوا بالآخر لعمومه.
وروى عن سعيد بن عبد الرحمن الجمحي عند النسائي، ومحاضر بن المورع عند الدارقطني ص ٤٧١ «عن هشام بن عروة عن يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير عن جده أنه كان يقول: ضرب رسول الله ﷺ عام خيبر للزبير بن العوام أربعة أسهم سهماً للزبير وسهماً لذي القربى لصفية بنت عبد المطلب أم الزبير وسهمين للفرس» سعيد ومحاضر من الرجال مسلم وفي كل منهما مقال، واقتصر النسائي في «باب سهمان الخيل» على هذا الحديث، ولم يتعقبه بشيء، وذاك يشعر بأنه صحيح عنده لا يضره الخلاف. وقد رواه عيسى بن يونس عند ابن أبي شيبة، ومحمد بن بشر العبدي عند الدارقطني ص ٤١٧، واتبن غيينة عند الشافعي كما في (مسند) بهامش (الأم) ج ٦ ص ٢٥٠ ثلاثتهم عن هشام عن يحيى مرسلاً، ولفظ ابن عيينه «أن الزبير بن العوام كان يضرب في المغنم بأربعة أسهم، سهم له، وسهمين لفرسه، وسهم في ذوي القربى» وعند الدارقطني ص ٤١٧ عن إسماعيل بن عياش عن هشام بن عروة روايتان إحداهما عن أبيه عن عبد الله بن الزبير عن الزبير قال «أعطاني رسول الله ﷺ يوم بدر أربعة أسهم ... » والأخرى: عن عباد بن عبد الله بن الزبير عن الزبير..» بمعناه، وإسماعيل يخلط فيما يرويه من غير الشاميين. وفي (مسند أحمد) ج ١ ص ١٦٦ «ثنا عتاب ثنا عبد الله ثنا فليح بن محمد عن المنذرين الزبير عن أبيه أن النبي ﷺ أعطى الزبير
стр. 816
سهماً وأمه سهماً وفرسه سهمين ى ذكره٩ أحمد في (مسند الزبير» وليس من عادة أحمد في (المسند) إخراج المراسيل. وعتاب هو ابن زياد المروزي وثقة أبو حاتم وغيره ولم يغمزه أحد، وعبد الله هو ابن المبارك وقد تصفحت على بعضهم كلمة «بن» بين محمد والمنذر، فجرى البخاري في تاريخه ومن تبعه على ذلك كما في ترجمة فليح في (تعجيل المنفعة) . ولم يذكر البخاري من رواه كذلك عن ابن المبارك، فالصواب إن شاء الله رواية أحمد. أما فليح فغير مشهور لكن رواية ابن المبارك عنه تقوية.
وفي الباب من حديث أبي عمرة عند أحمد في (المسند) ج ٤ ص ١٣٨، أبي داود في (السنن) ، والدارقطني ص ٤٦٨، وابن منده كما في ترجمة أبي عمرة (من الإصابة) .
ومن الحديث ابن عباس والمقداد وأبي رهم وأبي رهم وأبي كبشة وجابر وأبي هريرة، تراها عند الدارقطني وغيره، كاها متفقة على أن للفرس سهمين ولصاحبه سهماً. وفي (مصنف ابن أبي شيبة) مراسيل عن مجاهد وخالد بن معدوان ومكحول وغيرهم وقد تقدم بعضها، كمرسل صالح بن كيسان ومرسل بشير بن يسار. وفي (المصنف) : «ثنا عبد الرحيم بن سليمان عن أشعث بن سوار عن الحسن وابن سيرين قالات: كانوا إذا غزوا فأصابوا الغنائم قسموا للفارس من الغنيمة حين تقسم ثلاثة أسهم سهمين له، وسهماً لفرسه وسهماً للراجل» وفيه «حدثنا جعفر بن عون عن سفيان عن سلمة بن كهيل: ثنا أصحابنا عن أصحاب محمد ﷺ أنهم قالوا: للفرس سهمان وللرجل سهم» وفيه حدثنا محاضر قال: ثنا مجالد عن عامر (الشعبي) قال: لما فتح سعد عن أبي وقاص (جلولا) أصابة المسلمون ثلاثين ألف ألف مثقال فقسم
стр. 817
للفارس ثلاثة آلاف، وللرجل ألف مثقال» وفيه «حدثنا وكيع قال: ثنا سفيان عن هشام عن الحسين قال: لا يسهم لأكثر من فرسين فإن كان مع الرجل فرسان أسهم له خمسة أسهم أربعة لفرسيه وسهم له» وفي (نصبالراية) ج٣ص٤١٩ «قال سعيد ابن منصور ثنا فرج بن فضالة ثنا محمد بن الوليد الزبيدي عن الزهري أن عمر ابن الخطاب كتب إلى أبي عبيدة بن الجراح أن أسهم للفرس سهمين وللفرسين أربعة أسهم ولصاحبها سهماً فذلك خمسة أسهم وما كان فوق الفرسين فهو جنائب» .
وفي (سنن الدارقطني) ص ٤٧٠ عن خالد الحذاء (وقد رأى أنساً) قال: «لا يختلف فيه عن النبي ﷺ قال: للفارس ثلاثة وللرجل سهم» . وذكر الأستاذ ص ٨٧ عن كتاب (اختلاف الفقهاء) لابن جرير عن مالك قال: «إني لم أزل أسمع أن للفرس سهمين وللرجل سهماً» .
стр. 818
المسألة الثانية عشرة: أما على القاتل بالمثقل قصاص ؟
في (تاريخ بغداد) ١٣ / ٣٣٢ عن غبراهيم الحربي قال: «كان أبوالحنفية طلب النحو.. فتركه ووقع في الفقه فكان يقيس ولم يكن له علم بالنحوفسأله رجل بمكة فقال له: رجل شجّ رجلاً بحجر. فقال: هذا خطأ ليس عليه شيء لوأنه حتى يرميه بأبا قبيس لم يكن عليه شيء» قال الأستاذ ص٢٣: «وأدلة أبي حنيفة في حكم القتل بالمثقل مبسوطة في كتب المذهب ... وقد صحت أحاديث وآثار عند النسائي ,أبي داود وابن ماجه وابت حبان وأحمد وابن راهو ية وابن أبي شيبة وغيرهم يؤيد ظاهرها هذا المذهب، وقد صحت احاديث ... » قوله: منها حديث عبد الله بن عمروعن النبي ﷺ : ألا إن دية الخطأ شبه العمد، وما كان بالسوط والعصا مائة من الإبل. أخرجه أبو داود والنسائي وابن ماجه وابن حبان بسند صحيح. ومنها حديث ابن عباس عن النبي ﷺ : شبه العمد قتيل الحجر والعصا فيه الدية مغلظة. أخرجه ابن راهو ية. ومنها حديث ابن عباس في دية القاتلة بمسطح - وهو عود من أعواد الخباء - أخرجه عبد الرزاق. إلى غير ذلك من الأحاديث» .
أقول: في هذه القضية آيات من كتاب الله أعرض عنها الأستاذ!
الآية الأولى: قوله تعالى: «وما كان لمؤمنٍ أن يقتلَ مؤمناً إلا خطأً ومن قتلَ مؤمناً خطأً فتحرير رقبة مؤمنة ودية مسلمة إلى أهله» إلى قوله: «ومن يقتل
стр. 819
مؤمناً متعمداً فجزاؤه جهنم» الآية -سورة النساء: ٩٢-٩٣.
من المعلوم في العربية أن عمد القتل وتعمده هو قصده، وأن وقوعه خطأ هو أن يقع بلا قصد. ولا ريب أنه إذا كان هناك قتل يوصف بأنه خطأ شبيه بالعمد فإنما هو أن يتعمد سبب القتل كالضرب مثلاً ولا يقصد القتل، وإنما يقصد الإيلام بلا قتل، فهذا القتل خطأ لأنه لم يقصد ولكنه شبيه بالعمد من جهة أن سببه متعمدة. ولا يشك عاقل أن من عمد إلى طفل أو أو ضعيف فوضع رأسه على صخرة وجاء بأخرى فضرب بها رأسه حتى فضحه حبلاً في عنقه ثم شد طرفه بشجرة ثم جذب طرفه الآخر جذباً شديداً راسه وعنقه وصدره وظهره حتى مات فقد قتله عمداً فقد خرج عن لغة العرب.
ألاية الثانية: قوله تعالى: «كتب عليكم القصاص في القتلى» الآية –البقرة ١٧٨ نصت ألاية على وجوب القصاص في كل قتيل يتأتي فيه، القصاص يدل على المماثلة، والمقصود المماثلة في المعاني التي يعقل لها دخل في الحكم، فلا تتناول القتيل بحق لأن قتل قاتلة يكون بغير حق، ولا القتيل خطأ محضاً لأن قتل قاتلة إنما يكون عمداً، ولا القتيل الذي دلت شواهد الحال على أنه إنما قصد إيلامه لا قتله كالمضروب ضربات يسيره بسوط أو عصا خفيفة لأن قتل قاتلة يكون مقصوداً. وتتنازل الآية القتلى في الصور المتقدمة سابقاً وهي فضح الرأس وما معه ونحوها إذا كان بغير حق، لأنه قصد فيها سبب القتل وقصد فيها القتل، وقتل القاتل يقتضي مثل ذلك بدون زيادة فهو قصاص، فالآية تنص على وجوب القصاص في تلك الصور ونحوها حتماً.
стр. 820
الآية الثالثة: قوله «ومن قُتِلَ مظلوماً فقد جعلنا لوليه سلطاناً فلا يُسرف في القتل إنه كان منصوراً» الإسراء -٣٣والإسراف هو تعدي المماثلة التي تقدم بيانها، أو قل: تعدي القصاص، فمن قُتل بحق فلم يقتل مظلوماً، ولا يكون قتل قاتلة إلا إسرافاً، وبقية الكلام كما في الآية السابقة، وقتل القاتل في تلك الصور التي منها فضخ الرأس وما معه وما في معناها لا يتعدي المما ثلة المعتبرة فلا إسراف فيه فقد جعل الله تعالى للولي سلطاناً عليه، وذلك شرع القصاص.
الآية الرابعة: قوله سبحانه «ولكم في القصاص حياة يا أولي الألباب لعلكم تتقون» البقرة -١٧٩
ولا ريب أنه إذا لم يكن في القتل قصاص لم يتقه الناس، فيتحرون القتل بالمثقل عدواناً وانتقاماً فيفوت المقصود من شرع القصاص.
الآية الخامسة قوله تعالى: «وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به»
النحل - ١٢٦.الآية السابعة: قوله تعالى «فمن اعتدى عليكم فاعتدوا بمثل ما اعتدي عليكم واتقوا الله» البقرة -١٩٤.
الآية الثامنة: قوله ﵎ «وجزاء سيئة سيئة مثلها» الشورى - ٤٠
وأما الأحاديث التي ذكرها الأستاذ فحديث «ألا إن دية الخطأ شبه العمد ... » مختلف في إستاده فقيل عن القاسم بن ربيعة مرسلاً، وقيل عنه عن عبد الله بن عمرومرفوعاً. وقيل عنه من عقبة بن أو س مرسلاً، وقيل عنه عن عقبة عن رجل من الصحابة، وقيل غير ذلك، وقد ساق النسائي أكثرتلك الوجوه. وذلك الاختلاف والاضطراب قد يتسامح فيه إذا لم يكن المتن منكراً، ومن قواه من المحدثين لا
стр. 821
يرى معناه ما يزعمه الحنفية مما يخالف الكتاب والسنة الصحيحة، ولورأى أن ذلك معناه لأنكره فرده بذلك وبذاك الاختلاف والاضطراب (١) مع ذلك فعقبة بن أوس المتفرد به غير مشهور، وإنما وثقه من من عادته توثيق المجاهيل وإن كانوا مقلين إذا لم ير في حديثهم ما ينكره، وقد شرحت ذلك في الأمر الثامن من القاعدة السادسة من قسم القواعد. ولورأوا أن معنى هذا الحديث ما يزعمه الحنفية لما أثنوا على عقبة، بل لعلهم يجرحونه بمقتضى قاعدتهم في جرح المتفرد بالمنكر، ولا سيما إذا كان مقلاً غير مشهور. والحنفية يردون الأحاديث الصحيحة الصريحة التي لا مطعن في أسانيدها البتة بدعوى مخالفتها للقرآن حيث لا مخالفة كما مر في المسألة السابعة، وكما يأتي في مسألة الخامسة عشرة، فكيف يسوغ لهم أن يتشبثوا بهذا الحديث مع ما في سنده من الاختلال ومع وضوح مخالفة معناه الذي يعتمدونه للقرآن. فإن قيل: وهل يحتمل معنى آخر؟ قلت نعم، وبيان ذلك أن من القتل ما يتبين فيه أن القاتل قصد القتل، كالصور التي تقدم التمثيل بها من فضح الرأس وما معه ونحو ذلك وما يقرب منه. ومنه ما يتردد فيه أقصد أم لم يقصد كمن أغضبه رفيقه وكان
стр. 822
بيده فأس أو عصا كبيرة فضرب رأسه فقتله. ومنه ما يتبين أنه لم يقصد كمن ضرب رجلاً ضربات يسيره بسوط أو عصا كبيرة فضرب رأسه فقتله. ومنه ما يتبين أنه لم يقصد كمن ضرب رجلاً ضربات يسيره بسوط أو عصا خفيفة فمات فهذه ثلاثة أضرب وقوله في أول الحديث: «ألا إن دية الخطأ شبه العمد» مُخْرجٌ للضرب الأول حتماً لأنه عمد محض لا يعقل أن يسمى خطأ شبه عمد، فبقى الأ خيران والظاهر أنه شامل لهما. أما الثالث فواضح وأما الثاني فلأنه إذا لم يتبين قصد القتل فالأصل عدمه. فقوله بعد ذلك: «ما كان بالسوط والعصا» حقه أن يكون تقيداً ليخرج من الضرب الثاني ما كان بسلاح لأن استعمال السلاح يدل على قصد القتل، وإن كانت قد تدافعه قرينة أخرى فيقع التردد، ومن الحكمة في ذلك زجر الناس عن استعمال السلاح حيث لا يحل لهم القتل، وفي (صحيح مسلم) من حديث أبي هريرة «قال رسول الله ﷺ : لا يشتر أحدكم إلى أخيه بالسلاح فإنه لا يدري أحدكم لعل الشيطان ينزع في يده فيقع في حفرة من النار» . وفيه من حديثه أيضاً «من أشار إلى أخيه بحديدة فإن الملائكة تلعنه حتى وإن كان أخاه لأبيه وأُمه» . وفي (المستدرك) ج٤ ص٢٩٠ من حديث جابر قال: «نهي رسول الله ﷺ أن يتعاطى السيف مسلولاً» ومن الحديث أبي بكرة قال: «مر رسول الله ﷺ على يتعاطون سيفاً مسلولاً، فقال رسول ألله ﷺ : لعن الله من فعل هذا، أو ليس قد نهيت عن هذا؟ إذا سل أحدكم سيفاً ينظر إليه فأراد أن يناوله أخاه فليغمده ثم ليناوله إياه» وعلى ذاك المعنى فكلمة «ما» من قوله: «ما كان بالسوط والعصا» إما موصولة بدل بعض من «الخطأ شبه العمد» وإما مصدرية زمانية، أي: وقت كونه بالسيف والعصا، كما قيل بكل من الوجهين فيما قصة الله تعالى عن شعيب: «إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت» . هو د: ٨٨.
ويؤيد ذلك أن في بعض الروايات عند النسائي وغيره منها رواية أيوب عن القاسم ورواية هشيم عن خالد الحذاء عن القاسم « ... الخطأ شبه العمد بالسوط والعصا ... » ليس فيه «ما كان» والتقييد في هذا ظاهر. على أن الشارع وإن قضى بأنه إذا كان القتل بسلاح ونحوه عمد حيث يتردد في القصد فإنه يبالغ في حض ولي الدم على أن لا يقتص. أخرج أبو داود في (السنن) من حديث أبي
стр. 823
هريرة قال: «قتل الرجل في عهد النبي ﷺ فرفع ذلك إلى النبي ﷺ فدفعه إلى ولي المقتول، فقال القاتل: يا رسول الله والله ما أردت قتله، قال فقال رسول الله ﷺ للولي: أما إنه إن كان صادقاً ثم قتلته لتدخلن النار. قال: فخلى سبيله» ثم أخرجه من حديث وائل بن حجر وفيه «قال كيف قتلته؟ قال ضربت رأسه بالفأس ولم أرد قتله ... قال للرجل: خذه فخرج به ليقتله فقال رسول الله ﷺ : أما إنه إن قتله كان مثله ... » وحديث وائل في (صحيح مسلم) وفيه «كيف قتلته. قال: كنت أنا وهو نختبط من شجرة فسبني فأغضبني فضربته بالفأس على قرنه فقتلته ... » وفي رواية «فلما أدبر قال رسول الله ﷺ : القاتل والمقتول في النار ... » وتأوله بعضهم على أن النبي ﵌ كان سأل الولي أن يعفوفأبى. وهذا ضعيف من وجهين: الأول: انه ليس في القصة من الأمر بالعفوإلا بالعفوإلا ماوقع من بيان الإثم أو ما بعده. الثاني: أنه ليس من سنة النبي ﷺ أن يأمر أحداً بترك حقه أمراً جازماً يأثم المأمور إن لم يمتثله وقد رغب ﷺ إلى أبي بريرة لما عتق أن لا تفسح نكاح زوجها فقالت: أتأمرني يا رسول الله؟ قال: لا، وإنما أنا أشفع. قالت: فلا حاجة لي فيه. ولم يعقب هو بأبي وأُمي ولا أحد من أصحابه على بريرة. فالصواب ما دل عليه حديث أبي هريرة أن إثم الولي إن قتل إنما هو مبني على قول القاتل: لم أرد قتله. مع قوة احتمال صدقه. وقد ذكر الطحاوي في، مشكل الآثار) ج ١ص ٤٠٩ الحديث ثم قال: «فكان معنى ذلك والله أعلم أن البينة التي كانت شهدت عليه بقتله لأخي خصمة شهدت بظاهر فعله الذي كان عندنا أنه عمد له لا شك عندنا فيه، وكان المدعى عليه أعلم بنفسه وأيما كان منه من ذلك فادعى باطناً كان منه في ذلك لا بحجة معه ... » .
أقول: لم أر في شيء من الروايات لإقامة بينة أي شهود بل في بعض الروايات
стр. 824
أن الولي قال: «أما إنه لو لم يعترف لأقمت عليه البينة» فإنما كان في الواقعة اعترف الرجل بالضرب وبتعمده وبآلته وصفته، وضرب الرأس بالفأس يقتضى قصد القتل، إلا أن هناك ما عارضه وهو وبتعمده وبآلته وصفته، وضرب الرأس بالفأس يقتضي قصد القتل، إلا أن هناك ما علرضه وهو أنه لم يسبق بينهما عداوة وكانت الفأس بيد الجاني يختبط بها فثار غضبه بسبب السب فضرب بما كان في يده وادعى أنه لم يرد القتل وأقسم على ذلك. فالحديث يدل أنه في مثل هذه الحال يقضى بأن القتل عمدٌ تأكيد للزجر عن القتل والتنفير عنه، ولا يمنع الولي من الاقتصاص ولكنه يحرم عليه فإن قيل: وكيف لا يمنع مما يحرم عليه؟ وقلت: لأنه لومنع منه حكماً لفات المقصود من تأكيد الزجر عن القتل. ويشبه هذا ما ثبت أن النبي ﵌ كا يعطى الملحف في السؤال وإن كان غير مستحق، وفي (مسند أحمد) و (المستدرك) وغيرهما من حديث أبي سعيد الخدري أن النبي صلى الله عليه وآله سلم قال: «أما والله إن أحدكم ليخرج بمسألته من عندي يتأبطها وما هي إلا نار. قال عمر: لم تعطيها إياهم؟ قال: ما أصنع؟ يأبون إلا ذلك ويأبى الله لي البخل» . وفي (صحيح مسلم) من حديث عمر عن النبي ﵌: «إنهم خيروني أن يسألوني بالفحش أو يبخلوني، فلست بباخل» (١) .
فإذا حمل ذاك الحديث على معنى الذي ذكرنا لم يكن مخالفاً لكتاب الله ولا للسنة الصحيحة ولا للنظر المعقول، فلا يكون منكراً، وعلى هذا بنى من قواه من المحدثين ووثق راويه المتفرد به مع ما فيه من الخلل. فإن أبى الحنفية إلا المعنى الذي يتشبثون به قلنا فعلى ذلك يكون الحديث منكراً فيرد ويضعف راوية اتفاقاً.
خذ أنف هرشى أو قفاها فإنما كلا جانبي هرشى لهن طريق
علىانه سيأتي في الحديث الثاني التقييد بأن يكون القتل في مناوشة بين عشيرتين بدون ضغينة ولا حمل سلاح فيقتل رجل لا يدرى من قاتله. وعلى هذا فلوصح هذا الحديث وكان مطلقاً لوجب حمله على ذاك المقيد. ومقتضى الحديث أنه في
стр. 825
تلك الصورة يقضى بأن القتا شبه عمد فينظر في العشيرتين المتناوشتين فأيتهما كان المقتول منها كانت ديته مغلظة على الأخرى، لأن الظاهر أن القاتل منها وأنها عاقلته، فأما إذا كان هناك ضغينة وحمل سلاح فإنه يقضى بأن القتل عمد فيجعل قسامة، وأماإذا عرف القاتل فله حكمه. والله أعلم.
قول الأستاذ: «منها حديث ابن عباس عن النبي ﷺ : شبه قتيل الحجر والعصا فيه الدية مغلظة. أخرجه أبن راهو ية» .
أقول: ذكرناه الزيلعي في (نصب الراية) ج٤ص٣٣٢ وذكر أن ابن راهو ية رواه عن عيسى بن يونس عن إسماعيل بن مسلم عن عمرو بن دينار عن أبن عباس، وأنه مختصر، وأحال يتمامه على ما تقدم له يعني ج٤ص٣٢٧ الحديث هناك: «العمد قود إلا أن يعفوولي المقتول، والخطأ عقل لا قود فيه، وشبه العمد قتيل العصا والحجر ورمي السهم فيه الدية مغلظة من اسنان الابل» نسبه إلى ابن راهو ية بالسند نفسه. والحديث في (سنن الدارقطني) ص٣٢٨ من طريق: «يزيد بن هارون نا إسماعيل بن مسلم عن عمرو بن دينار عن أبن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : العمد قود اليد، والخطأ عقل لا قود فيه، ومن قتل في عمية بحجر أو عصا أو بسوط فهو دية المغلظة في أسنان الإبل» . وإسماعيل بن أمية ضعيف وقد اضطرب كما رأيت وجعل فيه في رواية ابن راهو ية رمي السهم وهو عمد عند الحنفية. ورواه أبو داود وغيره من طريق سليمان بن كثير عن عمرو بن دينار عن طاوس عن أبن عباس يرفعه «من قتل في عميا أو رمياً تكون بينهم بحجر أو سوط فعقله عقل خطأ، ومن قتل عمداً فقود يده» . سليمان متكلم فيه. ورواه الدارقطني ص ٣٢٨ من طريق الحسن بن عمارة عن عمروعن طاوس عن أبن عباس مرفوعاً. والحسن بن عمارة ضعيف جداً. ورواه الدارقطني ص ٣٢٧ من طريق حماد بن زيد عن عمرو بن دينار بسنده. والصحيح عن حماد أنه رواه مرسلاً، قال أبو داود في باب «عفوالنساء عن الدم» : «حدثنا محمد بن عبيد نا حماد، ح ونا ابن السرح نا سفيان وهذا حديثه عن عمروعن طاوس قال: من قتل. وقال ابن عبيد قال رسول الله ﷺ : من قتل عنداً في عميا في رمي يكون بينهم بحجارة أو
стр. 826
بالسياط أر ضرب بعصا فهو خطأ وعقله عقل الخطأ ومن قتل عمداً فهو قود، وقال ابن عبيد: قود يد ... وحديث سفيان أتم» . ورواه ابن السرح عن سفيان بن عيينة عن عمروعن طاوس قوله كما مر عن أبي داود، ولكن رواه الشافعي كما في (سنن البيهقي) ج٨ص٤٥ عن سفيان عن عمروعن طاوس عن النبي ﷺ . ورواه البيهقي من طريق الوليد بن مسلم عن أبن جريج عن طاوس عن أبن عباس مرفوعاً، والوليد شديد التدليس يدلس التسوية. وقد رواه الدارقطني ص ٣٢٨ من طريق: «عبد الرزاق أنا ابن جريح أخبر عمرو بن دينار أنه سمع طاوس يقول: أرجا يصاب في الرمي في القتال بالعصا أو بالسياط أو الترامي بالحجارة يودى ولا يقتل به من أجل أنه لا يعلم من قاتله؟» قال ابن جريج: «وأقول: ألا ترى إلى قضاء رسول الله ﷺ في الهذليتين: ضربت إحدهما الأخرى بعمود فقتلها، إذ لم يقتلها بها ووداها وجنينها. أخبرناه ابن طاوس عن أبيه لم يجاوز طاوس» .
أقول: قصة الهذليتين ستأتي.
وأخرج أيضاً من طريق: «عبد الرزاق أنا ابن جريج أخبرني أبن طاوس عن أبيه، قال (١) عند أبي كتاب فيه ذكر العقول جاء الوحي إلى النبي ﷺ ... ففي ذلك الكتاب وهو عن النبي ﷺ : قتل العمية ديته دية الخطأ، الحجر والعصا والسوط ما لم يحمل سلاحاً» ومن طريق «عبد الرزاق عن معمر عن طاوس عن أبيه أنه قال: من قتل في عمية رمياً بحجر أو عصا أو سوط ففيه دية المغلظة» .
فالروايات الصحيحة تجعله عن طاوس من قوله أو عنه عن النبي ﷺ مرسلاً، وتفسيره بما سمعت، وقد مر توجيه ذلك في آخر الكلام على الحديث السابق فلا متشبث فيه للحنفية.
و (العميا) فسرها أهل الغريب كما في (النهاية) بقولهم: «أن يوجد بينهم قتيل يعمي أمر، ولا يتبين قاتله» .
стр. 827
وأخرجه الدارقطني من طريق إدريس بن يحيى الخولاني: «حدثني بكر بن مضر حدثني حمزة النصيبي عن عمر بن دينار حدثني طاوس عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: من قتل في عميا رمياً تكون بينهم ... » ثم أخرجه من طريق عثمان بن صالح: «نا بكر بن مضر عن عمرو بن دينار ... » ومن وجه آخر عن عثمان بن صالح: «نا بكر بن مضر عن عمرو بن الحارث عن عمرو بن دينار» .
حمزة النصيبي هالك، وعثمان بن صالح صالح في نفسه لكنة من الذين ابتلوا بخالد بن نجيح، كانوا يسمعون معه فيملي عليهم ويخلط. وخالد هالك.
قول الأستاذ: «ومنها حديث ابن عباس في دية القاتلة بمسطح - وهو عود من أعواد الخباء - أخرجه عبد الرزاق» .
أقول: جاءت القصة من رواية جماعة من الصحابة:
الأول: زوج المرأتين حمل بن مالك بن النابعة ومنه سمعة ابن عباس، ففي (مسند أحمد) ج ٤ ص ٨٠ «ثنا عبد الرزاق قال: أنا ابن جريح قال: أنا عمرو بن دينار أنه سمع طاوساً يخبر عن ابن عن عمر ﵁ أنه نشد قضاء. رسول الله ﷺ في ذلك، فجاء حمل ابن مالك بن النابغ فقال: كنت بين بيتي امرأتي فضربت إحداهما الأخرى بمسطح فقتلتها وجنينها، فقضى النبي ﷺ في جنينها بغرة وأن تقتل بها. قلت لعمرو: لا، أخبرني عن أبيه بكذا وكذا قال: لقد شككتني» . ورواه أبي داود عن أبي عاصم عن أبن جريج بمعناه إلى قوله: «أن تقتل» وبعده: «قال أبو داود قال النضر بن شميل: المسطح وهو الصوبج. قال أبو عبيد: السطح عود الخباء» .
ورواه البيهقي ج٨ص٤٣ من طريق عبد الرزاق بنحوه وفيه من قول ابن جريج: «فقلت لعمرو: أخبرني ابن طاوس عن أبيه أنه قضاء بديتها وبغرة عن جنبيها. قال: لقد شككتني: ورواه النسائي من طريق عكرمة عن أبن عباس وفيه: «فرمت إحداهما الأخرى بحجر» . وروى الطبراني من طريق أبي المليح ابن أسامة
стр. 828
الهذلي عن حمل بن مالك: «أنه كان له امرأتان لحيانية ومعاوية ... فرفعت المعاوية حجراً فرمت به اللحيانية وهي حبلى فألقت جنيناً، فقال حمل لعمران بن عويمر: (أخي القاتلة) أدّ إلى عقل امرأتي، فأبى فترافعا إلى رسول الله ﷺ فقال: العقل على العصبة» . وذكره ابن حجر في ترجمة عمران من (الإصابة) .
الثاني: أخوالمقتولة عويم، ويقال: عويمر الهذلي. في ترجمته من (الإصابة) : «أخرج ابن أ «ي خثيمة والهيثم بن كليب والطبراني وغيرهم من طريق محمد بن سليمان بن سموأل أحد الضعفاء عن عمرو بن تميم بن عويم الهذلي عن أبيه عن جده قال: كانت أختي مليكة وامرأة منا يقال لها: أم عفيف ... تحت رجل منا يقال له: حمل بن مالك ... فضربت أم عفيف أختي بمسطح بيتها ... » ) .
الثالث: أسامة بن عمير الهذلي روى الطبراني من طريق أبي المليح بن أسامة الهذلي عن أبيه قال: «أتى النبي ﷺ بامرأتين كانتا عند رجل من هذيل يقال له: عمران بن عويم ... فقال عمران: يا نبي الله إن لها ابنين هما سادة الحي وهم أحق أن يعقلوا عن أمهم. قال: أنت أحق أن تعقل عن أختك ... » ذكره ابن حجر في ترجمة عمران من (الإصابة) وذكر في (الفتح) أن الحارث بن أبي أسامة أخرجه من طريق أبي المليح وفيه «فخذفت إحداهما الأخرى بحجر» .
الرابع: المغيرة بن شعبة وحديثه في (صحيح مسلم) وغيره من طرق عن منصور عن إبراهيم عن عبيد بن نضلة عن المغيرة وفيه «بعمود فسطاط» وفي رواية للترمذي «بحجر أو ع ود فسطاط ... » .
الخامس: أبو هريرة وحديثه في (الصحيحين) وغيرهما من طريق مالك عن ابن شهاب عن أبي سامة عن أبي هريرة «أن إمراتين من الهذيل رمت إحداهما الأخرى
стр. 829
فطرحت جنينها ... » وفي رواية أخرى في (الصحيحين) من طريق يونس عن أبن سهاب بسنده وفيه «فرمت إحداهما الأخرى بحجر فقتلها، وما في بطنها ... » وفي (صحيح البخاري) في «باب الكهانة» من «كتاب الطب» من طريق عبد الرحمن بن خالد عن أبن شهاب « ... فرمت إحداهما الأخرى بحجر فأصاب بطنها وهي حامل فقتلت ولدها الذي في بطنها ... » وفيه «ثنا قتيبة عن مالك عن ابن شهاب عن أبي سلمة عن أبي هريرة أن امرأتين رمت إحداهما الأخرى بحجر فطرحت جنينها ... » .
السادس: يزيدة الأسلمي أخرج أبوداوود والنسائي من طريق عبد الله بن يزيدة عن أبيه أن امراة حذفت (أو خذفث) امراة فأسقطت ... ونهى يومئذ عن الحذف» .
هذا ماتيسر الإشارة إليه من طريق القصة، وقد رأيت الاختلاف في الفعل أضرب هو أم رمي أم حذف أم حذف. وفي الآلة: مسطح -حجر- عمود فسطاط. والطريق العلمية في مثل هذا أن يجمع فإن لم يمكن فالترجيح. فقد بقال أما الفعل فحذف لأن الحذف هو الرمي عن جانب فكل حذف رمي، ولا عكس، وإنما كان ذلك سبباً للنهي عن الحذف لأن كلاً منهما رمي بحجر ولتقاربهما لفظاً. وقد يطلق على الرمي ضرب كما مر في بعض الروايات «ضربت امراة ضربتها بحجر» أما الآلة فقد يقال إنها حجر كان صوبجاً وذلك أن في رواية زوج المراة «بمسطح» وفي رواية عنه «بحجر» وفي رواية أخي المفتولة «بمسطح» والمسطح كلمة مشتركة يطلق على الصوبيج وهو ما يرقق به العجين ويخبز وقد يكون عند أهل البادية حجراً، ويطلق على عمود الخباء والفساط، فجاء في رواية منصور عن إبراهيم عن عبيدة عن المغيرة «بعمود فسطاط» وفي رواية «بحجر أو عمود فسطاط» وفي رواية الأعمش عن ابراهيم «بحجر» فكأنه كان في أصل الرواية «بمسطح» . فحمله بعضهم على احد معنييه وبعضهم على الآخر، وشك بعضهم. وفي رواية أبي المليح عن أبيه «بعمود خباء» وفي الأخرى منه «بحجر» فكأنه كان في
стр. 830
الأصل «بمسطح» وفي رواية أبي هريرة في (الصحيحين) «بحجر» ولم يختلف عليه، فإن اتجه ذاك التوجية وإلا فما اتفق عليه الشيخان أرجح. إذا تقرر هذا فنقول: إن حذف المراة صاحبتها بحجر ليس مما يتبين به مطلقاً لا قصد القتل. ^ ٨٧^
فإن قيل عدم استفصال النبي ﷺ يدل على أن القتل بمثل ذلك شبه عمد على كل حال، قلت: لم يذكر في شيء من الروايات اختلاف من الخصمين في القتل أعمد أم شبه العمد؟ ولا فغي موجبة بل تقدم في رواية أبي المليح عن حمل «فقال حمل لعمران بن عويمر (أخي القاتلة) أد إلى عقل أمرأتي فأبى فترافعا» في روايته عن أبيه «فقال عمران يانبي الله لها ابنين هما سادة الحي وهم احق أن أن يعقل عن أمهم» . فقد اتفق الخصمان فبل الترافع وبعده على أن في القتل دية على العاقلة، وإنما اختلفا في العاقلة التي تلزمها الدية في الواقعة الأخ أم الا بنان؟ ومعنى ذلك اتفاقهما على أن القتل شبه عمد. وافرض أن خصمين ترافعا إلى قاض فقال أحدهما إن اخت هذا قتلتن أختي شبه عمد وهو عاقلتها فأطالبه بالدية، فقال الآخر: قد صدق ولكن للقاتلة بنون وهم أحق أن يفعلوا عن أمهم. ألا ترى أنه لا حاجة بالقاضي إلى السؤال عن صفة القتل، لتصادق الخصمين على أنه شبه عمد، وإنما اختلفا في غيره؟
قول الأستاذ: «وقد أعل أبو حنيفة حديث الرضخ كما سيأتي» .
أقول في (تاريخ بغداد) ١٣/٣٨٧ من طريق «بشر بن مفضل قال: قلت لأبي حنيفة ... قتادة عن أنس أن يهودياً رضخ رأس جارية بين حجرين فرضخ النبي ﷺ رأسه بين حجرين. قال هذيان» . فهل هذا إعلال؟ ! قال الأستاذ ص ٨٠: وأما حديث الرضخ فمروي عن أنس بطرلايق هشام بن زيد، وأبي قلابة عنعنة، وفيه القتل بقول المقتول من غير بينة، وهذا غير معروف في الشرع، وفي رواية قتادة عن أنس إقرار القاتل لكن عنعنة قتادة متكلم فيها (١) . ثم راح يتكلم
стр. 831
في أنس ﵁.
أقول: أما هشام فهو هشام بن زيد بن أنس بن مالك وحديثه هذا عن جده في (الصحيحين) وغيرهما، وهشام غير مدلس وسماعة من جده أنس ثابت، ومع ذلك فالراوي عنه شعبة ومن عادته التحفظ من رواية ما يخشى فيه التدليس، وحديثه في (الصحيحين) .
ومن عادتهما التحرز عما يخشى فيه التدليس فسماع هشام لهذا الحديث من جده أنس بن مالك ثابت على كل حال. وأما أبو قلابة فهو عبد الله بن زيد الجرمي وقد قال فيه أبو حاتم: «لا يعرف له التدليس» وذكر ابن حجر في ترجمة من (التهذيب) ما يعلم منه أن معنى ذلك أن أبا قلابة لا يروى عمن قد سمع منه إلا ما سمعه منه. وقد ثبت سماعه من أنس كما في قصة العرنيين وغيرهما وحديثه في (الصحيح) أيضا، فالحكم في حديثه هذا أنه سمعه من أنس.
أما قتادة فمدلس لكنه قد صرح بالسماع. قال البخاري في (الصحيح) في «باب إذا أقر بالقتل مرة قتل به» : حدثني إسحاق أخبرنا حيان حدثنا همام حدثنا قتادة حدثنا أنس أبن مالك أن يهودياً رض رأس جارية بين حجرين ... فجئ باليهودي فأعترف، فأمر به النبي ﷺ فرض رأسه بالحجارة» . وقد قال همام: - «بحجرين» وفي «مسند أحمد» ٣٦ ص٢٦٩: «ثنا عفان قال ثنا همام قال: أنا قتادة أن أنساً أخبره ... فأخذ اليهودي فجيء به فاعترف» وتمام الكلام في (الطليعة) ص ١٠١-١٠٣ وترجمة أنس من قسم التراجم، وفي مقدمة (التنكيل) أوائل الفصل الثالث وفي أثناء الفصل الخامس.
قال الأستاذ: «ومن رأية (يعني أبا حنيفة) أيضاً أن القود بالسيف فقط تحقيقاً لعدم الخروج عن المماثلة المنصوص عليها في الكتاب» !
أقول: الخروج عن المماثلة كمل يكون بالعدوان، فكذلك يكون بالنقصان، وكما
стр. 832
أن العدل يقتضي منع الولي من الاعتداء فكذلك يقتضي تمكينه من الاستيفاء، ومن قتل إنساناً ظلماً برضخ رأسه بالحجارة فالقصاص أن يقتل مثل تلك القتلة، فإن قيل: ربما يقع في هذا زيادة فخفيفة غير مقصودة ولا محققة ولا مانعة من أن يقال: إنه قتل مثل قتلته، وفي تمكين الولي من ذلك شفاء لغيظة، وتطييب لنفسه، وزجر للناس، وردع عم الجمع بين القتل ظلماً وإساءة القتلة، وقد شرع الله ﵎ رجم الزاني المحصن إبلاغاً في الزجر، والقتل ظلماً أشد من الزنا. نعم قال الله ﵎ «وجزاء سيئةٍ سيئةٌ مثلها فمن عفا وأصلح فأجره على الله» وكما أن العفوقد يكون بترك المجازاة البتة فقد يكون بتخفيفها فغاية الأمر أن يكون الاقتصاص بضرب العنق أولى، وعلى هذا يحمل ما ورد في ذلك على ذلك على ضعفه ومعارضة غيره له. والله الموفق.
стр. 833
المسألة الثالثة عشرة: لا تعقل العاقلة عبداً
قال الأستاذ ص ٢٤: «قول صاحب القاموس (ع ق ل) : وقول الشعبي لا تعقل العاقلة عمداً ولا عبداً ... معناه أن يجني على عبد ... قال الأصمعي: كامت أبا يوسف بحضرة الرشيد فلم يفرق بين عقلته وعقلت عنه حتى فهمته» قال الأستاذ: «وعقلته يستعمل في معنى غقلت عنه، قال الأكمل في (العناية) : وسباق الحديث وهو: لا تعقل العاقلة عمداً. وسياقه وهو: «ولا صلحاً ولا اعترافاً» يدلان على ذلك لأن معناه: عمن عمد وعمن اعترف اه ويؤيده ما أخرجه أبو يوسف في (الآثار) عن أبي حنيفة عن حماد بن غبراهيم أنه قال: لا تعقل العاقلة العبد إذا قتل خطأ. وما أخرجه محمد بن الحسن في (الموطأ) عن عبد الرحمن بقن أبي الزناد عن أبيه عن عبيد الله بن عبد اله بن عتبة بن مسعود عن أبن عباس قال: لا تعقل العاقلة عمداً ولا صلحا ولا أعترافاً ولا ما جنى المملوك ... اه وما جنى المملوك نص على أن المراد بقوله: لا تعقل العاقلة عبداً أن العاقلة لا تعقل عن العبد الجاني رغم كل متقول. وأخرج البيهقي بطريق الشعبي عن عمر: العمد والعبد والصلح والاعتراف لا تعقله العاقلة. ثم قال: هذا منقطع، والمحفوظ أنه من قول الشعبي» ثم حكى عبارة أبي عبيد وفي آخرها «قال أبو عبيد فذا كرت الأصمعي فقال: القول عندي ما قال ابن أبي ليلى وعليه كلام عرب، ولو كان المعنى على ما قال أبو حنيفة لكان: لا تعقل العاقلة عن عبد» ثم قال الأستاذ: « ... ولا منافاة بين هذا وبين أن يأتي في لسان العرب: عقل عنه. بمعنى: ودى. بل:
стр. 834
عقله. في هذا الباب بمعنى: عقل عنه. على الحذف والإيصال لأأن أصل الكلام: عقل فلان قولئم الجمال ليدفعها دية عن فلان. فاستغني عن المفعول الصريح وأو صل إلى المدفوع عنه بحذف -عن- وهذا من أسرار العربية، والقصد من الآثار المروية عن عمر وابن عباس وإبراهيم النخعي والشعبي واحد ... »
أقول: عاقلة الانسان عصبته على تفصيل معروف في كتب العلم، فإذا قتل حرّ حراً خطأ محظاً أو شبه عمد وثبت ببينة فالدية على عاقلة القاتلا، ومن الحكمة في ذلك أن أولياء المقتول يطلبون بثأره، ومن شأن عصبة القاتل أن تقوم دونه وهم محقون في ذلك فيقال لهم: من شأنكم أن تقدموا دونه فاغرموا مالزم بفعله. وإن كان القتل عمداً أو لم يثبت إلا باعتراف القاتل لم يلزم العاقلة شيء لأنهم قد يقولون في العمد: لوطلب دمه لم نقم دونه ولا يحل لنا ذلك وهو أو قع نفسه باختياره. ويقولون في الاعتراف: هو جر البلاء باختياره وهكذا إذا لم يلزم شيء إلا بمصالحته لأن ذلك كاعترافه.
وبقيت مسألتان:
الأولى: أن يقتل عبد حراً فليس في هذا شيء على عاقلة العبد ولا على عاقلة سيده. أما عاقلة العبد فلأنه مادام عبداً في معنى الأجنبي عنهم، وأما عاقلة سيده فلأنهم يقولون: القاتل المطالب هو العبد ولا شأن لنا به ولا نقوم دونه.
الثانية: أن بقتل حر عبداً فقيل: إذا كان عمداً ثبت القود، وقيل: لا قود بحال، لأن هذا ليس من مظنة الفتنة، فإن سيد العبد لا يهمه أن يأخذ بثأر عبده وإنما يهمه أن يأخذ مالاً يستعيض به منه. فأما إذا كان خطأ محضاً أو شبه عمد فلا قود اتفاقاً وإنما يجب المال، واختلفوا في الواجب فقال قوم: الواجب قيمة العبد بالغة ما بلغت، لأن سيده يستحق ما يعادل ما فاته ومقدار ذلك معروف وهو القيمة كما لو كان المقتول فرساً، وإلى هذا رجع أبو يوسف وهو قول الشافعي وغيره. وقيل: الواجب دية لكن مقدارها هو القيمة بشرط أن لا تساوي دية الحر ولا تزيد عليها فإن ساوت أو زادت لم يجب إلا دون دية الحر بعشرة، وهذا قول أبي حنيفة ولا
стр. 835
يخفى ما فيه. ثم اختلفوا في تعزيم العاقلة، فقال قوم: ليس عليها شيء لأنه إن كان الواجب قيمة فكما لو كان المقتول فرساً، وإن كان دية فليس من شأن سيد العبد أن يطلب دم القاتل فيكون ذلك من مثار تعصب عاقلته. وقال أبو حنيفة: تلزم العاقلة. احتج مخالفوه بما روي عن الشعبي: لا تعقل العاقلة عمداً ولا عبداً ولا صلحاً ولا اعترافاً. فقال أبو حنيفة: إنما معنى هذا وارد في المسألة الأولى، وهي أن يكون العبد هو القاتل فرده الأصمعي بما مر وأجاب الأستاذ بما سمعت.
وأقول: أما ما ذكر عن إبراهيم، فقوله: «قتل» لا أدري أبا لبناء للفاعل أم المفعول، فإن كان للمفعول وهو الظاهر فهو نص في خلاف قول أبي حنيفة. فإن قيل: رواية أبي حنيفة له تدل على أنه عنده بالبناء للفاعل، قلنا: بل رواية أبي يوسف له تدل أنه عنده بالبناء للمفعول، والحق اطراح هذين فإن إبراهيم تابعي، والعالم كأبي حنيفة وأبي يوسف قد يروي من أقوال التابعين ما لا يقول به، لكن إذا ثبت أن المعروف في اللغة عقلت القتيل. دون: عقلت القائل. تبين أن الفعل في قول إبراهيم مبني للمفعول وهو الظاهر.
وأما الأثر عن أبن عباس فليس من الواجب مطابقته لما روي عن غيره، بل هي خمس مسائل اتفق القولان على ثلاث، وانفرد كل منها بواحدة، ويتعين الجزم بهذا إذا كان المعروف في اللغة: عقلت القتيل، لا عقلت القائل. فتبين أن المدار على اللغة.
فأما ما ذكره صاحب (العناية) فليس بشيء، بل المعنى لا تعقل العاقلة دية عمد ولا قيمة عبد ولا واجب صلح ولا واجب اعتراف. وأما تحقيق الأستاذ فيقال له: العبارة التي زعمت أنها الأصل وهي «عقل فلان قوائم الإبل ليدفعها دية عن فلان» إنما تعطي بمقتضى العربية أن فلاناً الثاني هو القاتل فإننا نقول: «دفعت عن فلان الدين الذي عليه، وأديت عنه الدية التي لزمته» ويصح أن يقال بهذا المعنى: «وديت عنه» أي: أديت عنه الدية التي لزمته، فأما المقتول فإنما يقال: «وديته» وقد يقال: هذه دية من القتيل أي بدل عنه قال الشاعر:
стр. 836
عقلنا لها من زوجها عدد الحصى
قال ابن قتيببة في (كتاب المعاني) : «يقول قتلنا زوجها فلم تجعل عقلة إلا همها ... والمفعول يولع بلقط الحصى وعدة» و «من» هذه هي البدلية متلها في قةله تعالى: «ٌ أرضيتم بالحياة الدينا من الآخرة» وفي صغار كتب العربية أن «عن» للمجاوزة، وإذا أديت الدية فإنما جعلتهال تجاوز ذمة القاتل كما تقول: اديت عن فلان الدين الذي كان عليه، ولا معنى لمجاوزنها المقتول.
وبعد فلا ريب أن الأصل «عقلت قوائم الإبل، لكن استغنوا عن القوائم على كل حال فقالوا: «اعقل ناقتك» ثم كثر عقل الإبل في الدية فاستغنوا في ذكر الدية عنلفظ الإبل، يقول ولي المقتول أو المصلح: اعقلوا. ويقول أولياء القايل سنعقل. وكثر ذلك حتى صار المتبادر من العقل في قضايا القتل معنى الدية فاستعمل في معناها حتى جمع جمعها فقيل: «عقول» بمعنى «ديات» فإذا قيل في قضايا القتل: عقلته. فمعناه: وديته. أي أديت ديته. وإذا قيل: عقلت عنه. فالمعنى: وديت عنه. أي أديت عنه الدية التي كانت مستقرة عليه فجعلتها تجاوزه. هذا هو المعروف في العربية.
стр. 837
المسألة الرابعة عشرة: تقطع يد السارق في ربع دينار فصاعداً
في (تاريخ بغداد) ١٣/٣٩١ حكايتان عن أبي عوانة «كنت عند أبي حنيفة جالساً فأتاه رسول من قبل السلطان ... فقال يقول الأمير: رجل سرق ودياً فما ترى؟ فقال غير متعتع: ان كانت قيمته عشرة دراهم فاقطعوه ... » قال الأستاذ ص٩٢: «قال الامام محمد بن الحسن الشيباني في (الآثار) : أخبرنا أبو حنيفة عن حماد عن إبراهيم: لا يقطع السارق في أقل من ثمن المجن، وكان ثمنة يومئذ عشرة دراهم ولا يقطع بأقل من ذلك ... قال الإمام محمد في (الموطأ) : قد اختلف الناس فيما تقطع اليد في أقل من عشرة دراهم ورووا ذلك عن النبي ﷺ وعن عمروعن عثمان وعن على وعن عبد الله بن مسعود وعن غير واحد فإذا جاء الاختلاف في الحدود أخذ فيها بالثقة وهو قول أبي حنيفة والعامة من فقهائنا. يعنى أن ربع الدينار نحوثلاثة دراهم والحدود أخذ فيها بالثقة وهو قول أبي حنيفة والعامة من فقهائنا. يعنى أم ربع الدينار نحوثلاثة دراهم والحدود مما يدراً بالشبهات فالأ خذ برواية عشرة دراهم في القطع أحوط فيؤخذ بها حيث لم يعلم الناسخ من المنسوخ من تلك الآثار المختلفة» .
أقول: رأيت للحنفية مسالك في محاولة التخلص من الأحاديث الصحيحة في هذه المسألة نشطت للنظر فيها هنا.
المسلك الأول هذا الذي تقدم، وحاصله أن الدليلين إذا تعارضا عمل بالناسخ،
стр. 838
فإن لم يعلم فبالراجح. تعارضت الأدلة هنا ولم يعلم الناسخ فتعين العمل بالراجح. ومن المرجحات نفي الحد , أي أنه كان أحد الدليلين المتعارضين مثبتاً لحد والآخر نافياً له , كان ذلك مما يقتضي ترجيح الثاني. فالأحاديث الموجبة للقطع في ربع دينار مثبتة للحد في ما ساوى ذلك وما زاد عليه. والأحاديث الدالة على أنه لا قطع في أقل من عشرة دراهم نافية للحد فيما ذلك , فجاء التعارض فيما يساوى ربع دينار أو يزيد عله ولكنه لا يبلغ العشرة , ولم يعلم الناسخ فترجح النافي.
والجواب عن هذا أن ما يذكر في أنه لا قطع فيما دون العشرة لا يثبت كما ستراه مفصلاً فليس بدليل أصلاً. هبه ثبت فعد نفي الحد من المرجحان فيه نظر , وما يذكر فيه من السنة لا يثبت. هبه ثبت فلا حجه فيه للاتفاق على أن الحد يثبت بخير الواحد ونحوه مما يقول الحنفية أنه دليل فيه شبهة , وإنما الشبهة التي يدراً بها الحد ما يقتضي عذراً ما للفاعل كمن أخذ ماله فيه حق , فإن له أن يقول: لم أسرق وإنما توصلت إلى أخذ حقي, وكالواطئ في نكاح بلا ولي فإن له أن يقول لم أزن وإنما أتيت امرأتي. فأما من يقول سرقت عالماً بأن السرقة حرام , لكن قد تعارضت الأدلة في أن سرقتي هذا توجب الحد. فلا عذر له , ولا يدرأ عنه الحد , كما لا يدرأ عمن قال: «سرقت عالماً» بأن السرقة حرام , ولكن لم أعلم بأن حكم الإسلام قطع يد السارق. بل ذاك أولى فإنه إذا لم يعذر بجهل وجوب الحد من أصله فكيف يعذر بالتردد ? هبه ثبت أن نفي الحد من مقتضيات الترجيح. فللمثبت مرجحات أقوى من ذلك كما ستراه إن شاء الله.
المسلك الثاني للطحاوي. بدأ في كتاب (معاني الآثار) بذكر حديث ابن عمر «أ، رسول الله ﷺ قطع في مجن ثمنة ثلاثة دراهم» وهو في (الموطأ) و (الصحيحين) وغيرها، رواه مالك وجماعة عن نافع عن أبن عمر فهو في أعلى درجات الصحة.
ثم ذكر الطحاوي أنه لا حجة فيه على أنه لا يقطع فيما دون ذلك. ثم روي من طريق أبي واقد صالح بن محمد بن زائدة عن عامر بن سعد بن أبي وقاص عن أبيه رفعه «لا يقطع السارق إلا في ثمن المجن» قال الطحاوي: «فعلمنا
стр. 839
بهذا رسول الله ﷺ وقفهم عند قطعة في المجن على أنه لا يقطع فيما قيمته أقل من قيمة المجن» .
أقول: أبوواقد هذا ذكر بصلاح في نفسه وغزو، قال أحمد: «ما رأى به بأساً» لكنهم ضعفوه في روايته، قال ابن معين: «ضعيف الحديث» وضعفه أيضاً على أبن المديني والعجلي وأبو زرعة وأبو داود والنسائي وأبو أحمد والحاكم وابن عدي، وقال البخاري وأبو حاتم والساجي: «منكر الحديث» . وقال ابن حبان: «كان ممن يقلب الأخبار والأسانيد ولا يعلم، ويسند المرسل ولا يفهم، فلما كثر ذلك في حديثه وفحش استحق الترك» ومما أنكروه عليه حديثه عم سالم عن أبيه عن عمرورفعه: «من وجدتموه قد غل فأحرقوا متاعه» قال البخاري: «وحديث الباطل ليس له أصل» وقد ذكر الطحاوي حديثه هذا عن سالم في (مشكل الآثار) على ما في (المعتصر) ج٢ص٢٣٨، (١) وفي (المعتصر) عن الطحاوي: «وكتاب الله يخالف ذلك، قال الله تعالى: «والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما جزاءً بما كسبا» فإذا لم يكن في سرقة مال ليس للسارق فيه شركة سوى قطع اليد لا جزاء له غير ذلك فأحرى أن لا يجب عليه في غلول مال له فيه حظ إحراق رحله» .
أقول: دلالة الآية على أنه لا جزاء غير ذلك دلالة لا يقول بها الجمهور. وعلى القول بها فإنما يتجه ما بناه الطحاوي عليها لو كان على الغال قطع إذ يقال ليس على السارق إلا القطع مع أنه لا شبهة له فكيف يزاد الغال على مع أن له شبهة؟ . فإما أن يكون على السارق الذي لا شبهة له القطع وليس على الغال على لشبهته قطع ولكن عليه عقوبة دون ذلك. فليس في هذا ما ينكر، كما أن الزاني المحصن الرجم فقط وليس على غير المحصن رجم ولكن عليه الجلد. وكما أن من ارتكب موجب الحد يحد ولا يعزر ومن ارتكب ما دون ذلك لم يحد ولكنه يعزر.
رد الطحاوي حديث أبي واقد في الغال بدعوى مخالفة لا حقيقة لها , لدلالة لا
стр. 840
يقول بها الجمهور، ثم احتج بحديث أبي واقد نفسه هنا مع مخالفة محققة لدلالة متفق عليها من الآية نفسها , فإن حديثه هنا ينفي القطع عن عدد كثير يحق على كل منهم اسم «السارق» وهم كل من كان مسروقة أقل من قسمة المجن والآية توجب بعمومها قطع كل من يحق عليه - ٩٥-
اسم «السارق» ودلالة العموم متفق عليها بل يقول الحنفية أنها قطعية. ثم يبالغ الطحاوي فيقول «فعلمنا بهذا ... » كأنه يرى أبا واقد معصومها يوجب حديثه العلم. ويجعل ذلك أمراً مفروغاً منه , وإنما الشأن في معرفه قيمة المجن؟
ومع ذلك نجاري الطحاوي في النظر في القيمة المجن. ذكر الطحاوي أن بعض أهل العلم يقول إنها ثلاثة دراهم بحديث ابن عمر السابق. قال: «وخالفهم في ذلك آخرون فقالوا: لايقطع السارق إلا فيما يساوي عشرة دراهم فصاعداً , واحتجوا في ذلك بما حدثنا ابن أبي داود (وهو إبراهيم بن سامان داود الأ سدي البرلسي) و (أبو زرعة) عبد الرحمن بن عمروالدمشقي قالا: ثنا أحمد بن خالد الوهبي قال. ثنا محمد بن إسحاق عن أيوب بن موسى عن عطاء عن ابن عباس قال كان قيمه المجن الذي قطع فيه النبي ﷺ عشرة دراهم»
أقول: ابن إسحاق متكلم فيه وفي حفظه شيء كما في (الميزان) ، وقد اضطرب في الخبر كما يأتي فخبره هذا غير صالح للحجة أصلا فكيف يعارض به حديث (الموطأ) و (الصحيحين) وغيرهما المتواتر عن نافع عن ابن عمر؟ ومع هذا فالظاهر أن هذا لفظ ابن أبي داود كما يشير إلى ذلك تقديم الطحاوي له، فأما، فأما الدمشقي فقال الحاكم في (المستدرك) ج ٤ ص ٣٧٨: «حدثنا أبو العباس محمد يعقوب (الأصم) ثنا أبو زرعة الدمشقي ثنا أحمد ابن خالد الوهبي ثنا محمد بن إسحاق عن أيوب بن موسى عن عطاء عن ابن عباس قال: كان ثمن المجن على عهد رسول الله ﷺ يقوم عشرة دراهم» . وهذا هو الصواب من حديث الوهبي كذلك أخرجه الدارقطني في (السنن) ص ٣٦٩: «نا محمد بن إسماعيل الفارسي نا أحمد بن عبد الوهاب بن نجدة نا أحمد بن خالد الوهبي» وكذلك أخرجه البيهقي في (السنن)
стр. 841
ج٨ ص ٢٥٧: «ثنا أبوطاهر الفقيه أنبأ ابوبكر القطان ثنا أحمد بن يوسف السلمي ثنا أحمد بن خالد الوهبي ... » كلاهما بلفظ الأصم عن الدمشقي إلا أن ابن نجدة قدم كلمة «يقوم» ذكرها بعد كلمة «المجن» فإن قيل فالمعنى واحد. قلت: كلاّ، لفظ الطحاوي يجعل العشرة قيمة «المجن الذي قطع
فيه النبي ﷺ » والمحفوظ وهو لفظ الدمشقي وأبن نجدة والسلمي يجعلها قيمة المجن مطلقاً كما تقوم: كانت الغنم رخيصة في عهد فلان، كان ثمن الشاة يقوم درهمين. فإن قيل وكيف يستقيم ذلك والمجان تختلف جودة ورداءة، وجدة وبلى، وسلامة وعيباً، وترخص في وقت وتغلوفي آخر؟ قلت: كأن قائل ذلك بلغه أن أقل ما قطع فيه النبي ﷺ مجن ورأى أنه لا ينبغي القطع في أقل من ذلك، وأعوزه أن يعرف ذاك المجن أو يعرف قيمته على التعين أو يجد دليلاً يغنيه عن ذلك، ففزع إلى اعتبار جنسه ليحمله على أقصى المحتملات احتياطاً، أو على أولاها في نظره، فرأى أن العشرة أقصى القيم أو أو سطها أو غالبها أو أقصى الغالب أو أو سطه. فإن قيل فهلا تحمل كلمة «المجن» في لفظ الجماعة على ذلك المجن المعهود الذي قطع فيه النبي ﷺ فتوافق لفظ الطحاوي؟ قلت: يمنع من ذلك أمور.
الأول: أن الظاهر إرادة الجنس.
الثاني: قوله «كان ... يقوم» وهذا يقتضي تكرار التقويم ولا يكون ذلك في ذاك المجن المعين.
الثالث: أنه لا داعي إلى حمل المحفوظ على الشاذ بما يخالف الحديث الثابت المحقق وهو حديث ابن عمر. فإن قيل قد يكون ابن عمر قوم باجتهاده فقال: عشرة. قلت: هذا باطل من أوجه.
الأول: أن الواجب في التقويم أنه إذا رفعت إلى الحاكم سرقة فكان المسروق مما لا يعلم لأول وهلة أنه بالقدر الذي يقطع فيه أو لا أن يبدأ الحاكم فيأمر العدول
стр. 842
العارفين بتقويم المسروق، وابن عمر في دينه وتقواه وورعه وعلمه بأنه سيبنى على خبره قطع أيد كثيرة لا يظن به أن يجزم إلا مستنداً إلى ما جرى به التقويم بحضرة النبي ﷺ .
الثاني: أن أثبت الرويات وأكثرها عن ابن عمر بلفظ: «ثمنه» كما تراه في (صحيح البخاري) مع (فتح الباري) وأصل الفرق بين الثمن والقيمة أن الثمن هو ما يقع عوضاً عن السلعة، والقيمة ما تقوم به السلعة فمن اشترى سلعة بثلاثة دراهم، وكانت تساوي أكثر أو أقل فالثلاثة ثمنها، والذي تساويه هو قيمتها، فإذا أتلف رجل سلعة الآخر فقومت بثلاثة دراهم فقضى بها الحاكم فقد لزمت الثلاثة عوضاً عن السلعة، فصح أن تسمى ثمناً لها فهكذا السلعة المسروقة لا يحسن أن يقال: «ثمنها ثلاثة دراهم» إلا إذا كانت قومت بأمر الحاكم بثلاثة دراهم فقضى بحسب ذلك. وكأن هذا هو السر في اعتناء البخاري باختلاف الرواة في قول بعضهم «ثمنه» وبعضهم «قيمته» مع أن قول بعضهم «قيمته» لا يخالف ما تقدم، لأن ما وقع به التقويم فالقضاء يصح أن يسمى «قيمته» لكن مالم يعلم أنه وقع به التقويم فالقضاء، فإنه لا يصح أن يسمى ثمناً فتدبر.
الثالث: أن ابن عمر لوبنى على حدسه لكان الغالب أن تتردد.
الرابع: أن الاختلاف في تقويم السلعة بين عارفيها وعارفي قيم جنسها في المكان والزمان الواحد لا يكون بهذا القدر، يقول هذا: ثلاثة. ويقول الآخر: عشرة. قال ابن حجر في (الفتح) : «محال في العادة أن يتفاوت هذا فقد جاء في بعض الروايات عن أبن عمر كما في (سنن أبي داود) والنسائي «أن النبي ﷺ قطع يد السارق سرق ترساً صفة النساء ثمنه ثلاثة دراهم (١) وهذا يدل على إتقان ابن عمر للواقعة ومعرفة بها فهو المقدم على غيره.
هذا كله على فرض صحة خبر ابن
стр. 843
إسحاق، وقد علمت أنه لا يصح، وسيأتي تمام ذلك والصواب مع صرف النظر عن الصحة أن القائل عشرة دراهم إنما نظر إلى الجنس على ما تقدم بيانه.
فإن قيل فقد قال أبو داود في (السنن) : «حدثنا عثمان بن أبي شيبة ومحمد بن إسحاق عن أيوب بن موسى عن عطاء عن ابن عباس قال: قطع رسول الله ﷺ يد رجل في مجن قيمته دينار أو عشرة دراهم» .
قلت: هذا لفظ ابن أبي السري كما صرح به أبو داود، وابن أبي السري وإن حكى أبن الجنيد أن ابن معين وثقة فقال قال أبو حاتم «لين الحديث» وقال مسلمة: «كان كثير الوهم وكان لا بأس به» وقال ابن وضاح: «كان كثير الغلط» ، وقال ابن عدي «كثير الغلط» . والمحفوظ عن ابنن نمير كما تقدم نا شعيب بن أيوب نا عبد الله بن نمير ... » والظاهر أن لفظ عثمان بن أبي شيبة هكذا.
فإن قيل: فقد قال ابن أبي شيبة في (المصنف ٩: «حدثنا عبد الأعلى عن محمد عن محمد بن إسحاق قال: حدثني أيوب بن موسى عن عطاء عن ابن عباس: لا يقطع السارق في دون ثمن المجن، وثمن المجن عشرة دراهم» وذكره البخاري في (التاريخ) ج١ قسم ٢ ص ٢٧ عن عياش عن عبد الأعلى نحوه. فكلمة «المجن» الأولى للعهد فكذلك الثانية.
قلت: ليس هذا بلازم با الثانية للجنس كما في غالب الروايات، على انه يمكن أن تكون الأولى للجنس أيضاً، ويمكن أن تكونا معاً للعهد، ولكن التقويم استنباطي على ما تقدم لا تحقيقي.
فإن قيل: فقد قال ابن التر كماني «قال صاحب (التمهيد) : ثنا عبد الوارث ثنا قاسم ثنا محمد يوسف ثنا ابن إدريس ثنا محمد بن إسحاق عن عطاء عن ابن عباس قاتل: «قوم المجن الذي قطع فيه النبي ﷺ عشرة دراهم» .
قلت: المحفوظ عن ابن إدريس ما قاله الدارقطني ص ٣٦٨: «ثنا ابن صاعد
стр. 844
ثنا ابن خلاد بن أسلم ثنا عبد الله بن إدريس عن محمد بن إسحاق عن عطاء عن ابن عباس قال: «كان ثمن المجن على عهد رسول الله ﷺ عشرة دراهم» سند الدارقطني أقصر وأثبت فإن محمد بن وضاح كان ممن يخطئ وقاسم بن أصبغ اختلط باخرة» .
هذا وقد اضطرب ابن إسحاق في هذا فرواه مرة عن عطاء عن ابن س كما هنا، ومرة عن أيوب بن موسى عن عطاء كما مر، وقال مرة عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده كما يأتي، ومرة عن عمرو بن شعيب عن عطاء أن ابن عباس كان يقول: «ثمنه يؤمئذ عشرة دراهم» أخرجه النسائي وذكره البخاري في (التاريخ) ج١ قسم ٢ ص ٢٧، ورواه مرة عن عمرو بن شعيب عن عطاء مرسلاً كما في (الفتح) ، ومرة عن أيوب بن موسى عن عطاء مرسلاً، لم يذكر فيهما ابن عباس رجعله من كلام عطاء، ذكر النسائي الثانية قال: «أخبرني محمد بن وهب قال: حدثنا محمد بن سلمة قال: حدثني ابن إسحاق عن أيوب بن موسى عن عطاء، مرسل» .
فإن قيل فقد قال أبو داود: «ورواه محمد بن سلمة وسعدان بن يحيى عن ابن إسحاق بإسناده» ظاهر هذا الوصل.
قلت: لم يذكر أبو داود من حدثه عن محمد بن سلمة، والنسائي ذكر ذلك وحققه فهو أولى. وفي كلام النسائي ما يدل على ترجيح الإرسال فإنه فإنه قال عقب ذلك: «أخبرني حميد بن مسعدة عن سفيان –هو ابن حبيب –عن العرزمى –هو عبد الملك بن أبي سليمان عن عطاء قال: أدنى ما يقطع فيه ثمن المجن. قال: وثمن المجن يؤمئذ عشرة دراهم» وفي (مصنف ابن أبي شيبة) : «حدثنا عبد الرحيم بن سليمان عن عبد الملك بن أبي سليمان عن عطاء قال: أدنى ما يقطع فيه السارق ثمن المجن. وكان يقوم المجن في زمانهم ديناراً أو عشرة دراهم» . وقال ابن التركماني: «في (كتاب الحجج) لعيسى بن أبان ... » ثم قال: «وفي (كتاب الحجج) عن
стр. 845
مصعب بن سلام ويعلى بن عبيد قلا: ثنا عبد الملك عن عطاء أنه سئل ما يقطع فيه السارق؟ قال ثمن المجن. وكان في زمانهم يقوم ديناراً أو عشرة درهم» .
وهذا الحديث في حكم مختلف فيه تعم به البلوى، وعطاء إمام جليل فقيه معمر، كان بمكة حيث ينتابها أهل العلم من جميع الأقطار، وله أصحاب أئمة حفاظ فقهاء كانوا أعلم به وألزم له ايوب بن موسى وعمرو بنشعيب، فلو كان عنده هذا الحديث عن ابن عباس لما فاتهم.
وهذا عبد الكلك بن أبي سليمان وهو من أثبت أصحاب عطاء وألزمهم له جاء عنه إلا قوله كما تقدم. وهذا عبد الملك بن أبي سليمان وهو من أثبت أصحاب عطاء لم يكن عنده عنه إلا قوله كما تقدم. وهذا ابن جريج أعلم أصحاب عطاء وألزمهم له جاء عنه أنه قال: «لزمت عطاء سبع عشرة سنة) ٩ وقال: «جالست عمرو بن دينار بعد ما فرغت من عطاء» زكان يدلس عن غير عطاء فأما عن عطاء فلا، قال: «إذا قلت: قال: عطاء فأنا سمعه منه وإن لم أقل سمعت» ، وإنما هذا لإنه كان يرى أنه قد استوعب ماعند عطاء فإذا سمع رجلاً يخبر عن عطاء بما لم يسمعه منه رأى أنه كذب فلم يستحل أن يحكيه عن عطاء. وهذا كما قال أبو إسحاق: «قال أبو صالح (ذكوان) و (عبد الرحمن بن هرمز الأعرج: ليس أحد يحدث عن أبي هريرة إلا أصادق هو أم كاذب» يريدان أنه إذا حدث عن أبي هريرة بما لم يسمعاه منه علما أنه كاذب، لأحاطتهما بحديث أبي هريرة. وقال الإمام أحمد: «ابن جريج أثبت الناس في عطاء» وكان ابن جريج يذهب إلى هذا المذهب، قال ابن التركماني: «في (مصنف عبد الرزاق) عن ابن جريج قال كان يقول: لا تقطع يد السارق في أقل من عشرة دراهم» . مع هذا كله لم يكن عند ابن جريج عن عطاء في هذا إلا ما ذكره الطحاوي في أواخر كلامه، قال: «حدثنا إبراهيم بن مرزوق قال: ثنا ابن عاصم ابن جريج قال: كان قول عطاء على قول عمرو بن شعيب: لا تقطع اليد في أقل من عشرة دراهم» وهذا يشعر بأن عطاء إنما أخذ هذا القول عن عمرو بن شعيب، وهذا عكس ما زعمه ابن إسحاق، أفيجوز أن يكون عند ابن جريج عن عطاء عن ابن عباس فيترك أن يقول: كان قول عطاء على قول ابن عباس. ويعدل إلى عمرو بن شعيب؟