← Акыда

Акыда · id 12769

قاعدة عظيمة في الفرق بين عبادات أهل الإسلام والإيمان وعبادات أهل الشرك والنفاق

ابن تيمية

Полный текст (145 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

قاعدة عظيمة في الفرق بين عبادات أهل الإسلام والإيمان و (بين) (١) عبادات أهل الشرك والنفاق تأليف شيخ الإسلام أحمد بن عبد الحليم بن تيمية المتوفى سنة ٧٢٨هـ رحمه الله تعالى تحقيق سليمان بن صالح الغصن دار العاصمة للنشر والتوزيع

стр. 2

/٢أ/ بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ قال شيخ الإسلام تقي الدين أحمد بن تيمية ﵁: الحمد لله نستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ونشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم تسليمًا.

стр. 3

«فصل» في الفرق بين عبادات أهل الإسلام، والإيمان، والهدى، والتوحيد، والإخلاص، والعلم، والشرع، المتبعين للأنبياء والمرسلين، وبين عبادات أهل الشرك، والنفاق، والجهل، والضلال، والبدعة، من المشركين، ومن ضاهاهم، من مبتدعة أهل الملل. فعبادات المسلمين مبنية على أصلين: أحدهما: أنهم لا يعبدون إلا الله وحده لا شريك له. والثاني: أنهم يعبدونه بما أمر وشرع لهم من الدين الذي بلغته رسله عنهُ. فهم يعبدون اللهَ، لا يشركون به شيئًا، ويتقونه، ويطيعون رسله كما أمرتهم الأنبياءُ بذلك. قال تعالى: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ أَنْ أَنْذِرْ قَوْمَكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ • قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ • أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ﴾ [نوح: ١-٣] . وكذلك ذكر عن هود وصالحٍ وشعيبٍ أنهم قالوا لقومهم: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [هود: ٥٠] . وقال عن المسيح: ﴿يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾ [المائدة: ٧٢] ، وقال: ﴿وَإِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ [مريم: ٣٦] .

стр. 4

/٢ب/ وكل من الرسل يقول: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ﴾ [الشعراء: ١٠٨] . وقال عن أمة محمدٍ ﷺ : ﴿وَيَقُولُونَ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنَا ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ﴾ [النور: ٤٧] ، ﴿إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ • وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾ [النور: ٥١-٥٢] فجعل الطاعة لله والرسول، وجعل الخشية والتقوى لله وحده. وقال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا مَا آتَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ سَيُؤْتِينَا اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ إِنَّا إِلَى اللَّهِ رَاغِبُونَ﴾ [التوبة: ٥٩] فجعل الإيتاء لله ورسوله. كما قال تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر: ٧] إذ كان الحلال ما حلّله الله ورسوله، والحرام ما حرمه الله ورسوله، والدين ما شرعه الله ورسوله. وجعل الحسب لله وحده، والرغبة إلى الله وحده، كما قال تعالى: ﴿قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾ [الزمر: ٣٨] ، وقال: ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾ [التوبة: ١٢٩] ، وقال: ﴿وَإِنْ يُرِيدُوا أَنْ يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ﴾ [الأنفال: ٦٢] ، وقال: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ

стр. 5

الْوَكِيلُ﴾ [آل عمران: ١٧٣] . فالله وحده هو حسب الرسول وجميع المؤمنين، كما قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأنفال: ٦٤] أي: هو وحده يكفيك، ويكفي من اتبعك. هذا معنى الآية عند جماهير السلف والخلف. وقوله: ﴿وَمَنِ اتَّبَعَكَ﴾ معطوف على محل الكاف وهو منصوب، كما تقول العرب: حسبك وزيدًا درهم. وقال الشاعر: ............................. فحسبك والضحاك سيف مهند /٣أ/ وهذا هو دين الإسلام الذي لايقبل الله دينًا غيره، لا من الأولين ولا الآخرين، وهو أن يعبد الله في كل وقتٍ بما أمر به في ذلك الوقت، فهو المعبود وحده دائمًا. قال الله تعالى: ﴿وَقَالَ اللَّهُ لَا تَتَّخِذُوا إِلَهَيْنِ اثْنَيْنِ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ • وَلَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَهُ الدِّينُ وَاصِبًا أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَتَّقُونَ﴾ [النحل: ٥١-٥٢] وواصبًا أي: دائمًا. هكذا قال جمهور المفسرين واللّغويين. ثم قال: ﴿أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَتَّقُونَ • وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ • ثُمَّ إِذَا كَشَفَ الضُّرَّ عَنْكُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْكُمْ

стр. 6

بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ • لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ فَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٥٢-٥٥] . لكن قد ت تنوع الشرائع كما كان النبي ﷺ يصلي أولًا إلى البيت (١) المقدس، قبل الهجرة وبعد الهجرة بضعة عشر شهرًا، ثم حوّله الله، فأمره أن يصلي إلى الكعبة، فتنوعت الشريعة، وفي كلا الحالين الدين واحد، وهو دين الإسلام، عبادة الله وحده لا شريك له. وفي الصحيحين عن النبي ﷺ أنه قال: «إِنَّا مَعَاشِرَ الْأَنْبِيَاءِ دِينُنَا وَاحِدٌ، الْأَنْبِيَاءُ إِخْوَةٌ لِعَلاَّتٍ» يعني: دينهم واحد وإن تنوعت شرائعهم. قال تعالى: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ﴾ [الشورى: ١٣] . وقال تعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ • مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ • مِنَ الَّذِينَ /٣ب/ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ [الروم: ٣٠-٣٢] . وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ • وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ • فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُرًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ [المؤمنون: ٥١-٥٣] .

стр. 7

وكذلك قال في حق الأنبياء: ﴿إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء: ٩٢] والأمة قد فسروها بالملة والدّين، أي: ملتكم ودينكم واحد، كقوله تعالى: ﴿بَلْ قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ • وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ﴾ [الزخرف: ٢٢-٢٣] . وإذا قيل: المراد به الناس، فالمعنى واحد، أي: ادعوا جميع الناس إلى عبادة الله وحده، كما (قال تعالى: ﴿أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾ [الشورى: ١٣] ) (١) ، قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء: ٢٥] وقال تعالى: ﴿وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ﴾ [الزخرف: ٤٥] ، وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل: ٣٦] ، وقال تعالى: ﴿يُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ أَنْ أَنْذِرُوا أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاتَّقُونِ﴾ [النحل: ٢] . و كل الأنبياء كانوا على الإسلام ، كما ذكر الله عن نوح أنه قال: ﴿فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَمَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [يونس: ٧٢] . /٤أ/ وقال عن الخليل: ﴿وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ • إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ • وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [البقرة: ١٣٠-١٣٢] .

стр. 8

وقال إبراهيم وإسماعيل: ﴿رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ﴾ [البقرة: ١٢٨] . وقال عن موسى: ﴿يَا قَوْمِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ﴾ [يونس: ٨٤] . وقال تعالى عن السحرة الذين آمنوا بموسى إنهم قالوا: ﴿رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ﴾ [الأعراف: ١٢٦] . وقال: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا﴾ [المائدة: ٤٤] . وقال يوسف الصديق: ﴿تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ﴾ [يوسف: ١٠١] . وقالت بلقيس: ﴿إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [النمل: ٤٤] . وقال عن أتباع المسيح: ﴿وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي قَالُوا آمَنَّا وَاشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ﴾ [المائدة: ١١١] . وقال تعالى: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ • إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ [آل عمران: ١٨-١٩] . قال قتادة في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ قال: شهادة أن لا إله إلا الله، والإقرار بما جاء من عند الله، وهو دين الله الذي شرع لنفسه، وبعث به رسله، ودل عليه أولياءه، ولا يقبل غيره، ولا يجزي إلا به. وقد ذم في كتابه من شرع دينًا لم ينزله، أو حلل أو حرم بغير وحي من الله، فقال تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ [الشورى: ٢١] .

стр. 9

/٤ب/ وذم المشركين على أنهم حرموا ما لم يحرمه، وأحلوا ما حرمه، وشرعوا دينًا لم ينزله، كما ذكر ذلك في سورة الأنعام والأعراف وغيرهما. فقال تعالى: ﴿وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا قُلْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ • قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [الأعراف: ٢٨-٢٩] . وقال تعالى: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ • قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: ٣٢-٣٣] . وقد قال في أول السورة: ﴿المص • كِتَابٌ أُنْزِلَ إِلَيْكَ فَلَا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ لِتُنْذِرَ بِهِ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ • اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ﴾ [الأعراف: ١-٣] .

стр. 10

«فصل» وأما دين أهل الشرك ، ومبتدعة أهل الكتاب، فهو دين لم ينزل الله به سلطانًا، إما أن يدعوا مع الله غيره من المخلوقات، أو يقولوا (١) : إنما نعبدهم ليقربونا إلى الله زلفى، ويقولون: هؤلاء شفعاؤنا عند الله. وإما أن يعبدوه بغير ما أمر وشرع، مما شرعه لهم شركاؤهم، أي الذين جعلوهم شركاء لله. كما قال تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ /٥أ/ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [التوبة: ٣١] . وقال تعالى: ﴿مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ • وَلَا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلَائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ٧٩-٨٠] . وقال تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلَا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلَا تَحْوِيلًا • أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا﴾ [الإسراء: ٥٦-٥٧] . أي: الذين يدعوهم المشركون هم يبتغون إلى ربهم

стр. 11

الوسيلة. قال ابن عباس ومجاهد: هم عيسى وأمه وعزير والملائكة والشمس والقمر والنجوم. وقال ابن مسعود: كان ناسٌ من الإنس يعبدون نفرًا من الجن فأسلم الجنيون، ولم يعلم الإنس الذين كانوا يعبدونهم بإسلامهم فتمسكوا بعبادتهم فعيَّرهم الله. وعلى كل قول ذم سبحانه من يدعوا مخلوقًا وذلك المخلوق يعبد الله؛ يتقرب (١) إليه، ويرجوه، ويخافه، فدخل في هذا جميع الملائكة، والأنبياء، والصالحون من الإنس والجن. فإذا كان المخلوق المعظم المقرب عند الله لا يجوز أن يدعى، فالعصاة لله من شياطين الإنس /٥ب/ والجن أولى ألا يدعوا، فقد تضمنت الآية ذم من يدعو غير الله مطلقًا. وبين أن ذلك المدعو لا يملك كشف الضر عنه ولا تحويله من موضع إلى موضع، وقال تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ • وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ [سبأ: ٢٢-٢٣] فبين تعالى أن المخلوق ليس له ملك، ولا شرك في الملك، ولا هو معين لله، ولكن غاية ما عنده الشفاعة، والشفاعة لا تنفع إلا لمن أذن له. وقال تعالى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ

стр. 12

هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [يونس: ١٨] . وقال تعالى: ﴿وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلَا شَفِيعٌ﴾ [الأنعام: ٥١] . وقال تعالى: ﴿وَذَكِّرْ بِهِ أَنْ تُبْسَلَ نَفْسٌ بِمَا كَسَبَتْ لَيْسَ لَهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيٌّ وَلَا شَفِيعٌ﴾ [الأنعام: ٧٠] . وقال تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ مَا لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا شَفِيعٍ أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ﴾ [السجدة: ٤] . وقال تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مَا مِنْ شَفِيعٍ إِلَّا مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾ [يونس: ٣] . وقال تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة: ٢٥٥] . وقال: ﴿وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ /٦أ/ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى﴾ [النجم: ٢٦] .

стр. 13

«فصل» و الضُّلاَّل يدعون إلى دين مجهول ، ليس معهم به سلطان منزل من الله. قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: ٣٣] . وقال تعالى: ﴿وَيَجْعَلُونَ لِمَا لَا يَعْلَمُونَ نَصِيبًا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ تَاللَّهِ لَتُسْأَلُنَّ عَمَّا كُنْتُمْ تَفْتَرُونَ﴾ [النحل: ٥٦] . وقال تعالى عن مؤمن آل فرعون: ﴿وَيَا قَوْمِ مَا لِي أَدْعُوكُمْ إِلَى النَّجَاةِ وَتَدْعُونَنِي إِلَى النَّارِ • تَدْعُونَنِي لِأَكْفُرَ بِاللَّهِ وَأُشْرِكَ بِهِ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَأَنَا أَدْعُوكُمْ إِلَى الْعَزِيزِ الْغَفَّارِ • لَا جَرَمَ أَنَّمَا تَدْعُونَنِي إِلَيْهِ لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ فِي الدُّنْيَا وَلَا فِي الْآخِرَةِ وَأَنَّ مَرَدَّنَا إِلَى اللَّهِ وَأَنَّ الْمُسْرِفِينَ هُمْ أَصْحَابُ النَّارِ﴾ [غافر: ٤١-٤٣] . وقال تعالى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَمَا لَيْسَ لَهُمْ بِهِ عِلْمٌ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ﴾ [الحج: ٧١] والسلطان: هو الوحي المنزل من الله. قال تعالى: ﴿أَمْ أَنْزَلْنَا عَلَيْهِمْ سُلْطَانًا فَهُوَ يَتَكَلَّمُ بِمَا كَانُوا بِهِ يُشْرِكُونَ﴾ [الروم: ٣٥] وقال تعالى: ﴿إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ﴾ [النجم: ٢٣] . والدين الذي نزل به الوحي هو الدين الذي شرعه الله ، وأهل الضلال يتبعون دينًا ليس موافقًا للشرع المنزل، ولا لهم به علم، بل يتبعون

стр. 14

أهواءهم وما يذوقونه ويجدونه في أنفسهم، بغير شرع ولا علم. ولهذا كان شيوخ أهل المعرفة يوصون باتباع الشرع والعلم ، /٦ب/ ويذمّون أهل العبادات الذين لا يتبعون الشرع والعلم، كما قال [تعالى] (١) : ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَمَا لَيْسَ لَهُمْ بِهِ عِلْمٌ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ﴾ [الحج: ٧١] . ولهذا طالب الله أهل الضلال بالعلم والسلطان، فقال تعالى: ﴿قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ الْأُنْثَيَيْنِ نَبِّئُونِي بِعِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [الأنعام: ١٤٣] فبين أن الصادق يكون معه علم بما قاله، فمن لا علم عنده فهو مفتر للكذب على الله. وقال تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرَامًا وَحَلَالًا قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ﴾ [يونس: ٥٩] . وقال تعالى: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ﴾ [النحل: ١١٦] . وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلَالًا طَيِّبًا وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ • إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاءِ وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ١٦٨-١٦٩] . وقال تعالى: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ﴾ [النساء: ١٧١] . وقال: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا الْكِتَابَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا

стр. 15

الْأَدْنَى وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا وَإِنْ يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُهُ يَأْخُذُوهُ أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِيثَاقُ الْكِتَابِ أَنْ لَا يَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ وَدَرَسُوا مَا فِيهِ وَالدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ • وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتَابِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ﴾ [الأعراف: ١٦٩-١٧٠] . # # #

стр. 16

/٧أ/ «فصل» والذين يروون الحديث عن النبي ﷺ نوعان: ثقات، وغير ثقات، وهؤلاء منهم من يتعمد الكذب، وأكثرهم لا يتعمدون الكذب، لكن يؤتى أحدهم من سوء حفظه، والعلماء تكلموا في هؤلاء، وهؤلاء؛ حفظًا للدين من الزيادة والنقصان. وكذلك الذين تكلموا برأيهم، ونظرهم، وفهمهم، وذوقهم، ووجدهم، وكلامهم نوعان: فما وافق فيه الرسول فهو حق، وما خالفه فهو خطأ، وأكثرهم لم يتعمد الخطأ، بل غلط، ومنهم يتعمد قول غير الحق، مع علمه بأنه غير الحق.

стр. 17

«فصل» وأفضل الخلق بعد الأنبياء، وأكملهم علمًا، ودينًا، واعتصامًا بحبل الله، واتباعًا لدين الإسلام الذي بعث الله به رسله، هم أصحاب رسول الله ﷺ . فإن أمة محمد ﷺ خير الأمم، وهم خير أمة محمد ﷺ ، كما ثبت في الصحاح من غير وجه عن النبي ﷺ أنه قال: «خَيْرُ الْقُرُونِ الْقَرْنُ الَّذِي بُعِثْتُ فِيهِمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ» . وقد أخبر سبحانه أنه رضي عن السابقين الأولين، ورضي عن الذين اتبعوهم إذا اتبعوهم بإحسان. فقال تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ /٧ب/ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [التوبة: ١٠٠] . وهؤلاء السابقون هم الذين بايعوا تحت الشجرة، وهم الذين أنفقوا من [قبل] (١) ، وقاتلوا قبل الفتح، والفتح هو الحديبية، كما قال تعالى: ﴿لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ

стр. 18

الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى﴾ [الحديد: ١٠] . وقد ثبت في صحيح مسلم عن النبي ﷺ أنه قال: «لَا يَدْخُلُ النَّارَ أَحَدٌ بَايَعَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ» . وفي الصحيحين عن جابر قال: قَالَ لَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ الْحُدَيْبِيَةِ: «أَنْتُمْ خَيْرُ أَهْلِ الأَرْضِ» وَكُنَّا أَلْفًا وَأَرْبَعَمِائَةٍ، وَلَوْ كُنْتُ أُبْصِرُ الْيَوْمَ لَأَرَيْتُكُمْ مَكَانَ الشَّجَرَةِ. وقد وعد الله هؤلاء ومن تبعهم بالحسنى. وكانت طريقة أصحاب محمد ﷺ أنهم يعبدون الله وحده بما أمرهم به نبيهم؛ فالحلال عندهم ما حلله، والحرام ما حرمه، والدين ما شرعه، يصلون الصلوات الخمس كما أمر الله في مواقيتها جماعة في المساجد، ويصومون شهر رمضان، ويحجون البيت العتيق، ويؤدون الزكاة، ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، ويجاهدون في سبيل الله، ويعبدون الله بسائر ما أمرهم به نبيهم، ولا يعبدون إلا الله، ولا يدعون غير الله، لا /٨أ/ مما في السماء ولا مما في الأرض، لا (١) الملائكة، ولا الكواكب، ولا الأنبياء، ولا تماثيلهم، بل قد علموا أن هذا كله من الشرك الذي حرمه الله ورسوله. ولا يدعون مخلوقًا، لا ملكًا، ولا جنيًّا، ولا بشرًا، لا نبيًا ولا غير نبي، لا عند قبره، ولا في مغيبه، لا (٢) يستعينون إلا بالله، ولا يستنصرون إلا بالله، ولا يتوكلون إلا على الله، ولا يدعون مخلوقًا غائبًا، ولا ميتًا، ولا يستغيثون به، ولا يشكون إليه، ولا يطلبون منه مغفرة، ولا هدى، ولا نصرًا، بل يطلبون هذا كله

стр. 19

من الله. ولا يفعلون كما يفعل النصارى فيستشفعون بالملائكة، أو الموتى من الأنبياء والصالحين، عند قبورهم أو غير قبورهم، ولا يقول أحد منهم: يا جبريل، يا ميكائيل، اشفع لي إلى الله، ولا يقول: يا إبراهيم، يا موسى، يا عيسى، اشفع لي إلى الله، كما يفعل النصارى، بل قد علموا أن الغائب لا يطلب منه شيء، والميت لا يُطلب منه شيء، وأن الملائكة لا يفعلون إلا ما أمرهم به ربهم، ولا يشفعون إلا لمن ارتضى، وكذلك الأنبياء والصالحين، ولكن يطلب من أحدهم في حياته الدعاء والشفاعة، كما كان الصحابة يطلبون من النبي ﷺ ذلك، وكما يطلب الخلق منه الشفاعة يوم القيامة، ﷺ تسليمًا.

стр. 20

«فصل» وكانوا يصلون الصلوات الخمس خلف /٨ب/ النبي ﷺ وخلف غيره من الأئمة. كان لكل دار من دور الأنصار مسجد، ولهم إمام يصلي بهم، إلا في الجمعة والأعياد، فإنهم كانوا يصلون ذلك خلف النبي ﷺ . هؤلاء أهل المدينة، وكانت المدينة كبيرة ولا سور لها، وإنما هي أماكن متفرقة، كل قبيلة لهم حدائق، ومسجد، ومقبرة، ومساكن يتميزون بها عن القبيلة الأخرى. واسم المدينة يتناول ذلك كله، لا يخرج عنها إلا الأعراب أهل العمود، كما قال تعالى: ﴿وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ﴾ [التوبة: ١٠١] والذين يفلحون الأرض هم من أهل المدينة، وهم الأنصار، ويسمى مسكن القبيلة دارًا، ويراد بلفظ الدار: القبيلة نفسها. وقد أمر النبي ﷺ باتخاذ المساجد في الدور، وأن تنظف، وتطيب. وفي الحديث الصحيح: «الْمَدِينَةُ حَرَمٌ مَا بَيْنَ عَيْرٍ إِلَى ثَوْرٍ» وعير هو: الجبل الذي عند ذي الحليفة، ظهره كظهر العير وهو الحمار، وثور هو: جبل صغير بجنب أحد، وهذا غير جبل ثور الذي بمكة، وقد اشتبه ذلك على بعض العلماء، وقد سمى ذلك كله مدينة وقال: «إِنِّي أُحَرِّمُ مَا بَيْنَ

стр. 21

لَابَتَيْهَا» . واللابة: الأرض التي تركبها حجارة سود، وقال له الأعرابي: ما بين لابتيها أهل بيت أفقر منا. فما بين لابتيها: هو الحرم وهو من المدينة، /٩أ/ وهو ما بين عير إلى ثور، وهو بريد في بريد. وكانوا يصلون على النبي ﷺ ويسلّمون عليه في صلاتهم، كما أمر الله ورسوله، فيقولون في التشهد: «السَّلَامُ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحْمَةُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ» ويصلون عليه كما علمهم، مثل أن يقولوا: «اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ، وَبَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ كَمَا بَارَكْتَ عَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ» ، وقد روي: «كَمَا صَلَّيْتَ (١) عَلَى إِبْرَاهِيمَ» وقد روي: «عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَآلِ إِبْرَاهِيمَ» .

стр. 22

وقد ثبت عنه في الصحيح أنه قال: «مَنْ صَلَّى عَلَيَّ مَرَّةً صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ عَشْرًا» ، وروي مثله في السلام: أنه من سلم عليه مرة، سلم الله عليه عشرًا. فهم إذا صلوا عليه وسلموا عليه، صلى الله عليهم وسلم عليهم. ولم يكن هذا السلام في الصلاة مما يرد عليهم النبي ﷺ فيه السلام، إنما كان ذلك إذا حيوه تحية يسمعها، فإذا سلموا عليه ردّ ﵈، وأما سلام الصلاة فهو كالصلاة عليه، الله هو الذي يصلي عليهم بالمرة الواحدة عشرًا، ويسلم عليهم بالمرة الواحدة عشرًا. ولمّا قبض الله نبيّه ﷺ ، كانوا على ما كانوا عليه في حياته، هم والتابعون يصلون خلف أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، في مسجده، وخلف /٩ب/ غيرهم، لكن هؤلاء الأربعة أمّوا الناس في مسجده، فأبو بكر وعمر صليا بالنّاس حتّى ماتا، وعثمان صلى بالناس حتّى حصر، وعلي صلى بالناس مدة مقامه بالمدينة قبل أن يذهب إلى العراق، وهؤلاء الأربعة بويع لهم في مسجده، ولهذا قال (١) أحمد بن حنبل: كل بيعة كانت بالمدينة فهي خلافة نبوة. وكان خلفاؤه الراشدون، هم ومن يصلي خلفهم في مسجده، يفعلون بعد موته كما كانوا يفعلون في حياته، يصلون الصلوات الخمس، وهم في الصلوات يصلون عليه، ويسلمون عليه، ويدعون الله تعالى في الصلاة

стр. 23

وخارج الصلاة، وقد علموا أن ذلك يكفيهم، ويغنيهم عن غيره، مما لم يأمرهم به النبي ﷺ ، ولم يشرعه لهم. وكان ﷺ لمّا مات قد دُفن في حجرة عائشة، وفيها كان مرضه، وكانت حُجَرُ أزواجه شرقي المسجد وقبلته، وهي متصلة بالمسجد، يخرج منها إلى المسجد، وقد ذكرها الله تعالى في قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾ [الحجرات: ٤] وهي بيوته وبيوت أزواجه، أضافها إليه في قوله: ﴿لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ﴾ [الأحزاب: ٣٥] وإلى أزواجه في قوله: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ﴾ [الأحزاب: ٣٣] . وفي الصحيحين عن عائشة ﵂: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ فِي مَرَضِهِ الذِّي لَمْ يَقُمْ مِنْهُ: «لَعَنَ اللَّهُ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ» وفي طريق أخرى: «غَيْرَ أَنَّهُ خَشِيَ - أَوْ خُشِيَ -[أَنْ يُتَّخَذَ مَسْجِدًا] (١) » . قالت عائشة: /١٠أ/ «وَلَوْلَا ذَلِكَ لَأُبْرِزَ قَبْرُهُ وَلَكِنْ خَشِيَ أَنْ يُتَّخَذَ مَسْجِدًا» وفي لفظ للبخاري: «غَيْرَ أَنِّي أَخْشَى أَنْ يُتَّخَذَ مَسْجِدًا» . وفي صحيح مسلم عن جندب بن عبد الله قال: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ قَبْلَ أَنْ يَمُوتَ بِخَمْسٍ وَهُوَ يَقُولُ: «إِنِّي أَبْرَأُ إِلَى اللَّهِ أَنْ يَكُونَ لِي مِنْكُمْ خَلِيلٌ، فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ اتَّخَذَنِي خَلِيلًا كَمَا اتَّخَذَ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا، وَلَوْ كُنْتُ مُتَّخِذًا مِنْ

стр. 24

أُمَّتِي خَلِيلًا لَاتَّخَذْتُ أَبَا بَكْرٍ خَلِيلًا، وَإِنَّ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ كَانُوا يَتَّخِذُونَ قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ وَصَالِحِيهِمْ مَسَاجِدَ، أَلَا فَلَا تَتَّخِذُوا الْقُبُورَ مَسَاجِدَ، إِنِّي (١) أَنْهَاكُمْ عَنْ ذَلِكَ» . وفي الصحيحين عن عائشة وابن عباس قالا: لَمَّا نُزِلَ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ طَفِقَ يَطْرَحُ خَمِيصَةً لَهُ عَلَى وَجْهِهِ، فَإِذَا اغْتَمَّ كَشَفَهَا عَنْ وَجْهِهِ، فَقَالَ وَهُوَ كَذَلِكَ: «لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ» . يُحَذِّرُ مَا فَعَلُوا (٢) . وفي الصحيحين عن أبي هريرة قال: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «قَاتَلَ اللَّهُ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى، اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ» . وفي رواية لمسلم: «لَعَنَ اللَّهُ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى، اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ» . وفي المسند وصحيح أبي حاتم أنه قال: «إِنَّ مِنْ شِرَارِ النَّاسِ مَنْ تُدْرِكُهُمُ السَّاعَةُ وَهُمْ أَحْيَاءٌ، وَالَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْقُبُورَ مَسَاجِدَ» . وفي موطأ مالك عنه ﷺ أنه قال: «اللَّهُمَّ لَا تَجْعَلْ قَبْرِي وَثَنًا يُعْبَدُ، اشْتَدَّ غَضَبُ اللَّهِ عَلَى قَوْمٍ اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ» .

стр. 25

وفي سنن أبي داود وغيره عن /١٠ب/ النبي ﷺ أنه قال: «لَا تَتَّخِذُوا قَبْرِي عِيدًا، وَصَلُّوا عَلَيَّ حَيْثُمَا كُنْتُمْ فِإِنَّ صَلَاتَكُمْ تَبْلُغُنِي» . وفي سنن سعيد بن منصور أن عبد الله بن حسن بن حسن بن [علي بن] (١) أبي طالب - وهو أجل الشرفاء الحسنيين في زمن تابعي التابعين - أنه رأى رجلاً ينتاب قبر النبي ﷺ فقال: يَا هَذَا إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «لَا تَتَّخِذُوا قَبْرِي عِيدًا وَصَلُّوا عَلَيَّ حَيْثُمَا كُنْتُمْ فَإِنَّ صَلَاتَكُمْ تَبْلُغُنِي» فَمَا أَنْتَ وَرَجُلٌ بِالْأَنْدَلُسِ مِنْهُ إِلَّا سَوَاءٌ.

стр. 26

وفي سنن أبي داود وغيره عن أوس بن أوس الثقفي أن النبي ﷺ قال: «أَكْثِرُوا عَلَيَّ مِنَ الصَّلَاةِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَلَيْلَةَ الْجُمُعَةِ فِإِنَّ صَلَاتَكُمْ مَعْرُوضَةٌ عَلَيَّ» فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ كَيْفَ تُعْرَضُ صَلَاتُنَا عَلَيْكَ وَقَدْ أَرَمْتَ؟ - أَيْ بَلِيتَ - فَقَالَ: «إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَ عَلَى الْأَرْضِ أَنْ تَأْكُلَ لُحُومَ الْأَنْبِياءِ» . وفي النسائي وابن حبان وغيرهما عن ابن مسعود عن النبي ﷺ أنه قال: «إِنَّ لِلَّهِ مَلَائِكَةً فِي الْأَرْضِ سَيَّاحِينَ يُبَلِّغُونِي عَنْ أُمَّتِي السَّلَامَ» . فقد أخبر أن الصلاة والسلام عليه يصل إليه من البعيد والقريب بقوله ﷺ : «صَلُّوا عَلَيَّ حَيْثُمَا كُنْتُمْ فَإِنَّ صَلَاتَكُمْ تَبْلُغُنِي» وقوله: «لَا تَتَّخِذُوا قَبْرِي عِيدًا» ، وكذلك السلام يصل إليه من القريب والبعيد بقوله: «إِنَّ لِلَّهِ مَلَائِكَةً سَيَّاحِينَ /١١/ يُبَلِّغُونِي عَنْ أُمَّتِي السَّلَامَ» فكل مسلم قال في صلاته: السلام عليك أيها النبي ورحمة [الله] (١) وبركاته؛ وصل ذلك إليه. وكان أصحابه والتابعون لهم بإحسان يعلمون أن هذا السلام أفضل من السلام عليه عند قبره الذي يرد جوابه، فإن سلام التحية شرك فيه جميع المؤمنين (٢) ، كما في الحديث: «مَا مِنْ رَجُلٍ يَمُرُّ بِقَبْرِ الرَّجُلِ كَانَ يَعْرِفُهُ فِي

стр. 27

الدُّنْيَا فَيُسَلِّمُ عَلَيْهِ إِلَّا رَدَّ اللَّهُ عَلَيْهِ رُوحَهُ حَتَّى يَرُدَّ ﵇» . وأمّا السلام إذا تعبد (١) به في الصلاة وغيرها فإن هذا السلام قد أمروا به في كل صلاة، وهذا السلام يسلم الله على العبد بكل مرة عشرًا، وذلك السلام هو ﷺ يرد عليهم، كما كان يرد السلام على من سلّم عليه في حياته. وكان الصحابة كلهم يسلمون عليه في كل صلاة، وإنما يأتيه من يأتيه منهم بعض الأوقات فيسلم عليه إذا أتاه، فذاك السلام في الصلاة أمر الله به في كل صلاة، بخلاف هذا، فإنه إنما يشرع عند لقائه، وأجر ذلك أعظم، فإن الله يسلم على العبد بالمرة الواحدة عشرًا، وهذا إنما يرد عليه الرسول. وقد علّمهم أيضًا إذا دخلوا المسجد أن يقول الرجل: «بِسْمِ اللَّهِ وَالسَّلَامُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي ذُنُوبِي، وَافْتَحْ لِي أَبْوَابَ رَحْمَتِكَ» ، وإذا خرج أن يقول: «بِسْمِ اللَّهِ وَالسَّلَامُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي [ذُنُوبِي وَافْتَحْ لِي أَبْوَابَ فَضْلِكَ» . وكثير من الناس اتخذوا قبور أنبيائهم] (٢) /١١ب/ أعيادًا، وأوثانًا، وأشركوا بها

стр. 28

بعد موتهم، وإلا ففي حياتهم ما كانوا يمكنون أحدًا أن يشرك بهم ويتخذهم أربابًا. فلهذا كان أصحاب رسول الله ﷺ والتابعون لهم بإحسان متبعين للتوحيد الذي بعث الله به رسوله، مجتنبين لما نهاهم عنه من الشرك وأسبابه، واتبعوا أمره في منع الناس من قبره، فصار الشرك به، وفهل المنكر عنده، ممتنعًا بعد موته، كما كان ممتنعًا في حياته. وهذا من فضائله، وفضائل أمته، فإنه لا نبي بعده، وأمته لا تجتمع على ضلالة، ولو كان قبره بارزًا؛ لكان كثير من الجهال يريد أن يتخذه مسجدًا، ووثنًا، وعيدًا، كما فعل ذلك بقبر من ليس مثله، بل ينسب إليه، [تقربًا به] (١) ، أو طاعة له، لكن دفن في الحجرة محجوبًا عن الناس، فلم يقدر أحد (على) (٢) أن يشرك به، ولا يتخذه وثنًا، ولا يفعل عند قبره منكرًا، فصار له خاصة لا يشركه فيها غيره، فيما يأمر (٣) به، وينهى عنه، فإن مسجده أسس على التقوى، والسفر مشروع إليه، [و] (٤) العبادة فيه فاضلة، وليس عند قبر غيره مسجد يسافر إليه، بل كثير من تلك المساجد بنيت لأجل القبور، وذلك حرام، وقد لعن النبي ﷺ من فعل ذلك تحذيرًا لأمته. وأما مسجده فهو مؤسس على التقوى، وهو أفضل المساجد بعد المسجد الحرام، وقيل: بل أفضلها مطلقًا، والصلاة فيه خير من ألف

стр. 29

صلاة فيما سواه، والسفر إليه مشروع /١٢أ/ مستحب. وأما النهي فإنه لا يمكن أن يفعل عند قبره شيء من المنكر، ولا يتمكن أحد من زيارة قبره، والوصول إليه، كما يتمكن من زيارة قبر غيره، والوصول إليه، حتى يفعل عنده ما يفعل. وقد ثبت عنه في الصحيح أنه قال: «لَا تَجْلِسُوا عَلَى الْقُبُورِ، وَلَا تُصَلُّوا إِلَيْهَا» فنهاهم عن اتخاذ القبور مساجد كما تقدم، ونهاهم عن الصلاة إليها، فنهاهم أن يجعلوها مساجد، أو قبلة؛ وهذا لأن أصل الشرك في بني آدم إنما كان من الشرك بأصحاب القبور، فإن أول الشرك كان في قوم نوح. قال ابن عباس: كان بين آدم ونوح عشرة قرون كلهم على الإسلام، وقد ثبت في الصحيح أنهم يقولون يوم القيامة (١) : «يَا نُوحُ أَنْتَ أَوَّلُ رَسُولٍ بَعَثَهُ اللَّهُ إِلَى أَهْلِ الْأَرْضِ» . ولهذا لم يذكر الله في القرآن رسولاً قبل نوح، ولا أمة أهلكها الله قبل أمته، وقد قال تعالى في قصته: ﴿وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا • وَقَدْ أَضَلُّوا كَثِيرًا وَلَا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا ضَلَالًا﴾ [نوح: ٢٣-٢٤] .

стр. 30

قال طائفة من السلف، منهم محمد بن كعب القرظي: «هذه أسماء قوم صالحين كانوا بين آدم ونوح، فلمّا ماتوا كان لهم أتباع يقتدون بهم ويأخذون بعدهم بأخذهم (١) في العبادة، فجاءهم إبليس، فقال لهم: لو صورتم صورهم كان أنشط لكم وأشوق إلى العبادة، ففعلوا، ثم نشأ قوم بعدهم فقال لهم إبليس: إن الذين من قبلكم كانوا يعبدونهم. فعبدوهم» . رواه عبد بن حميد في تفسيره عن محمد بن كعب. فابتداء عبادة الأوثان /١٢ب/ كان ذلك، وسميت تلك الصور بهذه الأسماء؛ لأنهم صوروها على صور أولئك القوم من المسلمين. وذكر البخاري في صحيحه عن عطاء عن ابن عباس قال: صارت الأوثان التي كانت تعبد في قوم نوح، في العرب تعبد، أما ود فكانت لكلب بدومة الجندل، وأما سواع فكانت لهذيل، وأما يغوث فكانت لمراد ثم لبني غطيف بالجوف عند سبأ، وأما يعوق فكانت لهمدان، وأمما نسر فكانت لحمير لآل ذي الكلاع.

стр. 31

وذكر [ابن جرير] (١) في تفسيره: روى سفيان عن موسى عن محمد بن قيس يعني ابن مخرمة بن نوفل قوله: ﴿لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا﴾ [نوح: ٢٣] قال: كانت أسماء رجال صالحين في قوم نوح، فلمّا هلكوا أوحى الشيطان إلى قومهم أن انصبوا إلى مجالسهم التي كانوا يجلسون عليها أنصابًا، وسمّوها بأسمائهم، ففعلوا، ولم تعبد، حتى إذا هلك أولئك، ونسخ العلم، عبدت. وروي عن ابن عباس: أن تلك الأوثان دفنها الطوفان، وطمسها التراب، فلم تزل مدفونة حتى أخرجها الشيطان لمشركي العرب. وقد قيل: شابهتها في الأسماء والجنس، ولم تكن أعيان هذه أعيان

стр. 32

تلك، وكانت للعرب أصنام أخر؛ فاللات لأهل الطائف، والعزى لأهل مكة، ومناة لأهل المدينة. وقد ذكر مثل هذا غير واحد من السلف. وهذا /١٣أ/ الذي ذكروه أنه كان ابتداء عبادة الأوثان هو مبدأ الشرك من مبتدعة أهل الملل كالنصارى، فإنهم صوروا تماثيل الصالحين والأنبياء، وقالوا: هذا فعلناه تذكارًا لنتذكر بصورهم أحوالهم، فتكون أنشط وأشوق لنا إلى التشبه بهم. ثم صاروا يدعونهم ويطلبون منهم الشفاعة، ويقولون: نحن نطلب من هذه التماثيل أن يشفعوا لنا والمقصود: طلبنا من أصحابها أن يشفعوا لنا. ولما كان هذا مبدأ الشرك في النصارى، وفي القبور؛ سد النبي ﷺ ذريعة الشرك ، ففي صحيح مسلم عن أبي هيّاج (١) الأسدي قال: قال لي علي بن أبي طالب: «أَلَا أَبْعَثُكَ عَلَى مَا بَعَثَنِي عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ؟ أَمَرَنِي أَنْ لَا أَدَعَ قَبْرًا مُشْرِفًا إِلَّا سَوَّيْتُهُ، وَلَا تِمْثَالًا إِلَّا طَمَسْتُهُ» . فلم يكن على عهد الصحابة، والتابعين، بل وتابعي التابعين، كمالك وأبي حنيفة وغيرهما في ديار الإسلام، قبر يُتخذ مسجدًا، ولا يصلى إليه، ولا كان في عهدهم في بلاد الإسلام قبر ولا مشهد يسافر إليه، وإنما حدثت المشاهد على القبور بعد القرون الثلاثة، فلم يكن يصلى عندها لله، ولا يقصد الدعاء عندها، فضلاً عن أن يكون يقصد أن يدعى صاحبها أو

стр. 33

يسأل، ويقال: إنا نستشفع به، كما يفعله النصارى، بل لما فتح المسلمون العراق وجدوا قبر دانيال ، وعنده مصحف، قال أبو العالية: أنا قرأته، /١٣ب/ وفيه أخباركم، وكان أهل المكان يستسقون به، فكتب فيه أبو موسى إلى عمر، فكتب إليه عمر يقول: احفر بالنهار ثلاثة عشر قبرًا، وادفنه بالليل في واحد منها؛ لئلا يفتتن به الناس. وكان الصحابة رضوان الله عليهم يسافرون إلى المساجد الثلاثة لأجل الصلاة فيها، وللدعاء ونحو ذلك، كما في الصحيحين عن النبي ﷺ أنه قال: «لَا تُشَدُّ الرِّحَالُ إِلَّا إِلَى ثَلَاثَةِ مَسَاجِدَ: الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، وَمَسْجِدِي هَذَا، وَالْمَسْجِدِ الْأَقْصَى» . أخرجاه من حديث أبي سعيد وأبي هريرة. حتى كان ابن عمر يأتي إلى بيت المقدس فيصلي فيه، ويخرج ولا يشرب فيه ماء، رجاء أن تصيبه دعوة سليمان ﵇: اللهم لا يأتي هذا البيت أحد لا يريد إلا الصلاة فيه إلا خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه.

стр. 34

ولم يكونوا يتخذون ذلك وقت الحج، بل كانوا يحجون ويأتون إلى بلادهم، وكان عمر يقول: يا أهل الشام شامكم، يا أهل اليمن يمنكم، يا أهل العراق عراقكم. ولكن كانوا يأتون مسجد المدينة والمسجد الأقصى بحسب ما تيسر، ليس لذلك وقت، ومنهم من يتيسر له ذلك وقت الحج. وكان الصحابة يتحرّون متابعة النبي ﷺ والاقتداء به، فما فعله على وجه العبادة فعلوا كما فعل، وإذا خص مكانًا أو زمانًا بالعبادة فيه خصوه هم أيضًا بالعبادة، كما كان يخص مشاعر الحج مثل عرفة ومزدلفة /١٤أ/ ومنى، بما شرع فيها من العبادة، وقد قال لهم: «خُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ» فكانوا يقصدون أن يفعلوا كفعله. وكذلك كان يقصد تخصيص المسجد الحرام، ومسجده، ومسجد قباء؛ فيخصونها، لكن مسجد قباء؛ لم يشرع السفر إليه، ولكن شرع إتيانه من القرب، كما قال: «مَنْ تَطَهَّرَ فِي بَيْتِهِ ثُمَّ أَتَى مَسْجِدَ قُبَاءَ لَا يُرِيدُ إِلَّا الصَّلَاةَ فِيهِ كَانَ لَهُ كَعُمْرَةٍ» . وكذلك كان سلمة بن الأكوع يتحرى الصلاة في مكان من مسجده، ويقول: إن رسول الله ﷺ كان يتحرى الصلاة فيه عند اسطوانة فيه.

стр. 35

وكذلك يعظمون شهر رمضان، وعشر ذي الحجة، ويوم الجمعة، ونحو ذلك مما كان يخصه ﷺ بالتعظيم. وما فعله على وجه الاتفاق، مثل سيره في طريق، وصلاته فيه إذا نزل، وصبّ ماء فضل معه في أصل تحت شجرة، - وكان ابن عمر ﵁ يحب أن يفعل كفعله، وأما أكثر الصحابة فلم يكونوا يقصدون ذلك؛ لأن المتابعة هي أن نفعل كما فعل على الوجه الذي فعل، فلا بد أن نشاركه في القصد والنيّة فإنما الأعمال بالنيّات، فإذا قصد العبادة بالعمل، فقصدنا العبادة به؛ كنا مقتدين، متبعين، متأسين به، وأما إذا لم يقصد به العبادة، بل فعله على وجه الاتفاق لتيسره عليه، فإذا قصدنا العبادة به؛ لم نكن متبعين له - ومشي ناقته في الطريق، وصب ماء فضل من وضوئه في شجرة هناك، ونحو ذلك، هو لم يقصد به مكانًا معينًا بقصد العبادة بصبّ الماء /١٤ب/ في تلك الشجرة دون غيرها، أو قصد العبادة بمشي راحلته (١) في ذلك الجانب دون غيره، بل قصد أن يمس بالماء ما قرب منه من (٢) الشجر ولا يضيع، ففعل ما يسره الله له من الفعل، كما كان يأكل ما تيسر، ويلبس ما تيسر، فكان لا يعيب طعامًا قط، إن اشتهاه أكله وإلا تركه، وكان يأكل من تمر مدينته كالرطب، وأما ما لم يوجد فيها فلم يكن يأكله؛ لأنه لم يوجد ولو وجده لأكله، فاتباعه في ذلك أن يأكل الرجل من طعام بلده ما تيسر، لا يقصد من ليس ببلده رطب أن يأكل الرطب، فإن هذا ليس بمتابعة. وهذا كما أمر أهل المدينة أن يخرجوا صدقة الفطر صاعًا من تمر، أو

стр. 36

شعير؛ لأنه كان قوتهم، فمن كان قوته القمح فهو مأمور أن يخرج قمحًا عند جماهير العلماء - وإن قال بعضهم: إن التمر أفضل - وليس له أن يخرج الشعير عند الجمهور، وفي إخراج التمر نزاع أيضًا. وقد ثبت عن عمر بن الخطاب أنه رأى قومًا ينتابون مكانًا يصلون فيه، فقال: ما هذا؟ فقالوا: هذا مكان صلى فيه رسول الله ﷺ بسفر، ومكان حلّ فيه رسول الله ﷺ [فقال عمر] (١) : أتريدون أن تتخذوا آثار أنبيائكم مساجد؟ إنما هلك من كان قبلكم بهذا، من أدركته الصلاة فيه فليصل وإلا فليذهب. وهذا نهي عن مثل ما كان يفعله /١٥أ/ ابن عمر، مع أن ابن عمر لم يكن يقصد لا هو ولا غيره من الصحابة إتيان الأمكنة التي فيها آثار الأنبياء للعبادة، بل إنما قصد متابعته في صورة الفعل. وأما الأمكنة التي كان يقيم بها، ويجلس فيها، وينزل بها ليلاً ونهارًا، والطُرق التي كان يسير بها، والمواضع التي كان ينزلها في أسفاره، فلم يكن أحد من الصحابة يقصدها لصلاة فيها ولا دعاء ولا غير ذلك، مثل حُجَر أزواجه التي كان يقيم بها ليلاً ونهارًا، فلم يكن أحد منهم يقصد زيارة تلك البقاع، أو الصلاة (٢) فيها، أو الدُّعاء (٣) . وكذلك غار حراء الذي كان يتحنث فيه، وغار ثور الذي كان فيه هو وأبو بكر، وغار المرسلات الذي نزلت عليه فيه ﴿وَالْمُرْسَلاَتِ﴾ (٤) ، ومثل منزله لما حاصر قريظة والنضير، ومثل طرقه في أسفاره، فلم يكن أحد من الصحابة

стр. 37

يقصد زيارة هذه الأمكنة، ولا الصلاة فيها، والدُّعاء، وإذا لم يكونوا يفعلون هذا بالبقاع التي حلّ بها أفضل الخلق؛ فهم لغيرها أترك، فلم يكن أحد منهم يقصد شيئًا من البقاع لا بالشام ولا بغير الشام، إلا المساجد التي للصلاة، لا يقصدون بقعة لكونه نزل بها إبراهيم، أو موسى، أو عيسى، لا بالبيت المقدس، ولا غيره، بل كانوا يسافرون لإتيان البيت المقدس. ولما فتحه المسلمون وكان على الصخرة زبالة عظيمة جدًا كانت النصارى تهينها بغضًا لليهود، فطهّرها عمر بن الخطاب، وقال /١٥ب/ لكعب الأحبار: أين ترى أن أبني مصلّى المسلمين؟ قال: خلف الصخرة. قال: يا ابن اليهودية خالطتك يهودية، بل أبنيه في صدر المسجد، فإن لنا صدور المساجد. فبنى مصلّى المسلمين في قبلي المسجد - وهو الذي يسميه بعض الناس: الأقصى، والمسجد الأقصى يتناول المسجد كله - ولم يبنه خلف الصخرة؛ لئلا يتشبه المسلمون بمن يصلّي إلى الصخرة، مع أنها كانت قبلة منسوخة. وإبراهيم ﵇ لمّا بنى البيت، ودعا الناس إلى الحج، فأمر الله تعالى أن نجيب دعوة إبراهيم، ونفعل كما فعل، فنعبده في الأماكن التي قصد العبادة فيها، ولهذا قال غيرُ واحدٍ من السلف: مقام إبراهيم هو: المشاعر: عرفة، ومزدلفة، ومنى، وإن كان المقام الخاص أخصّ من غيره، ولهذا صلّى النبيُّ ﷺ ركعتي الطواف عنده، ثم إذا كانت سنة النبيِّ ﷺ ، وخلفائه، وأصحابه، وما عليه علماء أمته: أنه لا يسنّ استلام مقام

стр. 38

إبراهيم، ومحمد، صلى الله عليهما، وهما أفضل الخلق؛ فغيرهما أولى أن لا يسن استلام مقامه، فإن الاستلام إنما هو بركن بيت الله عبادة لله، كما أن الطواف إنما هو ببيت الله عبادة لله، لا يكون ببيت مخلوق. ولم يكن الصحابة، والتابعون، وتابعوهم، يسافرون إلى قبر الخليل ﵇، /١٦أ/ ولم يكن ظاهرًا، بل كان على المغارة بناء، وليس له باب مثل حجرة النبي ﷺ ، وإنما نقب عليه بابًا النصارى الكفار، لما استولوا على تلك البلاد، وجعلوه كنيسة، وعلى مثل ذلك لعنهم النبي ﷺ حيث اتخذوا قبور الأنبياء مساجد. فلم يكن أحد من الصحابة يسافر لزيارة قبر إبراهيم وأهل بيته، وأكثر الناس لم يكونوا يعرفون أن هناك قبر الخليل، ولهذا تنازع الناس فيه، بل كانوا يأتون إلى المسجد الأقصى، ولا يذهبون إلى تلك القرية، وكان ذلك قربه، ولم يكن قبر الخليل ظاهرًا يدخل إليه، فإن سليمان ﵇ بنى عليه حجرة فكان مسدودًا، وليس عليه علامة يعرف بها، وقد قيل: إنه أول ما أظهر في سنة بضع وثلاثمائة في خلافة المقتدر، لما حدث في الإسلام حوادث كثيرة، واستطال الكفار والمنافقون على أهل الإسلام في ذلك الوقت. والأحاديث التي رويت في ليلة المعراج أنه قيل للنبي ﷺ : انزل فصلّ، فهذا يثرب، أو فهذا طور موسى، أو قبره، أو هذا قبر الخليل، كلها كذب، قد بين الحفاظ كذبها، وإن كان قد خفي حال بعضها على بعض

стр. 39

العلماء، بل الذي في الصحيح أنه صلى في بيت المقدس بالأنبياء ولم يصل في غيره، ولهذا كانت الصلاة فيه والسفر إليه للصلاة فيه مستحبة. وقد اتفق المسلمون على ما هو سنة بينهم، أن من حج البيت فإنه /١٦ب/ يستحب له أن يستلم الحجر الأسود، ويقبله، وأما اليماني فإنه يستلمه، وتنازعوا في تقبيله، فقيل: يقبّله، وقيل: يقبّل يمينه التي استلمه بها، وقيل: لا يقبّله ولا يقبّل يمينه، وهذا أصح، فإن النبي ﷺ استلمه واستلم الحجر الأسود، وقبل الحجر، ولم يقبّله، وأما الركنان الشاميان فلم يستلمهما ولم يقبلهما. ومقام إبراهيم الذي قال الله فيه: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ [البقرة: ١٢٥] لم يستلمه ولم يقبله، واتفق العلماء على أنه لا يستلم ولا يقبّل، فإذا كان هذا مقام إبراهيم الذي أمرنا أن نتخذه مصلى، اقتداءً بإبراهيم خليله، فمقام لم نؤمر (١) أن نصلي فيه، أولى أن لا نستلمه ولا نقبّله، مثل مقامات تضاف إلى إبراهيم، وغيره، بالشام، وغير الشام. ويقال: في هذا المكان قتل فلان النبي، وبهذا المكان نزل فلان النبي، ونحو ذلك، وتقبّل تلك الأمكنة، وتستلم، وتقصد للصلاة فيها، وهذا لو كان صحيحًا لم يكن أفضل من المواضع التي صلى فيها النبي

стр. 40

صلى الله عليه وسلم، مثل حُجَره التي كان يقيم بها ليلاً ونهارًا، ومثل الغيران الني حلّ بها، كغار ثور، وغار حراء، وغير ذلك من البقاع، فإذا لم يكن الصحابة يقصدون هذه البقاع للدعاء والصلاة؛ فغيرها أولى أن لا يقصد. وجوانب البيت لا تستلم، ولا تقبّل، وقد طاف ابن عباس ومعاوية ﵄، فكان معاوية يستلم الأركان الأربعة، فقال له ابن عباس: إن رسول الله /١٧أ/ ﷺ لم يستلم إلا الركنين اليمانيين، فقال له معاوية: ليس من البيت شيء مهجور، فقال له ابن عباس: لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة. فسكت معاوية، ووافق ابن عباس لما بين له السنة. وعلى هذا فقهاء المسلمين قاطبة، فما سوى الكعبة، كالصخرة، وغيرها، لا تستلم، ولا تقبّل، كما لا يطاف بها، وليس في الأرض مكان يطاف به إلا الكعبة، كما أنه لا قبلة إلا الكعبة، مع أن الصخرة كانت قبلة، فمن اتخذها اليوم قبلة فهو كافر، والطّواف بها، وبأمثالها، أعظم من اتخاذها قبلة؛ فإن الطّواف لم يشرع قطّ إلا بالبيت العتيق، ولا حرم يحرم صيده ونباته إلا حرم مكة، وكذلك حرم المدينة عند الجمهور، ودلت عليه الأحاديث الصحيحة. ووادي وَج بالطائف حرم عند الشافعي، لحديث روي فيه، وأكثر العلماء يقولون: ليس بحرم، وضعف أحمد حديثه، وما
следующие страницы →