شعير؛ لأنه كان قوتهم، فمن كان قوته القمح فهو مأمور أن يخرج قمحًا عند جماهير العلماء - وإن قال بعضهم: إن التمر أفضل - وليس له أن يخرج الشعير عند الجمهور، وفي إخراج التمر نزاع أيضًا.
وقد ثبت عن عمر بن الخطاب أنه رأى قومًا ينتابون مكانًا يصلون فيه، فقال: ما هذا؟ فقالوا: هذا مكان صلى فيه رسول الله ﷺ بسفر، ومكان حلّ فيه رسول الله ﷺ [فقال عمر] (١) : أتريدون أن تتخذوا آثار أنبيائكم مساجد؟ إنما هلك من كان قبلكم بهذا، من أدركته الصلاة فيه فليصل وإلا فليذهب.
وهذا نهي عن مثل ما كان يفعله /١٥أ/ ابن عمر، مع أن ابن عمر لم يكن يقصد لا هو ولا غيره من الصحابة إتيان الأمكنة التي فيها آثار الأنبياء للعبادة، بل إنما قصد متابعته في صورة الفعل.
وأما الأمكنة التي كان يقيم بها، ويجلس فيها، وينزل بها ليلاً ونهارًا، والطُرق التي كان يسير بها، والمواضع التي كان ينزلها في أسفاره، فلم يكن أحد من الصحابة يقصدها لصلاة فيها ولا دعاء ولا غير ذلك، مثل حُجَر أزواجه التي كان يقيم بها ليلاً ونهارًا، فلم يكن أحد منهم يقصد زيارة تلك البقاع، أو الصلاة (٢) فيها، أو الدُّعاء (٣) .
وكذلك غار حراء الذي كان يتحنث فيه، وغار ثور الذي كان فيه هو وأبو بكر، وغار المرسلات الذي نزلت عليه فيه ﴿وَالْمُرْسَلاَتِ﴾ (٤) ، ومثل منزله لما حاصر قريظة والنضير، ومثل طرقه في أسفاره، فلم يكن أحد من الصحابة
стр. 37
يقصد زيارة هذه الأمكنة، ولا الصلاة فيها، والدُّعاء، وإذا لم يكونوا يفعلون هذا بالبقاع التي حلّ بها أفضل الخلق؛ فهم لغيرها أترك، فلم يكن أحد منهم يقصد شيئًا من البقاع لا بالشام ولا بغير الشام، إلا المساجد التي للصلاة، لا يقصدون بقعة لكونه نزل بها إبراهيم، أو موسى، أو عيسى، لا بالبيت المقدس، ولا غيره، بل كانوا يسافرون لإتيان البيت المقدس.
ولما فتحه المسلمون وكان على الصخرة زبالة عظيمة جدًا كانت النصارى تهينها بغضًا لليهود، فطهّرها عمر بن الخطاب، وقال /١٥ب/ لكعب الأحبار: أين ترى أن أبني مصلّى المسلمين؟ قال: خلف الصخرة. قال: يا ابن اليهودية خالطتك يهودية، بل أبنيه في صدر المسجد، فإن لنا صدور المساجد. فبنى مصلّى المسلمين في قبلي المسجد - وهو الذي يسميه بعض الناس: الأقصى، والمسجد الأقصى يتناول المسجد كله - ولم يبنه خلف الصخرة؛ لئلا يتشبه المسلمون بمن يصلّي إلى الصخرة، مع أنها كانت قبلة منسوخة.
وإبراهيم ﵇ لمّا بنى البيت، ودعا الناس إلى الحج، فأمر الله تعالى أن نجيب دعوة إبراهيم، ونفعل كما فعل، فنعبده في الأماكن التي قصد العبادة فيها، ولهذا قال غيرُ واحدٍ من السلف: مقام إبراهيم هو: المشاعر: عرفة، ومزدلفة، ومنى، وإن كان المقام الخاص أخصّ من غيره، ولهذا صلّى النبيُّ ﷺ ركعتي الطواف عنده، ثم إذا كانت سنة النبيِّ ﷺ ، وخلفائه، وأصحابه، وما عليه علماء أمته: أنه لا يسنّ استلام مقام
стр. 38
إبراهيم، ومحمد، صلى الله عليهما، وهما أفضل الخلق؛ فغيرهما أولى أن لا يسن استلام مقامه، فإن الاستلام إنما هو بركن بيت الله عبادة لله، كما أن الطواف إنما هو ببيت الله عبادة لله، لا يكون ببيت مخلوق.
ولم يكن الصحابة، والتابعون، وتابعوهم، يسافرون إلى قبر الخليل ﵇، /١٦أ/ ولم يكن ظاهرًا، بل كان على المغارة بناء، وليس له باب مثل حجرة النبي ﷺ ، وإنما نقب عليه بابًا النصارى الكفار، لما استولوا على تلك البلاد، وجعلوه كنيسة، وعلى مثل ذلك لعنهم النبي ﷺ حيث اتخذوا قبور الأنبياء مساجد.
فلم يكن أحد من الصحابة يسافر لزيارة قبر إبراهيم وأهل بيته، وأكثر الناس لم يكونوا يعرفون أن هناك قبر الخليل، ولهذا تنازع الناس فيه، بل كانوا يأتون إلى المسجد الأقصى، ولا يذهبون إلى تلك القرية، وكان ذلك قربه، ولم يكن قبر الخليل ظاهرًا يدخل إليه، فإن سليمان ﵇ بنى عليه حجرة فكان مسدودًا، وليس عليه علامة يعرف بها، وقد قيل: إنه أول ما أظهر في سنة بضع وثلاثمائة في خلافة المقتدر، لما حدث في الإسلام حوادث كثيرة، واستطال الكفار والمنافقون على أهل الإسلام في ذلك الوقت.
والأحاديث التي رويت في ليلة المعراج أنه قيل للنبي ﷺ : انزل فصلّ، فهذا يثرب، أو فهذا طور موسى، أو قبره، أو هذا قبر الخليل، كلها كذب، قد بين الحفاظ كذبها، وإن كان قد خفي حال بعضها على بعض
стр. 39
العلماء، بل الذي في الصحيح أنه صلى في بيت المقدس بالأنبياء ولم يصل في غيره، ولهذا كانت الصلاة فيه والسفر إليه للصلاة فيه مستحبة.
وقد اتفق المسلمون على ما هو سنة بينهم، أن من حج البيت فإنه /١٦ب/ يستحب له أن يستلم الحجر الأسود، ويقبله، وأما اليماني فإنه يستلمه، وتنازعوا في تقبيله، فقيل: يقبّله، وقيل: يقبّل يمينه التي استلمه بها، وقيل: لا يقبّله ولا يقبّل يمينه، وهذا أصح، فإن النبي ﷺ استلمه واستلم الحجر الأسود، وقبل الحجر، ولم يقبّله، وأما الركنان الشاميان فلم يستلمهما ولم يقبلهما.
ومقام إبراهيم الذي قال الله فيه: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ [البقرة: ١٢٥] لم يستلمه ولم يقبله، واتفق العلماء على أنه لا يستلم ولا يقبّل، فإذا كان هذا مقام إبراهيم الذي أمرنا أن نتخذه مصلى، اقتداءً بإبراهيم خليله، فمقام لم نؤمر (١) أن نصلي فيه، أولى أن لا نستلمه ولا نقبّله، مثل مقامات تضاف إلى إبراهيم، وغيره، بالشام، وغير الشام.
ويقال: في هذا المكان قتل فلان النبي، وبهذا المكان نزل فلان النبي، ونحو ذلك، وتقبّل تلك الأمكنة، وتستلم، وتقصد للصلاة فيها، وهذا لو كان صحيحًا لم يكن أفضل من المواضع التي صلى فيها النبي
стр. 40
صلى الله عليه وسلم، مثل حُجَره التي كان يقيم بها ليلاً ونهارًا، ومثل الغيران الني حلّ بها، كغار ثور، وغار حراء، وغير ذلك من البقاع، فإذا لم يكن الصحابة يقصدون هذه البقاع للدعاء والصلاة؛ فغيرها أولى أن لا يقصد.
وجوانب البيت لا تستلم، ولا تقبّل، وقد طاف ابن عباس ومعاوية ﵄، فكان معاوية يستلم الأركان الأربعة، فقال له ابن عباس: إن رسول الله /١٧أ/ ﷺ لم يستلم إلا الركنين اليمانيين، فقال له معاوية: ليس من البيت شيء مهجور، فقال له ابن عباس: لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة. فسكت معاوية، ووافق ابن عباس لما بين له السنة.
وعلى هذا فقهاء المسلمين قاطبة، فما سوى الكعبة، كالصخرة، وغيرها، لا تستلم، ولا تقبّل، كما لا يطاف بها، وليس في الأرض مكان يطاف به إلا الكعبة، كما أنه لا قبلة إلا الكعبة، مع أن الصخرة كانت قبلة، فمن اتخذها اليوم قبلة فهو كافر، والطّواف بها، وبأمثالها، أعظم من اتخاذها قبلة؛ فإن الطّواف لم يشرع قطّ إلا بالبيت العتيق، ولا حرم يحرم صيده ونباته إلا حرم مكة، وكذلك حرم المدينة عند الجمهور، ودلت عليه الأحاديث الصحيحة. ووادي وَج بالطائف حرم عند الشافعي، لحديث روي فيه، وأكثر العلماء يقولون: ليس بحرم، وضعف أحمد حديثه، وما
стр. 41
سوى الثلاث ليس بحرم باتفاق المسلمين، لا البيت المقدس، ولا قبور الأنبياء، ولا غير ذلك.
# # #
стр. 42
«فصل»
ولم يكن أحد من الصحابة يقصد شيئًا من القبور، لا قبور الأنبياء ولا غيرهم، لا يصلي عنده ويدعو عنده، ولا يقصده لأجل الدعاء عنده، ولا يقولون: إن الدعاء عنده أفضل، ولا الدعاء عند شيء من القبور مستجاب، بل قد علموا أن النبي ﷺ /١٧ب/ لعن من اتخذ قبور الأنبياء والصالحين مساجد لله فيصلّى عندها لله، والمصلي لله إنما يدعو الله، ويتضرع له، ويستغيث به، فإذا كان النبي ﷺ قد لعن من فعل هذا عندها لئلا يتشبه بمن يقصد دعاءها، فالذي يقصد دعاءها قد فعل نفس الشرك الذي لأجله نهي عن اتخاذها.
ومن العجب أن كثيرًا من الناس نهي عن الصلاة //١٤٨ب// عندها، ثم يقصدون الدعاء عندها، ويقولون: إنه يستجابُ الدعاء هناك، فهل يقول مسلمٌ أو عاقل إن مكانًا نهينا أن نعبد الله فيه بالصلاة لله يكون الدعاء فيه مستجابًا، ويكون مقصودًا للدعاء؟! وهذا بمثابة من قال: أنا لا أصلي عند طلوع الشمس، وعند غروبها، ولكن أسجد للشمس حينئذ. وهو إنما نهي عن الصلاة لئلا يتشبه بمن يسجد للشمس.
стр. 43
«فصل»
ولم يكن أحد من الصحابة والتابعين يسافر إلى قبرٍ، لا قبر نبي، ولا غيره، بل كان عامتهم يأتون المدينة النبوية، ويصلون في مسجده ويسلمون عليه في الصلاة، ويَرَون ذلك هو غايةُ المطلوب، فلم يكونوا يذهبون إلى قبره، لم يكن أحد منهم يدخل إلى قبره، لا للسلام، ولا للصلاة، ولا للدعاء، ولا غير ذلك، إلا من دخل على عائشة لأنه بيتها، فيسلم على النبي ﷺ ، والنبي ﷺ يردّ عليه، كما جاء في الحديث.
وأما السلام عليه في المسجد، فهو مثل الصلاة عليه في المسجد (١) ، يفعل في جميع جوانب المسجد، وفي جميع الأرض، واستقبال القبلة به أولى.
وقد اتفق العلماء على أن أهل المدينة /١٨أ/ لا يُستحبُّ لهم ذلك (٢) إذا دخلوا و (٣) خرجوا أن يأتوا لقبره (٤) ، ولكن هل يُستحب لهم ذلك إذا قدموا من سفر (٥) ، أو يستحب للغرباء، عند الدخول والخروج؟ هذا فيه قولان، لكن قد ساغ بعده (٦) ؛ لأن ابن عمر فَعَلَه، وتابعه على ذلك كثيرٌ من علماء السلف والخلف، وإن [لم] (٧) يكن هذا عندهم من السنن المشهورة، إذ كان النبيُّ ﷺ لم يأمرهم به كما أمرهم أن يسلموا عليه في الصلاة، بل أخبرهم أنه من سلم عليه ردّ ﵇، وهذا يتناول من (٨) سلم عليه من القرب
стр. 44
في بيته، وأما البعيد فلا يدخل فيه بالاتفاق، لكن من كان في المسجد عند الحائط، هل هو قريب أو بعيد؟ على قولين (١) .
وهكذا أخبرهم عن سائر المؤمنين فقال: «مَا مِنْ رَجُلٍ يَمُرُّ بِقَبْرِ الرَّجُلِ كَانَ يَعْرِفُهُ فِي الدُّنْيَا فَيُسَلِّمُ عَلَيْهِ إِلَّا رَدَّ اللَّهُ عَلَيْهِ رُوحَهُ حَتَّى يَرُدَّ ﵇» .
وكان هو ﷺ مدفونًا في حجرة عائشة، وقد قالت عائشة إنه قال في مرضه الذي مات فيه (٢) : «لَعَنَ اللَّهُ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ» قالت عائشةُ: وَلَوْلَا ذَلِكَ لَأُبْرِزَ قَبْرُهُ؛ وَلَكِنْ خَشِيَ أَنْ يُتَّخَذَ مَسْجِدًا.
فبينَتْ أنه دُفن في الحجرة ولم يظهر قبرُهُ؛ لئلا يتخذ مسجدًا يُصلى عنده، وإن كان المصلي إنما يصلي لله، ويدعو الله، فإنه لعن من يتخذ قبور الأنبياء والصالحين مساجد، ونهى أمته أن يتخذوا القبور مساجد، فإذا كان /١٨ب/ هو ﷺ لعن من يصلي عندها لله، ويدعو الله //١٤٩أ// - لأن ذلك ذريعة إلى الشرك - فكيف بمن يصلي لها، ويسجد لها، أو يدعوها (٣) ، ويستغيث بها، ويطلب منها ما يطلب من ربّ العالمين، فإن هذا من أعظم الشرك، وجعلها أوثانًا وأندادًا لله رب العالمين، كما فعل قوم نوح، ومن ضاهاهم من مشركي أهل الكتاب.
ف مقصودُهُ ﷺ بقوله: «مَا مِنْ رَجُلٍ يُسَلِّمُ عَلَيَّ إِلَّا رَدَّ اللَّهُ عَلَيَّ رُوحِي حَتَّى أَرُدَّ ﵇ (٤) » بيان حياتِه، وأنه يَسمع السلام من القريب،
стр. 45
ويبلَّغ السلامَ من البعيد، ليس مقصودُهُ أمر الأمة بأن يأتوا إلى القبر ليسلموا عليه عند قبره (١) ، فإنه لم يأمرهم بذلك، إنما أمرهم بالسلام عليه في الصلاة، وذلك أفضل وأكمل له ولهم؛ وذلك لأن سلام التحية مشروع لمن أتى لحاجة كما كانوا يأتونه في حياته فيسلّمون عليه، وكذلك من دخل (٢) إلى بيته يسلّم (٣) عليه، وأما أن يقصد إتيانه لأجل ردّه، فهذا غير مشروع، لا في حياته، ولا بعد موته.
ولهذا اتفقوا على أنه لا يشرع لأهل المدينة إذا دخلوا وخرجوا، ولو كان (٤) هذا كالسلام في الصلاة لكان مستحبًّا لأهل المدينة، ولكن السلام عليه لمن قدم جائزٌ مشروعٌ باتفاق العلماء، وإنما النزاع: هل يستقبل به الحجرة، أو القبلة؟ وهل هو السلام المأمور به في القرآن كالصلاة عليه، أو هو سلام /١٩أ/ التحية، الذي يشترك فيه جميع المؤمنين، الأحياء، والأموات؟
وقد تنازع العلماء: هل يُكره أن يُقال: زرت قبر النبي ﷺ ؟ على قولين: فكره ذلك مالك وغيرُهُ، بل وكره أن يقال: طواف الزيارة. وللناس في تعليل ذلك أقوال:
قيل: لأن الزائر أفضل (٥) ، وقيل: لكراهة زيارة القبور، وقيل: يكره أن يُقال: زرت قبره، ولا يكره أن يقال: زرته، وقيل: لأن زيارة قبره ممتنعةٌ، فإن زيارة قبره إنما تكون إذا دخل إلى بيته، حيث دفن، وهذا ممتنع، وإنما الممكن أن يأتي مسجده، ومسجده يؤتَى لكونه مسجدًا، لا لأجل القبر، لكن يسلّم عليه في مسجده كما كان يُسلّم عليه في مسجده في حياته؛
стр. 46
كان (١) يسلم عليه [فيه] (٢) في الصلاة ويسلّم (٣) عليه سلام التحية، فالسلام المأمور به مشروع فيه باتفاق العلماء، وسلام التحية فيه قولان.
وهل يستقبل القبر أو القبلة؟ [فيه] (٤) قولان، ومالك يرى استقبال القبر، وأبو حنيفة يرى استقبال القبلة.
# # #
стр. 47
«فصل»
فإن قيل: إذا كان زيارة قبر غيره مستحبًّا، ولا يكره أن يقال: زرت قبره، فهو ﷺ أحقّ بأن يكون زيارة //١٥٥ب// قبره مستحبًّا، ولا يكره أن يقال: زرتُ قبره، وقد ثبت لفظ زيارة القبور في كلام النبي ﷺ ، كما في الصحيح: «كُنْتُ نَهَيْتُكُمْ عَنْ زِيَارَةِ الْقُبُورِ /١٩ب/ فَزُورُوهَا فَإِنَّهَا تُذَكِّرُكُمُ الْآخِرَةَ» . وما في الصحيح أنه كان يعلم أصحابه إذا زاروا القبور أن يقول قائلهم: «السَّلَامُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الدِّيَارِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُسْلِمِينَ وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ بِكُمْ لَاحِقُونَ، نَسْأَلُ اللَّهَ لَنَا وَلَكُمُ الْعَافِيَةَ» وفي لفظ: «ويَرْحَمُ (١) اللَّهُ الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنَّا (٢) وَالْمُسْتَأْخِرِينَ» . وثبت في الصحيح أنه خرج إلى أهل البقيع فدعا لهم، وكذلك خرج إلى شهداء أحد. (٣)
قيل: الكلام في مقدمتين:
في زيارة سائر القبور، ثم هل هو مثل غيره أو بينه وبين غيره فرقٌ؟
أما المقدمة الأولى: فقد اختلف العلماء في زيارة القبور على ثلاثة أقوال:
стр. 48
قيل: إن ذلك مستحبٌّ، وهو قول الأكثرين.
وقيل: إنه مباحٌ وليس (١) بمستحب، وهو قول في مذهب مالك وأحمد.
وقيل: بل ذلك منهيٌّ عنه، روي هذا عن طائفة من السلف، وهؤلاء يقولون: نهي (٢) عن زيارة القبور، ولم يثبت عندنا أنه نسخ ذلك.
وقد اتفق العلماء على أن النبي ﷺ نهى أولاً عن زيارة القبور، قيل: لأن ذلك مظنة الشرك، وقيل: لأنه مظنة النياحة.
واختلفوا: هل نسخ ذلك؟ فقال الأكثرون: إنه نسخ، وقيل: لم ينسخ، /٢٠أ/ والذين قالوا: إنه نُسخ، قال بعضهم: إنه صيغة افْعَلْ بعد حظر، فلا تفيد إلا الإباحة، فإنه قال: «كُنْتُ نَهَيْتُكُمْ عَنْ زِيَارَةِ الْقُبُورِ فَزُورُوهَا //١٥٦أ// فَإِنَّهَا تُذَكِّرُكُمُ الْآخِرَةَ» وقال الأكثرون: إن زيارتها على الوجه الشرعي مستحبةٌ، وهذا هو الصحيح.
وجماع الأمر، أن زيارة القبور ثلاثة أنواع:
منها: ما هو منهيٌّ عنه باتفاق العلماء كالزيارة التي تتضمن محرمًا، إما (٣) من الندب والنياحة المحرّمة، وإما من الشرك والبدع المحرمة، فهذان النوعان (٤) حرام باتفاق العلماء.
ومنها: ما هو مباح، كزيارة القريب، وإن كان كافرًا؛ (٥) للرقة عليه، لا للدعاء له، فهذا مثل البكاء على الميت بغير ندب، ولا نياحة، لا (٦) بأس به.
والثالث: أنه يزار ليدعى له، كما كان يزور أهل البقيع، والشهداء، وهذا مستحب، لكن لم يقل أحدٌ من العلماء: إنه يستحبُّ السّفرُ إليها لزيارتها، فتنازعوا في زيارتها من المكان القريب: هل هو مستحبٌّ، أو
стр. 49
مكروهٌ، أو مباحٌ؟ ولم يتنازعوا في السّفر إليها أنه ليس بمستحب، فإن المسافر إليها إنما يسافر لفعل ما هو منهي عنه من الشرك وغيره، ولهذا يسمونه حجًّا إليها، لا يسافر أحدٌ لمجرد الدعاء للميت، وإن قدّر أنه سافر لذلك فلا تقوم فضيلة الدعاء عند القبر بكلفة السفر الذي هو قطعة من العذاب، تفوت معه مصالح أنفع من ذلك، وهو /٢٠ب/ مظنة المفسدة.
بخلاف المساجد، فإن المسلمين متفقون على أنه يشرعُ إتيانُ المساجد من المكان القريب، وإتيانها إما فرض عين، وإما فرض كفاية، أو (١) مستحب، إذا كان يأتيها للعبادة الشرعية، كالصلاة المشروعة فيها، والاعتكاف، والقراءة، وتعلم العلم، وتعليمه، ومع هذا فلا يُشرع السفر إليها، بل الأئمة الأربعة وجمهور العلماء متفقون على أنه لو نذر السّفر إليها لم يوف بنذره؛ لأن في الصحيحين عنه ﷺ أنه قال: «لَا تُشَدُّ الرِّحَالُ إِلَّا إِلَى ثَلَاثَةِ مَسَاجِدَ: الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَمَسْجِدِي هَذَا وَالْمَسْجِدِ الْأَقْصَى (٢) » .
حتى نص عامة العلماء على أنه لو نذر السفر إلى مسجد قباء، لم يوف بنذره، وهذا مذهب الأئمة الأربعة، وأتباعهم، لكن فيه نزاع شاذ في مذهب مالك؛ لأنه نهى عن السفر إلى غير المساجد (٣) الثلاثة، وإنما يستحب إتيانه من قريب، مثل أن يكون بالمدينة، فيذهب إليه، كما ثبت في الصحيح عن ابن عمر: أن النبي ﷺ كان يأتي قباء كل سبت راكبًا، وماشيًا.
وكان يقوم في مسجده يوم الجمعة، ويقوم في قباء يوم السبت؛ لقوله تعالى: ﴿لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ﴾
стр. 50
[التوبة: ١٠٨] //٤٧ب// وهذا يتناول مسجده، ومسجد قباء، ومسجده أحق بذلك من مسجد قباء.
كما ثبت في الصحيح أنه سُئل عن المسجد الذي أسس على التقوى فقال: «هُوَ مَسْجِدِي هَذَا» أي: هو أحق بهذا الوصف /٢١أ/ من غيره، كما قال لأهل الكساء: علي، وفاطمة، وحسن، وحسين: «اللَّهُمَّ هَؤُلَاءِ أَهْلُ بَيْتِي فَأَذْهِبْ عَنْهُمُ الرِّجْسَ وَطَهِّرْهُمْ تَطْهِيرًا» أي: هم أحق بذلك من غيرهم، والحصر يكون حصرًا للكمال كما تقول: عبد الله العالم. وإلا فالقرآن يدلّ على أن مسجد قباء (١) أسس على التقوى، وعلى (٢) أن أزواجه من أهل بيته.
وإذا كانت المساجد التي يشرع إتيانها من غير سفر بالنص والإجماع لا يشرع السفر إليها، بل (٣) يجب إتيانها (٤) ، فما لا يجب إتيانه (٥) بالاتفاق، وفي استحبابه نزاع، أولى أن لا يشرع السفر إليها. والجمهور على أن زيارة القبور المأذون فيها نوعان:
نوع يباح في حقّ الميت الكافر والمسلم، فهذا جائز، لما فيه من تذكر الآخرة، كما ثبت في الصحيح أنه قال: «اسْتَأْذَنْتُ رَبِّي فِي أَنْ أَزُورَ قَبْرَ أُمِّي فَأَذِنَ لِي، وَاسْتَأْذَنْتُهُ فِي أَنْ أَسْتَغْفِرَ لَهَا فَلَمْ يَأْذَنْ لِي، فَزُورُوا الْقُبُورَ فَإِنَّهَا تُذَكِّرُكُمُ الْآخِرَةَ» .
стр. 51
والنوع الثاني: زيارتها للسلام على الميت، والدعاء له، فهذا مستحب في حق المؤمنين خاصة، كما كان النبي ﷺ يعلّم أصحابه إذا زاروا القبور أن يقول قائلهم: «السَّلَامُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الدِّيَارِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُسْلِمِينَ، وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ بُكُمْ لَاحِقُونَ، نَسْأَلُ اللَّهَ لَنَا وَلَكُمُ الْعَافِيَةَ» وفي رواية: «وَيَرْحَمُ (١) اللَّهُ الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنَّا وَالْمُسْتَأْخِرِينَ» ، //٤٨أ// وكما ثبت في الصحيح: أنه كان يخرج إلى أهل البقيع فيدعوا لهم ويستغفر لهم، /٢١ب/ وكما ثبت (عنه) (٢) في صحيح البخاري: أنه ﷺ صلّى على قتلى أحد (٣) بعد ثمان سنين، كالمودع للأحياء والأموات، فهذه الزيارة من جنس الصلاة على الجنازة، ومن جنس الصلاة على قبر الميت، وهذا مشروعٌ لأهل المصر، وأما سفر الإنسان إلى قبرٍ يصلي عليه، فهذا ليس بمشروع.
ومن هنا يظهر الكلام على المقدمة الثانية، وهي الفرق بين النبي ﷺ وبين غيره، فيقال: هذا كالفرق بينه وبين غيره في الدفن، فإن سنة المسلمين أن يدفنوا في الصحراء تحت السماء، كما كان هو ﷺ يَدفِنُ أصحابَه في البقيع، ولم يدفن أحدًا منهم تحت سقف في بيت، ولا بنى على أحدٍ منهم سقفًا، ولا حائطًا.
بل قد (٤) ثبت عنه في الصحيح أنه نهى أن يُبْنى على القبور (٥) ، وهو ﷺ دُفِن في بيته، تحت السقف؛ وذلك لما بَيَّنَتْهُ عائشة ﵂ من أنه لو دفن في الصحراء لخيف أن يتخذ قبره مسجدًا، فإن عامة الناس لما في قلوبهم من تعظيمه ﷺ ، قد يقصدون الصلاة عنده، بل قد يَرَوْنَ ذلك أفضل لهم من الصلاة في مكان آخر، كما فعل أهل الكتاب حيث اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد، ورأوا الصلاة عندها أفضل
стр. 52
من الصلاة عند غيرها؛ لما في النفوس من الشرك، والذين يفعلون ذلك /٢٢أ/ يرون أنهم يتقربون بذلك إلى الله تعالى (١) ، وأن ذلك من أفضل أعمالهم، وهم ملعونون، قد لعنهم الله ورسوله، كما قال ﷺ : «لَعَنَ اللَّهُ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى // اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ» وهم من شرار الناس، كما قال ﷺ : «إِنَّ مِنْ شِرَارِ النَّاسِ مَنْ تُدْرِكُهُمُ السَّاعَةُ وَهُمْ أَحْيَاءٌ، وَالَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْقُبُورَ مَسَاجِدَ» .
وفي الصحيحين أنه ذُكر له كنيسة بأرض الحبشة، وذكر من حسنها وتصاوير فيها، فقال: «إِنَّ أُولَئِكَ إِذَا مَاتَ فِيهِمُ الرَّجُلُ الصَّالِحُ بَنَوْا عَلَى قَبْرِهِ مَسْجِدًا، وَصَوَّرُوا فِيهِ تِلْكَ التَّصَاوِيرَ، أُولَئِكَ شِرَارُ الْخَلْقِ عِنْدَ اللَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» ، فلما كان دفنه في بيته من خصائصه؛ لئلا يتخذ قبره مسجدًا، فهو ﷺ قد نهى أن يتخذ قبره عيدًا، أي يجتمع عنده في أوقات معتادة، فقال: «صَلُّوا عَلَيَّ حَيْثُمَا كُنْتُمْ، فَإِنَّ صَلَاتَكُمْ تَبْلُغُنِي» فكذا زيارة قبر غيره من عموم المؤمنين للسلام عليه والدعاء له، لا يفضي إلى أن يتخذ قبره مسجدًا، وعيدًا، ووثناً، وأما هو ﷺ فقد دفن في بيته؛ لئلا يتخذ قبره مسجدًا.
ومقصود الزيارة في حق غيره إنما هو السلام عليه، والدعاء له، كالصلاة على جنازته، والرسول ﷺ قد أمرنا أن نسلم عليه في صلاتنا، ونصلي عليه، وصلاتنا وسلامنا يصل إليه حيث كنا، وهذا لم نؤمر به في حق غيره على الخصوص، فغيره إذا /٢٢ب/ زرنا قبره قد يحصل له من دعائنا له ما
стр. 53
لا يحصل بدون ذلك من غير مفسدة فيه، كالصلاة على جنازته، وأما هو ﷺ فلا يحصل له بزيارتنا فائدة، بل ولا تمكن زيارة قبره، فإنه دُفن في بيته، وحجب قبره عن الناس، وحيل بين الزائر وبين قبره، ف لا يستطيع أحد أن يزور قبره كما تُزار سائر القبور ، وإنما يمكن الوصول إلى مسجده، ومسجده مبني قبل القبر، والعبادة فيه عبادة لله في بيته، ليس ذلك زيارة للقبر.
ولهذا لم ينقل عن أحدٍ من السلف أنه تكلم بزيارة قبره فإن ذلك غير ممكن، ولهذا كرهها من كرهها؛ لأن مسماها باطل، وإنما الممكن الصلاة والسلام عليه في مسجده، وذلك مشروع في جميع البقاع، ليس هو من زيارة القبور، فأما إذا صلينا عليه، وسلمنا عليه في مسجده وغيره من المساجد، لم نكن (١) زرنا قبره. (٢)
ولكن كثير من المتأخرين صاروا يسمون الدخول إلى مسجده مع السلام عليه عند الحجرة: زيارة لقبره، وهذه تسمية (٣) مبتدعة في الإسلام، ومخالفة للشرع، والعقل، واللغة، لكن قد شاعت، وصارت اصطلاحًا لكثير من العلماء، وصار منهم من يقول: زيارة قبره مستحبة بالإجماع، والزيارة /٢٣أ/ المستحبة بالإجماع هي الوصول إلى مسجده، والصلاة والسلام عليه فيه، وسؤال الوسيلة (له) (٤) ونحو ذلك، فهذا مشروع بالإجماع في مسجده، فهذه هي الزيارة لقبره المشروعة بالإجماع، فالمعنى المجمع عليه حق، ولكن تسمية ذلك زيارة لقبره هو محل النزاع.
وكذلك تنازعوا: هل يستقبل الحجرة أو يستقبل القبلة؟ كما (قد) (٥) ذكر في موضعه. فإنا مأمورون بالصلاة والسلام عليه وسؤال الوسيلة له في كل مكان، وذلك يحصل به أعظم من مقصود الزيار لقبره، لو كانت ممكنة، مع أنها مظنة اتخاذ قبره مسجدًا، وعيدًا، ولما كانت مظنة اتخاذ قبره عيدًا
стр. 54
ومسجدًا؛ حجب قبره عن الناس، ومنعوا من هذه الزيارة، فما بقي يمكن أن يتخذ قبره لا مسجدًا، ولا وثنًا، ولا عيدًا، فلما كان الخير الذي يقصد بزيارة القبور، والمصلحة، يحصل بالصلاة والسلام عليه، وطلب الوسيلة له، في أي مكان، أفضل مما يحصل عند القبور؛ لم يكن في الزيارة فائدة تخصّ بها، وفيها مفسدة، وهو كونها ذريعة إلى الشرك، فلهذا فرّق بنيه وبين غيره، كما نهي عن اتخاذ القبور مساجد، وعن اتخاذ قبره عيدًا، مع أن المساجد يعبد الله فيها، لكن إذا كانت على القبور كانت مظنة الشرك.
والصلاة والسلام عليه عند قبره حسن، لكن لو تمكن الناس من ذلك اتخذوه عيدًا، وصاروا ينتابونه بجماعاتهم (١) في أوقات كالأعياد، /٢٣ب/ وأفضى ذلك إلى الشرك، فلهذا نهى عنه، ولما نهى عنه منع أصحابه الناس من ذلك، فما بقي أحد يمكنه أن يزور قبره، كما تزار سائر القبور، وإنما يمكن دخول مسجده، وهذا هو الذي يعنيه الناس بزيارة قبره، وهي تسمية غير مطابقة.
وهذا من أحسن ما يعلل به كراهة من كره أن يقال: زرت قبره، فإن الزيارة المعروفة للقبور هي في قبره مما ليس بمقدور، ولا مأمور، بل قد فرّق الله بين قبره وبين سائر القبور من جهة المأمور به، ومن جهة المنهي عنه، فقبره عنده مسجده المؤسس على التقوى، الذي شرع للناس السفر إليه، وغيره ليس عند قبره مسجد يسافر إليه، بل قد يكون عنده مسجد ينهى عنه. وأما النهي: فقبره لا يمكن أحدًا أن يفعل عنده منكرًا، بل ولا يصل إليه، بخلاف قبر غيره.
وقد كره مالك وغيره أن يقال: زرت قبر النبي ﷺ ، وإن لم يكره ذلك
стр. 55
في حق غيره، وقد علل ذلك بأنواع من العلل، منها: (تعذر) (١) ذلك في قبره، ومنها: أن في (٢) إطلاق هذا اللفظ عليه إجمالاً يتناول الزيارة البدعية، زيارة أهل الشرك، الذين يزورون القبور للسجود لها، ودعاء أهلها، واتخاذها أوثانًا من دون الله، واتخاذها مساجد، وما هو أعظم من اتخاذها مساجد.
وكثير من الناس لا يقصد بزيارة قبور الأنبياء والصالحين إلا مقاصد أهل الشرك، الذين (٣) يجعلونهم أوثانًا، وأندادًا لله، وهم شر من الذين اتخذوها مساجد، فإن أولئك يقصدون /٢٤أ/ أن يصلوا فيها لله، ويدعون الله، وهؤلاء إنما يقصدون دعاءهم، والحج إليهم، فيجعلون صلاتهم، ونسكهم، للمخلوق، لا للخالق. يقصد أحدهم في زيارة قبر من يعظمه ما يقصده الحاج في الحج إلى بيت الله، وما يقصده المصلي الذي يقصد مساجد الله، فالحاج والمصلي مسلم حنيف متبع لملة إبراهيم، قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ • قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ • لَا شَرِيكَ لَهُ﴾ [الأنعام: ١٦١-١٦٣] .
فالمسلم صلاته ونسكه لله، والمشرك يصلي لغير الله، وينسك لغير الله، ويدعو المخلوق، ويستغيث به، ويتضرع إليه، كما يفعل بالخالق، ويحج إلى قبره، كما يحج إلى بيت الخالق، ويسمون ذلك نسكًا، ويصنفون كتبًا يسمونها: مناسك حج المشاهد، كما صنّف محمد بن
стр. 56
النعمان الملقب بالمفيد، وغيره، مناسك حج المشاهد، ومنهم من يفضل الحج إلى بيوت المخلوقين على الحج إلى بيت الخالق، ويقولون: هذا الحج الأكبر، وحج البيت هو الحج الأصغر، ومن الناس من يقول: وحق النبي الذي تحج المطايا إليه، فيجعلون الحج إلى المخلوق.
ولمّا كان السفر إلى المساجد الثلاثة مشروعًا، والمسجدان الأفضلان في الحرمين: الحرم المكي، والحرم المدني؛ صار الناس يقولون لمن حج إلى بيت الله: فلان حج الحرمين، فإن السفر المشروع إلى المدينة من جنس الحج /٢٤ب/ المشروع، لكنه مستحب، والمنهي عنه من جنس الحج المنهي عنه، وهذا موجود في المنتسبين إلى السُّنّة والشّيعة، ومنهم من يقال له: أتبيع زيارتك لشيخك بحجة، أو ثنتين أو ثلاثة، أو عشر حجج؟ فيقول: لا، ويعتقد أن زيارة شيخه مرة أفضل من عشر حجج.
ومنهم من يحج فيأتي إلى المدينة، ثم يرجع ولا يذهب إلى مكة، ويقول: حصل مقصودي من الحج، ومنهم من إذا سافر إلى مكان يضاف إلى نبي، كالمكان المضاف إلى يوسف بمصر، يُحْرِم إذا ذهب إليه كما يحرم الحاج، ومنهم من يستقبل قبر شيخه إذا صلى، ويستدبر الكعبة، ويقول: هذه قبلة الخاصة، والكعبة قبلة العامة، وهذا موجود في كثير من أعيان العباد والزُّهاد وممن له قصد وعلم.
وأما غير هؤلاء فمنهم من يصلي إلى القبر، ومنهم من يسجد له،
стр. 57
ومنهم من يسجد من باب المكان المبني على القبر، ومنهم من يستغني بالسجود لصاحب القبر عن الصلوات الخمس، فيسجدون لهذا الميت ولا يسجدون للخالق، وقد يكون ذلك الميت ممن يظن به الخير، وليس كذلك، كما يوجد مثل هذا في مصر، والشام، والعراق، وغير ذلك.
ومنهم من يطلب من الميت ما يطلب من الله، فيقول: اغفر لي، وارزقني، وانصرني، ونحو ذلك /٢٥أ/ كما يقول المصلي في صلاته لله تعالى، إلى أمثال هذه الأمور التي لا يشك من عرف دين الإسلام أنها مخالفة لدين المرسلين أجمعين، فإنها من الشرك الذي حرمه الله ورسوله، بل من الشرك الذي قاتل عليه الرسول ﷺ المشركين، وأن أصحابها إن كانوا يعذرون (١) بالجهل، وأن الحجة لم تقم عليهم، كما يعذر من لم يبعث إليه رسول، كما قال تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: ١٥] وإلا كانوا مستحقين من عقوبة الدنيا والآخرة ما يستحقه أمثالهم من المشركين، قال تعالى: ﴿فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢٢] وفي الحديث: «إِنَّ الشِّرْكَ فِي هَذِهِ الْأُمَّةِ أَخْفَى مِنْ دَبِيبِ النَّمْلِ» .
والذين يؤمنون بالرسول، إذا تبين لأحدهم حقيقة ما جاء به الرسول، وتبين أنه مشرك، فإنه يتوب إلى الله، ويجدد إسلامه، فيسلم إسلامًا يتوب فيه من هذا الشرك، ولم يكن في الصحابة والتابعين من يقصد زيارة أحد لأجل هذا، لا قبر النبي ﷺ ولا قبر غيره، ولا كان أحدٌ منهم بعد السلام على
стр. 58
النبي ﷺ يقف يدعو لنفسه ولغيره، بل ولا كانوا يطيلون القيام عنده للدعاء له، بل كما كان ابن عمر يسلم وينصرف، يقول: /٢٥ب/ السلام عليك يا رسول الله، السلام عليك يا أبا بكر، السلام عليك يا أبت (١) ، ثم ينصرف، ولما حدث قوم يطيلون القيام يدعون للنبي ﷺ أنكر ذلك مالك وغيره من العلماء، وقالوا: هذا بدعة لم يفعلها السلف، ولن يصلح آخر هذه الأمة إلا ما أصلح أولها.
وكان الصحابة إذا أرادوا أن يدعوا، دعوا في المسجد، واستقبلوا القبلة، ودعوا الله في بيته، لا يستقبل أحدهم القبر ويدعو، هذا وهم يدعون الله تعالى وحده، وأما دعاء الرسول، أو طلب الحوائج منه، فهذا لم تكن الصحابة تعرفه البتة، وقد أصابهم ضرورات في الدين والدنيا، مثل الجدب الذي أصابهم عام الرمادة، وغيره، ومثل الخوف الذي كان يصيبهم في قتال الكفار، فيخافون أن ينتصر الكفار على المؤمنين، ومثل الذُّنوب التي يصيبها من يصيبها منهم.
ولا يُعرف عن أحدٍ من الصحابة أنه طلب من النبي ﷺ بعد موته حاجة، لا زوال الجدب، ولا النصر على العدو، ولا غفران الذنوب، لا يطلبه منه، ولا يشكيه إليه، ولا يقول: ادع الله لنا، /٢٦أ/ بل قد ثبت في الصحيح: أنهم عام الرمادة لما أجدبوا استسقى عمر بالعباس وقال: اللهم إنا كنا إذا أجدبنا نتوسل إليك بنبينا فتسقينا، وإنا نتوسل إليك بعمّ نبينا. فيسقون.
стр. 59
وكانوا في حياته إذا أجدبوا؛ توسلوا بنبيهم ﷺ ، توسلوا بدعائه، وطلبوا منه أن يستسقي لهم، كما في الصحيح عن ابن عمر قال: رُبَّمَا ذَكَرْتُ قَوْلَ الشَّاعِرِ وَأَنَا أَنْظُرُ إِلَى وَجْهِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ :
وَأَبْيَضَ يُسْتَسْقَى الْغَمَامُ بِوَجْهِهِ ... ثِمَالُ الْيَتَامَى عِصْمَةٌ لِلْأَرَامِلِ
وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَسْتَسْقِي عَلَى الْمِنْبَرِ، فَمَا نَزَلَ حَتَّى يَجِيشَ لَهُ مِيزَابٌ.
وفي الصحيحين عن أنس قال: جَاءَ أَعْرَابِيٌّ (١) [فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ: هَلَكَتِ الْأَمْوَالُ، وَانْقَطَعَتِ السُّبُلُ، فَادْعُ اللَّهَ يُغِيثُنَا، فَرَفَعَ النَّبِيُّ ﷺ يَدَيْهِ وَقَالَ: «اللَّهُمَّ أَغِثْنَا، اللَّهُمَّ أَغِثْنَا، اللَّهُمَّ أَغِثْنَا» ، وَمَا فِي السَّمَاءِ قَزَعَةٌ. فَنَشَأَتْ سَحَابَةٌ مِنْ جِهَةِ الْبَحْرِ، فَمُطِروا أُسْبُوعًا لَا يَرَوْنَ فِيهِ الشَّمْسَ، حَتَّى دَخَلَ عَلَيْهِ ذَلِكَ الْأَعْرَابِيُّ - أَوْ غَيْرُهُ - فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ: انْقَطَعَتِ السُّبُلُ، وَتَهَدَّمَ الْبُنْيَانُ، فَادْعُ اللَّهَ أَنْ يَكْشِفْهَا عَنَّا. فَرَفَعَ يَدَيْهِ وَقَالَ: «اللَّهُمَّ حَوَالَيْنَا وَلَا عَلَيْنَا، اللَّهُمَّ عَلَى الْآكَامِ وَالظِّرَابِ وَمَنَابِتِ الشَّجَرِ وَبُطُونِ الْأَوْدِيَةِ» . فَانْجَابَتْ عَنِ الْمَدِينَةِ كَمَا يَنْجَابُ الثَّوْبُ] (٢) .
/٢٦ب/ فكانوا في حياته يتوسلون بدعائه، ويستسقون به، فلما مات توسلوا
стр. 60
بدعاء العبّاس، واستسقوا به؛ لكونه عمّه.
وكذلك الحديث الذي رواه الترمذي، والنّسائي، وابن ماجه، وغيرهم، عن عثمان بن حنيف: أَنَّ رَجُلًا أَعْمَى أَتَى النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ: ادْعُ اللَّهَ (١) أَنْ يَرُدَّ عَلَيَّ بَصَرِي. قَالَ: «إِنْ شِئْتَ دَعَوْتُ، وَإِنْ شِئْتَ صَبَرْتَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكَ» قَالَ: فَادْعُهُ. فَأَمَرَهُ أَنْ يَتَوَضَّأَ، وَيُصَلِّيَ رَكْعَتَيْنِ، وَيَدْعُوَ بِهَذَا الدُّعَاءِ: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ، وَأَتَوَجَّهُ إِلَيْكَ بِنَبِيِّكَ مُحَمَّدٍ نَبِيِّ الرَحْمَةِ، يَا رَسُولَ اللَّهِ، يَا مُحَمَّدُ، إِنِّي تَوَجَّهْتُ بِكَ إِلَى رَبِّي فِي حَاجَتِي هَذِهِ لِتُقْضَى، اللَّهُمَّ فَشَفِّعْهُ فِيَّ» قال الترمذي: حديث حسن صحيح.
فهذا طلب من النبيّ ﷺ أن يدعو له، ليرد الله عليه بصره، فأمره النبي ﷺ أن يدعو هو أيضًا ويسأل أن يقبل الله شفاعة نبيه فيه، وقوله: «أتوجه إليك بنبيك» أي: شفاعة نبيك بدعائه، فكان الرسول ﷺ شافعًا له، وهو سائل قبول شفاعة الرسول، فهذا كان توسل الصحابة به في حياته، فلما مات توسلوا بدعاء غيره، كدعاء العبّاس، وكما استسقى معاوية بيزيد بن الأسود الجرشي.
/٢٧أ/ ولم يكونوا في الاستسقاء وغيره بعد موته يقولون: اللهم إنا
стр. 61
نستشفع، أو نتوسل، أو نتوجه؛ لأنه لن (١) يشفع لهم في ذلك، وإنما يتوسل، ويستشفع ويتوجه به، فيما (٢) كان شفيعًا فيه ﷺ ، ولا طلبوا منه بعد موته أن يشفع لهم، ويدعو لهم، كما تفعله النّصارى، فيطلبون الشفاعة من الموتى، الأنبياء وغيرهم، فإن الميت قد انقطع عنه التكليف، ليس هو كالحي الذي يطلب منه ما هو مأمور به من عبادة وطاعة ونفع الغير، فإن الحي إذا طلب منه أن يعين غيره بدعاء، أو شفاعة، أو نفع، أو صدقة، فقد طلب منه ما يأمره الله به من الإحسان، والميت ليس مأمورًا بشيء أمر تكليف؛ لانقطاع التكليف بالموت، بل هو بمنزلة أهل الجنة، والملائكة، يفعل ما أريد منه، فما أراده الله منه حصل، سواء طلب ذلك منه الحي أو لم يطلبه، وما لم يرده منه لم يحصل، فليس في سؤال الحي للميت فائدة للحي، ولا للميت، بل فيه شرك بالميت، وإيذاء له، فإن دعاءه يؤذيه، وليس فيه فائدة للحي، بل فيه ظلمه لنفسه، وشركه بربه، وإيذاؤه للميت، ففيه أنواع الظلم الثلاثة.
وهؤلاء الذين يزورون زيارة أهل الشرك والبدع، /٢٧ب/ هم الذين يسافرون إلى قبورهم لذلك، وهو حج لهم، والله سبحانه يحرّم أن يحج إلى بيت غيره. ولا يحجّ إلى جميع بيوته، بل لا يسافر إلا إلى ثلاثة مساجد، والسفر إلى المسجد الحرام للحج (٣) واجب، [وإلى] (٤) كل واحد من الثلاثة
стр. 62
سفر إلى بيت الله الذي بناه نبي من أنبيائه، لعبادته، ودعائه.
فهؤلاء إذا زاروا القبور هذه الزيارة المحرمة، فهم منهيون عن ذلك من القرب ومن البعد.
وأما الذين يزورون زيارة شرعية؛ للسلام على أهلها، والدعاء لهم، فهذا هو الذي يفرق فيه بين القريب والبعيد، وهذا قليل جدًّا أن يقصد بالسّفر مجرد السّلام، والدُّعاء للميت.
وقد يأتي الرّجل القبر محبّة وشوقًا لا لقصد سلام، ولا دعاء لله، ولا لقصد دعائه (١) ، فهذا يقال له: إذا صليت وسلّمت حيث كنت؛ وصل صلاتك وسلامك، وكان ذلك أنفع لك عند الله، وأحبّ إلى رسول الله ﷺ ، فإنه يحب من (٢) يصلّي عليه، ويسلّم عليه، ويسأل الله له الوسيلة، وهو لا يحبّ من يخالف أمره، ويفعل ما نهاه عنه، ويتّخذ قبره عيدًا، ويسافر إليه، كما يسافر إلى بيوت الله الثلاثة، ويطلب منه ما يطلب من الله، ويؤذيه بسؤاله، ورفع صوته.
بل لو كان حيًّا مأمورًا بأن يعطي السائل؛ لكان من لا يسأله أحبّ إليه، /٢٨أ/ ولكان سؤاله منهيًّا عنه، إلا لأجل الضرورة، وقد قال ﷺ : «إِنَّ أَحَدَهُمْ لَيَسْأَلُنِي الْمَسْأَلَةَ فَأُعْطِيهِ إِيَّاهَا فَيَتَأَبَّطُهَا نَارًا» قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ: فَلِمَ تُعْطِهِمْ؟ قَالَ: «يَأْبَوْنَ إِلَّا أَنْ يَسْأَلُونِي، وَيَأْبَى اللَّهُ لِيَ الْبُخْلَ» وقال: «مَنْ سَأَلَنَا أَعْطَيْنَاهُ، وَمَنْ لَا يَسْأَلُنَا أَحَبُّ إِلَيْنَا مِمَّنْ سَأَلَنَا» هذا وهو
стр. 63
مكلف في حياته، قد قيل له: ﴿وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ﴾ [الضحى: ١٠] .
وأما بعد موته ﷺ فليس هو مكلفًا، ولا مأمورًا بما كان مأمورًا به في الدنيا من إعطاء السائل، وتأمير الأمراء، وأمر الناس، ونهيهم، بل قد بلّغ الرسالة وأدى الأمانة ونصح الأمة وجاهد في الله حقّ جهاده، وعبد الله حتى أتاه اليقين من ربّه، ونحن علينا أن نطيعه، فبطاعته تنال سعادة الدنيا والآخرة.
# # #
стр. 64
«فصل»
ومما يبيّن الفرق بينه وبين غيره مع ما تقدّم: أنّا مأمورون أن نسلّم عليه في كل صلاة، فنقول: «السَّلَامُ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ» وليس هذا لغيره، ومأمورون أن نصلّي عليه إذا دعونا، نقدمه في الدعاء على أنفسنا، فإنه أولى بالمؤمنين من أنفسهم، وفي الصحيح عنه أنه قال: «مَا مِنْ مُؤْمِنٍ إِلَّا أَنَا أَوْلَى بِهِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، اقْرَأُوا إِنْ شِئْتُمْ: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٦] » .
فقد بيّن أنه أولى بكلّ مؤمن من نفسه في الدنيا والآخرة، ولا يؤمن عبد /٢٨ب/ حتى يكون أحبّ إليه من ولده ووالده والنّاس أجمعين، أخرجاه في الصحيحين. وقال له عمر: لَأَنْتَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ إِلَّا مِنْ نَفْسِي، فَقَالَ: «لَا يَا عُمَرُ حَتَّى أَكُونَ أَحَبَ إِلَيْكَ مِنْ نَفْسِكَ» فَقَالَ: وَاللَّهِ لَأَنْتَ أَحَبُّ إِليَّ مِنْ نَفْسِي، قَالَ: «الْآنَ يَا عُمَرُ» . رواه البخاري.
ونحن أيضًا مأمورون بأن نسأل له الوسيلة عند الأذان، كما في الصحيح لمسلم أنه قال: «إِذَا سَمِعْتُمُ الْمُؤَذِّنَ فَقُولُوا مِثْلَ مَا يَقُولُ، ثُمَّ
стр. 65
سَلُوا اللَّهَ لِيَ الْوَسِيلَةَ، فَإِنَّهَا دَرَجَةٌ فِي الْجَنَّةِ لَا تَنْبَغِي إِلَّا لِعَبْدٍ مِنْ عِبَادِ اللَّهِ، وَأَرْجُو أَنْ أَكُونَ أَنَا ذَلِكَ الْعَبْدُ، فَمَنْ سَأَلَ اللَّهَ لِيَ الْوَسِيلَةَ حَلَّتْ عَلَيْهِ شَفَاعَتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ» .
وفي صحيح البخاري أنه قال: «مَنْ قَالَ حِينَ يَسْمَعُ النِّدَاءَ: اللَّهُمَّ رَبَّ هَذِهِ الدَّعْوَةِ التَّامَّةِ، وَالصَّلَاةِ الْقَائِمَةِ، آتِ مُحَمَّدًا الْوَسِيلَةَ وَالْفَضِيلَةَ، وَابْعَثْهُ مَقَامًا مَحْمُودًا الَّذِي وَعَدْتَهُ، إِلَّا حَلَّتْ عَلَيْهِ شَفَاعَتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ» .
فهذه الأنواع من الأدعية هي حقّ له علينا نفعله في كل صلاة، وعند كل أذان، وفي كل مكان، وليس هذا لغيره من الأنبياء والصالحين، والمشروع عند القبر إنما هو السّلام عليه، فإن هذا مشروع لمن كان يصل إلى قبره، لما كانوا يدخلون على عائشة، كما يشرع السّلام على سائر موتى المؤمنين، وأما من لم يدخل إلى قبره، فإن كان بعيدًا فقد تعذر عليه هذا السّلام، ثم قيل: كل من خرج /٢٩أ/ عن الحجرة فهو بعيد، وقيل: بل القريب إليها كالداخل فيها (١) .
و السّلام عليه في الصّلاة أفضل ، وأكمل، وأشمل، والسّلام عليه في المسجد في غير الصّلاة، كما يصلي عليه في المسجد في غير الصلاة، هو مشروع باتفاق العلماء، لكن قيل: إنه يستقبل الحجرة، وهو سلام التحية، وقيل: بل يستقبل القبلة، وإن ذلك ممتنع لا يمكن إلا إذا وصل إلى القبر، وذلك ممنوع منه بالحجاب؛ لأنه يفضي إلى المفسدة، فلهذا
стр. 66
استغنى بهذا عن ذاك.
ولهذا كان عامة الصّحابة يقدمون المدينة على عهد الخلفاء الراشدين، أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، يأتون إلى الخليفة لبعض مصالح المسلمين، ويصلُّون خلفهم في مسجده، ويسلّمون خلفهم في مسجده، ويسلّمون عليه في الصّلاة، كما شرع لهم ذلك، ولم يكونوا يذهبون إلى قبره لا لسلام، ولا دعاء، ولا غير ذلك، وهذا مما يعلم بالضرورة أنهم لم يكونوا يفعلونه، فإنهم لو فعلوه لنقل نقلاً متواترًا لظهور مثل هذا لو فعل في مسجده.
ولهذا اتفق العلماء على أنّه لا يشرع لأهل المدينة إذا دخلوا المسجد وخرجوا أن يقفوا عند الحجرة، وإنما رخص من رخص عند السفر لأجل فعل ابن عمر، وللغرباء؛ لأنه كثر في التّابعين ما لم يكن مشهورًا في الصّحابة من الوقوف عند القبر للسّلام، وإن كان كثير من التابعين لا يفعلون ذلك، بل إذا سلّموا عليه استقبلوا القبلة، كما كان جمهور الصحابة يفعلون، فإن الصّحابة لم يكونوا يقفون في المسجد بجانب القبر، ولا كانوا يكثرون من /٢٩ب/ الدخول، بل ولا كانوا يكثرون من الدخول إلى عند القبر، بل دفن في الحجرة، ومنع النّاس أصحابه، وغير أصحابه، من الدخول إلى عند قبره، وإنما كان يدخل من يدخل إلى عائشة ﵂ وكانت ناحية في الحجرة عن القبر، وربما طلب منها أحيانًا بعض التابعين أن تريه القبر، فتريه إياه، ليعرف السُّنة في القبور وأنها تكون لاطية، لا مشرفة.
فلمّا ماتت عائشة، منع الناس منعًا عامًّا، وكان الدخول ممكنًا مع وجود الباب، فلما سدّت الحجرة، وبني الحائط البرَّاني؛ صار الدخول إلى قبره، والزيارة له كما يزار قبر غيره، غير مقدور، ولا مأمور.
стр. 67
ولو كان إتيان قبره لصلاة أو دعاء، أو سلام، أو طلب حوائج، مما سنّه لهم؛ لكان يكون باب الحجرة مفتوحًا لجميع المسلمين، وكانوا يقصدونه لذلك، كما أن مسجده لمّا كان إتيانه للصّلاة، والدُّعاء، والسّلام عليه، في الصلاة، وغير الصّلاة، مشروعًا، كان مفتوحًا للمسلمين يقصدونه في كل وقت، ويسافرون إليه من الأمصار، ولهذا لما كانت الصّلاة عليه بعد الموت، وقبل الدفن، - صلاة الجنازة - مشروعة؛ فتحوا باب الحجرة لجميع الصّحابة، فكان كل منهم يدخل فيصلي عليه، ثم يخرج، وصلّوا عليه أفذاذًا، لم يؤمهم في الصّلاة عليه أحد، وعائشة ﵂ في ناحية الحجرة.
فلو كان إتيان قبره بعد دفنه كإتيانه قبل الدفن؛ /٣٠أ/ لكانت الحجرة مشرَّعة للمسلمين، كلّهم يأتي قبره ليفعل ما سنّه للمسلمين، فلمّا اتفق الصّحابة على أنهم يدفنونه في الحجرة، ولا يمكن النّاس من الدخول عليه، فلم يمكن أصحابه، ولا غير أصحابه، من الدخول إلى الحجرة إلا صاحبة الحجرة، ومن دخل إليها؛ علم أن إتيان قبره لم يكن مما سنّه لهم وأمرهم به، بخلاف السّلام عليه في الصّلاة، وخارج الصّلاة، في مسجده، وغير مسجده، فإنه مما سنّه لهم، وأمرهم به، كما أمروا بالصلاة عليه، والسّلام عليه من جنس الصلاة عليه، وقد أمروا في القرآن بهذا وهذا، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: ٥٦] .
وهو لم يكتف بأنه لم يأمرهم بإتيان قبره، وزيارته في حجرته، والدعاء عنده، والصلاة؛ بل نهاهم عن ذلك، فقال في مرض موته: «لَعَنَ اللَّهُ الْيَهُودَ
стр. 68
وَالنَّصَارَى اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ» يُحَذِّرُ مَا فَعَلُوا، قَالَتْ عَائِشَةُ: وَلَوْلَا ذَلِكَ لَأُبْرِزَ قَبْرُهُ، وَلَكِنْ كَرِهَ أَنْ يُتَّخَذَ مَسْجِدًا.
وقال لهم قبل موته بخمس: «إِنَّ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ كَانُوا يَتَّخِذُونَ الْقُبُورَ مَسَاجِدَ، أَلَا فَلَا تَتَّخِذُوا الْقُبُورَ مَسَاجِدَ، فَإِنِّي أَنْهَاكُمْ عَنْ ذَلِكَ» .
وقال: «لَا تَتَّخِذُوا قَبْرِي عِيدًا، وَصَلُّوا عَلَيَّ حَيْثُمَا كُنْتُمْ، فَإِنَّ صَلَاتَكُمْ تَبْلُغُنِي» .
وقال: «اللَّهُمَّ لَا تَجْعَلْ قَبْرِي وَثَنًا يُعْبَدُ، اشْتَدَّ غَضَبُ اللَّهِ عَلَى قَوْمٍ اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ» .
ومالك وغيره /٣٠ب/ من أئمة المسلمين علموا أنه لم يأمر بزيارة قبره، فلم يقل: زوروا قبري، ولا رغّب في زيارة قبره، بل كل حديث روي في زيارة قبره فإنه ضعيف، بل كذب موضوع، ولهذا لم يرو أئمة المسلمين منها شيئًا، ولا اعتمدوا على شيء منها، فلم يخرج أصحاب الصحيح منها شيئًا، ولا خرج أهل السنن المعتمدة - كسنن أبي داود، والترمذي، والنسائي - منها شيئًا، ولا روى أحمد بن حنبل وأمثاله في مسنده منها شيئًا، ولا مالك، ولا الشافعي، ولا نحوهم، وإنما يرويها مثل الدارقطني، وهو يعلم أنها ضعيفة.
وقد روى البزار في مسنده منها حديث عبيد الله بن عمرو، وهو ضعيف باتفاقهم، ولفظه: «من زارني بعد مماتي كنت له شفيعًا يوم القيامة» وعن ابن عمر لفظًا آخر.
وهم يروون أنه قال: «من زارني بعد مماتي فكأنما زارني في
стр. 69
حياتي» وهذا انفرد به حفص القاري عن ليث بن أبي سليم، وقد اتفقوا على ضعفه في الحيث، وأنكروا عليه هذا الحديث، وكذلك الأول، أنكروا على من رواه عن عبد الله بن عمر أخي عبيد الله، مع ضعف في عبيد الله، كما قد بسط هذا في مواضع.
وهذا أيضًا كذب مخالف لدين الإسلام، فإن الذين كانوا يزورونه (١) في حياته، هم الذين هاجروا /٣١أ/ إليه، وبايعوه على الإسلام، كالوفود الذين كانوا يقدمون إليه، وأولئك من أصحابه، فلو أنفق الرجل مثل أُحُد ذهبًا، ما بلغ مُد أحدهم ولا نصيفه، فإذا كان بالأعمال الواجبة لا يصير مثل
стр. 70
أحدهم فكيف يصير بعمل ليس بواجب، بل ولا مسنون؟
وأما من يروي أنه قال: من زارني وزار أبي في عام واحد ضمنت له على الله الجنة. فهذا أعظم كذبًا من غيره، وقد قيل: إن هذا لم يسمع حتى استنقذ المسلمون القدس من أيدي الفرنج، ونقل هذا ابن الصّلاح عن شيوخه وغيره، ولم ينقل عن أحدٍ من الصّحابة استحباب زيارة قبره، بل قد علم بالنقل المتواتر أنه كان يكون في حجرته، وهم لا يزورون قبره، لا من داخل الحجرة، ولا من خارجها، والعلماء متفقون على أن أهل المدينة لا يزورون قبره إذا دخلوا المسجد وخرجوا منه، ولكن ابن عمر كان يقف عند القبر، ويسلم عليه، وعلى صاحبيه، إذا قدم من سفر، فأخذ بفعل ابن عمر طائفة من العلماء، وآخرون لم يأخذوا بفعله، بل بفعل جمهور الصحابة.
ولا كانوا إذا كانوا مقيمين بالمدينة يزورون القبر ولا يأتونه، لا لدعاء، ولا غيره، بل كانوا يأتون إلى مسجده، وهم في كل صلاة في مسجده، وغير مسجده، يقولون: السّلام عليك أيُّها النبي ورحمة الله /٣١ب/ وبركاته، ويصلون عليه، ويسألون له الوسيلة إذا سمعوا الأذان، كما سنّه لهم، وهذه المصالح العظيمة يحصل بها أضعاف ما يحصل في زيارة قبره، مع أن
стр. 71
ذاك كانوا يخافون أن يصير ذريعة إلى الشّرك، واتخاذه مسجدًا، وعيدًا، ووثنًا، وهذا الخوف كان لما كان الدخول إليه ممكنًا، ولما سدوه، ومنعوا الناس من الدخول إليه؛ ما بقي يمكن أحد (١) الزيارة المعروفة، ولا الشرك، ولا اتخاذه وثنًا، ولا يقدر أحد أن يصلي إلا إلى مسجده، ومسجده ليس هو قبره وبيته، بل مسجده بني للصلوات الخمس، وغيرها.
وكان يعتكف فيه، ولا يعتكف في بيته، فحكم هذا غير حكم هذا بالنص والإجماع، ولهذا إنما كان ابن عمر يأتي القبر فيسلّم على النبيّ ﷺ ، وعلى صاحبيه، إذا قدم من سفر، وكانت الحجرة إذ ذاك خارجة عن المسجد، ملاصقة له، وإنما أدخلت في المسجد من (٢) خلافة الوليد بن عبد الملك، وأدخلت بعد انقراض الصّحابة من المدينة، فإن آخر من مات بها جابر بن عبد الله، وجابر مات سنة بضع وسبعين في خلافة عبد الملك، وابنه الوليد إنما تولى سنة بضع وثمانين، والمسجد أخر بناءه بعد ذلك بمدة، وعبد الله بن عمر مات في خلافة أبيه عبد الملك سنة ثلاث وسبعين عقب فتنة ابن الزبير بمكة.
وكان ابن عمر إنما يسلّم عليهم من جهة الرؤوس، من جهة المغرب، إذْ كانت جهة القبلة متصلة بغيرها من الحجر، وكان يسلّم عليهم على الترتيب، كان رسول الله ﷺ هو المقدم إلى ناحية /٣٢أ/ القبلة، وأبو بكر خلفه، وعمر خلف أبي بكر، ورأس أبي بكر عند منكبي رسول الله ﷺ ، ورأس عمر عند منكبي أبي بكر، كالدرج، هذا أشهر الأقوال. وقيل: إن رؤوسهم مستوية، وقيل: بل اثنان منهما متحاذيان فقط.
ولا يعرف من أين كان ابن عمر يسلم، هل كان يستقبل الحجرة أو
стр. 72
القبلة؟ والفقهاء متنازعون:
فمنهم من يقول: يستقبل القبلة عند السّلام، ويكون عن يسار الحجرة، أو أمامها كما ينقل عن أبي حنيفة.
ومنهم من يقول: بل يستقبل الحجرة، وهؤلاء يقول كثير منهم: إنه يستدبر القبلة، ويستقبل الحجرة، فيأتيهم من جهة وجوههم، ويسلّم على النبي ﷺ ثم ينحرف قليلاً إلى جهة الشرق، فيسلم على أبي بكر، ثم ينحرف قليلاً فيسلم على عمر، وهذا إنما يجيء على قول من جعل ترتيبهم كدرج المنبر، وهؤلاء استحبوا هذا؛ لأن قصد التحية من جهة الوجه أحسن، وإذا سلّم عليهم من جهة الرؤوس، كما فعل ابن عمر، كان حسنًا، ويحصل الترتيب على قول من يقول باستواء الرؤوس.
ولما لم يكن معهم سنة عنه في التحية من خارج بيته، اضطربوا في الوقوف، وأما تحيته من داخل، فإنما كانت ممكنة من جهة القفا، فإن النبي ﷺ قبره متصل بالجدار القبلي، فلم يمكن أحدًا /٣٢ب/ أن يقف هناك إذا دخل ويسلم عليه، وهذا مما قد يحتج به من يستقبل القبلة فيقول كما لو كان داخل الحجرة، لكن هذه حجة ضعيفة فإن مقتضى هذا أن يسلم عليه خلف الحجرة، وهذا لم يعلم به قائلاً.
وكان الصّحابة دائمًا يقصدون المدينة على عهد الخلفاء الراشدين، من الشام، والعراق، ومصر، واليمن، وغيرها، كما تقدم، ولم يشتهر عنهم أنهم كانوا إذا أتوا المسجد فصلّوا فيه، وسلموا على النبي ﷺ في الصّلاة، يذهبون بعد ذلك إلى قبره، وإنما روي هذا عن ابن عمر، أو عن غيره في قضايا معينة، ولو كان هذا عملاً معروفًا لعامة الصحابة القادمين، كالصلاة
стр. 73
في مسجده؛ لكان هذا ينقل عنهم نقلاً شائعًا متواترًا، لكثرة ما كانوا يقدمون المدينة من الأمصار، أضعاف أضعاف ما يقصدها الناس في هذه الأوقات؛ لأنها كانت دار الخلافة، فجميع أمور أهل الأمصار متعلقة بها، تقصد من جميع النواحي، في جميع العام، ومع هذا فأصحابه أفضل الخلق، وأعلمهم بدينه وما أمرهم به من توحيد الله وحقه، كانوا يفعلون ما أمرهم به وسنّه لهم من الصّلاة في مسجده، /٣٣أ/ ومن الصّلاة والسّلام عليه، وطلب الوسيلة له كما أمر.
ولم يكن كل من قدم المدينة ذهب إلى القبر، فلم يكن هذا من عملهم الشائع العام، ولا كانوا يأمرون الناس بذلك؛ لعلمهم أن هذا ليس مما حضهم عليه، ورغبهم فيه، بل نهاهم أن يتخذوا قبره عيدًا، ومسجدًا، ولعن من يفعل ذلك، فكانوا يفعلون ما أمرهم به دون ما نهاهم عنه، وما نهاهم عنه من اتخاذ قبره عيدًا ومسجدًا لم يبق ممكنًا البتة، بل لا يقدر أحد على ذلك، ومن استقبل الحجرة إذا سلم عليه لم يقل: إنه اتخذ قبره عيدًا ولا مسجدًا، فإنه لم يصل إلى قبره البتة، بل إنما فعل ذلك في المسجد.
لكن يقال: هذا الفعل مشروع أم لا؟ وهل هو مما يسنّ في المسجد أم هو من أحكام المسجد، ليس من أحكام القبر؟ ولكن كثير من الناس ما بقي يعرف زيارة القبر، إلا ما يكون في المسجد، وهو اسم لا يطابق مسماه، بخلاف أهل البدع الذين يقصدون ما نهى عنه، وقد يجعلون ما نهى عنه أفضل مما أمر به، كما فعلته //٥٠ب// النصارى وأشباههم.
ولكن أهل البدع لا يتمكنون من فعل بدعة عند قبره، ولا من الوصول
стр. 74
إلى قبره (١) ، ولا يقدر أحد أن يتخذه عيدًا ولا مسجدًا، ولا وثنًا (٢) ، ولله الحمد والمنّة؛ فهذا ما فعل بقبره قط، بل كان الصّحابة يمتنعون منه مع قدرتهم عليه، ومن بعد الصحابة مُنعوا منه، فلو طلبوا فعله /٣٣ب/ لما قدروا عليه؛ لأن الصحابة أعلم بدينه، وأتبع له.
وأما غير النبي ﷺ من سائر المؤمنين إذا زير قبره، فإنه (٣) يزار قبره فيوصل إليه، فيسلّم (٤) عليه، ويدعى له هناك، ومثل هذا لا يشرع في مغيبه، فلم يشرع أن يقال في (٥) الصّلاة: السّلام (٦) على فلان وفلان، وإنما قيل على سبيل العموم: «السَّلَامُ عَلَيْنَا، وَعَلَى عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ» ، فتبين أنه يحصل لغيره في زيارة قبره من المنفعة ما لا يحصل بدون ذلك، بخلاف الرسول ﷺ ، فإن الذي يحصل له مع عدم الزيارة أكمل، وأفضل، وأنفع.
# # #
стр. 75
//٥١أ// «فصل»
فهذا فرق من جهة انتفاء المصلحة.
وفرق آخر من جهة حصول المفسدة، وهو أن: لفظ الزيارة للقبور (١) قد صار في عرف النّاس متناولاً للزيارة الشرعية المأمور بها، والبدعية (٢) المنهي عنها، بل كثير منهم إذا أطلق زيارة قبور الأنبياء والصالحين، إنما يفهم منها: الزيارة البدعية، المنهي عنها، كاتخاذ قبورهم مساجد، وأعيادًا، واتخاذ قبورهم أوثانًا، ومشابهة أهل الكتاب فيما لعنهم عليه النبي ﷺ ، وفعل ما نهى عنه الرسول بقوله (٣) : «إِنَّ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ كَانُوا يَتَّخِذُونَ الْقُبُورَ مَسَاجِدَ، /٣٤أ/ أَلَا فَلَا تَتَّخِذُوا الْقُبُورَ مَسَاجِدَ، فَإِنِّي أَنْهَاكُمْ عَنْ ذَلِكَ» رواه مسلم في صحيحه (٤) ، وغيره.
ويقصدون الحج إلى قبورهم، واتخاذ ذلك نسكًا، والدُّعاء، والصلاة لهم، فمنهم من يسجد للقبر، ومنهم من يطلب منه كما يطلب من الله، فيقول: اغفر لي وارحمني، وعامتهم يصلُّون عنده، ويطلبون منه الدعاء لهم، أو يدعون به، أو يشتكون إليه، ويطلبون منه قضاء الحاجة في الجملة، فيقول هذا (٥) : أشكو إليك ذنوبًا (٦) أنت تعلمها، كأنه يخاطب ربّ العالمين، ويقول هذا: أشكو إليك دَيْني وعيالي، //١٥٦ب// وهذا يقول (٧) : أشكو إليك الجدب، والقحط، ويقول هذا: أشكو إليك ظهور العدو، فيخاطبونه كما يخاطب ربّ العالمين، ويشتكون (٨) إليه ما لا يشتكى إلا إلى الله (٩) ، كما قال يعقوب (١٠) : ﴿إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ﴾ [يوسف: ٨٦] وكان عمر بن