التاريخ المعتبر في أنباء من غبر
«وهو كتاب جامع لتاريخ الأنبياء وتاريخ الإسلام وتراجم أئمته العظام إلى مبتدأ القرن العاشر الهجري»
تأليف
القاضي مجير الدين العليمي عبد الرحمن بن محمد بن عبد الرحمن المقدسي الحنبلي
(المولود بالقدس سنة ٨٦٠ هـ والمتوفى بها سنة ٩٢٨ هـ) - رحمه الله تعالى -
تحقيق ودراسة
لجنة مختصة من المحققين
بإشراف
نور الدين طالب
دار النوادر
стр. 2
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
стр. 3
التَّاريخُ المُعْتَبَر في أنبَاءِ مَنْ غبَر
[١]
стр. 4
جميعُ الحقُوقِ مَحْفوظَة
الطَّبعَةُ الأُولى
١٤٣١ هـ - ٢٠١١ م
ردمك: ٨ - ٨٧ - ٤١٨ - ٩٩٣٣ - ٩٧٨ ISBN
دَار النَّوَادِر
سورية - لبنان - الكويت
مؤسسة دَار النَّوَادِر م. ف - سُورية * شركَة دَار النَّوَادِر اللبنانية ش. م. م - لبنان * شركَة دَار النَّوَادِر الكويتية ذ. م. م - الكويت
سورية - دمشق - ص. ب: ٣٤٣٠٦ - هَاتِف: ٢٢٢٧٠٠١ - فاكس: ٢٢٢٧٠١١ (٠٠٩٦٣١١)
لبنان - بيروت - ص. ب: ١٤/ ٥١٨٠ - هَاتِف: ٦٥٢٥٢٨ - فاكس: ٦٥٢٥٢٩ (٠٠٩٦١١)
الكويت - حَولي - ص. ب: ٣٢٠٤٦ - هَاتِف: ٢٢٦٣٠٢٢٣ - فاكس: ٢٢٦٣٠٢٢٧ (٠٠٩٦٥)
www.daralnawader.com
info@daralnawader.com
أسسها سنة ٢٠٠٦ م نور الدّين طَالب المدير الْعَام والرئيس التنفيذي
стр. 5
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
مُقَدِّمة التَّحْقيق
إنَّ الحمدَ لله نحمدُه ونستعينُه ونستغفرُه، ونعوذ بالله من شرورِ أنفُسِنا ومن سيِّئات أعمالنا، من يهدِهِ اللهُ فلا مُضِلَّ له، ومن يُضْلِلْ فلا هاديَ له، وأشهدُ أن لا إلهَ إلا الله وحدَه لا شريكَ له، وأشهدُ أنَّ محمداً عبدُه ورسولُه، وصلَّى الله على نبيِّنا محمدٍ وعلى آلِهِ وصحبه وسلم.
أمّا بعد:
فإنَّ التاريخَ: علمٌ يُبحثُ فيه عن معرفة أحوال الجماعات وبُلدانهم ورسُومِهم وعاداتهم وصَنائعهم وأنسابهم ووفَياتهم.
وموضوعه: أحوالُ الأشخاصِ الماضيةٍ، من الأنبياء والأولياء والعلماء والحكماء والشعراء والملوك والسَّلاطين وغيرِهم.
والغرضُ منه: الوقوفُ على الأحوالِ الماضيةِ من حيث هِيَ وكما كانت (١).
стр. 6
* ولكتب التاريخِ وأخبارِه فوائدُ كثيرة، ومنافعُ دنيويةٌ وأُخْرويةٌ جمَّةٌ غزيرة (١):
* فمن الفوائد الدنيوية:
- أنَّ الإنسانَ لا يخفى أنه يحِبُّ البقاء، ويؤثر أن يكون في زُمرة الأحياء، فأيُّ فرقٍ يكون بين ما رآه أمسِ أو سمعه، وبين ما قرأه في الكتب المتضمنة أخبارَ الماضينَ وحوادثَ المتقدمين، فإذا طالَعها فكأنَّه عاصرهم، وإذا علمها فكأنه حاضَرهم.
- ومنها: أنَّ الملوكَ ومَنْ إليهم الأمرُ والنهي إذا وقَفوا على ما فيها من سيرة أهل الجَور والعدوان ورأَوْها مدوَّنة في كتبٍ يتناقلها الناسُ فيرويها خلفٌ عن سلف، ونظروا إلى ما أعقبت من سوء الذِّكر وقبيح الأُحدوثة، وخرابِ البلاد، وهلاك العباد، وذهاب الأموال، وفساد الأحوال، استقبحوها وأَعْرضوا عنها واطَّرحوها.
وإذا رأَوْا سيرةَ الوُلاة العادلين وحسنَها وما يتبعها من الذِّكر الجميل بعد ذهابهم، وأنَّ بلادهم وممالكهم عَمَرت، وأموالَها درَّت، استحسنُوا ذلك ورَغِبوا فيه وثابروا عليه وتَركوا ما ينافيه، هذا سوى ما يحصل لهم من معرفة الآراء الصَّائبة التي دفعوا بها مضرَّات الأعداء، وخَلُصوا بها من المهالك، واستصانوا نفائسَ المدنِ وعظيمَ الممالك، ولو لم يكن فيها
стр. 7
غيرُ هذا لكفى به فخراً.
- ومنها: ما يحصل للإنسان من التَّجارِب والمعرفة بالحوادث، وما تصير إليه عواقبُها، فإنه لا يحدُث أمرٌ إلا قد تقدَّم هو أو نظيره، فيزداد بذلك عقلاً، ويُصْبحُ لأَنْ يُقتدى به أهلاً.
- ومنها: ما يتجمَّل به الإنسانُ في المجالس والمحافل من ذكرِ شيء من معارفِها، ونقلِ طَرِيفة من طرائفها، فترى الأسماعَ مُصْغيةً إليه، والوجوهَ مُقْبلةً عليه، والقلوبَ متأمِّلةً ما يورِدُه ويصدُرُه، مستحسنةً ما يذكرُه.
* وأما الفوائد الأخروية:
- فمنها: أنَّ العاقلَ اللَّبيبَ إذا تفكَّر فيها ورأى تقلُّبَ الدُّنيا بأهلها، وتتابعَ نكَباتها إلى أعيان قَاطِنيها، وأنها سَلَبت نفوسَهم وذخائِرَهُم، وأعْدَمت أصاغِرَهُم وأكابرهم، فلم تُبْقِ على جليلٍ ولا حقير، ولم يَسْلَم من نكَدها غنيٌّ ولا فقير، زَهِدَ فيها وأعرضَ عنها وأقبلَ على التزوُّد للآخرة منها، ورَغِبَ في دار تنزَّهت عن هذه الخصائص، وسَلِمَ أهلُها من هذه النقائص.
- ومنها: التخلُّق بالصَّبر والتأسِّي، وهما من محاسن الأخلاق، فإنَّ العاقلَ إذا رأى أنَّ مُصَابَ الدُّنيا لم يَسْلَم منه نبيٌّ مُكَرَّمٌ ولا مَلِكٌ معظَّمٌ، بل ولا أحدٌ من البشر، عَلِمَ أنه يُصيبه ما أصابهم، وَينُوبه ما نَابَهم.
стр. 8
وهَلْ أَنا إلا مِنْ غَزِيَّةَ إنْ غَوَتْ ... غَويتُ وإنْ تَرْشُدْ غَزِيَّةُ أَرْشُدِ
ولهذه الحكمة وردت القصص في القرآن المجيد ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾ [ق: ٣٧]، فإنْ ظَنَّ هذا القائلُ أنَّ الله سبحانه أراد بذكرها الحكاياتِ والأسمارَ فقد تمسَّكَ من أقوال الزَّيغِ بمُحْكَم سببِها حيث قالوا: هذه أساطيرُ الأولينَ اكْتَتبها.
وهذا كتابٌ نفيسٌ حاوٍ للفوائدِ الدُّنيوية والأُخروية جمعاً، للإمام العلاَّمة مُجير الدِّين العُلَيميِّ الحنبلي، وَسَمه بـ"التَّاريخ المعتبر في أنباء مَنْ غَبر" ذَكَر فيه من الحوادث العجيبة والوقائع الغريبة والعبر، وأخبارِ مَنْ فات ومَنْ حضر، ما ترتاحُ لسماعه القلوب، وما يزُول عن مطالعه ما يجده من الهمِّ والكُروب، أوردَ فيه أخبارَ الأنبياءِ وأحوالَ الأممِ والملوكٍ، وذكر تراجمَ الأعيانِ من الصَّحابة والتابعين والأئمة المَرْضيين، مُعرِّجاً على ذكر الحكماء والصُّلحاء والشعراء، مُؤْثراً في سرده الاختصار، على التطويل والإكثار، بأسلوب سهلٍ بعيدٍ عن التعقيد في ذكر الأحداث، مبوِّباً لذلك أحسنَ تبويب.
فقد ابتدأ كتابَه بقصص الأنبياء؛ بذكرِ آدمَ وانتهاء بعيسى ﵉.
ثم ذكرَ أممَ اليهودِ والنَّصارى والهند والسِّند والسُّودان وغيرِهم، حاكياً فيها الأمور العِجَاب، مُورداً جملةً من الإسرائيليات على سبيل
стр. 9
التحلِّي بها والتندُّر، لا على سبيل الاستشهاد والاحتجاج.
ثم ذكر سيرةَ النبيِّ ﷺ بأسلوبٍ مختصَرٍ مَلِيح حتى انتهى إلى وفاتِه ﷺ .
ثم أتى على ذكر الخُلفاء الراشدين الأربعةِ وما جرى في خلافاتهم من وقائعَ وأحداثٍ.
ثم أتبعهم بذكر خلفاءِ بني أميةَ مُبتَدِأً بمعاويةَ بن أبي سفيانَ ﵁، خاتماً بخلافةِ مروانَ بنِ محمد.
ثم أعقبهم بذكر خلفاءِ بني العبَّاس مبتدأً بخلافة أبي العباس السَّفَّاح، وخاتماً بخلافة المُستعصم بالله.
ثم ذكر خلفاءَ الدَّولةِ العَلَوِّية الفاطميَّة، والخلفاءَ من بني العباس بالديار المصرية، وأخبارَ ملوكِ سلاطينِ الأيوبيين والمماليكِ حتى سلطنةِ قايتباي الظاهري سنةَ إحدى وتسع مئة.
سارداً في أثناء ذلك كلِّه لُمعاً من أخبارهم وأحوالهم ومواليدهم ووفياتهم، وما جرى في ولاياتهم وسَلْطَنَاتهم من وقائعَ وأحداث، بذكرِها على ترتيب السَّنوات حَسْبَ الإمكان، وبذلك ينتهي الجزءُ الأول من كتابه.
ثم أفردَ الجزءَ الثاني منه بذكر تراجمِ الأعيانِ من الأئمة الأربعة وغيرِهم من التابعين والعلماء الأعلام والرؤساء والوزراء والشعراء والقضاة على وجه الاختصار مُرَتَّبين على حروفِ المُعْجَم من غير التزامٍ
стр. 10
بترتيب الأسماء في كلِّ حرف كما ذَكَر، معرِّفا باسم المترجَم وتاريخِ وَفاته وذكرِ شيء مِنْ سيرته إن تيسَّر على وجه الاختصار، جامعاً ما يزيد على ستِّ مئة عَلَم.
هذا وقد وفَّقنا الله للوقوف على نسخة خطيَّة نَفيسة منقولَة عن نُسخة المؤلِّف التي كتبها بخطِّه، وهي مِنْ خزائن مكتبة جامعة برنستون، بالولايات المتحدة الأمريكية، تحت رقم (٢٢٦٣)، وتقع في جزأين، الأولِ منهما يقع في (١١٢) ورقة، والثاني في (٧٠) ورقة.
وقد كتبت سنة خمس وأربعين وتسع مئة.
وهي نسخةٌ جيدة مكتوبة بخطٍّ جيد، كُتبت فيها العناوينُ الرئيسةُ باللَّون الأحمر، وحُلِّيت بالهوامش والتَّصحيحات.
* وقد كان العملُ في هذا الكتاب على النحو التالي:
١ - نسخ الأصل الخطِّي بحسب قواعد ورسم الإملاء الحديث.
٢ - معارضةُ المنسوخ بالأصل الخطِّي للتأكُّد من سلامة النص واستقامته.
٣ - معارضةُ مادةِ المؤلّف التي سَرَدها بالأصول التي نقل عنها، وأكثرُها من "وفيات الأعيان" لابن خلِّكان، و"المختصر في أخبار البشر" لأبي الفداء الحَمَوي، و"تتمة المختصر" لابن الوَرْدِي، كما أن جملة من مادته متقاطعٌ مع مادة كتابه الحافِل الآخر: "الأُنس الجليل في تاريخ القدس والخليل".
стр. 11
٤ - جعل الزِّيادات وما لا يقوم النص إلا به بين معكوفتين، مستفاداً من الكتب التي كان ينقل عنها المؤلف ﵀.
٥ - عزو الآيات القرآنية الكريمة إلى مواضعها، وإدراجها برسم المصحف الشريف في صُلْب النَّص.
٦ - تخريج الأحاديث النبوية الشريفة وبعض الآثار، وهي قليلةٌ جداً.
٧ - ضبطُ الأماكن والبقاع والأعلام وما يُشْكِلُ لفظُه بالشكل المناسب.
٨ - كتابة مقدمة للكتاب وترجمة للمؤلف ﵀.
٩ - تذييل الكتاب بفهرسٍ للآيات القرآنية، والأحاديث النبوية الشريفة، والأشعار، والأعلام المترجَم لهم، وفهرس للموضوعات.
هذا ولا بدَّ من توجيه الشُّكر والعِرْفان للجنة العلمية التي ساهمت في إخراج هذا المُصنَّف النفيس، والحمد لله الذي بنعمته تتمُّ الصالحات، وصلى الله على نبيِّنا محمدٍ وعلى آله وصحبِه وسلَّم.
حَرَّرُه
نور الدين طالب
دِمشق - دُومَة
٩ رمضان ١٤٣١ هـ
стр. 12
تَرجَمَةُ الإمامِ مُجير الدِّين العُلَيمي (١)
* اسمهُ وَنَسَبهُ وَوِلَادتهُ:
هو الإمام، المؤرخ، المفسر، الفقيه، القاضي، أبو اليمن، عبد الرحمن بن محمد بن عبد الرحمن بن يوسف العليمي (٢)،
стр. 13
العمري (١)، مجير الدين، المقدسي، الحنبلي (٢).
ولد كما أخبر عن نفسه يوم الأحد، ثالث عشر ذي القعدة، سنة (٨٦٠ هـ) بالقدس الشريف (٣).
* * *
* نَشْأتهُ وَطَلبهُ لِلعِلمِ:
نشأ ﵀ في حجر والده العلامة قاضي القضاة شمس الدين محمد بن عبد الرحمن، وتفقه عليه، وأخذ عنه جملة من العلوم النافعة (٤).
стр. 14
وبدت عليه ﵀ مخايل النجابة منذ الصغر؛ فقد حفظ: "ملحة الإعراب" للحريري، وعرضها على الشيخ محمد بن عبد الله القرمشندي، وله ست سنين (١)، ثم حفظ القرآن وهو في العاشرة من عمره على الشيخ علاء الدين علي بن عبد الله الغزي، وكرر عليه ختم القرآن مرات كثيرة، وأحضره مجلس شيخه محمد بن موسى بن عمران في الحديث، واعتنى له بتحصيل الإجازة منه (٢).
ثم حفظ كلًّا من "المقنع"، و"الخرقي"، وعرضهما على علماء بلده؛ كالكمال بن أبي شريف، وأبي الأسباط أحمد بن عبد الرحمن الرملي، والنجم ابن جماعة، وغيرهم.
ودخل القاهرة سنة (٨٨٠ هـ)، وأقام بها عشر سنين، وحل على شيخه القاضي بدر الدين السعدي، وتفقه به، وسمع الحديث على جماعة، منهم: الحافظ السخاوي، والقطب الخيضري، والجلال البكري، وغيرهم.
وولي قضاء القدس، وكان من أمثل القضاة فيها (٣)، والرملة، والخليل، ونابلس مدة إحدى وثلاثين سنة، لم يتخلل له منها عزل (٤).
стр. 15
وقد حج سنة (٩٠٨ هـ)، وأقام بمكة نحو شهر، ملازماً للتلاوة والعبادة، ثم انقطع بعد انفصاله عن القضاء بالمسجد الأقصى يدرس ويفتي ويؤلف (١).
* * *
* شُيُوخهُ:
١ - والده الخطيب، الفقيه، المحدث، قاضي القضاة، شمس الدين، محمد بن عبد الرحمن بن محمد العمري العليمي .
ولد بمدينة الرملة سنة (٨٠٧ هـ)، وولي قضاءها سنة (٨٣٨ هـ)، ولم يعلم أن حنبلياً قبله وليها في هذه الأزمنة، ثم ولي قضاء القدس، والخليل، وصفد، وباشر نيابة الحكم بدمشق، وكان صحيح الاعتقاد، متبعاً للسنة، ينكر على المبتدعة وينافرهم، ويصرح في خطه - في كثير مما يكتبه - بالتبرؤ إلى الله تعالى ممن يعتقد خلاف مذهب أهل السنة والجماعة، ولا يرى الكلام في علم الكلام، ويرى التسليم أسلم.
توفي بالطاعون سنة (٨٧٣ هـ) بالرملة (٢).
стр. 16
٢ - شيخ الإسلام، حافظ العصر، كمال الدين، أبو المعالي، محمد بن محمد بن أبي بكر بن علي بن أبي شريف المقدسي، الشافعي .
قال المؤلف ﵀: عرضت عليه في حياة الوالد ﵀ قطعة من كتاب "المقنع في الفقه" على مذهب الإمام أحمد ﵁، ثم عرضت عليه مرة ثانية ما حفظت بعد العرض الأول، وأجازني في شهور سنة (٨٧٣ هـ)، وحضرت بعض مجالسه من الدروس والإملاء بالمدرسة الصلاحية. وحضرت كثيراً من مجالسه بالمسجد الأقصى الشريف، وحصلت الإجازة منه غير مرة؛ خاصة، وعامة.
وله تصانيف منها: "الإسعاد بشرح الإرشاد" في الفقه، و"الدرر اللوامع بتحرير جمع الجوامع" في الأصول، وكتب قطعة على "صحيح البخاري"، وغير ذلك.
توفي سنة (٩٠٠ هـ) (١).
٣ - الإمام، العالم، العلامة، شيخ الإسلام، بدر الدين، أبو المعالي، محمد بن محمد بن أبي بكر بن خالد السعدي المصري، الحنبلي .
قال المؤلف ﵀ شيخنا، وأستاذنا، وعالم عصرنا، سمع على الحافظ ابن حجر، وابن هشام، وعز الدين الكناني، وغيرهم.
قال المؤلف: ولقد أكرم مثواي عند تمثلي بين يديه، لمّا قدمت
стр. 17
عليه إلى القاهرة سنة (٨٨٠ هـ)، وأقمت تحت نظره للاشتغال بالعلم الشريف، فأحسن إليَّ، وتفضَّل عليَّ، وأفادني العلم، وعاملني بالحلم، ومكثت بالديار المصرية نحو عشر سنين إلى أن سافرت منها في سنة (٨٨٩ هـ)، وأنا مشمول منه بالصِّلات، ومتصل من فضله بالحسنات.
توفي سنة (٩٠٢ هـ) (١).
٤ - علاَّمة الزمان، عبد الله بن محمد بن إسماعيل، تقي الدين، أبو بكر القرمشندي الشافعي، سبط الحافظ أبي سعيد العلائي .
قال المؤلف ﵀: شيخنا، الإمام، العلامة، الحبر، الفهامة، أجازه جمع من العلماء والحفاظ، وأفتى ودرَّس، وناظر وحدَّث، وسمع عليه الرحالون، وساد بيت المقدس.
قال المؤلف: وقد عرضت عليه "ملحة الإعراب" سنة (٨٦٦ هـ) بمنزله، ولي دون ست سنين، وهو أول شيخ عرضت عليه، وتشرفت بالجلوس بين يديه، وأجازني بالملحة وبغيرها من كتب الحديث الشريف، وما يجوز روايته، وكتب والدي الإجازة بخطه، وكتب الشيخ خطه الكريم عليها.
توفي سنة (٨٦٧ هـ) (٢).
стр. 18
٥ - الإمام، العالم، قاضي القضاة، علي بن إبراهيم البدرشي، نور الدين أبو الحسن المصري المالكي .
قال المؤلف ﵀: شيخنا، كان من أهل العلم، وقد قرأت عليه قطعة من آخر كتاب "الخرقي" قراءة بحث وفهم، ثم قرأت قطعة من أول "المقنع" قراءة بحث وفهم، فكان يقرر في العبارة تقريراً حسناً، لعل كثيراً من أهل المذهب لا يقرره، وقرأت عليه في النحو، ولازمت مجالسته، وترددت إليه كثيراً، وحصل لي منه غاية الخير والنفع.
توفي سنة (٨٧٨ هـ) (١).
هذا وللمؤلف ﵀ عدد كبير من الشيوخ الذين أخذ عنهم، ذكر منهم جملة في كتابه "الأنس الجليل"، فممن ذكره:
٦ - أحمد بن عبد الرحمن الرملي، شهاب الدين، أبو الأسباط الشافعي، المتوفى سنة (٨٧٧ ه ـ) (٢).
٧ - أحمد بن علي اللُّدِّي الشافعي، سبط العلامة جمال الدين بن جماعة الكناني، المتوفى سنة (٨٨٠ ه ـ) (٣).
٨ - أحمد بن عمر العميري ، شهاب الدين، أبو العباس الشافعي،
стр. 19
المتوفى سنة (٨٩٠ هـ) (١).
٩ - إبراهيم بن عبد الرحمن ، برهان الدين أبو إسحاق الأنصاري الخليلي الشافعي، المتوفى سنة (٨٩٣ هـ) (٢).
١٠ - علي بن عبد الله بن محمد ، علاء الدين الغزي الحنفي، المعروف بابن قاموا، المتوفى سنة (٨٩٠ هـ) (٣).
١١ - محمد بن عبد الوهاب ، شمس الدين، أبو مساعد الشافعي، المتوفى سنة (٨٧٣ هـ) (٤).
١٢ - محمد بن موسى بن عمران الغزي ، شمس الدين، أبو عبد الله المقدسي الحنفي، المتوفى سنة (٨٧٣ هـ) (٥).
كما أخذ المؤلف ﵀ عن الحافظ السخاوي، وطلب منه الإجازة.
قال ابن حُميد - نقلاً عن السخاوي -: كتب إليَّ سنة (٨٩٦ هـ) يلتمس مني أن أُذيِّل له على "طبقات الحنابلة" لابن رجب، وأن أجيز له،
стр. 20
ثم قال: وقد دخل القاهرة، وجلس به شاهداً (١).
* * *
* تَلَاميذهُ:
لم تذكر لنا المصادر التي ترجمت للإمام العليمي الآخذين عنه، والمتتلمذين على يديه، ما خلا ما ذكره جار الله بن فهد المكي الشافعي المسند المؤرخ، المتوفى سنة (٩٥٤ هـ)، حيث ذكر أنه أخذ عن العليمي بعض مؤلفاته، وأجاز له روايتها (٢).
وأفاد الدكتور عبد الرحمن العثيمين: أنه وقف على إجازة للإمام العليمي يجيز بها أحد تلامذته، وهو إبراهيم بن خليل القاقوني (٣) الحنبلي، بكتاب: "التسهيل" في الفقه الحنبلي (٤).
стр. 21
* تَصَانيفهُ:
١ - " الأنس الجليل في تاريخ القدس والخليل" (١).
٢ - "ملخص من كتاب الأنس الجليل" (٢).
٣ - "المنهج الأحمد في تراجم أصحاب الإمام أحمد" (٣).
٤ - "الدر المنضد في ذكر أصحاب الإمام أحمد" (٤).
٥ - "الإعلام بأعيان دول الإسلام" (٥).
٦ - "التاريخ المعتبر في أنباء من غبر"، وهو الكتاب الذي بين أيدينا.
١٠ - "فتح الرحمن في تفسير القرآن" (١).
١١ - "الوجيز" مختصر "فتح الرحمن" (٢).
قال الغزي: وله غير ذلك من التآليف والفوائد، وكلها عليها الرونق والبهجة؛ لحسن إخلاصه، ومزيد اختصاصه (٣).
* * *
* ثَنَاء العُلَماء عَلَيْهِ، وَوفَاتهُ:
١ - قال الحافظ السخاوي: أَمْثَلُ قضاةِ القدس، حسن السِّيرة، له شهرة بالفضل والإقبال على التاريخ، مع خطٍّ حسن ونَظْم (٤).
٢ - قال الغزي: هو الإمام، العلامة، المسند، المؤرخ، الفقيه، المتفنن في سائر العلوم، المتحلي بقلائد المنطوق والمفهوم ... ثم قال: الخطيب، الفقيه، المحدث، الأثري.
стр. 24
* وكان قد توفي ﵀ ببيت المقدس سنة (٩٢٨ هـ)، رحمه الله تعالى، ورضي عنه (١).
стр. 25
صُوَر المَخْطُوطات
стр. 26
صورة غلاف الجزء الأول من النسخة الخطية
стр. 27
صورة اللوحة الأولى من الجزء الأول من النسخة الخطية
стр. 28
صورة اللوحة الأخيرة من الجزء الأول من النسخة الخطية
стр. 29
صورة اللوحة الأولى من النسخة الخطية للجزء الثاني
стр. 30
صورة اللوحة الأخيرة من النسخة الخطية للجزء الثاني
стр. 31
التاريخ المعتبر في أنباء من غبر
«وهو كتاب جامع لتاريخ الأنبياء وتاريخ الإسلام وتراجم أئمته العظام إلى مبتدأ القرن العاشر الهجري»
تأليف
القاضي مجير الدين العليمي عبد الرحمن بن محمد بن عبد الرحمن المقدسي الحنبلي
(المولود بالقدس سنة ٨٦٠ هـ والمتوفى بها سنة ٩٢٨ هـ) - رحمه الله تعالى -
تحقيق ودراسة
لجنة مختصة من المحققين
بإشراف
نور الدين طالب
[المجلد الأول]
стр. 32
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
وصلى الله على سيدنا ومولانا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
الحمد لله على ما أنعم به علينا من جزيل آلائه، والصلاة والسلام على سيد رسله وخاتم أنبيائه.
أمّا بعد:
فهذه أوراق تتضمن طرفاً من ذكر التاريخ، ترتاح لسماعه القلوب، ويزول عن مطالعه ما يجده من الهم والكُروب، لخصته على سبيل الاختصار، وأوجزتُ ألفاظَه على وجه الاقتصار، وذكرت فيه بعضَ ما وقع في الزمان الأول، والله حسبي، وعليه في كلِّ الأمور المعوَّل.
* * *
روي عن ابن عباس ﵄، قال: الدنيا جُمعةٌ من جُمَع الآخرة، سبعةُ آلاف سنة، وقد مضى ستةُ آلاف سنة، [ومئتا سنة] (١)، وليأتينَّ عليها مِئُون
стр. 33
من سنين ليس عليها مُوَحِّد (١).
وعن أنس بن مالك، عن النبي ﷺ : أنه قال: "بُعِثْتُ أَناَ وَالسَّاعَةُ كَهَاتَيْنِ" (٢)، يعني: أنه أشار بين الوسطى والسبابة.
وأما ما مضى من الزمان - على ما دلت عليه التوراة اليونانية -، وهي التوراة التي اختارها المحققون من المؤرخين، وليس فيها ما يقتضي الإنكار من جهة الماضي من عمر الزمان، والذي تنبئ به هذه التوراة اليونانية: أنه ما بين هبوط آدم إلى الطوفان ألفان ومئتان واثنتان وأربعون سنة.
وما بين الطوفان - وكان لست مئة مضت من عُمُر نوح - وبين مولد إبراهيم الخليل ﵇ ألف وإحدى وثمانون سنة.
وبين مولد إبراهيم ووفاة موسى ﵇ خمس مئة وخمس وأربعون سنة.
وبين وفاة موسى وابتداء ملك بُخْتَنَصَّر تسع مئة، وثمان وسبعون سنة، ومئتان وثمان وأربعون يوماً.
стр. 34
وأما ما بين ابتداء ملك بختنصر وبين الهجرة، فهو ألف، وثلاث مئة وتسع وستون سنة، ومئة وسبعة عشر يوما.
فيكون من هبوط آدم إلى الهجرة الشريفة الإسلامية ستة آلاف سنة، ومئتان وست عشرة سنة، وهذه التوراة هي المعتمدة عند المحققين من المؤرخين.
وأما التوراة السامرية، فتنبئ أنَّ من هبوط آدم إلى الهجرة خمسةَ آلاف، ومئة وسبعاً وثلاثين سنة، وهذه التوراة مفسودة.
وأما التوراة العبرانية، فهي - أيضاً - مفسودة، وهي التي بأيدي اليهود، وهي تنبئ أن بين آدم وبين الهجرة أربعة آلاف، وسبع مئة وإحدى وأربعين سنة.
وجملة سِني هذه التوراة تنقص عن التوراة اليونانية - وهي التي عليها العلماء - ألفاً وأربع مئة وخمساً وسبعين سنة، وهذه الجملة هي القدر الذي نقصه اليهود من الماضي من سني العالم، والذي دعا اليهود إلى ذلك: أن التوراة وغيرها من كتب بني إسرائيل بشَّرت بالمسيح، وأنه يجيء في أواخر الزمان، وكان مجيء المسيح في الألف السادس، فلما فعلوا ذلك، صار المسيح في أول الألف الخامس، فيكون مجيء المسيح في وسط الزمان، لا في أواخره؛ بناء على أن عمر الزمان جميعه سبعة آلاف سنة، فنقص اليهود ما نقصوه؛ دفعًا لنبوة عيسى ﵇، وقالوا: لم يأت الوقت الذي وُقِّت له.
стр. 35
قَصَصُ الأنْبِياءِ وَالأُممِ السَّابِقَةِ
стр. 36
قَصَصُ الأنْبِياءِ وَالأُممِ السَّابِقَةِ
(١ - ذكر آدم ﵇
قال النبي ﷺ : "إِنَّ اللهَ تَعَالَى خَلَقَ آدَمَ مِنْ قَبْضَةٍ قَبَضَهَا مِنْ جَمِيعِ الأَرْضِ، فَجَاءَ بَنُو آدَمَ عَلَى قَدْرِ الأَرْضِ، [جَاءَ] مِنْهُمُ الأَحْمَرُ وَالأَسْوَدُ وَالأَبْيَضُ وَبَيْنَ ذَلِكَ، وَمنهمُ السَّهْلُ وَالْحَزْنُ، [وَالْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ]، وَبَيْنَ ذَلِكَ" (١)، وإنما سُمِّي آدمَ؛ لأنه خُلق من أديم الأرض، وخَلق الله تعالى جسدَ آدمَ، وتركه أربعين ليلةً، وقيل: أربعين سنة، مُلقًى بغير روح.
وقال الله تعالى للملائكة: ﴿فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ﴾ [الحجر: ٢٩]، فلما نفخ فيه الروح، سجد له الملائكةُ كلُّهم أجمعون، إلا إبليس أبى واستكبر، وكان من الكافرين، ولم يسجد كِبْراً وبَغياً وحسداً، فأوقع الله تعالى على إبليس اللعنةَ والإياسَ من رحمته، وجعله شيطاناً رجيماً، وأخرجه من الجنة، بعد أن كان مَلِكاً على سماء الدنيا والأرض، وخازناً من خزَّان الجنة، وأسكن الله آدمَ الجنةَ، ثم
стр. 37
خلق الله من ضِلَع آدم حواءَ زوجتَه، وسُميت حواء؛ لأنها خلقت من شيء حيٍّ، فقال الله: ﴿يَاآدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [البقرة: ٣٥].
ثم إن إبليس أراد دخولَ الجنة، ليوسوسَ لآدم، فمنعه الخزنةُ، فعرض نفسه على دواب الأرض أن تحملَه حتى يدخل الجنة؛ ليكلم آدمَ وزوجَه، فكلُّ الدواب أبى ذلك غيرَ الحيَّة؛ فإنها أدخلته الجنة بين نابيها، وكانت - إذّاك - على غير شكلها الآن، فلما دخل إبليس الجنة، وسوس لآدم وزوجه، وحسَّن عندهما الأكلَ من الشجرة التي نهاهما الله عنها، وهي الحنطة، وقرر عندهما أنهما إن أكلا منها، خُلِّدا، ولم يموتا، فأكلا منها، فبدت لهما سوءاتهما، فقال الله تعالى: ﴿اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾ [البقرة: ٣٦]: آدم، وحواء، وإبليس، والحية، وأهبطهم الله من الجنة إلى الأرض، وسلب آدمَ وحواء كل ما كانا فيه من النعمة والكرامة.
فهبط آدم بسَرَنْدِيب من أرض الهند على جبل يقال له: نَوذ، وحواء بجُدَّة، وإبليس بأَيْلَة، وقيل: بميسان بالبصرة على أميال، والحية بأصفهان.
قال الضحَّاك: فجَعل كلُّ واحد منهما يطلب صاحبه، فاجتمعا بعرفات يومَ عرفةَ، وتعارفا، فسُمي اليومُ: عرفةَ، والموضعُ: عرفات.
وكان هبوط آدم من باب التوبة، وحواء من باب الرحمة، وإبليس من باب اللعنة، والحية من باب السُّخط، وكان في وقت العصر.
стр. 38
ولما هبط آدم إلى الأرض، كان له ولدان: هابيل وقابيل، فقرَّبا قرباناً، فتُقبل قربان هابيل دون قابيل، فحسده على ذلك، وقتل قابيلُ هابيلَ، وقيل: إنه كان لقابيل أخت توءمة، وكانت أحسن من توءمة هابيل، وأراد آدم أن يزوِّج توءمة قابيل بهابيل، وتوءمة هابيل بقابيل، فلم يطب لقابيل ذلك، فقتل أخاه هابيل، وأخذ قابيل توءمته، وهرب بها.
وعاش آدم تسع مئة سنة، وثلاثين سنة، وقد بلغ عدد ولده وولد ولده لما توفي أربعين ألفاً، ونزل عليه جبريل ﵇ اثنتي عشرة مرة.
وبعد قتل هابيل، ولد لآدم شيث: وهو وصيُّ آدم، وتفسير شيث: هبة الله، عاش تسع مئة واثنتي عشرة سنة، وكانت وفاته لمضي ألف ومئة واثنتين وأربعين سنة لهبوط آدم، واسم شيث عند الصابئة: عاديمون، وإلى شيث تنتهي أنساب بني آدم كلهم.
ثم ولد لشيث أنوش عاش تسع مئة وخمسين سنة.
ثم ولد لأنوش قينان عاش تسع مئة وعشر سنين.
ثم ولد لقينان مهلائيل عاش ثماني مئة وخمساً وتسعين سنة.
ثم ولد لمهلائيل يرد - بالدال المهملة، والذال المعجمة أيضاً - عاش تسع مئة واثنتين وستين سنة.
[ثم ولد له] حنُوخ - بحاء مهملة ونون وواو وخاء معجمة -، وهو إدريس ﵇، رُفع لما صار له من العمر ثلاث مئة [وخمس]
стр. 39
وستون سنة، رفعه الله إلى السماء، وكان قد نبأه الله، وانكشفت له الأسرار السماوية.
ونزل عليه [جبريل ﵇] أربع مرات، وله صحف، منها: لا تروموا أن تحيطوا بالله خبرة؛ فإنه أعظمُ وأعلى أن تدركه فِطَنُ [المخلوقين إلا] من آثاره.
ثم ولد لحنوخ: متوشلح - بتاء مثناة من فوقها، وقيل: بثاء مثلثة، وآخره حاء مهملة - عاش تسع مئة [وتسعاً وستين] سنة.
ثم ولد لمتوشلح لامخ، ويقال له: لامك.
ثم ولد للامخ وقد صار له من العمر مئة وثمان و [ثمانون سنة: نوح]، وكانت ولادة نوح بعد أن مضى ألف وست مئة واثنتان وأربعون سنة من هبوط آدم.
* * *
٢ - ذكر نوح ﵇
أرسل الله نوحاً إلى قومه، وكانوا أهل أوثان، وصار نوح يدعوهم إلى طاعة الله، وهم لا يلتفتون إليه، وكانوا يخنقونه حتى يغشى عليه، فإذا أفاق، قال: "اللهمَّ اغفرْ لقومي فإنهم لا يعلمون"، وكانوا يضربونه حتى يظنوا أنه مات، فإذا أفاق، [اغتسل]، وأقبل عليهم يدعوهم إلى الله، فلما طال ذلك، شكاهم إلى الله، فأوحى الله إليه: ﴿أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ
стр. 40
إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ﴾ [هود: ٣٦].
فلما أيس منهم، دعا عليهم، فقال: ﴿رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا﴾ [نوح: ٢٦]، فأوحى إليه أن يصنع السفينة، فصنعها من خشب السَّاج، فلما فار التنور - وكان هو الآية بين نوح وبين ربه - حمل نوح مَنْ أمرَهُ الله بحمله، ثم أدخل ما أمره الله من الدواب، وارتفع الماء، وجعلت الفُلك تجري بهم في موج كالجبال، وعلا الماء على رؤوس الجبال خمسة عشر ذراعاً، فهلك مَنْ على وجه الأرض من حيوان ونبات.
وكان بين أن أرسل الله الماء، وبين أن غاض: ستة أشهر، وعشر ليال.
وقيل: إن ركوب نوح في السفينة كان لعشر ليال مضت من رجب، وكان ذلك - أيضاً - لعشر ليال خلت من آب، وخرج من السفينة يوم عاشوراء من المحرم، وكان استقرار السفينة على الجُوديّ من أرض الموصل.
فولد لنوح: سام عاش ست مئة سنة، وهو أبو العرب وفارس والروم.
وحام أبو السودان.
ويافث أبو الترك ويأجوج ومأجوج، والفرنجُ والقبطُ من ولد قوطِ ابن حام.
وولد لسام أرفخشذ، عاش أربع مئة وخمساً وستين سنة.