← История

История · id 127698

التاريخ المعتبر في أنباء من غبر

مجير الدين العليمي

Полный текст (1 251 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

قَصَصُ الأنْبِياءِ وَالأُممِ السَّابِقَةِ (١ - ذكر آدم ﵇ قال النبي ﷺ : "إِنَّ اللهَ تَعَالَى خَلَقَ آدَمَ مِنْ قَبْضَةٍ قَبَضَهَا مِنْ جَمِيعِ الأَرْضِ، فَجَاءَ بَنُو آدَمَ عَلَى قَدْرِ الأَرْضِ، [جَاءَ] مِنْهُمُ الأَحْمَرُ وَالأَسْوَدُ وَالأَبْيَضُ وَبَيْنَ ذَلِكَ، وَمنهمُ السَّهْلُ وَالْحَزْنُ، [وَالْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ]، وَبَيْنَ ذَلِكَ" (١)، وإنما سُمِّي آدمَ؛ لأنه خُلق من أديم الأرض، وخَلق الله تعالى جسدَ آدمَ، وتركه أربعين ليلةً، وقيل: أربعين سنة، مُلقًى بغير روح. وقال الله تعالى للملائكة: ﴿فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ﴾ [الحجر: ٢٩]، فلما نفخ فيه الروح، سجد له الملائكةُ كلُّهم أجمعون، إلا إبليس أبى واستكبر، وكان من الكافرين، ولم يسجد كِبْراً وبَغياً وحسداً، فأوقع الله تعالى على إبليس اللعنةَ والإياسَ من رحمته، وجعله شيطاناً رجيماً، وأخرجه من الجنة، بعد أن كان مَلِكاً على سماء الدنيا والأرض، وخازناً من خزَّان الجنة، وأسكن الله آدمَ الجنةَ، ثم

стр. 37

خلق الله من ضِلَع آدم حواءَ زوجتَه، وسُميت حواء؛ لأنها خلقت من شيء حيٍّ، فقال الله: ﴿يَاآدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [البقرة: ٣٥]. ثم إن إبليس أراد دخولَ الجنة، ليوسوسَ لآدم، فمنعه الخزنةُ، فعرض نفسه على دواب الأرض أن تحملَه حتى يدخل الجنة؛ ليكلم آدمَ وزوجَه، فكلُّ الدواب أبى ذلك غيرَ الحيَّة؛ فإنها أدخلته الجنة بين نابيها، وكانت - إذّاك - على غير شكلها الآن، فلما دخل إبليس الجنة، وسوس لآدم وزوجه، وحسَّن عندهما الأكلَ من الشجرة التي نهاهما الله عنها، وهي الحنطة، وقرر عندهما أنهما إن أكلا منها، خُلِّدا، ولم يموتا، فأكلا منها، فبدت لهما سوءاتهما، فقال الله تعالى: ﴿اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾ [البقرة: ٣٦]: آدم، وحواء، وإبليس، والحية، وأهبطهم الله من الجنة إلى الأرض، وسلب آدمَ وحواء كل ما كانا فيه من النعمة والكرامة. فهبط آدم بسَرَنْدِيب من أرض الهند على جبل يقال له: نَوذ، وحواء بجُدَّة، وإبليس بأَيْلَة، وقيل: بميسان بالبصرة على أميال، والحية بأصفهان. قال الضحَّاك: فجَعل كلُّ واحد منهما يطلب صاحبه، فاجتمعا بعرفات يومَ عرفةَ، وتعارفا، فسُمي اليومُ: عرفةَ، والموضعُ: عرفات. وكان هبوط آدم من باب التوبة، وحواء من باب الرحمة، وإبليس من باب اللعنة، والحية من باب السُّخط، وكان في وقت العصر.

стр. 38

ولما هبط آدم إلى الأرض، كان له ولدان: هابيل وقابيل، فقرَّبا قرباناً، فتُقبل قربان هابيل دون قابيل، فحسده على ذلك، وقتل قابيلُ هابيلَ، وقيل: إنه كان لقابيل أخت توءمة، وكانت أحسن من توءمة هابيل، وأراد آدم أن يزوِّج توءمة قابيل بهابيل، وتوءمة هابيل بقابيل، فلم يطب لقابيل ذلك، فقتل أخاه هابيل، وأخذ قابيل توءمته، وهرب بها. وعاش آدم تسع مئة سنة، وثلاثين سنة، وقد بلغ عدد ولده وولد ولده لما توفي أربعين ألفاً، ونزل عليه جبريل ﵇ اثنتي عشرة مرة. وبعد قتل هابيل، ولد لآدم شيث: وهو وصيُّ آدم، وتفسير شيث: هبة الله، عاش تسع مئة واثنتي عشرة سنة، وكانت وفاته لمضي ألف ومئة واثنتين وأربعين سنة لهبوط آدم، واسم شيث عند الصابئة: عاديمون، وإلى شيث تنتهي أنساب بني آدم كلهم. ثم ولد لشيث أنوش عاش تسع مئة وخمسين سنة. ثم ولد لأنوش قينان عاش تسع مئة وعشر سنين. ثم ولد لقينان مهلائيل عاش ثماني مئة وخمساً وتسعين سنة. ثم ولد لمهلائيل يرد - بالدال المهملة، والذال المعجمة أيضاً - عاش تسع مئة واثنتين وستين سنة. [ثم ولد له] حنُوخ - بحاء مهملة ونون وواو وخاء معجمة -، وهو إدريس ﵇، رُفع لما صار له من العمر ثلاث مئة [وخمس]

стр. 39

وستون سنة، رفعه الله إلى السماء، وكان قد نبأه الله، وانكشفت له الأسرار السماوية. ونزل عليه [جبريل ﵇] أربع مرات، وله صحف، منها: لا تروموا أن تحيطوا بالله خبرة؛ فإنه أعظمُ وأعلى أن تدركه فِطَنُ [المخلوقين إلا] من آثاره. ثم ولد لحنوخ: متوشلح - بتاء مثناة من فوقها، وقيل: بثاء مثلثة، وآخره حاء مهملة - عاش تسع مئة [وتسعاً وستين] سنة. ثم ولد لمتوشلح لامخ، ويقال له: لامك. ثم ولد للامخ وقد صار له من العمر مئة وثمان و [ثمانون سنة: نوح]، وكانت ولادة نوح بعد أن مضى ألف وست مئة واثنتان وأربعون سنة من هبوط آدم. * * * ٢ - ذكر نوح ﵇ أرسل الله نوحاً إلى قومه، وكانوا أهل أوثان، وصار نوح يدعوهم إلى طاعة الله، وهم لا يلتفتون إليه، وكانوا يخنقونه حتى يغشى عليه، فإذا أفاق، قال: "اللهمَّ اغفرْ لقومي فإنهم لا يعلمون"، وكانوا يضربونه حتى يظنوا أنه مات، فإذا أفاق، [اغتسل]، وأقبل عليهم يدعوهم إلى الله، فلما طال ذلك، شكاهم إلى الله، فأوحى الله إليه: ﴿أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ

стр. 40

إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ﴾ [هود: ٣٦]. فلما أيس منهم، دعا عليهم، فقال: ﴿رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا﴾ [نوح: ٢٦]، فأوحى إليه أن يصنع السفينة، فصنعها من خشب السَّاج، فلما فار التنور - وكان هو الآية بين نوح وبين ربه - حمل نوح مَنْ أمرَهُ الله بحمله، ثم أدخل ما أمره الله من الدواب، وارتفع الماء، وجعلت الفُلك تجري بهم في موج كالجبال، وعلا الماء على رؤوس الجبال خمسة عشر ذراعاً، فهلك مَنْ على وجه الأرض من حيوان ونبات. وكان بين أن أرسل الله الماء، وبين أن غاض: ستة أشهر، وعشر ليال. وقيل: إن ركوب نوح في السفينة كان لعشر ليال مضت من رجب، وكان ذلك - أيضاً - لعشر ليال خلت من آب، وخرج من السفينة يوم عاشوراء من المحرم، وكان استقرار السفينة على الجُوديّ من أرض الموصل. فولد لنوح: سام عاش ست مئة سنة، وهو أبو العرب وفارس والروم. وحام أبو السودان. ويافث أبو الترك ويأجوج ومأجوج، والفرنجُ والقبطُ من ولد قوطِ ابن حام. وولد لسام أرفخشذ، عاش أربع مئة وخمساً وستين سنة.

стр. 41

وولد لأرفخشذ قينان، عاش أربع مئة وثلاثين سنة. وولد لقينان شالخ، عاش أربع مئة وستين سنة. ولما مضت سنة ثلاث مئة وخمسين للطوفان، توفي نوح ﵇، وعمره تسع مئة وخمسون سنة، ونزل عليه جبريل ﵇ خمسين مرة. وولد لشالخ عابر، عاش أربع مئة وأربعاً وستين سنة. ثم ولد لعابر فالغ، عاش ثلاث مئة وتسعاً وثلاثين سنة. ثم ولد لفالغ رُعون (١)، عاش ثلاث مئة وتسعاً وثلاثين سنة، وعند مولد رُعون تبلبلت الألسن، وتقسَّمت الأرض، وتفرَّق بنو نوح، وهلك لمضي ست مئة وسبعين سنة للطوفان. ثم وُلد لرعون ساروغ، واسمه في التوراة: سرور، عاش ثلاث مئة وثلاثين سنة. ثم وُلد لساروغ ناحور، عاش مئتين وثمانياً وستين سنة. ثم ولد لناحور تارح، وهو آزر، عاش مئتين وخمس سنين. ثم ولد لتارح إبراهيم الخليل ﵇، وذلك لمضي ألف وإحدى وثمانين سنة للطوفان.

стр. 42

(٣ - ذكر هود وصالح ﵉ وهما نبيان أُرسلا بعد نوح، وقيل: إبراهيم الخليل. وأرسل الله هوداً إلى عاد، وكانوا أهل أصنام، وكان عاد وثمود جبارين طِوال القامات. ودعا هود قوم عاد، فلم يؤمن منهم إلا القليل، فأهلك الله الذين لم يؤمنوا بريح سبع ليال وثمانية أيام حُسوماً، والحسوم: الدائم، فلم تَدَعْ غير هود والمؤمنين معه، فإنهم نزلوا في حضرموت، وبقي هود كذلك حتى مات، وقبر هود بحضرموت، وقيل: بالحِجر من مكة. ويُروى: أنه كان من [عاد شخص] اسمه لُقمان، وهو غير لقمان الحكيم الذي كان على عهد داود النبي ﵇. وأما صالح: فأرسله الله إلى ثمود، فدعاهم إلى التوحيد، وكان مسكنهم بالحِجْر، فلم يؤمن به إلا قليل مستضعفون، ثم إن كفارهم عاهدوه على أنه إن أتى بما يقترحونه عليه، آمنوا به، واقترحوا عليه أن يُخرج من صخرة معينةٍ ناقةً، فسأل اللهَ في ذلك، فخرج من تلك الصخرة ناقة، وولدت فصيلاً، فلم يؤمنوا، وعقروا الناقة، فأهلكهم الله بعد ثلاثة أيام بصيحة من السماء فيها صوتُ كلِّ صاعقة، فتقطعت قلوبهم، فأصبحوا في دارهم جاثمين، وسار صالح إلى فلسطين، ثم انتقل إلى الحجاز يعبد الله إلى أن مات وهو ابن ثمان وخمسين سنة.

стр. 43

(٤ - ذكر إبراهيم الخليل صلوات الله وسلامه عليه) وهو إبراهيم بن تارح، وهو آزر. ولد إبراهيم بالأهواز، وقيل: ببابل، وهي العراق. وكان آزر أبو إبراهيم يصنع الأصنام، ويعطيها لإبراهيم يبيعها، فكان إبراهيم يقول: من يشتري ما (١) يضره ولا ينفعه. ثم لما أمر الله تعالى إبراهيم أن يدعو قومه إلى التوحيد، دعا أباه، فلم يجبه، ودعا قومه، فلما فشا أمره، واتصل بنمرود بن كوش، وهو ملك تلك البلاد، أخذ النمرود إبراهيمَ الخليل، ورماه في نار عظيمة، فكانت عليه برداً وسلاماً، وخرج من النار بعد أيام، ثم آمن به رجال من قومه على خوف من نمرود، وآمنت به زوجته سارة، وهي ابنة عمه هاران. ثم إنه هاجر هو ومَنْ معه إلى حَرَّان، وأقاموا بها مدة، ثم سار إلى مصر، وصاحبُها فرعون، فذُكر جمالُ سارة لفرعون، فسأل إبراهيمَ عنها: فقال: هذه أختي - يعني: في الإسلام -، وهَمَّ فرعون بها، فأيبس الله يديه ورجليه، فلما تخلى عنها، أطلقه الله، وتكرر ذلك منه، فأطلقها، ووهبها هاجَرَ. ثم سار إبراهيم من مصر إلى الشام، وأقام بين الرملة وإيليا، وكانت سارة لا تحمل، فوهبت هاجرَ لإبراهيم، فوقع عليها، فولدت إسماعيل.

стр. 44

ومعنى إسماعيل بالعبراني: مطيع الله، وكانت ولادته لمضي ست وثمانين سنة من عمر إبراهيم، فحزنت سارة لذلك، فوهبها الله إسحاق، ولدته ولها تسعون سنة، ثم غارت سارة من هاجر وابنها، وطلبت من إبراهيم أن يخرجهما عنها، فسار بهما إلى الحجاز، وتركهما بمكة. وبقي إسماعيل بها، وتزوج من جُرْهُم امرأةً، وماتت أمه هاجرُ، وقَدِم إليه أبوه إبراهيم الخليل، وبنى الكعبة، وهي بيت الله الحرام، ثم أمر الله إبراهيمَ أن يذبح ولده. وقد اختلف في الذبيح: هل هو إسحاق، أم إسماعيل (١)، وفداه الله بكبش. فمن زعم أن الذبيح إسحاق، فيقول: كان موضع الذبح بالشام على ميلين من إيليا، وهي بيت المقدس. ومن يقول: إسماعيل، يقول: إن ذلك كان بمكة. وفي أيام إبراهيم توفيت زوجته سارة بعد وفاة هاجر، وتزوج إبراهيم امرأة من الكنعانيين، وولدت منه ستة نفر. وأما مولد إبراهيم، فقد تقدم في ذكر نوح: أنه ولد لمضي ألف وإحدى وثمانين سنة من الطوفان، وعاش مئة وخمساً وسبعين سنة، ونزل عليه جبريل ﵇ اثنتين وأربعين مرة.

стр. 45

وولد له: إسحاق، وسيأتي ذكره. ثم ولد لإسحاق يعقوب، عاش مئة وسبعاً وأربعين سنة. ثم ولد ليعقوب لاوي، عاش مئة وسبعاً وثلاثين سنة. ثم ولد للاوي قاهث، عاش مئة وسبعاً وعشرين سنة. ثم ولد لقاهث عمران، عاش مئة وستاً وثلاثين سنة. ثم ولد لعمران موسى ﵇، وسيأتي ذكره. وقد اختلف في معنى الصحف التي أنزلها الله تعالى على إبراهيم: وقد روى أبو ذر عن النبي ﷺ : "أَنّهَا أَمثالٌ، منها: أَيُّها [الملِكُ المُبْتَلَى] المُسَلَّطُ المَغْرُورُ! لم أَبعثْكَ لتجمعَ الدنيا بعضَها على بعضٍ، ولكنْ بعثتُك لتردَّ عني دعوةَ المظلومِ؛ فإنِّي لا أردُّها ولو كانَتْ من كافرٍ، وعلى العاقلِ أنْ يكونَ بَصيراً بزمانِه، مُقْبِلاً على شانِه، حافظا لِلِسَانِه، مَنْ عَدَّ كلامَهُ من عملِه، قَلَّ كلامُه إلا فيما يعنيه" (١). وإبراهيمُ أولُ من اختتن، وأضاف الضيفَ، ولبس السراويل. * * * ٥ - ذكر لوط ﵇ هو ابن أخي إبراهيم الخليل، وهو لوطُ بن هارانَ بنِ آزرَ، وكان

стр. 46

ممن آمن بعمه إبراهيم، وهاجر معه إلى مصر، وعاد إلى الشام، وأرسله الله إلى أهل سَدُوم، وكانوا أهلَ كفر وفاحشة، يقطعون الطريق، وإذا مر بهم المسافر، أمسكوه، وفعلوا به اللواطَ، فنهاهم، فلم ينتهوا، فسأل اللهَ النصرةَ عليهم، فأرسل الله الملائكة لقلب سدوم وقُراها الخمس: وهي: صبغة، وعمرة، وأدما، وصبويم، وبالغ. وكان الملائكة قد أعلموا إبراهيم الخليل بذلك، فقال لهم: إن (١) هناك لوطأ، فقالوا: نحن أعلم بمن فيها، فلما وصلت الملائكة إلى لوط، همَّ قومُه أن يلوطوا بهم، فأعماهم جبريل بجناحه، وقال الملائكة للوط: نحن رُسُل ربك، ﴿فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ وَلَا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ﴾ [هود: ٨١]، فلما خرج لوط بأهله، قال لهم: أهلكوهم الساعة، فقالوا: لم نؤمر إلا بالصبح، ﴿أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ﴾ [هود: ٨١]، فلما كان الصبح، قلبت الملائكة سدومَ وقُراها الخمس بمن فيها، وسمعت امرأةُ لوط الهدَّ، فقالت: واقوماه! فأدركها حجرٌ فقتلها، وأمطر الله الحجارة على من لم يكن بالقرى، فأهلكهم. * * * ٦ - ذكر إسماعيل ﵇ قد تقدم في ذكر والده طرفٌ من أخبارهِ ومولدهِ وتوجُّهِه إلى مكة.

стр. 47

ولما أمر الله إبراهيم الخليل ببناء الكعبة، سار من الشام، وقَدِمَ مكة، وقال: يا إسماعيل! إن الله أمرني أن أبني له بيتا، فقال إسماعيل: أطعْ ربَّك، فقال إبراهيم: وقد أمرك أن تُعينني، فقال: إذاً أفعل، فجعل إبراهيمُ يبنيه، وإسماعيلُ يناوله الحجارة، وكانا كلما بنيا، دعوا فقالا: ﴿رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [البقرة: ١٢٧]. وكان وقوف إبراهيم على حَجَر وهو يبني، وذلك الموضع هو مَقامُ إبراهيم، واستمر البيت على ما بناه إبراهيم إلى أن هدمته قريش سنة خمس وثلاثين من مولد رسول الله ﷺ ، وبَنَوْه. وكان بناء الكعبة بعد مضي مئة سنة من عمر إبراهيم، فيكون بالتقريب بين ذلك وبين الهجرة ألفان وسبع مئة ونحو ثلاث وتسعين سنة. وأرسل الله إسماعيل إلى قبائل اليمن، وإلى العماليق، وزوَّجَ إسماعيلُ ابنته من ابن أخيه العيص بن إسحاق، وعاش إسماعيل مئة وسبعاً وثلاثين سنة، ومات بمكة، ودفن عند قبر أمه هاجر بالحِجْر، وكانت وفاة إسماعيل بعد وفاة أبيه إبراهيم الخليل بثمان وأربعين سنة، والله أعلم. * * * ٧ - ذكر إسحاق ﵇ قد تقدم مولد إسحاق عند ذكر أبيه إبراهيم الخليل.

стр. 48

ثم إن إسحاق تزوج بنتَ عمه، فولدت له العيص، ويعقوب -[وهو] إسرائيل -. ورزق يعقوب من زوجته ليا: روبيل - وهو أكبر أولاده -، ثم شمعون، ولاوي، ويهوذا. ثم تزوج أختَها راحيل، فرزق منها: يوسف، وبنيامين. وولد له من سُرِّيَّتين ستة أولاد، فكان بنو يعقوب اثني عشر رجلاً هم آباء الأسباط. وأقام إسحاق بالشام حتى توفي وعمره مئة وثمانون سنة، ودفن عند أبيه إبراهيم الخليل. وأما أسماء آباء الأسباط الاثني عشر، فهم: روبيل، وشمعون، ولاوي، ويهوذا، ويساخر، وزبولون، ويوسف، وبنيامين، ودان، ونفتالي، وكاذ، وآشر. * * * ٨ - ذكر أيوب ﵇ وهو رجل من أُمَّة الروم؛ لأنه من ولد العيص، وهو: أيوبُ بنُ موص بن رازح بن العيص بن إسحاق بن إبراهيم الخليل، وكانت له زوجة يقال لها: رحمة، وكان صاحب أموال عظيمة، وكان له البَثَنِيَّةُ جميعُها من أعمال دمشق ملكاً، فابتلاه الله بأن أذهبَ أمواله حتى صار فقيراً، ثم ابتلاه في جسده حتى تجذَّم ودوَّد، وبقي مرمياً على مزبلة لا يطيق أحد

стр. 49

أن يشَمَّ رائحته، وزوجتُه صابرة تخدمه، فتراءى لها إبليس، وقال لها: اسجدي لي؛ لأردَّ مالكم، فاستأذنت أيوبَ، فغضب وحلف ليضربنها مئة، ثم عافاه الله تعالى، ورزقه، ورد على امرأته شبابها وحسنها، وولدت له ستة وعشرين ذكراً، ولما عُوفي، أمره الله تعالى أن يأخذ عُرْجوناً من النخل فيه مئة شِمْراخ، فيضرب به زوجته رحمة؛ ليبَرَّ في يمينه، ففعل (١). وكان أيوب نبياً في عهد يعقوب، وعاش ثلاثاً وتسعين سنة. ومن وَلَدِ أيوب: ابنُه بشر، وبعث الله بِشراً بعد أيوب (٢)، وسماه: ذا الكفل، وكان مقامه بالشام. * * * ٩ - ذكر يوسف ﵇ وُلد ليعقوبَ يوسفُ لما كان ليعقوبَ من العمر إحدى وتسعون سنة، ولما صار ليوسف من العمر ثماني عشرة سنة، كان فراقه ليعقوب، وبقيا مفترقين إحدى وعشرين سنة، ثم اجتمع يعقوب بيوسفَ في مصر، وليعقوبَ من العمر مئة وثلاثون سنة، وبقيا مجتمعين سبع عشرة سنة، فكان عمر يوسف لما توفي يعقوب ستا وخمسين سنة، وعاش يوسف مئة وعشرين سنة، ونزل عليه جبريل ﵇ أربع مرات.

стр. 50

وسبب فراقه عن أبيه: حسد إخوته، وألقوه في الجُب، فكان في الجب ماء، وبه صخرة، فآوى إليها، وأقام في الجب ثلاثة أيام، ومرت به السيارة، فأخرجته وأخذوه، وجاء أخوه يهوذا إلى الجب بطعام ليوسف، فلم يجده، ورآه عند تلك السيارة، فأخبر يهوذا إخوته بذلك، فأتوا إلى السيارة، وقالوا: هذا عبدنا أَبَق منا، فاشتروه من إخوته بثمن بخس، قيل: عشرون درهماً، وقيل: أربعون درهماً، وذهبوا به إلى مصر، فباعه أستاذه للذي على خزائن مصر، واسمه العزيز، وكان فرعونُ مصر حين ذاك الريانَ بنَ الوليد، رجلاً من العماليق، والعماليق من ولد عملاق بن سام ابن نوح، فهويته امرأته راعيل، وراودته عن نفسه، فأبى وهرب، فلحقته من خلفه، وأمسكته بقميصه، فانقدَّ، ووصل أمرها إلى زوجها العزيز، وابنِ عمِّها تبيان، فظهر لهما براءة يوسف، ثم بعد ذلك ما زالت تشكو إلى زوجها وتقول: إنه يقول للناس: إنِّي راودته، وفضحني، فحبسه زوجها سبع سنين، ثم أخرجه فرعونُ مصر بسبب تعبير الرؤيا التي رآها. ثم لما مات العزيز، جعل فرعونُ يوسفَ موضعَه على خزائنه، وجعل القضاء إليه، ودعا يوسفُ الريانَ فرعونَ مصر إلى الإيمان، فآمن به، وبقي كذلك إلى أن مات الريان، وملك بعدَه مصرَ قابوسُ بنُ مصعب من العمالقة - أيضًا -، ولم يؤمن، وتوفي يوسف ﵇ في ملكه بعد أن وصل إليه أبوه وإخوته جميعهم من كنعان، وهي الشام. ومات يعقوب، وأوصى إلى يوسف أن يدفنه مع أبيه إسحاق، فسار به إلى الشام، ودفنه عند أبيه، ثم عاد إلى مصر.

стр. 51

وتوفي يوسف بمصر، ودفن بها حتى كان زمنُ موسى وفرعون، فلما سار موسى من مصر ببني إسرائيل إلى التيه، نبش يوسف، وحمله معه في التيه حتى مات موسى، فلما قدم يوشع ببني إسرائيل إلى الشام، دفنه بالقرب من نابلس، وقيل: عند الخليل. * * * ١٠ - ذكر شعيب ﵇ ثم بعث الله شعيبًا إلى أصحاب الأيكة وأهلِ مدين. وقد اختلف في نسب شعيب، فقيل: إنه من ولد إبراهيم، وقيل: من ولد بعض الذين آمنوا بإبراهيم، وكانت الأيكة من شجر ملتفٍّ، فلم يؤمنوا، فأهلك الله أصحابَ الأيكة بسحابة أمطرت عليهم ناراً يوم الظُّلَّة، وأهلك الله أهلَ مدينَ بالزلزلة. * * * ١١ - ذكر موسى ﵇ ثم أرسل الله موسى بنَ عمرانَ بن قاهث بن لاوي بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم الخليل نبيا بشريعة بني إسرائيل، وكان من أمره: أنه لما ولدته أمه، كان قد أَمَرَ فرعونُ مصرَ الوليدُ بن مصعب بقتل الأولاد الأطفال، فخافت أمه عليه، وألقى الله تعالى إليها أن تُلقيه في النيل، فجعلته في تابوت، وألقته، والتقطته آسية امرأة فرعون، وربَّته، وكبر،

стр. 52

فبينا هو يمشي في بعض الأيام، إذ وجد إسرائيلياً وقبطيا يختصمان، فوكز القبطيَّ فقتله، وخاف موسى من فرعون، فهرب، وقصد نحو مدينَ، واتصل بشعيب، وزوَّجه ابنته صفورا، وأقام يرعى غنم شعيب عشر سنين. ثم سار بأهله في زمن الشتاء، وأخطأ الطريق، وكانت امرأته حاملاً، فأخذها الطلق في ليلة شاتية، فأراد [أن] يقدح، فلم يظهر له نار، ﴿قَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَارًا لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ جَذْوَةٍ مِنَ النَّارِ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ﴾ [القصص: ٢٩]، فلما دنا منها، رأى نورًا ممتداً من السماء إلى شجرة عظيمة من العَوْسَج، وقيل: من العناب، فتحير موسى، وخاف ورجع، فنودي منها، ولما سمع الصوت، استأنس، وعاد، فلما أتاها، نودي من جانب الوادي الأيمن من الشجرة: يا موسى! إني أنا الله ربُّ العالمين، ولما رأى تلك الهيبة، علم أنه ربه، فخفق قلبه، وكَلَّ لسانه، وضعفت مُنَّتُه، ثم شد الله قلبه، ولما عاد عقله، نودي أن اخلع نعليك ﴿إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى﴾ [طه: ١٢]، وجعل الله عصاه ويده آيتين. ثم أقبل موسى إلى أهله، فسار بهم نحو مصر حتى أتاها ليلاً، واجتمع به هارون ﵇، وتعارفا فاعتنقا، ثم قال موسى: يا هارون! إن الله أرسلنا إلى فرعون، فانطلقا إليه، وأراه موسى عصاه ثعباناً، فخاف فرعون، وأحدث في ثيابه، ثم أدخل يده في جيبه، وأخرجها بيضاء لها نور، ثم ردها إلى جيبه، وأخرجها على لونها الأول. ثم أحضر لهما فرعون السحرة، وعملوا الحيات، وألقى موسى

стр. 53

عصاه، فتلقفت ذلك، وآمن به السَّحَرة، فقتلهم فرعون، ثم أراهم الآيات من القمل، والضفادع، وصيرورةِ الماء دماً، ثم سار موسى ببني إسرائيل باذن فرعون، ثم ندم فرعونُ، وسار بعسكره حتى لحقهم عند بحر القُلْزُم، فضرب موسى بعصاه البحرَ، فانشق، فدخل فيه هو وبنو إسرائيل، وتبعهم فرعون وجنوده، فانطبق البحر عليهم فغرقوا. ومن جملة المعجزات: قصته مع قارون: وكان قارونُ ابنَ عمِّ موسى، وكان رُزق مالاً عظيماً يُضرب به المثل على طول الدهر، قيل: إن مفاتيح خزائنه تُحمل على أربعين بغلاً، وبنى داراً، وصفَّحها بالذهب، وجعل أبوابها ذهباً، فتكبر بسبب كثرة ماله على موسى، وقذفَه، وخرج عن طاعته، وأحضر امرأة بَغِيًّا، وأمرها بقذف موسى بنفسها، ثم أتى موسى فقال: إن قومك قد اجتمعوا، فخرج إليهم موسى، وقال: من سرق قطعناه، ومن افترى جلدناه، ومن زنا رجمناه، فقال له قارون: وإن كنت أنت؟ قال: نعم، وإن كنتُ أنا، فأُحضرت المرأة، فقال لها موسى: أقسمت عليك بالذي أنزل التوراة إلا صدقْتِ، أنا فعلتُ بكِ ما يقول هؤلاء؟ قالت: كذبوا، فأوحى الله إلى موسى: مُرِ الأرضَ بما شئتَ تُطعْك، فقال: يا أرض! خذيهم، فجعل قارون يقول: يا موسى! ارحمني، وموسى يقول: يا أرضُ خذيهم، فابتلعتهم الأرض، ثم خسف بهم وبدار قارون. ولما أهلك الله فرعونَ وجنوده، قصد موسى المسير ببني إسرائيل إلى مدينة الجبارين، وهي أريحا، فقال بنو إسرائيل: يا موسى! إن فيها

стр. 54

قوماً جبارين، وإنا لن ندخلها حتى يخرجوا منها، يا موسى! اذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون، فغضب موسى، ودعا عليهم، فقال: ﴿رَبِّ إِنِّي لَا أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِي وَأَخِي فَافْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ﴾ [المائدة: ٢٥]، فقال الله تعالى: ﴿فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ﴾ [المائدة: ٢٦]، فبقُوا في التيه، وأنزل الله عليهم المَنَّ والسَّلْوى. ثم أوحى الله إلى موسى أني متوفِّ هارون، فأتِ به إلى جبل كذا، فانطلقا نحوه، فإذا هما بسرير، فناما عليه، وأخذ هارونَ الموتُ، ورُفع إلى السماء، ورجع موسى إلى بني إسرائيل، فقالوا له: أنت قتلتَ هارون بحُبنا إياه، قال: ويحكم! أفتروني أقتل أخي؟ ! فلما أكثروا عليه، سأل الله تعالى، فأنزل السرير عليه هارونُ، فقال لهم: إني متُّ، ولم يقتلني موسى. ثم توفي موسى، وكانت وفاته في التيه في سابع آذار لمضي ألف وست مئة وست وعشرين سنة من الطوفان، وكان موته بعد هارون أخيه بأحد عشر شهراً، وكان هارون أكبر من موسى بثلاث سنين، وولد موسى لمضي ألف وخمس مئة وست سنين من الطوفان، وكان عمره لما خرج ببني إسرائيل ثمانين سنة، وأقام في التيه أربعين سنة، فيكون عمر موسى مئة وعشرين سنة. ونزل عليه جبريل ﵇ أربع مئة مرة، وكان جملة مقام بني إسرائيل بمصر حتى أخرجهم موسى مئتين وخمس عشرة سنة.

стр. 55

١٢ - ذكر يوشع ﵇ ولما مات موسى ﵇ قام بتدبير بني إسرائيل يوشعُ بنُ نون بن اليشاماع بن عميهوذ بن لعدان بن تاجن بن تايح بن راشف بن راغ ابن بريفا بن إبراهيم بن يوسف بن يعقوب، وأقام ببني إسرائيل في التيه ثلاثة أيام، ثم ارتحل إلى الشريعة، وهو النهر الذي بالغَوْر، واسمه الأردُنّ في عاشر نيسان من السنة التي توفي فيها موسى ﵇، فلم يوجد للعبور سبيل، فأمر حاملي (١) صندوق الشهادة الذي فيه الألواح بأن ينزلوا إلى حافة الشريعة، فوقفت الشريعة حتى انكشفت أرضها، وعبر بنو إسرائيل، ثم عادت الشريعة إلى ما كانت عليه، ونزل يوشع ببني إسرائيل على أريحا محاصراً لها، وصار في كل يوم يدور حولها مرة، وفي اليوم السابع أمر بني إسرائيل أن يطوفوا حولها سبع مرات، وأن يصوتوا بالقرون، فلما فعلوا ذلك، هبطت الأسوار ورسخت، وتساوت الخنادق، ودخل بنو إسرائيل أريحا بالسيف، وقتلوا أهلها. وبعد فراغه سار إلى نابلس إلى المكان الذي بيع فيه يوسف، فدفنَ عظامَ يوسفَ هناك، وكان موسى قد استخرج يوسفَ من نيل مصر، واستصحبه معه إلى التيه، فبقي معهم أربعين سنة، وتسلَّمه يوشع. وملك يوشعُ الشامَ، وفرَّق عُمَّاله، واستمر يدبر بني إسرائيل ثمانياً وعشرين سنة، ثم توفي يوشع، ودفن في كفر حارس، وله من العمر مئة

стр. 56

وعشر سنين، وكانت وفاته سنة ثمان وعشرين لوفاة موسى، وقيل: إنه مدفون في المَعَرَّة، ثم تولى على بني إسرائيل جماعة من الملوك واحداً بعد واحد. * * * ثم تولى عليهم: ١٣ - شَمْويل النبي ﵇ ولد بقرية على باب القدس يقال لها: شيلوا، وتنبأ لما صار له من العمر أربعون سنة، فدبر شمويل بني إسرائيل إحدى عشرة سنة، ومنتهى هذه الإحدى عشرة سنة هي آخر سني [حكَّام] بني إسرائيل وقضاتهم، فيكون انقضاء سني حكامهم في سنة ثلاث وتسعين وأربع مئة لوفاة موسى ﵇. ثم حضر بنو إسرائيل إلى شمويل، وسألوه أن يقيم فيهم ملكاً، فأقام فيهم: شاول، [وهو طالوت] بن قيش من سبط بنيامين، ولم يكن طالوت من أعيانهم، قيل: إنه كان راعياً، وقيل: سَقَّاء، وقيل: دباغاً، فملك طالوتُ سنتين، واقتتل هو وجالوت، وكان جالوت من جبابرة الكنعانيين، وكان ملكه بجهات فلسطين، وكان من الشدة وطول القامة بمكان عظيم، فلما برز للقتال، طلب طالوتُ داودَ ﵇، وكان أصغر بني أبيه، وأمره بمبارزة جالوت بعد أن رأى فيه العلائم التي يُسْتَدل بها على أنه هو الذي يقتل جالوت، وهي دهن كان يستدير على رأس من يكون

стр. 57

فيه السر، وأحضر - أيضاً - تنوراً جديداً، وقال: الشخصُ الذي يقتل جالوتَ يكون ملء هذا التنور، فلما اعتبر داود، ملأ التنور، واستدار الدهنُ على رأسه، ولما تحقق ذلك بالعلامة، أمره طالوتُ بمبارزة جالوتَ، فبارزه، وقتل داودُ جالوتَ، وكان عمر داود آنذاك ثلاثين سنة. ثم بعد ذلك مات شمويل، فدفنه بنو إسرائيل في الليل، وناحوا عليه، وكان عمره اثنتين وخمسين سنة. ثم إن طالوت قصد الفلسطينيين للغزاة، وقاتلهم حتى قُتل هو وأولاده في الغزاة، فيكون موته في أواخر سنة خمس وتسعين وأربع مئة لوفاة موسى ﵇. ثم ملك بعده ولده أشر يوشت ثلاث سنين. * * * ثم ملك عليهم: ١٤ - داود ﵇ هو داود بن بيشا بن عوفيذ بن بوعز بن سلمون نحشون بن عميناذاب ابن رم بن حَصْرون بن بارص بن يهودا بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم الخليل ﵇. وكان مقام داود بحبرون، فلما استوثق له الملك، ودخلت جميع الأسباط تحت طاعته، وذلك في سنة ثمان وثلاثين من عمره، انتقل إلى

стр. 58

القدس، ثم فتح في الشام فتوحات كثيرة، ثم أرض فلسطين، وحلب، وبلاد الأرمن، وغير ذلك، ولما صار لداود ثمان وخمسون سنة - وهي السنة الثانية والعشرون من ملكه -، كانت قصته مع أُوريا وزوجته، وهي مشهورة، وملك داود أربعين سنة، وكان لقمانُ الحكيمُ على عهد داود ﵇. ولما صار له سبعون سنة، توفي، فتكون وفاته في أواخر سنة خمس وثلاثين وخمس مئة لوفاة موسى ﵇. وأوصى قبل موته بالملك إلى سليمان ولده، وأوصى بعمارة بيت المقدس، وعين لذلك عدة بيوت أموال تحتوي على جمل كثيرة من الذهب. * * * فلما مات داود، ملك: ١٥ - سليمان ﵇ وعمره اثنتا عشرة سنة، آتاه الله من الملك والحكمة ما لم يؤته لأحد سواه - على ما أخبر الله تعالى به في محكم كتابه العزيز -، وفي السنة الرابعة من ملكه في شهر أيار، وهي سنة تسع وثلاثين وخمس مئة لوفاة موسى ﵇، ابتدأ سليمان ﵇ في عمارة بيت المقدس حسب ما تقدمت به وصية أبيه إليه، وأقام سليمان في عمارة بيت

стр. 59

المقدس سبع سنين، وفرغ منه في السنة الحادية عشرة من ملكه، فيكون الفراغ من عمارة بيت المقدس في أواخر سنة ست وأربعين وخمس مئة لوفاة موسى ﵇. وكان ارتفاع البيت الذي عمره سليمان ثلاثين ذراعاً، [وطوله ستين ذراعاً]، في عرض عشرين ذراعاً، وعمل خارج البيت سوراً محيطاً به امتداده خمس مئة ذراع. "ولما بنى سليمانُ بيتَ المقدس، سأل الله ثلاثاً: سأله ملكاً لا ينبغي لأحد من بعده، وسأله حكماً يوافق حكمَه، وسأله أنه لا يأتي أحدٌ هذا البيت لا يريد إلا الصلاة، غفر الله له ما تقدم من ذنبه" (١)، ولهذا كان عبد الله بن عمر يأتي بيت المقدس، فيدخل فيصلي ركعتين، ثم يخرج ولا يشرب فيه، كأنه يطلب دعوة سليمان. ولما فرغ سليمان من بنائه، شرع في بناء دار مملكته بالقدس، واجتهد في عمارتها وتشييدها، وفرغها في مدة ثلاث عشرة سنة، وانتهت عمارتها في السنة الرابعة والعشرين من ملكه. وفي السنة الخامسة والعشرين من ملكه جاءته بلقيس ملكةُ اليمن ومن معها، وأطاعه جميع ملوك الأرض، وحملوا إليه نفائس أموالهم، واستمر سليمان على ذلك حتى مات وعمره اثنتان وخمسون سنة، فكانت

стр. 60

مدة ملكه أربعين سنة، فتكون وفاة سليمان ﵇ في أواخر سنة خمس وسبعين وخمس مئة لوفاة موسى ﵇، ثم ملك بعده جماعة من أولاده. * * * ثم تولى: ١٦ - بُخْتَنَصَّر وكان ابتداء ولايته في سنة تسع وسبعين وتسع مئة لوفاة موسى ﵇، وفتح بلاداً، وملكها، ثم جهز الجيوش مع وزيره، واسمه نَبُوزَرَاذُون - بفتح النون وضم الباء الموحدة وسكون الواو وفتح الزاي والراء المهملة وسكون الألف وضم الذال المعجمة وسكون الواو وفي آخره نون - جهزه إلى حصار صدقيا بالقدس، فسار الوزير المذكور بالجيوش، وحاصر صدقيا صاحبَ القدس مدة سنتين ونصف، أولها عاشر تموز من السنة التاسعة لملك صدقيا، وأخذ بعد حصاره المدة المذكورة القدسَ بالسيف، وأخذ صدقيا أسيراً، وأخذ معه جملة كثيرة من بني إسرائيل، وأحرق القدس، وهدم البيت الذي بناه سليمان، وأحرقه، وأباد بني إسرائيل قتلاً وتشريداً، فكانت مدة ملك صدقيا نحو إحدى عشرة سنة، وهو آخر ملوك بني إسرائيل. وأما من تولى بعده من بني إسرائيل بعد إعادة عمارة بيت المقدس،

стр. 61

فإنما كان له الرياسة ببيت المقدس فقط، فيكون انقضاء ملوك بني إسرائيل وخراب بيت المقدس على يد بختنصر سنة عشرين من ولاية بختنصر - تقريباً -، وهي السنة التاسعة والتسعون بعد التسع مئة لوفاة موسى ﵇، وهي سنة ثلاث وخمسين وأربع مئة مضت من عمارة بيت المقدس، وهي مدة لبثه على العمارة. واستمر بيت المقدس خراباً سبعين سنة، ثم عمره بعض ملوك الفرس، واسمه عند اليهود كُورش. ولما عادت عمارته، تراجع إليه بنو إسرائيل من العراق وغيره، فكانت عمارته في أول سنة تسعين لابتداء ولاية بختنصر، ولما تراجع بنو إسرائيل إلى القدس، كان من جملتهم عُزَير، وكان بالعراق، وقدم معه من بني إسرائيل ما يزيد على ألفين من العلماء وغيرهم، وترتب مع عزير في القدس مئة وعشرون شيخاً من علماء بني إسرائيل، وكانت التوراة قد عدمت منهم إذ ذاك، فمَثلها اللهُ في صدر عزير ﵇، ووضعها لبني إسرائيل يعرفونها بحلالها وحرامها، فأحبوه حباً شديداً، وأصلح العزير أمرهم، وأقام بينهم على ذلك، ولبث مع بني إسرائيل في القدس يدبر أمرهم حتى توفي بعد مضي أربعين سنة لعمارة بيت المقدس، فتكون وفاته سنة ثلاثين ومئة لابتداء ولاية بختنصر. واسم العزير بالعبراني عزرا، وهو من ذرية هارون بن عمران، ولما تراجع بنو إسرائيل إلى القدس بعد عمارته، صار لهم حكام منهم، وكانوا تحت حكم ملوك الفرس، واستمروا على ذلك حتى ظهر الإسكندر في

стр. 62

سنة خمس وثلاثين وأربع مئة لولاية بختنصر، وغلب اليونان على الفرس، ودخل حينئذ بنو إسرائيل تحت حكم اليونان، وأقام اليونان من بني إسرائيل ولاة عليهم، وكان يقال للمتولي عليهم: هرودوس، واستمر بنو إسرائيل على ذلك حتى خرب بيت المقدس الخراب الثاني، وتشتت منه بنو إسرائيل. * * * ١٧ - ذكر يونس بن مَتَّى ﵇ ومَتَّى أُمُّ يونس، ولم يشتهر نبي بأمه غير عيسى، ويونس ﵉، وكانت بعثته بعد مُوثَم بن غبرياهو أحدِ ملوك بني إسرائيل. وبعث الله يونسَ إلى أهل نينوى، وهي قبالة الموصل، بينهما دجلة، وكانوا يعبدون الأصنام، فنهاهم، وأوعدهم العذاب في يوم معلوم إن لم يتوبوا، وضمن ذلك عن ربه ، فلما أظلَّهم العذاب، آمنوا، فكشفه الله عنهم، وجاء يونس لذلك اليوم، فلم ير العذابَ حلَّ، ولا علمَ بإيمانهم، فذهب مغاضِباً، ودخل في سفينة من سفن دجلة، فوقفت السفينة ولم تتحرك، فقال رِّيِّسها: فيكم من له ذنب، وتساهموا على من يلقونه في البحر، فوقعت المساهمة على يونس، فرموه، فالتقمه الحوت، وسار به إلى الأُبُلَّة (١)، وكان من شأنه ما أخبر الله تعالى به في كتابه العزيز.

стр. 63

وكانت وفاة يونس في سنة خمس عشرة وثماني مئة لوفاة موسى ﵇ (١). * * * ١٨ - ذكر أرمياء ﵇ كان أرمياء يأمر بني إسرائيل بالتوبة، ويتهددهم ببختنصر، وهم لا يلتفتون إليه، فلما رأى أنهم لا يرجعون عما هم فيه، فارقهم، واختفى حتى غزاهم بختنصر، وخرَّب القدس. ثم إن الله تعالى أوحى إلى أرمياء: أني عامر بيت المقدس، فاخرج إليها، فخرج أرمياء، وقَدِمَ إلى القدس وهي خراب، فقال في نفسه: سبحان الله! أمرني الله أن أنزل هذه البلدة، وأخبرني أنه عامرها، فمتى يعمرها؛ ومتى يحييها الله تعالى بعد موتها؛ ثم وضع رأسه فنام، ومعه حمارُه وسلَّة فيها طعام، وكان من قصته ما أخبر الله تعالى به في محكم كتابه العزيز في قوله: ﴿أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قَالَ كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالَ بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عَامٍ فَانْظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ

стр. 64

يَتَسَنَّهْ وَانْظُرْ إِلَى حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ وَانْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنْشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [البقرة: ٢٥٩]. وقد قيل: إن صاحب هذه القصة هو العزير، والأصح أنه أرمياء. * * * ولما مات الإسكندر، ملك بعده بطليموس بن لاغوس عشرين سنة، ثم ملك بعده بطليموس محب أخيه، وهو الذي نقلت له التوراة وغيرها من كتب الأنبياء من اللغة العبرانية إلى اللغة اليونانية، فيكون نقل التوراة بعد عشرين سنة لموت الإسكندر، فنسخة التوراة المنقولة لبطليموس حينئذ أصح نسخ التوراة وأثبتها، وقد تقدمت الإشارة لذلك، والله أعلم. * * * ١٩ - ذكر زكريا وابنه يحيى ﵉ وزكريا من ولد سليمان بن داود، وكان نبياً، ذكره الله تعالى في كتابه العزيز، وكان نجاراً، وهو الذي كَفَلَ مريمَ أمَّ عيسى، وكانت مريم بنتُ عمران بن ماثان من ولد سليمان بن داود، وكانت أم مريم اسمها حَنَّة، وكان زكريا متزوجاً أختَ حنةَ، واسمها إيشاع، فكانت زوجُ زكريا خالةَ مريم، ولذلك كفل زكريا مريم.

стр. 65

فلما كبرت مريم، بنى لها زكريا غرفة في المسجد، وانقطعت فيها للعبادة، وكان لا يدخل عليها غيرُ زكريا فقط، وأرسل الله تعالى جبريل، فبشر زكريا بيحيى مصدقا بكلمة من الله تعالى - يعني: عيسى بن مريم -، ثم أرسل الله جبريل، ونفخ في جيب مريم، فحملت بعيسى، وكانت قد حملت خالتها إيشاع بيحيى، فولد يحيى قبل المسيح بستة أشهر، ثم ولدت مريم عيسى، فلما علمت اليهود أن مريم ولدت من غير بعل، اتهموا زكريا بها، وطلبوه، فهرب، واختفى في شجرة عظيمة، فقطعوا الشجرة، وقطعوا زكريا معها، وكان عمره حينئذ نحو مئة سنة. وكان قتْلُه بعد ولادة المسيح، وكانت ولادة المسيح لمضي ثلاث مئة وثلاث سنين للإسكندر، فيكون مقتل زكريا بعد ذلك بقليل. وأما يحيى ابنه، فإِنه نبئ وهو صغير، ودعا الناسَ إلى العبادة عبادةِ الله، ولَبِس يحيى الشعر، واجتهد في العبادة حتى نحل جسمُه، وكان عيسى بن مريم قد حرَّم نكاحَ بنتِ الأخ، وكان لهرودوس - وهو الحاكم على بني إسرائيل - بنتُ أخ، وأراد أن يتزوجها كما هو جائز في دين اليهود، فنهاه يحيى عن ذلك، فطلبت أم البنت من هرودوس أن يقتل يحيى، فلم يجبها إلى ذلك، فعاودته، وسألته البنت - أيضاً -، وألحَّتْ عليه، فأجابها إلى ذلك، وأمر بيحيى فذبح، وكان قتل يحيى قبل رفع المسيح بمدة يسيرة؛ لأن عيسى ﵇ إنما ابتدأ بالدعوة لما صار له ثلاثون سنة. ولما أمره الله أن يدعوَ الناس إلى دين النصارى، غمسه يحيى في

стр. 66

نهر الأردن، ولعيسى نحو ثلاثين سنة، وخرج من نهر الأردن، وابتدأ بالدعوة، وجميع ما لبث المسيح بعد ذلك ثلاث سنين، والنصارى تسمي يحيى ﵇: يوحنا المَعْمَدان؛ لكونه عمَّد المسيح - كما ذكر -. * * * ٢٠ - ذكر عيسى بن مريم ﵇ وأما مريم: فاسم أمها حَنَّة زوجُ عمران، وكانت حنة لا تلد، واشتهت الولد، فدعت بذلك، ونذرت إن رزقها الله ولداً، جعلته من سَدَنة بيت المقدس، فحملت حنة، وهلك زوجها عمران وهي حامل، فولدت بنتا، وسمتها: مريم، ومعناه: العابدة، ثم حملتها، وأتت بها إلى المسجد، ووضعتها عند الأحبار، وقالت: دونكم هذه المنذورة، فتنافسوا فيها؛ لأنها بنتُ عمران، وكان من أئمتهم، فقال زكريا: أنا أحقُّ بها؛ إن خالتها زوجتي، فأخذها، وضمها إلى إيشاع خالتها، فلما كبرت، أفرد لها غرفة - كما تقدم -، وولدت عيسى ﵇ ببيت لحم، وهي قرية قريبة من القدس سنة أربع وثلاث مئة لغلبة الإسكندر. ولما جاءت مريم بعيسى تحمله، قال لها قومها: ﴿لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا﴾ [مريم: ٢٧]، وأخذوا الحجارة ليرجموها، فتكلم عيسى وهو في المهد مُعَلَّقاً في منكبها، فقال: ﴿إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا (٣٠) وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنْتُ﴾ [مريم: ٣٠ - ٣١]، فلما سمعوا كلام ابنها، تركوها.

стр. 67

ثم إن مريم أخذت عيسى، وسارت به إلى مصر، ثم عاد عيسى وأمه إلى الشام، ونزلا الناصرة، وبها سميت النصارى، وأقام بها عيسى حتى بلغ ثلاثين سنة، فأوحى الله تعالى إليه، وأرسله إلى الناس، وصار إلى الأردن، وهو نهر الغور المسمى بالشريعة، فاعتمد، وابتدأ بالدعوة، وكان يحيى بن زكريا هو الذي عفَدَه، وكان ذلك لستة أيام خلت من كانون الثاني لمضي سنة ثلاث وثلاثين وثلاث مئة للإسكندر. وأظهر عيسى المعجزات، فأحيا ميتاً، وجعل من الطين طائراً - قيل: هو الخفاش -، وأبرأ الأكْمَه والأبرص، وكان يمشي على الماء، وأنزل الله عليه المائدة، وأوحى الله إليه الإنجيل. وكان الحواريون الذين اتبعوه اثني عشر رجلاً، وهم: شمعون الصفا، وشمعون العتاني (١)، ويعقوب بن ربدي (٢)، ويعقوب بن خلفي وقولوس (٣)، ومارقوس، وأندرواس، وتمريلا، ويوحنا، ولوقا، وتوما، ومتى. وهؤلاء الذين سألوه نزول المائدة، فسأل عيسى ربه، فأنزل عليه سفرة حمراء مغطاة بمنديل، فيها سمكة مشوية، وحولها البقول ما عدا الكُرَّاث، وعند رأسها ملح، وعند ذنبها خل، ومعها خمسة أرغفة على

стр. 68

بعضها زيتون، وعلى باقيها رمان وتمر، فأكل منها خلق كثير ولم تنقص، ولم يأكل منها ذو عاهة إلا برِئَ، وكانت تنزل يوماً، وتغيب يوماً، أربعين ليلة. وكانت اليهود قد جاءت في طلبه، فحضر بعض الحواريين إلى هرودُوس الحاكم على اليهود، وإلى جماعة من اليهود وقال: ما تجعلون لي إذا دللتكم على المسيح؛ فجعلوا له ثلاثين درهماً، فأخذها، ودلهم عليه، فرفع اللهُ المسيحَ إليه، وألقى شِبْهه على الذي دلَّهُم عليه. وقد اختلف العلماء في موته قبل رفعه: قيل: رفع، ولم يمت. وقيل: بل توفاه الله ثلاث ساعات. وقيل: سبع ساعات، ثم أحياه الله. وتأول قائل هذه المقالة قوله تعالى: ﴿إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ﴾ [آل عمران: ٥٥]. ولما أمسك اليهود الشخص المشبه به، ربطوه، وجعلوا يقودونه بحبل، ويقولون له: إن كنت تحيي الموتى، أفلا تخلص نفسك من هذا الحبل؛ ويبصقون في وجهه، ويلقون عليه الشوك، وصلبوه على الخشب، فمكث عليه ست ساعات، ثم استوهبه يوسفُ النجارُ من الحاكم الذي كان على اليهود، وكان اسمه فيلاطوس، ولقبه هرودوس، ودفنه في قبر كان يوسف المذكورُ أعدَّه لنفسه. وأنزل الله المسيحَ من السماء إلى أمه مريم، وهي تبكي عليه، فقال

стр. 69

لها: إن الله رفعني إليه، ولم يصبني إلا الخير، وأمرها، فجمعت له الحواريين، فبعثهم في الأرض رسلاً عن الله، وأمرهم أن يبلغوا عنه ما أمره الله به، ثم رفعه الله إليه، وتفرق الحواريون حيث أمرهم. وكان رفعُ المسيح لمضيِّ ثلاث مئة وست وثلاثين سنة من غلبة الإسكندر على دارا، وكان بين رفع المسيح ومولد النبي ﷺ خمسُ مئة وخمس وأربعون سنة تقريباً. وعاش المسيح إلى أن رُفِعَ ثلاثاً وثلاثين سنة، ونزل عليه جبريل ﵇ عشر مرات. وأما أُمَّة عيسى، فهم النصارى. وأما مريم أم عيسى، فإنها عاشت نحو ثلاث وخمسين سنة؛ لأنها حملت بالمسيح لما صار لها ثلاث عشرة سنة، وعاشت معه مجتمعة ثلاثًا وثلاثين سنة وكسراً، وبقيت بعد رفعه ست سنين. * * * ٢١ - ذكر خراب بيت المقدس الخراب الثاني، وهلاك اليهود، وزوال دولتهم زوالاً لا رجوع بعده. قد تقدم ذكر عمارة سليمان بيت المقدس، وفراغه منه، وذكر غزو بختنصر القدس حتى خرَّبه، وشتت بني إسرائيل في البلاد، وأنه استمر خراباً سبعين سنة، ثم عُمِّر، فيكون ابتداء عمارته الثانية لمضي ألف وسبع

стр. 70

وستين، أعني: في ثمان وستين بعد الألف لوفاة موسى، ولمضي تسع وثمانين سنة من ابتداء ملك بختنصر، فتكون عمارته في سنة تسعين من مُلك المذكور. ثم تراجع إليه بنو إسرائيل، وصاروا تحت حكم الفرس، ثم صاروا تحت حكم اليونان - كما تقدم بعد ذكر بختنصر -، واستمر بنو إسرائيل كذلك حتى قتلوا زكريا بعد ولادة المسيح - كما تقدم ذكره -، ثم لما ظهر المسيح، ودعا الناس بما أمره الله به، أراد هرودوس قتله، وكان اسم هرودوس: فيلاطوس، فرفع الله عيسى إليه، وكان منه ما تقدم. ثم تولى جماعة من الملوك واحداً بعد واحدٍ إلى أن ملك طيطوس، وفي السنة الأولى من ملكه قصد بيت المقدس، وأوقع باليهود، وقتلهم وأسرهم عن آخرهم، إلا من اختفى، وخرب بيت المقدس، وأحرق الهيكل، وأحرق كتبهم، وخلا القدس من بني إسرائيل، كأنْ لم تَغْنَ بالأمس، ولم تعد لهم بعد ذلك رياسة ولا حكم، وكان ذلك بعد رفع عيسى المسيح بنحو أربعين سنة، وثلاث مئة وست وسبعين سنة مضت من غلبة الإسكندر، ولثماني مئة وإحدى عشرة سنة مضت لابتداء ملك بختنصر، فيكون لبثُ بيت المقدس على عمارته الأولى إلى حين خربه بختنصر أربع مئة وثلاثاً وخمسين سنة، ثم لبث على التخريب سبعين سنة، ثم عُمِّر، ولبث على عمارته الثانية إلى حين خربه طيطوس التخريب الثاني سبع مئة وإحدى وعشرين سنة، ثم بعد أن خربه طيطوس التخريب الثاني، تراجع إلى العمارة قليلاً قليلاً، وترمَّمَ شعثه، واستمر عامراً،

стр. 71

وهي عمارته الثالثة حتى سارت هيلانة أم قسطنطين إلى القدس في طلب خشبة المسيح التي زعم النصارى أن عيسى صلب عليها، ولما وصلت إلى القدس، بَنَتْ [كنيسة] قمامة على القبر الذي تزعُم النصارى أن عيسى دُفن به، وخربت هيكل بيت المقدس إلى الأرض، فأمرت أن يلقى في موضعه قمامات البلد وزيالاته، فصار موضع الصخرة مزبلة، وبقي الحال على ذلك حتى قدم عمر بن الخطاب ﵁، وفتح القدس في سنة خمس عشرة من الهجرة الشريفة، فدَلَّه بعضهم على موضع الهيكل، فنظفه عمر من الزبايل، وبنى به مسجداً، وبقي ذلك المسجد إلى أن تولى الوليد بن عبد الملك الأموي، فهدم ذلك المسجد، وبنى على الأساس القديم المسجدَ الأقصى، وقبةَ الصخرة وبنى هناك قبابا - أيضًا - يسمى بعضها: قبة الميزان، وبعضها: قبة المعراج، وبعضها: قبة السلسلة، والأمر على ذلك إلى يومنا هذا. وخلاصة ما ذكر: أن هيكل بيت المقدس عمره سليمان بن داود، وبقي عامراً حتى خربه بختنصر، وهو التخريب الأول، ثم عمره كورش، وهي عمارته الثانية، وبقي حتى خربه طيطوس التخريب الثاني، ثم تراجع إلى العمارة قليلاً قليلاً حتى خربته هيلانة أم قسطنطين التخريب الثالث، ثم عمره عمر بن الخطاب ﵁، وهي عمارته الرابعة، ثم خرب ذلك، وعمره الوليد بن عبد الملك، وهي عمارته الخامسة، وهو على ذلك إلى يومنا هذا.

стр. 72

٢٢ - ذكر أُمَّة اليهود قد تقدم ذكر موسى - صلوات الله وسلامه عليه -، وقد تقدم - أيضًا - ذكر يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم الخليل ﵈. ويعقوب هو إسرائيل، وكان لإسرائيل المذكور اثنا عشر ابناً تقدم ذكرُهم عند ذكر إسحاق ﵇، وهم: روبيل، ثم شمعون، ثم لاوي، ثم يهوذا، ثم يساخر، ثم زبولون، ثم يوسف، ثم بنيامين، ثم دان، ثم نفتالي، ثم كاذ، ثم أشر، وهؤلاء الاثنا عشر كانوا أسباط بني إسرائيل، وجميع بني إسرائيل أولاد الاثني عشر المذكورين. وأُمة اليهود أعمُّ من بني إسرائيل؛ لأن كثيراً من أجناس الفرس والعرب والروم وغيرهم صاروا يهوداً، ولم يكونوا من بني إسرائيل، وإنما بنو إسرائيل هم الأصل في هذه الملة، وغيرهم دخيل فيها، فلذلك لا يقال لكل يهودي: إسرائيلي. وأما اسم اليهود، فمعناه: هاد الرجل؛ أي: رجع وتاب، وإنما لزمهم هذا الاسم؛ لقول موسى ﵇: ﴿إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ﴾ [الأعراف: ١٥٦]؛ أي: رجعنا إليك، وتضرَّعْنا. وكتابهم التوراة، وقد اشتملت على أسفار، فذكر في السِّفْرِ الأول: مبتدأ الخلق، ثم ذكر الأحكام والحدود والأحوال والقصص، والمواعظ والأذكار في سفر سفر. وأنزل على موسى ﵇ الألواح أيضاً، وهي ستة،

стр. 73

مختصر ما في التوراة. وافترقت اليهود فرقاً كثيرة: فالربانية منهم كالمعتزلة فينا، والقراؤون كالمجبرة والمشبهة فينا. ومن فرق اليهود: العانانية نسُبوا إلى رجل منهم يقال له: عانان بن داود، فمن مذهب العانانية المذكورين: أنهم يصدقون المسيح في مواعظه وإشاراته، ويقولون: إنه لم يخالف التوراة البتة، بل قرَّرَها، ودعا الناس إليها، وهو من أنبياء بني إسرائيل المتعبدين بالتوراة، إلا أنهم لا يقولون بنبوته. ومنهم من يدعي أن عيسى لم يدَّعِ أنه نبي مرسل، ولا أنه صاحب شريعة ناسخة لشريعة موسى ﵇، بل هو من أولياء الله المخلصين، وأن الإنجيل ليس كتاباً منزلاً عليه وحياً من الله تعالى، بل هو جميع أحواله، جمعه أربعة من أصحابه، واليهود ظلموه أولاً حيث كذبوه، ولم يعرفوا بعد دعوته، وقتلوه آخراً، ولم يعلموا محله ومغزاه. وقد ورد في التوراة ذكر المسيحا في مواضع كثيرة، وهو المسيح. وأما السامرة، فمنهم فرقة يقال لها: الدستانية، وتسمى - أيضاً -: الغانية. ومنهم فرقة يقال لها: كوشانية، ولهم أعياد واعتقادات لا حاجة إلى ذكرها.

стр. 74

٢٣ - ذكري أُمَّة النصارى وهم أُمة المسيح. واتفقت النصارى على أن المسيح قتله اليهود وصلبوه، ويقولون: إن المسيح بعد أن قُتل وصلب، ومات، عاش، فرأى شخصَه شمعونُ الصفا، وكلَّمَه، وأوصى إليه، ثم فارق الدنيا، وصعد إلى السماء. وافترقت النصارى اثنتين وسبعين فرقة، وكبارهم ثلاث فرق: الملكانية، والنسطورية، واليعقوبية. وأما الملكانية: فهم أصحاب مَلْكا الذي ظهر في بلاد الروم، واستولى عليها، فصار غالب الروم ملكانية. وأما النسطورية: فهم أصحاب نسطورس، وهم عند النصارى كالمعتزلة عندنا. وأما اليعقوبية: وهم أصحاب يعقوب البردعاني، وكان راهباً بالقسطنطينية. ولهم أعياد واعتقادات فاسدة - لعنة الله عليهم أجمعين -. فمن الأمم التي دخلت في دين النصارى: أمة الروم. * ومنها: الأرمن، وكانت بلادهم أرمينية، وقاعدة مملكتها خلاط. * ومنها: الكرج: وبلادهم مجاورة لبلاد خلاط. * ومنها: الجركس: والغالب عليهم دين النصارى.

стр. 75

* ومنها: الفرنج: وهم أمم كثيرة، وأصل قاعدة بلادهم فرنجة، وهي مجاورة لجزيرة الأندلس من شمالها، ويقال لملكهم: فرنسيس، وهو الذي قصد ديار مصر، وأخذ دمياط، ثم أسره المسلمون، ومَنُّوا عليه بالإطلاق، وكان ذلك بعد موت الملك الصالح أيوب ابن الملك الكامل محمد في سنة ثمان وأربعين وست مئة للهجرة، وقد غلب الفرنج على معظم جزيرة الأندلس. * ومنها: الجلالقة: أشد من الفرنج، وهم أمة يغلب عليهم الجهل والجفاء، ومن زِيّهم: أنهم لا يغسلون ثيابهم، بل يتركونها عليهم إلى أن تبلى، ويدخل أحدهم دار الآخر بغير استئذان، وهم كالبهائم، ولهم بلاد كثيرة في شمال الأندلس. وأمم كثيرة مختلفة لا حاجة إلى ذكرهم في هذا المحل. * * * ٢٤ - ذكر أمم الهند وهم فرق كثيرة: ومن فرقهم: الباسوية، زعموا أن لهم رسولاً مَلَكاً روحانياً، نزل بصورة البشر، فأمرهم بتعظيم النار، والتقرب إليها بالطيب والذبائح. ومنهم: اليهودية، ومن مذهبهم: أن لايعافوا شيئاً؛ لأن الأشياء جميعها صنعُ الخالق، ويحرمون الذبائح، والنكاح.
следующие страницы →