← История

История · id 127698

التاريخ المعتبر في أنباء من غبر

مجير الدين العليمي

Полный текст (1 251 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

وهي عمارته الثالثة حتى سارت هيلانة أم قسطنطين إلى القدس في طلب خشبة المسيح التي زعم النصارى أن عيسى صلب عليها، ولما وصلت إلى القدس، بَنَتْ [كنيسة] قمامة على القبر الذي تزعُم النصارى أن عيسى دُفن به، وخربت هيكل بيت المقدس إلى الأرض، فأمرت أن يلقى في موضعه قمامات البلد وزيالاته، فصار موضع الصخرة مزبلة، وبقي الحال على ذلك حتى قدم عمر بن الخطاب ﵁، وفتح القدس في سنة خمس عشرة من الهجرة الشريفة، فدَلَّه بعضهم على موضع الهيكل، فنظفه عمر من الزبايل، وبنى به مسجداً، وبقي ذلك المسجد إلى أن تولى الوليد بن عبد الملك الأموي، فهدم ذلك المسجد، وبنى على الأساس القديم المسجدَ الأقصى، وقبةَ الصخرة وبنى هناك قبابا - أيضًا - يسمى بعضها: قبة الميزان، وبعضها: قبة المعراج، وبعضها: قبة السلسلة، والأمر على ذلك إلى يومنا هذا. وخلاصة ما ذكر: أن هيكل بيت المقدس عمره سليمان بن داود، وبقي عامراً حتى خربه بختنصر، وهو التخريب الأول، ثم عمره كورش، وهي عمارته الثانية، وبقي حتى خربه طيطوس التخريب الثاني، ثم تراجع إلى العمارة قليلاً قليلاً حتى خربته هيلانة أم قسطنطين التخريب الثالث، ثم عمره عمر بن الخطاب ﵁، وهي عمارته الرابعة، ثم خرب ذلك، وعمره الوليد بن عبد الملك، وهي عمارته الخامسة، وهو على ذلك إلى يومنا هذا.

стр. 72

٢٢ - ذكر أُمَّة اليهود قد تقدم ذكر موسى - صلوات الله وسلامه عليه -، وقد تقدم - أيضًا - ذكر يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم الخليل ﵈. ويعقوب هو إسرائيل، وكان لإسرائيل المذكور اثنا عشر ابناً تقدم ذكرُهم عند ذكر إسحاق ﵇، وهم: روبيل، ثم شمعون، ثم لاوي، ثم يهوذا، ثم يساخر، ثم زبولون، ثم يوسف، ثم بنيامين، ثم دان، ثم نفتالي، ثم كاذ، ثم أشر، وهؤلاء الاثنا عشر كانوا أسباط بني إسرائيل، وجميع بني إسرائيل أولاد الاثني عشر المذكورين. وأُمة اليهود أعمُّ من بني إسرائيل؛ لأن كثيراً من أجناس الفرس والعرب والروم وغيرهم صاروا يهوداً، ولم يكونوا من بني إسرائيل، وإنما بنو إسرائيل هم الأصل في هذه الملة، وغيرهم دخيل فيها، فلذلك لا يقال لكل يهودي: إسرائيلي. وأما اسم اليهود، فمعناه: هاد الرجل؛ أي: رجع وتاب، وإنما لزمهم هذا الاسم؛ لقول موسى ﵇: ﴿إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ﴾ [الأعراف: ١٥٦]؛ أي: رجعنا إليك، وتضرَّعْنا. وكتابهم التوراة، وقد اشتملت على أسفار، فذكر في السِّفْرِ الأول: مبتدأ الخلق، ثم ذكر الأحكام والحدود والأحوال والقصص، والمواعظ والأذكار في سفر سفر. وأنزل على موسى ﵇ الألواح أيضاً، وهي ستة،

стр. 73

مختصر ما في التوراة. وافترقت اليهود فرقاً كثيرة: فالربانية منهم كالمعتزلة فينا، والقراؤون كالمجبرة والمشبهة فينا. ومن فرق اليهود: العانانية نسُبوا إلى رجل منهم يقال له: عانان بن داود، فمن مذهب العانانية المذكورين: أنهم يصدقون المسيح في مواعظه وإشاراته، ويقولون: إنه لم يخالف التوراة البتة، بل قرَّرَها، ودعا الناس إليها، وهو من أنبياء بني إسرائيل المتعبدين بالتوراة، إلا أنهم لا يقولون بنبوته. ومنهم من يدعي أن عيسى لم يدَّعِ أنه نبي مرسل، ولا أنه صاحب شريعة ناسخة لشريعة موسى ﵇، بل هو من أولياء الله المخلصين، وأن الإنجيل ليس كتاباً منزلاً عليه وحياً من الله تعالى، بل هو جميع أحواله، جمعه أربعة من أصحابه، واليهود ظلموه أولاً حيث كذبوه، ولم يعرفوا بعد دعوته، وقتلوه آخراً، ولم يعلموا محله ومغزاه. وقد ورد في التوراة ذكر المسيحا في مواضع كثيرة، وهو المسيح. وأما السامرة، فمنهم فرقة يقال لها: الدستانية، وتسمى - أيضاً -: الغانية. ومنهم فرقة يقال لها: كوشانية، ولهم أعياد واعتقادات لا حاجة إلى ذكرها.

стр. 74

٢٣ - ذكري أُمَّة النصارى وهم أُمة المسيح. واتفقت النصارى على أن المسيح قتله اليهود وصلبوه، ويقولون: إن المسيح بعد أن قُتل وصلب، ومات، عاش، فرأى شخصَه شمعونُ الصفا، وكلَّمَه، وأوصى إليه، ثم فارق الدنيا، وصعد إلى السماء. وافترقت النصارى اثنتين وسبعين فرقة، وكبارهم ثلاث فرق: الملكانية، والنسطورية، واليعقوبية. وأما الملكانية: فهم أصحاب مَلْكا الذي ظهر في بلاد الروم، واستولى عليها، فصار غالب الروم ملكانية. وأما النسطورية: فهم أصحاب نسطورس، وهم عند النصارى كالمعتزلة عندنا. وأما اليعقوبية: وهم أصحاب يعقوب البردعاني، وكان راهباً بالقسطنطينية. ولهم أعياد واعتقادات فاسدة - لعنة الله عليهم أجمعين -. فمن الأمم التي دخلت في دين النصارى: أمة الروم. * ومنها: الأرمن، وكانت بلادهم أرمينية، وقاعدة مملكتها خلاط. * ومنها: الكرج: وبلادهم مجاورة لبلاد خلاط. * ومنها: الجركس: والغالب عليهم دين النصارى.

стр. 75

* ومنها: الفرنج: وهم أمم كثيرة، وأصل قاعدة بلادهم فرنجة، وهي مجاورة لجزيرة الأندلس من شمالها، ويقال لملكهم: فرنسيس، وهو الذي قصد ديار مصر، وأخذ دمياط، ثم أسره المسلمون، ومَنُّوا عليه بالإطلاق، وكان ذلك بعد موت الملك الصالح أيوب ابن الملك الكامل محمد في سنة ثمان وأربعين وست مئة للهجرة، وقد غلب الفرنج على معظم جزيرة الأندلس. * ومنها: الجلالقة: أشد من الفرنج، وهم أمة يغلب عليهم الجهل والجفاء، ومن زِيّهم: أنهم لا يغسلون ثيابهم، بل يتركونها عليهم إلى أن تبلى، ويدخل أحدهم دار الآخر بغير استئذان، وهم كالبهائم، ولهم بلاد كثيرة في شمال الأندلس. وأمم كثيرة مختلفة لا حاجة إلى ذكرهم في هذا المحل. * * * ٢٤ - ذكر أمم الهند وهم فرق كثيرة: ومن فرقهم: الباسوية، زعموا أن لهم رسولاً مَلَكاً روحانياً، نزل بصورة البشر، فأمرهم بتعظيم النار، والتقرب إليها بالطيب والذبائح. ومنهم: اليهودية، ومن مذهبهم: أن لايعافوا شيئاً؛ لأن الأشياء جميعها صنعُ الخالق، ويحرمون الذبائح، والنكاح.

стр. 76

ومنهم: عبدة الشمس. ومنهم: عبدة القمر. ومنهم: عبدة الأصنام، وهو معظمهم. ومنهم: عباد الماء ويقال لهم: الجلهلينية، ويزعمون أن الماء ملك، وهو أصل كل شيء، فإذا أراد الرجل عبادة الماء، تجرد، وستر عورته، ثم دخل الماء حتى يصل إلى وسطه، فيقيم فيه ساعتين وأكثر، ويأخذ ما أمكنه من الرياحين، فيقطعها صغاراً، ويلقيها في الماء، وهو يسبح ويقرأ، وإذا أراد الانصراف، حرك الماء بيده، ثم أخذ منه، فنقط على رأسه ووجهه، ثم يسجد وينصرف. ومنهم: عباد النار. ومنهم: البراهمة: أصحاب الفكرة؛ وهم أهل العلم بالفلك والنجوم، وإنما (١) سُمُّوا أصحاب الفكرة؛ لأنهم يعظمون أمر الفكر، ويقولون: هو المتوسط بين المحسوس والمعقول، والبراهمة لا يقولون بالنبوات، وينفونها بالكُلِّية. ولا يرون إرسالَ الريح من بطونهم قبيحاً، والسعال عندهم أقبحُ من الضراط، والجشاءُ أقبح من الفساء، والزنا في دينهم مباح. * * *

стр. 77

٢٥ - ذكر أُمَّة السِّنْد وهم غربي الهند، وبلاد السند قسمان: قسم إلى جانب البحر، والمسلمون غالبون على هذا القسم. والقسم الثاني في البر إلى جانب الجبل، وهي في أيدي الكفار، وأهلها يعبدون الأوثان. * * * ٢٦ - ذكر أُمم السودان وهم من ولد حام، وأديانهم مختلفة، فمنهم مجوس، ومنهم من يعبد الحيات، ومنهم أصحاب أوثان. فمن أعظم الأمم: الحُبش، وبلادهم تقابل الحجاز، وبينهم البحر، وهم الذين ملكوا اليمن قبل الإسلام. وخصيانُ الحبشة أفخرُ الخصيان. ويجاور الحبشة من الجنوب: الزيلع، والغالب عليهم دين الإسلام. ومن أمم السودان: النوية، وهم يجاورون الحبشة من جهة الشمال والغرب، وهم جنوب حدود مصر، ويقال: إن لقمان الحكيم الذي كان مع داود النبي ﵇ من النوبة، ومنهم ذو النون المصري، وبلال بن حمامة. ومن أممهم: البجا، وهم شديدو السواد، عراة، ويعبدون الأوثان،

стр. 78

وفي بلادهم الذهب، وهم أهل أمن وحسن مرافقة للتجار، وهم فوق الحبشة إلى جهة الجنوب على النيل. ومن أممهم: الدمادم، وبلادهم على النيل، وهم تتر السودان، ولهم أوثان وأوضاع مختلة، وفي بلادهم الزرافات، وفي أرض الدمادم يفترق النيل إلى جهة مصر، وإلى الزنج. ومن أممهم: الزنج وهم أشد السودان سواداً، ويحاربون راكبين البقر، ويعبدون الأوثان، والنيل ينقسم فوق بلادهم عند جبل المقسم. ومن أممهم: التكرور: وهم على غربي النيل، وببلادهم يكون الذهب، وهم كفار مهملون، ومنهم مسلمون. ومن أممهم: الكانم، وأكثرهم مسلمون، وهم على النيل، وهم على مذهب مالك ﵁. وأم عانة، وهي من أعظم مدن السودان، يسافر إليها التجار، ولا يجلبون منها إلا الذهب العين. * * * ٢٧ - ذكر أمم الصين وهي بلاد طويلة عريضة، وهم أحسن الناس سياسة، وأكثرهم عدلاً، وهم أهل مذاهب مختلفة، فمنهم مجوس وأهل أوثان، وهم أحذق خلق الله بنقش أو تصوير؛ بحيث يعمل الرجل الصيني بيده ما يعجز

стр. 79

عنه أهل الأرض، وأخبارهم منقطعة عنا. * * * ٢٨ - ذكر بني كنعان هم أهل الشام، وإنما سمي الشام شاماً؛ لسكنى سام بن نوح به، وسام اسمه بالعبرانية: شام - بشين معجمة -، وقيل: تشامت به بنو كنعان، فسمي شاماً. * * * ٢٩ - ذكر البربر قبائل البربر كثيرة جداً. فمنهم: كتامة: وبلادهم الجبال من المغرب الأوسط، وكتامة [هم] الذين أقاموا دولة الفاطميين. ومنهم: صنهاجة: ومن صنهاجة ملوك إفريقية. ومنهم: زناتة: ولهم الفروسية والشجاعة. ومنهم: المصامدة، وسكناهم في جبل درن، وهم الذين قاموا بنصرة المهدي (١).

стр. 80

ومنهم: برغواطة، ومنازلهم في تامسنا، وجهات سَلاَ على البحر المحيط. والبربر مثل العرب في سكنى الصحارى، ولهم لسان غير العربي، ولغاتهم ترجع إلى أصول واحدة، وتختلف في فروعها، حتى لا يفهم بعضُهم من بعض إلا بتَرْجُمان. * * * ٣٠ - ذكر العمالقة وهم من ولد عمليق بن لاوذ بن سام، ولما تبلبلت الألسن، نزلت العمالقة صنعاء من اليمن، ثم تحولوا إلى الحرم، وأهلكوا من قاتلهم من الأمم، وكان من العمالقة جماعة بالشام، وهم الذين قاتلهم موسى ﵇، ثم يوشع بعده، فأفناهم، وكان منهم فراعنةُ مصر، وكان منهم مَنْ ملكَ يثرب، وخيبر، وتلك النواحي. * * * ٣١ - ذكر أمم العرب وأحوالهم قبل الإسلام العرب الجاهلية أصناف: فصنف أنكروا الخالق والبعث، وقالوا: بالطبع المحيي، والدهر المفني. وصنف اعترفوا بالخالق، وأنكروا البعث.

стр. 81

وصنف عبدوا الأصنام، وكانت أصنامهم مختصة بالقبائل، فمنهم: وَدٌّ، وسُواعٌ، وَيغوثُ، وَيعوقُ، ونسرٌ، واللاتُ، والعُزَّى، ومناة، وكان هُبَلُ أعظمَهم على ظهر الكعبة، وكان إسافٌ ونائلةُ على الصفا والمروة. وكان منهم من يميل إلى اليهودية. ومنهم من يميل إلى النصرانية. وإلى الصابئة. ومنهم من يعبد الملائكة. ومنهم من يعبد الجن. وكانت علومُهم علومَ الأنساب، والتواريخ، وتعبير الرؤيا، وكان لأبي بكر الصديق ﵁ فيها يد طولى، وكانت الجاهلية تفعل أشياء جاءت شريعة الإسلام بها، منها: عدم نكاح الأمهات والبنات، والجمع بين الأختين، ويعيبون المتزوج بامرأة أبيه، ويسمونه: الضَّيزَنْ، وكانوا يحجون البيت، ويعتمرون ويطوفون ويسعون، ويقفون المواقف كلها، ويرمون الجمار، وكانوا يكبسون في كل ثلاثة أعوام شهراً، ويغتسلون من الجنابة، ويداومون على المضمضة والاستنشاق، وفرق الرأس، والسواك، والاستنجاء، وتقليم الأظفار، ونتف الإبط، وحلق العانة، والختان، ويقطعون يد السارق اليمنى.

стр. 82

٣٢ - ذكر بني حِمْيَرِ بن سبأ فمنهم: التبابعة ملوك اليمن. ومنهم: قضاعة بن مالك، وكان مالكاً لبلاد الشحر، وقبره في جبل الشحر. ومن قضاعة: كلب، وهم بنو كلب بن وبرة، وكان بنو كلب في الجاهلية ينزلون دُومة الجندل، وتبوك، وأطراف الشام، ومن مشاهير كلب: زهير بن خباب الكلبي، ومنهم زهير بن شريك الكلبي، ومنهم: حارثة الكلبي: وهو أبو زيد بن حارثة مولى رسول الله ﷺ ، وكان قد أصاب ابنه زيداً سباء في الجاهلية، فصار إلى خديجة زوجِ النبي ﷺ ، فوهبته للنبي ﷺ ، ثم اجتمع بزيد أبوه حارثة وهو عند النبي ﷺ ، فَخَيَّره رسول الله ﷺ ، فاختاره على أبيه وأهله (١). ومن قضاعة: بلي. ومن قضاعة: جهينة، وهي قبيلة عظيمة، ينسب إليها بطون كثيرة، وكانت منازلهم بأطراف الحجاز الشمالي من جهة بحر جدة. ومن قبائل قضاعة: بنو سليح، وبنو نهد. ومن مشاهير بني نهد: الصقعب بن عمرو النهدي، وهو أبو خالد ابن الصقعب، وكان ريساً في الإسلام.

стр. 83

ومن بطون حمير: الشَّعبيُّ الفقيه، واسمه عامر. * * * ٣٣ - ذكر بني كهلان بن سبأ وصار من بني كهلان المذكور أحياء كثيرة، والمشهور منها سبعة، وهي: الأزد، وطَيّ، ومَذْحِج، وهَمْدَان، وكِندة، ومراد، وأنمار. فقبائل الأزد منهم: الغساسنة ملوك الشام، وهم بنو عمرو بن مازن ابن الأزد. ومن الأزد: الأوس والخزرج أهل يثرب، والمسلمون منهم هم الأنصار ﵃. * * * ٣٤ - قصة الفيل قال ابن الأثير في "الكامل": إن الحبشة ملكوا اليمن بعد حمير، فلما صار الملك إلى أَبرهة منهم، بنى كنيسة عظيمة، وقصد أن يصرف حجَّ العرب إليها، ويُبطل الكعبة الحرام، فجاء شخص من العرب، وأحدثَ في تلك الكنيسة، فغضب أبرهةُ لذلك، وسار بجيشه، ومعه الفيل، وقيل: كان معه ثلاثة عشر فيلاً؛ ليهدم الكعبة، فلما وصل إلى الطائف، بعث الأسودَ بنَ مقصود إلى مكة، فساق أموالَ أهلها، وأحضرها إلى أبرهة، وأرسل أبرهةُ إلى قريش، وقال لهم: لست أقصد الحرب،

стр. 84

بل جئت لأهدم الكعبة، فقال عبد المطلب: والله! ما نريد حربه، هذا بيت الله، فإن منع عنه، فهو بيته وحرمه، وإن خلى بينه وبينه، فوالله! ما عندنا مِنْ دفع. ثم انطلق عبد المطلب مع رسول أبرهة إليه، فلما استؤذن لعبد المطلب (١)، قالوا لأبرهة: هذا من أكابر قريش، فأذن له أبرهة وأكرمه، ونزل عن سريره، وجلس معه، وسأله عن حاجته، فذكر عبد المطلب أباعره التي أُخِذت له، فقال له أبرهة: إني كنت أظن أنك تطلب مني أن لا أخرب الكعبة التي هي دينك، فقال عبد المطلب: أنا ربُّ الأباعر فأطلبها، وللبيت ربٌّ يمنعه، فأمر أبرهة بردِّ أباعره عليه، فأخذها عبد المطلب، وانصرف إلى قريش. ولما قاربَ أبرهةُ مكةَ، وتهيأ لدخولها، بقي كلما قَبَّلَ فيلَه مكة - وكان اسم الفيل محموداً - ينام، ويرمي بنفسه إلى الأرض، ولم يسر، فإذا قَبَّلوه غيرَ مكة، قام يهرول. وبينما هم كذلك إذ أرسل الله تعالى عليهم طيراً أبابيل أمثالَ الخطاطيف مع كل طائر ثلاثة أحجار في منقاره ورجليه، فقذفتهم بها، وهي مثل الحمص والعدس، فلم تصب منهم أحداً إلا هلك، وليس كلهم أصابت، ثم أرسل الله تعالى سيلاً، فألقاهم في البحر، والذي سلم منهم وَلَّى هارباً مع أبرهة إلى اليمن يبتدر الطريق، وصاروا يتساقطون بكل

стр. 85

مَنْهَل، وأصيب أبرهةُ في جسده، وسقطت أعضاؤه، ووصل إلى صنعاء كذلك، ومات. ولما جرى ذلك، خرجت قريش إلى منازلهم، وغنموا من أموالهم شيئاً كثيراً. ولما هلك أبرهة، ملك بعده ابنه يكسوم، ثم أخوه مسروق بن أبرهة، ومنه أخذت العجم اليمن، والله أعلم. * * * ٣٥ - ذكر التاريخ الإسلامي أما التواريخ، فكانت الأمم السالفة تؤرخ بالأحداث العظام، وتَمَلُّكِ الملوك، وأرَّخوا بهبوط آدم، ثم ببعث نوح، ثم بالطوفان، ثم بنار إبراهيم. وأرخ بنو إسحاق بنار إبراهيم إلى [مبعث] يوسف، ومن [مبعث] يوسف إلى مبعث موسى، ومن مبعث موسى إلى ملك سليمان بن داود، ثم بما كان من الكوائن، ومنهم من أرخ بوفاة يعقوب ﵇، ثم بخروج موسى من مصر ببني إسرائيل، ثم بخراب بيت المقدس. وأما بنو إسماعيل، فأرخوا ببناء الكعبة، ولم يزالوا يؤرخون بذلك حتى تفرقوا، وكان كل من خرج منهم من تهامة يؤرخ بخروجه، ثم أرخوا بعام الفيل، ثم أرخوا بأيام الحروب.

стр. 86

وكانت حمير يؤرخون بملوكهم التبابعة. وأما اليونانيون والروم، فأرخوا بظهور الإسكندر. وأما النبط (١)، فكانوا يؤرخون بملك بختنصر. وأما المجوس، فكانوا يؤرخون بقتل دارا، وظهور الإسكندر، ثم بظهور أزدشير، ثم بملك يَزْدجرد. وولد سيدنا رسول الله ﷺ والعربُ تؤرخ بعام الفيل، ولم يزل التاريخ كذلك إلى أن ولي عمر بن الخطاب - رضي الله تعالى عنه - الخلافةَ، فقرر الأمر على أن يؤرخوا بهجرة النبي ﷺ من مكة إلى المدينة، فجعلوا التاريخ من المحرم أول عام الهجرة (٢).

стр. 87

السيرة النبوية الشريفة

стр. 88

السيرة النبوية الشريفة ذكر سيد الأولين والآخرين وخاتم الأنبياء والمرسلين وحبيب ربِّ العالمين محمدٍ البشير النذير، الداعي إلى الله بإذنه السراج المنير هو أبو القاسم، محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصي بن كلاب بن مُرَّة بن كعب ببن لؤي بن غالب بن فِهْر. ففهر المذكور هو قريش، فكل من كان من ولده فهو قرشي، ومن لم يكن من ولده، فليس قرشيًّا. وقيل: سمي قريشاً؛ لشدة شبهه بدابة من دواب البحر يقال لها: القِرْش، تأكل دواب البحر، وتقهرهم. وقيل: إن قصي بن كلاب لما استولى على البيت، وجمع أشتات بني فهر، سموا قريشاً؛ لأنه قَرَّشَ بني فهر؛ أي: جمعهم حول الحرم، فقيل لهم: قريش، فعلى هذا يكون لفظ قريش اسماً لبني فهر، لا لفهر نفسه. وفهر بن مالك بن النضر بن كنانة بن خزيمة بن مُدركة بن إلياس

стр. 89

ابن مُضر بن نزار بن مَعَدِّ بن عدنان، هذا هو المتفَقُ على صحته من غير خلاف. وعدنانُ من ولد إسماعيل بن إبراهيم الخليل ﵉ من غير خلاف، ولكن الخلاف في عدة الآباء الذين بين عدنان وإسماعيل ﵇، فعدَّ بعضُهم بينهما نحوَ أربعين رجلاً، وعدَّ بعضهم سبعة. والمختار: أن عدنان بن أدد بن اليسع بن الهميسع بن سلامان بن نبت بن حمل بن قيذار، بن إسماعيل، بن إبراهيم الخليل ﵇ ابن تارح - وهو آزر - بن ناحور بن ساروغ بن رعون بن فالغ بن عابر بن شالخ بن قينان بن أرفخشذ بن سام بن نوح بن لامخ - ويقال: لامك - ابن متوشلح بن حنوخ - وهو إدريس - بن يرد، بن مهلائيل بن قينان بن أنوش بن شيث بن آدم ﵇. * * * ذكر أسمائه ﷺ - فهي ثلاثة وعشرون اسماً: محمد، أحمد، والماحي، والحاشر، والعاقب، والمقفي، ونبي الرحمة، ونبي التوبة، ونبي الملاحم، والشاهد، والبشير، والنذير، والضحوك، والقَتَّال، والمتوكل، والفالح، والأمين، والخاتم، والمصطفى، والرسول، والنبي والأمي، والقثم، قاله ابن الجوزي.

стр. 90

وذكر غيرُه أسماء كثيرة، وفيما ذكرناه كفاية خشية أن تخرج عن حد الاختصار. قال علماء السِّيَرِ والمؤرخون: كانت آمنة بنت وهب بن عبد مناف في حِجْر عمها وهيب بن عبد مناف، فمشى إليه عبد المطلب بن هاشم بابنه عبد الله، فخطب عليه آمنة بنت وهب، فعقد العقد، وأخذ الميثاق والعهد، ولم يُر مثل ذلك اليوم المشهود، الذي طلعت فيه نجوم السعود، وكملت المسرات وأضاء الوجود، ثم خطب عبدُ المطلب في مجلسه ذلك هالةَ بنتَ وهيب ابنةَ عم آمنة من أبيها لنفسه، فزَوَّجه إياها، فتزوج عبدُ المطلب وابنُه عبد الله في مجلس واحد. فولدت هالةُ بنتُ وهيب لعبد المطلب: حمزةَ، والمقوم، وصفية أم الزبير. ولما دخل عبد الله بآمنة، واجتمع شمله بشملها، ظهر صفاء يقينها، وطلع طالع سعد تمكينها، وحملت بسيد العالم، وأشرفِ بني آدم، وتلألأت الأنوار النبوية في غُرَّة آمنة التقية. ثم خرج عبد الله بن عبد المطلب إلى الشام في عير من عيرات قريش يحملون تجارات، ففرغوا من تجارتهم، ثم انصرفوا، فمروا بالمدينة، وعبد الله بنُ عبد المطلب يومئذ مريض، فتخلف عند أخواله بني عَدِيِّ بن النجَّار، فأقام عندهم مريضاً شهراً، فتوفي ودُفِنَ في دار النَّابغةَ رجلٌ من بني عديِّ بن النجار فأُخبر عبدُ المطلب بذلك، فوَجَدَ عليه عبدُ المطلب وإخوته وأخواته وَجْداً شديداً، ورسولُ الله ﷺ يومئذ ابنُ شهرين، وقيل:

стр. 91

كان حِمْلاً، ولعبد الله يوم توفي خمس وعشرون سنة. وجميع ما خلَّفه عبدُ الله: خمسة جمال، وجارية حبشية اسمها بركة، وكنيتها أم أيمن، وهي حاضنة رسول الله ﷺ . ولد رسول الله ﷺ يوم الاثنين (١)، لعشر ليال خلون من ربيع الأول، وقيل: لاثنتي عشرة، وكان قدوم أصحاب الفيل قبل ذلك في النصف من المحرم، فبين الفيل وبين مولد رسول الله ﷺ خمس وخمسون ليلة (٢)، وهي السنة الثانية (٣) والأربعون من ملك كسرى أنوشروان، وهي سنة إحدى وثمانين وثماني مئة لغلبة الإسكندر على دارا، وهي سنة ألف وثلاث مئة وست عشرة لبختنصر، وهي سنة ستة آلاف ومئة وثلاث وستين من هبوط آدم على حكم التوراة اليونانية المعتمدة - على ما تقدم شرحه -. ولد ﷺ مختوناً مسروراً، ففرح به عبد المطلب، وحظي عنده، وقال: لَيكونَنَّ لابني هذا شأن، فكان له شأن وأيُّ شأن ﷺ . * * * ذكر رضاع النبي ﷺ - أولُ من أرضع رسولَ الله ﷺ ثويبةُ بلبن ابنٍ لها يقال له: مسروح

стр. 92

أياماً، قبل أن تقدم حليمة، وكانت قد أرضعت قبلَه حمزةَ بنَ عبد المطلب، وأرضعت بعدَه أبا سلمةَ بنَ عبد الأسد المخزومي، فحمزةُ عمُّ النبي ﷺ ، وأبو سلمةَ أَخَوا رسولِ الله ﷺ من الرضاع. ثم قدمت حليمة إلى مكة، وكانت المراضع يقدمْنَ من البادية إلى مكة يطلبن أن يُرضعن الأطفال، فقدمت عِدَّةٌ منهن، ولم تجد حليمةُ طفلاً تأخذه غيرَ رسول الله ﷺ ، وكان يتيماً، فلذلك لم يرغبن في أخذه، فأخذته حليمةُ بنتُ أبي ذؤيبِ بنِ الحارث السعديةُ، وتسلَّمته من أمه آمنة، ومضت به إلى بلادها، وهي باديةُ بني سعد، فوجدت من الخير والبركة ما لم تعهده من قبل ذلك، ولما خرجت به حليمة إلى بلادها، قالت آمنة بنت وهب بن عبد مناف: أُعِيذُهُ بِاللهِ ذِي الجَلالِ ... مِنْ شَرِّ مَا مَرَّ عَلَى الجِبَالِ حَتَّى أَرَاهُ حَامِلَ الكلالِ ... وَيفْعَلُ العُرْفَ إلى الموَالي وَغَيْرِهِمْ مِنْ حِشْوَةِ الرِّجَالِ (١) يقال: من حشوة بني فلان - بكسر الحاء -؛ أي: من رذالتهم. وبعد سنتين من مولده ﷺ : ولد أبو بكر الصديق ﷺ . ثم قدمت به حليمةُ إلى مكة، وهي أحرصُ الناس على مكثه عندها، فقالت لأمه آمنة: لو تركتِ ابني عندي حتى يغلُظَ؛ فإني أخشى عليه وباءَ

стр. 93

مكة، ولم تزل بها حتى تركته معها، فأخذته، وعادت به إلى بلاد بني سعد، وبقي هناك. ولما بلغ رسول الله ﷺ أربع سنين: كان يغدو مع أخيه وأخته في البُهْم قريبًا من الحي، فأتاه الملكان هناك، فشقا بطنه، واستخرجا عَلَقَة سوداء، فطرحاها، وغسلا بطنه بماء الثلج في طَسْت من ذهب. قال الإمام أحمد بن حنبل ﵁ في "مسنده" بسند متصل إلى عتبة بن عبد السلمي: إن رجلًا سأل رسول الله: كيف كان أولُ شأنك يا رسول الله؟ قال: "كانت حاضنتي من بني سعدِ بنِ بكر، فانطلقتُ أنا وابنٌ لها في بُهْم لنا، ولم نأخذْ معنا زادًا، فقلتُ: يا أخي! اذهبْ فأْتِنا بزادٍ من عندِ أُمِّنا، فانطلق أخي، ومكثتُ عندَ البُهْم، فأقبل طائرانِ أبيضانِ كأنهما نَسْران، فقال أحدُهما لصاحبه: أهو هو؟ قال: نعم، فأقبلا يَبْتَدِراني، فأخذاني فأضجعاني، وشَقَّا بطني، ثم استخرجا قلبي، وأخرجا منه عَلَقَتين سَوْدَاوينِ، فقالَ أحدُهما لصاحبه: ائتني بماءٍ وثلجٍ، فغسلا به جَوْفي، ثم قال: ائتني بماءِ بَرَدٍ، فغسلا به قلبي، ثم قال: ائتني بالسَّكِينة، فذراها في قلبي، وختما بين كتفيَّ بخاتمِ النبوة، وقال أحدُهما لصاحبه: اجعلْه في كِفَّة، واجعل الفًا من أمته في كِفَّة، فإذا أنا أنظرُ إلى الألفِ فوقي أُشْفِقُ أن يَخِرَّ عَلَيَّ بعضُهم. ثم قال: لو أن أمته وُزِنتَ به، لمال بهم، ثم انطلقا وتركاني، وقد فرقْتُ فَرَقا شديدًا، ثم انطلقتُ إلى أمي، فأخبرتها بالذي لقيتُه، فأشفقتْ عليَّ، فقالت: أعيذُك بالله، وحملتني على الرحل، وركبَتْ خلفي حتى بلغَتْ إلى أمي، فقالت: أَدَّيْتُ أمانتي وذِمَّتي،

стр. 94

وحَدَّثتها بالذي لقيتُ، فلم يَرُعْها ذلك، وقالت: إني رأيتُ حينَ خرجَ مني نورًا أضاءتْ منه قصورُ الشام" (١). ثم رجعت به حليمة - أيضًا -، فكان عندها سنة أو نحوَها، لا تَدَعُه يذهب مكانا بعيدًا، ثم رأت غمامة تُظِلُّه، إذا وقف، وقفت، وإذا سار، سارت، فأفزعها ذلك من أمره، فذهبت به إلى أمه لتردَّه وهو ابن خمس سنين، قالت: فبينما أنا ذاهبة به، وهو معي بمكة، إذ سمعت هَدَّة عظيمة، فالتفتُّ فلم أجد محمدًا، فصرت كالوالهة، وأنا أنادي في الناس: من رأى لي ولدًا كالبدر في تمامه، والغصن في قَوامه؛ فلقيني عبد المطلب جدُّه، فقال: مالك يا حليمة؟ فقلت: يا عبد المطلب! إن محمدًا قد ذهب مني، فصعد على الصفا، ونادى: يا صباحاه! فاجتمعَتْ إليه رؤساء قريش، ففرقهم في أركان مكة وما حولها يطلبون محمدًا، فلم يجدوه، فرجع عبد المطلب إلى بيته، فلبس أثوابه، وأتى إلى الكعبة، فطاف وهو يقول: رُدَّ إِلَيَّ وَلَدِي مُحَمَّدَا ... ارْدُدْهُ رَبِّي وَاصْطَنِعْ عِنْدِي يَدَا فلم يلبث أن جاء محمد، فلما رآه عبد المطلب، ضمه إلى صدره، وقال: يا بني! حزنت عليك حزنا لا يفارقني أبدًا (٢). ثم قدمت حليمةُ على رسول الله ﷺ وقد تزوج خديجةَ بنتَ خويلد،

стр. 95

فشكَتْ جدبَ البلاد، وهلاكَ الماشية، فكلَّم رسولُ الله ﷺ خديجةَ فيها، فأعطتها أربعين شاة وبعيرًا، وانصرفت إلى أهلها. ثم قدمت حليمةُ وزوجُها الحارثُ على رسول الله ﷺ بعدَ النبوة، فأسلمتْ هي وزوجُها الحارث (١). وقال بعض المؤرخين: إنه لا يُعرف لها صحبة ولا إسلام، وقد وَهَلَ فيها غير واحد، فذكروها في الصحابة. وَهَلَ في الشيء؛ أي: غلط فيه. وإخوة رسول الله ﷺ من الرضاع: عبد الله، وأنيسة، وجذامة - وهي الشيماء، غلب ذلك على اسمها -، وأمُّهم حليمةُ السعدية، وأبوهم الحارثُ ابنُ عبد العُزَّى السعدي، وهو أبو رسول الله ﷺ من الرضاع. وفي سنة خمس من مولده قدم كاهن إلى مكة، فنظر إليه الكاهن مع جده عبد المطلب، فقال: يا معشر قريش! اقتلوا هذا الصبي؛ فإنه يفرقكم، ويقتلكم، فهرب به عبد المطلب، فلم تزل قريش تخشى ما كان الكاهن حذَّرهم (٢). فلما بلغ رسول الله ﷺ ست سنين: خرجت به أمه إلى أخواله بني عَدِيِّ بنِ النجَّار بالمدينة تزورهم به، ومعه أُم أيمن تحضنه، وهم على بعيرين، فنزلت به في دار النابغة، فأقامت به عندهم شهرًا، ثم رجعت به

стр. 96

أمه إلى مكة، فلما كان بالأبواء، توفيت أمه آمنة، فَقَبْرُها هناك، فرجعت به أم أيمن إلى مكة، فضم عبدُ المطلب رسولَ الله ﷺ ، ورَقَّ عليه رقةً لم يرقَّها على ولده، فلما حضرت عبدَ المطلب الوفاةُ، أوصى أبا طالب بحفظِ رسولِ الله ﷺ وحياطتهِ. ولسبعة مضت من عمره: خرج به عبد المطلب يستسقي، وقد كانت تتابعتْ على قريش سنون أقحلَتِ الضرعَ، وأدقَّت العظمَ، فصعِدَ عبدُ المطلب أعلى ذروة الجبل، ومعه رسولُ الله ﷺ ، فدعا الله، فتفجرت السماء بمائها، واكتظَّ الوادي بثجيجه، فهُنئَ عبدُ المطلب من أكابر قريش (١). وأنشدَ بعضُهم يمدح رسولَ الله ﷺ : وَأَبْيَضَ يُسْتَسْقَى الغَمَامُ بِوَجْهِهِ ... ثِمَالُ الأَيَامَى عِصْمَةٌ لِلأَرَامِل وفي هذه السنة خرج عبدُ المطلب لتهنئة سيفِ بنِ ذي يزن بالظفر لمَّا ملكَ أرضَ اليمن، وقتلَ الحبشَ وأبادهم، وبشَّر سيفًا عبدَ المطلب بأنه سيظهر رسولُ الله ﷺ من نسله. وفي سنة ثمانية من مولده: كان موتُ عبد المطلب، وهو ابن اثنتين وثمانين سنة، وقيل: مئة وعشر سنين، وقيل: مئة وعشرين سنة.

стр. 97

وسئل رسول الله ﷺ : أتذكر موتَ عبد المطلب؟ قال: "نعم، كنتُ ابنَ ثمانِ سنينَ" (١). وضمه أبو طالب، وكان فقيرًا لا مالَ له، وكان إذا أكل عيالُه جميعًا، أو فرادى، لم يشبعوا، فإذا أكل معهم رسولُ الله ﷺ ، فَضَلَ من طعامهم، فيقول أبو طالب: إنه لمبارك، وأَحبَّه حبًا شديدًا. وفي هذه السنة: كان هلاك حاتم الطائي، وهو حاتم بن عبد الله بن سعد بن الحشرج بن امرئ القيس، وأمه عتبة بنتُ عفيف بن طيء، ويكنى: أبا سفانة، وكان حاتم الطائي شاعرًا جوادًا. * * * ولمّا صار لرسول الله ﷺ اثنتا عشرة سنة وشهران: ارتحل أبو طالب إلى الشام، فحمل معه النبيَّ ﷺ ، فلما نزل الركبُ بِبُصْرى من أرض الشام، وبها راهبٌ يقال له: بَحيرا في صومعة له، وكان ذا علم في النصرانية، وكان كثيرًا ما يمرون عليه، ولا يكلمهم، حتى إذا كان ذلك العام، ونزلوا منزلًا قريبا من صومعته، كانوا ينزلونه قبل ذلك كلما مروا، فصنع لهم طعاما، ثم دعاهم، وكان قد رآهم حين طلعوا، وغمامةٌ تُظِلُّ رسولَ الله ﷺ من بين القوم، حتى نزلوا تحت الشجرة، ثم نظر إلى تلك الغمامة قد أظلَّت تلك الشجرة، واخضرَّتْ أغصانُ الشجرة حين استظل

стр. 98

تحتَها، فنزلَ بحيرا من صومعته، وأمر بذلك الطعام، فأُتي به، وأرسل إليهم، وقال: إني صنعت لكم طعامًا يا معشر قريش، وأنا أحبُّ أن تحضروا كلكم، ولا يتخلف منكم صغير ولا كبير، ولا حر ولا عبد؛ فإن هذا شيء تكرموني به، فقال رجل: إن لك لشأنًا يا بحيرا. ثم اجتمعوا إليه، وتخلَّفَ رسولُ الله ﷺ ، لحداثة سنه، فلما نظر بحيرا إلى القوم، لم ير الصفة التي يجدها عنده، ورأى الغمامة متخلفةً على رسول الله ﷺ ، فقال بحيرا: يا معشر قريش! ألم أقل لكم: لا يتخلف أحد عن طعامي؟ قالوا: ما تخلف إلا غلام حَدَث، قال: ادعوه فليحضُرْ طعامي، مع أني أراه من أنفَسكم، قالوا: هو - والله - من أوسطنا نسبًا، وهو ابنُ أخي هذا الرجل - يعنون: أبا طالب -، فقام إليه الحارث بن عبد المطلب، فاحتضنه، وأقبل به حتى أجلسه على الطعام، والغمامةُ تسير على رأسه، فجعل بَحيرا يلحظه لحظا شديدًا، وينظر إلى أشياء من جسده قد كان يجدُها عنده من صفته. فلما تفرقوا عن الطعام، قام إليه الراهب، وقال: يا غلام! أسألك باللات والعزى إلا أخبرتني عما أسألك عنه، فقال رسول الله ﷺ : "لا تَسْأَلْني بالَّلاتِ والعُزَّى، فَوَاللهِ! ما أبغضْتُ شَيْئًا بُغْضَهَا". قال: فبالله! إلا أخبرتني عما أسألك عنه، قال: "سَلْني عَمَّا بَدَا لَكَ"، فجعل يسأله عن أشياء من حاله، ورسولُ الله ﷺ يخبره، فيوافقُ ذلك ما عنده، ثم جعل ينظر بين عينيه، ثم كشف عن ظهره، فرأى خاتم النبوة بين كتفيه، فقبَّلَ موضعَ الخاتم.

стр. 99

وقال لأبي طالب: ما هذا الغلام منك؟ قال: ابني، قال: ما هو بابنك، وما ينبغي أن يكون أبوه حيًّا، قال: ابنُ أخي، قال: ما فعل أبوه؟ قال: هلك وأُمُّه حُبلى، قال: فما فعلَتْ أُمُّه؟ قال: توفيت قريبًا، قال: صدقْتَ، ارجعْ بابن أخيك إلى بلده، واحذرْ عليه اليهود، فوالله! لئن رأوه، وعرفوا منه ما عرفتُ، ليَبْغِينَّهُ بغيًا؛ فإن لابن أخيك شأنًا عظيمًا، واعلمْ أني قد أديت إليك النصيحةَ. فرجع به أبو طالب بعد ما فرغوا من تجارتهم، وما خرج به سفرًا بعد ذلك خوفًا عليه (١). وشبَّ رسول الله ﷺ حتى بلغ، وكان أعظمَ الناس مروءة وحلمًا، وأحسنَهم جوابًا، وأصدقَهم حديثًا، وأعظمَهم أمانة، وأبعدَهم عن الفحش، حتى صار اسمُه في قومه: الأمين؛ لما جمع الله فيه من الأمور الصالحة. وحضر مع عمومته حربَ الفُجَّار وعمُره أربعَ عشرةَ سنة: وهي حرب كانت بين قريش وكنانة، وبين هوازن، وسميت بالفجار؛ لما انتهكت فيها هوازنُ حرمةَ الحرم، وكانت الكَرَّة في هذه الحرب أولًا على قريش وكنانة، ثم كانت على هوازن، وانتصرت قريش. * * *

стр. 100

وفي سنة خمس عشرة من مولده: كان قيام قُسِّ بنِ ساعدة الإياديِّ بسوق عكاظ: وهو سوق كانوا يبيعون فيه ويشترون، وكان قُسٌّ خطيبًا بليغًا حكيمًا. روى ابن عباس ﵄: لما وَفَدَ وَفْدُ إيادٍ على رسول الله ﷺ ، قال لهم: "ما فعلَ قُسُّ بنُ ساعِدَةَ؟ "، قالوا: مات، قال: "كَأَنِّي أنظُرُ إليهِ بسوقِ عُكاظٍ على جملٍ أَوْرَقَ يتكلَّمُ بكلام له حلاوةٌ، ما أجِدُني أحفَظُه"، فقال رجل من القوم: أنا أحفظه يا رسول الله، سمعته يقول: أيها الناس! احفظوا وعوا، من عاش مات، ومن مات فات، وكل ما هو آتٍ آت، ليلٌ داج، وسماءٌ ذات أبراج، وبحارٌ تزخر، ونجوم تزهر، وضوءٌ وظلام، وبرٌّ وآثام، ومطعمٌ ومشربٌ، وملبسٌ ومركبٌ، مالي أرى الناس يذهبون فلا يرجعون؟ أَرَضُوا بالمقامِ فأقاموا، أم تُركوا فناموا؟ وإلهِ قُسٍّ! ما على وجه الأرض دينٌ أفضل من دينٍ قد أَظَلَّكم زمانُه، وأدرككم أوانُه، فطوبى لمن أدركه فاتَّبعه، وويل لمن خالفه، ثم أنشأ يقول: في الذَّاهِبِينَ الأَوَّلِيـ ... ـنَ مِنَ الْقُرُونِ لَنَا بَصَائِرْ لَمَّا رَأَيْتُ مَوَارِدًا ... لِلْمَوْتِ لَيْسَ لَهَا مَصَادِرْ وَرَأَيْتُ قَوْمِي نَحْوَهَا ... تَمْضِي الأَصاغِرُ وَالأكَابِرْ لا يَرْجِعُ الماضِي إِلَيَّ ... وَلا مِنَ الباقِينَ غَابِرْ أَيْقَنْتُ أَنِّي لَا مَحَا ... لَة حَيْثُ صَارَ القَوْمُ صَائِرْ

стр. 101

فقال رسول الله ﷺ : "يرحمُ اللهُ قُسًّا، إِنِّي لأَرْجُو أَنْ يبعَثَهُ اللهُ أُمَّةً وَحْدَهُ" (١). * * * وفي سنة عشرين من مولده ﷺ : كان حِلْفُ الفُضول، وحضره رسولُ الله ﷺ ، وسببه: أن قيسَ بنَ شيبة (٢) السلميَّ باع متاعًا من أُبَيِّ بنِ خَلَفٍ الجُمَحِيِّ، فلواه، وذهبَ بحقه، فاستجار برجل من بني جُمَح، فلم يقم بجواره، فقال قيس: يَالَ قُصَيٍّ كَيْفَ هَذَا فِي الحَرَمْ ... وَحُرْمَةِ البَيْتِ وَأَخْلاقِ الكَرَمْ أُظْلَمُ وَلَا يُمْنَعُ مِنِّي مَنْ ظَلَمْ فقام إليه العباسُ وأبو سفيان حتى ردًّا عليه ظلامته، فاجتمعت قريش في دار عبد الله بن جدعان، وتحالفوا على ردِّ المظالم بمكة، وأن لا يُظلم أحدٌ إلا منعوه. قال رسول الله ﷺ : "لَقَدْ شَهِدْتُ حِلْفًا في دارِ ابنِ جُدْعَانَ ما أُحِبُّ أَنَّ لي به حُمْرَ النَّعَمِ، ولو دُعِيتُ به لأَجَبْتُ" (٣). * * *

стр. 102

وفي سنة خمس وعشرين من مولده ﷺ : كان خروجه في تجارة خديجة، وتزويجه بها، وذلك أن خديجة كانت ذات شرف ومال، فلما بلغها صدقُ رسول الله ﷺ وأمانتُه، عرضت عليه الخروج في تجارتها إلى الشام، فأجاب إلى ذلك، وخرج ومعه غلامها مَيْسَرَة، وجعل عمومتُه يوصون به أهلَ العير، وساروا حتى وصلوا بُصْرى من أرض الشام، فنزلا في ظل شجرة، فرآه راهبٌ يقال له: نَسْطورا، فعرفه بالعلائم، وقال لميسرة: هذا - والله - الذي تجده أحبارُنا منعوتًا في كتبهم. فلما رجعوا، ودخل عليها رسول الله ﷺ ، فخبرها بما ربحوا، فسرَّتْ بذلك، ودخل عليها ميسرةُ، وأخبرها بما رأى منه، وبما قال له الراهب نسطورا، فأرسلَتْ دسيسًا إلى رسول الله ﷺ ، وتحدَّث له في تزويجها. وقدم رسول الله ﷺ ، ومعه حمزةُ بنُ عبد المطلب، وأبو طالب، وغيرُهما من عمومته، حتى دخل على خُوَيْلِدِ بنِ أَسَدٍ، فخطبها إليه، فزوَّجها منه، وهو ابنُ خمسٍ وعشرين سنة، وخديجةُ يومئذ ابنةُ أربعين سنة، وأصدَقَها عشرين بكرةً، وهي أولُ امرأة تزوجها، ولم يتزوج غيرها حتى ماتت، ولم يتزوج بِكْرًا غيرَ عائشة. وولدت له خديجة أولاده كلَّهم إلا إبراهيم؛ فإنه من مارية القِبْطية، وبقيةُ الأولاد من خديجة، وهم: زينب، ورُقَية، وأم كلثوم، وفاطمة الزهراء، والقاسم، وبه كان يُكنّى، وعبد الله، والطاهر، والطيب. فأما القاسم والطاهر، فماتا قبل الإسلام، وقيل: إن عبد الله وُلِد في

стр. 103

الإسلام، وهو الطيب، وأما بناته، فكلهن أدركْنَ الإسلام، فأسلَمْن، وهاجرن معه، وكان الرسولُ بين خديجة والنبي ﷺ نفيسةَ بنت مُنْيَة - أخت يعلى بن مُنْية - أسلمت يوم الفتح، فبرّها رسول الله ﷺ ، وأكرمها. ومنية - بالنون الساكنة، والياء المثنّاة من تحتها -، وهي أمُّها، والله أعلم. * * * * وفي سنة خمس وثلاثين من مولده ﷺ : هدمَتْ قريشٌ الكعبة، وكان سببُ هدمهم إياها: أنها كانت رضمة فوقَ القامة، فأرادوا رفعَها وسَقْفَها، فلما أرادوا هدمَها، قام أبو وهب بن عمرو بن عائذ بن عمران ابن مخزوم، فتناول حجرًا من الكعبة، فوثب من يده حتى رجع إلى موضعه، فقال: يا معشر قريش! لا تُدخلوا في بنائها إلا طيّبًا، ثم إن الناس هابوا هدمَها، فقال الوليد بن المغيرة: أنا أبدؤكم به، فأخذ المعول فهدَم، وتربَّص الناسُ تلك الليلة، وقالوا: ننظر، فإن أُصيب، لم نهدم منها شيئًا، فأصبح الوليد سالما، وغدا إلى عمله، فهدم الناسُ معه حتى انتهى الهدم إلى الأساس، ثم أَفْضَتْ إلى حجارة خُضْرٍ أَخذٍ بعضُها ببعض، فأدخل رجل من قريش عتلتين بين حجرتين منها؛ ليقلع أحدهما، فلما تحرك الحجر، انتفضت مكةُ بأسرها، فتركه، ثم جمعوا الحجارة لبنائها، وبنوا حتى بلغ البنيانُ موضعَ الحَجَر الأسود، فأراد كلُّ قبيلة رفْعَه إلى موضعه، حتى تخالفوا وتواعدوا القتال، فقرَّبَتْ بنو عبد الدار جَفْنَةً

стр. 104

مملوءةً دمًا، ثم تعاقدوا هم وبني عَدِيٍّ على الموت، وأدخلوا أيديهم في ذلك الدم، فسُمُّوا: لَعَقَةَ الدم؛ بذلك، فمكثوا على ذلك أربع ليال، ثم تشاوروا، فقال أبو أمية بنُ المغيرة، وكان أسنّ قريش: اجعلوا بينكم حَكَمًا أولَ من يدخل من باب الحرم يقضي بينكم، فكان أولُ من دخلَ رسولُ الله ﷺ ، فلما رأوه، قالوا: هذا الأمين، رضينا به، وأخبروه الخبر، فقال: "هَلُمُّوا لي ثوبًا"، فأُتي به، فأخذ الحجر، فوضعه فيه بيده، ثم قال: "ليأخُذْ كلُّ قبيلة بناحية من الثوبِ، ثُمَّ ارْفَعوه جميعًا"، ففعلوا، فلما بلغوا به موضعه، وضعه بيده ﷺ ، ثم بني عليه. وكانت تُكْسى القَباطِيَّ، ثم كُسيت البُرودَ، وأولُ من كساها الديباجَ الحجاجُ بنُ يوسف. * * * * ذكر مبعثه ﷺ وابتداء الوحي * قال ابن عباس ﵄: بُعِثَ النبي ﷺ ، وأُنزِلَ عليه الوحيُ وهو ابن أربعين سنة (١)، وقيل: ابن ثلاث وأربعين، وكان يوم الاثنين بلا خلاف، لثماني عشرة ليلة خلت من رمضان. قالت عائشة ﵂: أول ما بدئ به رسولُ الله ﷺ من الوحي: الرؤيا الصالحةُ في النوم، فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثلَ فَلَق

стр. 105

الصبح، ثم حُبِّبَ إليه الخلاءُ، وكان يخلو بغار حِرَاء، فيتحنّث فيه - وهو التعبُّدُ - اللياليَ ذوات العددِ قبلَ أن ينزعَ إلى أهله، ويتزود لذلك، ثم يرجع إلى خديجة، فيتزود لمثلها، حتى جاءه الحقُّ وهو في غار حِرَاء، فجاءه الملك، فقال: اقرأْ، فقال: قُلْتُ: "ما أنا بقارئ"، قال: "فأخذني فَغَطَّني حتى بلغَ مني الجهد، ثم أرسلَني، فقال: اقرأ، فقلت: ما أنا بقارئ، فأخذني فغطني الثانيةَ حتى بلغَ مني الجهد، ثم أرسلني، فقال: اقرأْ، فقلت ما أنا بقارى"، فأخذني فغطني الثالثة، ثم أرسلني، فقال: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (١) خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ (٢) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ﴾ [العلق: ١ - ٣]، فرجع بها رسولُ الله ﷺ يرجُفُ فؤادُه، فدخل على خديجةَ بنتِ خُوَيلد، فقال: "زمّلوني زمّلوني"، فزمّلوه حتى ذهب عنه الروع، قال لخديجة وأخبرها الخبر: "لقدْ خَشِيتُ على نفسي"، فقالت خديجة: كلا، والله! ما يُخزيك الله أبدًا، إنك لَتصلُ الرحم، وتَحمل الكَلَّ، وتُكْسِبُ المعدومَ، وتَقْري الضيفَ، وتُعين على نوائب الحقِّ. فانطلقت به خديجةُ حتى أتت به ورقةَ بنَ نوفلِ بنِ أسدِ بنِ عبدِ العُزَّى ابنَ عمّ خديجة، وكان امرأً قد تنصّر في الجاهلية، وكان يكتب الكتاب العبراني، فيكتب من الإنجيل بالعبرانية ما شاء الله أن يكتب، وكان شيخًا كبيرًا قد عمي، فقالت له خديجة: يا بنَ عم! اسمع من ابن أخيك، فقال له ورقة: يا بنَ أخي! ماذا ترى؟ فأخبره رسول الله ﷺ خبر ما رأى، فقال له ورقة: هذا الناموسُ الذي أنزل الله على موسى، يا ليتني فيها جذعًا، ليتني أكون حيًّا إذ يُخرجك قومُك، فقال رسول الله ﷺ : "أو

стр. 106

مخرجيّ هم؟ "، قال: نعم، لم يأت رجل قطُّ بمثلِ ما جئت به، إلا عوديَ، وإن يدركْني يومُك، أنصُرْك نصرًا مؤزرًا، ثم لم يلبث ورقة أن توفي، وفتر الوحي (١). ثم كان أول ما أُنزِل عليه من القرآن بعد ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ [العلق: ١] ﴿ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ﴾ [القلم: ١]، ثم ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾ [المدثر: ١]، ثم ﴿وَالضُّحَى﴾ [الضحى: ١]. قالت خديجة لرسول الله ﷺ : يا بن عم! هل تستطيع أن تخبرني بصاحبك الذي يأتيك إذا جاء؟ قال: "نعم"، فجاءه جبريل، فأعلمها، فقالت: قم فاجلسْ على فخذي اليسرى، فقام رسول الله ﷺ ، فجلس عليها، فقالت: هل تراه؟ قال: "نعم"، فتحَسَّرَتْ، وألقت خِمارها، ورسولُ الله ﷺ في حِجْرها، ثم قالت: هل تراه؟ قال: "لا"، قالت: يا بن عم! اثْبُتْ وأبشر، فوالله! إنه لَمَلَكٌ، وما هو شيطان (٢). وقال الزهري: فتر الوحي عن رسول الله ﷺ فترة، فحزن حزنًا شديدًا، فجعل يغدو إلى رؤوس الجبال ليتردّى منها، فكلما أوفى بذروة جبل، تبدّى له جبريل ﵇، فيقول له: إنّك رسولُ الله حقًا، فيسكن لذلك جأشُه، وترجع نفسه (٣).

стр. 107

فلما أمر الله نبيه ﵇ أن يُنْذِر قومَه عذابَ الله على ما هم فيه من عبادة الأصنام دون الله تعالى الذي خلقهم ورزقهم، وأن يُحَدّث بنعمة ربه عليه، وهي النبوة. فكان أول من آمن به وصدّقه: خديجة زوجته. ثم كان أول شيء فرض من شرائع الإسلام بعد الإقرار بالتوحيد، والبراءة من الأوثان: الصلاة: أتاه جبريل ﵇ وهو بأعلى مكة، فهمز له بعقبه في ناحية الوادي، فانفجرت فيه عين، فتوضأ جبريل، ورسولُ الله ﷺ ينظر إليه؛ ليُريه كيف الطهور للصلاة، ثم توضأ رسولُ الله ﷺ ، ثم قام جبريلُ فصلى به، وصلَّى النبي ﷺ بصلاته، وانصرف جبريل، وجاء رسول الله ﷺ إلى خديجة، فعلَّمها الوضوءَ، ثم صلَّى بها، فصلت بصلاته. * * * * ذكر رمي الشياطين بالشهب لمبعثه * قال العلماء بالسِّيَر: رأت قريش النجومَ تُرْمى بعد عشرين يومًا من مبعث رسول الله ﷺ . وعن ابن عباس ﵄، قال: انطلق رسولُ الله ﷺ في طائفة من أصحابه عامدين إلى سوق عكاظ، وقد حيل بين الشياطين وبين خبر السماء، وأُرسلت عليهم الشهبُ، فرجعت الشياطينُ إلى قومهم، فقالوا: ما لكم؟ قالوا: حيل بيننا وبين خبر السماء، [وأرسلت علينا الشهب]،

стр. 108

قالوا: ما حال بينكم وبين خبر السماء إلا شيء (١) حدثَ، فاضربوا مشارقَ الأرض ومغاربها، فانظروا ما هذا الأمر الذي حال بينكم وبين خبر السماء. قال: فانطلَقَ الذين اتجهوا نحو تهامة إلى رسول الله ﷺ بنخلةَ وهو عائدٌ إلى سوق عُكاظ، وهو يصلي بأصحابه صلاةَ الفجر، فلما سمعوا القرآن، تسمَّعوا له، فقالوا: هذا الذي حالَ بينكم وبين خبر السماء، فهنالك رجعوا إلى قومهم، فقالوا: ﴿قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا (١) يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا﴾ [الجن ١: ٢]، فأنزل الله على نبيه: ﴿قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ﴾ [الجن: ١]، أخرجاه في "الصحيحين" (٢). وعن سعيدِ بنِ جُبير، عن ابنِ عباس ﵄، قال: كان الجن يستمعون الوحي، فيسمعون الكلمة، فيزيدون فيها عشرًا، فيكون ما سمعوا حقًا، وما زادوه باطلًا، وكانت النجوم لا يُرمى بها قبل ذلك، فلما بُعِثَ النبي ﷺ ، كان أحدهم لا يقعد مقعده إلا رُمي بشهاب يحرق ما أصاب، فشكوا ذلك إلى إبليس، فقال: ما هذا إلا من أمرٍ قد حدث، فبثَّ جنودَه، فإذا هم بالنبي ﷺ يصلي بين جبلَي نخلةَ، فأتوه فأخبروه، فقال: هذا الحدثُ الذي حدث في الأرض. قال ابن الجوزي: قلت: وهذا الحديث يدل على أن النجوم لم يُرم بها إلا لمبعث نبينا ﷺ .

стр. 109

ثم قال: وقد روينا عن الزهري: أنه قال: قد كان يُرمى بها قبل ذلك، ولكنها غلظت حين بُعِث النبي ﷺ " (١). * * * * ذكر الاختلاف في أول من أسلم * اختلف العلماء في أول من أسلم، مع الاتفاق: أن خديجة أولُ خلقِ الله إسلامًا، وهي أول من آمن به وصدَّقه. قال الكلبي: أولُ من أسلم: عليٌّ، وكان عمره تسع سنين. وقال ابن إسحاق: أولُ من أسلم: عليٌّ، وكان عمره إحدى عشرة سنة. وروي عن عليٍّ ﵁: أنه قال: أنا عبدُ الله، وأخو رسوله، وأنا الصدِّيق الأكبر، لا يقولها بعدي إلا كاذب مفترٍ، صليت مع النبي ﷺ قبل الناس (٢). وقال ابن عباس: أولُ من صلَّى: عليٌّ. وقيل: أول من أسلم: أبو بكر الصديق ﵁. وقال ابن إسحاق: أول ذَكَرِ أسلم بعد عليِّ: زيدُ بن حارثة، ثم أسلم أبو بكر ﵁، وأسلم على يده عثمان بن عفان، والزبير بن العوام،

стр. 110

وعبد الرحمن بن عوف، وسعد بن إلى وقاص، وطلحة بن عبيد الله، فجاء بهم إلى رسول الله ﷺ ، فأسلموا، وصلَّوا، وكان هؤلاء النفر هم الذين سبقوا للإسلام، فأسلم مِنْ بَعْدِهِم مَنْ أسلم. * * * * ذكري أمر الله تعالى نبيه بإظهار دعوته * أمر الله سبحانه نبيه ﷺ بعد مبعثه بثلاث سنين أن يصدع بما يؤمر، وكان قبل ذلك في السنين الثلاثة مستترًا بدعوته، لا يُظهرها إلا إلى من يثق إليه، وكان أصحابه إذا أرادوا الصلاة، ذهبوا إلى الشِّعاب، فاستَخْفَوا، ثم إن رسول الله ﷺ صدع بأمر الله تعالى، وبادأ قومه بالإسلام. * * * * ذكر تعذيب المستضعفين من المسلمين * وهم قوم سبقوا إلى الإسلام، لا عشائر لهم تمنعهم، ولا قوة لهم يمتنعون بها، فأما من كانت له عشيرة تمنعه، فلم تصلِ الكفار منه إلى ما يريدون، ومِمَّنْ لا عشيرة له تمنعه؛ بلال بن رباح الحبشي مولى أُمية ابنِ خَلَف - وكان أبوه من سبي الحبشة، وأمه حمامة أيضًا سبية - كان الكفار يعذبونه بإلقائه في الرَّمْضاء على ظهره وقتَ الظهيرة، ولإلقاء الصخرة العظيمة على صدره، ويقال له: لا تزال هكذا حتى تموت، أو تكفرَ بمحمد، وتعبدَ اللاتَ والعزى، ثم صار إلى مُلك أبي بكر ﵁،
следующие страницы →