وتوفي في تاسع ربيع الآخر، سنة ست وستين وخمس مئة.
ومولده مستهل ربيع الآخر، سنة عشر وخمس مئة.
وكان أسمر، تام القامة، طويل اللحية.
وكان سبب موته: أنه مرض، واشتد مرضه، وكان قد خاف منه أستاذ داره عضدُ الدين أبو الفرج ابن رئيس الرؤساء، وقطب الدين قيماز المقتفوي، وهو حينئذ أكبر أمراء بغداد، فاتفقا ووصيا الطبيب، أن يصف له ما يُهلكه، فوصف له دخول الحمام، فامتنع منه لضعفه؛ ثم إنه دخلها، وأغلق عليه الباب، فمات ﵀.
وصلَّى الله على سيدنا محمَّد، وعلى آله وصحبه وسلَّم.
* * *
خلافة المستضيء بأمر الله
هو أبو محمَّد، الحسنُ بن المستنجد بالله.
ولما مات المستنجد، أحضر عضدُ الدين وقطب الدين المستضيءَ بأمر الله، وشرطا عليه شروطا: أن يكون عضدُ الدين وزيراً، وابنُه كمال الدين أستاذ الدار، وقطبُ الدين أميرَ العسكر، فأجابهم إلى ذلك.
ولم يلِ الخلافة من اسمُه حسن غيرُ الحسن بن علي، والمستضيء، فبايعوه بالخلافة يوم مات أبوه بيعة خاصة، وفي غده بيعة عامة.
وكان المستضيء بأمر الله حسنَ السيرة، أطلق كثيرا من المُكُوس،
стр. 422
وكان شديدا على أهل العبث والفساد.
وفي أيامه كان انقطاع الدولة الفاطمية من المملكة في أول سنة سبع وستين وخمس مئة - كما يأتي ذكره في ترجمة الملك صلاح الدين يوسف بن أيوب إن شاء الله تعالى -.
وتوفي المستضيء في ثاني ذي القعدة، سنة خمس وسبعين وخمس مئة، وأمه أمُّ ولد أرمنية، وكانت خلافته نحو تسع سنين، وسبعة أشهر.
وكان مولده سنة ست وثلاثين وخمس مئة.
وكان عادلاً، حسن السيرة، وكان قد حكم في دولته ظهير الدين أبو بكر منصور بن نصر المعروف بابن العطار بعد قتل عضد الدين الوزير، والله أعلم.
* * *
خلافة الناصر لدين الله
هو أبو العباس، أحمدُ بنُ المستضيء بأمر الله بنِ المستنجد بالله يوسف بنِ المقتفي محمَّد بنِ المستظهر أحمد بنِ المقتدي عبد الله ابن الأمير ذخيرة الدين محمَّد بنِ القائم عبد الله بن القادر أحمد ابنِ الأمير إسحاق بن المقتدر جعفر بن المعتضد أحمد ابن الأمير الموفق.
قيل: اسمه طلحة، وقيل: محمَّد بن المتوكل جعفر بن المعتصم محمَّد بن الرشيد هارون بن المهدي محمَّد بن المنصور عبد الله بن محمَّد ابن علي بن عبد الله ابن عمّ النبي ﷺ العباسِ بن عبد المطلب بن هاشم.
стр. 423
بويع له بالخلافة لما مات المستضيء.
قام ظهير الدين بن العطار، وأخذ البيعة لولده الإِمام الناصر لدين الله، ولما استقرت البيعة للإمام الناصر، حكم أُستاذ الدار مجدُ الدين أبو الفضل، فقبض في سابع القعدة على ظهير الدين بن العطار، ونقل إلى التاج، وأخرج ظهير الدين المذكور ميتًا على رأس حمال ليلة الأربعاء، ثاني عشر ذي القعدة، فثارت به العامة، وألقوه عن رأس الحمال، وشدوا في ذكره حبلاً، وسحبوه في البلد، وكانوا يضعون في يده مغرفة يعني: أنها قلم، وقد غمس تلك المغرفة في العذرة ويقولون: وقّع لنا يا مولانا، هذا فعلُهم به مع حُسن سيرته فيهم، وكفِّه عن أموالهم، ثم خُلّص منهم، ودفن.
وتوفي الإِمام الناصر لدين الله في أول شوال، سنة اثنتين وعشرين وست مئة.
وكانت خلافته نحو سبع وأربعين سنة، وعَمي في آخر عمره، وكان موته بالدوسنطاريا، وكان عمره نحو سبعين سنة، وكان قبيح السيرة في رعيته، ظالماً لهم، خرب في أيامه العراق، وتفرق أهله في البلاد، وكان يتشيع، وكان مُنْصَرِفَ الهمة إلى رمي البندق.
وقد نسُب الإِمام الناصر أنه هو الذي كاتب التتر، وأطمعهم في البلاد، بسبب ما كان بينه وبين خوارزم شاه محمَّد بن تكش من العداوة؛ ليشتغل خوارزم شاه بهم عن قصد العراق، والله أعلم.
стр. 424
وصلَّى الله على سيدنا محمَّد، وعلى آله وصحبه وسلَّم.
* * *
خلافة الظاهر بأمر الله
هو أبو نصر، محمدُ ابنُ الإِمام الناصر لدين الله.
بويع له لما توفي والده، فأظهر العدل وحسن السيرة، وأزال المكوس، وأخرج المحبسين، وظهر للناس، وكان الناصر ومَنْ قبله لا يظهرون إلا نادرًا.
ولم تطل به مدته في الخلافة سوى تسعة أشهر، وتوفي في رابع عشر رجب، سنة ثلاث وعشرين وست مئة.
وكان متواضعاً، محسنا إلى الرعية جداً، وأبطل عدة مظالم، منها:
أنه كان بخزانة الخليفة صنجة زائدة، يقبضون بها المال، ويعطون بالصنجة التي يتعامل بها الناس، وكان زائد الصنجة في كل دينار حبَّة، فخرج توقيع الخليفة الظاهر بإبطال ذلك، وأولُى: ﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ (١) الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ (٢) وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ﴾ [المطففين: ١ - ٣] وعمل صنجة المخزن مثلَ صنجة المسلمين.
وكان مضاددًا لأبيه في كثير من أحواله، منها: أن مدة خلافة أبيه كانت طويلة، ومدة خلافته كانت قصيرة، وكان أبوه متشيعا، وكان الظاهر سُنِّيا، وكان أبوه ظالما جَمَّاعاً للمال، وكان الظاهر في غاية العدل،
стр. 425
وبذل الأموال للمحبوسين على الديون، وللعلماء - رحمه الله تعالى، وعفا عنه -.
وصلى الله على سيدنا محمَّد، وعلى آله وصحبه وسلَّم.
* * *
خلافة المستنصر بالله
هو أبو جعفر، المنصورُ بنُ الظاهرِ بأمرِ الله محمَّد.
ولي الخلافة لما توفي والده الظاهر، وكان للظاهر ولد آخر يقال له: الخفافي في غاية الشجاعة، وبقي حيًا حتى أخذت التتر بغداد، وقتل مع من قُتل، والمستنصرُ هو الأكبر.
ولما تولي الخلافة، سلك في العدل والإحسان مسلكَ أبيه الظاهر، توفي المستنصر بُكْرة الجمعة، لعشرٍ خلون من جمادى الآخرة، سنة أربعين وست مئة، وكانت خلافته سبع عشرة سنة إلا شهرًا.
وكان حسنَ السيرة، عادلاً في الرعية، وهو الذي بني المدرسة ببغداد المسماة بالمستنصرية على دجلة من الجانب الشرقي مما يلي دار الخلافة، وجعل لها أوقافا جليلة على أنواع البر ﵀، وعفا عنه -.
وصلَّى الله على سيدنا محمَّد، وعلى آله وصحبه وسلَّم.
* * *
стр. 426
خلافة المستعصم بالله، وهو آخرهم
هو أبو أحمد، عبدُ الله بنُ المستنصرِ بالله منصورٍ.
لما مات المستنصر، اتفق آراءُ أرباب الدولة؛ مثل: الدوادار، والسراي على تقليد الخلافة ولدَه عبد الله، ولقبوه: المستعصم بالله.
وكان ضعيف الرأي، فاستبد كبراءُ دولته بالأمر، وحَسَّنوا له قطعَ الأجناد، وجمع المال، ومداراة التتر، ففعل ذلك، وقطعَ أكثرَ العساكر، والله سبحانه أعلم.
* * *
ذكر استيلاء التتر على بغداد، وانقراض الدولة العباسية
في أول سنة ست وخمسين وست مئة قصد هولاكو ملكُ التتر بغداد، وملكها في العشرين من المحرم، وقتل الخليفة المستعصمَ بالله.
وسبب ذلك: أن وزير الخليفة مؤيدَ الدين بنِ العلقمي كان رافضيا، وكان أهلُ الكرخ - أيضًا - روافض، فجرت فتنة بين السنة والشيعة ببغداد على جاري عادتهم.
فأمر أبو بكر بنُ الخليفة، وركنُ الدين الدوادار العسكرَ، فنهبوا الكرخ، وقتلوا النساء، وركبوا منهن الفواحش، فعظم ذلك على الوزير ابن العلقمي، وكاتبَ التترَ، وأطمعَهم في ملك بغداد.
وكان عسكر بغداد يبلغ مئة ألف فارس، ففضَّهم المستعصم؛
стр. 427
ليحمل إلى التتر متحصلَ إقطاعاتهم، وصار عسكرُ بغداد دون عشرين ألف فارس، وأرسل ابنُ العلقمي إلى التتر أخاه يستدعيهم، فساروا قاصدين بغداد في محفل عظيم، وخرج عسكر الخليفة لقتالهم، ومقدمهم ركن الدين الدوادار، وانصفُّوا على مرحلتين من بغداد، واقتتلوا قتالًا شديدًا، فانهزم عسكر الخليفة، ودخل بعضهم بغداد، وسار بعضهم إلى جهة الشام، ونزل هولاكو على بغداد من الجانب الشرقي، ونزل باجو - وهو مقدم كبير - في الجانب الغربي على القرنة قبالة دار الخلافة.
وخرج مؤيدُ الدين الوزيرُ العلقمي إلى هولاكو، فوثق منه لنفسه، وعاد إلى الخليفة المستعصم، وقال: إن هولاكو يُبقيك في الخلافة؛ كما فعل بسلطان الروم، ويريد أن يزوج ابنته من ابنك أبي بكر، وحَسَّن له الخروجَ إلى هولاكو، فخرج إليه المستعصم في جمع من أكابر أصحابه، فأُنزل في خيمة، ثم استدعى الوزيرُ الفقهاء والأماثل، فاجتمع هناك جميع سادات بغداد، والمدرسون، وكان منهم محيي الدين بن الجوزي وأولاده، وكذلك بقي يُخرج إلى التتار طائفة بعد طائفة، فلما تكاملوا، قتلهم التتر عن آخرهم، ثم مدوا الجسر، وعدَّا (١) باجو ومن معه، وبذلوا السيف في بغداد، وهجموا [علي] دار الخلافة، فقتلوا كلَّ من فيها من الأشراف، ولم يسلَمْ إلا من كان صغيراً، فأُخذ أسيراً، ودام القتل والنهب في بغداد نحو أربعين يوما، ثم نودي بالأمان.
стр. 428
وأما الخليفة، فإنهم قتلوه، ولم يقع الاطلاع على كيفية قتله، فقيل: خنق، وقيل: وضع في عِدْل، ورفسوه حتى مات، وقيل: غرق في دجلة، والله أعلم بحقيقة ذلك.
وكان هذا المستعصم، وهو أبو أحمد عبدُ الله بن المستنصر، ضعيفَ الرأي، قد عَلَتْ عليه أمراء دولته، لسوء تدبيره، تولى الخلافة بعد موت أبيه المستنصر بالله في سنة أربعين وست مئة، وكانت خلافته نحو ست عشرة - سنة تقريباً -، وهو آخر الخلفاء العباسيين ببغداد.
وكان ابتداء دَولتهم في سنة اثنتين وثلاثين ومئة، وهي السنة التي بويع فيها السفاح بالخلافة، وقتل فيها مروان الحمار آخر خلفاء بني أمية.
وكانت مدة ملكهم خمسَ مئة سنة، وأربعا وعشرين سنة - تقريبا -، وعدةُ خلفائهم سبعة وثلاثون خليفة.
وحكى القاضي جمالُ الدين بنُ واصل، قال: لقد أخبرني مَنْ أثق به: أنه وقف على كتاب عتيق، فيه ما صورته: أن علي بن عبد الله بن عباس بن عبد المطلب بلغَ بعضَ خلفاء بني أمية عنه: أنه يقول: إن الخلافة تصير إلى ولده، فأمر الأموي بعلي بن عبد الله، فحُمل على جمل، وطيف به، وضرب، وكان يقول عند ضربه: هذا جزاءُ من يفتري، ويقول: إن الخلافة تكون في ولده.
وكان علي بن عبد الله ﵀ يقول: أي والله, لتكوننَّ الخلافة في ولدي، لا تزال فيهم حتى يأتيهم العِلْج من خراسان، فينزعها منهم،
стр. 429
فوقع مصداقُ ذلك، وهو ورودُ هولاكو، وإزالته ملك بني العباس.
وخُتمت خلافتهم ببغداد بعبد الله المستعصم من بني العباس، كما افتتحت بعبد الله السفاح منهم.
وقد تقدم أن جملة أيام بني العباس من السفاح إلى هذه السنة خمس مئة سنة، وأربع وعشرون سنة، والخلافة التالية لزمان رسول الله ﷺ كانت ثلاثين سنة؛ كما نطق بها الحديث الصحيح (١)، وكان فيها أبو بكر، ثم عمر، ثم عثمان، ثم علي، ثم ابنه الحسن ستة أشهر.
ثم كانت مُلكاً، فكان أول ملوك الإِسلام معاوية، ثم ابنه يزيد، ثم معاوية بن يزيد، وانقرض هذا البطن المفتتح بمعاوية، المختتم بمعاوية.
ثم ملك مروانُ بنُ الحكم بن أبي العاص بن أمية، وملك بعده الأمويون واحدًا بعد واحد، وآخرُهم مروانُ الحمار، فكان أولهم مروان، وآخرهم مروان.
وكذلك الدولة العلوية الفاطمية، كان أول خلفائهم عبيد الله المهدي، وآخرهم عبد الله العاضد، والله أعلم.
وصلى الله على سيدنا محمَّد، وعلى آله وصحبه وسلَّم.
стр. 430
التاريخ المعتبر في أنباء من غبر
«وهو كتاب جامع لتاريخ الأنبياء وتاريخ الإسلام وتراجم أئمته العظام إلى مبتدأ القرن العاشر الهجري»
تأليف
القاضي مجير الدين العليمي عبد الرحمن بن محمد بن عبد الرحمن المقدسي الحنبلي
(المولود بالقدس سنة ٨٦٠ هـ والمتوفى بها سنة ٩٢٨ هـ) - رحمه الله تعالى -
تحقيق ودراسة
لجنة مختصة من المحققين
بإشراف
نور الدين طالب
[المجلد الثاني]
стр. 431
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
стр. 432
التَّاريخُ المُعْتَبَر في أنبَاءِ مَنْ غبَر
[٢]
стр. 433
جميعُ الحقُوقِ مَحْفوظَة
الطَّبعَةُ الأُولى
١٤٣١ هـ - ٢٠١١ م
ردمك: ٨ - ٨٧ - ٤١٨ - ٩٩٣٣ - ٩٧٨ ISBN
دَار النَّوَادِر
سورية - لبنان - الكويت
مؤسسة دَار النَّوَادِر م. ف - سُورية * شركَة دَار النَّوَادِر اللبنانية ش. م. م - لبنان * شركَة دَار النَّوَادِر الكويتية ذ. م. م - الكويت
سورية - دمشق - ص. ب: ٣٤٣٠٦ - هَاتِف: ٢٢٢٧٠٠١ - فاكس: ٢٢٢٧٠١١ (٠٠٩٦٣١١)
لبنان - بيروت - ص. ب: ١٤/ ٥١٨٠ - هَاتِف: ٦٥٢٥٢٨ - فاكس: ٦٥٢٥٢٩ (٠٠٩٦١١)
الكويت - حَولي - ص. ب: ٣٢٠٤٦ - هَاتِف: ٢٢٦٣٠٢٢٣ - فاكس: ٢٢٦٣٠٢٢٧ (٠٠٩٦٥)
www.daralnawader.com
info@daralnawader.com
أسسها سنة ٢٠٠٦ م نور الدّين طَالب المدير الْعَام والرئيس التنفيذي
стр. 434
الدولة العلوية الفاطمية
стр. 435
الدولة العلوية الفاطمية
وهم أربعة عشر خليفة: أولهم المهدي بالله، وآخرُهم العاضد لدين الله، استولوا على الخلافة بإفريقية والمغرب، ثم وصل استيلاؤهم إلى الديار المصرية والشام، وما والاهما، ومكة واليمن وبيت المقدس، وكان مدة ملكهم مئتين وسبعين سنة، ونحو شهر تقريبا.
وابتداء مدتهم في أيام المقتدر بالله أبي الفضل جعفر بن المعتضد العباسي خليفة بغداد في أواخر سنة ست وتسعين ومئتين، وانقراض دولتهم على يد الملك صلاح الدين يوسف بن أيوب في أول سنة سبع وستين وخمس مئة في أيام المستضيء بأمر الله أبي محمَّد الحسن بن المستنجد بالله العباسي خليفة بغداد - كما سيمر بك ذلك في تراجمهم، وفي ترجمة الملك صلاح الدين إن شاء الله تعالى -.
خلافة عبيد الله المهدي
هو أبو محمَّد، عبيد الله، الملقب بالمهدي، وفي نسبه اختلاف كبير، فقيل: هو عبيد الله بن الحسن بن علي بن محمَّد بن علي بن موسى بن
стр. 436
جعفر بن محمَّد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب ﵁.
وقيل: هو عبيد الله بن المتقي بن الوفي بن الرضي، وهؤلاء الثلاثة يقال لهم: المستورون في ذات الله، واستتروا خوفا على أنفسهم؛ لأنهم كانوا مظلومين من جهة الخلفاء من بني العباس؛ لأنهم علموا أن فيهم من يروم الخلافة؛ أسوة غيرهم من العلويين، وقضاياهم ووقائعهم في ذلك مشهورة، والمحققون ينكرون دعواه في النسب، حتى بالغ بعضهم، وذكر أن في نسبه يهود، وادعى الخلافة بالمغرب بعد رجوعه من سجلماسة. وقد جرى له فيها ما جرى من المحن بواسطة الخلفاء من بني العباس وكان ظهوره بها يوم الأحد، لتسعٍ خلون من ذي الحجة، سنة ست وتسعين ومئتين، وخرجت بلاد المغرب من ولاية بني العباس، وكان الخليفة ببغداد حينذاك المقتدر بالله أبو الفضل جعفرُ بن المعتضد، ودُعي للمهدي بالخلافة على منابر رقادة (١)، والقيروان، يومَ الجمعة، لتسعٍ بقين من ربيع الآخر، سنة [سبع] وتسعين ومئتين.
وبنى المهدية بإفريقية، وكان الابتداء في بنائها في يوم السبت، لخمسٍ خلون من ذي القعدة، سنة ثلاث وثلاث مئة، وفرغ من بنائها في شوال، سنة ثمان وثلاث مئة، وهي على ساحل البحر، وهي جزيرة متصلة بالبر كهيئة كف متصلة بزند، فبناها، وجعلها دار ملكه، وجعل لها سورًا محكَماً، وأبواباً عظيمة، وزنُ كل مصراع مئة قنطار، ولما تم بناؤها، قال
стр. 437
المهدي: الآن أمنتُ على الفاطميات بحصانتها.
وبنى سور تونس، وأحكم عمارتها، وجدَّد فيها مواضع، فنسبت إليه.
وملك بعده ولدُه القائم، ثم المنصور، ثم المعز، وهو الذي سَيَّر القائد جوهرا، وملك الديار المصرية، وبنى القاهرة.
واستمرت دولتهم حتى انقرضت على يد السلطان صلاح الدين - رحمه الله تعالى -، ولأجل نسبتهم إلى عُبيد الله المذكور يقال لهم: العُبيديون.
* ذكر ما قتله القرامطة بمكة:
وفي أيامه في سنة سبع عشرة وثلاث مئة وافى أبو طاهر القرمُطي مكةَ يومَ التروية، وكان الحُجاج قد وصلوا مكة سالمين، فنهب أبو طاهر (١) أموالَ الحجاج، وقتلَهم، حتى في المسجد الحرام، وداخلَ الكعبة، وقلعَ الحجر الأسود من الركن، ونقله إلى هَجَر، وقتل أمير مكة ابن محلب (٢) وأصحابه، وقلع باب البيت، وأصعد رجلًا ليقلع الميزاب، فسقط فمات، وطَرح القتلى ببئر زمزم، ودَفن الباقين في المسجد الحرام، وحيث قتلوا، وأخذ كسوة البيت، فقسمها بين أصحابه، ومكث الحجرُ الأسود عندهم اثنتين وعشرين سنة، ثم أعادوه إلى مكة في سنة تسع
стр. 438
وثلاثين وثلاث مئة.
وتقدم ذلك في ترجمة المقتدر بالله العباسي.
وتوفي المهدي بالله في ليلة الثلاثاء، منتصف ربيع الأول، سنة اثنتين وعشرين وثلاث مئة بالمهدية.
* * *
خلافة القائم بالله
هو أبو القاسم، محمدُ بنُ عُبيد الله المهديُّ العلويُّ.
لما توفي والده المهدي، أخفى موته سنة لتدبيرٍ كان، ولما أظهر ابنُه القائمُ وفاته، بايعه الناس، واستقرت ولايته.
وفي سنة ثلاث وعشرين وثلاث مئة سَيَّر جيشاً من إفريقية في البحر، ففتحوا مدينة جنوة، وأوقعوا بأهل سردانية، وعادوا سالمين.
وتوفي القائم لثلاثَ عشرةَ مضت من شوال، سنة أربع وثلاثين وثلاث مئة.
* * *
خلافة المنصور
هو أبو الطاهر، إسماعيلُ بن القائم بن المهدي صاحب إفريقية، الملقب بالمنصور.
بويع له يوم وفاة أبيه القائم، وكان بليغاً فصيحاً، يرتجل الخطبة.
стр. 439
وذكر أبو جعفر المروزي، قال: خرجت مع المنصور يوم هدمَ [أبو] يزيد القيسارة، ومعه ريحان، فسقط أحدهما مراراً، فمسحته، وناولته إياه، وتفاءلت به، وأنشدت:
فَأَلْقَتْ عَصَاهَا وَاسْتَقَرَّ بِهَا النَّوَى ... كَمَا قَرَّ عَيْناً بِالإِيَابِ مُسَافِرُ
فقال: ألا قلتَ ما هو خيرٌ من هذا وأصدقُ: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَلْقِ عَصَاكَ﴾ [الأعراف: ١١٧]؟ فقلتُ: أنتَ يا بنَ رسول الله قلتَ ما عندَك من العلم.
ولما حاصر المنصور أبا يزيد بن مخلد بسوسة، وهزمه، وأسره، ومات من جراحة أصابته، وأمر بسلخه، وأن يحشى جلده قطناً، وصلبه، وبنى مدينة موضع الوقعة، وسماها المنصورية: واستوطنها، وخرج في شهر رمضان، سنة إحدى وأربعين منها إلى مدينة جلولاء يتنزه بها، ومعه حظيته قضيب، وكان مغرماً بها، فسلَّط الله عليهم برقاً ورياحاً، فخرج منها إلى المنصورية، فاشتد عليهم البرد، وأوهن جسمه، ومات أكثرُ من كان معه، فاعتلَّ بها، ومات يوم الجمعة، آخر شوال، سنة إحدى وأربعين وثلاث مئة، ودفن بالمهديَّة.
وكان مولده بالقيروان، سنة اثنتين، وقيل: إحدى وثلاث مئة.
والحمد لله رب العالمين.
* * *
стр. 440
خلافة المعزّ لدين الله
هو أبو تميم، مَعَدٌّ، الملقب بالمعزّ لدين الله بنِ المنصور بنِ القائم ابنِ المهدي عُبيد الله.
وكان المعز المذكور قد بويع بولاية العهد في حياة أبيه المنصور، ثم جُددت له البيعة بعد وفاة أبيه، ودبر الأمور، وساسها، وأجراها على أحسن أحكامها، إلى يوم الأحد، سابع ذي الحجة، سنة إحدى وأربعين وثلاث مئة، جلس على سرير ملكه يومئذ، ودخل عليه الخاصةُ، وكثير من العامة، وسلَّموا عليه بالخلافة، وسُمِّي بالمعزّ، ولم يُظهر على أبيه حزناً.
ثم خرج إلى بلاد إفريقية؛ ليمهد قواعدها ويطوف بها، وانقاد له العُصاة من أهل تلك البلاد، ودخلوا لطاعته، وعقد لغلمانه وأتباعه على الأعمال، وأسند في كل ناحية من يعلم كفايته وشهامته، وضمَّ إلى كل واحد منهم جمعاً كثيراً من الجند وأرباب السلاح.
ثم جهَّز أبا الحسن جوهراً القائد، ومعه جيش كبير؛ ليفتح ما استعصى عليه من بلاد المغرب، وسار إلى فاس، ثم منها إلى سجلماسة، وفتحها، ثم توجه إلى البحر المحيط، وصاد من سمكه، وجعله في قِلال الماء، وأرسله إلى المعز.
ثم رجع إلى المعز، ومعه صاحب سجلماسة، وصاحبُ فاس أسيرين في قفصي حديد، ولم يرجع القائد جوهر إلى مولاه المعز إلا وقد
стр. 441
وطّأ له البلاد، وحكم على أهل الزيغ والعناد، من باب إفريقية إلى البحر المحيط، ومن جهة المشرق من باب إفريقية إلى أعمال مصر، ولم يبق بلد من هذه البلاد إلا أقيمت فيه دعوته، وخُطب له في جمعته وجماعته، إلا مدينة سبتة، فإنها بقيت لبني أمية أصحابِ الأندلس.
ولما وصل الخبر إلى المعز بموت كافور الأخشيديِّ صاحبِ مصر، تقدم المعز إلى القائد جوهر المذكور؛ ليتجهز للخروج إلى مصر، فخرج أوّلاً إلى جهة المغرب لإصلاح أموره، وكان معه جيش عظيم، وجمع قبائل العرب الذين توجه بهم إلى مصر، وجبي القطائع التي كانت على البربر، فكانت خمس مئة ألف دينار.
وخرج المعز بنفسه في الشتاء إلى المهديَّة، وأخرج من قصور آبائه مئة ألف حِمل دنانير وأمتعة وسلاح، وعاد إلى قصره، ثم عاد جوهر بالرجال والأموال، وكان قدومه على المعز يوم الأحد، لثلاثٍ بقين من المحرم، سنة ثمان وخمسين وثلاث مئة.
وأمر المعزُّ بالخروج إلى مصر، فخرج ومعه أنواع القبائل، وأنفق المعز في المسير صحبته أموالاً عظيمة، حتى أعطى ألف دينار إلى عشرين، وغمر الناسَ بالعطاء، وانصرفوا إلى القيروان وغيره في شراء جميع حوائجهم، ورحلوا ومعهم ألفُ حمل من المال والسلاح، ومن الخيل والعدد ما لا يوصف، وكان في مصر تلك السنة غلاء عظيم ووباء، خى مات في مصر وأعمالها في تلك السنة ستُّ مئة ألف إنسان - على ما قيل -.
ولما كان منتصف شهر رمضان، سنة ثمان وخمسين وثلاث مئة،
стр. 442
وصلت البشارة إلى المعز بفتح الديار المصرية، ودخول عساكره إليها، ثم وصلت النجب بعد ذلك بصورة الفتح، وكانت كتب جوهر تتردد إلى المغرب باستدعائه إلى مصر، وتحث المعزَّ على ذلك، ثم أرسل إليه يخبره بانتظام الحال بمصر والشام والحجاز، وإقامة الدعوى له بهذه المواضع، فسُرَّ المعز بذلك سروراً عظيماً.
ولما ثبت قواعدَه بالديار المصرية، استخلف على إفريقية بكتكين الصماخي، وخرج المعز متوجهاً إليها بأموال جليلة المقدار، ورجال عظيمة الأخطار، وكان خروجه من المنصورية دار ملكه لثمان بقين من شوال، سنة إحدى وستين وثلاث مئة، وانتقل إلى سودانية، وأقام بها ليجمع رجاله وأتباعه، ومَنْ يستصحبه معه، وفي هذه المنزلة عقد العهدَ لبكتكين، ورحل عنها يوم الخميس، خامس صفر، سنة اثنتين وستين وثلاث مئة، ولم يزل في طريقه، يقيم بعض الأوقات في بعض البلاد أياما، ويجد المسير في بعضها، ودخل الإسكندرية لست بقين من شعبان من السنة، وركب فيها، ودخل الحمام، وقدم عليه قاضي مصر، وهو أبو طاهر محمد بن أحمد، وأعيان أهل البلاد، وسلَّموا، وجلس لهم، وخاطبهم خطاباً طويلاً يخبرهم فيه: أنه لم يرد دخول مصر لزيادة في ملكه، ولا مالٍ، وإنما أراد إقامة الحق والحج والجهاد، وأن يختم عمره بالأعمال الصالحة، ويعمل ما أمره به جده رسول الله ﷺ ، ووعظهم، وأطال حتى بكى بعض الحاضرين، وخلع على القاضي وبعض الجماعة، وودعوه، وانصرفوا.
стр. 443
ثم رحل منها في أواخر شعبان، ونزل يوم السبت ثاني شهر رمضان على ساحل مصر بالجزيرة، فخرج إليه القائد جوهر، وترجَّل عند لقائه، وقبَّل الأرض بين يديه.
وبالجزيرة - أيضاً - اجتمع به الوزير الفضل جعفر بن الفرات، وأقام المعز هناك ثلاثة أيام، وأخذ العسكر في التعدية بأثقالهم إلى ساحل مصر، ولمّا كان يوم الثلاثاء، لخمسٍ خلون من رمضان من السنة، عَبَر المعز النيل، ودخل القاهرة، ولم يدخل مصر، وكانت قد زينت، فظنوا أنه يدخلها، وأهلُ القاهرة لم يستعدوا؛ لأنهم بنوا الأمر على دخوله مصر أوّلاً، ولما دخل القاهرة، دخل القصر، ودخل مجلساً منه، وخر ساجداً، ثم صلى ركعتين، وانصرف الناس عنه.
وهذا المعز هو الذي تنتسب إليه القاهرة، فيقال: القاهرة المعزيَّة؛ لأنه بناها القائد جوهر له.
وفي يوم الجمعة، لثلاثَ عشرةَ ليلة بقيت من المحرم، سنة أربع وستيَن عَزَل المعزُّ القائد جوهراً عن دواوين مصر، وجباية أموالها، والنظر في سائر أموره.
وكان المعز عاقلاً حازماً، حسنَ النظر، ينسب إليه من الشعر:
لِلهِ مَاصَنَعَتْ بِنَا ... تِلْكَ المَحَاجِرُ في المَحَاجِرْ
أَمْضَى وَأَقْضَى فَتْكها ... حِقْدَ النُّفُوسِ مِنَ الخَنَاصِرْ
وَلَقَدْ بَقِيتُ لِبَيْنِكُمْ ... تَعبَ المَهَاجِرِ في الهَوَاجِرْ
стр. 444
وتوفي المعزُّ يوم الجمعة، السابع عشر من ربيع الأول، سنة خمس وستين وثلاث مئة بالقاهرة، ومولدُه بالمهديَّة من أفريقية، حادي عشر رمضان، سنة تسع عشرة وثلاث مئة، فيكون عمره خمساً وأربعين سنة، وستة أشهر تقريباً.
وصلَّى الله على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه وسلَّم.
* * *
خلافة العزيز بالله
هو أبو المنصور، نزارٌ، الملقب: العزيزُ بالله بنُ المعزِّ بنِ المنصور ابنِ القائمِ بن المهديِّ العُبيدي صاحب مصر وبلاد الغرب.
ولي العهد بمصر يوم الخميس، في شهر ربيع الأول، سنة خمس وستين وثلاث مئة، واستقل بالأمر بعد وفاة أبيه، وستر وفاةَ أبيه، ثم أظهرها في عيد النحر من هذه السنة، وسُلِّم عليه بالخلافة، وكان كريماً شجاعاً، حسنَ العفو عند المقدرة.
وهو الذي اختط أساسَ الجامع بالقاهرة، مما يلي (١) باب الفتوح، وحفره، وبدأ بعمارته سنة ثمانين وثلاث مئة في شهر رمضان.
وفي أيامه بُني قصرُ البحر بالقاهرة، الذي لم يبنَ مثلُه في شرق ولا غرب، وقصرُ الذهب، وجامعُ القرافة، والقصور بعين شمس.
стр. 445
وكان أصهبَ الشعر، أشهلَ العين، عريضَ المنكبين، حسنَ الخلق، قريباً من الناس، لا يؤثر سفك الدماء، يصيد بالخيل والجارح من الطير، محباً للصيد، مغرًى بصيد السباع، ويفرق الجوهرَ والدر، وكان أديباً فاضلاً.
وزإدت مملكته على مملكة أبيه، وفتحت له حمص، وحماة، وسيجر، وحلب، وخُطب له بمكة، وخَطب له ابنُ المقلد بن المسيب العقيلي صاحبُ الموصل بالموصل وأعمالها في المحرم، سنة اثنتين وثمانين وثلاث مئة.
وضُرب اسمُه على السكة والبنود، وخُطب له باليمن، ولم يزل في سلطانه، وعظمِ شأنه إلى أن خرج إلى بلبيس متوجِّهاً إلى الشام لغزو الروم، فابتدأت به العلة في العشرين من رجب، سنة ست وثمانين وثلاث مئة، ولم يزل مرضه يزيد وينقص، حتى ركب يوم الأحد، لخمسٍ خلون من شهر رمضان من السنة المذكورة إلى الحمام بمدينة بلبيس، وخرج منها إلى منزل الأستاذ أبي الفرج بن جواف، وكان صاحب خزانته بالقصر، فأقام عنده، وأصبح يوم الاثنين وقد اشتد به الوجع يومه ذلك ونهاره، وكان مرضه من حمى وقولنج، فاستدعى القاضيَ محمدَ بنَ النعمان، وأبا محمد الحسنَ بنَ عمار الكنانيَّ الملقب: أمين الدولة، وكان شيخَ كنانة وسيدَها، وخاطبهما في أمر ولده، ولم يزل العزيز في الحمَّام، والأمر يشتدُّ به إلى بين الصلاتين من ذلك النهار، وهو الثلاثاء، الثامن والعشرون من شهر رمضان، سنة ست وثمانين وثلاث مئة، وتوفي
стр. 446
في مسلخ الحمَّام.
وقيل: إن الطبيب وصف له دواء ليشربه في حوض الحمام، فغلط فيه، وشربه، فمات من ساعته.
ولم ينكتم موته ساعة واحدة، وترتب موضعه ولدُه الحاكم أبو علي المنصور، وبلغ الخبر أهلَ القاهرة، فخرج الناس غداةَ الأربعاء لتلقي الحاكم، فدخل البلد، وبين يديه البنود والرايات، وعلى رأسه المظلة يحملها زيدان الصِقِلي، فدخل القصر بالقاهرة عند اصفرار الشمس، ووالدُه العزيزُ بين يديه في عمارية، وقد خرجت قدماه منها، وأدخلت العمارية القصر، وتولَّى غسلَه القاضي محمد، ودفن عند أبيه المعز في حجرة بر القصر، وكان دفنه عند العشاء الآخرة، وأصبح الناس يوم الخميس سلخ الشهر، والأحوال مستقيمة، وقد نودي في البلد: أنْ لا كلفة ولا ظلم، وقد أمنكم الله على أنفسكم وأموالكم، فمن عارضكم، أو نازعكم، فقد حلَّ ماله ودمه.
وكانت ولادة العزيز يوم الخميس، رابع عشر المحرم، سنة أربع وأربعين وثلاث مئة بالمهدية من أرض إفريقية.
وكانت خلافته إحدى وعشرين سنة، وخمسة أشهر، ونصف شهر، ومات وعمره اثنان وأربعون سنة، وثمانية أشهر.
وكان العزيز قد ولَّى كتابته رجلاً نصرانياً، يقال له: عيسى بن نسطورس، واستناب بالشام رجلاً يهودياً اسمه: ميشا، فاستطالت النصارى
стр. 447
واليهود بسببهما على المسلمين، فعمد أهل مصر إلى قراطيس، فعملوها على صورة امرأة ومعها قصة، وجعلوها في طريق العزيز، فأخذها العزيز، وفيها مكتوب: بالذي أعزَّ اليهودَ بميشا، والنصارى بعيسى بن نسطورس، وأذلَّ المسلمين بك إلا كشفتَ عنا.
فقبض على عيسى النصراني المذكور، وصادره.
وكان العزيز يحب العفو، ويسعمله، انتهى.
* * *
خلافة الحاكم بأمر الله
هو أبو عليٍّ، المنصورُ، الملقب: الحاكم بأمر الله بنُ العزيزِ بالله ابنِ المعزِّ بنِ المنصورِ بنِ القائم بنِ المهديِّ صاحب مصر.
وتولى الحاكم المذكور بعهد من أبيه في حياته، وذلك في شعبان، سنة ثلاث وثمانين وثلاث مئة، ثم استقل بالأمر يوم وفاة أبيه، وعمرُه إحدى عشرة سنة.
وكان جواداً بالمال، سفاكاً للدماء، قتل عدداً كثيراً من أماثل أهل دولته وغيرِهم صَبْراً.
وكانت سيرتُه من أعجب السير، يخترع كلَّ وقت أحكاماً يحمل الناسَ على العمل بها، منها:
أنه أمر الناس في سنة خمس وتسعين وثلاث مئة بسبِّ
стр. 448
الصحابة ﵃، وأمر أن يكتب ذلك على حيطان المساجد والقياسر والشوارع، وكتب إلى أعمال الديار، وأمرهم بالسبِّ، ثم أمرهم بقلع ذلك، ونهى عنه، وعن فعله في سنة سبع وتسعين، ثم بعد ذلك بمدة يسيرة ضرب من سبَّ الصحابةَ وأشهره.
* ومنها: أنه أمر بقتل الكلاب في سنة خمس وتسعين وثلاث مئة، فلم يُر كلب في الأسواق والأزقة والشوارع إلا قليل.
* ومنها: أنه نهى عن بيع الفقَّاع، والملوخية، والترمس، والجرجير، والسمك الذي لا قشر له، وكتب بالتشديد والمبالغة في تأديب من يتعرض لشيء منه، وظهر على جماعة أنهم باعوا شيئاً من ذلك، فضُربوا بالسياط، وطِيف بهم، ثم ضربت أعناقهم.
وفي سنة إحدى وأربع مئة خطب قرواش أميرُ بني عقيل للحاكم بأمر الله بأعماله كلها، وهي: الموصل، والأنبار، والمدائن، والكوفة، وغيرها.
وكان ابتداء الخطبة بالموصل: الحمد لله الذي انجلَتْ بنوره غمراتُ الغضب، وانهدَّت بعظمته أركانُ الغضب، وأطلع بقدرته شمسَ الحق من الغرب.
فكتب بهاءُ الدولة إلى عميد الجيوش بالمسير إلى حرب قرواش، فسار إليه، فقطع قرواش الخطبة، وأرسل يعتذر.
* ومنها: أنه في سنة اثنتين وأربع مئة نهى عنه بيع الزبيب، قليلِه
стр. 449
وكثيره، على اختلاف أنواعه، ونهى التجار عن حمله إلى مصر، ثم جمع بعد ذلك منه جملة كثيرة، وأحرقه، ويقال: إن مقدار النفقة التي غرموا على إحراق ذلك خمس مئة دينار.
وفي هذه السنة: منع من بيع العنب، وأنفذ الشهود، حتى قطعوا كثيراً من كرومها، ورموها في الأرض، وداسوها بالبقر.
وجمع ما كان في مخازنها من جرار العسل، وكانت خمسة آلاف جرة، وحملت إلى شاطئ النيل، وكُسرت، وقلبت في بحر النيل.
* وفيها - أيضاً -: أمر اليهود والنصارى والسامرة بلبس العمائم السود، وأن يحمل النصارى في أعناقهم الصلبان، يكون طوله ذراع، ووزنه خمسة أرطال، وأن يحمل اليهود في أعناقهم قرامي خشب على وزن حمل النصارى، ولا يركبون شيئاً من المراكب المحلاَّة، وأن يكون مركوبهم من الخشب، وأن لا يستخدموا أحداً من المسلمين، ولا يركبوا حمارَ مسلم ولا سفينة يتولى أمرها مسلم، وأن يكون في أعناق النصارى إذا دخلوا الحمَّام الصلبان، وفي أعناق اليهود الجلاجل؛ ليتميزوا بها عن المسلمين، ثم أفردَ حماماتٍ لليهود، وحمامات للنصارى من حمامات المسلمين، وحط على حمامات اليهود صورَ القرامي، وحمامات النصارى الصلبان، وذلك في سنة ثلاث وأربع مئة.
* ومنها: أنه أمر بهدم الكنيسة المعروفة بقمامة، وجميع الكنائس بالديار المصرية، ووهب جميع ما فيها من الآلات، وجميعَ ما لها من
стр. 450
الأوقاف لجماعة من المسلمين، وتتابع إسلامُ جماعة من النصارى.
وفي هذه السنة نهى عن تقبيل الأرض له، وعن الدعاء والصلاة عليه في الخطبة، والمكاتبات، وأن يُجعل ذلك السلامُ لأمير المؤمنين.
وفي سنة أربع وأربع مئة: أمر أن لا ينجَّم أحد، ولا يتكلَّم في صناعة النجوم، وأن يُنفى المنجِّمون من البلاد، فحضر جمعُهم إلى القاضي مالك بن سعد الحاكم كان، وعقد عليهم توبة، وأُعفوا من النفي، وكذلك أصحابُ الغناء.
وفي (١) هذه السنة منع النساء من الخروج إلى الطرقات ليلاً ونهاراً، ومنع الأساكفةَ عملَ الأخفاف للنساء، ومُحيت صورة النساء من الحمامات، ولم يزلن ممنوعات من الخروج إلى أيام ولده الظاهر، وكانت مدة منعهن سبعَ سنين، وسبعة أشهر.
وفي شعبان سنة إحدى عشرة وأربع مئة تنصَّر جماعة ممن كان أسلم، وأمر ببناء ما هدم من كنائسهم، وردَّ ما كان أُخذ من آلاتها.
وكان الحاكم جالساً في مجلسه العام، وهو حَفِل بأعيان الدولة، فقرأ بعض الحاضرين قوله تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء: ٦٥]، والقارئ في أثناء ذلك كله يشير بيده إلى الحاكم، فلما فرغ، قرأ شخص يعرف بابن المشجر، وكان رجلاً صالحاً قولَه
стр. 451
تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لَا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ (٧٣) مَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ [الحج: ٧٣ - ٧٤]، فلما انتهى من (١) قراءته، تغير وجه الحاكم، ثم أمر لابن المشجر بمئة دينار، ولم يطلق للأول شيئاً.
ثم إن بعض أصحاب ابن المشجر قال: أنت تعلم خُلُق الحاكم، وكثرة استحالاته، وما تأمن أن يحقد عليك، ثم يؤاخذك بعد هذا، فتتأذّى منه، ومن المصلحة عندي أن تغيب عنه، فتجهَّز ابنُ المشجر إلى الحج، وركب البحر، فغرق، فرآه صاحبه في النوم، وسأله عن حاله، فقال: ما قصَّر الربان معنا، أرسى بنا على باب الجنة، وذلك ببركة نيته، وحسن صدقه.
والحاكم هو الذي بنى الجامع الكبير بالقاهرة، بعد أن كان شرع فيه والده العزيز بالله، وينى جامع راشدة بظاهر مصر، وكان شروعه في عمارته يوم الاثنين، سابع عشر ربيع الأول، سنة تسعين وثلاث مئة، وكان متولي خطابته الحافظ عبد الغني بن سعيد، والمصحح لمحرابه أبو الحسن علي ابن يونس المنجم.
وأنشا عدة مساجد بالقرافة وغيرها، وحمل إلى الجوامع من المصاحف والآلات الفضة والستور والحُصُر الشاميات ما لَهُ قيمة طائلة،
стр. 452
وكان يفعل الشيء، وينقضه.
وكانت ولادته بالقاهرة، ليلة الخميس، الثالث والعشرين من ربيع الأول، سنة خمس وسبعين وثلاث مئة.
وكان يحب الانفراد.
واتفق أنه خرج ليلة الاثنين، الرابع والعشرين من شوال، سنة إحدى عشرة وأربع مئة إلى ظاهر مصر، وطاف ليلته كلها، وأصبح عند قبر الفقاعي، ثم توجه إلى شرقي حلوان، ومعه ركابان، فعاد أحدهما مع تسعة من العرب السويديين، ثم عاد الركاب الثاني، وذكر أنه خلَّفه عند القبر، وبقي الناس على رسلهم يلتمسون رجوعَه، ويخرجون ومعهم دوابُّ الموكب إلى يوم الخميس سلخ الشهر المذكور.
ثم خرج يوم الأحد، ثاني ذي القعدة مظفر الدين صاحب المظلة، وحطي الصقلي، ونسيم المتولي السير، وابنُ مسكين التركي صاحب الزنج، وجماعة، فبلغوا دير القصر المعروف بسلوان، ثم أمعنوا في الدخول في الجبل، فبينما هم كذلك، وإذا بحماره الأشهب الذي كان راكباً عليه المدعو بالقمر، وهو على قرنة الجبل، وقد ضُربت يداه بالسيف، فأثر فيهما، وعليه سرجُه ولجامه، فتبعوا الأثر، فإذا أثر الحمار في الأرض، وأثر راجل خلفه، وآخرَ قدَّامه، فلم يزالوا يقصُّون هذا الأثر، حتى انتهوا إلى البركة في شرقي حلوان، فنزل إليها بعض الرجال، فوجد فيها ثيابه، وهي سبع جُبَّات، ووُجدت مزرورة لم تُحلَّ أزرارُها، وفيها آثار السكاكين.
стр. 453
فأُخذت، وحملت إلى القصر بالقاهرة، ولم يشكّ في قتله، مع أن جماعة من المغالين في حبه السخيفي العقول يظنون حياته، وأنه لا بدَّ أن يظهر، ويحلفون بغيبة الحاكم، وتلك خيالات هذيانية.
ويقال: إن أخته دسَّت عليه مَنْ يقتله لأمر يطول شرحه.
وكان عمر الحاكم ستاً وثلاثين سنة، وتسعة أشهر، وولايته خمساً وعشرين سنة، وأياماً.
وحُلْوان - بضم الحاء المهملة وسكون اللام وفتح الواو وبعدها نون ساكنة -: قرية مليحة كثيرة النُّزَه، فوق مصر بمقدار خمسة أميال، كان يسكنها عبد العزيز بن مروان بن الحكم الأموي لما كان والياً بمصر نيابةً عن أخيه عبد الملك أيام خلافته، وبها توفي، وبها وُلد ولده عمرُ ابن عبد العزيز ﵁.
والحمد لله رب العالمين.
وصلَّى الله على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه وسلَّم.
* * *
خلافة الظاهر لإعزاز دين الله
هو أبو الحسن، عليُّ بنُ منصورٍ الحاكمِ بأمرِ الله.
بويع له بالخلافة في اليوم السابع من قتل أبيه الحاكم، ولُقب: الظاهر لإعزاز دين الله، وهو إذاك صبي، وكتب الكتب إلى بلاد مصر
стр. 454
والشام بأخذ البيعة، وجمعت عمته - أختُ الحاكم، واسمُها: ستُّ الملك - الناسَ، ووعدتهم، وأحسنت إليهم، ورتبت الأمور، وباشرت تدبيرَ الملك بنفسها، وقويت هيبتُها عند الناس، وعاشت بعد الحاكم أربع سنين.
ومات الظاهر المذكور بمصر وعمره ثلاث وثلاثون سنة، وكانت خلافته خمس عشرة سنة، وتسعة أشهر، وأياما، وكان له مصر والشام، والخطبة بإفريقية.
وكان جميل السيرة، منصفاً للرعية، ووفاته في منتصف شعبان، سنة سبع وعشرين وأربع مئة.
والحمد لله رب العالمين.
وصلَّى الله على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
* * *
خلافة المستنصر بالله
هو أبو تميم، مَعَدٌّ، الملقبُ: المستنصر بالله بنُ الظاهرِ لإعزاز دين الله بنِ الحاكم بنِ العزيز بنِ المعزِّ لدين الله.
بويع بالأمر بعد موت أبيه الظاهر، وذلك يوم الأحد، نصف شعبان، سنة سبع وعشرين وأربع مئة.
وجرى على أيامه ما لم يجرِ على أيام غيره من أهل بيته ممن تقدمه، ولا تأخره.
стр. 455
* منها: قصد أبي الحارث أرسلان البساسيري، فإنها لما عظم أمره، وكبر شأنه ببغداد، قطعَ خطبة الإمام القائم العباسي، وخطب للمستنصر المذكور في سنة خمسين وأربع مئة، ودعا له على منابرها مدة سنة.
* ومنها: أنه ثار في أيامه علي بن محمد الصلحي، وملكَ بلادَ اليمن، ودعا للمستنصر على منابرها بعد الخطبة، وهو مشهور.
* ومنها: أنه أقام خليفة ستين سنة، وهذا شيء لم يبلغه أحد منذ قام جدُّهم المهدي.
* ومنها: أن دعوتهم لم تزل قائمة بالمغرب منذ قام جدهم المهدي إلى أيام المعز، فلما توجه المعز إلى مصر، استخلف بكتكين، وكانت الخطبة في تلك النواحي جارية على عادتها لهذا البيت، إلى أن قطعها المعز بن باديس في أيام المستنصر المذكور، في سنة ثلاث وأربعين وأربع مئة.
وقيل: إن ذلك سنة خمس وثلاثين.
وفي سنة تسع قُطع اسمه واسمُ آبائه من الحرمين، وذكر اسم المقتدي العباسي خليفة بغداد.
* ومنها: أنه هادنَ ملكَ الروم على أن يطلق خمسة آلاف أسير؛ ليمكن من عمارة قمامة، التي كان خرَّبها جدُّه الحاكمُ في أيام خلافته، فأطلق الأسرى، وأرسل مَنْ عَمَّر قمامة، وأخرج ملكُ الروم عليها أموالاً عظيمة، والذي يظهر: أن تخريبها لم يكن تخريباً كلياً، بل كان في البعض؛
стр. 456
فإن آثار البناء القديم موجود إلى الآن، والله أعلم.
* ومنها: أنه حَدَث في أيامه الغلاء العظيم الذي ما عُهد مثلُه منذ زمن يوسف ﵇، أقام سبع سنين، وأكل الناسُ بعضُهم بعضاً، حتى قيل: إنه بيع رغيف واحد بخمسين ديناراً.
وكان المستنصر في هذه المدة يركب وحدَه، وكلُّ مَنْ معه من الخواصِّ مترجلون، ليس لهم دواب، وكانوا إذا مشوا، تساقطوا في الطرقات من الجوع، وكان المستنصر يستعير من ابن هبة الله صاحبِ ديوان الإنشاء دابةً ليركبها صاحبُ مِظَلَّته.
ويقال: إن وزيره كان له بغلة، فركبها يوماً إلى خَدَمة المستنصر، فسرقوها، فأكلوها في الحال، فَمَسك منهم جماعة، وأمر بصلبهم، فأخذهم الناس عن الخشب، وأكلوهم، وأكلوا الحمير والكلاب والبغال.
وآخر الأمر توجهت أم المستنصر وبناتها إلى بغداد من فرط الجوع، وذلك في سنة اثنتين وستين وأربع مئة، وتفرق أهل مصر في البلاد، وتشتتوا.
ولم يزل هذا الأمر على شدته حتى تحرك بدرٌ الجماليُّ والدُ الأفضل أمير الجيوش من عكا، وركب البحر، وهو أنه كان متولياً سواحل الشام، فأرسل إليه المستنصر يشكو حاله، واختلال دولته، فركب البحر في قوة الشتاء، في زمنٍ لا يُسلك البحر، فمنَّ الله عليه بالسلامة، ووصل بدرٌ إلى مصر في سنة سبع وستين وأربع مئة، وقبض على الأمراء والقواد الذين
стр. 457
كانوا تغلَّبوا، وأخذ أموالهم، وحملها إلى المستنصر، وأقام منار الدولة، وشيَّد من أمرها ما كان قد دَرَسَ، وقرر قواعد البلاد، وأحسنَ إلى الرعية، فعمرت البلاد، وعادت مصر وأعمالها إلى أحسن ما كانت عليه.
وتوفي المستنصر في ثامن ذي الحجة، سنة سبع وثمانين وأربع مئة، ولقي المستنصر شدائد وأهوالاً أخرجَ فيها أمواله وذخائره، حتى لم يبق له غيرُ سجادته التي يجلس عليها، وهو مع هذا صابر غيرُ خاشع. والله أعلم.
وصلَّى الله على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه وسلَّم.
* * *
خلافة المستعلي بأمر الله
هو أبو القاسم، أحمدُ المنعوتُ بالمستعلي بن المستنصرِ بنِ الظاهر ابنِ الحاكم بنِ العزيز بنِ المعزِّ بنِ المنصورِ بنِ القائم بنِ المهديِّ.
ولي الأمر بعد أبيه بالديار المصرية والشامية، وفي أيامه اختلفت دولتهم، وضعف أمرهم، وانقطعت من أكثر مدن الشام دعوتُهم، وانقسمت البلاد الشامية بين الأتراك والفرنج؛ فإنهم دخلوا الشام، ونزلوا أنطاكية في ذي القعدة، سنة تسعين وأربع مئة، وأخذوا مَعرَّة النعمان سنة اثنتين وتسعين.
стр. 458
* ذكر استيلاء الفرنج على بيت المقدس:
ثم قصد الفرنج بيتَ المقدس، وحصروه نيفاً وأربعين يوماً، وملكوه في ضحى نهار الجمعة، لسبعٍ بقين من شعبان، سنة اثنتين وتسعين وأربع مئة، ولبث الفرنج يقتلون في المسلمين أسبوعاً، وقتل في الأقصى ما يزيد عن سبعين ألفاً، منهم العلماء والزهاد، وفي البلد من المسلمين خلق كثير، وأخذوا من عند الصخرة من أواني الذهب والفضة ما لا يضبطه الوصف، وغنموا ما لا يقع عليه الإحصاء.
ووصل المستنفرون إلى بغداد في رمضان، فاجتمع أهل بغداد في الجوامع، واستغاثوا وبكوا، وندب الخليفةُ ببغداد - وهو المستظهر بالله العباسي - الفقهاءَ إلى الخروج إلى البلاد؛ ليحرضوا الملوك على الجهاد، فخرج ابنُ عقيل، وغيرُ واحد من أعيان الفقهاء، فساروا في الناس، فلم يفد ذلك شيئاً، فإنا لله وإنا إليه راجعون.
ووقع الخلف بين السلاطين السلجوقية، فتمكن الفرنجُ من البلاد، وانزعج المسلمون في سائر بلاد الإسلام بسبب أخذه غاية الانزعاج.
ثم استولى الفرنج على أكثر بلاد الساحل في أيامه، واستمر بيت المقدس وما جاوره من السواحل بيد الفرنج إلى أن فتحه السلطان صلاح الدين - تغمده الله برحمته - في شهور سنة ثلاث وثمانين وخمس مئة، على ما سيمر بك ذلك في ترجمته - إن شاء الله تعالى -.
وكان مولد المستعلي في العشرين من شعبان، سنة سبع وستين
стр. 459
وأربع مئة، وكانت خلافته سبع سنين، وقريب شهرين، وكان المدبِّرُ لدولته الأفضلَ بنَ بدر الجمالي أمير الجيوش.
وتوفي المستعلي بأمر الله بمصر، في يوم الثلاثاء، لسبع عشرة ليلة خلت من صفر، سنة خمس وتسعين وأربع مئة.
والحمد لله وحدَه، وصلَّى الله على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه وسلَّم.
* * *
خلافة الآمر بأحكام الله
هو أبو علي، المنصورُ، الملقب: الآمر بأحكام الله بنُ المستعلي ابنِ المستنصر بنِ الظاهر بن الحاكم.
بويع بالأمر يوم موت أبيه، وكان عمرُ الآمرِ لما بويع خمس سنين، وشهراً، وأياماً، وقام بتدبير دولته الأفضلُ شاهنشاه بنُ بدر الجمالي أمير الجيوش، وكان وزيرَ والده، ولما اشتد الأمر، فطن لنفسه، وقتل الأفضل، واستوزر المأمونَ أبا عبد الله محمدَ بنَ أبي شجاع البطائحي، فاستولى هذا الوزير عليه، وقبحت سمعتُه، فقبض عليه في رابع شهر رمضان، سنة تسع عشرة وخمس مئة، واستصفى جميعَ أمواله، ثم قتلَه في رجب سنة إحدى وعشرين، وصُلب بظاهر القاهرة، وقتل معه خمسة من إخوته، أحدهم يقال له: المؤتمن، وكان متكبراً متجبراً، خارجاً عن طوره، وله أخبار مشهورة.
стр. 460
وكان الآمرُ سيئ الرأي، جائر السيرة، مشهوراً باللهو واللعب.
وفي أيامه أخذ الفرنج مدينة عكا، في شعبان، سنة تسع وتسعين وأربع مئة، وملك الفرنج طرابلس بالسيف يوم الاثنين، لإحدى عشرةَ ليلة خلت من ذي القعدة، سنة اثنتين وخمس مئة.
وقيل: في حادي عشر ذي الحجة، سنة ثلاث وخمس مئة، والله أعلم.
ونهبوا ما فيها، وأسروا رجالها، وقتلوا نساءها وأطفالها، وحصل في أيديهم من أمتعتها وما كان في خزائن أربابها ما لا يُحَدُّ عددُه ولا يُحصر، وعوقب من بقي من أهلها، واستُصفيت أموالهم، ثم وصلتها نجدةُ المصريين بعد فوات الأمر.
وفي هذه السنة ملكوا غزنة وبانياس.
ثم تسلموا مدينة صور يوم الاثنين، لسبع بقين من جمادى الأولى، سنة ثمان عشرة وخمس مئة، وكان الوالي بها من جهة الأتابك ظهير الدين طغتكين، وكان يومئذ صاحبَ دمشق وما والاها، فلما ملكوا، ضربوا السكة باسم الأمير المذكور ثلاثَ سنين، ثم قطعوا ذلك.
وأخذوا بيروت يوم الجمعة، الحادي والعشرين من شوال، سنة ثلاث وخمس مئة بالسيف، وأخذوا صيدا لعشرين بقين من جمادى الآخرة، سنة أربع وخمس مئة.
وفي سنة إحدى عشرة وخمس مئة قصد بردويل الفرنجي الديار