← История

История · id 127698

التاريخ المعتبر في أنباء من غبر

مجير الدين العليمي

Полный текст (1 251 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.

стр. 386

واتفق ذلك في آخر عمره قبل موته بيسير، فاستدعى جماعةً من أئمة الحديث، فدعاهم إلى ذلك، فامتنعوا، فهددهم، فأجاب أكثرُهم مُكرَهين. واستمر الإمام أحمد على الامتناع، فحمله على بعير، وسيرّه إلى الخليفة، فلما قربوا من جيش المأمون، وأُنزلوا دونَه بمرحلة، فبلغ الإمامَ أحمدَ توعُّدُ الخليفة له بالقتل إن لم يُجبه إلى القول بخلق القرآن، فتوجَّه الإمام أحمدُ إلى الله بالدعاء، فجاءهم الصريخ بموت المأمون في الثلث الأخير من الليل، ففرح الإمام أحمد بذلك. ثم جاء الخبر بأن المعتصم ولي الخلافة، وقد انضم إليه أحمدُ بن أبي دؤاد، وأن الأمر شديد، فردُّوه إلى بغداد في سفينة مع بعض الأسارى، فوصل بغداد وهو مريض في رمضان، فأودع في السجن نحو ثمانية وعشرين شهرًا. ثم أُخرِج إلى الضرب بين يدي المعتصم، فدُعي إلى القول بخلق القرآن ثلاثةَ أيام، بحضور جماعة أحضرهم الخليفة، وكان المعتصب عليه أحمد بن أبي دؤاد، كل ذلك والإمام أحمد يقول: أعطوني شيئًا من كتاب الله، وسنةِ رسول الله ﷺ حتى أقولَ به، فما زال ابن أبي دؤاد وغيرُه يُغرون الخليفة عليه، ويقولون: هذا كافرٌ مُضِلٌّ، حتى اشتدَّ غضبُه، فأمر بضربه، فضُرِب بالسياط، وكان جملة ما ضرب نيفًا وثمانين سوطًا. ووقع له في هذه المحنة أخبارٌ كثيرة، وكرامات ظاهرة؛ من ستر عورته لمّا انحل سراويله، وغير ذلك مما هو مشهور، فلما عوفي، فرح المعتصم والمسلمون بذلك، وجعل الإمام أحمد كلَّ من سعى في أمره

стр. 387

في حِلٍّ، إلا أهلَ البدعة، وكان يتلو في ذلك قوله تعالى: ﴿وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النور: ٢٢]. وقال أبو الوليد الطيالسي: لو كان هذا في بني إسرائيل، لكان أُحدوثة. وقال المزني: أحمدُ بن حنبل يومَ المحنة، وأبو بكر يوم الردَّة، وعمر يوم السقيفة، وعثمان يوم الدار، وعلي يوم صِفِّين. ومناقبه ﵁ أكثرُ من أن تُحصر، وأشهر من أن تُذكر، ولم يزل الإمام أحمد على ذلك مدة خلافة المعتصم، وأيام الواثق، فلما ولي المتوكل، استبشر الناس بولايته؛ فإنه كان محبًا للسنة وأهلِها، ورفعَ المحنة عن الناس، وكتب إلى نائبه ببغداد - وهو إسحاق بن إبراهيم -: أن يبعث إليه بالإمام أحمد بن حنبل، فاستدعى إسحاقُ بن إبراهيم الإمام أحمد، فأكرمه، وعظَّمه، وجهزه إلى الخليفة المتوكل بِسُرَّ من رأى، فأكرمه المتوكل غايةَ الإكرام، وأمر له بخلعة سنية، فاستحى منه، ولبسها إلى الموضع الذي كان نازلًا فيه، ثم نزعها نزعًا عنيفًا، وهو يبكي ﵀، ثم أرسل إليه المتوكل مالًا جزيلًا، فأبى أن يقبله، فقيل له: إن رددتَه، وَجَدَ عليك في نفسِه، ففرَّقَه على مستحقِّيه، ولم يأخذ منه شيئًا، وجعل كلَّ يوم يرسل إليه من طعامه الخاص، ويظن أنه يأكل منه، وكان ﵁ لا يأكل منه لقمة. وارتفعت السنَّة في أيام المتوكل جدًا، وكان لا يولِّي أحدًا إَلا بمشورة الإمام أحمد بن حنبل، وكان مسيرُ أحمدَ إليه في سنة سبع وثلاثين

стр. 388

ومئتين، ثم مكث إلى حين وفاته، قَلَّ أن يأتي يوم إلا ورسالةُ المتوكل تنفذ إليه في أمور يشاوره فيها، ويستشيره. ثم إن الإمام أحمد ﵁ مرض مرضه الذي مات فيه، وكان مرضه في أول شهر ربيع الأول، سنة إحدى وأربعين ومئتين، ثم كتب وصيته: (بسم الله الرحمن الرحيم، هذا ما أوصى أحمد بن محمد بن حنبل: أوصى أنه يشهد أنه لا إله إلا الله وحدَه لا شريك له، وأن محمدًا عبدُه ورسوله، أرسلَه بالهدى ودين الحق، ليظهرَه على الدين كلِّه، ولو كره المشركون، وأوصى من أطاعه من أهله وقرابته: أن يعبدوا الله تعالى في العابدين، وأن يحمَدوه في الحامدين، وأن ينصحوا لجماعة المسلمين). ثم استدعى بالصبيان من ذُرِّيته، فجعل يدعو لهم، ثم توفي يوم الجمعة، لاثنتي عشرة ليلة خلت من ربيع الأول، سنة إحدى وأربعين ومئتين. وأخبار جنازته مشهورة، ورئي له منامات صالحة - رحمه الله تعالى، ورضي عنه، وعن جميع أئمة المسلمين -. وفي السنة الثالثة والأربعين بعد المئتين: توجَّه المتوكل من العراق طالبًا مدينة دمشق؛ ليجعلَها دارَ إقامته، فتأسّف أهلُ العراق على ذلك، وكان للمتوكل أربعةُ آلاف سُرِّيَّة، يقال: إنه وطئ الجميع، والله أعلم. وقتله ولدُه المنتصر، وهو في خَلْوَة مع وزيره الفتحِ بنِ خاقَان، وذلك أن المتوكل قد كان بايع الخلافة لولده المنتصر، ثم أراد عزله،

стр. 389

وتولية أخيه المعتز؛ لمحبته في أمه، فوجد المنتصرُ على أبيه في نفسه، واتفق مع الترك على قتل أبيه، فدخلوا عليه وهو مع وزيره في خلوة في الليل، فقطعوهما بالسيوف. وكان من الاتفاق العجيب: أن المتوكل قد أُهدي له سيف من البحرين قاطع لم يَرَ أحدٌ مثلَه، فعرضه على جميع حاشيته، وكلٌّ يتمناه، فقال المتوكل: لا يصلح هذا السيف إلا لساعد ماعز التركي، فوهبه له دونَ غيره، فاتفق أنه كان أولَ من دخل عليه، فضربه به، فقطع حبلَ عاتقه، ثم تناولوه بالسيوف، فقطعوه هو والفتح قطعا، حتى اختلطت لحومُهما، ودُفنا معًا. وكانت وفاة المتوكل بِسُرَّ من رأى، ليلة الأربعاء، لثلاثٍ خلون من شوال، سنة سبع وأربعين ومئتين، وله إحدى وأربعون سنة، ودُفِن في القصر الجعفري، فكانت خلافته أربع عشرة سنة، وعشرة أشهر، وثلاثة أيام، والله أعلم. ورآه بعضُهم في النوم وهو بين يدي الله ، فقال له: ما تصنع ها هنا؟ فقال: انتظر محمدًا ابني، أخاصمُه بين يدي الله تعالى. وصلَّى الله على سيدنا محمَّد، وعلى آله وصحبه وسلَّم. * * * خلافة المنتصر محمدِ بنِ جعفر هو أبو جعفر، محمدُ بنُ جعفرٍ المتوكلِ، وأمّه رومية.

стр. 390

وكان مربوعًا، أسمر اللون، حسن الجسم، شهمًا. بويع لأربع خلون من شوال، سنة سبع وأربعين ومئتين، وخلع أخويه: المعتز، والمؤيد، وكان أبوهما المتوكلُ عقد لهما البيعةَ، وأخذَ خَطَّيهما بخلع أنفسهما، بعد أن أهانهما، وأخافهما. وهو أول من عدا على أبيه من بني العباس، وكان يسيء إلى العيال، ويبخل بالمال. ورأى والدَه في النوم وهو يقول له: ويلك يا محمَّد! قتلتني وظلمتني، والله, لا تمتعتَ بالخلافة بعدي إلا أياما يسيرة، ثم مصيرُك إلى النار، فانتبه وهو لا يملك عينيه، فكان يُسَلّى، وهو لا يسلو، ولما اعتلَّ، أتته أمّه تعوده، فلما رآها، بكى، وقال: يا أماه, عاجلتُ فعوجلتُ، ولم يزل منكسراً إلى أن مات، وكانت وفاته ليلة السبت، لثلاثٍ خلون من شهر ربيع الآخر، سنة ثمان وأربعين ومئتين، بِسُرَّ مَنْ رأى، وعمرُه خمس وعشرون سنة، وستة أشهر، وكانت ولايته ستة أشهر. ولما رتَّب المنتصر أسبابَ ملكه، ووضع كل شيء موضعه، فرش له مجلس بأنواع الفرش، وكان في جملة الفرش: بساط حرير، طوله عشرة أذرع، في عشرة أذرع منقوش بأنواع النقوش، وفي وسطه صورة الملك جالس على كرسي الملك، وعلى رأسه سطور مكتوبة بالفارسي، فقال: انظروا إلى من يقرأ هذه السطور التي على رأس الملك، فجاؤوا بمن قرأها، فإذا هي: أنا شيرويه بنُ كسرى، قتلت أبي، فلم أعشْ بعده إلا ستة أشهر، فتطَيَّر المنتصرُ من ذلك، وقام من ذلك المجلس، وأمر

стр. 391

الفراشين، فمزقوا ذلك الفرش بأسره، فلم يمكث بعد أبيه غيرَ ستة أشهر. وفي أيامه توفيت شجاعُ أمُّ المتوكل، وكانت خيرةً، كثيرةَ الرغبة في الخير، وخلفت من الذهب العين خمسةَ آلاف ألف ألف دينار، وخمسين ألف دينار، ومن الجواهر ما قيمته ألف ألف دينار، والله أعلم. وصلى الله على سيدنا محمَّد، وعلى آله وصحبه وسلم (١). * * *

стр. 392

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 393

خلافة المعتزِّ بالله هو أبو عبد الله، محمدُ بنُ جعفرٍ المتوكل بنِ المعتصم بنِ هارونَ الرشيد. ولد سنة اثنتين وثلاثين ومئتين، ولم يل الخلافة قبلَه أصغرُ منه. بويع له عند خلع المستعين، سنة اثنتين وخمسين، وهو ابن تسعَ عشرةَ سنة، وكتب بذلك إلى جميع الآفاق، وكانت خلافته ثلاث سنين، وستة أشهر، وأربعة عشر يوما، ومات عن نحو ثلاث وعشرين سنة. ثم خَلع نفسه من الخلافة، وقُتل. وكان سبب خلعه: أن الجند اجتمعوا، وطلبوا منه أرزاقهم، فلم يكن عنده شيء يعطيهم، فسأل أمه أن تقرضه شيئًا يدفعهم به عنه، فلم تعطه شيئًا، وأظهرت أن لا شيء معها، فاجتمع الأتراك على خلعه، ثم دخلوا عليه، فتناولوه بالدبابيس يضربونه، وما زالوا به حتى خلع نفسَه من الخلافة، ثم سلَّموه إلى من يسومه سوءَ العذاب، ومنع الطعام والشراب ثلاثة أيام، حتى جعل يطلب شربة من ماء البئر، فلم يُسق، ثم أدخلو سرداباً فيه جص، فدسوه فيه، فأصبح ميتًا، فاستلُّوه من الجص سليمَ الجسد، وأشهدوا عليه جماعةً من الأعيان أنه مات، وليس به أثر، وكان ذلك اليوم الثاني من شعبان، في السنة الخامسة والخمسين بعد المئتين، وصلى عليه المهتدي، ودُفِن عند أخيه المنتصر، إلى جانب قصر الصوامع.

стр. 394

وكان طويلاً، جسيما، وسيمًا، أقنى الأنف، مدوَّر الوجه، حسنَ المضحَك، أبيضَ اللون، أسود الشعر، حسن العينين، ضيق الجبين، أحمرَ الوجنتين، ولم يُعذب أحدٌ من الخلفاء ما عُذِّب المعتز، على صغر سنه، وهو ثالث خليفة خُلِع من بني العباس، ورابع خليفة قُتِل منهم، وكان له من الولد جماعة، لم يشتهر منهم إلا عبدُ الله. في هذه السنة ظهر عند أمه قبيحة أموال عظيمة، وجواهر نفيسة، كان من جملة الذهب ما يقارب ألفي ألف دينار، ومن الزمرد الذي لم يُرَ مثلُه مقدارُ مَكُّوك، ومن اللؤلؤ مَكُّوك، وكَيْلَجَةُ ياقوت أحمر لم يُرَ مثلها، هذا وقد كانت الأتراك طلبوا من ولدها المعتز خمسين ألف دينار تصرف في أرزاقهم، فلم يكن عنده من ذلك شيء، فطلب من أمه قبيحة - قبحها الله تعالى - أن تقرضه ذلك، فأظهرت أن لا شيء عندها، ثم ظهر عندها من الأموال ما ذكرناه، وقد كان لها من الغلات ما يعدل كل سنة عشرةَ آلاف دينار، واستمرت الخلافة للمهتدي بعد المعتز. والمعتز هو الذي ولَّى أحمدَ بنَ طولون على مصر، ثم استولى ابن طولون على دمشق والشام، وأنطاكية والثغور، في مدة شغل الموفق بمحاربة الزنج. وكان أبو العباس أحمدُ بنُ طولون عادلاً، شجاعًا، جواداً، متواضعا، حسنَ السيرة، ويحب أهل العلم، وبنى الجامعَ المنسوب إليه بظاهر القاهرة، قيل: إنه أنفق على عمارته مئة ألف دينار، وعشرين ألف دينار، إلا أنه كان طائش السيف، سَفَّاكا للدماء، أُحصي من قتله صبراً،

стр. 395

فكان جملتهم - مع من مات في حبسه - ثمانيةَ عشرَ ألفًا، وكان من أطيب الناس صوتًا بالقراءة؛ فإنه حفظ القرآن، وأتقنه، وطلب العلم، وملك الديار المصرية وعمره أربعون سنة، سنة أربع وخمسين ومئتين، فملكها بضع عشرة سنة. وخلَّف أموالاً كثيرة، وثلاثة وثلاثين ولداً ذكرا وأنثى، وكان أبوه مملوكا، أهداه نوح بن أسد الساماني إلى المأمون في جملة رقيق، ويقال: إن طولون تبنى أحمد، ولم يكن ولدَه ﵀، وسامحه -. * * * خلافة المهتدي بالله هو محمدُ بنُ الواثقِ بالله بنِ المعتصمِ، الخليفةُ الصالح، وأمُّه رومية. بويع له لليلة بقيت من رجب، سنة خمس وخمسين ومئتين، وكان أسمر اللون، رقيقا، مليح الوجه، حميد الطريقة، ورعًا، زاهدا، عابداً، عدلاً، كثير العبادة، قويا في أمر الدين، بطلاً شجاعًا، لكنه لم يجد ناصراً ولا معينًا على الخير، وكان خاشعًا ناسكًا، يكاد يكون في الهاشميين كعمر بن عبد العزيز في الأمويين، ولم يكن في ملوك بني العباس أزهدُ منه، وكان قد طرح الملاهي، وحرّم الغناء، وحسم أصحاب السلطان عن الظلم، وكان له سَفَطٌ فيه جبة صوف، وكساء وبرنس، كان يلبسه بالليل، ويصلي فيه.

стр. 396

ولما قتله الأتراك، تضاربوا على السفط المذكور؛ ظناً منهم أن فيه ذخيرة نفيسة، فلما اطلعوا على ما فيه، أظهروا الندامة. وكان السبب في قتله: أنه لما رأى تغلُّب الأتراك والديلم والمغاربة، علم أن سلفه أخطؤوا في تقدمتهم، وجعل يقدم الأعراب، ويأنس بهم، ثم إن الترك خرجوا عليه، فظفروا به، وعزلوه، ثم زجُّوه بالخناجر، ومَصَّ أحدُهم دمه حتى روي منه، ومات بين أيديهم - رحمه الله تعالى - لأربع عشرة ليلة خلت من رجب، سنة ست وخمسين ومئتين، وله تسع وثلاثون سنة. وكان له من الأولاد: سبعة عشر ذكرًا، وست بنات، وأولاده أعيانُ أهل بغداد، وهم الخطباء بالجوامع، ومنهم العدول، ولم يبقَ ببغداد من أولاد الخلفاء أكثرُ من ولده. ومن شعره: أَمَا وَالَّذِي أَعْلى السَّمَاءَ بِقُدْرَةٍ ... وَأَبْعَدَ مَا بَيْنَ الثُّرَيَّةِ وَالثَّرَى لَئِنْ تَمَّ لِي التَّدْبِيرُ فِيمَا أُرِيدُهُ ... لتفْتَقَدَنَّ التُّرْكُ يَوْما فَلاَ تُرَى وصلَّى الله على سيدنا محمَّد، وعلى آله وصحبه وسلَّم. * * *

стр. 397

خلافة المعتمد على الله هو أبو العباس، أحمدُ، وقيل: أبو جعفر، المتوكل، وأمُّه أمُّ وَلَد. وكان حسنَ الجسم، طويل اللحية، واسع العينين، طويلًا. بويع له لأربع عشرة ليلة خلت من رجب، سنة ست وخمسين ومئتين، وكان يقبل على اللذات، ويشتغل عن الرعية، كثيرَ العزل والتولية، وجعل أخاه طلحةَ وليَّ عهده، ولقَّبه: الموفق بالله، فاستعد الموفقُ لمحاربة الخبيث صاحبِ الزنج، الذي ادعى أنه علي بن محمَّد ابن أحمد بن علي بن عيسى بن زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، وليس كذلك، وإنما قيل بأنه: علي بن محمَّد بن أحمد بن رحيب، رجلٌ من المعجم، من قرية من قرى الري، ونشأ بسامراء، فتأدب بها، وخدم في الديوان، وقال الشعر، واستماح به. ثم حدث في نفسه الكفر والخبث، ودعوى الإمامة، وعلم الغيب، والخروج عن الأئمة، فقدم البصرة، وأقام بهجر، ودعا الناس إلى طاعته، فمال إليه عبيدُ هجر، وخَلْقٌ من أهل البحرين، والتأموا عليه، وكثر أتباعه، واستغوى مَنْ لقيه من الأعراب، وأوهم أنه يعلم منطقَ الطير، وعمد إلى خرقة حرير، فكتب فيها بالأخضر: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ﴾ [التوبة: ١١١] إلى آخر الآية، وكتب عليها اسمه واسم أبيه، وعلَّقها، وخرج ينادي في الناس، فاجتمع عليه ألوف من الزنوج وغيرهم، فقام فيهم خطيبًا، ووعدهم أن

стр. 398

يملكهم الأموال، ولم يزل ينهب ويقتل، وادعى أن نساءه امتُحِنَّ بصحبته، وحرمن بعدَه على الرجال، وقال: لي بذلك أسوة برسول الله ﷺ ، وبأئمة الهدى من بعده. فقيل له: إن أبا بكر وعمر تزوج الناسُ بنسائهما، فقال: ليس فيهما قدوة، وأما علي، فقد أثم من تزوج نساءه بعده. وادعى أنه عبد الله الذي قام يدعوه، وأنه أنزل فيه قرآنًا. وادعى أنه الرجل الذي جاء من أقصى المدينة يسعى، وقال: أُنزلت فيّ سورة من القرآن مجردة، ليس فيها ذكر غيري، وهي: ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾ [البينة: ١]. وادعى أنه تكلَّم في المهد صبيًا. ثم إن الموفق انتدب لقتاله، فوجَّه ولدَه أبا العباس في نحو عشرة آلاف فارس وراجل لقتال الزنج، فسار نحوهم، وكان بينهم من القتال والوقعات المشهورة ما يطول شرحه، فنصر الله أبا العباس، وأعلى كلمته، وفتح على يديه، وأسبغ نعمه عليه، وهذا الشابّ هو الذي ولي الخلافة بعد عمه المعتمد، ولقب بالمعتضد. وركب الموفَّق من بغداد في صفر سنة سبع وستين ومئتين في جيوش كثيفة، فدخل واسط، فتلقاه ابنه أبو العباس، وأخبره عن الجيش الذي معه، وما عملوا في حرب الزنج، فخلع عليه، وعلى الأمراء كلهم خِلَعاً سَنِيَّة.

стр. 399

ثم سار بجميع الجيوش إلى صاحب الزنج، وهو بالمدينة التي أنشأها، وسماها بالمنيعة، فقهرهم الموفق، ودخلها عَنْوة، وهدم أسوارها، وسار إلى غيرها من البلاد، وهدم ونهب. ثم سار الموفق في جيوش عظيمة - نحو خمسين ألف مقاتل - إلى مدينة صاحب الزنج الكبرى التي بناها وسماها: المختارة، وقدّم ولده أبا العباس بين يديه، وحاصر قصرَ الملك محاصرة لم يحاصر مثلها، وتعجب الزنج من إقدامه وجرأته مع صغر سنه، فهزمهم بإذن الله، وفرّ الخبيث صاحب الزنج هاربا، وترك حلائله وأولاده، وأمواله فأخذها الموفق - ولله الحمد والمنة -، وشرحُ ذلك يطول. ثم ركب الموفق، فأسر عامة من كان يصحبه من خاصته، وأبادهم بالقتل، وما انجلت الحرب حتى جاء البشير بقتل الخبيث صاحبِ الزنج في المعركة، وجيء برأسه إليه، فخر لله ساجداً، ثم رجع، ودخل مدينته التي أنشاها، وسماها: الموفقية، وكان يوماً مشهوداً، وفرح المسلمون بذلك في المشارق والمغارب. ثم قدم ولدُه أبو العباس بين يديه إلى بغداد، ومعه رأسُ الخبيث، فكان لدخوله يوم مشهود، وانتهت ايام صاحب الزنج الكذاب - قبحه الله تعالى -. وفي سنة سبعين ومئتين: أقبلت الروم في مئة ألف مقاتل، فنزلوا قريبًا من طرسوس، فخرج المسلمون إليهم، وقتلوا منهم في مقتلة واحدة نحوًا من سبعين ألفا - ولله الحمد -، وغنم المسلمون منهم غنيمة عظيمة.

стр. 400

ولما قتل الموفق صاحبَ الزنج، وكسر جيوشه، تلقب بناصر دين الله، وصار إليه الحل والعقد، والولاية والعزل، وكان يُخطب له على المنابر، فيقال: اللهمَّ أصلح الأميرَ الناصرَ لدين الله أحمدَ الموفقَ بالله، وليَّ عهد المسلمين، أخا أمير المؤمنين. وتوفي طلحةُ الموفقُ قبل أخيه المعتمد، وكان غزير العقل، حسن التدبير، كريما، محمود السيرة، وله محاسن كثيرة، وكانت وفاته في صفر سنة ثمان وسبعين ومئتين. واستمر المعتمد في الخلافة ثلاثا وعشرين سنة، وستة أيام. وتوفي المعتمد لإحدى عشرة ليلة بقيت من رجب، سنة تسع وسبعين ومئتين ببغداد، وكان عمره يوم مات خمسين سنة، وستة أشهر، وكان أسنَّ من أخيه الموفق بستة أشهر، وكان أول خليفة انتقل من سامراء إلى بغداد، ولم يَعُدْ إليها أحد من الخلفاء، بل جعلوا دار إقامتهم بغداد. والحمد لله وحده، وصلَّى الله على سيدنا محمَّد، وعلى آله وصحبه وسلَّم. * * * خلافة المعتضد هو أبو العباس، أحمدُ بنُ طلحةَ الموفقِ بنِ جعفرٍ المتوكل، وأمه ضرار أمُّ وَلَد، وكان نحيفاً، ربعة، خفيف العارضين. بويع له لإحدى عشرة ليلة بقيت من رجب، سنة تسع وسبعين

стр. 401

ومئتين، وكان عادلاً، ضابطًا، وأمر بردِّ المظالم، وأسقط المكوس التي كانت تؤخذ بالحرمين، وبذل المال، وحجَّ وغزا، وجالس المحدِّثين وأهلَ الفضل والدين، وأحسن التدبير، وقمع الفجار، وبالغ في العمارة، ورفق بالرعية، وأمر أتباعه بلزوم الطرائق الحميدة، وعرَّفهم أن من أفسد من غلمانهم، أُخذ به مولاه، فأخذ بعضُ غلمان الأجناد حِصْرِماً من كرم، فأحضر أستاذَه الأمير، وضرب عنقه، ثم قال لوزيره عبيدِ الله بن سليمان: لعلك أنكرتَ قتلَ هذا الأمير بجرمٍ جَنَاهُ عبدُه؟ قال: هو ذلك يا أمير المؤمنين، قال: كنتُ في خلافة المعتمد قد رأيتُ هذا الأمير قتل رجلًا بغير ذنب عمدًا، ولم يكن له وارث، فنذرتُ لله تعالى إن ولاني الخلافة، قتلتُه به، فلما ولاني الله الخلافة، طلبتُ له العثرات حتى قتلتُه. وهذا من فقه هذا الخليفة ودينه، وقال: والله ما حللت سراويلي على حرام قَطّ. ومحاسنهُ كثيرة، ولم يل الخلافة من بني العباس بعدَ السفاح مَنْ لم يكن أبوه خليفة إلا المستعين، والمعتضد. وتزوج قطرَ الندى ابنةَ خمارويه بن أحمد بن طولون، سنة إحدى وثمانين، وأصدَقَها ألف ألف درهم. ثم توفي المعتضد ببغداد، ليلة الاثنين، لسبعٍ بقين من شهر ربيع الآخر، سنة تسع وثمانين ومئتين، وعمره ست وأربعون سنة. ويقال: إن وزيره إسماعيلَ بنَ بلبل سَمَّه.

стр. 402

وكانت خلافته تسع سنين، وتسعة أشهر، وأربعة أيام، والله أعلم. وصلَّى الله على سيدنا محمَّد، وعلى آله وصحبه وسلَّم. * * * خلافة المكتفي بالله هو أبو محمَّد، عليُّ بن المعتضد بالله، أمُّه أم ولد، اسمها خاضع. بويع له لسبع بقين من ربيع الآخر، سنة تسع وثمانين ومئتين، وكان أسمر اللون، قصيراً، حسن الوجه، أمواله جَمَّة، وعساكره كثيرة، وليس في الخلفاء مَن اسمه عليّ غيرُ أمير المؤمنين عليِّ بن أبي طالب - كرم الله وجهه -، والمكتفي هذا, وليس في الخلفاء من كنيته أبو محمَّد سوى الحسن بن علي ﵄، والمكتفي. وهو الذي بني جامع البصرة، وأباد القرامطةَ الخارجين على الإِمام. وفي أيامه فتحت أنطاكية، وفي أيامه مات الزنديق أحمد بن يحيى ابن إسحاق المعروف بالراوندي، في سنة ثلاث وتسعين ومئتين، وهو المتكلِّم، وصنف عدة كتب في الكفر والإلحاد ومناقضة الشريعة، ووضع لليهود والنصارى كتابا يتضمن مناقضة دين الإِسلام، وكان موته - لعنه الله - برحبة مالك بن طوق، وقيل: مات سنة خمس وأربعين، وقيل: سنة خمسين ومئتين، وعمره ست وثلاثون سنة. وتوفي ببغداد لثلاث عشرة ليلة خلت من ذي القعدة سنة خمس

стр. 403

وتسعين ومئتين، وعمره إحدى وثلاثون سنة، وشهور، ومدةُ خلافته لستُّ سنين، وستةُ أشهر، وعشرون يومًا. وولي من أولاد المعتضد ثلاثة: المكتفي، والمقتدر، والقاهر، كما أن أولاد الرشيد ولي منهم ثلاثة: الأمين، والمأمون، والمعتصم. * * * خلافة المقتدر بالله هو أبو الفضل، جعفرُ بنُ المعتضد، أُمه أُم ولد. بويع له لثلاث عشرة ليلة خلت من ذي القعدة، سنة خمس وتسعين ومئتين، ولم يل الخلافة أصغرُ منه سنًّا. وكان ربع القامة، أحور العين، وأفضت الخلافة إليه وله ثلاثَ عشرةَ سنة، وشهران إلا أيامًا، فدبر الوزراء والكتاب الأمور، وغلب النساءُ على أمره، حتى إن جارية لأمه تعرف بثمل القهرمانة، كانت تجلس للمظالم، وتحضُرها القضاة والفقهاء والوزراء. وبطل الحج في أيامه، فلم يحج أحد سنة سبع عشرة وثلاث مئه؛ لدخول سليمان القرمطي صاحبُ البحرين مكة، وأخذ الحجر الأسود، في يوم الاثنين، لسبعٍ خلون من ذي الحجة، وأخذ الحجر يوم الأحد، لثلاث عشرة ليلة خلت من ذي الحجة، وأقام بمكة ثمانية أيام، وقتل مَنْ كان بمكة من الحجاج وغيرهم قتلاً ذريعاً، ورمى القتلى في زمزم، وأخذ الحجر، وعَرَّى الكعبةَ، وخلع بابها، وبقي الحجر الأسود عندهم

стр. 404

اثنتين وعشرين سنة إلا أشهرًا، ثم رده الله تعالى، ولم يبطل الحج منذ كان الإِسلام غير تلك السنة. ويأتي ذكر ذلك في ترجمة المهدي بالله العلوي. واستوزرَ اثني عشر وزيراً، يولِّي هذا اليوم، ثم يعزله غدًا، إلى أن قتله بعضُ البربر بالسيف، في الحرب بينه وبين مؤنس الخادم، وأخذ رأسه، وخلع ثيابه وسراويله، فمر به رجل من الاكراد، فستر سوءته بحشيش، ثم حفر له ودفنه، وعَفَّى أثره. ولما ولي المقتدر الخلافة، اجتنى من الأموال سبع مئة ألف ألف دينار، وخمسين ألف ألف دينار، خارجًا عما وجده في بيوت الأموال، فأنفق ذلك كله، ومات في أيامه خمسةَ عشرَ ألفَ أمير ومتقدم ومذكور، فكانت والدته تطوي عنه الرزايا والفجائع، وتقول: إظهارها يؤلم قلبه، فأدى ذلك إلى انتشار الفساد في مملكته، وكان الناس قد مَلُّوا أيامه لطولها، حتى إذا تصرمت، تمنوا ساعة منها، فأعوزتهم، وتعاقبتهم الحوادث. وفي أيامه ظهرت الدولة العلوية الفاطمية - كما سيمرُّ بك في ترجمة المهدي بالله أول خلفائهم -. وقُتل المقتدر يوم الأربعاء، لثلاثٍ بقين من شوال، سنة عشرين وثلاث مئة، وعمره ثمانٍ وثلاثون سنة، وشهر وأيام. وكانت خلافته أربعًا وعشرين سنة، واحد عشر شهرًا، وأربعة عشر يومًا.

стр. 405

وماتت أمه بعده بسبعة أشهر وثمانية أيام، بعد مصادرات ونوازل، ولم يكن لامرأة من الخير ما كان لزبيدةَ ولها بعدَها، وكانت مواظبة على صلاح شأن الحج، وإنفاذ خزانة الطب والأشربة إلى الحرمين، وإصلاح المصانع والحياض، وكان يرتفع لها من ضياعها ألف ألف دينار في كل سنة تتصدق بأكثرها. وكان له من الأولاد: اثنا عشر ولدًا ذكورًا. وكان من وزرائه: أبو الحسن بن الفُرات، وكان كريمًا، ثم عُبيد الله ابن خاقان، وكان جواداً كريماً، ثم عليُّ بن عيسى بن داود بن الجراح، وكان موصوفا بالعلم والدين، خدم الخلفاء سبعين سنة، لم يُزل فيها نعمةَ أحد، ولم يقتل أحدًا، ولم يسعَ في دمه، فبقيت عليه نعمتُه، وعلى ولده، بعد أن شُحِذَت له المُدى، فدفع الله عنه، ولم يهتك قَطُّ لأحدٍ حرمة، فلم يهتك الله له حرمة. وقيل مكتوب على خاتمه: لله صنعٌ خفي في كل أمر تخاف. - رحمه الله تعالى -. * * * خلافة القاهر بالله أبي منصور هو محمدُ بنُ المعتضد، وأمه قبول أُمُّ وَلَد. بويع له يوم الخميس، لليلتين بقيتا من شوال، سنة عشرين وثلاث مئة، بعد أن بقيت بغداد يومين بغير خليفة.

стр. 406

وكان موصوفاً بالظلم، مقدامًا على سفك الدماء، محباً لجمع المال، قبيح السياسة، صادر جماعة من أمهات أولاد المقتدر وأولاده، وضرب أمَ المقتدر، وعلقها بفرد رجل في حبل البرادة، حتى ماتت، وحلَّ وقفَها على الحرمين والثغور، وباعه. وزاد بطشه وقتلُه لأرباب الدولة، فخاف وزيره أبو علي بنُ مُقْلَة منه، وبذل لمنجِّمٍ - كان يخدم بعض قواده - مئتي دينار حتى قال للقائد من طريق النجوم: إني أخاف عليك من القاهر، فاجتمعوا عليه، وخلعوه، وسَمَلُوه، وارتكبوا منه أمراً لم يُسمع بمثله في الإِسلام، وذلك لست خلون من جمادى الأولى، سنة اثنتين وعشرين وثلاث مئة. وكان أولَ من سُمل من الخلفاء، فكانت ولايته سنة، وستة أشهر، وثمانية أيام، وتوفي لثلاثٍ خلون من جمادى الأولى، سنة تسع وثلاثين وثلاث مئة، ودُفن إلى جنب أبيه المعتضد بالله، وعمره اثنتان وخمسون سنة. ويقال: إنه بعد أن سُملت عيناه، وخُلع، أقام مدة، ثم خرج إلى جامع المنصور، وقام، فعرف الناس بأمره، وسألهم أن يتصدقوا عليه، فقام إليه ابن أبي موسى الهاشمي، فأعطاه ألف درهم، والله أعلم. والحمدُ لله وحدَه، وصلَّى الله على سيدنا محمَّد، وعلى آله وصحبه وسلَّم. * * *

стр. 407

خلافة الراضي بالله هو محمدُ بنُ المقتدر، وأمُّه ظَلومُ أُمُّ وَلَد. بويع له بعد عمه القاهر يوم الأربعاء، لست خلون من جمادى الأولى، سنة اثنتين وعشرين وثلاث مئة. وكان أسمر اللون، خفيف العارضين، وكان أديباً شاعرًا، وهو آخر خليفة خطب على منبر يوم الجمعة. ولما أراد الخطبةَ، أرسل إلى الفقيه إسماعيل بن علي، وقال له: قد عزمتُ على أن أصلي بالناس غدًا صلاة الجمعة، فكيف أقول إذا بلغتُ الدعاء لنفسي؟ قال: تقول: ﴿رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ﴾ [النمل: ١٩] الآية، فقال: حسبك وهزء بقوله. وأفسد دولته أبو علي بنُ مُقْلَة؛ فإنه كتب إلى بجكم التركي، يُطمعه في بغداد، فكان من أعلمَ الخليفة بذلك، فأمر بقطع يده، وقال: هذا سعى في الأرض الفساد، فكان ابن مقلة ينوح على يده، ويقول: خدمت بها ثلاثة خلفاء، وكتبت بها القرآن مرتين، وتُقطع كما تقطع اللصوص، ولم يكن في زمانه من يساويه في حسن الخط واللباقة. ولما غضب الخليفة على ابن مقلة، وأمر بقطع يده، لم يأت أحد إليه متوجعا، ثم في أثناء ذلك رضي الخليفة، وخلع عليه، فأتته الناس يهنونه أفواجا فأنشد:

стр. 408

تَحَالَفَ النَّاسُ وَالزَّمَانُ ... فَحَيْثُ كَانَ الزَّمَانُ كَانُوا عَادَانِيَ الدَّهْرُ نِصْفَ يَوْمٍ ... فَانْكَشَفَ النَّاسُ لِي وَبَانُوا يَا أيُّهَا المُعْرِضُونَ عَنَّا ... عُودُوا فَقَدْ عَاوَدَ الزَّمَانُ وتوفي الراضي بالله في منتصف ربيع الأول، سنة تسع وعشرين وثلاث مئة. * * * خلافة المتقي لله هو أبو إسحاق، إبراهيمُ بنُ المقتدر، بويع له يوم الأربعاء، لعشر بقين من شهر ربيع الأول، سنة تسع وعشرين وثلاث مئة، وكان أبيض، أشهل العينين، أشقر الشعر، وكان في أيامه غلاء وشدة، وكان عابداً، كثيرَ الصلاة والصوم، ولم يشرب النبيذ قط، وكان يقول: المصحف نديمي، ولذلك لقبه الصوفي: المتقي لله، ولم يغدر بأحد قط، إلا أن الله لم يوفق له أصحابا، غدر به الترك، وسملوه في صفر، سنة ثلاث وثلاثين وثلاث مئة، فكانت خلافته ثلاث سنين، واحد عشر شهرًا، وعاش بعد ذلك أربعا وعشرين سنة، وتوفي ليلة النصف من شعبان، سنة سبع

стр. 409

وخمسين وثلاث مئة، وعمره ستون سنة، وأيام، والله أعلم. * * * خلافة المستكفي بالله هو أبو القاسم، عبدُ الله بن المكتفي بالله، بويع له لعشرٍ بقينَ من صفر، سنة ثلاث وثلاثين وثلاث مئة، وسنُّه إحدى وأربعون سنة، وسبعة أيام، في سن المنصور حين ولي الخلافة، وكان مليح الوجه، قد وَخَطَه الشيب، وتلقَّب بهذا اللقب، وبإمام الحق. وقبض عليه معزُّ الدولة أبو الحسن بنُ بويه الديلميُّ في يوم الخميس، لسبع بقين من جمادى الآخرة، سنة أربع وثلاثين وثلاث مئة، وسُمل بعد خلعه، وحُبِس، وتوفي في محبسه ليلة الجمعة، لأربعَ عشرةَ ليلة بقيت من شهر ربيع الآخر، سنة أربع (١) وثلاثين وثلاث مئة. وخلافته سنة واحدة، وأربعة أشهر، وثلاثة أيام، والله أعلم. * * * خلافة المطيع لله هو أبو القاسم، الفضلُ بنُ المقتدر، بويع له لثمان بقين من جمادى الآخرة سنة أربع وثلاثين وثلاث مئة، وهو أولُ من طال عمره من خلفاء

стр. 410

بني العباس على من تقدم؛ لأنه بقي في الخلافة إلى ذي القعدة، سنة ثلاث وستين وثلاث مئة، فكانت خلافته تسعًا وعشرين سنة، وأربعة أشهر، وواحدا وعشرين يوما, ولم يكن له من الخلافة سوى الاسم، والمدير للأمور والحاكم على الجمهور معزُّ الدولة أحمدُ بن بويه الديلمي، وحمل الخليفةَ معه إلى البصرة، ولم يدخل البصرة خليفة محارب إلا أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، والمطيع لله، وكان كريما، حليما، سخياً على قلة ذات يده. وكان يُجري على ثلاثة خلفاء خُلعوا وسُملوا، وهم: القاهر والمستكفي، والمتقي، لكل واحد منهم في كل شهر مئة دينار، ولم يتعرض لأحد من قرابته بسوء، وخلع نفسه في منتصف ذي القعدة سنة ثلاث وستين وثلاث مئة. وصلَّى الله على سيدنا محمَّد، وعلى آله وصحبه وسلَّم. * * * خلافة الطائع لله هو أبو بكر، عبدُ الكريم بنُ الفضل، أُمُّه أُمُّ وَلَد. بويع له يوم الأربعاء، في منتصف ذي القعدة، سنة ثلاث وستين وثلاث مئة، وعمره ثمان وأربعون سنة، وأقام خليفة سبع عشرة سنة، وتسعة أشهر، وستة أيام، ولم يتقلد الخلافة مَنْ له أب حيٌّ إلا أبو بكر الصديق ﵁، والطائع لله، وكلاهما يكنى بأبي بكر.

стр. 411

وخُلع الطائع من الخلافة، ورُمي من فوق السرير، وقَبض عليه بهاءُ الدولة بنُ عضد الدولة؛ بسبب طمعه في مال الطائع، ولما أراد ذلك، أرسل إلى الطائع، وسأله الإذنَ ليجدد العهد به، فجلس الطائع على كرسي، ودخل عليه بعض الديلم، وقد كان مد يده ليسلم عليه، فجذبه عن سريره، والخليفة يقول: إنا لله، وإنا إليه راجعون، ويستغيث فلا يُغاث، وحُمِل إلى دار بهاء الدولة، وأشهد عليه بالخلع، وذلك في داره، بموضع المدرسة النظامية، ونهبتِ الدَّيلمُ دار الخلافة، وكان خلعه في شعبان، سنة إحدى وثمانين وثلاث مئة. ولمّا تولى القادر، حُمل إليه الطائع، فبقي عنده مكرما، إلى أن توفي في ليلة عيد الفطر، سنة ثلاث وتسعين وثلاث مئة. ورثاه الشريف الرضيّ بقصيدة أولها: مَا بَعْدَ يَوْمِكَ مَا يَسْلُو بِهِ السَّالِي ... وَمِثْلُ يَوْمِكَ لَمْ يَخْطُرْ عَلَى بَالِي والحمد لله وحده. * * * خلافة القادر بالله هو أبو العباس، أحمدُ ابن الأمير إسحاق بنِ المقتدر بالله بنِ المعتضد.

стр. 412

بويع له لسبع بقين من شعبان، سنة إحدى وثمانين وثلاث مئة، وكان مقيمًا بالبطيحة، فأرسل إليه بهاءُ الدولة خواصَّ أصحابه ليُحضروه، ولما قرب من بغداد، خرج بهاءُ الدولة وأعيانُ الناس لملتقاه، ودخل دار الخلافة، ثاني عشر رمضان، وبايعه الناس، وخُطب له ثالث عشر رمضان. وكان من حسن الدين والتهجد والورع على طريقة مشهورة، وكان امرأً صالحا ورعًا تقيًا، حسنَ الخليقة، حميدَ الطريقة، صلفَ النفس، كثير المعروف، بلغ من العمر ستا وثمانين سنة، وتسعة أشهر، وأيامًا، وأقام خليفة إحدى وأربعين سنة، وثلاثة أشهر، وواحدا وعشرين يومًا. وتوفي في الحادي عشر من ذي الحجة، سنة اثنتين وعشرين وأربع مئة، ولم يبلغ أحد من الخلفاء قبله مدةَ ولايته، ولا طولَ عمره، وفي أيامه فُتحت السند والهند، والله أعلم. وكُتب ببغداد محضر بأمر القادر يتضمن القدح في نسب العلويين خلفاء مصر، وكتب فيه جماعة من العلويين والقضاة، وجماعة من الفضلاء، وأبو عبد الله بن النعمان فقيه الشيعة. ونسخة المحضر المذكور: هذا ما شهد به الشهود: أن معد بن إسماعيل بن عبد الرحمن بن سعيد منتسب إلى ديصان بن سعيد الذي تنسب إليه الديصانية، وأن هذا الناجم بمصر هو منصور بن نزار المتلقب بالحاكم - حكم الله عليه بالبوار والدمار - ابن معد بن إسماعيل بن

стр. 413

عبد الرحمن بن سعيد - لا أسعده الله -، وأن من تقدمه من سلفه الأرجاس الأنجاس - عليهم لعنة الله ولعنة اللاعنين - أدعياءُ خوارجُ، لا نسبَ لهم في ولد علي بن أبي طالب ﵁، وأن ما ادعوه من الانتساب إليه زورٌ وباطل، وأن هذا الناجم في مصر هو وسلفه كفارٌ وفساق زنادقة ملحدون معطلون، وللإسلام جاحدون، أباحوا الفروج، وأحلُّوا الخمور، وسَبوا الأنبياء، وادَّعوا الربوبية. وتضمن المحضر المذكور نحو ذلك. وفي آخره: وكتب في شهر ربيع الآخر، سنة اثنتين وأربع مئة. والحمد لله. * * * خلافة القائم بأمر الله هو أبو جعفر، عبدُ الله بنُ القادر بالله، كان أبوه قد عهِد إليه، وبايعه بالخلافة، فجددت له البيعة، وكان كريما حليما، حسنَ السيرة، قد اجتهد في صلاح الدين. وزال في أيامه ملكُ العجم الذين كانوا يحجُرون على الخلفاء، واستقلَّ هو بالأمر، ودُعي له بإفريقية، أقام دعوته بها المعزّ بن باديس. وفي أيامه قتل البساسيري كبيرُ الترك ببغداد، لما ظهر منه من المخالفة والعصيان، قتله طغرلبك، وأرسل رأسه إلى الخليفة، فصُلب قبالة الباب النوبي، في سنة إحدى وخمسين وأربع مئة.

стр. 414

وكان سخياً، وكان كثير الصلاة والصيام، وكان سبب كثرته الصيام: أن الخطيب كان يخطب يوم الجمعة فيقول: اللهم أصلح عبدك وخليفتك الإِمام الصوام القوام، فقال مجيبا له: والله لا كذبتُكَ، فكان يصوم النهار، ويقوم الليل ولا يمسك من المال إلَّا قوته خاصة وقوت عياله. وفي أيامه غرقت بغداد حتى خرج الماء على الخليفة من تحت سريره، فنهض إلى الباب، فلم يجد طريقًا، فحمله خادم على ظهره حتى أخرجه، وأخذ الخليفة بُردةَ رسولِ الله ﷺ ، فلبسها، ثم أخذ القضيبَ بيده، ووقف يصلي ويتضرع إلى الله تعالى، وهو صائم يومه، ولم يطعم ليلته، ففرج الله عن الناس. وتوفي في ليلة الخميس، ثالث عشر شعبان، سنة سبع وستين وأربع مئة، وعمره أربع وسبعون سنة، وثمانية شهور، وثمانية أيام، وخلافته أربع وأربعون سنة، وثمانية أشهر، ويومان. * * * خلافة المقتدي بأمر الله هو أبو القاسم، عبدُ الله بنُ محمَّد الذخيرة بنِ القائم. بويع له بالخلافة لما توفي القائم، وحضر مؤيدُ الملك بنُ نظام الملك والوزير ابنُ جهير، والشيخ أبو إسحاق الشيرازي، وابن الصباغ، ونقيب النقباء طَرَّاد الزينبي، والقاضي أبو عبد الله الدَّامغاني، وغيرهم من الأعيان، فبايعوا بالخلافة، ولم يكن للقائم ولد ذكر سواه؛ فإن محمَّد بنَ

стр. 415

القائم، وكان يلقب يعني الخليفة ذخيرة الدين، توفي في حياة أبيه القائم. وكان لمحمد بن القائم لما توفي جارية اسمها أرجوان، فلما توفي محمَّد، ورأت أرجوان ما نال القائمَ من المصيبة بانقطاع نسله، ذكرت أنها حامل من محمدٍ ابنِه، فولدت عبد الله المقتدي إلى ستة أشهر من موت محمَّد، فاشتد فرحُ القائم به، وعظُم سروره، فلما بلغ المقتدي الحلمَ، جعله القائمُ وليَّ عهده، وتوفي المقتدي بأمر الله أبو القاسم عبدُ الله فجأة، يوم السبت، خامس عشر المحرم، سنة سبع وثمانين وأربع مئة، وكان عمره ثمانيا وثلاثين سنة، وثمانية أشهر، وأياماً، وخلافته تسع عشرة سنة، وخمسة أشهر، وأمُّه أمُّ ولد أرمنية تسمى: أرجوان، أدركت خلافته، وخلافةَ ابنه المستظهر بالله، وخلافة ابن ابنه المسترشد بالله. وكان المقتدي قوي النفس، عظيم الهمة ﵀. وصلَّى الله على سيدنا محمَّد، وعلى آله وصحبه وسلَّم. * * * خلافة المستظهر بالله هو أبو العباس، أحمدُ بنُ المقتدي بأمر الله. بويع له بالخلافة لما توفي المقتدي، وكان عمره ست عشرة سنة، وشهرين. وفي أيامه، في سنة اثنتين وتسعين وأربع مئة أخذ الفرنج بيت المقدس - على ما يأتي ذكره في ترجمة المستعلي بأمر الله العلوي -.

стр. 416

وتوفي المستظهر بالله في سادس عشر ربيع الآخر سنة اثنتي عشرة وخمس مئة، وكان عمره إحدى وأربعين سنة، وستة أشهر، وأياما، وخلافته خمسًا وعشرين سنة، وثلاثة أشهر ﵀، وعفا عنه -. وصلى الله على سيدنا محمَّد وعلى آله وصحبه وسلم. * * * خلافة المسترشد بالله هو أبو منصور، فضلُ بنُ أحمدَ المستظهرِ. أخذ البيعة على الناس للمسترشد القاضي أبو الحسن الدامغاني لما توفي المستظهر. ثم وقع الحرب بين المسترشد، وبين السلطان مسعود، وسببه: أن جماعة من عسكر مسعود فارقوه مغاضبين، واتصلوا بالخليفة، وهوّنوا عليه قتال السلطان مسعود، فاغتر بكلامهم، وسار من بغداد لقتاله، فصار غالب عسكر الخليفة مع مسعود، وانهزم الباقون، وأُخذ الخليفة أسيراً مع مسعود. ثم سار به من همدان إلى مراغة، وهو معه في خيمة منفردة، وكان اتفق مع الخليفة على مال يحمله الخليفة إليه، وأن لا يعود يخرج من بغداد، واتفق وصول رسول السلطان سنجر أبي مسعود، فركب مسعود لملتقاه، فوثبت الباطنية على المسترشد وهو في تلك الخيمة، فقتلوه، ومثلوا به، فجدعوا أنفه وأذنيه، وقُتل معه نفر من أصحابه.

стр. 417

وكان قتل المسترشد يومَ الأحد، سابع عشر ذي القعدة، سنة تسع وعشرين وخمس مئة، بظاهر مراغة، وكان عمره لما قتل ثلاثا وأربعين سنة، وثلاثة أشهر، وكانت خلافته سبع عشرة سنة، وستة أشهر، وعشرين يوما. وأمُّه أم ولد، وكان فصيحا، حسن الخط، شهما. وفي أيام المسترشد في سنة ثلاث عشرة وخمس مئة ظهر قبر إبراهيم الخليل ﵇، وقبرا ولديه إسحاق ويعقوب بالقرب من بيت المقدس، ورآهم كثير من الناس لم تَبْلَ أجسادُهم، وعندهم في المغارة قناديلُ من ذهب وفضة. ويأتي ذكرُ ذلك في ترجمة الآمر بأحكام الله العلوي. والحمد لله وحده. * * * خلافة الراشد بالله هو أبو جعفر، المنصورُ بنُ المسترشد بالله.- بويع له لما قتل والده، وكان أبوه قد بايع له بولاية العهد في حياته، ثم بعد قتله جُددت له البيعة، في يوم السابع والعشرين من ذي القعدة، سنة تسع وعشرين وخمس مئة، وكتب مسعود إلى بغداد بذلك، فحضر بيعته واحد وعشرون رجلًا من أولاد الخلفاء.

стр. 418

ثم خلع الراشد، وسببه: أنه اتفق مع بعض ملوك الأطراف؛ مثل: عماد الدين زنكي وغيره، على خلاف السلطان مسعود، وطاعة داود ابن السلطان محمود، فلما بلغ مسعودا ذلك, سار إلى بغداد، وحاصرها، فلم يظفر بها، فارتحل، وسار الخليفة الراشدُ من بغداد مع عماد الدين زنكي إلى الموصل، فلما سمع مسعود بمسير الخليفة مع زنكي، سار إلى بغداد، واستقر بها في ذي القعدة، سنة ثلاثين وخمس مئة، وجمع مسعود القضاة وكبراءَ بغداد، وأجمعوا على خلع الراشد؛ بسبب أنه كان قد عاهد مسعودا على أنه لا يقاتله، ومتى خالف ذلك، فقد خلع نفسه، وبسبب أمور كبيرة ارتكبها، فخُلع، وحُكم بفسقه وخلعه. وكانت مدة خلافة الراشد أحدَ عشر شهرًا، واحد عشر يومًا. والحمد لله وحدَه، وصلَّى الله على سيدنا محمَّد، وعلى آله وصحبه وسلَّم. * * * خلافة المقتفي لأمر الله هو أبو عبد الله، محمدُ بن المستظهر. لما خلع الراشد، استشار السلطان مسعود فيمن يقيمه في الخلافة، فوقع الاتفاق على محمَّد بن المستظهر، فأُحضر، وجلس في الميمنة، ودخل إليه السلطان مسعود، وتحالفا، ثم خرج السلطان، وأَحضر الأمراء وأربابَ المناصب، والقضاةَ والفقهاء، وبايعوه، ولقبوه؛ المقتفي لأمر

стр. 419

الله، والمقتفي عمُّ الراشد المذكور، هو والمسترشد ابنا المستظهر وَلِيا الخلافة، وكذلك السفاحُ والمنصورُ أخوان، وكذلك المهدي والرشيدُ أخوان، وكذلك الواثقُ والمتوكل. وأما ثلاثة إخوة ولوا الخلافة، فالأمين، والمأمون، والمعتصم أولادُ الرشيد. وكذلك المكتفي والمقتدر والقاهر بنو المعتضد، والراضي والمتقي والمطيع بنو المقتدر. وأما أربعة إخوة ولوها، فالوليد وسليمان ويزيد وهشام بنو عبد الملك بن مروان، لا يعرف غيرهم. وعُمل محضر بخلع الراشد، وأرسل إلى الموصل، وزاد المقتفي في إقطاع عماد الدين زنكي وألقابه، وأرسل المحضر، فحكم به قاضي القضاة الزينبي بالموصل، وخُطب للمقتفي في الموصل في رجب، سنة إحدى وثلاثين وخمس مئة. وفي سنة خمس وثلاثين وخمس مئة وصل رسولُ السلطان سنجر، ومعه بردةُ النبي ﷺ ، والقضيب، وكانا قد أُخذا من المسترشد، فاعادهما إلى المقتفي. وفي سنة اثنتين وخمسين: خلع المقتفي الخليفة بابَ الكعبة، وعمل عوضه باباً مصفحاً بالفضة المذهبة، وعمل لنفسه من الباب الأول تابوتاً يدفن فيه.

стр. 420

وتوفي المقتفي لأمر الله في ثاني ربيع الأول، سنة خمس وخمسين وخمس مئة بعلة التراقي (١). وكان مولده ثاني ربيع الآخر، سنة تسع وثمانين وأربع مئة، وأُمّه أم ولد. وكانت خلافته أربعا وعشرين سنة، وثلاثة أشهر، وستة عشر يومًا، وكان حسن السيرة، وهو أول من استبدّ بالعراق منفردًا عن سلطان يكون معه، وكان يبذل الأموال العظيمة لأصحاب الأخبار في جميع البلاد، حتى كان لا يفوته منها شيء. وصلَّى الله على سيدنا محمَّد، وعلى آله وصحبه وسلم. * * * خلافة المستنجد بالله هو أبو المظفر، يوسفُ بنُ المقتفي لأمرِ الله محمدٍ، وأمّه أمِّ وَلَد، تدعى طاوس. بويع له لما توفي والده المقتفي، ولقب: المستنجد بالله، ولما بويع المستنجد بالخلافة، بايعه أهله وأقاربه، فمنهم: عمّه أبو طالب، ثم أخوه أبو جعفر بن المقتفي، وكان أكبر من المستنجد بالله، ثم بايعه الوزير ابن هبيرة، وقاضي القضاة، وغيرهم.

стр. 421

وتوفي في تاسع ربيع الآخر، سنة ست وستين وخمس مئة. ومولده مستهل ربيع الآخر، سنة عشر وخمس مئة. وكان أسمر، تام القامة، طويل اللحية. وكان سبب موته: أنه مرض، واشتد مرضه، وكان قد خاف منه أستاذ داره عضدُ الدين أبو الفرج ابن رئيس الرؤساء، وقطب الدين قيماز المقتفوي، وهو حينئذ أكبر أمراء بغداد، فاتفقا ووصيا الطبيب، أن يصف له ما يُهلكه، فوصف له دخول الحمام، فامتنع منه لضعفه؛ ثم إنه دخلها، وأغلق عليه الباب، فمات ﵀. وصلَّى الله على سيدنا محمَّد، وعلى آله وصحبه وسلَّم. * * * خلافة المستضيء بأمر الله هو أبو محمَّد، الحسنُ بن المستنجد بالله. ولما مات المستنجد، أحضر عضدُ الدين وقطب الدين المستضيءَ بأمر الله، وشرطا عليه شروطا: أن يكون عضدُ الدين وزيراً، وابنُه كمال الدين أستاذ الدار، وقطبُ الدين أميرَ العسكر، فأجابهم إلى ذلك. ولم يلِ الخلافة من اسمُه حسن غيرُ الحسن بن علي، والمستضيء، فبايعوه بالخلافة يوم مات أبوه بيعة خاصة، وفي غده بيعة عامة. وكان المستضيء بأمر الله حسنَ السيرة، أطلق كثيرا من المُكُوس،

стр. 422

وكان شديدا على أهل العبث والفساد. وفي أيامه كان انقطاع الدولة الفاطمية من المملكة في أول سنة سبع وستين وخمس مئة - كما يأتي ذكره في ترجمة الملك صلاح الدين يوسف بن أيوب إن شاء الله تعالى -. وتوفي المستضيء في ثاني ذي القعدة، سنة خمس وسبعين وخمس مئة، وأمه أمُّ ولد أرمنية، وكانت خلافته نحو تسع سنين، وسبعة أشهر. وكان مولده سنة ست وثلاثين وخمس مئة. وكان عادلاً، حسن السيرة، وكان قد حكم في دولته ظهير الدين أبو بكر منصور بن نصر المعروف بابن العطار بعد قتل عضد الدين الوزير، والله أعلم. * * * خلافة الناصر لدين الله هو أبو العباس، أحمدُ بنُ المستضيء بأمر الله بنِ المستنجد بالله يوسف بنِ المقتفي محمَّد بنِ المستظهر أحمد بنِ المقتدي عبد الله ابن الأمير ذخيرة الدين محمَّد بنِ القائم عبد الله بن القادر أحمد ابنِ الأمير إسحاق بن المقتدر جعفر بن المعتضد أحمد ابن الأمير الموفق. قيل: اسمه طلحة، وقيل: محمَّد بن المتوكل جعفر بن المعتصم محمَّد بن الرشيد هارون بن المهدي محمَّد بن المنصور عبد الله بن محمَّد ابن علي بن عبد الله ابن عمّ النبي ﷺ العباسِ بن عبد المطلب بن هاشم.

стр. 423

بويع له بالخلافة لما مات المستضيء. قام ظهير الدين بن العطار، وأخذ البيعة لولده الإِمام الناصر لدين الله، ولما استقرت البيعة للإمام الناصر، حكم أُستاذ الدار مجدُ الدين أبو الفضل، فقبض في سابع القعدة على ظهير الدين بن العطار، ونقل إلى التاج، وأخرج ظهير الدين المذكور ميتًا على رأس حمال ليلة الأربعاء، ثاني عشر ذي القعدة، فثارت به العامة، وألقوه عن رأس الحمال، وشدوا في ذكره حبلاً، وسحبوه في البلد، وكانوا يضعون في يده مغرفة يعني: أنها قلم، وقد غمس تلك المغرفة في العذرة ويقولون: وقّع لنا يا مولانا، هذا فعلُهم به مع حُسن سيرته فيهم، وكفِّه عن أموالهم، ثم خُلّص منهم، ودفن. وتوفي الإِمام الناصر لدين الله في أول شوال، سنة اثنتين وعشرين وست مئة. وكانت خلافته نحو سبع وأربعين سنة، وعَمي في آخر عمره، وكان موته بالدوسنطاريا، وكان عمره نحو سبعين سنة، وكان قبيح السيرة في رعيته، ظالماً لهم، خرب في أيامه العراق، وتفرق أهله في البلاد، وكان يتشيع، وكان مُنْصَرِفَ الهمة إلى رمي البندق. وقد نسُب الإِمام الناصر أنه هو الذي كاتب التتر، وأطمعهم في البلاد، بسبب ما كان بينه وبين خوارزم شاه محمَّد بن تكش من العداوة؛ ليشتغل خوارزم شاه بهم عن قصد العراق، والله أعلم.

стр. 424

وصلَّى الله على سيدنا محمَّد، وعلى آله وصحبه وسلَّم. * * * خلافة الظاهر بأمر الله هو أبو نصر، محمدُ ابنُ الإِمام الناصر لدين الله. بويع له لما توفي والده، فأظهر العدل وحسن السيرة، وأزال المكوس، وأخرج المحبسين، وظهر للناس، وكان الناصر ومَنْ قبله لا يظهرون إلا نادرًا. ولم تطل به مدته في الخلافة سوى تسعة أشهر، وتوفي في رابع عشر رجب، سنة ثلاث وعشرين وست مئة. وكان متواضعاً، محسنا إلى الرعية جداً، وأبطل عدة مظالم، منها: أنه كان بخزانة الخليفة صنجة زائدة، يقبضون بها المال، ويعطون بالصنجة التي يتعامل بها الناس، وكان زائد الصنجة في كل دينار حبَّة، فخرج توقيع الخليفة الظاهر بإبطال ذلك، وأولُى: ﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ (١) الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ (٢) وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ﴾ [المطففين: ١ - ٣] وعمل صنجة المخزن مثلَ صنجة المسلمين. وكان مضاددًا لأبيه في كثير من أحواله، منها: أن مدة خلافة أبيه كانت طويلة، ومدة خلافته كانت قصيرة، وكان أبوه متشيعا، وكان الظاهر سُنِّيا، وكان أبوه ظالما جَمَّاعاً للمال، وكان الظاهر في غاية العدل،

стр. 425

وبذل الأموال للمحبوسين على الديون، وللعلماء - رحمه الله تعالى، وعفا عنه -. وصلى الله على سيدنا محمَّد، وعلى آله وصحبه وسلَّم. * * * خلافة المستنصر بالله هو أبو جعفر، المنصورُ بنُ الظاهرِ بأمرِ الله محمَّد. ولي الخلافة لما توفي والده الظاهر، وكان للظاهر ولد آخر يقال له: الخفافي في غاية الشجاعة، وبقي حيًا حتى أخذت التتر بغداد، وقتل مع من قُتل، والمستنصرُ هو الأكبر. ولما تولي الخلافة، سلك في العدل والإحسان مسلكَ أبيه الظاهر، توفي المستنصر بُكْرة الجمعة، لعشرٍ خلون من جمادى الآخرة، سنة أربعين وست مئة، وكانت خلافته سبع عشرة سنة إلا شهرًا. وكان حسنَ السيرة، عادلاً في الرعية، وهو الذي بني المدرسة ببغداد المسماة بالمستنصرية على دجلة من الجانب الشرقي مما يلي دار الخلافة، وجعل لها أوقافا جليلة على أنواع البر ﵀، وعفا عنه -. وصلَّى الله على سيدنا محمَّد، وعلى آله وصحبه وسلَّم. * * *
следующие страницы →