← История

История · id 127698

التاريخ المعتبر في أنباء من غبر

مجير الدين العليمي

Полный текст (1 251 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.

стр. 491

وطرابلس، وأنطاكية، وغيرها من البلاد المجاورة لها، حتى وقعت الأسوار والقلاع، فقام نور الدين محمود بن زنكي في ذلك المقامَ المرضي؛ من تداركها بالعمارة، وإغارته على الفرنج؛ ليشغلهم عن قصد البلاد، وكان الفرنج يخافون من نور الدين خوفاً شديداً لسلاطته عليهم، وهلك تحت الهدم ما لا يحصى. وفي سنة ثمان وخمسين وخمس مئة: كبس الفرنجُ نورَ الدين وهو نازلٌ بعسكره في البقيعة تحت حصن الأكراد، فلم يشعر نور الدين وعسكره إلا وقد أطلَّت عليهم صُلبان الفرنج، وقصدوا خيمة نور الدين، فلسرعة ذلك، ركب نور الدين فرساً، وفي رجله الشجَّة، فنزل إنسان كردي، نقضها، فنجا نور الدين، وقُتل الكردي، فأحسنَ نورُ الدين إلى مخلَّفيه ووقف عليهم الوقوف، وسار نور الدين إلى بحيرة حمص، فنزل عليها، وتلاحقَ به مَنْ سلم من المسلمين. وفي سنة تسع وخمسين: فتح نور الدين قلعة حارم، وأخذها من الفرنج بعد مصافّ جرى بين نور الدين والفرنج، انتصر فيه نور الدين، وقتل وأسر من الفرنج عالما كثيراً، وكان في جملة الأسرى البرنس صاحبُ أنطاكية، والقومصُ صاحبُ طرابلس، وغنم منهم المسلمون شيئاً كثيراً. وفي هذه السنة - أيضًا - في ذي الحجة سار نور الدين إلى بانياس، وفتحها، وكانت بيد الفرنج من سنة ثلاث وأربعين وخمس مئة إلى هذه السنة.

стр. 492

وفي سنة إحدى وستين وخمس مئة: فتح نور الدين حصن المنيطرة من الشام، وكان بيد الفرنج، وفتح صافيتا، والغربية. وفي سنة أربع وستين وخمس مئة: ملك نور الدين قلعة جعبر. ولنور الدين - رحمه الله تعالى - المناقبُ والمآثر والمفاخر ما يستغرق الوصف. ومما روي عنه - رحمه الله تعالى -: أنه اشترى مملوكاً بخمس مئة دينار، جميل الصورة، ودفعه إلى رجل كبير من جماعته كان رباه، ويعرف أموره، وهو واثق به، وأمره أن يُلبسه أفخرَ الملبوس، ويوقفه في الخدمة على العادة، ففعل. ثم أمره أن يصعد به كل يوم، ففعل، ثم أمره في يوم من الأيام أن يطلعه ليلاً، ويبيت معه على باب المكان الذي هو فيه، فأنكر عليه ذلك غايةَ الإنكار، وقال: هذا ما اشترى مملوكاً بمئة دينار أبداً، ونسبه إلى القبيح، وتعجب من ذلك غاية العجب، وقال: الشيطان لعب به، بعد تقدمه في السّن، وعبادته وإخلاصه في العمل والجهاد، وما تقدم منه من الخير، لئن وقع منه به فاحشة، لأقتلنَّه. ثم أخذ كبَّارة، وأصلح رأسها، وحمله إلى المكان الذي ذكره له، وبات عند رأسه ينتظر وقوع ما وقع في نفسه، فلما كان نصف الليل، وإذا بالغلام أخذته الحمى الشديدة إلى طلوع الفجر، ومات من يومه، فبعد دفنه طلب السلطان نورُ الدين الرجل المذكور، وقال له: ما حملك على اتخاذ الكبارة؟ أردت قتلي، والله! إن الموت عندي أهونُ من الوقوع

стр. 493

فيما ظننته بنا، ولكق تعلق بالنفس هوى الغلام المذكور، فاشتريتُه بما تعلم، فطالبتني نفسي برؤيته في كل أسبوع مرة، ففعلت، ثم في كل يوم مرة، ففعلت، ثم طلبت النومَ معه، والدنو منه، لذا أمرتُك بذلك، فلما دخل عليَّ الليل، وأنت وإياه على باب المكان، كشفتُ رأسي، وفتحت يدي، وقلت: إلهي وسيدي! عبدُك محمودٌ المجاهدُ في سبيلك، الذابُّ عن دينِ نبيك، الذي انقضى عمره في الجهاد، وبناء المساجد والمدارس والرُّبُط طلباً لمرضاتك، يختم أعمالَه بذلك؟ ! وبكيت، فإذا بهاتف يقول في: قد كفيناك ذاك يا محمود، فعلمت أن الغلام قد نزل به أمرٌ، وأما أنت، فجزاك الله عني كلَّ خير على قصدك الجميل بي. ورأيت في "تاريخ المدينة الشريفة" للشيخ الإمام الحافظ صدرِ العلماء أقضى القضاة جمالِ الدين أبي عبدِ الله محمدٍ الخزرجيِّ السعديِّ العبادي المدني، عرف بالمطري - تغمده الله برحمته - ما نصُّه: ونقل قاضي القضاة شمسُ الدين بنُ خلكان: أن هذا السور القديم بناه عضد الدولة ابن بُويه بعد الستين وثلاث مئة من الهجرة في خلافة الإمام الطائع لله بن المطيع، ثم تهدم على طول الزمان، وخرب لخراب المدينة، ولم يبق إلا آثاره ورسمه، حتى جدد لها الوزير جمالُ الدين محمدُ بن علي بن أبي منصور الأصبهانيُّ سوراً محكماً حول مسجد رسول الله ﷺ على رأس الأربعين وخمس مئة من الهجرة، ثم كثر الناس من خارج السور، ووصل السلطانُ الملكُ العادل نورُ الدين محمود بن

стр. 494

زنكي بن أقسنقر في سنة سبع وخمسين وخمس مئة إلى المدينة الشريفة، بسبب رؤيا رآها، ذكرها بعض الناس، وسمعتُها من الفقيه عَلَمِ الدين يعقوبَ بن أبي بكر المحترقِ أبوه ليلةَ حريق المسجد، عمَّن حدثه عن أكابر ممن أدرك: أن السلطان محموداً المذكورَ رأى النبيَّ ﷺ ثلاثَ مرات في ليلة واحدة، وهو يقول له في كل واحدة منها: يا محمود! أَنقذني من هذين، ويشير لشخصين أشقَرين تجاهه، فاستحضرَ وزيرَه قبل الصبح، فذكر له ذلك، فقال: هذا أمر حدث في مدينة النبي ﷺ ، ليس له غيرُك، فتجهَّز، وخرج على عَجَل بمقدار ألف راحلة، وما يتبعها من خيل، وغير ذلك، حتى دخل المدينة على غفلة من أهلها، والوزيرُ معه، وزار، وجلس في المسجد لا يدري ما يصنع. فقال له الوزير: أتعرفُ الشخصين إذا رأيتَهما؟ قال: نعم، فطلب الناس علة الصدقة، وفرق عليهم ذهباً كثيراً وفضة، وقال: لا يبقينَّ أحدٌ بالمدينة إلا جاء، فلم يبق إلا رجلان مجاوران من أهل الأندلس، نازلان في الناحية التي تلي قِبْلَة حجرة النبي ﷺ من خارج المسجد، عند دا رآل عمر بن الخطاب ﵁ التي تعرف الآن بدار العشرة، فطلبهما للصدقة، فامتنعا، وقالا: نحن على كفاية، ما نقبل شيئًا، فجدَّ في طلبهما، فجيءَ بهما، فلما رآهما، قال للوزير: هما ذان، فسألهما عن حالهما، وما جاءَ بهما، فقالا: لمجاورة النبي ﷺ ، فقال: اصدُقاني، وتكرر السؤال حتى أفضى إلى معاقبتهما، فأقرا أنهما من النصارى، وأنهما وصلا لكي ينقلا مَنْ في هذه الحجرة الشريفة المقدسة، باتفاق من ملوكهم، ووجدهما قد حفرا نقباً

стр. 495

تحت الأرض من تحت حائط المسجد القبلي، وهما قاصدان إلى جهة الحجرة الشريفة، ويجعلان التراب في بئر عندهما في البيت الذي هما فيه. هكذا حدثني عمَّن حدثه، فضرب أعناقهما عند الشباك الذي في شرقي حجرة النبي ﷺ خارج المسجد، ثم أُحرقا بالنار آخر النهار، وركبَ متوجِّهاً نحو الشام، فصاح به من كان نازلاً خارج السور، واستغاثوا، وطلبوا أن يَبني عليهم سوراً يحفظ أبناءَهم وماشيتهم، فأمر ببناء هذا السور الموجود اليوم، وذلك في سنة ثمان وخمسين، وكتب اسمه على باب البقيع، فهو باق إلى اليوم. انتهى كلام المطري - رحمه الله تعالى -، وقال في تاريخه المذكور قبل ذكر هذه الحادثة: إن تأليفه في آخر سنة أربعين وسبع مئة. وفي "تاريخ المدينة الشريفة" للسيد الشريف نور الدين علي السمهودي: أن الملك العادل نور الدين أمر بإحضار رصاص عظيم، وحفر خندقاً عظيماً إلى الماء حول الحجرة كلها، وأُذيب ذلك الرصاص، وملئ به الخندق، فصار حول الحجرة رصاصاً إلى الماء ﵀، ورضي عنه. وتوفي الملك العادل نور الدين صاحبُ الشام وديار الجزيرة وغير ذلك يوم الأربعاء، حادي عشر شوال، سنة تسع وستين وخمس مئة بعلة الخوانيق بقلعة دمشق المحروسة (١).

стр. 496

ولقِّب بالشهيد؛ لما حصل له في حلقه من الخوانيق، وكذا يقال لأبيه: الشهيد، ويلقب بالقسيم، وكانت الفرنج تقول: القسيم بن القسيم. ونقل عن جماعة من الصوفية ممن يعتمد على قولهم: أنهم دخلوا بلاد القدس للزيارة أيام أخذ الفرنج القدس، فسمعهم يقولون: إن القسيم له مع الله سر؛ فإنه ليس يظفر ويُنصر علينا بكثرة جنده وجيشه، وإنما يظفر علينا وينصر بالدعاء وصلاة الليل. وكان يقول: تعرضت للشهادة غير مرة، فلم يتفق في ذلك، ولو كان فيّ خيرٌ، أو في عند الله قيمة، لرزقنيها، والأعمال بالنية. وقال له يوماً قطبُ الدين النيسابوري: بالله يا مولانا السلطان! لا تخاطر بنفسك؛ فإنك لو قتلتَ نفسك، قتلتَ جميع مَنْ معك، وفسد حال المسلمين، فقال له: اسكت يا قطب الدين، قولُك إساءةُ أدب على الله، ومن هو محمود؟ ! من كان يحفظ الدين والبلاد قبلي غيرُ الله الذي لا إله إلا هو، ومن هو محمود؟ فبكى من كان حاضراً (١). وكان قد شرع يتجهز للدخول إلى مصر لأخذها من صلاح الدين، وكان يريد أن يخلي ابن أخيه سيف الدين غازي بن مودود في الشام قبالة الفرنج، ويسير هو بنفسه إلى مصر، فأتاه أمرُ الله الذي لا مَرَدَّ له (٢). وكان نور الدين أسمر، طويل القامة، ليس له لِحية إلا في حنكه،

стр. 497

حسنَ الصورة، وكان قد اتسع ملكُه جداً، وخُطب له بالحرمين واليمن لما ملكها توران شاه بنُ أيوب، وكذلك كان يُخطب له بمصر، وخُطب له في الدنيا على جميع منابر الإسلام، وبنى السُّبُل والمكاتب، ووقف على الحرمين وعلى عُربان درب الحجاز، وأقطع لهم الإقطاعات؛ كيلا يتعرضوا للحاج، وأكمل سور المدينة الشريفة، وأجرى لها العين التي تأخذ من أُحد عند قبر حمزة ﵁، وطبَّق ذكرُه الأرض بحسن سيرته وعدله. وكان من أهل الزهد والعبادة على قدم عظيم، وكان يصلي كثيراً من الليل. كما قيل: جمع الشجاعة والخشوع لربه ... ما أحسن المحراب في المحراب وكان عارفاً بالفقه على مذهب أبي حنيفة ﵁، وليس عنده فيه تعصُّب، وهو الذي بنى أسوار المدن لما هدمت بالزلازل - كما تقدم -، وبنى المدارس الكثيرة: الشافعية، والحنفية. ومحاسنه كثيرة لا تُحصى، وفضائله لا تُعد ولا تُحد ولا تُستقصى. ولد عند طلوع شمس يوم الأحد، سابع عشر شوال، سنة إحدى عشرة وخمس مئة. ولما مات دفن في بيت القلعة الذي كان يلازم الجلوس فيه، ثم

стр. 498

نقل إلى تربته بمدرسته التي أنشأها عند باب سوق الخواصين، وأهل دمشق يقولون: إن الدعاء عند قبره مستجاب، وقد جرب ذلك، فصح ﵀ وعفا عنه. وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. * * * [ذكر الملك الصالح] إسماعيل ابن السلطان نور الدين الشهيد لما توفي الملك العادل نور الدين، قام ابنه الملك الصالح إسماعيل بالملك بعده، وعمره إحدى عشرة سنة، وحلف له العسكرُ بدمشق، وأقام بها، وأطاعه صلاحُ الدين بمصر، وخطب له بها، وضربت السكَّة باسمه، وكان المتوليَ لتدبيره وتدبير دولته الأميرُ شمس الدين محمد ابن عبد الملك المعروف بابن المقدم. ولما مات نور الدين، وتملك ابنه الملك الصالح، سار من الموصل سيفُ الدين غازي بن قطب الدين مودود بن عماد الدين زنكي، وملكَ جميعَ البلاد الجزرية، واستمر الملكُ الصالح بدمشق إلى أن حضر صلاح الدين يوسف بن أيوب من مصر، وملكَ دمشقَ وحمص وحماة في سلخ ربيع الأول، سنة سبعين وخمس مئة - على ما يأتي شرحه في ترجمته -. فسار الملك الصالح إلى حلب، فتبعه صلاح الدين، ووقع بينهم

стр. 499

وقائع، ثم حصل الصلح، واتفق الحال على أن يكون لصلاح الدين ما بيده من الشام، وللملك الصالح ما بقي بيده، فصالح صلاح الدين على ذلك، ورحل عن حلب في العشر الأول من شوال، سنة سبعين وخمس مئة، واستقر الملك الصالح بحلب إلى حين وفاته، وأخذها عمه العزيز مسعود صاحبُ الموصل، ثم ملكها صلاح الدين، وسنذكر ذلك في ترجمته - إن شاء الله تعالى -. وتوفي الملك الصالح صاحبُ حلب في رجب، سنة سبع وسبعين وخمس مئة، وعمره نحو تسعَ عشرةَ سنة، ولما اشتد به مرض القولنج، وصف له الأطباء الخمر، فمات، ولم يستعمله. وكان حليماً، عفيفَ اليد والفرج واللسان، ملازماً لأمور الدين، لا يعرف له شيء مما يتعاطاه الشباب، ووقع في قلوب الناس بسببه أمر عظيم، وتأسفوا عليه؛ لأنه كان محسناً محمود السيرة ﵀. * * * [ذكر السلطان الناصر صلاح الدين] يوسف بن أيوب وهو أول الملوك في الدولة الأيوبية هو أبو المظفر، يوسفُ بنُ أيوبَ بنِ شادي، صاحبُ الديار المصرية، والبلاد الشامية والفراتية والهيتية. ولد بتكريت في شهور سنة اثنتين وثلاثين وخمس مئة، لما كان أبوه وعمه بها، وكان خروجهم منها في الليلة التي ولد فيها، فتشاءموا

стр. 500

به، وتطيَّروا منه، فقال بعضهم: لعل فيه الخيرة، وما تعلمون. فكان كما قال، ولم يزل صلاح الدين تحت كنف أبيه حتى ترعرع. ولما ملك نورُ الدين محمودُ بن عماد الدين زنكي دمشق في التاريخ المتقدم ذكره في ترجمته، لازم نجمُ الدين أيوبُ خدمته، وكذلك ولدُه صلاحُ الدين يوسف، ولم تزل محامل السعادة عليه لائحة، والنجابة له ملازمة، تقدمه من حالة إلى حالة، ونور الدين يرى له، ويؤثره، ومنه تعلم صلاحُ الدين طرائقَ الخير، وفعلَ المعروف والجهاد. * ذكرُ ملكِ أسدِ الدين مصر: في شهور سنة أربع وستين وخمس مئة ، في ربيع الأول، سار أسد الدين شيركوه بن شادي إلى ديار مصر، ومعه العساكر النورِيَّة، وسبب ذلك: تمكُّن الفرنج من البلاد المصرية، وتحكمهم على المسلمين بها، حتى ملكوا بلبيس قهراً في مستهل صفر من هذه السنة، ونهبوها، وقتلوا أهلها وأسروهم، ثم ساروا من بلبيس، ونزلوا على القاهرة عاشر صفر، وحصروها، فأحرق شاور وزيرُ العاضد مدينةَ مصر، خوفاً أن يملكها الفرنج، وأمر أهلها بالانتقال إلى القاهرة، فبقيت النار تحرقها أربعة وخمسين يوماً. فأرسل العاضد الخليفةُ إلى نور الدين يستغيث به، وأرسل في الكتب شُعورَ النساء، وصانعَ شاوَرُ الفرنجَ على ألف ألف دينار يحملها إليهم، فحمل إليهم مئة ألف دينار، وسألهم أن يرحلوا عن القاهرة؛ ليقدر على جمع المال وحمله، فرحلوا.

стр. 501

وجهَّز نورُ الدين العسكر مع شيركوه، وأنفق فيهم المال، وأعطى شيركوه مئتي ألف دينار، سوى الثياب والدواب وغير ذلك، والأسلحة، وأرسل معه عدة أمراء، منهم: ابن أخيه صلاح الدين يوسفُ بنُ أيوب على كُره منه. أحبَّ نور الدين مسيرَ صلاح الدين، وفيه ذهابُ الملك من بيته، وكره صلاحُ الدين المسيرَ، وفيه سعادتُه وملكُه، ﴿وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ﴾ [البقرة: ٢١٦]. ولما قرب شيركوه من مصر، رحل الفرنج من ديار مصر على أعقابهم إلى بلادهم، فكان هذا لمصر فتحاً جديداً، ووصل أسدُ الدين شيركوه إلى القاهرة في رابع ربيع الآخر، واجتمع بالعاضد، وخلع عليه، وعاد إلى خيامه بالخلعة العاضدية، وأجرى عليه وعلى عساكره الإقامات الوافرة. وشرع شاوَرُ يماطل شيركوه فيما كان بذله لنور الدين من تقرير المال، وإفراد ثلثي البلاد له، ومع ذلك، فكان شاورُ يركب كل يوم إلى أسد الدين شيركوه، ويَعِده، ويمنيه، ﴿وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا﴾ [النساء: ١٢٠]، ثم إن شاور عزم على أن يعمل دعوة لشيركوه وأمرائه، ويقبض عليهم، فمنعه ابنه الكامل بن شاور من ذلك. ولما رأى عسكر نور الدين في شاور ذلك، عزموا على الفتك بشاور، واتفق على ذلك صلاح الدين يوسف، وعز الدين جرديك، وغيرهما، وعَرَّفوا شيركوه بذلك، فنهاهم عنه، واتفق أنَّ شاورَ قصدَ

стр. 502

شيركوه على عادته، فلم يجده في المخيم، وكان قد مضى لزيارة قبر الشافعي ﵁، فلقي صلاحُ الدين وجرديكُ شاورَ، وأعلماه برواح شيركوه إلى زيارة الشافعي، فساروا جميعاً إلى شيركوه، فوثب صلاح الدين وجرديك ومَنْ معهما على شاوَرَ، وألقوه إلى الأرض عن فرسه، وأمسكوه في سابع عشر ربيع الآخر، سنة أربع وستين وخمس مئة، فهرب أصحابه عنه، وأرسلوا أعلموا شيركوه بما فعلوه، فحضر، ولم يمكنه إلا تمام ذلك. وسمع العاضد الخبر، فأرسل إلى شيركوه يطلب منه إنفاذ رأس شاور، فقتله، وأرسل رأسه إلى العاضد، ودخل بعد ذلك شيركوه إلى القصر عند العاضد، فخلع عليه خِلَعَ الوزارة. ولُقِّب: الملكَ المنصورَ أميرَ الجيوش، وسار بالخلع إلى دار الوزارة، وهي التي كان فيها شاوَرُ، واستقر في الأمر، وكُتب له منشور بالإنشاء الفاضلي، أوله - بعد البسملة -: من عبد الله ووليه أبي محمد الإمامِ العاضدِ لدين الله أميرِ المؤمنين إلى السيد الأجلِّ الملكِ المنصورِ سلطانِ الجيوش، وليِّ الأئمة، مجيرِ الأمة أسدِ الدين أبي الحارث شيركوه العاضدي - عَضَدَ الله به الدين، وأمتعَ ببقائه أمير المؤمنين، وأدام قدرته، وأعلى كلمته -. سلام عليك؛ فإنا نحمد إليك اللهَ الذي لا إله إلا هو، ونسأله أن يصلي على محمد خاتم النبيين، وسيّد المرسلين، وعلى آله الطاهرين، والأئمة المهديين، وسلَّم تسليماً كثيراً.

стр. 503

ثم ذكر أمور تفويض الخلافة إليه، ووصايا. وكتب العاضد بخطه على طرة المنشور: هذا عهدٌ لم نعهد لوزير بمثله، فتقلَّدْ أمانةً رآك أميرُ المؤمنين أهلاً لحملها، فخذْ كتاب أمير المؤمنين بقوة، واسحبْ ذيلَ الفخار بأن اعتزتْ خدمتُك إلى بُنُوة النُّبوة. ومدح الشعراءُ أسد الدين، ووصل إليه من الشام مديح العماد الكاتب: بِالجِدِّ أَدْرَكْتَ مَا أَدْرَكْتَ لا اللَّعِبِ ... كَمْ رَاحَةٍ جُنِيَتْ مِنْ دَوْحَةِ التَّعَبِ يَا شِيرْكُوهُ بْنَ شَادِي المُلْكِ دَعْوَةَ مَنْ ... نَادَى فعرف خَيْرَ ابْنٍ لِخَيْرِ أَبِ جَرَى المُلُوكُ وَمَا حَازُوا بِرَكْضِهِمُ ... مِنَ المَدَى في العُلاَ مَا حُزْتَ بِالخَبَبِ تَمَلَّ مِنْ مُلْكِ مِصْرَ رُتْبَةً قَصُرَتْ ... عَنْهَا المُلُوكُ فَطَالَتْ سَائِرَ الرُّتَبِ قَدْ أَمْكَنَتْ أَسَدَ الدِّينِ الفَرِيسَةُ مِنْ ... فَتْحِ البِلاَدِ فَبَادِرْ نَحْوَهَا وَثِبِ وفي شيركوه وقتل شاور يقول عرقلة الدمشقي:

стр. 504

لَقَدْ فَازَ بِالْمُلْكِ العَقِيمِ خَلِيفَةٌ ... لَهُ شِيركُوهُ العَاضدِيُّ وَزِيرُ هُوَ الأَسَدُ الضَّاري الَّذِي جَلَّ خَطْبُهَ ... وَشَاوَرُ كَلْبٌ لِلرِّجَالِ عَقُورُ بَغَى وَطَغَى حَتَّى لَقَدْ قَال صَحْبُهُ ... عَلَى مِثْلِهَا كَانَ اللَّعِينُ يَدُورُ فَلاَ رَحِمَ الرَّحْمَنُ تُرْبَةَ قَبْرِهِ ... وَلاَ زَالَ فِيهَا مُنْكَرٌ وَنكَيرُ وأما الكاملُ بنُ شاور، فلما قُتل أبوه، دخل القصر، فكان آخر العهد به. ولما لم يبق لأسد الدين شيركوه منازعٌ، أتاه أَجله، ﴿حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً﴾ [الأنعام: ٤٤]. وتوفي يوم السبت، الثاني والعشرين من جمادى الآخرة، سنة أربع وستين وخمس مئة، فكانت ولايته شهرين، وخمسة أيام. * * * [ذكر مُلك صلاح الدين مصر] وكان شيركوه وأيوبُ ابنا شادي من بلدْ دُوين، وأصلُهما من

стр. 505

الأكراد، وكانا قصدا العراق، وخدما مهروز شحنة السلجوقية ببغداد، وجعل مهروزُ شيركوه مستحفظاً قلعة تكريت، ثم خدما عمادَ الدين زنكي، ثم ولدَه نور الدين محمود، وبقيا معه إلى أن أرسل شيركوه إلى مصر مرة بعد أخرى حتى ملكها، وتوفي في هذه السنة - على ما ذكرناه -. ولما توفي شيركوه، كان معه صلاحُ الدين يوسفُ ابنُ أخيه أيوبَ ابنِ شادي، وكان قد سار معه على كره. قال صلاح الدين: أمرني نور الدين بالمسير مع عمي شيركوه، وكان قد قال شيركوه بحضرته في: تجهزْ يا يوسفُ، فقلت: والله! لو أُعطيت ملكَ مصر، ما سرت إليها، فلقد قاسيت بالإسكندرية ما لا أنساه أبداً، فقال لنور الدين: لا بدَّ من مسيره معي، فأمرني نورُ الدين، وأنا أستقيل، فقال نور الدين: لا بدَّ من مسيرك مع عمِّك، فشكوتُ الضائقة، فأعطاني ما تجهزتُ به، فكأنما أُساق إلى الموت (١). فلما مات شيركوه، طلب جماعة من الأمراء النورية التقدم على العسكر، وولاية الوزارة العاضدية، منهم: عين الدولة الياروقي، وقطب الدين ينال المنبجي، وسيف الدين عليُّ بنُ أحمد المشطوب الهكاري، وشهاب الدين محمود الحازمي، وهو خال صلاح الدين، فأرسل العاضد، [و] أحضر صلاح الدين، وولاَّه الوزارة، ولقَّبه: الملك الناصر، فلم يُطعه الأمراء المذكورون، وكان مع صلاح الدين الفقيهُ عيسى الهكاري،

стр. 506

فسعى مع المشطوب حتى أماله إلى صلاح الدين، ثم قصد الحازمي، وقال: هذا ابنُ أختك، وعزُّه وملكُه لك، فمال إليه - أيضًا -، ثم فعل بالباقين كذلك، فكلهم أطاع، غير عين الدولة الياروقي؛ فإنه قال: أنا لا أخدم يوسف، وعاد إلى نور الدين بالشام، وتثبت قدمُ صلاح الدين على أنه نائبٌ لنور الدين، يخطب له على المنابر بالديار المصرية. وكتب إليه نورُ الدين يعنفه على قبول الوزارة بدون مرسومه، وأمره أن يقيم حساب الديار المصرية، فلم يلتفت الناصر لذلك، وكان نور الدين يكاتب صلاحَ الدين بالأمير الأسفر سلار، ويكتب علامته على رأس الكتاب؛ تعظيماً عن أن يكتب اسمه، وكان لا يفرده بكتاب، بل إلى الأمير صلاح الدين وكافة الأمراء بالديار المصرية يفعلون كذا وكذا. وأرسل صلاح الدين يطلب من نور الدين أباه أيوبَ وأهلَه؛ ليتم له السّرور، وتكون قضيته مشاكلة لقضية يوسف الصديق ﵇، فأرسلهم إليه نور الدين، فوصل والده إليه في جمادى الآخرة، سنة خمس وستين وخمس مئة، وسلك مع والده من الأدب ما جرت به عادته، وألبسَه الأمرَ كله، فأبى أن يلبسه، وقال: يا ولدي! ما اختارك الله لهذا الأمر إلا وأنت كفؤ له، ولا ينبغي تغيير موضع السعادة، فحكَّمه في الخزائن كلها، ولم يزل وزيراً حتى مات. وكان من إخوة صلاح الدين: شمس الدولة توران شاه بن أيوب، وهو أكبر من صلاح الدين، فلما أراد أن يسيره إلى مصر، قال له نور الدين: إن كنت تنظر إلى أخيك أنه يوسف الذي كان في خدمتك وأنت

стр. 507

قاعد، فلا تَسِرْ؛ فإنك تفسد البلاد، فأحضرك حينئذ، وأعاقبك بما تستحقه، وإن كنت تنظر إليه صاحبَ مصر، وقائماً مقامي تخدمه بنفسك كما تخدمني، فسرْ إليه، واشدُدْ أصره، وساعده على ما هو بصدده، فقال: أفعل معهُ من الخدمة والطاعة ما يتصل بك، فكان معه كما قال. وأعطاهم صلاح الدين الإقطاعات بمصر، فتمكن من البلاد، وضعف أمر العاضد، ولما فوض الأمر إلى صلاح الدين، تاب عن شرب الخمر، وأعرض عن أسباب اللهو، وتقمّص لباس الجدّ، وداوم على ذلك إلى أن توفاه الله تعالى. وفي سنة خمس وستين وخمس مئة: سار الفرنج إلى دمياط، وحصروها، وشحنها صلاح الدين بالرجال والسلاح والذخائر، وأخرج على ذلك أموالاً عظيمة، فحصروها خمسين يوماً، وخرج نور الدين، فأغار على بلادهم بالشام، فرحلوا عائدين على أعقابهم، ولم يظفروا بشيء منها. قال صلاح الدين: ما رأيت أكرمَ من العاضد، أرسل إليَّ مدةَ مقام الفرنج على دمياط ألف ألف دينار مصرية، سوى الثياب وغيرها (١). وفي سنة ست وستين وخمس مئة: سار صلاح الدين عن مصر، فغزا بلاد الفرنج قرب عسقلان والرملة، وعاد إلى مصر، ثم خرج إلى

стр. 508

أيلة، وحصرها، وهي للفرنج على ساحل البحر الشرقي، ونقل إليها المراكب، وحصرها براَّ وَبحراً، وفتحها في العَشر الأول من ربيع الآخر، واستباح أهلها وما فيها، وعاد إلى مصر. ولمّا استقر صلاح الدين بمصر، كان بها دار للشحنة تسمى: دار المعرية يحبس فيها، فهدمها صلاح الدين وبناها مدرسة للشافعية، وكذلك بنى دار العزل مدرسة للشافعية، وعزل قضاة المصريين، وكانوا شيعة ورتب قضاة شافعية، وذلك في العشرين من جمادى الآخرة. وكذلك اشترى تقيُّ الدين عمر ابن أخي صلاح الدين منازل العز، وبناها مدرسة للشافعية. وتوفي القاضي ابن الجلال من أعيان الكتاب المصريين وفضلائهم، وكان صاحب ديوان الإنشاء بها. * ذكر إقامة الخطبة العباسية بمصر، وقُطعت خطبة العاضد لدين الله، وانقرضت الدولة العلوية الفاطمية: وكان سبب الخطبة العباسية بمصر: أنه لما تمكن صلاح الدين من مصر، وحكم على القصر، وأقام فيه قراقوش الأسدي، وكان خصيًّا أبيض، وبلغ نورَ الدين ذلك، أرسل إلى صلاح الدين يأمره حتماً جزماً بقطع خطبة العلويين، وإقامة الخطبة العباسية، فراجعهُ صلاح الدين في ذلك خوفَ الفتنة، فلم يلتفت نور الدين إلى ذلك، وأصرَّ عليه. وكان العاضد قد مرض، فأمر صلاحُ الدين الخطباء أن يخطبوا

стр. 509

للمستضيء، ويقطعوا خطبة العاضد، فامتثلوا ذلك، ولم ينتطح فيها عنزان، وكانت قد قطعت الخطبة لبني العباس من ديار مصر من سنة تسع وخمسين وثلاث مئة في خلافة المطيع العباسي، حين تغلب الفاطميون على مصر أيام المعز الفاطمي باني القاهرة إلى هذا الآن، وذلك مئتا سنة وثمان سنين. وكان العاضد قد اشتد مرضه، فلم يُعلمهُ أحد من أهله بقطع خطبته، فتوفي العاضد يوم عاشوراء، سنة سبع وستين وخمس مئة، ولم يعلم بقطع خطبته. ولما توفي العاضد، جلس صلاح الدين للعزاء، واستولى على قصر الخلافة، وعلى جميع ما فيه، وكان كثرتهُ تخرج عن الإحصاء، وكان فيه أشياء نفيسة من الأعلاق المثمنة، والكتب والتحف، فمن ذلك الحبل الياقوت، وكان وزنهُ سبعةَ عشرَ درهماً، أو سبعةَ عشرَ مثقالاً. وقيل: أنه كان بالقصر طبلٌ للقولنج، إذا ضرب الإنسان به، شرط، فكسر، ولم يعلموا به إلا بعد ذلك. ونقل صلاح الدين أهل العاضد إلى موضع من القصر، ووكل بهم من يحفظهم، وأخرج جميع من فيه من عبد وأمة، فباع البعض، وعتق البعض، ووهب البعض، وخلا القصر من سكانه كأن لم يغن بالأمس. ولما اشتد مرض العاضد، أرسل إلى صلاح الدين يستدعيه، فظن ذلك خديعة، فلم يمض إليه، فلما توفي، علم صدقه، فندم؛ لتخلفه عنه.

стр. 510

ولما وصل خبر الخطبة العباسية بمصر إلى بغداد، ضربت لها البشائر عدة أيام، وسيرت الخلع مع عماد الدين صندل، وهو من خواص الخدم المقتفوية إلى نور الدين، وصلاح الدين، والخطباء، وسيرت الأعلام السود. وجرى بين نور الدين وصلاح الدين [من] الوحشة في الباطن: وكان الحادث: أن نور الدين أرسل إلى صلاح الدين يأمره أن يجمع العساكر المصرية، ويسير بها إلى الفرنج، والنزول على الكرك، ويحاصره؛ ليجمع هو - أيضًا -، عساكره ويسير إليه، ويجتمعا هناك على حرب الفرنج، والاستيلاء على بلادهم. فبرز صلاح الدين من القاهرة في العشرين من المحرم، سنة سبع وستين وخمس مئة، وكتب إلى نور الدين يعرفه أن رحيله لا يتأخر، وكان نور الدين قد جمع عساكره، وتجهز، وأقام ينتظر ورود الخبر من صلاح الدين برحيله ليرحل. فلما أتاه الخبر بذلك، رحل عن دمشق عازماً على قصد الكرك، فوصل إليه، وأقام ينتظر وصول صلاح الدين إليه، فأتى منه كتابه يعتذر فيه عن الوصول باختلال البلاد، وأنه يخاف عليها من البعد عنها، فعاد إليها، فلم يقبل نور الدين عذره. وكان سبب تقاعده: أن أصحابه وخواصه خَوَّفوه من الاجتماع بنور الدين، فحيث لم يمتثل أمر نور الدين، شق ذلك عليه، وعظم عنده،

стр. 511

وعزم على الدخول إلى مصر، وإخراج صلاح الدين عنها، فبلغ صلاحَ الدين الخبر، فجمع أهله، وفيهم والده نجمُ الدين أيوب، وخاله شهابُ الدين الحازمي، ومعهم سائر الأمراء، فأعلمهم ما بلغه عن نور الدين، وعزمه على قصده، وأخذِ مصر منهُ، واستشارهم، فلم يجبهُ أحد منهم بشيء، فقام تقيُّ الدين عمر ابن أخي صلاح الدين، وقال: إذا جاءنا، قاتلناه، وصددناه عن البلاد، ووافقه غيرُه من أهله، فشتمهم نجم الدين أيوب، وأنكر عليهم ذلك، واستعظمه، وكان ذا رأي وفكر وعقل، وقال لتقي الدين: اقعد، وشتمه وسبه، وقال لصلاح الدين: أنا أبوك، وهذا شهاب الدين خالك، انظر لعل في هؤلاء من يحبك مثلنا، ويريد لك الخير مثلنا؟ قال: لا، فقال: والله! لو رأيت أنا وخالك هذا نورَ الدين، لم يمكنا إلا الترجُّلُ له، وتقبيل الأرض بين يديه، ولو أمرنا أن نضرب عنقَك بالسيف، لفعلنا، فإذا كنا نحن هكذا، فكيف يكون غيرنا؟ وكل من تراه من الأمراء والعساكر لو رأى نورَ الدين وجده، لم يتجاسر على الثبات في سرجه، وما وسعه إلا النزولُ وتقبيل الأرض بين يديه، وهذه البلاد له، وقد أقامك فيها، وإن أراد عزلك، فأي حاجة له إلى المجيء بنفسه يأمرك بكتاب مع نجاب حتى تقصد خدمته، ويولي بلاده من يريد. وقال للجماعة كلهم: قوموا عنا، ونحن مماليكُ نور الدين وعبيدُه، يفعل بنا ما يريد، فتفرقوا على هذا، وكتب أكثرهم إلى نور الدين يعلمه بالخبر.

стр. 512

ولمَّا خلا نجمُ الدين أيوب بولده صلاح الدين، قال له: أنت جاهل قليل المعرفة، تجمع هذا الجمع الكثير، وتطلعهم على ما [في] نفسك! فإذا سمع نور الدين أنك عازم على منعه البلاد، جعلك أهم الأمور إليه، وأولاها بالقصد، فلو قصدك، لم تر معك أحداً من هذا العسكر، وكانوا يسلموك إليه، وأمّا الآن بعد هذا المجلس، فسيكتبون إليه، ويعرفونه قولي، فتكتب إليه أنت، وترسل في المعنى، وتقول: أي حاجة إلى قصدي يجيء نجاب يأخذني بحبل في عنقي، فهو إذا سمع هذا، عدل عن قصدك، واستعمل ما هو أهم عنده، والأيام تندرج، والله كلَّ يوم هو في شأن. ففعل صلاح الدين ما أشار به والده، فلما رأى نور الدين الأمر هكذا، عدل عن قصده، وكان الأمر كما ذكر نجم الدين والدُه، ومات نورُ الدين ولم يقصده، وهذا كان من أحسن الآراء وأجودها (١). وفي سنة ثمان وستين وخمس مئة: سار صلاح الدين من مصر إلى الكرك، وحصرها، وكان قد وعد نورَ الدين أن يجتمعا على الكرك، وسار نور الدين من دمشق حتى وصل إلى الرقيم، وهو بالقرب من الكرك، فخاف صلاح الدين من الاجتماع بنور الدين، فرحل عن الكرك عائداً إلى مصر، وأرسل تحفاً إلى نور الدين، واعتذر أن أباه أيوبَ مريض، ويخشى أن يموت، فتذهب مصر، فقبل نور الدين عذره في

стр. 513

الظاهر، وعلم المقصود. ولما وصل صلاح الدين إلى مصر، وجد أباه أيوب قد مات، وكان سبب موته: أنه ركب بمصر، فنفرت به فرسه، فوقع، وحُمِل إلى قصره، وبقي أياماً، ومات في السابع والعشرين من ذي الحجة، سنة ثمان وستين وخمس مئة. وكان أيوب خيِّراً عاقلاً، حسن السيرة، كريماً، كثير الإحسان، وكان يُلَقَّب نجم الدين أبو شاكر أيوب ﵀، وعفا عنه - ودفن إلى جانب أخيه شيركوه، ثم نُقلا بعد سنتين إلى المدينة الشريفة - على ساكنها الصلاة والسلام -. وفي سنة تسع وستين وخمس مئة: وكان صلاح الدين وأهله خائفين من نور الدين، فاتفق رأيهم على تحصيل مملكة غير مصر؛ بحيث إن قصدهم نور الدين، قاتلوه، فإن هزمهم، التجؤوا إلى تلك المملكة، فجهز صلاح الدين أخاه توران شاه إلى النوبة، فلم تعجبهم بلادها. ثم سيَّره في هذه السنة بعسكر إلى اليمن، وكان صاحبها عبد النبي، فجرى بينهما قتال، وانتصر توران شاه، وهزم عبد النبي، وهجم زَبيد، وملكها، وأسر عبد النبي، ثم قصد عدن، فملكها، واستولى على بلاد اليمن، واستقرت في ملك صلاح الدين. وفي هذه السنة صَلب صلاح الدين جماعة من المصريين، وقتلهم؛ فإنهم قصدوا الوثوب عليه، وإعادة الدولة العلوية، طلبهم، وصلبهم

стр. 514

عن آخرهم، منهم: عبد الصمد الكاتب، والقاضي العويرس، وداعي الدعاة، وعمارة بن علي اليمني الشاعر الفقيه، وغيرهم من أعيان المصريين. وفي هذه السنة: توفي الملك العادل نور الدين - رحمه الله تعالى - كما تقدّم في ترجمتهِ. وخَلَفه بعده في الملك ولدُه الملكُ الصالح إسماعيل - كما تقدّم في ترجمته أيضًا -، فقصد الملك صلاحُ الدين دمشق، وكان الملك الصالح قد توجه لحلب؛ ليكون مقامه بها، فلما وصل صلاح الدين إلى دمشق، خرج كلُّ مَنْ بها من العسكر، والتقوه وخدموه، ونزل بدار والده المعروفة بدار العقيقي، وعصت عليه القلعة، وكان فيها من جهة الملك الصالح خادم يسمى: ريحان، فراسله صلاح الدين، واستماله، فسلم القلعة إليه، فصعد إليها صلاح الدين، وأخذ ما فيها، وثبت قدمه، وقرر أمر دمشق، وكان دخوله إليها في سلخ ربيع الأول، سنة سبعين وخمس مئة. وسار إلى حمص في مستهل جمادى الأولى، وملكها في حادي عشر جمادى الأولى، ورحل إلى حماة، فملك مدينتها في مستهل جمادى الآخرة، وكان بقلعتها الأمير جرديك أحدُ المماليك النورية، فامتنع في القلعة، فذكر له صلاح الدين أنهُ ليس لنا غرض سوى حفظ بلاد الملك الصالح عليه، وإنما هو نائبهُ، ثم مَلَكَ القلعة. ثم سار صلاح الدين إلى حلب، وحصرها، وبها الملك الصالح

стр. 515

ابن نور الدين، فجمعَ أهلَ حلب، وقاتلوا صلاح الدين، وصدّوه عن حلب، واستمر صلاح الدين محاصراً لحلب إلى مستهل رجب، ورحل عنها بسبب نزول الفرنج على حمص، ووصل صلاحُ الدين إلى حماة ثامن رجب، وسار إلى حمص، فرحل الفرنجُ عنها، ثم سار إلى بعلبك، فملكها. فلما تمَّ ملكُ صلاح الدين لهذه البلاد، أرسل الملكُ الصالح إلى ابن عمه سيف الدين غازي صاحبِ الموصل يستنجده على صلاح الدين، فجهَّز جيشاً صحبة أخيه عز الدين مسعود، وانضم إليهم عسكر حلب، وساروا إلى صلاح الدين، فأرسل صلاح الدين يبذل حمص وحماة، وأن تُقر بيده دمشق، ويكون فيها نائباً للملك الصالح، فلم يجيبوه إلى ذلك، وساروا إلى قتاله، واقتتلوا عند قرون حماة، فانهزم عسكر الموصل وحلب، وغَنِمَ صلاح الدين وعسكره أموالهم، وتبعهم حتى حصرهم في حلب، وقطع صلاح الدين حينئذ خطبة الملك الصالح ابن نور الدين، وأزال اسمه عن السكة، واستبدَّ بالسلطنة، فراسلوا صلاح الدين في الصلح، على أن يكون له ما بيده من الشام، وللملك الصالح ما بقي بيده منه، فصالحهم على ذلك، ورحل عن حلب في العشر الأول من شوال، سنة سبعين وخمس مئة. ثم غزا صلاح الدين قلعة بازين، وأخذها من صابها، وملك بزاعة، وتسلمها، ثم سار إلى مَنْبج، فحصرها، وفتحها عَنوة. ثم عاد صلاح الدين إلى مصر، فوصل إليها في سنة اثنتين وسبعين

стр. 516

وخمس مئة، وأمر ببناء السور على مصر والقاهرة، والقلعة التي على جبل المقطَّم، ودور ذلك تسعة وعشرون ألف ذراع، وثلاث مئة ذراع بالذراع الهاشمي، ولم يزل العمل فيه إلى أن مات صلاح الدين. وفي هذه السنة أمر صلاح الدين ببناء المدرسة التي على قبر الشافعي بالقرافة بمصر، وعمل بالقاهرة بيمارستان (١). وفي سنة ثلاث وسبعين وخمس مئة: في جمادى الأولى، سار السلطان صلاح الدين من مصر إلى ساحل الشام لغزو الفرنج، فوصل إلى عسقلان في الرابع والعشرين من الشهر، فنهب، وتفرق عسكره في الإغارة، وبقي السلطان في بعض العسكر، فلم يشعر إلا بالفرنج قد طلعت عليه، فقاتلهم أشدَّ قتال، فمضى منهزماً إلى مصر على البرية، وأخذت الفرنج العسكر الذين تفرقوا، وأُسر الفقيه عيسى، وكان من أكبر أصحاب السلطان صلاح الدين، فافتداه من الأسر بعد سنتين بستين ألف دينار، ووصل السلطان إلى القاهرة في نصف جمادى الآخرة. وسار الفرنج، وحصروا حماة في جمادى الأولى، وطمعوا بسبب بُعد السلطان بمصر وهزيمته، ثم جد المسلمون في القتال حتى رحل الفرنج من مدينة حماة. وفي سنة سبع وسبعين وخمس مئة: توفي الملك الصالح إسماعيل ابن نور الدين صاحبُ حلب، وأوصى بملك حلب إلى عمه عز الدين

стр. 517

مسعود، فاستقر به، ثم استقر بحلب عماد الدين زنكي بن مودود صاحبُ سنجار، واستقر مسعود بسنجار بتراضيهما. ثم في سنة ثمان وسبعين وخمس مئة: في خامس المحرم، سار الملك صلاح الدين عن مصر إلى الشام. ومن عجيب الاتفاق: أنه لما سار، برز من القاهرة، وخرجت أعيان الناس لوداعه، أخذ كل منهم يقول شيئاً في الوداع وفراقه، وفي الحاضرين معلِّم لبعض أولاد السلطان، فخرج من بين الحاضرين وأنشد: تَمَتَّعْ مِنْ شَمِيمِ عَرَارِ نَجْدٍ ... فَمَا بَعْدَ العَشِيَّةِ مِنْ عَرَارِ فتطير صلاحُ الدين، وانقبض بعد انبساطه، وتنكَّد المجلس على الحاضرين، فلم يَعُدْ صلاح الدين بعدها إلى مصر طولَ المدة. وسار صلاح الدين في طريقه على بلاد الفرنج، وغنم، ووصل إلى دمشق في حادي عشر صفر من السنة المذكورة. * ذكر ما وقع للسلطان صلاح الدين بعد وصوله إلى دمشق في هذه السنة: سار السلطان صلاح الدين من دمشق في ربيع الأول، ونزل قرب طبرية، وسَيَّر الإغارةَ على بلاد الفرنج؛ مثل: بَيسان، وجنين، والغور، فغنم، وقَتل، وعاد إلى دمشق. ثم سار إلى بيروت، وحصرها، وأغار على بلادها، ثم عاد إلى دمشق.

стр. 518

ثم سار إلى بلاد الجزرية، وعبر الفرات من البيرة، ونازل الرها، وحصرها، وملكها. ثم سار إلى الرقة، وأخذها من صاحبها. ثم سار إلى الخابور، وملك فرقيسا، وماليسين، وعريان، والجابور. ثم سار إلى نصيبين، وحاصرها، وملك المدينة والقلعة، ثم حاصر سنجار، وملكها. وفي سنة تسع وسبعين وخمس مئة: ملك السلطان صلاح الدين حصن آمد بعد قتال وحصار في العشر الأول من المحرم. ثم سار إلى الشام، وقصد تلَّ خالد من أعمال حلب، وملكها. ثم سار إلى عين تاب، وحصرها وملكها، بتسليم صاحبها. ثم سار إلى حلب، وحصرها، وبها صاحبها عمادُ الدين زنكي بن مودود بن عماد الدين زنكي بن أَقْسنقر، فأجاب السلطانَ صلاح الدين إلى تسليم حلب، على أن يعوض عنها سنجار، ونصيبين، والخابور، والرقة، وسروج، واتفقوا على ذلك، وسلم حلب إلى السلطان في صفر من هذه السنة، فكان يُنادي (١) أهل حلب على عماد الدين زنكي المذكور: يا حمار، بعتَ حلب بسنجار!

стр. 519

ومن عجيب الاتفاق: أن محيي الدين بن الزكي قاضي دمشق مدح السلطان بقصيدة، منها: وَفَتْحُكُمْ حَلَباً بِالسَّيْفِ فِي صفَرٍ ... مُبَشّرٌ بِفُتُوحِ القُدْسِ فِي رَجَبِ فكان فتحُ القدس في رجب، سنة ثلاث وثمانين وخمس مئة. ولما فرغ السلطان من تقرير أمر حلب، جعل فيها ولدَه الملكَ الظاهر غازي. ثم تجهز إلى الكرك، وأرسل إلى نائبه بمصر، وهو أخوه الملك العادل أبو بكر أن يلاقيه إلى الكرك، فسار إليها، ثم رحل عنها في منتصف شعبان. وأرسل السلطانُ ابنَ أخيه الملكَ المظفر تقيَّ الدين عمر إلى مصر نائبا عنه موضعَ الملك العادل، وأعطى أخاه أبا بكر العادلَ مدينة حلب وقلعتَها وأعمالها، وأحضر ولده الظاهر منها إلى دمشق. ثم في سنة ثمانين وخمس مئة: غزا السلطان الكَرَك، وضيَّق على من به، وملك رَبَضَ الكرك، وبقيت القلعة، وحصل بين المسلمين والفرنج القتال، فرحل عنها، وسار إلى نابلس، وأحرقها، ونهب ما بتلك النواحي، وقتل وأسر وسبى، وعاد إلى دمشق. وفي سنة إحدى ثمانين وخمس مئة: ملك السلطان صلاح الدين مَيَّا فارقين.

стр. 520

وفي سنة اثنتين وثمانين وخمس مئة: أحضر السلطان ولدَه الملك الأفضل من مصر، وأقطعه دمشق، ثم أحضر أخاه العادل من حلب، وجعل ولدَه العزيزَ عثمان نائباً عنه بمصر، واستدعى تقيَّ الدين من مصر، وزاده على حماة: منبج، والمعرَّة، وكفر طاب، وميَّا فارقين، وجبل جوز بجميع أعمالها، واستقر العزيز عثمان والعادل في مصر، ولما أخذ السلطان حلب من أخيه العادل، أقطعه عوضها حرانَ، والرها. ثم دخلت سنة ثلاث وثمانين وخمس مئة: * ذكر غزوات السلطان الملك الناصر صلاح الدين وفتوحاته في هذه السنة: جمع السلطان العساكر، وسار بفرقة من العسكر، وضايق الكرك؛ خوفاً على الحاجِّ من صاحب الكَرَك، وأرسل فرقة أخرى مع ولده الملكِ الأفضل، فأغاروا على بلد عكا وتلك النواحي، وغنموا شيئاً كثيراً، ثم سار السلطان، ونزل على طبريَّة، وحصر مدينتها، وفتحها عنوة بالسيف، وأخرب القلعة. * ذكر وقعة حطين: وهي الوقعة العظيمة التي فتح الله بها الساحل، وذلك أنه لما فتح السلطان مدينة طبرية، اجتمع الفرنج في ملوكهم بفارسهم وراجلهم، وساروا إلى السلطان، فركب السلطان من عند طبرية وسار إليهم يوم السبت، لخمسٍ بقين من ربيع الآخر، والتقى الجمعان، واشتد بهم

стр. 521

القتال، ونصر الله المسلمين، وأحدقوا بالفرنج من كل ناحية، وأبادهم قتلاً وأسراً، وما أصيب الفرنج من حين خرجوا إلى الشام في سنة إحدى وتسعين وأربع مئة وإلى الآن بمصيبة مثل هذه الوقعة. ثم عاد السلطان إلى طبرية، وفتح قلعتها بالأمان، ثم فتح عكا بالأمان، ثم أرسل أخاه الملك العادل، فنازل مجدل يابا (١)، وفتحها عنوة بالسيف، ثم فرق السلطان عسكره، ففتحوا الناصرة، وقيسارية، وحيفا، وصفورية، ومعلثا، والفُولة، وغيرها من البلاد، وغنموا وقتلوا وأسروا. وأرسل فرقة إلى نابلس، فملكوا قلعتها بالأمان. ثم أرسل الملك العادل إلى يافا، وفتحها عنوة بالسيف، ثم سار إلى صيدا، فأخلاها صاحبُها، وتسلمها السلطان ساعةَ وصوله، لتسع بقين من جمادى الأولى. ثم سار إلى بيروت، فحصرها، وتسلَّمها في التاسع والعشرين (٢) جمادى الأولى بالأمان، وتسلم جبيل، وأطلق صاحبَها، ولم تك عاقبةُ إطلاقه حميدة؛ فإنه كان من أعظم الفرنج، وأشدِّهم عداوة للمسلمين. ثم سار السلطان إلى عسقلان، وحاصرها أربعة عشر يوماً، وتسلمها بالأمان سلخ جمادى الآخرة.

стр. 522

ثم بث السلطان عسكره، ففتحوا الرملة، والداروم، وغزة، وبيت لحم، وبيت جبريل، والبطرون، وغير ذلك. ثم سار السلطان، ونازل القدس، وبه من النصارى عددٌ يفوت الحصر، وضايق السلطان السور بالنقَّابين، واشتد القتال، وعلَّقوا الستور، وطلب الفرنج الأمان، فلم يجبهم السلطان إلى ذلك، وقال: لا آخذها إلا بالسيف، مثل ما أخذها الفرنج من المسلمين، فعاودوه في الأمان، وعرَّفوه ما هم عليه من الكثرة، وأنهم إن أيسوا من الأمان، قاتلوا خلاف ذلك، فأجابهم السلطان إليه بشرط أن يؤدي كلُّ من بها عشرة دنانير عشرة دنانير من الرجال، وتؤدي النساء خمسة خمسة، ويؤدى عن الطفل دينارين، وأي من عَجَز عن الأداء كان أسيراً، فأجيب إلى ذلك، وسلِّمت إليه المدينة يوم الجمعة، في السابع والعشرين من رجب، سنة ثلاث وثمانين وخمس مئة، وكان يوماً مشهوداً، ورفعت الأعلام الإسلامية على أسواره، ورتب السلطان على أبواب البلد من يقبض منهم المال المذكور. وكان على رأس قبة الصخرة صليب كبير مُذَهَّب، وتسلق المسلمون وقلعوه، فسُمع لذلك ضجة لم يُعهد مثلُها من المسلمين للفرح والسرور. وكان بيت المقدس في أيدي الفرنج من يوم الجمعة، لسبعٍ بقين من شعبان، سنة اثنتين وتسعين وأربع مئة - كما تقدم في ترجمة المستعلي بأمر الله العلوي صاحب مصر - وكان الفرنج قد عملوا في غربي الجامع الأقصى هرباً ومستراحاً، فأمر السلطان بإزالة ذلك، وإعادة الجامع إلى ما كان عليه.

стр. 523

وكان الملك العادل نور الدين الشهيد قد عمل منبراً بحلب، وتعب عليه مدة، وقال: هذا لأجل القدس الشريف، فأرسل السلطان صلاح الدين [مَنْ] أحضر المنبر من حلب، وجعله في الجامع الأقصى. وأقام السلطان بعد فتوح القدس بظاهره إلى الخامس والعشرين من شعبان، يرتب أمور البلد وأحواله، وتقدم بعمل الربُط والمدارس الشافعية. ثم رحل السلطان إلى عكا، ثم إلى صور، وحاصرها، وطال الحصار، فرحل السلطان، وأقام بعكا، وأعطى العساكر الدستور، فسار كل واحد إلى بلده، وبقي السلطان بعكا، وأرسل إلى هوبين، ففتحها بالأمان. وفي سنة أربع وثمانين وخمس مئة: شنَّ الغارات على بلاد الفرنج، وسار إلى جَبْلة، وتسلَّمها، وسار إلى اللاذقية، ولها قلعتان، فتسلم القلعتين، ثم سار إلى صِهْيَون، فتسلمها بالأمان، ثم فرق عساكره، فملكوا حصن بلاطنس، وحصن العبد، وحصن الجماهرتين، ثم سار إلى قلعة بكاس، وأخذها، وهدم الحصن، ثم سار إلى برزية، وملكها بالسيف، وسبى وأسر، وقتل أهلها، ثم سار إلى دربساك، وتسلمها بالأمان، ثم سار إلى بغراس، وتسلمها بالأمان، وأخذ أنطاكية، وكان صاحبها أعظم ملوك الفرنج، وأهل طرابلس سلموها إليه، وأرسل أهلُ الكرك يطلبون الأمان، وكان خَلَّى أخاه الملك العادل في تلك الجهات،

стр. 524

فأمر الملكُ العادل المباشرين لحصارها بتسلمها (١)، فتسلموا الكرك، والشوبك، وما بتلك الجهات من البلاد. ثم سار السلطان من دمشق إلى صفد، فحصرها، وتسلمها بالأمان، ثم سار إلى كوكب، وتسلمها بالأمان. ثم سار السلطان إلى القدس، فعيَّد فيه عيد الأضحى، ثم سار إلى عكا، فأقام بها حتى انسلخت السنة. ثم وقع للسلطان بعد ذلك غزوات ووقعات مع الفرنج يطول شرحها. وفي سنة سبع وثمانين وخمس مئة: رأى السلطان تخريب عسقلان مصلحة؛ لئلا يأخذها الفرنج، فسار إليها، وأخلاها، وأخربها، فدكها إلى الأرض، ثم رحل عنها ثاني عشر رمضان إلى الرملة، فخرب حصنها، وخرب كنيسة لُدّ، ثم سار إلى القدس، وقرر أموره، وعاد إلى مخيمه بالبطرون، ثم سار إلى القدس، لسبع بقين من ذي القعدة، ونزل داخل البلد، واستراحوا مما كانوا فيه، وأخذ السلطان في تعمير القدس وتحصينه، وأمر العسكر بنقل الحجارة، وكان السلطان ينقل الحجارة بنفسه على فرسه؛ ليقتدي به العسكر، فكان يُجمع عند العمال (٢) في اليوم الواحد ما يكفيهم لعدة أيام.

стр. 525

وتوفي تقيُّ الدين عمر بن شاهنشاه بن أيوب في بلاد الأكراد، في يوم الجمعة، لإحدى عشرة ليلة بقيت من رمضان، سنة سبع وثمانين وخمس مئة، فأخفى ولدُه المنصور وفاته، ووصل به إلى حماة، ودفنه بظاهرها، واتفق أن في ليلة تلك الجمعة توفي حسام الدين محمد بن عمر بن لاجين، وأمُّه ستُّ الشام بنتُ أيوب أختُ السلطان، فأصيب السلطان في تاريخ واحد بابن أخيه، وابن أخته، واستقر الملك المنصور بيده حماة بشفاعة الملك العادل. وفي سنة ثمان وثمانين وخمس مئة: سار الفرنج إلى عسقلان، وشرعوا في عمارتها في المحرم، والسلطان بالقدس، ثم حصل الصلح والمهادنة بين السلطان وبين الفرنج بسفارة جماعة من أعيان جماعة السلطان، وعقدت هدنة عامة في البحر والبر، وجُعلت مدتها ثلاث سنين وثلاثة أشهر، أولها أيلول الموافق لحادي وعشرين شعبان. وكانت الهدنة على أن يستقر بيد الفرنج يافا وعملها، وقيسارية، وأرسوف، وعكا، وأعمال ذلك، وأن تكون عسقلان خراباً، واشترط السلطان دخول بلاد الإسماعيلية في عقد هدنته، واشترط الفرنج دخول صاحب أنطاكية وطرابلس في عقد هدنتهم، وأن تكون لُدّ والرمْلَة مناصفة بينهم وبين المسلمين، فاستقرت القاعدة على ذلك. ثم رحل السلطان إلى القدس، في رابع شهر رمضان، وتفقد أحواله، وأمر بتشييد أسواره، وزاد في وقف المدرسة التي عملها

стр. 526

بالقدس، وهذه المدرسة كانت قبل الإسلام تعرف بصندحَنَّة، يذكرون أن فيها قبر حَنَّة أُمِّ مريم، صارت في الإسلام دارَ عِلم، وهي المعروفة بالمدرسة الصلاحية، بالقرب من باب الأسباط، وله بالقدس - أيضًا - خانقاه، وهي المعروفة بدار البطرك، مركبة على ظهر كنيسة قمامة، وبيمارستان بالقرب من قمامة، وغير ذلك من الأوقاف والخيرات. ثم رحل السلطان عن القدس؛ لخمسٍ مضين من شوال، ودخل إلى دمشق يوم الأربعاء، لخمس بقين من شوال، سنة ثمان وثمانين وخمس مئة، وفرح الناس به؛ لأن غيبته كانت عنهم مدة أربع سنين، وأقام العدل والإحسان بدمشق، وفرق العساكر، وودَّعه أقاربه، وتوجه كل إلى وطنه. ومحاسن السلطان صلاح الدين ﵀ ومناقبه كثيرة لا يمكن حصرها. * ذكر وفاة السلطان صلاح الدين وبعض سيرته: فحصل للسلطان توعُّك، وهو أنه لحقه ليلةَ السبت سادس عشر صفر كسلٌ عظيم، وغشيه نصفَ الليل حُمَّى صفراوية، وأخذ المرض في التزايد، وحدث به في السابع رعشة، وغاب ذهنه، واشتد الإرجاف في البلد، وغشي الناسَ من الحزن والبكاء عليه ما لا يمكن شرحه، واشتد به المرض ليلة الثاني عشر من مرضه، وهي ليلة السابع والعشرين من صفر، وتوفي السلطان في الليلة المذكورة، وهي المسفِرة عن نهار

стр. 527

الأربعاء سنة تسع وثمانين وخمس مئة، بعدَ صلاة الصبح. وغسله الفقيه الدولعي خطيبُ دمشق، وأُخرج بعد صلاة الظهر من نهار الأربعاء المذكور في تابوت مسجًّى بثوب، وجميع ما احتاجه من الثياب في تكفينه، أحضره القاضي الفاضل من جهة حِلّ عَرَفَه، وصلى عليه الناس، ودفن في قلعة دمشق، في الدار التي كان مريضاً فيها، وكان نزوله إلى قبره وقت صلاة العصر من النهار المذكور. وأرسل الملك الأفضل الكتبَ بوفاة والده إلى أخيه العزيز عثمان بمصر، وإلى أخيه الظاهر غازي بحلب، وإلى عمه العادل أبي بكر بالكرك. ثم إن الملك الأفضل عمل لوالده تربة قرب الجامع، وكانت داراً لرجل صالح، ونقل إليها السلطان يوم عاشوراء، سنة اثنتين [وتسعين] وخمس مئة، ومشى الأفضل بين يدي تابوته، وأخرج من باب القلعة على دار الحديث إلى باب البريد، وأُدخل الجامع، ووضع قُدَّام النَّسْر، وصلى عليه القاضي محيي الدين ابن القاضي زكي الدين، ثم دفن، وجلس ابنه الملكُ الأفضل في الجامع ثلاثة أيام للعزاء، وأنفقت ستُّ الشام بنتُ أيوبَ أختُ السلطان في هذه النوبة أموالاً عظيمة. وكان عمر السلطان حين وفاته قريباً من سبع وخمسين سنة. وكانت مدة ملكه للديار المصرية نحو أربع وعشرين سنة، وملكه الشام قريباً من تسع عشرة سنة.

стр. 528

وكان له سبعةَ عشرَ ولداً ذكراً، وبنتاً واحدة. وكان أكبر أولاده الملك الأفضل نور الدين علي بن يوسف، ولد بمصر سنة خمس وستين وخمس مئة، وكان العزيز عثمان أصغر منه بنحو سنتين، وكان الظاهر صاحب حلب أصغر منهما، وبقيت البنت حتى تزوجها ابن عمها الملك الكامل صاحب مصر. ولم يخلِّف السلطان صلاح الدين في خزائنه غير سبعة وأربعين درهماً، وصورياً واحداً ذهباً، وهذا من رجل له الديارُ المصرية والشام وبلاد الشرق واليمن دليلٌ قاطع على فرط كرمه، ولم يخلِّف داراً ولا عقاراً، ولم يكن له فرس يركبه إلا وهو موهوب، أو موعود به، ولم يؤخر صلاة عن وقتها، ولا صلى إلا في جماعة. وكان إذا عزم على الأمر، توكل على الله، وكان كثير سماع الحديث النبوي، وقرأ مختصراً في الفقه تصنيف سُلَيم الرازي، وكان حسن الخلُق، صبوراً على ما يكره، كثير التغافل عن ذنوب أصحابه، يسمع من أحدهم ما يكره، ولا يُعلمه بذلك، ولا يتغير عليه. وكان يوماً جالساً، فرمى بعض المماليك بعضاً بسر موزة، فأخطأته، ووصلت إلى السلطان، فأخطأته، ووقعت بالقرب منه، فالتفت إلى الجهة الأخرى؛ ليتغافل عنها. وكان طاهر المجلس، فلا يُذكَر أحدٌ في مجلسه إلا بالخير، وطاهر اللسان، فما يولع بشتم قط.

стр. 529

وقال العماد الكاتب: مات بموت السلطان الرجال، وفات بفواته الاتصال، وغاضت الأيادي، وفاضت الأعادي، وانقطعت الأرزاق، وادلهمت الآفاق، وفجع الزمان بواحده وسلطانه، ورُزئ الإسلام بمشيد أركانه، ﵀ وعفا عنه. والحمد لله وحده. وصلى الله على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه وسلَّم. * ذكر حال أهله وولده بعده: استقر في الملك بدمشق وبلادها المنسوبة إليها ولده الأكبر الأفضل نور الدين علي الأكبر، وبالديار المصرية ولده الملك العزيز عمادُ الدين عثمان، وبحلب ولده الملك الظاهر غياث الدين غازي، وبالكرك والشوبك والبلاد الشرقية الملك العادل سيف الدين أبو بكر بن أيوب، وبحماة وسلمية والمعرّة ومنبج وقلعة نجم الملك المنصور ناصرُ الدين محمد ابن الملك المظفر، تقيُّ الدين عمر، وببعلبك الأمجد مجدُ الدين بهرام شاه بن فرخشاه بن شاهنشاه بن أيوب، وبحمص والرحبة وتدمر الملك المجاهد شيركوه بن محمد بن شيركوه بن شادي، وبيد الملك الظافر خضر ابن السلطان صلاح الدين بُصْرى، وهو في خدمة أخيه الملك الأفضل، وبيد جماعة من أمراء الدولة بلادٌ وحصون، والله أعلم. فلنذكر الآن ما استقر عليه الحال بعد وفاة السلطان صلاح الدين،

стр. 530

فنذكر ما استقر عليه الحال في ملكها بعد الملك صلاح الدين، ونذكر ترجمة ولده الملك العزيز المتقدم ذكرُه، ومن ولي الملكَ بعده واحداً بعد واحد على الترتيب إلى آخر وقت [ ... .]، وبالله التوفيق. * * * [سلطنة الملك الأفضل علي ابن السلطان صلاح الدين] هو الأكبر من أولاد السلطان صلاح الدين، والمعهودُ إليه بالسلطنة، واستوزر ضياءَ الدين نصرَ الله بنَ محمد بن الأثير، فبعد وفاة الملك صلاح الدين، في سنة تسع وثمانين وخمس مئة، قدم الملك العادل من الكَرَك إلى الشام، وأقام فيها وظيفة العزاء على أخيه، ثم توجه إلى بلاده التي وراء الفرات. ثم في سنة تسعين وخمس مئة: استحكمت الوحشةُ بين الأخوين العزيز والأفضلِ ابنِ السلطان صلاح الدين، فسار العزيز، وحصر الأفضلَ بدمشق، فاستنجد عمَّه العادل، وأخاه الظاهر، وابن عمه المنصور صاحبَ حماة، فساروا إليه، وأصلحوا بين الأخوين، وتوجه كلُّ ملك إلى مملكته، ثم توجه العادل، وأقام بمصر عند العزيز؛ ليقرر أمور مملكته، بعد أن جرى بين العزيز [وبين الأفضل] وقائع يطول شرحها. وفي سنة اثنتين وتسعين وخمس مئة: اتفق العادل والعزيز على أن يأخذا دمشق، وأن يسلمها العزيز إلى العادل؛ لتكون الخطبة والسلطة للعزيز بسائر البلاد كما كانت لأبيه، فخرجا، وسارا من مصر إلى دمشق،
следующие страницы →