بالقدس، وهذه المدرسة كانت قبل الإسلام تعرف بصندحَنَّة، يذكرون أن فيها قبر حَنَّة أُمِّ مريم، صارت في الإسلام دارَ عِلم، وهي المعروفة بالمدرسة الصلاحية، بالقرب من باب الأسباط، وله بالقدس - أيضًا - خانقاه، وهي المعروفة بدار البطرك، مركبة على ظهر كنيسة قمامة، وبيمارستان بالقرب من قمامة، وغير ذلك من الأوقاف والخيرات.
ثم رحل السلطان عن القدس؛ لخمسٍ مضين من شوال، ودخل إلى دمشق يوم الأربعاء، لخمس بقين من شوال، سنة ثمان وثمانين وخمس مئة، وفرح الناس به؛ لأن غيبته كانت عنهم مدة أربع سنين، وأقام العدل والإحسان بدمشق، وفرق العساكر، وودَّعه أقاربه، وتوجه كل إلى وطنه.
ومحاسن السلطان صلاح الدين ﵀ ومناقبه كثيرة لا يمكن حصرها.
* ذكر وفاة السلطان صلاح الدين وبعض سيرته:
فحصل للسلطان توعُّك، وهو أنه لحقه ليلةَ السبت سادس عشر صفر كسلٌ عظيم، وغشيه نصفَ الليل حُمَّى صفراوية، وأخذ المرض في التزايد، وحدث به في السابع رعشة، وغاب ذهنه، واشتد الإرجاف في البلد، وغشي الناسَ من الحزن والبكاء عليه ما لا يمكن شرحه، واشتد به المرض ليلة الثاني عشر من مرضه، وهي ليلة السابع والعشرين من صفر، وتوفي السلطان في الليلة المذكورة، وهي المسفِرة عن نهار
стр. 527
الأربعاء سنة تسع وثمانين وخمس مئة، بعدَ صلاة الصبح.
وغسله الفقيه الدولعي خطيبُ دمشق، وأُخرج بعد صلاة الظهر من نهار الأربعاء المذكور في تابوت مسجًّى بثوب، وجميع ما احتاجه من الثياب في تكفينه، أحضره القاضي الفاضل من جهة حِلّ عَرَفَه، وصلى عليه الناس، ودفن في قلعة دمشق، في الدار التي كان مريضاً فيها، وكان نزوله إلى قبره وقت صلاة العصر من النهار المذكور.
وأرسل الملك الأفضل الكتبَ بوفاة والده إلى أخيه العزيز عثمان بمصر، وإلى أخيه الظاهر غازي بحلب، وإلى عمه العادل أبي بكر بالكرك.
ثم إن الملك الأفضل عمل لوالده تربة قرب الجامع، وكانت داراً لرجل صالح، ونقل إليها السلطان يوم عاشوراء، سنة اثنتين [وتسعين] وخمس مئة، ومشى الأفضل بين يدي تابوته، وأخرج من باب القلعة على دار الحديث إلى باب البريد، وأُدخل الجامع، ووضع قُدَّام النَّسْر، وصلى عليه القاضي محيي الدين ابن القاضي زكي الدين، ثم دفن، وجلس ابنه الملكُ الأفضل في الجامع ثلاثة أيام للعزاء، وأنفقت ستُّ الشام بنتُ أيوبَ أختُ السلطان في هذه النوبة أموالاً عظيمة.
وكان عمر السلطان حين وفاته قريباً من سبع وخمسين سنة.
وكانت مدة ملكه للديار المصرية نحو أربع وعشرين سنة، وملكه الشام قريباً من تسع عشرة سنة.
стр. 528
وكان له سبعةَ عشرَ ولداً ذكراً، وبنتاً واحدة.
وكان أكبر أولاده الملك الأفضل نور الدين علي بن يوسف، ولد بمصر سنة خمس وستين وخمس مئة، وكان العزيز عثمان أصغر منه بنحو سنتين، وكان الظاهر صاحب حلب أصغر منهما، وبقيت البنت حتى تزوجها ابن عمها الملك الكامل صاحب مصر.
ولم يخلِّف السلطان صلاح الدين في خزائنه غير سبعة وأربعين درهماً، وصورياً واحداً ذهباً، وهذا من رجل له الديارُ المصرية والشام وبلاد الشرق واليمن دليلٌ قاطع على فرط كرمه، ولم يخلِّف داراً ولا عقاراً، ولم يكن له فرس يركبه إلا وهو موهوب، أو موعود به، ولم يؤخر صلاة عن وقتها، ولا صلى إلا في جماعة.
وكان إذا عزم على الأمر، توكل على الله، وكان كثير سماع الحديث النبوي، وقرأ مختصراً في الفقه تصنيف سُلَيم الرازي، وكان حسن الخلُق، صبوراً على ما يكره، كثير التغافل عن ذنوب أصحابه، يسمع من أحدهم ما يكره، ولا يُعلمه بذلك، ولا يتغير عليه.
وكان يوماً جالساً، فرمى بعض المماليك بعضاً بسر موزة، فأخطأته، ووصلت إلى السلطان، فأخطأته، ووقعت بالقرب منه، فالتفت إلى الجهة الأخرى؛ ليتغافل عنها.
وكان طاهر المجلس، فلا يُذكَر أحدٌ في مجلسه إلا بالخير، وطاهر اللسان، فما يولع بشتم قط.
стр. 529
وقال العماد الكاتب: مات بموت السلطان الرجال، وفات بفواته الاتصال، وغاضت الأيادي، وفاضت الأعادي، وانقطعت الأرزاق، وادلهمت الآفاق، وفجع الزمان بواحده وسلطانه، ورُزئ الإسلام بمشيد أركانه، ﵀ وعفا عنه.
والحمد لله وحده.
وصلى الله على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه وسلَّم.
* ذكر حال أهله وولده بعده:
استقر في الملك بدمشق وبلادها المنسوبة إليها ولده الأكبر الأفضل نور الدين علي الأكبر، وبالديار المصرية ولده الملك العزيز عمادُ الدين عثمان، وبحلب ولده الملك الظاهر غياث الدين غازي، وبالكرك والشوبك والبلاد الشرقية الملك العادل سيف الدين أبو بكر بن أيوب، وبحماة وسلمية والمعرّة ومنبج وقلعة نجم الملك المنصور ناصرُ الدين محمد ابن الملك المظفر، تقيُّ الدين عمر، وببعلبك الأمجد مجدُ الدين بهرام شاه بن فرخشاه بن شاهنشاه بن أيوب، وبحمص والرحبة وتدمر الملك المجاهد شيركوه بن محمد بن شيركوه بن شادي، وبيد الملك الظافر خضر ابن السلطان صلاح الدين بُصْرى، وهو في خدمة أخيه الملك الأفضل، وبيد جماعة من أمراء الدولة بلادٌ وحصون، والله أعلم.
فلنذكر الآن ما استقر عليه الحال بعد وفاة السلطان صلاح الدين،
стр. 530
فنذكر ما استقر عليه الحال في ملكها بعد الملك صلاح الدين، ونذكر ترجمة ولده الملك العزيز المتقدم ذكرُه، ومن ولي الملكَ بعده واحداً بعد واحد على الترتيب إلى آخر وقت [ ... .]، وبالله التوفيق.
* * *
[سلطنة الملك الأفضل علي ابن السلطان صلاح الدين]
هو الأكبر من أولاد السلطان صلاح الدين، والمعهودُ إليه بالسلطنة، واستوزر ضياءَ الدين نصرَ الله بنَ محمد بن الأثير، فبعد وفاة الملك صلاح الدين، في سنة تسع وثمانين وخمس مئة، قدم الملك العادل من الكَرَك إلى الشام، وأقام فيها وظيفة العزاء على أخيه، ثم توجه إلى بلاده التي وراء الفرات.
ثم في سنة تسعين وخمس مئة: استحكمت الوحشةُ بين الأخوين العزيز والأفضلِ ابنِ السلطان صلاح الدين، فسار العزيز، وحصر الأفضلَ بدمشق، فاستنجد عمَّه العادل، وأخاه الظاهر، وابن عمه المنصور صاحبَ حماة، فساروا إليه، وأصلحوا بين الأخوين، وتوجه كلُّ ملك إلى مملكته، ثم توجه العادل، وأقام بمصر عند العزيز؛ ليقرر أمور مملكته، بعد أن جرى بين العزيز [وبين الأفضل] وقائع يطول شرحها.
وفي سنة اثنتين وتسعين وخمس مئة: اتفق العادل والعزيز على أن يأخذا دمشق، وأن يسلمها العزيز إلى العادل؛ لتكون الخطبة والسلطة للعزيز بسائر البلاد كما كانت لأبيه، فخرجا، وسارا من مصر إلى دمشق،
стр. 531
وأخذاها في ضحى يوم الأربعاء، السادس والعشرين من رجب من هذه السنة.
وكان الملك الظافر خِضْرُ ابن السلطان صلاح الدين صاحبُ بُصرى مع أخيه الملك الأفضل، ومعاضداً له، فأخذت منه بُصرى - أيضاً -، فلحق بأخيه الملك الظاهر، فأقام عنده بحلب، وأُعطي الملك الأفضل صرخد، فسار إليها بأهله، واستوطنها، وسلّم العزيز دمشق لعمه العادل على حكم ما وقع عليه الاتفاق، ورحل العزيز عن دمشق، عشيةَ يوم الاثنين، تاسع شعبان، فكانت مدة الأفضل بدمشق ثلاث سنين وشهراً.
ولما استقر الملك الأفضل بصرخد، كتب إلى الخليفة الإمام الناصرِ يشكو من عمه أبي بكر، وأخيه العزيز عثمان، ومن شعره:
مَوْلاَيَ إِنَّ أَبَا بَكْرٍ وصَاحِبَهُ ... عُثْمَانَ قَدْ غَصَبَا بِالسَّيْفِ حَقَّ عَلِي
وَهْوَ الذِي كَانَ قَدْ وَلاَّ وَالِدُهُ ... عَلَيْهِمَا فَاسْتَقَامَ الأَمْرُ حِينَ وَلِي
فَخَالَفَاهُ وَحَلاَّ عَقْدَ بَيْعَتِهِ ... وَالأَمْرُ بَيْنَهُمَا وَالنَّص فِيهِ جَلِي
فَانْظُرْ إِلَى حَظِّ هَذَا الاسْمِ كَيْفَ لَقِي ... مِنَ الأَوَاخِرِ مَا لاَقَى مِنَ الأُوَلِ
стр. 532
فكتب الإمام الناصر إليه يقول:
وَافَى كِتَابُكَ يَا بْنَ يُوسُفَ مُعْلِنًا ... بِالصّدْقِ يُخْبِرُ أَنَّ أَصْلَكَ طَاهِرُ
غَصَبُوا عَلِيًّا حَقَّهُ إِذْ لَمْ يَكُنْ ... بَعْدَ النَّبِيِّ لَهُ بِيَثْرِبَ نَاصِرُ
فَاصْبِرْ فَإِنَّ غَداً عَلَيْهِ حِسَابُهُمْ ... وَابْشِرْ فَنَاصِرُكَ الإِمَامُ النَّاصِرُ
وكانت ولادةُ الأفضل يومَ الفطر وقتَ العصر، سنة خمس وستين وخمس مئة بالقاهرة، ووالده يومئذ وزيرُ المصريين.
وتوفي في صفر، سنة اثنتين وعشرين وست مئة فجأة بسميساط، ونقل إلى حلب، ودفن بتربته بظاهر حلب، وسميساط قلعة في بر الشام على الفرات، في ناحية بلاد الروم، بين قلعة الروم وملطية.
وأما ابنه عثمان، فاستقر بمصر إلى حين وفاته في المحرم سنة خمس وتسعين وخمس مئة، وملك بعده ولدُه الملكُ المنصور محمدٌ إلى أن خلع، وملك مكانه عمُّ والده الملكُ العادل أبو بكر بن أيوب في شوال سنة ست وتسعين وخمسى مئة، على ما يأتي ذكر ذلك في تراجمهم، إن شاء الله تعالى.
وفي سنة سبع وتسعين وخمس مئة: كان الملك العادل أبو بكر ابن أيوب بالديار المصرية، وهو صاحبها، وعنده ابنه الملك الكامل
стр. 533
محمد، وهو نائبه بها، وبدمشق كان الملك المعظم شرف الدين عيسى ابن الملك العادل المذكور، وهو نائب أبيه بها، وبالشرف الفائز إبراهيم ابن الملك العادل، ويميافارقين الملك الأوحد نجم الدين أيوب ابن الملك العادل، وقد خرج الملك العادل في السنة المذكورة إلى دمشق.
وفي سنة ثمان وتسعين وخمس مئة: سار الملك العادل من دمشق إلى حماة، ونزل على تل صفرون، وتسلم الملك العادل حران وما معها لولده الأشرف مظفر الدين موسى، وسيَّره إلى الشرق، وكان بقلعة جعبر الملك الحافظ نور الدين أرسلان شاه ابن الملك العادل.
وفي سنة تسع وتسعين وخمس مئة في المحرم توفي فلك الدين سلطان أخو الملك العادل لأمه، وهو الذي تنسب إليه المدرسة الفلكية بدمشق.
وفي سنة ثلاث وست مئة: ملك الملك الأوحد أيوب خلاط.
وفي سنة ست وست مئة: توفي الملك المؤيد نجم الدين مسعود ابن السلطان صلاح الدين - رحمه الله تعالى -.
وفي سنة سبع وست مئة: توفي الملك الأوحد أيوب صاحب خلاط، فسار أخوه الملك الأشرف، وملك خلاط، واستقل بملكها، مضافاً لما بيده من البلاد الشرقية، فعظم شأنه، ولقب شاهر من.
وفي هذه السنة (١) أعطى الملك العادل ولده المظفر شهاب الدين
стр. 534
غازي الرها مع مَيَّافارِقين.
وفي سنة تسع وست مئة: في المحرم عُقد عَقد الملك الظاهر غازي صاحب حلب على ضيفة خاتون بنت الملك العادل، وكان المهر خمسين ألف دينار.
وفي سنة اثنتي عشرة وست مئة: استولى الملك المسعود يوسف ابن الملك الكامل ابن السلطان صلاح الدين بن أيوب على اليمن، وكان صاحبها سليمان بن سعد الدين شاهنشاه بن تقي الدين عمر بن شاهنشاه ابن أيوب، وكان ملأها ظلماً وجوراً، فظفر به، وبعثه معتقلاً إلى مصر.
وفي سنة ثلاث عشرة وست مئة: توفي الملك الظاهر غازي صاحب حلب في ليلة الثالث والعشرين من جمادى الآخرة، وكان مولده بمصر في نصف رمضان، سنة ثمان وستين وخمس مئة، وكان عمره أربعاً وأربعين سنة وشهوراً، وكانت مدة ملكه لحلب من حين وهبها له والده إحدى وثلاثين سنة، وكان فيه بطش وإقدام على سفك الدماء، ثم قصر عنه، وكان عَهِد بالملك بعده لولده الصغير الملك العزيز محمد، ثم بعده لولده الكبير الملك الصالح صلاح الدين أحمد بن غازي، وبعدهما لابن عمهما الملك المنصور محمد بن العزيز عثمان ابن السلطان صلاح الدين، فلما توفي، ترتب في المملكة الملكُ العزيز، وعمره سنتان وأشهر، ومرجع الأمور كلها إلى شهاب الدين طغريل الخادم، فدبَّر الأمور، وأحسن السياسة، وكان عمر أخيه الملك الصالح نحو اثنتي عشرة سنة.
стр. 535
وفي سنة أربع عشرة وست مئة: توفي الملك القاهر عز الدين مسعود بن أرسلان شاه بن مسعود بن مودود بن عماد الدين زنكي بن آقسنقر صاحب الموصل (١).
وفي سنة سبع عشرة وست مئة: كان صاحب مصر الملك الكامل محمد، وفيها توفي الملك المنصور محمد المنصور محمد ابن الملك المظفر تقي الدين عمر بن شاهنشاه بن أيوب صاحب حماة بقلعتها في ذي القعدة، ولما توفي، كان ولده المظفر المعهود إليه بالسلطنة عند خاله الملك الكامل بديار مصر في مقابلة الفرنج، فاستولى على السلطنة صلاح الدين قليج أرسلان ابن الملك المنصور، وكان عمره سبع عشرة سنة آنذاك؛ لأن مولده سنة ست مئة.
وفي هذه السنة استولى الملك المظفر شهاب الدين غازي ابن الملك العادل على خلاط، وميافارقين، وكانا بيد أخيه الملك الأشرف، وأخذ الأشرف منه الرها، وسروج.
* * *
[ذكر سلطنة الملك المعظم ابن العادل]
هو شرف الدين عيسى ابن الملك العادل أبي بكر بن أيوب صاحب
стр. 536
دمشق، استقل بملكها بعد موت أبيه في سنة خمس عشرة وست مئة، وتوفي بقلعتها وعمره تسع وأربعون سنة، وكانت مدة ملكه دمشقَ تسعَ سنين وشهوراً، وكان شجاعاً، وكان عسكره في غاية التجمُّل، وكان يجامل أخاه الكامل ويخطب له ببلاده، ولا يذكر اسمه معه وكان الملك المعظم قليل التكلف جداً، في غالب الأوقات لا يركب بالسناجق السلطانية، وكان يركب وعلى رأسه كلوته صفراء، بلا شاش، ويتخرَّق الأسواق من غير أن يطرق بين يديه كما جرت عادة الملوك، فلما كثر هذا منه، صار الإنسان إذا فعل أمراً لا يتكلف له يقال: قد فعله المعظَّمي.
وكان عالماً فاضلاً في الفقه والنحو، وكان شيخه في النحو تاج الدين زيد بن الحسن الكندي، وفي الفقه جمال الدين الحصيري، وكان حنفياً متعصباً لمذهبه، وخالف جميع أهل بيته؛ فإنهم كانوا شافعية.
وكانت مملكته متسعة في حدود بلد حمص إلى العريش، يدخل في بلاد السواحل الإسلامية منها، وبلاد الغور وفلسطين والقدس، وبنى به المدرستين الكائنتين به له للحنفية، ومن أعماله الكرك والشوبك وصرخد، وغير ذلك.
تخريب أسوار بيت المقدس: وفي سنة ست عشرة وست مئة أرسل الملك المعظم عيسى الحجَّارين والنقابين إلى القدس، فخرَّب أسواره، وكانت قد حصنت إلى الغاية، وانتقل منه عالم عظيم، وكان سبب ذلك: أنه لما رأى قوة الفرنج، وتغلبهم على دمياط، خشي أن يقصدوا القدس، فلا يقدر على منعهم، فخربه لذلك، ولما غاب عن
стр. 537
القدس، كتب إليه بعض أصدقائه فخر القضاة ابن بصاقة:
غِبْتَ عَنِ القُدْسِ فَأَوْحَشْتَهُ ... لَمَّا غَدَا بِاسْمِكَ مَأْنُوسَا
وَكَيْفَ لاَ تَلْحَقُهُ وَحْشَةٌ ... وَأَنْتَ رُوحُ القُدْسِ يَا عِيسَى
توفي عيسى يوم الجمعة، مستهل ذي الحجة، سنة أربع وعشرين وست مئة، ودفن بقلعة دمشق، ثم نقل إلى جبل الصالحية، ودفن في مدرسته هناك المعروفة بالمعظمية، وكان نقله ليلة الثلاثاء، مستهل المحرم [سنة] سبع وعشرين وست مئة ﵀، وعفا عنه.
ولما توفي الملك المعظم، ترتب في مملكته بعدَه ولدُه الملك الناصر صلاح الدين داود، وقام بتدبير مملكته مملوكُ والدِه وأستاذُ داره الأمير عزُّ الدين أيبك المعظَّمي، وكان لأيبك صرخدُ وأعمالها.
وفي سنة ست وعشرين وست مئة: استولى الملك الكامل على دمشق، وانتزعها، وعوض الناصر داود عنها بالكرك، والشوبك، والبلقاء، والسلط، والأغوار، وأخذ الكاملُ لنفسه البلاد الشرقية التي كانت عينت للناصر، وهي: حران، والرها، وغيرهما، التي كانت بيد الملك الأشرف، ثم نزل الملك الناصر عن الشوبك، وسأل عمه في قبولها، فقبلها وسلم الكامل دمشق لأخيه الملك الأشرف موسى، وتسلم الكامل من الأشرف البلاد الشرقية المذكورة، ولمَّا كان الناصر داود
стр. 538
في الحصار لانتزاع دمشق منه، أجاب الملك الكامل الأنبرطون الفرنجي إلى تسليم القدس، فتسلَّمها في ربيع الآخر - كما يأتي ذكره في ترجمة الكامل -.
وفي هذه السنة توفي الملك المسعود بن الكامل صاحب اليمن، وكان قد مرض، فكره المقام باليمن، وعزم على مفارقته، وسار إلى مكة، وهي له، فتوفي بمكة، ودفن بالمعلى، وعمره ست وعشرون سنة، وكانت مدة ملكه اليمن أربع عشرة سنة، وخلَّف ولداً صغيراً اسمه - أيضًا - يوسف، مات في سلطنة الصالح أيوب صاحب مصر، وخلف يوسفُ ولداً صغيراً اسمه موسى، ولقب: الملك الأشرف، وهو الذي تسلطن بمصر فيما بعد، وأقامه الترك في مملكة مصر بعد قتل المعظم ابن الصالح بن الكامل، وكان الأشرف موسى المذكور هو آخر ملوك مصر من بني أيوب.
وفي هذه السنة، وهي سنة ست وعشرين وست مئة استولى الملك محمود ابن الملك المنصور محمد على حماة، وانتزعها من أخيه الملك الناصر قليج أرسلان بعناية الملك الكامل، وكان ذلك في العشر الأخير من رمضان، وكان مدة ملك الناصر حماة تسع سنين إلا نحو شهرين، وفيها ملك الملك المظفر حماة، كان عمره يومئذ نحو سبع وعشرين سنة؛ لأن مولده سنة تسع وتسعين وخمس مئة، وكان أخوه الناصر أصغر منه بسنة.
ثم إن الملك الكامل رسم للملك المظفر أن يعطي أخاه الناصر
стр. 539
بارين بكمالها، فامتثل ذلك، وسلم قلعة بارين لأخيه الناصر.
وفي سنة سبع وعشرين وست مئة: استولى الملك الأشرف موسى على بعلبك، سلمها له الملك الأمجد بهرام شاه بن فرخشاه بن شاهنشاه ابن أيوب؛ لطول الحصار عليه، وعوضه الملك الأشرف عنها الزبداني، وقصير دمشق الذي هو شماليها، ومواضع أخر، وتوجه الملك الأمجد، وأقام بداره التي داخل باب النصر بدمشق، المعروفة بدار السعادة، التي ينزلها النواب، ثم قتل ﵀، قتله بعض ماليكه، ودفن بمدرسة والده التي على الشرف، وكان مدة ملكه بعلبك تسعا وأربعين سنة؛ لأن عم أبيه السلطان الملك الناصر صلاح الدين ملكه بعلبك سنة ثمان وسبعين وخمس مئة، لما مات أبوه فرخشاه، وانتزعت منه هذه السنة، وذلك خمسون سنة إلا سنة، وكان الملك الأمجد أشعر بني أيوب، وشعره مشهور.
وفي سنة ثلاثين وست مئة: استولى الملك العزيز محمد بن الظاهر غازي على شَيْزَر، وأخذها من صاحبها شهاب الدين يوسف بن مسعود ابن سابق الدين عثمان بن الداية.
وفي سنة اثنتين وثلاثين وست مئة: توفي الملك الزاهر داود صاحب البيرة ابن السلطان صلاح الدين، وملك البيرة بعده ابنُ أخيه الملك العزيز محمد صاحب حلب.
وفي سنة أربع وثلاثين وست مئة توفي الملك العزيز في ربيع الأول، وكان عمره ثلاثا وعشرين سنة وشهوراً، وكان حسن السيرة في
стр. 540
رعيته، ولما توفي، تقرر في الملك بعده ولدُه الملك الناصر يوسف، وعمره نحو سبع سنين، وقام بتدبير الدولة شمس الدين لؤلؤ الأميني، وعز الدين عمر بن مجلي، وجمال الدولة إقبال الخاتوني، والمرجع في الأمور إلى والدة العزيز ضيفة خاتون بنت الملك العادل.
* * *
ذكر الملك الأشرف ابن الملك العادل
هو الملك الأشرف مظفر الدين موسى ابن الملك العادل أبي بكر ابن أيوب: كان مفرط السخاء، يطلق الأموال الجليلة، وكان حسن العقيدة، وينى بدمشق قصوراً ومتنزهات حسنة، وكان منهمكاً في اللذات، وسماع الأغاني، فلما مرض، أقلع عن ذلك، وأقبل على الاستغفار إلى أن توفي، وكان بدمشق بالعقيبة خان يعرف بابن الزنجاري، يجتمع فيه أرباب الفِسْق والملاهي، فعمَّره جامعاً، وغرم عليه جملة مستكثرة، وسمي: جامع التوبة، كأنه تاب إلى الله تعالى، وتاب مَنْ كان فيه.
وتوفي بدمشق في ثاني المحرم سنة خمس وثلاثين وست مئة، ودفن بقلعتها، ثم نقل إلى التربة التي بنيت له بالكلاَّسة، وكان مدة ملكه دمشق ثمان سنين وشهوراً، وعمره نحو ستين سنة، ولم يخلف من الأولاد غير بنت واحدة، تزوجها الملك الجواد يونس بن مودود ابن الملك العادل.
وتملك دمشق أخوه الملك الصالح إسماعيل بعهد منه، ثم سار
стр. 541
الملك الكامل من الديار المصرية إلى دمشق، ومعه الناصر داود صاحب الكرك، وهو لا يشك أن الملك الكامل يسلم دمشق إليه؛ لما كان قد تقرر بينهما، فنزل الكامل على دمشق في جمادى الأولى من هذه السنة، وهي سنة خمس وثلاثين وست مئة: في قوة الشتاء، وأخذها، وعوض الصالح عنها بعلبك، والبقاع، مضافاً إلى بُصرى، ومات الكامل عقب ذلك بدمشق، في رجب من السنة المذكورة، واستقر بعده في الملك ولده الملك العادل أبو بكر وسنذكر ذلك في ترجمتهما إن شاء الله تعالى.
واستقر بالشام الملك الجواد يونس بن مودود ابن الملك العادل أبي بكر بن أيوب نائباً عن العادل ابن الكامل صاحب مصر.
وفي سنة ست وثلاثين وست مئة: استولى الملك الصالح أيوب ابن الكامل على دمشق في جمادى الآخرة بتسليم الملك الجواد يونس، وأخذ العوض عنها سنجار، والرقة.
ثم قصد الملك الصالح أيوب التوجه إلى ديار مصر؛ ليأخذها من أخيه العادل، وجعل نائبه بدمشق ولده الملك المغيث فتح الدين عمر، وسار الملك الصالح أيوب من دمشق سنة سبع وثلاثين وست مئة، فلما كان في صفر، سار الملك الصالح إسماعيل صاحب بعلبك، ومعه شيركوه صاحب حمص بجموعهما، وهاجموا دمشق، وحصروا القلعة، وتسلَّمها الصالح إسماعيل، وقبض على المغيث فتح الدين عمر ابن الملك الصالح أيوب، وكان الملك الصالح أيوب بنابلس لقصد الاستيلاء على ديار مصر، فلما بلغه ذلك، رحل إلى الغور، فسار إليه الناصر داود،
стр. 542
وأمسكه، وأرسله إلى الكرك، واعتقله بها، فأرسل العادل يطلبه، فلم يسلمه الناصر داود، فأرسل العادل يهدد الملك الناصر داود بأخذ بلاده، فلم يلتفت إلى ذلك، واستمر في الاعتقال إلى أن خرج، وقبض على أخيه، وملك ديار مصر على ما يأتي ذكره في ترجمته إن شاء الله تعالى.
ولما اعتقل الناصرُ داودُ الصالحَ أيوبَ بالكرك، توجه الناصر داود إلى بيت المقدس، وفتحه، وانتزعه من الفرنج كما يأتي ذكره في ترجمة العادل ابن الكامل إن شاء الله تعالى.
وفي هذه السنة، وهي سنة سبع وثلاثين وست مئة: توفي الملك المجاهد شيركوه صاحب حمص بن ناصر الدين محمد بن شيركوه بن شادي، وكانت مدة ملكه لحمص نحو ست وخمسين سنة؛ لأن صلاح الدين ملَّكه حمص سنة إحدى وثمانين وخمس مئة، بعد موت أبيه محمد بن شيركوه، وكان عمره يومئذ اثنتي عشرة سنة، وكان شيركوه المذكور عسوفاً لرعيته، وملك حمصَ بعده ولدُه الملك المنصور إبراهيم ابن شيركوه.
وفي هذه السنة استولى بدر الدين لؤلؤ صاحب الموصل على سنجار، وأخذها من الملك الجواد يونس بن مودود ابن العادل، والله أعلم.
[ .... ] كان صاحب مصر الملك الصالح أيوب بعد أخيه العادل، على ما يأتي ذكره في ترجمته.
وفي هذه السنة توفي الملك الجواد يونس، قتله الصالح إسماعيل صاحب دمشق.
стр. 543
وفي سنة أربعين وست مئة: توفيت ضيفة خاتون صاحبة حلب، وهي والدة الملك العزيز، في ليلة الجمعة، لإحدى عشرة ليلة خلت من جمادى الأولى، وكان مولدها سنة إحدى، أو اثنتين وثمانين وخمس مئة.
وفي سنة إحدى وأربعين وست مئة: اتفق الناصر داود صاحب الكرك مع الصالح إسماعيل المستولي على دمشق على الملك الصالح أيوب صاحب مصر، واعتضدا بالفرنج، وسلما لهم القدس بما فيها من المزارات، فنصره الله عليهم، وانتزع القدس وغيرَها من الفرنج في سنة اثنتين وأربعين وست مئة كما سيأتي ذكر ذلك في ترجمة الصالح أيوب إن شاء الله تعالى.
وفي سنة اثنتين وأربعين المذكورة: توفي الملك المظفر صاحب حماة تقي الدين محمود ابن الملك المنصور ناصر الدين محمد ابن الملك المظفر تقي [الدين] عمر بن شاهنشاه بن أيوب جد الملك المؤيد صاحب حماة مصنف "التاريخ" يوم السبت، ثامن جمادى الأولى، وكانت مدة ملكه لحماة خمس عشرة سنة، وسبعة أشهر، وعشرة أيام، كان منها مريضا بالفالج سنتين وتسعة أشهر وأياماً، وكانت وفاته وهو مفلوج بحمى حادَّة عرضت له، وكان عمره ثلاثا وأربعين سنة؛ لأن مولده سنة تسع وتسعين وخمس مئة، وكان شهماً شجاعاً فطناً ذكياً، وكان يحب أهل الفضل والعلوم، ولما مات، ملك بعده ولده الملك المنصور محمد، وعمره حينئذ عشر سنين، وشهر واحد، وثلاثة عشر
стр. 544
يوماً، والقائمُ بتدبير المملكة سيفُ الدين طغرلبك، أستاذُ الدار، مملوكُ المظفر، ومشاركة الشيخ شرف الدين عبد العزيز بن محمد، المعروف بشيخ الشيوخ، والطواشي مرشد، والوزير بهاء الدين بن التاج، ومرجعُ الجميع إلى والدة الملك المنصور غازية خاتون بنت الملك الكامل.
وفي هذه السنة بلغ الملكَ الصالح نجمَ الدين أيوب صاحبَ مصر وفاةُ ابنه المغيث فتح الدين عمر في حبس عمه الصالح إسماعيل صاحب دمشق، فاشتد حزنه عليه، وحَنَقه على الصالح إسماعيل.
* وفيها: توفي الملك الملك المظفر شهاب الدين غازي ابن الملك العادل أبي بكر بن أيوب صاحب ميافارقين، واستقر بعده في ملكه ولده الكامل ناصر الدين محمد بن غازي.
وفي سنة ثلاث وأربعين وست مئة: استولى الملك الصالح أيوب صاحبُ مصر على دمشق، وتسلَّمها عساكره من الصالح إسماعيل ابن الملك العادل.
وفي سنة أربع وأربعين وست مئة: توفي الملك المنصور إبراهيم ابن شيركوه بدمشق، ونقل إلى حمص، ودفن بها، وملك بعده ولده الأشرف مظفر الدين موسى بن المنصور إبراهيم بن شيركوه.
* وفيها: استولى الملك الصالح أيوب على بعلبك، وحُمل إليه ولدا الصالح إسماعيل، وهما المنصور إبراهيم، والسعيد عبد الملك إلى ديار مصر، فاعتقلا هناك، واستمرا في الاعتقال إلى أن أفرج عنهما أيبك
стр. 545
التركماني في سنة ثمان وأربعين وست مئة، وزينت القاهرة ومصر، ودقت البشائر بهما لفتح بعلبك.
وفي سنة سبع وأربعين وست مئة: استولى الملك الصالح أيوب على الكرك، وأخذها من الناصر داود، وتسلمها يوم الاثنين، لاثنتي عشرة ليلة بقيت من جمادى الآخرة، وكان الناصر داود قد خرج منها لما ضاقت عليه الأمور، وسار إلى الناصر صاحب حلب مستجيراً به، وكان قد بقي عند الناصر داود من الجوهر مقدار كثير يساوي مئة ألف دينار إذا بيع بالهوان، فلما وصل إلى حلب، سير الجوهر المذكور إلى بغداد، وأودعه عند الخليفة المستعصم، ووصل إليه خط الخليفة بتسليمه، فلم تقع عينه عليه بعد ذلك، وكان استناب بالكرك ابنه عيسى، ولقبه المعظم، وكان له ولدان آخران أكبر من عيسى المذكور، هما الأمجد حسن، والظاهر شادي، وله ولد أيضًا يلقب الناصر يوسف، وكان من أهل الفضل، وله رواية في الحديث، وبنى له تربة بالقدس الشريف بباب حِطَّة أحدِ أبواب المسجد الأقصى الشريف على يمنة الداخل، وهي المشهورة بالأوحدية.
وفرح الملك الصالح أيوب بالكرك فرحاً عظيماً، مع ما هو فيه من المرض حين بلوغه الخبر، لما كان في خاطره من صاحبها.
[ .... ]: كان صاحب مصر الملك المعظم توران شاه ابن الملك الصالح أيوب.
وفي هذه السنة استقر الملك المغيث فتح الدين عمر ابن الملك
стр. 546
العادل أبي بكر ابن الكامل محمد ابن العادل أبي بكر بن أيوب بالكرك والشوبك.
* وفيها: استولى الملك السعيد ابن الملك العزيز عثمان على مملكته الصُّبيبة بعد أن كان سلمها للصالح أيوب.
* وفيها: استولى الملك الناصر يوسف صاحب حلب على دمشق، وبعلبك، وعجلون، وسلم جميع ذلك إليه.
* وفيها في مستهل شعبان: قبض الناصر يوسف صاحب دمشق وحلب على الناصر داود الذي كان صاحب الكرك، وبعث به إلى حمص، فاعتقل بها، وذلك لأشياء بلغت للناصر يوسف المذكور خاف منها.
* وفيها: قتل صاحب اليمن الملك فتح الدين عمر، واستقر بعده ولده المظفَّر يوسف، وصفا له ملك اليمن، وطالت أيام مملكته.
وفي سنة إحدى وخمسين وست مئة: استقر الصلح بين الملك الناصر يوسف صاحب دمشق، وبين البحرية بمصر، على أن يكون للمصريين إلى نهر الأردن، وللملك الناصر ما وراء ذلك.
وكان نجم الدين البادراني رسولُ الخليفة هو الذي حضر من جهة الخليفة، وأصلح بينهم على ذلك، ورجع كلٌّ إلى مقره، وكان الخليفة يومئذ المعتصم بالله العباسي.
[ ... .] وصاحب مصر الأشرف موسى.
[ ... .].
стр. 547
* وفيها: أفرج الملك الناصر يوسف عن الناصر داود الذي كان صاحب الكرك من قلعة حمص، وذلك بشفاعة الخليفة المستعصم، وأمره أن لا يسكن في بلاده، فرحل الناصر داود إلى جهة بغداد، فلم يمكنوه من الوصول إليها، وطلب وديعته الجوهر، فمنعوه إياها، وكتب الملك الناصر يوسف إلى ملوك الأطراف أنهم لا يأووه، ولا يميروه، فبقي في جهات عانة، والحديثة، وضاق به الحال، وكان يتصيد الغزلان، وكان يمضي له ولأصحابه أيام لا يطعمون غير لحوم الغزلان، ثم نزل بالأنبار، وبينها وبين بغداد ثلاثة أيام، والناصر داود مع ذلك يتضرع للخليفة المستعصم، فلا يجيب ضراعته، ويطلب وديعته، فلا يرد لهفته، ولا يجيبه إلا بالمماطلة والمطاولة، ثم بعد ذلك أرسل الخليفة، وشفع فيه عند الملك الناصر، فأذن له في العَوْد إلى دمشق، ورتب له شيئاً يصل إليه من جهة من الجهات.
وفي سنة ثلاث وخمسين وست مئة: طلب الملك الناصر داود من الناصر يوسف دستوراً إلى العراق لسبب طلب وديعته من الخليفة، وهي الجوهر المتقدم ذكره، وأن يمضي إلى الحج، فأذن له في ذلك، فسار إلى كربلاء، ثم مضى منها إلى الحج، ولما رأى قبر النبي ﷺ ، تعلق في أستار الحجرة الشريفة بحضور الناس، وقال: اشهدوا أن هذا مقامي من رسول الله ﷺ داخلاً عليه مستشفِعاً به إلى ابن عمه المستعصم في أن يرد عليَّ وديعتي، فأعظمَ الناس ذلك، وجرت عَبراتهم، وارتفع بكاؤهم.
وكُتب بصورة ما جرى مشروح، ودفع إلى أمير الحاج، وذلك
стр. 548
في يوم السبت، الثامن والعشرين من ذي الحجة من هذه السنة، فتوجه الناصر داود مع الحاج العراقي، وأقام ببغداد، فلما أقام بها بعد وصوله من الحجاز، واستشفاعِه بالنبي ﷺ في ردِّ وديعته في سنة أربع وخمسين وست مئة، أرسل الخليفةُ المستعصمُ مَنْ حاسبَ الناصر على ما وصله في ترداده إلى بغداد من المضيف، مثل: اللحم والخبز والحطب والعليق والتبن، وغير ذلك بأعلى الأثمان، وأرسل إليه شيئاً نَزْراً، وألزمه أن يكتب خطه بقبض وديعته، وأنه ما بقي يستحق عند الخليفة شيئاً، فكتب خطه بقبض وديعته وأنه ما بقي يستحق عند الخليفة شيئاً فكتب خطه بذلك كرهاً، وسار عن بغداد، وأقام مع العرب، ثم أرسل إليه الناصر يوسف بن العزيز صاحب الشام، فطيَّب قلبه، وحلف له، وقدم إلى دمشق، وأقام بالصالحية، ثم توجه إلى جهة بغداد.
وفي سنة خمس وخمسين وست مئة: ظهرت نار بالحَرَّة عند مدينة الرسول ﷺ ، وكان لها بالليل ضوء عظيم يظهر من مسافة بعيدة جداً، ولعلها النار التي ذكرها رسول الله ﷺ من علامات الساعة، فقال: "نَارٌ تَظْهَرُ بِالحِجَازِ تُضِيءُ لَهَا أَعْنَاقُ الإِبِلِ بِبُصْرَى" (١)، ثم إن الخدام بحرم النبي ﷺ وقع منهم في بعض الليالي تفريط، فاشتعلت النار بالمسجد الشريف، وأحرقت سقوفه، ومنبرُ النبي ﷺ ، وتألم الناس لذلك.
وفي سنة ست وخمسين وست مئة: في ليلة السبت، السادس
стр. 549
والعشرين من جمادى الأولى مات الملك الناصر داود بن المعظم عيسى ابن العادل أبي بكر بن أيوب بالطاعون بظاهر دمشق، في قرية يقال لها: البويضة شرقي دمشق، ومولده سنة ثلاث وست مئة، وكان عمره نحو ثلاث وخمسين سنة، بعد محن كثيرة حصلت له، وخرج الملك الناصر يوسف صاحب دمشق إلى البويضة، وأظهر علمه الحزن والتأسف، ونقله، ودفن في الصالحية في تربة والده المعظم عيسى.
وكان الناصر داود فاضلاً، ناظماً ناثراً، قرأ العلوم العقلية، وله أشعار جيدة ﵀، وعفا عنه.
* وفيها: توفيت الصاحبة غازية خاتون، والدة الملك المنصور صاحب حماة.
وفي سنة ثمان وخمسين وست مئة: قتل الملك الكامل محمد بن المظفر غازي صاحب ميافارقين حين استيلاء التتر على مملكته.
ولما دخلت سنة تسع وخمسون وست مئة: كان صاحب مصر الملك الظاهر بيبرس.
في هذه السنة قتل الملك الناصر يوسف ابن الملك العزيز محمد ابن الملك الظاهر غازي ابن السلطان الملك الناصر صلاح الدين يوسف ابن أيوب صاحب دمشق وحلب في بلاد توريز من ملك العجم، قتله هولاكو ملك التتر، وقتل مَنْ كان معه، وهم: أخاه الظاهر، والملك الصالح صاحب حمص، والجماعة المأسورون الذين كانوا معهم - رحمهم الله تعالى -، وعقد عزاءه بجامع دمشق، في سابع جمادى
стр. 550
الأولى حين ورود خبره.
وكان سبب ذلك: ورود عسكر التتر، واستيلاؤهم على حلب، وخروج الملك الناصر من دمشق، وقصدهُ ديار مصر، ثم قصد المسيرَ إلى هولاكو وقتاله، فقبض عليه كتبغا نائب هولاكو، وبعث به إليه، فقتله، وكان قد عظُم شأن الملك الناصر، وغلب على الديار المصرية لولا هزيمته حين مسيره إليها.
وكان حليماً، وكثر طمع العرب والتركمان في أيامه، وكثرت الحرامية والمفسدين، وكان إذا حضر القاتل بين يديه يقول: الحي خير من الميت، ويطلقه، فأدى ذلك إلى انقطاع الطرقات وانتشار الحرامية، وكان على ذهنه شيء كثير من الأدب والشعر، وبنى بدمشق مدرسة قريب الجامع تعرف بالناصرية، ووقف عليها وقفا جليلاً، وكان مولده سنة سبع وعشرين وست مئة، فيكون عمره اثنتين وثلاثين سنة تقريباً.
وفي سنة ستين وستمائة: سار الملك الظاهر بيبرس إلى الشام، ونزل بها، واستولى عليها، وولَّى بها القضاة.
وفي سنة إحدى وستين وست مئة: استولى الملك الظاهر بيبرس على الكرك، وقتل صاحبها الملكَ المغيثَ فتح الدين عمر بن العادل أبي بكر بن الكامل محمد بن العادل أبي بكر بن أيوب.
* وفيها: مات الملك الأشرف موسى ابن الملك المنصور إبراهيم ابن الملك المجاهد شيركوه صاحب حمص، وأرسل الملك الظاهر بيبرس مَنْ تسلَّم حمص في ذي القعدة من هذه السنة، وهذا الملك
стр. 551
الأشرف موسى آخر من ملك حمص من بيت شيركوه.
ولما دخلت سنة اثنان وثمانون وست مئة: كان صاحب مصر الملك المنصور قلاوون.
وفي هذه السنة توفي الملك المنصور ناصر الدين أبو المعالي محمد ابن الملك المظفر محمود بن المنصور محمد بن المظفر عمر بن شاهنشاه ابن أيوب صاحب حماة - رحمه الله تعالى -، توفي بكرة حادي عشر شوال، وكانت ولادته في الساعة الخامسة من يوم الخميس، لليلتين بقيتا من ربيع الأول، سنة اثنتين وثلاثين وست مئة، فيكون عمره إحدى وخمسين سنة، وستة أشهر، وأربعة عشر يوماً.
وكان ذلك يوم السبت، ثامن جمادى الأولى، سنة اثنتين وأربعين ولست مئة، وهو اليوم الذي توفي فيه والده الملك المظفر محمود، فيكون مدة ملكه إحدى وأربعين سنة، وخمسة أشهر، وأربعة أيام، واستقر في الملك بعده ولده الملك المظفر محمود، بتقليد الملك المنصور قلاوون، في العشر الآخر من شوال، سنة ثلاث وثمانين ولست مئة، وأرسل إليه وإلى عمه الملك الأفضل التشاريف، وركب بشعار السلطنة.
وفي سنة اثنتين وتسعين وست مئة: توفي الملك الأفضل نور الدين علي ابن الملك المظفر محمود، وهو والد الملك المؤيد صاحب حماة مصنّف "التاريخ"، توفي في ذي القعدة بدمشق، ونقل إلى حماة.
ولما دخلت سنة ثمان وتسعين وست مئة: كان صاحب مصر المنصور لاجين إلى ربيع الآخر، واستقر بعده الملك الناصر محمد بن
стр. 552
قلاوون في جمادى الأولى.
وفي هذه السنة، في ثاني عشر ذي القعدة توفي الملك المظفر تقي الدين محمود ابن الملك المنصور ناصر الدين محمد ابن الملك المظفر تقي الدين محمود ابن الملك المنصور ناصر الدين محمد ابن الملك المظفر تقي الدين عمر بن شاهنشاه بن أيوب - رحمه الله تعالى -، ومولده في ليلة الأحد، خامس عشر المحرم، سنة سبع وخمسين وست مئة، فيكون عمره إحدى وأربعين سنة، وعشرة أشهر، وسبعة أيام، ويكون ملكه حماة من حين توفي والده خمس عشرة سنة وشهراً ويوماً واحداً.
وأعطي قراسنقر النيابة بحماة لاختلاف الكلمة بين أسد الدين عمر، وبدر الدين حسن ابني الملك الأفضل؛ فإنهما حضرا إلى حماة من حلب بعد وفاة الملك المظفر، واختلفا فيمن يكون صاحب حماة، ولم ينتظم في ذلك حال، ثم في سنة عشر وسبع مئة عادت حماة إلى البيت التقوي باستقرار الملك المؤيد صاحب حماة مصنف "التاريخ" المشهور؛ فإنه تقدم له الوعدُ بها من السلطان الملك الناصر محمد بن قلاوون، وكان السلطان حريصاً على إنجاز وعده بإقامته فيها، فأعطيت له في هذه المرة على قاعدة النواب، وكان تاريخ التقليد في ثامن عشر جمادى الأولى، سنة عشر وسبع مئة.
ثم أنعم في رمضان الملك الناصر محمد بن قلاوون على الملك المؤيد المذكور بمملكة حماة، والمعرة، وبارِين تمليكاً، وهو الملك المؤيد عماد الدين إسماعيل ابن الملك الأفضل نور الدين علي ابن
стр. 553
السلطان الملك المظفر تقي الدين، ولد السلطان الملك المنصور، ولد السلطان الملك المظفر تقي الدين عمر بن شاهنشاه بن أيوب صاحب حماة.
وكتب له التقليد، فمنه بعد البسملة الشريفة: الحمد لله الذي عَضَدَ الملكَ الشريف بعماده، وأورث الجد السعيد سعادة أجداده، وبلغ ولينا من مباها ثنائه ملوك بني الإمام غاية مراده.
ومنه نحمده على أن وإن بنا الملكَ وحماه، وكفَّ بكفِّ بأسنا يدَ المتطاول إلى استباحة حِماه.
ومنه: ونشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله.
أما بعد:
فإن أولى من عُقد له لواءُ الولاء، وتشرَّفت باسمه أَسِرَّة الملك وذُرا المنابر، وتصرفت أحكامه فيما يشاء من نَوَاهٍ وأوامر، وتجلى في سماء السلطنة، فقام في دَسْتها مقام مَنْ سلف، وأخلف في أيامنا الزاهرة من أسلافه، إذ هو ببقائنا - إن شاء الله - خيرُ خلف، من ورث السلطنة لا عن كَلالة واشقها بالأصالة والأثالة والجلالة، وأشرقت الأيام بغرة وجهه المنير، وتشرفت به صدور المحافل، وتشوق إليه بطنُ السرير، ومن أصبح لسماء المملكة الحَمَوية وهو زين أملاكها، ومطلع أفلاكها وهو المقام العالي العمادي ابن الملك الأفضل نور الدين علي ابن السلطان الملك المظفر تقي الدين، ولد السلطان الملك المنصور، ولد السلطان الملك المظفر تقي الدين عمر بن شاهنشاه بن أيوب، وهو الذي ما بَرِحت
стр. 554
عيون مملكته إليه مُتَشَوِّفة، والسلطنة لمواعيد ملكه مسخرة، والأقدار إلى أن يبلغ الكتاب أجله مسوّفه، ولسان الحال يتلو في ضمير الغيب: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ﴾ [آل عمران: ٢٦]، إلى أن أظهر الله ما في غيبه المكنون، وأنجز له في أيامنا الوعود وصدق الظنون، وشيده الله منه بأرفع عماد، ووصل ملكه بملك أسلافه، وسيبقى في عقبه - إن شاء الله تعالى - إلى يوم التناد، فلذلك رسم بالأمر الشريف العالي المولوي السلطاني الملكي الناصري، لا زالت الممالك من عطائه، والملوك تسري من ظل كنفه تحت مسبول غطائه، أن يستقر في يد المقام العالي العمادي المشار إليه جميع المملكة الحموية وبلادها وأعمالها، وما هو منسوب إليها، ومناشيرها التي يعرضها قلمه وقسمه، ومنابرها التي يذكر فيها اسم الله تعالى واسمه، وكثيرها وقليلها، وحقيرها وجليلها، على عادة الشهيد المظفر تقي الدين محمود إلى حين وفاته.
ومنه: وقلدناه ذلك تقليداً، تضمَّن للنعمة تخليداً، وللسعادة تجديداً.
ومنه في آخره: والله يؤهل بالنصر مغناه، ويجمل ببقائه صورة دهر هو معناه، والاعتماد على الخط الشريف أعلاه.
كتب في الخامس والعشرين من ربيع الآخر، سنة اثنتي عشرة وسبع مئة، حسب المرسوم الشريف.
الحمد لله وحده، وصلواته على سيدنا محمد، وآله وصحبه وسلم.
ثم سار الملك المؤيد في إخراج المعرة عنه، وأن يُعفى منها،
стр. 555
فأجيب إلى ذلك، وكتب له مرسوماً شريفاً بما استقر عليه، من جملة ألفاظه: أن يستقر بيده حماة، وبارِين بجميع حدودهما، وما هو منسوب إليها من بلاد وضياع، وقرايا وجهات، وأموال ومعاملات، وغير ذلك مما ينسب إلى هذين الإقليمين، ويدخل في حكمهما، يتصرف في الجميع كيف يشاء، من تولية (١)، وإقطاع إقطاعات الأمراء والجند، وغيرهم من المستخدمين من أرباب الوظائف، وترتيب القضاة والخطباء وغيرهم، ويكتب بذلك مناشير وتواقيع من جهته، ويجري في ذلك على عادة الملك المظفر صاحب حماة رحمه الله تعالى.
مؤرخ ذلك في تاسع عشر المحرم، سنة ثلاث عشرة وسبع مئة.
وتوفي الملك المؤيد عماد الدين إسماعيل صاحب حماة في ثامن عشر المحرم، سنة اثنتين وثلاثين وسبع مئة، ومولده في بكرة السبت، سابم جمادى الأولى، سنة اثنتين وسبعين وست مئة.
وكان فيه مكارم أخلاق وفضيلة؛ من فقه وطب وغير ذلك، ونظم "الحاوي" في الفقه، وصنف التاريخ المشهور المسمى بـ "المختصر في أخبار البشر" ومصنفات غيرِه ﵀، وعفا عنه -.
وقد انتهى ما اخترنا ذكره من أخبار بني أيوب ملوكِ المملكة الشامية وغيرها.
* * *
стр. 556
ذِكْرُ سَلَاطِينُ الأَيُّوبِيِّينَ وما استقر عليه الحال بعد وفاة السلطان الملك الناصر صلاح الدين يوسف بن أيوب - رحمة الله عليه -
* [ذكر تراجم ملوك الأيوبيين] كما تقدم الوعد به، فنحاول ترجمة ملوك بني أيوب، فنقول، وبالله التوفيق، وهو حسبنا ونعم الوكيل:
* * *
سلطنة الملك العزيز عثمان
هو عماد الدين أبو الفتح عثمان العزيز ابن السلطان صلاح الدين يوسف بن أيوب، كان نائباً عن أبيه في الديار المصرية لما كان أبوه بالشام، وتوفي والده بدمشق، فاستقل بمملكتها باتفاق من الأمراء كما هو مشهور، وكان مباركاً، كثير الخير، واسع الكرم، محسناً إلى الناس، معتقداً في أرباب الخير والصلاح، وسمع الحديث بالإسكندرية من الحافظ السلفي، وسمع من مشايخ كُثُر (١) غيره.
وكان والده يؤثره على بقية أولاده، ولما ولد له الملك المنصور ناصر الدين محمد، كان والده بالشام، والقاضي الفاضل بالقاهرة، فكتب إليه يهنئه: المملوك يقبل الأرض بين يدي مولانا الملك الناصر، زاد
стр. 557
سعدُه وإسعاده، وكثرت أولياؤه وعبيده وأعداده، واشتد أعضادَه فيهم اعتضادُه، وأنمى الله عدده، حتى يقال: هذا آدمُ الملوك، وهذه أولاده.
ويُنهي: أن الله تعالى - وله الحمد - رزق الملك العزيز - عز نصره -، ولدأ مباركا عليًّا، ذكراً سريًّا، زكيا تقياً نقياً، من ذرية كريمة بعضُها من بعض، وبيت شريف كادت ملوكه تكون ملائكة في السماء، ومماليكه ملوكاً في الأرض.
وكانت ولادة الملك العزيز بالقاهرة، في ثامن من جمادى الأولى، سنة سبع وستين وخمس مئة، وكان قد توجه إلى الفيوم، فطرد فرسه وراء صيد، فتقنطر به، فأصابته الحمى، وحُمل إلى القاهرة، وتوفي بها في الساعة السابعة من ليلة الأربعاء، الحادي والعشرين من المحرم، سنة خمس وتسعين وخمس مئة، ودفن في القرافة الصغرى، في قبة الإمام الشافعي، وقبره هناك معروف، وكانت مدة مملكته ست سنين إلا شهراً، وكان عمره سبعاً وعشرين سنة وأشهراً، وكان في غاية السّماحة والكرم، والعدل والرفق بالرعية والإحسان إليهم، ففجعت الرعية بموته رحمه الله تعالى.
وصلى الله على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه وسلَّم.
* * *
سلطنة الملك المنصور محمد بن العزيز عثمان
هو ناصر الدين محمد ابن الملك العزيز عثمان، استقر في السلطنة
стр. 558
بعد وفاة والده، واتفقت الأمراء على إحضار أحد من بني أيوب ليقوم بالملك، وعملوا مشورة بحضرة القاضي الفاضل، فأشار بالملك الأفضل، وهو حينئذ بصرخد، فأرسلوا إليه، فسار محِثًّا، ووصل إلى مصر على أنه أتابك الملك المنصور بن العزيز، وكان عمر المنصور حينئذ تسع سنين وشهوراً، فخرج المنصور للقائه، فترجَّل له عمُّه الأفضل، ودخل بين يديه إلى دار الوزارة، وكانت مقر السلطنة.
ثم برَز الأفضل من مصر، وسار إلى الشام ليأخذها، لاشتغال عمه الملك العادل بحصار ماردين، فبلغ العادل ذلك، فسار إلى دمشق، ودخلها قبل نزول الأفضل عليها بيومين، ثم حصل بينهما قتال، وكاد الأفضلُ يأخذ دمشق، لولا ما حصل بينه وبين أخيه الظاهر صاحبِ حلب من الخلف، ثم سار الأفضل إلى مصر، فخرج الملك العادل في أشره إلى مصر، فخرج إليه الأفضل، وضرب معه مصافاً، فانكسر الأفضل، وانهزم إلى القاهرة، ونازل العادل القاهرة ثمانية أيام، فأجاب الأفضل إلى تسليمها على أن يعوض عنها مَيَّافارقين، وحامي، وسميساط، فأجابه العادل إلى ذلك، ولم يف له به.
وكان دخول العادل إلى القاهرة في الحادي والعشرين من ربيع الآخر، سنة ست وتسعين وخمس مئة، ثم سافر الأفضل إلى صرخد، وأقام العادل بمصر على أنه أتابك الملك المنصور محمد بن العزيز عثمان مدة يسيرة، ثم أزال الملك المنصور محمد، واستقل هو في السلطنة على ما يأتي شرحه في ترجمته.
стр. 559
والحمد لله رب العالمين.
* * *
سلطنة الملك العادل أبو بكر محمد بن أبي الشكر
هو سيف الدين أبو بكر محمد بن أبي الشكر أيوب بن شادي بن مروان الملقب: الملك العادل، أخو السلطان الملك الناصر صلاح الدين رحمه الله تعالى.
[دخل] في السلطنة، وخطب له بالقاهرة ومصر يوم الجمعة، الحادي والعشرين من شوال، سنة ست وتسعين وخمس مئة.
ثم إن الملك الظاهر صاحبَ حلب كاتبَ عمه الملك العادل، وصالحه، وخطب له بحلب وبلادها، وضرب السكة باسمه، وانتظمت الممالك الشامية والشرقية والديار المصرية كلها في سلك ملكه، وخطب له على منابرها، فضربت السكة فيها باسمه.
وفي سنة إحدى وست مئة: كانت الهدنة بين الملك العادل والفرنج، وسلم إلى الفرنج يافا، ونزل عن مناصفات لُدّ، والرملة.
وفي سنة ثلاث وست مئة: سار الملك العادل من مصر إلى الشام، ونازل في طريقه عكا، فصالحه أهلها على إطلاق جميع مَنْ بها مِنَ الأسرى.
وفي سنة أربع وست مئة: لما استقر الملك العادل بدمشق، وصل إليه التشريف من الخليفة الإمام الناصر صحبة الشيخ شهاب الدين
стр. 560
السّهروردي، فبالغ الملك العادل في إكرام الشيخ، والتقاه إلى القصير، ووصل من صاحبي حلب وحماة ذهب لينثر على الملك العادل إذا لبمس الخلعة، فلبسها، ونثر ذلك الذهب، وكان يوماً مشهوداً.
والخلعة جبةُ أطلسٍ أسودَ بطراز مذهب، وعمامة سوداء بطراز مذهب، وطوق ذهب مجوهر تطوق به الملك العادل، وسيف جميعُ قرابه ملبس ذهباً تقلَّد به، وحصان أشهب، ونشُر على رأسه علمٌ أسود مكتوب فيه بالبياض اسم الخليفة، ثم خلع رسولُ الخليفة على كل واحد من الملك الأشرف، والملك المعظم ابني الملك العادل عمامة سوداء، وثوباً أسود واسع الكم، وكذلك على الوزير صفي الدين بن شكر.
وركب الملكُ العادل وولداه ووزيره بالخلع، ودخل القلعة.
ووصل مع الخلعة تقليد بالبلاد التي تحت حكمه، وخوطب الملك العادل فيه: شاهنشاه ملك الملوك، خليل أمير المؤمنين.
ثم توجه الشيخ شهاب الدين إلى مصر، فخلع على الملك الكامل، وجرى فيها نظير ما جرى في دمشق من الاحتفال.
ثم عاد الشيخ شهاب الدين السهروردي إلى بغداد مكرماً معظماً.
وفي هذه السنة: اهتم الملك العادل بعمارة القلعة بدمشق، وألزم كل واحد من ملوك أهل بيته بعمارة برج من أبراجها.
وفي سنة ست وست مئة: سار الملك العادل من دمشق، وقطع الفرات، ثم عاد إلى دمشق، وسار إلى الديار المصرية، وأقام بدار الوزارة في سنة سبع وست مئة.
стр. 561
ثم في سنة ثمان وست مئة: عاد الملك العادل إلى الشام، ثم رجع إلى الديار المصرية، ثم نزل بسبب وصول الفرنج إلى عكا، ووقع لهم وقائع في سنة أربع عشرة وست مئة.
ثم إنه كان نازلاً مرج الصفر، وقد أرسل العساكر إلى ولده الملك الكامل بالديار المصرية، ثم رحل الملك العادل من مرج الصفر إلى عالقين: قرية ظاهر دمشق، وهي عند عقبة أفِيقٍ، فنزل بها، ومرض، وافشد مرضه، ثم انتقل هناك إلى رحمة الله تعالى في سابع جمادى الآخرة، سنة خمس عشرة وست مئة، وكان مولده سنة أربعين وخمس مئة، فكان عمره خمساً وسبعين سنة.
وكانت مدة ملكه لدمشق ثلاثاً وعشرين سنة، ولمصر نحو تسع عشرة سنة، وكان - رحمه الله تعالى - حازماً متيقظاً، غزير العقل، سديد الآراء، ذا مكر وخديعة، صبوراً حليما، يسمع ما يكره، ويُغضي عنه، وأتته السعادة، واتسع ملكه، وكثرت أولاده، ورأى فيهم ما يحب، وخلَّف ستة عشر ولداً ذكراً غيرَ البنات، ولم يكن عنده حاضراً أحد من أولاده، فحضر إليه ابنه الملك المعظم عيسى، وكان بنابلس، فكتم موته، وأخذه ميتاً في مِحَفَّة، وعاد به إلى دمشق، واحتوى على جميع ما كان مع أبيه من الجواهر والسلاح، فلما وصل إلى دمشق، حلف الناس، وأظهر موت أبيه، وكتب إلى الملوك من إخوته وغيرهم يخبرهم بموته.
وصلى الله على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه وسلَّم.
стр. 562
سلطنة أبي المعالي محمد ابن الملك العادل سيف الدين
هو أبو المعالي محمد ابن الملك العادل سيف الدين أبي بكر بن أيوب: استقل بالسلطنة بالديار المصرية بعد وفاة والده، وكان والده قد خرج عليه الفرنج بالساحل، فأدركته المنية، وعاد الفرنج لجهة القاهرة، وملكوا دمياط، وهجموها في عاشر رمضان، سنة ست عشرة وست مئة، وأسروا من بها، وجعلوا الجامع كنيسة، واشتد طمعهم في الديار المصرية، فابتنى الملك الكامل مدينة سماها: المنصورة، عند مفترق البحرين، ونزل فيها بعساكره
وفي سنة ثمان عشرة وست مئة ظهر الفرنج من دمياط إلى جهة مصر، ووصلوا إلى المنصورة، واشتد القتال بين الفريقين، وكتبُ السلطان الملك الكامل متواترة إلى إخوته وأهل بيته، يستحثهم على إنجاده، فسار إليه المعظَّم عيسى صاحبُ دمشق بعسكر دمشق، والأشرفُ صاحب البلاد الشرقية بعساكره، واستصحب عسكرَ حلب، والملكُ الناصر قليج أرسلان صاحب حماة، والأمجد صاحب بعلبك، وشيركوه صاحب حمص، ووصلوا إلى الملك الكامل وهو في قتال الفرنج على المنصورة، فقويت نفوس المسلمين، وضعفت نفوس الفرنج؛ لِما شاهدوه من كثرة العساكر، ونصر الله المسلمين، وسُلمت دمياط إليهم في تاسع عشر رجب، سنة ثمان عشرة وست مئة، ثم توجه كل ملك إلى بلاده.
стр. 563
[ ... .] لما دخلت سنة ست وعشرين وست مئة: استهلت، وملوك بني أيوب متفرقون مختلفون، قد صاروا أحزاباً، بعد أن كانوا إخواناً أصحاباً، فقويت الفرنج بذلك، وبموت المعظم عيسى، وبمن وفد إليهم من البحر، فطلبوا من المسلمين أن يردُّوا إليهم ما كان صلاح الدين فتحه، فوقعت المصالحة بينهم وبين الملك الكامل على أن يرد عليهم بيت المقدس وحدَه، وتستمر أسواره خراباً، ولا يتعرضوا إلى قبة الصخرة، ولا إلى المسجد الأقصى، ويكون الحكم في الرستاق إلى والي المسلمين، فتسلم الإنيرطون القدسَ على الشرط المذكور في ربيع الآخر.
ومعنى أنيرطون: ملك الأمراء.
فلما بلغ ذلك المسلمين، عظم عليهم جداً، وحصل بذلك وهن شديد، وإرجاف في الناس.
ولما وقع ذلك، كان الناصر داود في الحصار لانتزاع دمشق منه، فاخذ الناصر داود في التشنيع على عمه بذلك، وكان بدمشق الشيخ شمس الدين يوسف سبطُ أبي الفرج ابن الجوزي، وكان واعظا، له قَبول عند الناس، فأمره الناصر داود أن يعمل مجلس وعظ يذكر فيه فضائل بيت المقدس، وما حل بالمسلمين من تسليمه إلى الفرنج، ففعل ذلك، وكان مجلساً عظيماً.
ومن جملة ما أنشد قصيدة تائية، ضمنها بيت دُعبل الخزاعي:
стр. 564
مَدَارِسُ آيَاتٍ خَلَتْ مِنْ تِلاَوَةٍ ... وَمَنزِلُ وَحْيٍ مُقْفِرُ العَرَصَاتِ
وارتفع بكاء الناس وضجيجهم لذلك.
وفي سنة خمس وثلاثين وست مئة: توجه الملك الكامل إلى دمشق، واستولى عليها، وقصدَ أخذَ حمص من صاحبها، ثم بعد استقراره بدمشق، لم يلبث غير أيام حتى مرض، واشتد مرضه، فمات لتسع بقين من رجب، سنة خمس وثلاثين وست مئة، وعمره نحو ستين سنة.
وكانت مدة ملكه مصر - من حين مات أبوه - عشرين سنة، وكان نائباً بها قبل ذلك قريباً من عشرين سنة، فحكم في مصر نائباً وملكاً نحو أربعين سنة، وأشبه حاله حال معاوية بن أبي سفيان؛ فإنه حكم في الشام نائباً نحو عشرين سنة، وملكاً نحو عشرين سنة.
وكان الملك الكامل ملكاً جليلاً مهيباً، حسن التدبير، أمنت الطرق في أيامه، وعُمرت ديار مصر، وكان محبا للعلماء ومجالستهم، وله المدرسة الكاملية، وقبة الشافعي ﵁، وأجرى له ماء النيل رحمه الله تعالى، وعفا عنه.
والحمد لله وحده، وصلَّى الله على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه وسلَّم.
стр. 565
سلطنة الملك العادل أبي بكر ابن الملك الكامل
هو أبو بكر ابن الملك الكامل محمد ابن الملك العادل أبي بكر بن أيوب.
توفي والده بدمشق، وهو يومئذ نائبه بمصر، فاتفق رأي الأمراء على تحليف العسكر له، واستقر في السلطنة.
فلما كان في سنة ست وثلاثين وست مئة: استولى الملك الصالح أيوب بن الكامل على دمشق، وأخذها بتسليم الملك الجواد يونس نائب الملك العادل - كما تقدم في ترجمة بني أيوب -، ثم قصد الملك الصالح أيوبُ التوجه إلى ديار مصر، وأخذها من أخيه العادل، فوصل محيي الدين بن الجوزي رسولُ الخليفة يصلح بين الأخوين: العادل صاحب مصر، والصالح أيوب المستولي على دمشق، وهذا محيي الدين هو الذي حضر ليصلح بين الكامل والأشرف.
ثم إن الصالح إسماعيل صاحب بعلبك سار هو وشيركوه صاحبُ حمص بجموعهما، وهجموا دمشق، وأخذوها، وقبض على المغيث فتح الدين عمر بن الصالح أيوب بنابلس؛ لقصد التوجه إلى مصر وأخذِها، فلما بلغه ذلك، رحل إلى الغور، فسار إليه الناصر داود صاحبُ الكَرَك، وأمسكه، وأرسله إلى الكرك، واعتقله بها، فأرسل العادل يطلبه، فلم يرسله إليه الناصر داود - وتقدم ذكر ذلك في ترجمة بني أيوب في سنة سبع وثلاثين وست مئة -.