← История

История · id 127698

التاريخ المعتبر في أنباء من غبر

مجير الدين العليمي

Полный текст (1 251 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.

стр. 561

ثم في سنة ثمان وست مئة: عاد الملك العادل إلى الشام، ثم رجع إلى الديار المصرية، ثم نزل بسبب وصول الفرنج إلى عكا، ووقع لهم وقائع في سنة أربع عشرة وست مئة. ثم إنه كان نازلاً مرج الصفر، وقد أرسل العساكر إلى ولده الملك الكامل بالديار المصرية، ثم رحل الملك العادل من مرج الصفر إلى عالقين: قرية ظاهر دمشق، وهي عند عقبة أفِيقٍ، فنزل بها، ومرض، وافشد مرضه، ثم انتقل هناك إلى رحمة الله تعالى في سابع جمادى الآخرة، سنة خمس عشرة وست مئة، وكان مولده سنة أربعين وخمس مئة، فكان عمره خمساً وسبعين سنة. وكانت مدة ملكه لدمشق ثلاثاً وعشرين سنة، ولمصر نحو تسع عشرة سنة، وكان - رحمه الله تعالى - حازماً متيقظاً، غزير العقل، سديد الآراء، ذا مكر وخديعة، صبوراً حليما، يسمع ما يكره، ويُغضي عنه، وأتته السعادة، واتسع ملكه، وكثرت أولاده، ورأى فيهم ما يحب، وخلَّف ستة عشر ولداً ذكراً غيرَ البنات، ولم يكن عنده حاضراً أحد من أولاده، فحضر إليه ابنه الملك المعظم عيسى، وكان بنابلس، فكتم موته، وأخذه ميتاً في مِحَفَّة، وعاد به إلى دمشق، واحتوى على جميع ما كان مع أبيه من الجواهر والسلاح، فلما وصل إلى دمشق، حلف الناس، وأظهر موت أبيه، وكتب إلى الملوك من إخوته وغيرهم يخبرهم بموته. وصلى الله على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه وسلَّم.

стр. 562

سلطنة أبي المعالي محمد ابن الملك العادل سيف الدين هو أبو المعالي محمد ابن الملك العادل سيف الدين أبي بكر بن أيوب: استقل بالسلطنة بالديار المصرية بعد وفاة والده، وكان والده قد خرج عليه الفرنج بالساحل، فأدركته المنية، وعاد الفرنج لجهة القاهرة، وملكوا دمياط، وهجموها في عاشر رمضان، سنة ست عشرة وست مئة، وأسروا من بها، وجعلوا الجامع كنيسة، واشتد طمعهم في الديار المصرية، فابتنى الملك الكامل مدينة سماها: المنصورة، عند مفترق البحرين، ونزل فيها بعساكره وفي سنة ثمان عشرة وست مئة ظهر الفرنج من دمياط إلى جهة مصر، ووصلوا إلى المنصورة، واشتد القتال بين الفريقين، وكتبُ السلطان الملك الكامل متواترة إلى إخوته وأهل بيته، يستحثهم على إنجاده، فسار إليه المعظَّم عيسى صاحبُ دمشق بعسكر دمشق، والأشرفُ صاحب البلاد الشرقية بعساكره، واستصحب عسكرَ حلب، والملكُ الناصر قليج أرسلان صاحب حماة، والأمجد صاحب بعلبك، وشيركوه صاحب حمص، ووصلوا إلى الملك الكامل وهو في قتال الفرنج على المنصورة، فقويت نفوس المسلمين، وضعفت نفوس الفرنج؛ لِما شاهدوه من كثرة العساكر، ونصر الله المسلمين، وسُلمت دمياط إليهم في تاسع عشر رجب، سنة ثمان عشرة وست مئة، ثم توجه كل ملك إلى بلاده.

стр. 563

[ ... .] لما دخلت سنة ست وعشرين وست مئة: استهلت، وملوك بني أيوب متفرقون مختلفون، قد صاروا أحزاباً، بعد أن كانوا إخواناً أصحاباً، فقويت الفرنج بذلك، وبموت المعظم عيسى، وبمن وفد إليهم من البحر، فطلبوا من المسلمين أن يردُّوا إليهم ما كان صلاح الدين فتحه، فوقعت المصالحة بينهم وبين الملك الكامل على أن يرد عليهم بيت المقدس وحدَه، وتستمر أسواره خراباً، ولا يتعرضوا إلى قبة الصخرة، ولا إلى المسجد الأقصى، ويكون الحكم في الرستاق إلى والي المسلمين، فتسلم الإنيرطون القدسَ على الشرط المذكور في ربيع الآخر. ومعنى أنيرطون: ملك الأمراء. فلما بلغ ذلك المسلمين، عظم عليهم جداً، وحصل بذلك وهن شديد، وإرجاف في الناس. ولما وقع ذلك، كان الناصر داود في الحصار لانتزاع دمشق منه، فاخذ الناصر داود في التشنيع على عمه بذلك، وكان بدمشق الشيخ شمس الدين يوسف سبطُ أبي الفرج ابن الجوزي، وكان واعظا، له قَبول عند الناس، فأمره الناصر داود أن يعمل مجلس وعظ يذكر فيه فضائل بيت المقدس، وما حل بالمسلمين من تسليمه إلى الفرنج، ففعل ذلك، وكان مجلساً عظيماً. ومن جملة ما أنشد قصيدة تائية، ضمنها بيت دُعبل الخزاعي:

стр. 564

مَدَارِسُ آيَاتٍ خَلَتْ مِنْ تِلاَوَةٍ ... وَمَنزِلُ وَحْيٍ مُقْفِرُ العَرَصَاتِ وارتفع بكاء الناس وضجيجهم لذلك. وفي سنة خمس وثلاثين وست مئة: توجه الملك الكامل إلى دمشق، واستولى عليها، وقصدَ أخذَ حمص من صاحبها، ثم بعد استقراره بدمشق، لم يلبث غير أيام حتى مرض، واشتد مرضه، فمات لتسع بقين من رجب، سنة خمس وثلاثين وست مئة، وعمره نحو ستين سنة. وكانت مدة ملكه مصر - من حين مات أبوه - عشرين سنة، وكان نائباً بها قبل ذلك قريباً من عشرين سنة، فحكم في مصر نائباً وملكاً نحو أربعين سنة، وأشبه حاله حال معاوية بن أبي سفيان؛ فإنه حكم في الشام نائباً نحو عشرين سنة، وملكاً نحو عشرين سنة. وكان الملك الكامل ملكاً جليلاً مهيباً، حسن التدبير، أمنت الطرق في أيامه، وعُمرت ديار مصر، وكان محبا للعلماء ومجالستهم، وله المدرسة الكاملية، وقبة الشافعي ﵁، وأجرى له ماء النيل رحمه الله تعالى، وعفا عنه. والحمد لله وحده، وصلَّى الله على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه وسلَّم.

стр. 565

سلطنة الملك العادل أبي بكر ابن الملك الكامل هو أبو بكر ابن الملك الكامل محمد ابن الملك العادل أبي بكر بن أيوب. توفي والده بدمشق، وهو يومئذ نائبه بمصر، فاتفق رأي الأمراء على تحليف العسكر له، واستقر في السلطنة. فلما كان في سنة ست وثلاثين وست مئة: استولى الملك الصالح أيوب بن الكامل على دمشق، وأخذها بتسليم الملك الجواد يونس نائب الملك العادل - كما تقدم في ترجمة بني أيوب -، ثم قصد الملك الصالح أيوبُ التوجه إلى ديار مصر، وأخذها من أخيه العادل، فوصل محيي الدين بن الجوزي رسولُ الخليفة يصلح بين الأخوين: العادل صاحب مصر، والصالح أيوب المستولي على دمشق، وهذا محيي الدين هو الذي حضر ليصلح بين الكامل والأشرف. ثم إن الصالح إسماعيل صاحب بعلبك سار هو وشيركوه صاحبُ حمص بجموعهما، وهجموا دمشق، وأخذوها، وقبض على المغيث فتح الدين عمر بن الصالح أيوب بنابلس؛ لقصد التوجه إلى مصر وأخذِها، فلما بلغه ذلك، رحل إلى الغور، فسار إليه الناصر داود صاحبُ الكَرَك، وأمسكه، وأرسله إلى الكرك، واعتقله بها، فأرسل العادل يطلبه، فلم يرسله إليه الناصر داود - وتقدم ذكر ذلك في ترجمة بني أيوب في سنة سبع وثلاثين وست مئة -.

стр. 566

* ذكر الحوادث التي وقعت في بيت المقدس: ثم بعد اعتقال الملك الصالح أيوب بالكرك، قصد الناصر داود القدس، وكان الفرنج قد عمروا قلعتها بعد موت الملك الكامل، فحاصرها، وفتحها، وخرب القلعة، وخرب برج داود - أيضًا -؛ فإنه لما خربت القدس أولاً، لم يخرب برج داود، فخربه في هذه المرة، وذلك في سنة سبع وثلاثين وست مئة. فأنشد فيه جمال الدين بن مطروح، وكان فاضلاً: المَسْجِدُ الأَقْصَى لَهُ آيَةٌ ... سَارَتْ فَصَارَتْ مَثَلاً سَائِرَا إِذَا غَدَا لِلْكُفْرِ مُسْتَوْطَناً ... أَنْ يَبْعَثَ اللهُ لَهُ نَاصِرَا فَنَاصِرٌ ظُهُورُهُ أَوَّلاً ... وَنَاصِرٌ ظُهُورُهُ آخِرَا * * * واستمر الملك العادل في السلطنة إلى شهر ذي القعدة من السنة المذكورة، وكانت مدة ملكه نحو سنتين، وخُلع - كما يأتي شرحه في ترجمة الصالح أيوب -، وحبس إلى أن مات في سنة خمس وأربعين وست مئة، وكان عمره نحو ثلاثين سنة رحمه الله تعالى. وصلَّى الله على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه وسلَّم. * * * سلطنة الملك الصالح نجم الدين أيوب ابن الملك الكامل هو نجم الدين أيوب ابن الملك الكامل محمد.

стр. 567

تقدم في ترجمة أخيه العادل، وفي ترجمة بني أيوب: أن الناصر داود صاحبَ الكرك اعتقله بالكرك، واستمر في الاعتقال إلى أواخر رمضان، سنة سبع وثلاثين وست مئة، ثم أفرج عنه، واجتمعت عليه مماليكه، وكاتبه البهاء زهير، وسار الناصر داود وصحبته الملك الصالح إلى قبة الصخرة ببيت المقدس، وتحالفا على أن تكون ديار مصر للصالح أيوب، ودمشق والبلاد الشرقية للناصر داود، ولم يف له بذلك، وكان يتأول في يمينه أنه كان مُكْرَهاً. ثم سار إلى غزة، فلما بلغ الملكَ العادل صاحبَ مصر ذلك، عظُم عليه وعلى والدته، وبرز على بلبيس بعسكر مصر، واستنجد بعمه الصالح إسماعيل المستولي على دمشق، فسار إليه بعساكر دمشق، فبينما الناصرُ داود، والصالحُ أيوب في هذه السنة، وهما بين عسكرين قد أحاطا بهما، إذ ركب جماعة من المماليك الأشرفية، ومقدمهم أيبك الأسمر، وأحاطوا بدهليز الملك العادل أبي بكر بن الكامل وقبضوا عليه، وجعلوه في خيمة صغيرة، وعليه من يحفظه، وأرسلوا إلى الملك الصالح أيوب يستدعونه، ففرح بذلك فرحاً لم يسمع بمثله، وسار إلى مصر، وبقي يلتقي الملكَ الصالح في كل يوم فوجٌ بعد فوج من الأمراء والعساكر، وكان القبض على العادل ليلة الجمعة، ثامن ذي القعدة، سنة سبع وثلاثين وست مئة. ودخل الملك الصالح أيوب إلى قلعة الجبل يوم الأحد بُكرة، لستٍّ بقين من الشهر المذكور، وزُينت له البلاد، وفرح الناس بقدومه.

стр. 568

ولما استقر في السلطنة، خاف الناصر داود أن يقبض عليه، فطلب دستوراً، وتوجه إلى بلاده الكرك، وكذلك خاف الصالح إسماعيل من ابن أخيه الصالح أيوب. وفي سنة إحدى وأربعين وست مئة: اتفق الصالح إسماعيل المستولي على دمشق مع الناصر داود صاحب الكرك، واعتضدا بالفرنج، وسلَّما إلى الفرنج طبرية، وعسقلان، فعمر الفرنج قلعتهما، وسلما - أيضًا - إليهم القدس بما فيه من المزارات. قال القاضي جمال الدين بن واصل: ومررت إذ ذاك بالقدس متوجهاً إلى مصر، ورأيت القُسوس قد جعليوا على الصخرة قناني الخمر للقربان، فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. فلما دخلت سنة اثنتين وأربعين وست مئة: استدعى الملك الصالح أيوب - رحمه الله تعالى - الخوارزمية؛ لينصروه على عمه الصالح إسماعيل، فكان المصاف بين عسكر مصر، ومعهم الخوارزمية، وبين عسكر دمشق، ومقدَّمهم الملكُ المنصور إبراهيم بن شيركوه صاحبُ حمص، ومعهم الفرنج وعسكرُ الكَرَك، ولم يحضر الناصر داود ذلك. والتقى الفريقان بظاهر غزة، فولَّى عسكرُ دمشق وصاحبُ حمص إبراهيمُ والفرنجُ منهزمين، وتبعهم عسكر مصر والخوارزمية، فقتلوا منهم خلقاً كثيراً. واستولى الملك الصالح أيوب صاحب مصر على غزة، والسواحل، والقدس الشريف - ولله الحمد -، ووصلت الأمراء والرؤوس إلى مصر،

стр. 569

ودُقت بها البشائر عدة أيام. ثم استولى الصالح أيوب على دمشق في سنة ثلاث وأربعين وست مئة، واستولى على بعلبك في سنة أربع وأربعين، واستولى على الكرك في سنة سبع وأربعين، قبل وفاته بيسير - كما تقدم ذكر ذلك في ترجمة بني أيوب -. وتوفي الملك الصالح أيوب بن الكامل محمد بن العادل أبي بكر ابن أيوب في ليلة الأحد، لأربعَ عشرةَ ليلةً مضت من شعبان، سنة سبع وأربعين وست مئة. وكانت مدة مملكته للديار المصرية تسع سنين، وثمانية أشهر، وعشرين يوماً، وكان عمره نحو أربع وأربعين سنة. وكان مهيباً، عالي الهمة، عفيفاً، طاهر اللسان، شديد الوقار، كثير الصمت، وكان غاوياً بالعمارة، بنى قلعة الجزيرة، وبنى الصالحية، وهي بلدة بالسالح، وبنى قصراً عظيماً بين مصر والقاهرة يسمى بالكبش. وكانت أم الملك الصالح أيوب جارية سوداء تسمى: ورد المنى، غشيها السلطان الملك الكامل، فحملت بالملك الصالح. وكان للملك الصالح ثلاثة أولاد، أحدهم: فتح الدين، توفي في حبس الصالح إسماعيل - كما تقدم في ترجمة بني أيوب -، وكان قد توفي ولده الآخر قبله، ولم يكن قد بقي له غير المعظم توران شاه بحصن كيفا، ومات الملك الصالح، ولم يوص إلى أحد - رحمه الله تعالى -.

стр. 570

سلطنة الملك المعظم توران شاه ابن الملك الصالح لما توفي الملك الصالح نجم الدين أيوب، أَحضرتْ شجرُ الدرِّ جاريتُه فخرَ الدين ابن الشيخ، والطواشي جمال الدين محسن، وعرَّفتهما بموت السلطان، فكتموا ذلك خوفاً من الفرنج، وجمعت شجر الدر الأمراء، وقالت لهم: السلطان أمركم أن تحلفوا له، ثم من بعده لولده الملك المعظم توران شاه المقيم بحصن كيفا، وللأمير فخر الدين ابن الشيخ بأتابكية العسكر، فحلف الأمراء والأجناد والكبراء بالعسكر على ذلك، في العشر الأوسط من شعبان، سنة سبع وأربعين وست مئة، وكانت بعد ذلك تُخرج الكتب والمراسيم، وعليها علامة الملك الصالح، يكتبها خادم يقال له: السهيلي، فلا يشك أحد أنه خط السلطان. وأرسل فخر الدين قاصداً للملك المعظم، فسار من الحصن، ووصل دمشق في رمضان، وَعَيَّدَ بها عيدَ الفطر، ووصل إلى المنصورة يوم الخميس، لتسعٍ بقين من ذي القعدة، سنة سبع وأربعين وست مئة، والقتال مشتد بين المسلمين والفرنج براً وبحراً، ونصر الله المسلمين، وبلغت عدة القتلى من الفرنج ثلاثين ألفاً، وأُسر ملكهم، ورحل الملك المعظَّم بالعساكر من المنصورة، ونزل بغار سكور. وقتل في يوم الاثنين لليلة بقيت من المحرم، سنة ثمان وأربعين وست مئة، وسببه: أنه طرح جانب أمراء أبيه ومماليكه، وهددهم، واعتمد على بطانته الذين وصلوا معه من حصن كَيْفا، وكانوا أطرافاً أراذل،

стр. 571

فاجتمعوا على قتله بعد نزوله بغار سكور، وهجموا عليه بالسيوف، وكان أول من ضربه: ركن الدين بيبرس الذي صار سلطاناً فيما بعد، فهرب الملك المعظم منهم إلى البرج الخشب الذي نصب له بغار سكور، فأطلقوا في البرج النار، فخرج المعظم من البرج هارباً طالباً البحر ليركب في حَرَّاقته، فحالوا بينه وبينها بالنشاب، فطرح نفسه في البحر، فأدركوه، وأتموا قتله. وكانت مدة إقامته في المملكة من حين وصوله إلى الديار المصرية شهرين وأياما ﵀، وعفا عنه. أخبار شجر الدر لما جرى ما ذكر من قتل الملك المعظم توران شاه، اجتمعت الأمراء على أن يقيموا شجر الدر زوجةَ الملك الصالح في المملكة، وأن يكون عز الدين أيبك الجاشنكير الصالحي المعروفُ بالتركماني أتابكَ العسكر، وحلفوا على ذلك. وخطب لشجر الدر على المنابر وضربت السكة باسمها، وكان نقش السكة: المستعصمية الصالحية ملكة المسلمين والدة الملك المنصور خليل. وكانت شجر الدر قد ولدت للملك الصالح ولداً مات صغيراً، وكان اسمه خليل، فسميت والدة خليل، وكانت تعلم وتكتب على المناشير

стр. 572

والتواقيع: والدة خليل. ولمَّا استقر الأمر على ذلك، وقع الحديث مع ملك الفرنج الذي أُسر في حياة الملك المعظم، وهو افرنسيس في تسليم دمياط للمسلمين بالإفراج عنه، فأجاب لذلك، وتقدم إلى نوابه بتسليمها، فسلموها، وصعد إليها العَلَم السلطاني يوم الجمعة، لثلاثٍ مضين من صفر، سنة ثمان وأربعين وست مئة، وأطلق المذكور، فركب البحر بمن معه نهار السبت غداة الجمعة، وأقلعوا إلى عكا. ووردت البشرى بهذا الفتح العظيم إلى سائر الأقطار، ثم عادت العساكر، ودخلت القاهرة يوم الخميس، تامع صفر المذكور، وأرسل المصريون رسولاً إلى الأمراء الذين بدمشق في موافقتهم على ذلك، فلم يجيبوا إليه. * * * سلطنة الملك المعز عز الدين أيبك التركماني لما جرى ما ذُكر من أخبار شجر الدر، حصل الكلام بين كبراء الدولة: أنه إذا استقر أمر المملكة على امرأة على ما هو عليه الحال، تفسد الأمور، واتفقوا على إقامة عز الدين أيبك التركماني الجاشنكير الصالحي في السلطنة، ومعنى الجاشنكير: مشد الشربخانة، فأقاموه، وركب بالصناجق السلطانية، وحملت الغاشية بين يديه يوم السبت، آخر ربيع الآخر، سنة ثمان وأربعين وست مئة، ولقب: الملك المعز، وأبطلت

стр. 573

السكة والخطبة التي كانت باسم شجر الدّر، فأقام على ذلك خمسة أيام، وخلع. والحمد لله وحده، وصلَّى الله على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه وسلَّم. * * * سلطنة الملك الأشرف موسى بن يوسف هو الملك الأشرف موسى بن يوسف بن يوسف صاحبُ اليمن، المعروف باقسيس ابن الملك الكامل محمد ابن الملك العادل أبي بكر ابن أيوب. لما جرى ما ذكر من سلطنة المعز أيبك التركماني، اجتمعت الأمراء، واتفقوا على أنه لا بد من إقامة شخص من بني أيوب في السلطنة، واجتمعو اعلى إقامة موسى المذكور، ولقبوه: الملك الأشرف، وأن يكون أيبك التركماني أتابِكَه، وأُجلس الأشرف في دَسْت السلطنة، وحضرت الأمراء في خدمته يوم الخميس، لخمس مضين من جمادى الأولى، سنة ثمان وأربعين وست مئة. ثم حصل بينه وبين الملك الناصر يوسف صاحب دمشق وقعات، وسار الناصر يوسف إلى الديار المصرية ليأخذها، وكُسِر وانهزم. وفي سنة اثنتين وخمسين وست مئة: اغتال الملكُ المعزُّ أيبك التركماني المستولي على مصر خوشداشَه أقطاي الجمدار، وأوقفَ له

стр. 574

في بعض دهاليز الدور التي بقلعة الجبل ثلاثةَ مماليك، فلما مر بهم فارسُ الدين أقطاي، ضربوه بسيوفهم، وقتلوه، وكان الفارس أقطاي يمنع أيبك من الاستقلال بالسلطنة، وكان الاسم للملك الأشرف موسى، فلما قُتل أقطاي، أبطل المُعر أيبك الأشرفَ موسى المذكور من السلطنة بالكلية، وبعث به إلى عماته القطبيات. وموسى المذكور هو الذي أقام الترك في مملكة مصر، وهو آخر من خُطب له من بيت أيوب بالسلطنة في مصر، وكان انقراض دولتهم من الديار المصرية في هذه السنة، وهي سنة اثنتين وخمسين ولست مئة. وصلَّى الله على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه وسلَّم. * * * سلطنة المعز أيبك التركماني لما قُتل أقطاي، استقل المعز أيبك التركماني بالسلطنة، وأبطل الأشرفَ موسى - كما تقدم -، وتزوج المعز أيبك شجرَ الدر أمَّ خليل التي خطب لها بالسلطنة في ديار مصر، وقُتل المعز أيبك في يوم الثلاثاء، الثالث والعشرين من ربيع الأول، سنة خمس وخمسين وست مئة، قتلته امرأته شجر الدر المذكورة، وكان سبب ذلك: أنه بلغها أنه خطب بنت بدر الدين لؤلؤ صاحب الموصل، ويريد أن يتزوجها، فقتلته في الحمَّام بعد عَوده من لعب الأكرة في النهار المذكور، وكان الذي قتله: سنجر الجوهري مملوك الطواشي محسن، والخدم، حسبما اتفقت معهم عليه

стр. 575

شجر الدر، وأرسلت في تلك الليلة أصبع المعز أيبك وخاتمه إلى الأمير عز الدين الحلبي الكبير، وطلبت منه أن يقوم بالأمر، فلم يجسُر على ذلك، ولمَّا ظهر الخبر، أراد مماليك المعز أيبك قتلَ شجر الدر، فحماها المماليك الصالحية. وصلَّى الله على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه وسلَّم. * * * سلطنة الملك المنصور نور الدين علي بن المعز أيبك لما قُتل الملك المعزُّ أيبك، اتفقت الكلمة على إقامة نور الدين علي ابن المعز أيبك، ولقبوه: الملك المنصور، وعمره يومئذ خمس عشرة سنة. ونُقلت شجر الدر من دار السلطنة إلى البرج الأحمر، وصَلبوا الخدَّام الذين اتفقوا معها على قتل المعز أيبك، وهرب سنجر الجوجري ثم ظفروا به، وصلبوه. وفي سادس عشر ربيع الآخر من السنة المذكورة قُتلت شجر الدر، وأُلقيت خارج البرج، فحُملت إلى تربة كانت قد عملتها، وكانت تركية الجنس، وقيل: أرمنية، وكانت مع الملك الصالح في الاعتقال في الكرك. واستمر المنصور في السلطنة إلى أواخر سنة سبع وخمسين وست مئة.

стр. 576

والحمد لله رب العالمين. * * * سلطنة الملك المظفر قُطُز لما كان في أوائل [ذي] الحجة، سنة سبع وخمسين وست مئة: قبض سيف الدين قطز على ولد أستاذه الملك المنصور نور الدين علي ابن المعز أيبك، وخلعه من السلطنة، واستقل قطز في ملك الديار المصرية، وتلقب بالملك المظفر. ثم عزم على الخروج إلى الشام، بسبب قتال التتر لما استولوا على المملكة الشامية، فسار من الديار المصرية في أوائل رمضان، سنة ثمان وخمسين وست مئة، فدخل إلى الشام، وانهزم التتر هزيمة قبيحة، وقتل مقدمهم كتبغا، وانتصر عسكر الإسلام. ثم قرر الملك المظفر قطز أمر الشام، وسار إلى جهة البلاد المصرية. وكان قد اتفق بيبرس البندقداري الصالحي مع أنص مملوكِ نجم الدين الرومي الصالحي، والهاروني، وعلم الدين طغان أوغلي على قتل المظفر قطز، وساروا معه يتوقعون الفرصة، فلما وصل قطز إلى القصير بطرف الرمل، وبينه وبين الصالحية مرحلة، وقد سبق الدهليز والعسكر إلى الصالحية، فبينما قطز يسير، إذ قامت أرنب بين يديه، فساق عليها، وساق هؤلاء المذكورون معه، فلما أبعدوا، تقدم إليه أنص، وشفع عند

стр. 577

الملك المظفر قطز في إنسان، فأجابه إلى ذلك، فأهوى ليقبل يده، وقبض عليها، فحمل عليه بيبرس البندقداري حينئذ، وضربه بالسيف، واجتمعوا عليه، ورموه عن فرسه، ثم قتلوه بالنشاب، وذلك في سابع عشر ذي القعدة، سنة ثمان وخمسين وست مئة، فكانت مدة ملكه أحد عشر شهرًا، وثلاثة عشر يوماً، وسار بيبرس وأولئك بعد مقتله حتى وصلوا الدهليز بالصالحية. * * * سلطنة الملك الظاهر بيبرس البندقداري هو ركن الدين أبو الفتح بيبرس الصالحيُّ النجميُّ، لما وصل هو والجماعة الذين قتلوا الملك المظفر قطز إلى الدهليز المتقدم بالصالحية، جلس الظاهر بيبرس في مرتبة السلطنة، واستدعيت العساكر للتحليف، فحلفوا له في اليوم الذي قتل فيه قطز، واستقر في السلطنة، وتلقب بالملك القاهر ركن الدين بيبرس الصالحي، ثم بعد ذلك غير لقبه عن الملك القاهر، وتلقب بالملك الظاهر؛ لأنه بلغه أنه لقب غير مبارك، ما تلقب به أحد فطالت مدتُه، وكان الملك الظاهر قد سأل من قطز النيابة بحلب، فلم يجبه إليها؛ ليكون ما قدره الله تعالى. ولما حلف الناس للملك الظاهر بالصالحية، ساق في جماعة من أصحابه، وسبق العسكر إلى قلعة الجبل، ففتحت له، ودخلها، واستقرت قدمه في المملكة، وكانت قد زينت مصر والقاهرة لمقدم قطز، فاستمرت

стр. 578

الزينة لسلطنة بيبرس، وكان مقتل قطز وسلطنة بيبرس في سابع عشر ذي القعدة، سنة ثمان وخمسين وست مئة. وكان علم الدين سليمان الحلبي قد استنابه الملك المظفر قطز بدمشق، فلما جرى ما ذكر من قتل قطز، وسلطنة الظاهر بيبرس، تسلطن سنجر المذكور، بالشام وهو أنه جمع الناس، وحلفهم بالسلطنة لنفسه، وذلك في العشر الأول من ذي الحجة، فأجابه الناس إلى ذلك، وحلفوا له، ولم يتخلف عنه أحد، ولقب نفسه: الملك المجاهد، وخطب له بالسلطنة، وضربت السكة باسمه، وكاتب الملك المنصور صاحبَ حماة، فلم يجبه، وقال: إنا مع ملك الديار المصرية كائناً من كان. ثم في سنة تسع وخمسين وست مئة: جهز الملك الظاهر بيبرس صاحبُ مصر عسكراً مع علاء الدين البندقداري، وهو أستاذ الملك الظاهر لقتال علم الدين سنجر الحلبي المستولي على دمشق، فوصلوا دمشق في ثالث عشر صفر، وخرج لقتالهم، واقتتل معهم، فهزموه، وهرب لجهة بعلبك، فتبعه العسكر، وقبضوا عليه، وحُمل إلى الديار المصرية، فاعتُقل ثم أُطلق، واستقرت دمشق في ملك الملك الظاهر بيبرس، وأقيمت له الخطبة بها، وبغيرها من الشام؛ مثل: حماة، وحلب، وحمص، وغيرها. وفي سنة تسع وخمسين وست مئة: كان ابتداء الخلفاء العباسية بالديار المصرية في أيام الملك الظاهر بيبرس - على ما تقدم شرحه في ترجمة الخليفة المستنصر بالله -.

стр. 579

وفي سنة إحدى وستين وست مئة: سار الملك الظاهر إلى جهة الشام، واستولى على الكرك، وأغار على عكا وبلادها، وهدم كنيسة الناصرة، وهي من أكبر مواطن عبادات النصارى؛ لأن منها خرج دين النصرانية. ثم في سنة ثلاث وستين وست مئة: سار من الديار المصرية بعساكره إلى جهاد الإفرنج، ونازل قيسارية الشام، وضايقها، وفتحها، وهدمها، وسار إلى أرسوف، وفتحها. وفي سنة أربع وستين وست مئة: سار بعساكره من الديار المصرية إلى الشام، وجهز عسكراً إلى ساحل طرابلس، ففتحوا القليعات، وحلب، وعرقا. ونزل على صفد ثامن شعبان، وضايقها بالزحف وآلات الحصار، وفتحها في تاسع عشر شعبان بالأمان، ثم قتل أهلها عن آخرهم، ثم بعد فتوح صفد جهز العسكر إلى بلاد الأرمن، فدخلوا إلى بلاد سيس، وداسوهم وأفنوهم قتلاً وأسراً، ثم عاد إلى البلاد المصرية. وفي سنة ست وستين وست مئة: توجه الملك الظاهر بيبرس بعساكره إلى الشام، وفتح يافا، وأخذها من الفرنج، ثم سار إلى أنطاكية، فملكها، ثم عاد إلى الديار المصرية. وفي سنة تسع وستين وست مئة: توجه الملك الظاهر بيبرس إلى الشام، ونازل حصن الأكراد، وحاصره، وملكه بالأمان، ثم سار إلى حصن القرين، ونازله، وتسلمه بالأمان، وهدمه، ثم عاد إلى مصر.

стр. 580

وفي سنة خمس وسبعين وست مئة: توجه الملك الظاهر بعساكره إلى الشام، وسار إلى بلاد الروم، واستولى على قيسارية، ثم عاد إلى دمشق، فوصل إليها في خامس المحرم، سنة ست وسبعين وست مئة، ونزل بالقصر الأبلق. وتوفي في يوم الخميس، السابع والعشرين من المحرم، سنة يست وسبعين وست مئة وقت الزوال، وكتم مملوكُه ونائبه بدر الدين تتليك المعروف بالخزندار موته، وصبره، وتركه بقلعة دمشق إلى أن بنيت تربته بدمشق قرب الجامع، فدفن بها، وهي مشهورة معروفة، وارتحل بدر الدين بالعساكر ومعهم المحفَّة، مظهراً أن الملك الظاهر فيها، وأنه مريض، وسار إلى ديار مصر، وكان الملك الظاهر قد حلف العسكر لولده بركة بن بيبرس، ولقَّبه: الملك السعيد، وجعله وليَّ عهده، فوصل تتليك الخزندار بالعساكر والخزائن إلى الملك السعيد بقلعة الجبل، وعند ذلك أظهرَ موت الملك الظاهر، وجلس ابنُه السعيد للعزاء. وكانت مدة مملكة الملك الظاهر نحو سبعَ عشرةَ سنة، وشهرين وعشرة أيام، وكان ملكاً جليلاً، شجاعا عاقلاً مهيباً، ملكَ الديار المصرية والشام، وفتح الفتوحات الجليلة، مثل: صفد، وحصن الأكراد، وأنطاكية، وغيرها، وحكم وعدل، وأبطل المظالم وأسقط تشفع الأملاك، وكان جملة ما يحمل منها إلى الديوان ألف ألف دينار، مع عدة مظالم. واهتم بعمارة الحرم الشريف النبوي، وجهز إليه أصناف الآلات والصنَّاع والمهندسين في البر والبحر، والزيت والشمع، وزاد فيه كثيراً.

стр. 581

واهتم بكسوة الكعبة المشرفة، وطيف بها بالقاهرة، وعدل في الرعية، وله محاسن كثيرة - تغمده الله برحمته -. وكان أسمر، أزرق العينين، جهوري الصوت، وكان مملوك أيدكين البندقدار الصالحي، ثم أخذه الملك الصالح من البندقدار، فانتسب إليه دون أستاذه، وكان يخطب له، وينقش على الدراهم والدنانير: بيبرس الصالحي. وصلَّى الله على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه وسلَّم. * * * سلطنة الملك السعيد محمد بركة ابن الملك الظاهر بيبرس كان والده أركبه بشعار السلطنة، وخرج بنفسه في ركابه، وحمل الغاشية بين يديه في ثالث عشر شوال، سنة اثنتين وستين ولست مئة، ثم اشتغل والده بالجهاد، وتجهيز العساكر، فلما توفي بدمشق، وكتم مملوكه بدرُ الدين موته، وحضر إلى الديار المصرية إلى الملك السعيد، وأظهر موت الظاهر، استقر الملك السعيد في السلطنة في أوائل ربيع الأول، سنة ست وسبعين وست مئة. ثم إن الملك السعيد خَبَّط، وأراد تقديم الأصاغر، وأبعد الأمراء الكبار، ففسدت نيات الأمراء الكبار عليه. ثم في سنة سبع وسبعين وست مئة: سار الملك السعيد إلى الشام، وصحبته العساكر، وجرَّد العسكر، ودخلوا إلى بلاد سيس، وشنوا

стр. 582

الإغارة عليها، وغنموا. ثم عادوا إلى جهة دمشق، واتفقوا على خلاف الملك السعيد، وخلعِه من السلطنة؛ لسوءِ تدبيره، وعبروا على دمشق، ولم يدخلوها، فأرسل إليهم، واستعطفهم، ودخل عليهم بوالدته، فلم يلتفتوا إلى ذلك، وأتموا السير، فركب، وساق، فسبقهم إلى مصر، وطلع إلى قلعة الجبل، فوصلت العساكر الخارجون عن طاعته إلى الديار المصرية في ربيع الأول، وحصروا الملك السعيد بقلعة الجبل، فخامر عليه غالبُ من كان معه، فلما رأى الملك السعيد ذلك، أجابهم إلى الانخلاع من السلطنة، وأن يُعطى الكرك، فأجابوه إلى ذلك، وأنزلوه من القلعة، وخلعوه في ربيع الأول، سنة ثمان وسبعين ولست مئة، وسفَّروه من وقته إلى الكرك، فوصل إليها، وتسلمها بما فيها من الأموال، وكانت شيئاً كبيراً. وصلَّى الله على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه وسلَّم. * * * سلطنة الملك العادل بدر الدين سلامش لما جرى ما ذكرناه من خلع السعيدِ بركة، وإعطائه الكَرَك، اتفق أكابر الأمراء الذين فعلوا ذلك على إقامة بدر الدين سلامش في المملكة، ولقبوه: الملك العادل، وعمره إذ ذاك سبع سنين وشهور، وخُطب له، وضُربت السكة باسمه، وذلك في شهر ربيع الأول، سنة ثمان وسبعين وست مئة، وصار الأمير سيف الدين قلاوون الصالحي أتابكَ العساكر،

стр. 583

وجهز الأميرَ شمسَ الدين سنقر الأشقر إلى دمشق، وجعله نائب الشام، ثم إن الأمير سيف الدين قلاوون خلع سلامش، وعزله في يوم الأحد، الثاني والعشرين من رجب، سنة ثمان وسبعين وست مئة. والحمد لله رب العالمين. * * * سلطنة الملك المنصور قلاوون الصالحي هو سيف الدين قلاوون الألفي الصالحي، وجنسه قفجاقي، كان مملوكاً للأمير علاء الدين الساقي الصالحي، وهو أول مملوك بيع بألف دينار في مصر، جلس للسلطنة بعد خلع سلامش في يوم الأحد، الثاني والعشرين من رجب، سنة ثمان وسبعين وست مئة، وأقام منار العدل، وأحسن سياسة الملك، وقام بتدبير السلطنة أحسن قيام. ثم إن الأمير شمس الدين سنقر والي دمشق جلس للسلطنة في الرابع والعشرين من ذي القعدة، سنة ثمان وسبعين وست مئة، وحلف له الأمراء والعسكر الذين عنده بدمشق، وتلقب: الملك الكامل. وفي هذه السنة توفي الملك السعيد بركة بالكرك بعد وصوله إليها بمدة، وحمل إلى دمشق، فدفن في تربة أبيه الظاهر، ولما توفي السعيد، اتفق مَنْ في الكرك، وأقاموا موضعه أخاه نجم الدين خضر، واستقر في الكرك، ولقبوه: الملك المسعود.

стр. 584

ثم في سنة تسع وسبعين وست مئة: جهز الملك المنصور قلاوون عساكر ديار مصر مع علم الدين سنجر الحلبي الذي تقدم ذكر سلطنته بدمشق عقيب قتل قطز، لقتال سنقر الأشقر المستولي على الشام، فسارت العساكر إلى الشام، وبرز سنقر الأشقر إلى ظاهر دمشق، والتقى الفريقان في تاسع عشر صفر، فولى الشاميون وسنقر الأشقر منهزمين، ونهبت العساكر المصرية أثقالهم، وهرب سنقر إلى الرحبة، ثم سار إلى صِهْيَون، واستولى عليها، وعلى برزيه، وبلاطنس، والشغر، وبكاس، وعكار، وشيزر، وفامية، فصارت هذه الأماكن لسنقر الأشقر. وفي سنة أربع وثمانين وست مئة: سار الملك المنصور قلاوون بالعساكر المصرية والشامية إلى حصن المرقَب، ونصب عليه عدة مناجنيق كباراً وصغاراً، فطلب أهله الأمان، فأجابهم إلى ذلك، وصعدت الصناجق السلطانية عليه، وتسلَّمه في نهار الجمعة، تاسع عشر ربيع الأول، وكان يوما مشهوداً. وفي سنة ست وثمانين وست مئة: جهز السلطان عسكراً كثيفاً مع نائبه حسام الدين طرنطاي إلى صهيون، فحاصرها، وأخذها من سنقر الأشقر، ثم سار إلى اللاذقية، وكان فيها برج للفرنج يحيط به البحر من جميع جهاته، فحاصره، وتسلمه بالأمان، وهدمه، ثم توجه إلى الديار المصرية، وصحبته سنقر الأشقر، فلما وصلا إلى قلعة الجبل، ركب الملك المنصور قلاوون، والتقى مملوكه حسام الدين، وسنقر الأشقر، وأكرمه، ووفى له بالأمان، وبقي سنقر الأشقر مكرَّماً محترماً مع السلطان

стр. 585

إلى أن توفي السلطان في سنة ثمان وثمانين وست مئة. [ ... .]، وذلك أن السلطان الملك المنصور قلاوون خرج بالعساكر المصرية في المحرم، وسار إلى الشام، ثم سار ونازل طرابلس يوم الجمعة، مستهل ربيع الأول، ويحيط البحر بغالب هذه المدينة، وليس عليها قتال في البر إلا من جهة الشرق، وهو مقدار قليل، ونصب عليها عدة كثيرة من المناجنيق، ولازمها بالحصار، واشتد عليها القتال حتى فتحها يوم الثلاثاء، رابع ربيع الآخر بالسيف، ودخلها العسكر عَنوة، وقتل غالب رجالها، وسُبيت ذراريهم، وغنم منها المسلمون غنيمة عظيمة. وكان الفرنج قد استولوا على طرابلس في سنة ثلاث وخمس مئة، في حادي عشر ذي الحجة، فبقيت في أيديهم إلى أوائل سنة ثمان وثمانين وست مئة، فتكون مدة لبثها مع الفرنج نحو مئة سنة، وخمس وثمانين سنة، وشهور. وتوفي الملك المنصور قلاوون في سادس ذي القعدة، سنة تسع وثمانين وست مئة، في يوم السبت، وكانت مدة ملكه نحو إحدى عشرة سنة، وثلاثة شهور، وأيامٍ. وكان مَلِكاً مُهاباً حليماً، قليلَ سفك الدماء، كثير العفو، شجاعاً، فتح الفتوحات الجليلة، مثل: المرقب، وطرابلس، الذي لم يجسر أحد من الملوك مثل صلاح الدين وغيره على التعرض إليهما، وكسر جيش

стр. 586

التتر على حمص، وكانوا في جمع عظيم، لم يطرق الشام قبله مثلُه ﵀، ورضي عنه -. * * * سلطنة الملك الأشرف صلاح الدين ابن الملك المنصور قلاوون هو صلاح الدين خليل ابن الملك المنصور قلاوون: جلس في الملك بعد والده في سابع ذي القعدة، سنة تسع وثمانين وست مئة، صبيحة اليوم الذي توفي فيه والده. ولما استقر في السلطنة، قبض على حسام الدين طرنطاي نائب السلطنة، وكان آخر العهد به، وفوض نيابة السلطنة إلى بدر الدين بيدرا. وفي سنة تسعين وست مئة: سار الملك الأشرف بالعساكر المصرية إلى عكا، وحاصرها، واشتد عليها القتال، وفتحها الله تعالى في يوم الجمعة، السابع عشر من جمادى الآخرة بالسيف، ونصر الله المسلمين، وغنموا من عكا شيئاً يفوت الحصر من كثرته، ثم استنزل السلطان جميع من عصا بالأبرجة، وأمر بهم فضُربت أعناقهم عن آخرهم حول عكا، وأمر بمدينة عَكَّا، فهدمت إلى الأرض، ودُكَّت دكّاً. ولما فتحت عكا، ألقى الله الرعب في قلب الفرنج الذين بساحل الشام، فأخلَوْا صيدا، وبيروت، وتسلمهما الشجاعي، وكذلك هرب أهل مدينة صور، فأرسل السلطان، وتسلمها، وتسلم عدة أماكن بغير قتال ولا تعب.

стр. 587

ولما تكاملت هذه الفتوحات العظيمة، عاد السلطان إلى الديار المصرية. وفي سنة إحدى وتسعين وست مئة: سار الملك الأشرف بالعساكر إلى الشام، وتوجه إلى قلعة الروم، ونازلها، ونصب عليها المناجنيق، واشتد مضايقتها، ودام حصارها، وفتحت بالسيف في يوم السبت، حادي عشر رجب، وقتل أهلها، ونُهبت ديارهم، ثم سار إلى الديار المصرية. وتوفي الملك الأشرف خليل في ثاني عشر المحرم، سنة ثلاث وتسعين وست مئة، وسببه: أنه سار من قلعة الجبل إلى الصيد، ووصل إلى تروجة، فقصده مماليك والده، وهم: بيدرا، نائب السلطنة، ولاجين، وجماعة من الأمراء، فلما وصلوا إليه، فأولُ مَنْ ضربه بيدرا، ثم لاجين حتى فارق، وتركوه مرمياً على الأرض، فحمله أيدمري الفخري والي تروجة إلى القاهرة، فدفن في تربته، ولا جرم أن الله تعالى انتقم من قاتليه المذكورين عاجلاً وآجلاً. والحمد لله رب العالمين. * * * سلطنة الملك القاهر بيدرا لما قتل الملك الأشرف خليل، اتفق الجماعة الذين قتلوه على سلطنة بيدرا، وتلقب: الملك القاهر، وسار نحو قلعة الجبل ليملكها،

стр. 588

واجتمعت مماليك السلطان الملك الأشرف، وانضموا إلى زين الدين كتبغا المنصوري، وساروا في أثر بيدرا ومن معه، فلحقوهم على الطرانة في خامس عشر المحرم، سنة ثلاث وتسعين وست مئة، واقتتلوا، وانهزم بيدرا وأصحابه، وتفرقوا في الأقطار، وتبعوا بيدرا وقتلوه، ورفعوا رأسه على رمح للقاهرة، واستتر لاجين، وقراسنقر، ولم يطلع لهما خبر، فكانت مدة بيدرا يومًا واحدًا. وصلَّى الله على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه وسلَّم. * * * * سلطنة الملك الناصر محمد ابن الملك المنصور قلاوون * هو الملك الناصر محمد ابن الملك المنصور قلاوون الصالحي، أمه بنت سكباي بن قراجين بن جنغان، وسكباي المذكور ورد إلى الديار المصرية هو وأخوه قرمشي سنة خمس وسبعين وست مئة، صحبة بيغار الرومي في الدولة الظاهرية، فتزوج السلطان الملك المنصور قلاوون ابنة سكباي المذكور في سنة ثمانين وست مئة، بعد موت أبيها بولاية عمها قرمشي، ووردت البشائر على الملك المنصور بمولد السلطان الملك الناصر محمد، وهو نازل على بحيرة حمص، عند عوده من فتح المرقَب، في سنة أربع وثمانين وست مئة، فتضاعف سرورُه به، وضربت البشائر فرحًا لمولده السعيد. ولما جرى ما ذكرناه من قتل السلطان الملك الأشرف صلاح الدين

стр. 589

خليل، ثم قتل بيدرا، ووصول زين الدين كتبغا والمماليك السلطانية إلى قلعة الجبل، وبها علم الدين سنجر الشجاعي نائبًا، اتفقوا على سلطنة الملك الناصر محمد ابن السلطان الملك المنصور قلاوون، فأجلسوه على سرير السلطنة في باقي العشر الأوسط من المحرم، سنة ثلاث وتسعين وست مئة، وعمره يومئذ نحو تسع سنين، وتقرر أن يكون الأمير زينُ الدين المنصوري نائبَ السلطنة، وعلمُ الدين سنجر الشجاعي وزيرًا، وركنُ الدين بيبرس البرجي الجاشنكير أستاذَ الدار، وتتبعوا الأمراء الذين اتفقوا مع بيدرا على ذلك، فظفروا أولًا ببهادر رأس النوبة، وآقوش الموصلي الحاجب، فضربت رقابهما، وأحرقت جثتهما، ثم ظفروا بطرنطاي الساقي، والساق، وبغية، وأروس السلحدارية، ومحمد خواجه، والطنبغا الجمدار، وآقسنقر الحسامي، فاعتقلوا بخرابة البنود أيامًا، ثم قطعت أيديهم وأرجلهم، وصلبوا على الجمال، وطيف بهم وأيديهم معلقة في أعناقهم، جزاء بما كسبوا، ثم وقع قجقار الساقي، فشنق، واستمر الملك الناصر في الملك إلى تاسع المحرم، سنة أربع وتسعين وست مئة، فكانت مدة ولايته نحو السنة. وصلَّى الله على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه وسلَّم. * * * * سلطنة الملك العادل زين الدين كتبغا المنصوري * لما كان تاريخ يوم الأربعاء، تاسع المحرم، سنة أربع وتسعين

стр. 590

وست مئة: جلس الأمير زين الدين كتبغا المنصوري على سرير الملك، ولقب نفسه: الملك العادل، واستحلف الناس على ذلك، وخُطب له بمصر والشام، ونُقشت السكة باسمه، وجعل السلطانَ الملك الناصر محمد بن قلاوون في قاعة بقلعة الجبل، وحجب عنه الناس. ولما استقر ذلك، جعل نائبه في السلطنة حسام الدين لاجين الذي كان مشيرًا بسبب قتل الملك الأشرف - على ما تقدم ذكره -، وذلك بعد أن كان زين الدين كتبغا أظهر حسام الدين لاجين، وقراسنقر من الاستتار، وأخذ لهما من الملك الناصر الأمان، وأقطعهما، وأعزَّ جانبهما، واستقر الحال على ذلك. وفي شوال سنة خمس وتسعين وست مئة: خرج العادل كتبغا من الديار المصرية، ووصل إلى الشام، ثم سار إلى حمص، وعاد إلى الشام، وولى مملوكه غرلو نيابة الشام. فلما دخلت سنة ست وتسعين وست مئة: في أوائل المحرم سار من دمشق متوجهًا إلى مصر، فلما وصل إلى نهر العوجاء، واستقر بدهليزه، وتفرقت مماليكه إلى خيامهم، ركب حسام الدين لاجين المنصوري نائب الملك العادل كتبغا بصنجق، وانضم إليه جماعة من الأمراء المتفقين معه، وقصدوا العادل، وبغتوه عند الظهر في دهليزه، فلم يلحق أن يجمع أصحابه، فركب في نفر قليل، فحمل عليه نائبُه لاجين، وقتل مملوكه بكتوت الأزرق، فولَّى العادلُ كتبغا هاربًا راجعًا إلى دمشق عند مملوكه، فركب غرلو، والتقاه، ودخل قلعة دمشق، واهتم

стр. 591

في جمع العساكر، والتأهب لقتال لاجين، فلم يوافقه عسكر دمشق على ذلك، ورأى منهم التجادل، فخلع نفسه من السلطنة وقعد بقلعة دمشق، وأرسل إلى حسام الدين لاجين يطلب منه الأمان، وموضعًا يأوي إليه، فأعطاه صرخد، فسار إليها، واستقر فيها. وكانت مدة ولايته نحو سنتين، ثم في سلطنة الناصر محمد بن قلاوون استقر في نيابة حماة في سنة تسع وتسعين وست مئة، وتوفي في ليلة الجمعة، عاشر ذي الحجة، سنة اثنتين وسبع مئة. وصلَّى الله على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه وسلَّم. * * * * سلطنة الملك المنصور حسام الدين لاجين المنصوري * لما جرى ما تقدم ذكره من انهزام الملك العادل كتبغا، نزل حسام الدين لاجين بدهليزه على نهر العوجاء، واجتمع معه الأمراء الذين وافقوه، وشرطوا عليه شروطًا، فالتزمها، منها: أن لا ينفرد عنهم برأي، ولا يسلط مماليكه عليهم؛ كما فعل بهم كتبغا، فأجابهم لذلك، وحلف عليه، فعند ذلك حلفوا له، وبايعوه بالسلطنة، ولُقب بالملك المنصور حسام الدين لاجين المنصوري، وذلك في شهر المحرم، سنة ست وتسعين وست مئة. ثم رحل بالعساكر إلى الديار المصرية، ووصل إليها، واستقر بقلعة الجبل، وأعطى العادل كتبغا صرخد - كما تقدم -، وأرسل إلى دمشق

стр. 592

سيف الدين قبجق المنصوري، وجعله نائب السلطنة بالشام، وأُخرج الملك الناصر محمد بن قلاوون من القلعة التي كان فيها بقلعة الجبل إلى الكرك، وسار معه سَلَّار، فأوصله إليها، ثم عاد سلَّار. ثم في سنة سبع وتسعين وست مئة: جرد حسام الدين لاجين جيشًا من الديار المصرية مع جماعة من الأمراء، فساروا إلى الشام، وصحبوا معهم عسكر الشام، وشنوا الغارات على بلاد سيس، وكسبوا وغنموا، ومن جملة العسكر الشامي: ركن الدين بيبرس العجمي المعروف بالجالق، ثم عادوا إلى سيس ثانيًا، وفتحوا حموص، وغيرها من بلاد الأرمن. ثم في سنة ثمان وتسعين وست مئة: وثب على السلطان الملك المنصور لاجين جماعة من المماليك الصبيان الذين اصطفاهم لنفسه، فقتلوه وهو يلعب بالشطرنج في ليلة الجمعة، حادي عشر ربيع الآخر من السنة المذكورة. والحمد لله وحده. * * * * سلطنة الملك الناصر محمد بن قلاوون الثانية * لما جرى ما ذكر من قتل الملك المنصور حسام الدين لاجين، اجتمع الأمراء، واتفقت آراؤهم على إعادة الملك الناصر محمد بن قلاوون المقيم بالكرك إلى مملكته، فتوجه سيف الدين ابن الملك، وعلم

стр. 593

الدين الجاولي إلى الكرك، وأحضراه إلى الديار المصرية، فصعد إلى قلعة الجبل، واستقر على سرير ملكه في يوم السبت، رابع عشر جمادى الأولى، سنة ثمان وتسعين وست مئة، وعمره يومئذ نحو خمس عشرة سنة. وفي سنة تسع وتسعين وست مئة: استولى التتر على الشام، وسار السلطان والعساكر الإسلامية، ووقع مصاف عظيمة. ثم في سنة سبع مئة: أدرك الله المسلمين بلطفه، وردَّ التتر على أعقابهم بقدرته، فعادوا إلى بلادهم. وفي سنة إحدى وسبع مئة: جرد من مصر بدر الدين بكتاش أمير سلاح، وأيبك الخازندار، ومعهما العساكر، وحصلت إغارة على بلاد سيس. وفي سنة اثنتين وسبع مئة: فتحت جزيرة أرواد، وهي جزيرة في بحر الروم قبالة انطرطوس، قريبًا من الساحل، يجتمع فيها كثير من الفرنج، وجرى فيها قتال شديد، ونصر الله المسلمين، وملكوها، وقتلوا وأسروا أهلها، وخربوا أسوارها، وعادوا إلى الديار المصرية بالأسرى والغنائم. ثم في هذه السنة عاودت التتر قصد الشام، وحصل مصاف بينهم وبين العسكر الإسلامي، وكسر التتر مرةً بعد أخرى، وحصل للمسلمين النصرة العظيمة.

стр. 594

وفي سنة ثمان وسبع مئة: في يوم السبت، الخامس والعشرين من رمضان خرج الملك الناصر محمد بن قلاوون من الديار المصرية متوجهًا إلى الحجاز الشريف، وسار في خدمته جماعة من الأمراء، ووصل إلى الصالحية، وعَيَّد بها عيد الفطر، ثم سار إلى الكرك، فوصل إليها في عاشر شوال، فلما استقر بقلعة الكرك، أمر نائبها والأمراء الذين حضروا معه في خدمته بالمسير إلى الديار المصرية، وأعلمهم أنه إنما جعل السفر إلى الحجاز وسيلةً إلى المقام بالكرك. وكان سبب ذلك: استيلاء سلار وبيبرس الجاشنكير على المملكة، واستبدادُهما بالأمور، وتجاوزهما الحد في الانفراد بالأمر والنهي، ولم يتركا للسلطان غير الاسم، مع ما كان من محاصرة السلطان في القلعة، وغير ذلك مما لا تنكبس النفس له، فأنف السلطان من ذلك، وترك الديار المصرية، وأقام في الكرك. وكانت مدة ملكه في السلطنة الثانية عشر سنين، وأربعة أشهر، وعشرة أيام. وصلَّى الله على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه وسلَّم. * * * * سلطنة الملك المظفر بيبرس الجاشنكير * لما وصل الأمراء الذين كانوا في خدمة الملك الناصر محمد بن قلاوون بالكرك إلى الديار المصرية، وأَعلموا من بها بإقامة السلطان

стр. 595

بالكرك، وفراقِه الديار المصرية، اشتوروا فيما بينهم، واتفقوا على أن تكون السلطنة لبيبرس الجاشنكير، ومعناه: مشد الشربخانة، وأن يكون سلار مستمرًا على نيابة السلطنة كما كان عليه، وحلفوا على ذلك، وركب بيبرس الجاشنكير من داره بشعار السلطنة إلى الإيوان الكبير بِقُلَّة قلعة الجبل، وجلس على سرير الملك في يوم السبت، الثالث والعشرين من شوال، سنة ثمان وسبع مئة، وتلقب بالملك المظفر ركن الدين بيبرس المنصوري، وأرسل إلى نواب السلطنة بالشام، فحلفوا لهُ عن آخرهم، وكتب تقليدًا للملك الناصر محمد بن قلاوون، بالكرك، ومنشورًا بما عينه له من الإقطاع بزعمه، وأرسلهما إليه، واستقر الحال على ذلك. [ ... ] المنصوري نائب حلب، شرع في الباطن يستميل الناس إلى طاعة الملك الناصر محمد بن قلاوون، ويفسخ عندهم طاعة بيبرس الجاشنكير. وفي سنة تسع وسبع مئة: سار جماعة من المماليك من الديار المصرية مفارقين طاعة بيبرس، ووصلوا إلى الملك الناصر بالكرك، وأعلموه بما الناس عليه من طاعته ومحبته، فأعاد الملك الناصر خطبته بالكرك، ووصلت إليه مكاتبات عسكر دمشق يستدعونه، وأنهم باقون على طاعته، ووصل إليه - أيضًا - مكاتبات من حلب، فسار الملك الناصر بمن معه من الكرك في جمادى الآخرة، ثم بلغه كلام، فرجع إلى الكرك، واستمرت العساكر على طاعته واستدعائه ثانيًا، وانحلت دولة بيبرس الجاشنكير، وجاهره الناس بالخلاف، فلما تحقق الناصر صدق طاعة

стр. 596

العناصر الشامية، وبقاءهم على طاعته ومحبته، عاود المسير إلى دمشق، وخرج من الكرك ثانيًا، ووصل إلى دمشق في يوم الثلاثاء، ثامن عشر شعبان من السنة المذكورة، ونزل بالقصر الأبلق، ولمَّا تكاملت للسلطان عساكر الشام، أمرهم بالتجهيز للمسير إلى ديار مصر، وأرسل إلى الكرك وأحضر ما بها من الحواصل، وأنفق في العسكر، وسار بهم من دمشق في يوم الثلاثاء، تاسع رمضان، ووصل إلى غزة في يوم الجمعة، تاسع عشر رمضان، فقدم إلى طاعته عسكر مصر أوّلًا فأوّلًا. وكان يلتقيه في كل يوم وهو سائر طلبٌ بعد طلب من الأمراء والمماليك والأجناد، ويقبلون الأرض، ويسيرون صحبته، فلما تحقق بيبرس الجاشنكير ذلك، خلع نفسه من السلطنة، وأرسل يطلب الأمان، وأن يتصدّق عليه، ويعطيه إمّا الكرك، أو حماة، أو صهيون، وأن يكون معهُ ثلاث مئة مملوك من مماليكه، فوقعت إجابة الملك الناصر إلى مئة مملوك، وأن يعطيه صهيون، وأتمّ الملك الناصر السير، وهرب الجاشنكير من قلعة الجبل إلى جهة الصعيد، وكانت مدة ولايته أحد عشر شهرًا. والحمد لله وحده. * * * * سلطنة الملك الناصر محمد بن قلاوون * لمّا وصل الملك الناصر محمد بن قلاوون إلى قريب القاهرة، خرج سلار نائب السلطنة إلى طاعته، والتقاه في يوم الاثنين، التاسع والعشرين

стр. 597

من رمضان، قاطع بِرْكة الحجاج، وقبَّل الأرض، وضرب للملك الناصر الدهليز بالبركة، وأقام بها يوم ثلاثاء سلخ رمضان، وعَيَّد يوم الأربعاء بالبركة، ودخل السلطان في نهاره، والعساكر المصرية والشامية سائرون في الخدمة، وعلى رأسه الجنز، ووصل إلى قلعة الجبل، وصعد إليها، واستقر على سرير ملكه بعد العصر من نهار الأربعاء، مستهل شوال، سنة تسع وسبع مئة، وعمره يومئذ نحو ستة وعشرين سنة، وهي سلطنته الثالثة. [ .... ] الجاشنكير قصد المسير إلى صهيون حسب ما كان قد سأله، ففوّز من أطفيح إلى السويس، وسار إلى الصالحية ثم سار منها حتى وصل قريب الداروم من أعمال غزة، وكان قراسنقر متوجهًا إلى دمشق نائبًا بها، فوصل إليه المرسوم بالقبض على بيبرس الجاشنكير، فركب، وكبسه في المكان الذي هو فيه، وقبض عليه، وسار به إلى جهة مصر حتى وصل إلى الحطارة، فوصل من الأبواب الشريفة أسندمر الكرجي، فتسلم بيبرس، وعاد قراسنقر للشام، فوصل بيبرس إلى قلعة الجبل، واعتُقل في يوم الخميس، رابع عشر ذي القعدة من السنة المذكورة، وكان آخر العهد به. وفي سنة اثنتي عشرة وسبع مئة: حجّ السلطان إلى بيت الله الحرام، وعاد من الحجاز إلى دمشق المحروسة في يوم الثلاثاء حادي عشر المحرم، سنة ثلاث عشرة وسبع مئة، بعد أن أقام في الكرك أيامًا. وفي سنة خمس عشرة وسبع مئة: جهّز السلطان عسكرًا ضخمًا

стр. 598

من الديار المصرية، ورسم لجميع عساكر الشام بالمسير معهم، وجعل على الكل مقدّمًا الأمير سيف الدين تنكز الناصري نائب السلطنة بدمشق، وساروا إلى ملطية، وفتحوها، ونهبوا جميع ما فيها، واسترقُّوا النصارى عن آخرهم. وفي سنة تسع عشرة وسبع مئة: توجه السلطان إلى الحجاز الشريف، وخرج من قلعة الجبل إلى الدهليز المنصور بُكْرَةَ السبت، ثاني ذي القعدة، ووصل إلى مكة المشرفة، وقضى مناسكه؛ بحيث إنه حافظ على الأركان والواجبات والسنن محافظة لم ير مثلها، وأحسنَ وتفضَّل على من كان بخدمته، وقدم إلى مقر ملكه، واستهل المحرم في القصب، ودخل قلعة الجبل بكرة نهار السبت، ثاني عشر المحرم، سنة عشرين وسبع مئة. وفي السنة المذكورة: سارت العساكر من الشام وحلب وحماة بمرسوم السلطان، وأغاروا على بلاد سيس، وغنموا منها، وأحرقوا البلاد والزرع، وساقوا المواشي، ثم عادوا. وفي سنة إحدى وعشرين وسبع مئة: حج تنكز نائب الشام. وفي سنة اثنتين وثلاثين وسبع مئة: حج السلطان إلى بيت الله الحرام، ودخل إلى القاهرة في ثامن عشر المحرم، سنة ثلاث وثلاثين سبع مئة. وتوفي السلطان الملك الناصر محمد بن قلاوون - رحمهُ الله تعالى - يوم الأربعاء، تاسع عشر ذي الحجة الحرام، سنة إحدى وأربعين وسبع

стр. 599

مئة بالقلعة، وصلى عليه عز الدين بن جماعة إمامًا، وأنزل ليلة الخميس إلى المدرسة المنصورية، ودفن بها مع أبيه قلاوون - رحمهما الله تعالى -. وكانت مدة ملكه هذه اثنتين وثلاثين سنة، وشهرين، وتسعة عشر يومًا، وهذه السلطنة الثالثة التي صفا له الوقت فيها، فكانت مدة مملكته في ولاياته الثلاثة ثلاثة وأربعين سنة، وسبعة أشهر، وتخللت بين ولاياته ولاية كتبغا، ولاجين، وبيبرس نحو خمس سنين وشهرين، فكانت المدة من حين ابتداء سلطنته إلى حين وفاته تسعًا وأربعين سنة، وتوفي وعمره ثمان وخمسون سنة. وكان ملكًا معتبرًا، أخباره مشهورة، وكان راتبهُ من اللحم في كل يوم ستة وثلاثين ألف رطل بالمصري، وبالغ في شراء الخيل، فاشترى فرسًا بمئتي ألف درهم - رحمه الله تعالى، وعفا عنه -. وصلَّى الله على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه وسلَّم. * * * سلطنة سيف الدين أبي بكر ابن الملك الناصر محمد بن قلاوون هو سيف الدين أبو بكر ابن الملك الناصر محمد بن قلاوون، جلس على سرير الملك ثاني يوم وفاة والده، وكان عمره نحوًا من عشرين سنة، واستمر إلى أواخر صفر، سنة اثنتين وأربعين وسبع مئة، وخُلع لمَّا صدر

стр. 600

عنه من الأفعال التي ذكر أنه تعاطاها؛ من شرب المسكر، وغشيان المنكرات، وجُةِز إلى قوص، فكانت مدته شهرين وأيامًا. وصلَّى الله على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه وسلَّم. * * * * سلطنة علاء الدين كجك * هو علاء الدين كجك ابن الملك الناصر محمد بن قلاوون، تسلطن بعد أخيه المنصور أبي بكر، وعمره يومئذ ست سنين، وناب له الأمير سيف الدين قوصون الناصري، واستمر إلى يوم الأحد، تاسع شوال، سنة اثنتين وأربعين وسبع مئة، وخُلع، واعتلُّوا بصغره، فكانت مدته سبعة أشهر، وأيامًا. وصلَّى الله على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه وسلَّم. * * * * سلطنة الملك الناصر أحمد ابن الملك الناصر محمد بن قلاوون * هو الملك الناصر أحمد ابن الملك الناصر محمد بن قلاوون، جلس على سرير الملك يوم الاثنين، عاشر شوال، سنة اثنتين وأربعين وسبع مئة هو والخليفة الحاكم، فخطب الخليفة، وخلع الأشرفَ وولَّى الناصر، وكان مولده سنة ست عشرة وسبع مئة، وفي سلخ ذي القعدة، سنة اثنتين
следующие страницы →