فأعيد إلى نيابة طرابلس، ثم ولي نيابة دمشق في ذي الحجة، سنة أربع وثمان مئة، ووقع له وقائع كثيرة إلى أن توجه إلى مصر مع الخليفة في ربيع الأول، سنة خمس عشرة وثمان مئة، وتمكن وتسلطن في شعبان من السنة المذكورة.
وكان نوروز بالشام، فأظهر الخلاف، فقدم المؤيد شيخ دمشق في أوائل سنة سبع عشرة، فكسر نوروز ومَنْ معه، وحصرهم بالقلعة، ثم نزلوا إليه طائعين، فقتل غالبهم، وتوجه إلى حلب، ثم عاد إلى مصر، وشرع في عمارة المؤيدية بباب زويلة في سنة ثمان عشرة، ثم سافر إلى دمشق بعد ذلك مرارًا، وذهب إلى بلاد سيس، وفتح مدنًا وقلاعًا.
وكان يحب العلماء، شجاعًا مقدامًا، شكلًا حسنًا، وأعجله الشيب، وكان يحب سماع كلام العلماء بين يديه في العلم، ويفهم جدًا، ويسأل، وكان السبب في عمارة دمشق وطريق الحجاز، وكان يتصدق على الفقهاء والفقراء كثيرًا، مع أنه كان ماسكًا.
وبالجملة: فكان خليقًا بالمُلك، ولكن كان فيه طمع، وتطلُّع إلى أموال الناس، توفي في يوم الاثنين، تاسع المحرم، سنة أربع وعشرين وثمان مئة، ودفن بالمؤيدية، وكانت مدة ملكه ثمان سنين، وخمسة أشهر، وأيامًا - رحمه الله تعالى -.
* * *
стр. 632
* سلطنة أبي السعادات أحمد ابن الملك المؤيد *
هو أبو السعادات أحمد ابن الملك المؤيد شيخ، استقر في السلطنة يوم وفاة أبيه وعمره سنة واحدة، وثمانية أشهر، وسبعة [أيام]، ثم خُلع في شعبان سنة أربع وعشرين وثمان مئة، فكانت مدته سبعة أشهر، وستة عشر يومًا، وتوفي بالإسكندرية بالطاعون في سنة ثلاث وثلاثين وثمان مئة.
وصلَّى الله على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه وسلَّم.
* * *
* سلطنة الملك الظاهر ططر بن عبد الله الظاهري *
هو سيف الدين أبو الفتح ططر بن عبد الله الظاهري، كان من مماليك الملك الظاهر برقوق، استقر في السلطنة بعد الملك المظفر أحمد بن المؤيد شيخ في يوم الجمعة، تاسع عشرين شعبان، سنة أربع وعشرين وثمان مئة، واستمر بها إلى أن مرض، وتوفي يوم الأحد، رابع ذي الحجة، سنة أربع وعشرين وثمان مئة، وكان ملكًا خيِّرًا، يحب العلماء ويكرمهم، ويشاركهم في الفقه، ويميل إلى العدل، وكانت مدته ثلاثة أشهر وأيامًا.
وصلَّى الله على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه وسلَّم.
* * *
стр. 633
* سلطنة الملك الصالح محمد ابن الملك الظاهر ططر *
هو محمد ابن الملك الظاهر ططر، استقر في السلطنة في يوم موت أبيه، وعمره يومئذ نحو عشر سنين، ثم خُلع، فكانت مدته ثلاثة أشهر وأيامًا، وتوفي بقلعة الجبل بالطاعون في سنة ثلاث وثلاثين وثمان مئة.
وصلَّى الله على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه وسلَّم.
* * *
* سلطنة الملك الأشرف برسباي الدقماقي الظاهري *
هو أبو النصر برسباي بن عبد الله الدقماقي الظاهري، من عتقاء الملك الظاهر برقوق، استقر في السلطنة بعد الملك الصالح محمد بن الظاهر ططر في يوم الأربعاء، ثامن عشر شهر ربيع الأول من شهور سنة خمس وعشرين وثمان مئة.
وكان ملكًا عظيمًا، ما اتفق بعد لملك ما اتفق له؛ من تمكن الدولة، واستمرار السعادة، وبنى مدرسته المشهورة بالقاهرة، وسافر إلى آمد في شهر رجب، سنة ست وثلاثين وثمان مئة، وعاد منها، ودخل القاهرة في المحرم سنة سبع وثلاثين وثمان مئة، وفي أوائل دولته عُزل الشيخ ولي الدين العراقي من قضاء الشافعية بالديار المصرية، وولي عوضه قاضي القضاة علم الدين صالح البُلْقيني، ثم عَزَله، وولَّى قاضي القضاة شيخَ الإسلام شهابَ الدين بنَ حَجَر العسقلاني - تغمدهم الله برحمته -.
стр. 634
وكان قاضي القضاة بدر الدين محمود العيني الحنفي من أخصائه وجلسائه، وهو الذي ولاه القضاء بالديار المصرية عوضًا عن القاضي زين الدين عبد الرحمن التفهني.
وللملك الأشرف محاسنُ كثيرة، وعدل في أحكامه - تغمدهم الله برحمته -.
توفي في يوم السبت، ثالث عشر ذي الحجة، سنة إحدى وأربعين وثمان مئة، مدته ست عشرة سنة، وتسعة أشهر وأيام.
وصلَّى الله على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه وسلَّم.
* * *
* سلطنة أبي المحاسن يوسف ابن الملك الأشرف برسباي *
هو أبو المحاسن يوسف ابن الملك الأشرف برسباي، استقر في السلطنة يوم وفاة أبيه، والمتصرفُ في المملكة أتابكُ العساكر جقمق العلائي الظاهري، وفي أيامه استقر قاضي القضاة سعد الدين الديري الحنفي في قضاء الديار المصرية في شهر المحرم، سنة اثنتين وأربعين وثمان مئة، وخُلع في تاسع عشر شهر ربيع الأول من السنة المذكورة، فكانت مدته أربعة وثمانين يومًا، واعتقل عليه بالإسكندرية، بعد أن استدعى الملك الظاهر جقمق الخليفة والقضاة وأرباب الدولة، وأثبت عدمَ أهليته، وأنه لا يحسن التصرف، فخلعه الخليفة، وفوض السلطنة
стр. 635
إلى جقمق، واستمر إلى أن توفي بها في العشر الأول من المحرم سنة ثمان وستين وثمان مئة.
والحمد لله رب العالمين.
* * *
* سلطنة الملك الظاهر هقمق العلائي *
هو أبو سعيد وأبو السعادات وأبو الفتوح، جقمق العلائي الظاهري؛ نسبة إلى الملك الظاهر برقوق، وهو الرابع والثلاثون من ملوك الترك، والعاشر من ملوك الجراكسة، وكان يعرف من الأمراء بأخي جركس المصارع، تسلطن، وجلس على سرير الملك في يوم الأربعاء، تاسع عشر ربيع الأول، سنة اثنتين وأربعين وثمان مئة، وكان على قدم عظيم من الصيانة والديانة، والصدقة والإحسان، والعفاف والشجاعة، والعبادة ومحبة العلماء، وله محاسن جزيلة.
وفي أيامه توفي قاضي القضاة شهاب الدين بن حَجَر الشافعي - رحمه الله تعالى - في سنة اثنتين وخمسين وثمان مئة، وكان يعظِّم قاضي القضاة سعد الدين الديري الحنفي، ويكرمه، وهو الذي كان السبب في ولايته في أيام العزيز يوسف، لمَّا كان هو المتصرف في المملكة، وولى قاضي القضاة شرف الدين يحيى المناوي قضاء الشافعية بالديار المصرية، ولما مرض مرض الموت، خلع نفسه من السلطنة في يوم الخميس، الحادي والعشرين من شهر الله المحرم، سنة سبع وخمسين وثمان مئة،
стр. 636
وتوفي في ليلة يسفر صباحها عن يوم الثلاثاء، ثالث صفر، ودفن في صبيحة ذلك اليوم بتربة مملوكه قاني باي الجهركسي، وكانت مدته أربع عشرة سنة، وعشرة أشهر، وأيامًا، وحُسب مولده، فوجد في سنة ثمان وسبعين وسبع مئة، فكان عمره نحو تسع وسبعين سنة - تغمده الله وإيانا والمسلمين برحمته -.
* * *
* سلطنة أبي السعادات عثمان ابن الملك الظاهر جقمق *
هو أبو السعادات عثمان ابن الملك الظاهر جقمق، استقر في السلطنة بحكم خلع والده نفسَه من المملكة، ونزوله عنها له، بحضرة الخليفة أمير المؤمنين، والقضاة الأربعة، وهم: قاضي القضاة شرف الدين يحيى المناوي الشافعي، وقاضي القضاة سعد الدين الديري الحنفي، وقاضي القضاة ولي الدين السنباطي المالكي، وقاضي القضاة بدر الدين محمد البغدادي الحنبلي، وكان المسترعى له قاضي القضاة شرف الدين يحيى المناوي الشافعي، فقال له: نشهد عليكم أنكم فوضتم لولدكم سيدي عثمان ما فوضه لكم أمير المؤمنين شرقًا وغربًا، فقال: نعم، وركب الملك المنصور بشعار السلطنة في يوم الخميس، الحادي والعشرين من شهر الله المحرم، سنة سبع وخمسين وثمان مئة، وكان يومًا مشهودًا، ثم جددت له البيعة يوم مات والده، واستمر سلطانًا إلى أن ركب عليه الأمير أينال الأتابكي الناصري، وخلع نفسه، وجُهز معتقلًا عليه إلى
стр. 637
الإسكندرية، وكانت مدته أربعين يومًا. والحمد لله.
* * *
* سلطنة الملك الأشرف أينال الأتابكي *
هو أبو النصر أينال الناصري، نسبة إلى الناصر فرج بن برقوق، ركب على المنصور عثمان، واستمر يحاصره ثمانية أيام إلى أن قبض عليه، وجلس على تخت الملك يوم الاثنين، ثامن ربيع الأول، سنة سبع وخمسين وثمان مئة، وكان أميًا لا يقرأ، وكان مباشروه يكتبون له على المراسيم والمناشير العلامة بقلم رفيع، ثم يعيد عليها بخطه، وفي أيامه وقع الوباء في أواخر سنة ثلاث، وأوائل سنة أربع وستين وثمان مئة، واستمر سلطانًا إلى أن خَلع نفسه من السلطنة، وعهِد إلى ولده، ثم توفي في تاسع جمادى الأولى، سنة خمس وستين وثمان مئة، فكانت مدته ثمان سنين، ونحوَ شهرين.
* * *
* سلطنة الملك أحمد ابن الملك الأشرف أينال *
هو أبو الفتح أحمد ابن الملك الأشرف أينال، جلس على تخت الملك الشريف في تاسع جمادى الأولى، سنة خمس وستين وثمان مئة، وكانت أيامه غرة في وجه الزمان، إلى أن أُمسك في ثامن عشر رمضان من السنة المذكورة، فكانت مدته أربعة أشهر، وتسعة أيام، واعتقل
стр. 638
بالإسكندرية، وتوفي بها في سنة ثلاث وتسعين وثمان مئة.
* * *
(سلطنة أبي سعيد خشقدم المؤيدي)
هو أبو سعيد خشقدم المؤيدي، جلس على تخت الملك الشريف يوم الأحد، ثامن عشر رمضان، سنة خمس وستين وثمان مئة، وفي أيامه حدث بيع الوظائف الدينية والإمارات، وحصل التظاهر والتجاهر بأخذ الرشوة والبراطيل، وقطع المصانعات نهاراً جهاراً من غير نكير، وفوَّض الأمر إلى غير أهله، وجمع المال من حله وغير حله.
وفي أول سنة سبع وستين وثمان مئة: عزل نفسه قاضي القضاة سعدُ الدين الديري باختياره، وتوفي في ربيع الآخر منها، ودفن في تربة السلطان خشقدم، وولي عوضه قاضي القضاة محب الدين بن الشحنة بعد عزل نفسه، وشق ذلك على القاضي سعد الدين، وعظم عليه، وفي أيامه توفي قاضي القضاة علم الدين صالح البلقيني الشافعي في سنة ثمان وستين وثمان مئة، واستمر سلطانًا إلى أن توفي في ربيع الأول سنة اثنتين وسبعين وثمان مئة، فكانت مدة سلطنته ست سنين، وخمسة أشهر، وثلاثة وعشرين يوما.
وفي أيامه ولي الأمير ناصر الدين محمد بن الهمام نظر الحرمين الشريفين بالقدس الشريف، وبلد سيدنا الخليل ﵇ عوضًا عن الأمير عبد العزيز بن العلاق، ثم عزل، وولي مكانه الأمير حسن
стр. 639
الظاهري، ثم عزل، وولي مكانه الأمير بردبك التاجي، واستمر إلى أن ولي مكانه الأمير ناصر الدين النشاشيبي - على ما يأتي ذكره في ترجمة السلطان الملك الأشرف قايتباي عز نصره -.
* * *
(سلطنة أبي سعيد بلباي المؤيدي)
هو أبو سعيد بلباي المؤيدي، جلس على تخت الملك الشريف يوم السبت، حادي عشر ربيع الأول، سنة اثنتين وسبعين وثمان مئة، وقويت في أيامه شوكة جلبان الملك الظاهر خشقدم، وتصرفوا على حسب اختيارهم في الوظائف والآمريات والسلطنة؛ بحيث طمعت نفوسهم فيها، واستمر في السلطنة ستة وخمسين يومًا، وأُمسك، وحبس بثغر إسكندرية، وتوفي بها بعد مدة يسيرة، وكان مسكه على يد الأمراء الظاهرية.
وصلَّى الله على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه وسلَّم.
* * *
(سلطنة أبي سعيد تمربغا الظاهري)
هو أبو سعيد تمربغا الظاهري؛ نسبة إلى الملك الظاهر جقمق، جلس على تخت الملك الشريف في يوم السبت، سابع جمادى الأولى، سنة اثنتين وسبعين وثمان مئة، فازداد طغيان الجُلُبَّان، وتمردوا عليه،
стр. 640
وزادوا في تمردهم إلى أن قاموا عليه في ليلة الاثنين، سادس شهر رجب منها، وأمسكوه، وسجنوه عندهم، فكانت مدته ثمانية وخمسين يومًا.
* * *
(سلطنة العادل خشقدم خير بك)
الظاهري الخشقدمي، أحدُ رؤوس الجُلُبَّان، وجلس بنفسه على تخت الملك من غير مبايعة ولا عقد، فركب العسكر آخر تلك الليلة، فحين أحسَّ الجلبان، ورأسهم خايربك الذي تسلطن بذلك، أفرَجَ عن السلطان تمربغا، وأجلسه على تخت الملك، فصار يشير بكرة بالمنديل للأتابك الأمير قايتباي لقيامه في نصرته، وملكوا القلعة بكرة اليوم التالي لتلك الليلة، وأُمسك المذكوران هما: تمربغا، وخايربك، وسجن خايربك بالإسكندرية، وتمربغا بدمياط، ثم إن تمربغا تسحب من دمياط، وفرّ هارباً إلى أن وصل قريب غزة، وأُمسك، واعتقل عليه بالإسكندرية، واستمر بها إلى أن مات، ثم أخرج خايربك من الإسكندرية، وتوجه إلى مكة، وأقام بها إلى أن توفي في سنة تسع وسبعين وثمان مئة، وسمي: سلطانَ ليلة.
وصلَّى الله على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه وسلَّم.
* * *
стр. 641
(سلطنة أبي النصر قايتباي الظاهري)
هو أبو النصر قايتباي الظاهري؛ نسبة إلى الملك الظاهر جقمق، بويع له بالسلطنة بحضرة أمير المؤمنين، وأصحاب الحل والعقد، وجلس على تخت الملك الشريف بعد طلوع الشمس بعشر درج من يوم الاثنين، سادس شهر رجب الفرد الحرام، سنة اثنتين وسبعين وثمان مئة، وقبض على تمربغا وخايربك - المشار إليهما فيما تقدم -، وكان من أمرهما ما سبق شرحه، واستمر الملك الأشرف في المملكة، وثبت قدمه في السلطنة، ونشر العدل في الرعية، واطمأن الناس بولايته، وبرز أمره الشريف بإحضار الأمير أزبك من نيابة الشام، واستقر به أتابك العساكر بالديار المصرية، وقد رسم للملك الظاهر تمربغا بعد خلعه بإقامته بدمياط، وعدم التضييق عليه، وسيره إليها، فأقام بها أياماً، ثم وسوس إليه الشيطان، وحَسَّن له الفرارَ منها، وكأنّ نفسه حدثته بالعود إلى السلطنة، فخرج منها قاصداً نحو البلاد الشامية، فجهز السلطان خلفه جماعة، فأدركوه بالقرب من مدينة غزة، فقبض عليه، ورسم السلطان بتجهيزه إلى الإسكندرية، فتوجه إليها، واستمر بها إلى أن مات.
ثم في أواخر السنة المذكورة، وهي سنة اثنتين وسبعين وثمان مئة أنعم السلطان على القاضي غرس الدين خليل الكناني الشافعي أخي الشيخ أبي العباس باستقراره في وظيفة مشيخة الصلاحية، وقضاء الشافعية بالقدس الشريف عوضاً عن الشيخ نجم الدين بن جماعة، وحضر إلى القدس في أواخر ذي القعدة منها.
стр. 642
ثم دخلت سنة ثلاث وسبعين وثمان مئة: فيها جهز السلطان العساكر لقتال شَهْسِوار، وفيها حصل غلاء عظيم، ثم حصل الوباء في أواخر السنة حتى عم جميع المملكة.
ثم دخلت سنة أربع وسبعين وثمان مئة: فيها سيَّر السلطان الأمير ناصر الدين محمد بن النشاشيبي الكشف على أوقاف الحرمين الشريفين: القدس، والخليل، وتحرير أمرهما، وإصلاح ما اختل من نظامهما في أيام الأمير بردبك الناجي ناظر الحرمين، فحضر إلى القدس الشريف، ونظر في مصالح الأوقاف، وعمر المسجد الأقصى، وصرف المعاليم، ثم توجه إلى البواب الشريفة.
* وفيها: استقر الأمير يشبك الجمالي في نيابة القدس الشريف عوضًا عن دمرداش العثماني، ودخل إليها في يوم خروج الحاج في شهر شوال.
ثم دخلت سنة خمسة وسبعين وثمان مئة: فيها استقر الأمير ناصر الدين النشاشيبي المشار إليه في وظيفة نظر الحرمين الشريفين استقلالاً، وحضر إلى القدس الشريف في أوائل السنة، وحصل به السرور.
* وفيها: سار الأمير يشبك من مهدي الدوادار الكبير بالعساكر لقتال شَهْسِوار، واستبشر الناس بالنصر، وكان تقدم قبله تجهيز العساكر مرة بعد أخرى، ولم يحصل المقصود، وقُتل من العسكر جماعة، ولم يكن الأمير يشبك المشار إليه توجه قبل ذلك لقتاله، فلما توجه في هذه المرة، علم الناس أنه صاحب سعد، وتدبيره حسن، ورأيه سديد، وأنه لا بد أن يحصل المقصود والنصر بسفره وكان كذلك.
стр. 643
* وفيها: وقعت حادثة بالقدس الشريف في شهر رمضان، وهي أن القاضي غرس الدين الكناني شيخ الصلاحية، وقاضي القدس الشريف حضر عند القاضي شرف الدين الأنصاري وكيل المقام الشريف، وهو نازل بالمدرسة الجوهرية بخط باب الحديد أحدِ أبواب المسجد الأقصى؛ ليسلم عليه، فصادف حضوره عنده حضور الشيخ شهاب الدين العُمَيري، فقصد الشيخ شهاب الدين الجلوس فوق القاضي، فحصل بينهما تشاجر، وحصل فتنة عظيمة، انتهى الحال فيها إلى أن بعض العوام اغتضب للشيخ شهاب الدين، وتوجهوا إلى منزل القاضي بالمدرسة الصلاحية، وهجموا على حريمه، ونهبوا له بعض أمتعة من منزله، واتصل الأمر بالسلطان، وكانت فتنة فاحشة أوجبت عزل القاضي من وظائفه.
ثم دخلت سنة ست وسبعين وثمان مئة: فيها ركب السلطان وصحبته الأمير أزبك أمير كبير لجهة الخانقاه السّرياقوسيّة، فرفست فرس الأمير أزبك السلطان في رجله، فكُسر، وحُمل إلى القاهرة في مَحَفَّة، واستمر أياماً، ثم عوفي، وذلك في شهر المحرم.
* وفيها: ابتدأ السلطان بعمارة تربته بالصحراء بظاهر القاهرة المحروسة.
* وفيها: أنعم السلطان على شيخ الإسلام الكمالي بن أبي شريف بمشيخة الصَّلاحية بالقدس الشريف، وعلى القاضي شهاب الدين أحمد ابن عتبة بقضاء الشافعية عوضاً عن القاضي غرس الدين خليل الكناني، وعلى القاضي خير الدين بن عمران الحنفي بقضاء الحنفية، عوضًا عن
стр. 644
القاضي جمال الدين عبد الله الديري الحنفي، وعلى الشيخ شهاب الدين العُمَيري بمشيخة مدرسته القديمة التي هُدمت، وبُني مكانها المدرسة السلطانية الموجودة الآن بالمسجد الأقصى الشريف، وكان ذلك في شهر صفر عقب عافية السلطان من الكسر الذي كان من فرس الأمير أزبك أمير كبير - كما تقدّم ذكره -، وأُلبس الثلاثةُ، وهم: شيخ الإسلام كمال الدين بن أبي شريف، والقاضي الشافعي، والقاضي الحنفي التشاريفَ على العادة، وألبس الشيخ شهاب الدين العميري جنده صوفاً خضراء على سنجاب، وحصل لهم منه الجبرُ والإكرام، وتوجهوا إلى محل وطنهم في شهر ربيع الأول.
* وفيها في أواخر السنة: قبض الأمير يشبك الدوادار على شَهْسِوار، واعتقل عليه، واستولى على ما كان بيده من المملكة التي تغلب عليها.
ثم دخلت سنة سبع وسبعين وثمان مئة: في أوائلها وردت البشائر إلى المملكة بالقبض على شَهْسِوار، ثم حضر الأمير يشبك الدوادار، وصحبته شَهْسِوار معتقلاً عليه هو وجماعة، ودخل إلى القاهرة في شهر ربيع الأول، فصلب هو ومَن معه على باب زويلة في يوم دخولهم القاهرة.
ثم في سنة سبع المذكورة تحرك حسن باك ملك الشرق، وجردت إليه العساكر، فكفى الله المسلمين أمرهم، ورجع إلى بلاده ولم يحصل منه ضرر.
* وفيها: استقر الأمير دقماق الأينالي في نيابة القدس، وفى خل إليها في ربيع الأول، فأقام نحو ثلاثة أشهر، وتوفي، ودفن في الزاوية القلندرية
стр. 645
بتربة ماملا ظاهر القدس الشريف من جهة الغرب، وكان قد أظهر حرمة وشهامة، واستقر بعده الأمير جمق في النيابة، ودخل إلى القدس الشريف في شهر رمضان، وكان يوم دخوله كثير المطر.
* وفيها: وقع ببيت المقدس مطر كثير هدمت منهُ أماكن كثيرة، ومن جملتها: زاوية سيدنا ولي الله تعالى الشيخ محمد القرمي بخط مرزبان، وكان هدم الزاوية في مستهل رمضان، ولم يحصل لأحدٍ من هدم الأماكن ضرر، سوى امرأة واحدة ماتت من بيت هدم عليها.
ثم دخلت سنة ثمان وسبعين وثمان مئه: فيها أنعم السلطان على الشيخ نجم الدين بن جماعة بمشيخة الصلاحية، وعلى أخيه الخطيب محب الدين بنصف وظيفة خطابة المسجد الأقصى، ونصف وظيفة مشيخة الخانقاه الصلاحية، ووظائف أخر بالمدارس، وعلى القاضي جمال الدين الديري بقضاء الحنفية، وذلك في أوائل السنة، ثم في شوال أنعم على القاضي علاء الدين بن المزوار بقضاء المالكية بعد وفاة القاضي نور الدين البدرشي.
* وفيها: وقعت حادثة بمدينة سيدنا الخليل ﵇، وهي فتنة بين الطائفتين بها، حصل بها نهب البلد وتخريبها، وكانت فتنة فاحشة، ورُفع الأمر للسلطان، فسير الأمير علي باي الخاصكي للكشف على ذلك وتحريره، فحضر إلى القدس الشريف، وتوجه وصحبته ناظر الحرمين الأمير ناصر الدين النشاشيبي، والنائب الأمير جقمق، والقضاة بالقدس الشريف، ورسم على أكابر بلد الخليل، وأخذهم صحبته حتى
стр. 646
وصل إلى غزة، فركب فرسًا وساقها، فوقعت عليه حائط، فتوفي هناك.
ثم دخلت سنة تسع وسبعين وثمان مئة، وفيها وقعت حادثة بالقدس الشريف، وهي: أن جماعة اعتصبوا، وأنهوا أن كنيسة اليهود محدَثة في دار الإسلام، وورد في ذلك مراسيم شريفة، وعقد فيها مجالس بالقاهرة وبالقدس، ومَنع القاضي بهاء الدين بن عبية قاضي القدس الشافعي اليهودَ من اتخاذها كنيسة، بعد إقامة بينة شهدت عنده أنها محدَثة، ثم في شهر رجب حضر من القاهرة السيد الشريف عفيف الدين، وثار معه جماعة من المتعصبين بالقدس، وهُدمت الكنيسة، واتصل الأمر بالسلطان، فطلب الجماعةَ الذين تكلموا في ذلك، منهم: القاضي، والشهود الذين شهدوا عنده، والشيخ برهان الدين الأنصاري الخليلي، وضربهم لافتئاتهم بالهدم بغير إذن شريف، وكان ذلك في أواخر شعبان، وعزل القاضي، وأمَر باخراجه هو والشيخ برهان الدين من القدس، وعدم سكناهما به.
ثم عقد مجلساً بمنزل الأمير يشبك الدوادار بحضور العلماء والقضاة بالديار المصرية، ورجع القاضي شهاب الدين بن عبية عن حكمه الصادر منه بالقدس الشريف بعد أن استخلفه قاضي القضاة ولي الدين الأسيوطي الشافعي بالديار المصرية، وأذن له في الرجوع عن حكمه، ونفذ على خلفاء الحكم العزيز من المذاهب الأربعة، وأفتى العلماء من الشافعية والحنفية بمصر بجواز إعادة الكنيسة، ومن جملة مَن أفتى، وأظهر التعصب: القاضي شهاب الدين المغربي قاضي الجماعة بالغرب المالكي فأنشد فيه بعضهم:
стр. 647
تُفْتِي بِعَوْدِ كَنِيسٍ ... وَكَانَ ذَلِكَ جَهْلاَ
وَتَدَّعِي فَرْطَ عِلْمٍ ... وَاللهِ مَا أَنْتَ إِلاَّ
وكانت فتنة فاحشة.
* وفيها: حج أتابك العساكر أزبكي إلى بيت الله الحرام، خرج من القاهرة في ثاني شوال، وقصد المدينة الشريفة، وأقام بها ثمانية أيام، ثم توجه إلى مكة.
* وفيها: حجت الآدر الشريفة خوند جهة المقام الشريف إلى بيت الله الحرام، وكان شيخ الإسلام أمين الدين الأقصرائي من جملة المساعدين للمسلمين في أمر كنيسة اليهود بالقدس، فتوجه إلى الحجاز الشريف من شدة ما حصل له من الحنق بسبب ما وقع بحق المسلمين من الضرب والإهانة بسبب اليهود، فتوفي ولدُهُ سعد الدين بدرب الحجاز الشريف، وحضر هو إلى القاهرة صحبة الحاج، وتوفي عقب ذلك.
* وفيها - أعني: سنة تسع وسبعين وثمان مئة -: استقر الأمير جارقطلي في نيابة القدس الشريف عوضًا عن جمق، ودخل إليها في شوال، وأقام الحكم بحرمة وشهامة.
ثم دخلت سنة ثمانين وثمان مئة: في أوائلها كانت وفاة الشيخ أمين الدين الأقصرائي - كما تقدم -.
* وفيها: حضر السلطان إلى القدس الشريف في شهر رجب، وجلس بقبة موسى تجاه باب السلسلة بالمسجد الأقصى الشريف، ونظر
стр. 648
في حال الرعية، وحكم بالعدل، وسمع الشكوى على النائب بالقدس الشريف المسمى جارقطلي.
ثم توجه إلى الرملة، وعاد إلى القاهرة، ودخل إليها في يوم الخميس، الثاني والعشرين من شعبان
* وفيها: أُعيدت كنيسة اليهود بالقدس، وحضر من القاهرة القاضي شهاب الدين الحزمي الشافعي المشهور بابن حيلات، والقاضي علاء الدين الميموني الحنفي، وأذن الحنفي في إعادتها بآلاتها القديمة، فأعيدت، وكان القاضي شهاب الدين الحزمي حصل له توعك بالقدس، فرجع إلى القاهرة، ولم يتكلم في أمرها، واستغفر الله تعالى مما وقع منه من السفر في هذه الحادثة.
وحُكي لي بالقاهرة أن السبب في رجوعه من القدس بسرعة، وعدم تكلمه في أمر الكنيسة: أنه لما حصل لهُ التوعك بالقدس، كان بخلوة بالمدرسة الجوهرية، وإذا باليهود قد حضروا بالمدرسة، وجلسوا على باب الخلوة التي هو بها، وتكلموا في أمر الكنيسة، فقال بعضهم لبعض: هذا عيدٌ مبارك بإعادة هذه الكنيسة، فما نسمي هذا العيد؟ فقالوا: نسميه: عيد النصر، فلما سمع القاضي ذلك، اقشعر جسدُهُ من ذلك، وانزعج، وبادر بالخروج من القدس، وتوجه إلى القاهرة، واستغفر الله مما وقع منه.
وأمّا الحنفي، فأقام بالقدس إلى أن كملت عمارتها، ثم عاد إلى القاهرة، وقد أسكن الله تعالى مقته في قلوب العباد.
стр. 649
وفي سنة ثلاث وثمانين وثمان مئة: حصلت له محنة من السلطان بسبب حُكم حَكم به من أيام قاضي القضاة سعد الدين الديري، فضربه السلطان، وأمر بنفيه إلى حلب، فخرج من القاهرة إلى أن وصل إلى الخانقاه، فوقعت فيه شفاعة، فأعيد إلى القاهرة، وعزَلهُ السلطان من نيابة الحكم عزلاً مؤبداً، وصار فقيراً حقيراً، واجتمعتُ به بعد ذلك، وتكلمتُ معه، ولُمته على ما صدر منه في أمر الكنيسة المذكورة، فأشهدني عليه أن الإذن الصادر منهُ في إعادتها قصد به الفتوى، ولم يقصد به الحكم الشرعي الرافع للخلاف، والله متولي السرائر.
ثم في أواخر السنة: طُلب قاضي القضاة قطب الدين الخيضري من الشام إلى القاهرة، ورسم له بالإقامة فيها.
ثم دخلت سنة إحدى وثمانين وثمان مئة: فيها تزوج القاضي قطب الدين الخيضري الشافعي بابنة أمير المؤمنين المستنجد بالله أبي المظفر يوسف بأمر السلطان.
* وفيها: حصل الوباء في المملكة كلها، وكان ابتداؤه من شهر رجب، وكثر بالقاهرة من شوال إلى آخر السنة.
ثم دخلت سنة اثنتين وثمانين وثمان مئة: فيها قبض على القاضي برهان الدين بن ثابت النابلسي وكيلِ السلطان، وصودر، وعوقب إلى أن مات، وكذلك ولده بالشام عوقب إلى أن مات، كل ذلك في مدة يسيرة نحو الشهر.
* وفيها: وُسِّعت شوارع القاهرة، وهُدم جميع ما فيها من الأماكن
стр. 650
الخارجة في الشوارع التي ضيقت قارعة الطريق بإشارة الأمير يشبك الدوادار الكبير.
* وفيها: تكاملت عمارة الأزيكية، التي عمرها المعز الأتابكي أزيك أمير كبير، واختطها بخرائب عنتر، وكمل جامعها المستجد، والقصر الذي بداخل الحوش، واستوطنها بعياله، ثم عمّر البركة، والرصيف الدائر عليها، والقصر المطل على البركة في سنة ثلاث، وسنة أربع، وتكامل ذلك في سنة خمس وثمانين وثمان مئة، ثم بنى الناس حولها الأملاك، وكان ابتداء عمارتها في سنة ثمانين وثمان مئة.
* وفيها - أعني: سنة اثنتين وثمانين وثمان مئة -: توجه السلطان من القاهرة في أول جمادى الآخرة في عسكر قليل دون المئة نفس إلى حلب، ووصل إلى الفرات، وحصل له توعك في السفر، ودخل إلى دمشق وهو متوعك، ثم عوفي، وعاد إلى القاهرة، ودخلها في يوم الخميس، رابع شوال من السنة، بعد أن زُينت له، وكان يوماً مشهوداً، وحصل من السلطان تغيظ على القاضي قطب الدين الخيضري بسبب ولده.
* وفيها: استقر الأمير ناصر الدين محمد ابن الأمير حسن بن أيوب في نيابة القدس الشريف عوضاً عن جارقتلي عند حلول الركاب الشريف بغزة المحروسة.
ثم دخلت سنة ثلاث وثمانين وثمان مئة: في المحرم منها أُلبس القاضي علاء الدين الصابوني وكالة السلطان عوضاً عن البرهان النابلسي، وألبس القاضي قطب الدين الخيضري خلعة الرضا.
стр. 651
* وفيها: تزوج الأمير جانم ناظر الجوالي قريب المقام الشريف ابنة الأمير علاء الدين بن خاصبك أخت الآدر الشريفة جهة المقام الشريف، وعُقد عقده عليها بعد صلاة الجمعة في شهر ربيع الآخر بجامع القلعة المنصورة، بحضور المقام الشريف، والأمراء، وقاضي القضاة ولي الدين الأسيوطي الشافعي، وقاضي القضاة بدر الدين السعدي الحنبلي، ولم يحضر الحنفي والمالكي؛ لضعفهما، وكان المتولي للعقد الشافعي، وأُلبس خلعة بعد فراغه، ثم حُمل إلى بيت والد الزوجة الفاكهة والحلوى، وكان عدة الحمالين لذلك مئتين وخمسةً وثمانين رجلاً، وقد عاينتُ ذلك، ودخل بها في شهر رجب، ولمّا ركب من منزله إلى منزل والدها ليلة دخوله بها، مشى في خدمتهِ جميع الأمراء المقدَّمين، ما عدا أمير كبير، وكان الأمير يشبك الدوادار الكبير، والأمير أزدمر الطويل حاجب الحجاب ماسكين رأس فرسه، وكان فرحًا عظيمًا.
ثم دخلت سنة أربع وثمانين وثمان مئة: فيها استقر الأمير يشبك الدوادار الكبير أمير سلاح عوضًا عن جاني بك الفقيه المتوفَّى بالقدس الشريف، مضافًا إلى الدوادارية، ولم يعهد إضافة الوظيفتين المذكورتين لأحد قبله.
* وفيها في ربيع الآخر: توفي الأمير جانم ناظر الجوالي، وجزع السلطان عليه، وتأسف عليه الناس، وكان شكلاً حسناً ﵀ وعفا عنه -.
* وفيها: أحضر الملك المؤيد أحمد بن أينال إلى القاهرة، وتوجه
стр. 652
السلطان الملك الأشرف قايتباي - نصره الله تعالى - الإسكندرية في عاشر جمادى الأولى، وترك المؤيد أحمد بن أينال بالقاهرة، واستمر غائباً عشرين يومًا، ثم حضر، فبلغهُ أن جماعة من المماليك الأينالية تكلموا في أمر الملك المؤيد، فغضب عليهم، ونفاهم، وأفحش في حقهم، ويُقال: إن الملك المؤيد هو الذي أرسل أعلمه بذلك خشية على نفسه، ثم توجه المؤيد إلى الإسكندرية.
* وفيها: استقر الأمير سنطباي النحاسي في نيابة القدس الشريف عوضاً عن الأمير ناصر الدين بن أيوب.
* وفيها: حج السلطان إلى بيت الله الحرام، وزار النبي ﷺ في الذهاب، وأقام بالمدينة الشريفة أربعة أيام، ثم عاد إلى القاهرة.
* وفيها: احترق الجامع الأموي بدمشق، فاهتم السلطان بعمارته، وأعاده أحسن ما كان.
ثم دخلت سنة خمس وثمانين وثمان مئة: في يوم الاثنين، ثاني عشر المحرم منها دخل السلطان إلى القاهرة من الحجاز الشريف، وكان يوماً مشهوداً.
* وفيها: قَتَل السلطان القاضيَ تاجَ الدين بن المقسي ناظرَ الخواص الشريفة ومَنْ معه في شهر ربيع الآخر.
* وفيها في الشهر المذكور: سار الأمير يشبك الدوادار الكبير، وصحبته العساكر المنصورة للتجريدة على يعقوب باك بن حسن باك،
стр. 653
فحصل القتال بين العسكرين بأرض الرها في شهر رمضان، فقُتل الأمير يشبك، واحتُزَّ رأسُه، والمتولي لقتله بيندور باش عسكر يعقوب باك، وحمل رأسهُ إلى توريز، وقيل: إن جثته حُملت ودفنت بتربته بالصحراء بظاهر القاهرة، وتواردت الأخبار بقتله في شوال، واستقر الأمير أقبردي قريبُ المقام الشريف عوضه في الدوادارية، ثم تزوج الأمير أقبردي أخت الاَدر الشريفة التي كانت زوجاً للأمير جانم ناظر الجوالي، وأخذ ما كان بيده من الإقطاع والبَرْك.
* وفيها: استقر الأمير ناصر الدين محمد بن أيوب في نيابة القدس الشريف عوضًا عن سنطباي البجاسي في المحرم عند حضور السلطان من الحجاز، ثم عُزل، واستقر مكانه بعده الأمير أحمد بن مبارك شاه في أواخر السنة.
ثم دخلت سنة ست وثمانون وثمان مئة: في يوم الجمعة، مستهل المحرم منها صُليت الجمعة بالمدرسة القجماسية بخط الدرب الأحمر بالقاهرة بعد كمال عمارتها، وحكم القاضي شرف الدين بن عيد الحنفي بصحة إقامة الجمعة فيها بحضور واقفها، والقضاة، والخاصّ والعام، وكان الخطيب إمام السلطان ناصر الدين الأخميمي - الذي صار قاضي القضاة الحنفي فيما بعد -، وكان يوماً مشهوداً.
وفي يوم الأحد بعد العصر سابع عشر المحرم: وقعت زلزلة عظيمة بمصر والمملكة، فتوفي القاضي شرف الدين بن عيد الحنفي، وسبب وفاته: أنه وقعت عليه شرافة من الإيوان البحري بالمدرسة الصالحية
стр. 654
- وسيأتي ذكر ذلك في ترجمته في حرف الميم -.
وفي صبيحة ذلك اليوم، وهو نهار الاثنين: استقر الأمير قانصوه خمس مئة الدوادار الثاني أمير أخور كبير؛ بحكم شغور الوظيفة عن الأمير قجماس باستقراره في نيابة الشام.
* وفيها في صفر: استقر القاضي شمس الدين الغزي في قضاء الحنفية بالديار المصرية عوضاً عن ابن عيد.
* وفيها: في يوم الأحد، مستهل رجب الفرد: عزل السلطان قاضي القضاة ولي الدين الأسيوطي الشافعي، وقاضي القضاة برهان الدين اللقاني المالكي، والقاضي زين الدين بن مزهر كاتب السر الشريف، بسبب واقعة أوجبت ذلك، وكنت حاضراً مجلس عزلهم.
وفي يوم الثلاثاء ثالث رجب: ولي قاضي القضاة الشيخ زكريا قضاء الديار المصرية على كُره منهُ.
وفي يوم الاثنين تاسع رجب: ولي قاضي القضاة المالكي محيي الدين عبد القادر بن تقي، وأعاد القاضي زين الدين بن مزهر إلى وظيفته.
* وفيها: غضب السلطان على إمامه برهان الدين الكركي، وعزله من مشيخة الأشرفية، وقرر فيها الشيخ صلاح الدين الطرابلسي، وقرر في قراءة "البخاري" في القلعة الشريفة الشيخ جمال الدين يوسف سبط قاضي القضاة ابن حجر.
* وفيها في مستهل شعبان: دخل القاهرة جُمْجُمة بن عثمان،
стр. 655
وأوكب السلطان لهُ، وكان يوماً مشهوداً.
* وفيها في ليلة الثالث عشر من شهر رمضان: وقعت صاعقة بالمدينة الشريفة، احترق منها الحرم الشريف النبوي، والحجرة الشريفة، وجميع ما بالحرم الشريف من المصاحف والكتب، ووردت الأخبار بذلك والمحاضر المكتتبة بالمدينة الشريفة في أسرع وقت، وجزع الناس لذلك، ثم اهتم السلطان بعمارته، وقام في ذلك أعظم قيام، وأنشأه في غاية الحسن - ولله الحمد -.
* وفيها: أخرجت وظيفة قضاء الشافعية بدمشق عن القاضي قطب الدين الخيضري، واستقر بها القاضي شهاب الدين بن الفرفور.
* وفيها: استقر القاضي علاء الدين بن الصابوني في وظيفة نظر الخواص الشريفة، مضافاً لوكالة السلطان.
ثم دخلت سنة سبع وثمانين وثمان مئة: وفيها تكاملت عمارة المدرسة التي أنشأها مولانا السلطان بالمسجد الأقصى الشريف بجوار باب السلسلة، وهي مدرسة عظيمة لم يوجد مثلها، ومن أعظم محاسنها: كونها في هذه البقعة الشريفة.
* وفيها في شهر شعبان: وقع بمكة المشرفة السيل العظيم، ودخل إلى المسجد الحرام، وغرق فيه من أهل مكة والمجاورين خلق كثير، وأمره مشهور، وكان قبل ذلك في سنة ست وثمانين وقع الحريق بالحرم الشريف النبوي - كما تقدم -، فجزع الناس لوقوع هاتين الحادثتين بالحرمين الشريفين في سنتين متواليتين، فالحكم لله العلي الكبير.
стр. 656
ثم دخلت سنة ثمان وثمانين وثمان مئة: فيها رتب السلطان أوقافاً للمدينة الشريفة، وجعل لها في كل سنة قمحاً يحمل إليها، ويفرَّق على أهلها المقيمين بها، والمجاورين والواردين إليها، وقوي الوقف بحضرته في يوم قراءة المولد الشريف في شهر ربيع الأول بحضور القضاة والأمراء، والخاص والعام في الحوش بالخيمة المنصوبة لقراءة المولد الشريف، وكنت حاضراً ذلك المجلس، فقرأ القاضي زين الدين بن مزهر كاتبُ السرِّ الشريف خطبةَ كتاب الوقف، وهو جالس بين يدي السلطان، ثم تأخر، فحضر القاضي أبو البقاء بن الجيعان، وقرأ وهو واقفٌ أسماء الجهات الموقوفة في قائمة بيده، ثم تأخر، فحضر القاضي أبو الطيب الأسيوطي موقع المقام الشريف في المستندات الشرعية، وقرأ وهو واقف ملخصَ الوقف وشروطَه في قائمة بيده، ومن جملة الشروط: أن يكون النظر لمولانا السلطان الواقف المشار إليه، ثم من بعده لمن يكون سلطاناً بالديار المصرية سلطاناً بعد سلطان، وأن تكون القضاة الأربعة بالديار المصرية شهود الوقف تشريفاً لهم، وكان يوما مشهوداً.
* وفيها: استقر الأمير جانم في نيابة القدس الشريف عوضاً عن أحمد بن مبارك شاه.
* وفيها في جمادى الأولى: وقعت حادثة بالقاهرة المحروسة أوجبت أن المماليك وثبوا على الأمير برسباي قراراس نوبة النوب، وأحرقوا منزله، ونهبوه، وكادت تقع فتنة كبيرة، ثم أخمدها الله تعالى، وحصل الصلح.
стр. 657
ثم دخلت سنة تسع وثمانين وثمان مئة: فيها كان ابتداء الفتنة بين السلطان ويين أبي يزيد بن عثمان، فتوجه الأمير تمراز أمير سلاح بالعساكر لقتاله، وكان خروجه من القاهرة في شهر جمادى الأولى.
* وفيها: استقر القاضي شمس الدين بن المزلق في قضاء دمشق عوضًا عن ابن الفرفور.
* وفيها: وقعت بمدينة الرملة حادثة، وهي: أن شخصاً يقال له: ابن دبور خَتَنَ ولده، وعمل له زفة على العادة، فاقتتل جماعة من أهل حارة الباشقردي مع جماعة من أهل حارة التركمان، فقتل بينهما رجل، واتصل الأمر بالحكام بمصر والشام، ووردت قُصّادٌ من الجهتين، وتكلف أهل البلد مبلغاً له صورة، وكان وقوع الفتنة والقتل في شهر شعبان، وكانت حادثة فاحشة.
ثم دخلت سنة تسعين وثمان مئة: فيها تتابع العسكر صحبة جماعة من الأمراء، وتوجهوا خلف الأمير تمراز لقتال السلطان بايزيد بن عثمان.
* وفيها في شهر رجب: حضر القاضي أبو البقاء بن الجيعان، والمهتار رمضان لترتيب الوظائف وتقريرها بالمدرسة الشريفة بالقدس الشريف، وحضر صحبتهما شيخ الإسلام كمال الدين بن أبي شريف، وقد استقر في مشيختها بحكم وفاة الشيخ شهاب الدين العُميري - وسيأتي ذكر ذلك في ترجمته في حرف الميم -، وحضر - أيضًا - صحبة القاضي أبي البقاء القاضي شهابُ الدين بن الفرفور، وقد استقر في قضاء دمشق عوضًا عن ابن المزلق.
стр. 658
* وفيها في شوال: توجه المقر الأتابكي أزبك أمير كبير بالعساكر، ولحق الأمير تمراز.
ثم دخلت سنة إحدى وتسعين وثمان مئة: فيها في أواخر ربيع الأول: حصل للسلطان عارض، وهو أنه ركب فرسًا في الحوش، فرماه، ووقع فوقه، فكسر فخذه، واستمر نحو الشهرين، وعوفي.
وفي الشهر المذكور قبل حصول العارض للسلطان: توجه الأمير أقبردي الدوادار الكبير إلى جهة نابلس، وجهز الرجال للتجريدة، ثم عاد إلى القاهرة في شهر شعبان، ونصر الله عسكر الإسلام، وقبض على شخص من أكابر دولة ابن عثمان، يقال له: ابن هرسك، وأُحضر للسلطان في أواخر السّنة المذكورة، فأحسن إليه، وأفرج عنه، وأذن له في التوجه إلى بلاده.
* وفيها: استقر الأمير خضر بك في نيابة القدس الشريف عوضاً عن الأمير جانم، ودخل إليها في يوم الثلاثاء، تاسع ذي القعدة الحرام.
ثم دخلت سنة اثنتين وتسعين وثمان مئة: فيها توجه ابن هرسك إلى بلاده بعد الإحسان إليه من السلطان - كما تقدم -، ولم يحصل لعسكر السلطان في كل مرة إلا الخير والنصر، كلُّ ذلك والسلطان ابن عثمان على عناده -.
* وفيها: حصل الغلاء في سائر الممالك، ورأى الناس من ذلك شدة.
стр. 659
* وفيها: أفرج السلطان عن الأمير قانصوه اليحياوي من القدس الشريف، ورسم له بالحضور إلى القاهرة بعد إقامته بالقدس من أواخر سنة ست وثمانين وثمان مئة، فتوجه من القدس في يوم عيد الفطر.
* وفيها: توفي الأمير قجماس نائب الشام في شهر رمضان، وفيما كان الأمير قانصوه اليحياوي بغزة متوجها إلى الأبواب الشريفة، ورد عليه وفاة الأمير قجماس، فتباشر بولاية نيابة الشام على عادته، فلما قدم إلى القاهرة المحروسة، أقام بها أياما، ثم استقر في نيابة الشام في أواخر السنة.
ثم دخلت سنة ثلاث وتسعين وثمان مئة: فيها في المحرم قدم الأمير قانصوه اليحياوي إلى الرملة متوجهًا إلى محل ولايته.
* وفيها: استعفى الأمير ناصر الدين النشاشيبي من نظر الحرمين، فعفي بعد توقف السلطان في إغوائه مراراً، فادعى العجز، فأعفي، واستقر عوضه الأمير دقماق في النظر، وفي النيابة - أيضاً - في شهر صفر.
* وفيها: حضر الأمير أقبردي الدوادار الكبير، وصحبته القاضي زين الدين بن مزهر كاتب السر من القاهرة إلى جهة نابلس؛ لتجهيز الرجال للتجريدة لقتال السلطان ابن عثمان، وتجهز العسكر إلى بلاد الروم، [وكان] قدومهما إلى الرملة في يوم السبت، الحادي والعشرين من جمادى الأولى، وجهزت الرجال من جبل نابلس، ثم توجه القاضي زين الدين بن مزهر في شهر رجب وهو متوعك، ومعه الدوادار الكبير في شعبان، فدخل القاضي زين الدين بن مزهر إلى القاهرة، واستمر في
стр. 660
التوعك إلى أن توفي إلى رحمة الله تعالى في يوم الخميس، سادس شهر رمضان، واستمر في كتابة السر الشريف ولده القاضي بدر الدين محمد ابن مُزْهِر، وأُلبس التشريف الشريف، ونزل من القلعة المنصورة، والناس في خدمته في يوم الخميس ثالث عشر رمضان المذكور، وسنذكر ذلك في ترجمة القاضي زين الدين بن مزهر في حرف الهمزة - إن شاء الله تعالى -.
ثم دخلت سنة أربع وتسعين وثمان مئة: فيها نزل الأمير أقبردي الدوادار الكبير بجهة نابلس، وتوجه الأغوار؛ بسبب القبض على بني إسماعيل مشايخ جبل نابلس، وعاد إلى القاهرة في جمادى الأولى، ووقعت حادثة أوجبت غضب السلطان من مماليكه، فخلع نفسه من الملك، وقصد الخروج من الديار المصرية، فجزع الناس لذلك، ثم استُعطف خاطره، واستُرضي، واجتمع الناس بالقلعة، وجلس أمير المؤمنين المتوكل على الله، وقضاة القضاة، وأصحاب الحل والعقد، وجُددت له البيعة بالسلطنة، وأُلبس الخلعة السوداء على العادة، وكان يوماً مشهوداً.
ثم دخلت سنة خمس وتسعون وثمان مئة: فيها توجه الأمير أزبك أمير كبير، وصحبته الأمراء والعساكر لقتال السلطان ابن عثمان، فوصلوا إلى بلاد الروم، وأخربوا غالب تلك البلاد، وأحرقوها، ثم عادوا في أواخر السنة، وهم منصورون مؤيدون.
* وفيها: احتبس المطر ببيت المقدس، فصام الناس ثلاثة أيام،
стр. 661
ثم استسقوا في صبيحة يوم الأحد، خامس عشر ربيع الآخر بالصخرة الشريفة، ثم انصرفوا من الصلاة، ولم يُسْقَوا في يومهم، فجزع الناس لذلك، وتضرعوا إلى الله تعالى، فلما مضى النهار وأقبلت ليلة الاثنين، أغاث الله عباده بالمطر الغزير، فامتلأت الآبار، ورَوِيت الأرض، وأظهر الله تعالى إجابة دعاء عباده الضعفاء، فاطمأن الناس، وحمدوا الله تعالى، وأثنوا عليه، وله الحمد والمنة.
وفي يوم السبت ثاني شهر رجب الفرد: هُدمت القبة التي كانت أُحدثت بالقرب من دير صِهْيَون ظاهر القدس، وكان إحداثها في صفر، سنة أربع وتسعين وثمان مئة، فورد مرسوم شريف لشيخ الإسلام كمال الدين بن أبي شريف جواباً لمكاتبته الواردة على الأبواب الشريفة بمعنى ذلك، والمرسوم الشريف على يد الأمير أزبك الخاصكي، الذي حضر للكشف على الأمير دقماق ناظرِ الحرمين ونائب القدس بهدمها، فهدمت بحضور الشيخ كمال الدين المشار إليه، وحضور الخاصكي، والنائب، وشيخ الصلاحية، وقضاة الإسلام الأربعة، والخاص والعام، وكان يومًا مشهوداً، وبقي بعض آثارها، فورد مرسوم شريف ثانٍ للشيخ كمال الدين بإكمال هدمها، ومحو أثرها فمحيت، وكان ذلك في شهر رمضان من السنة الآتية، وهي سنة ست وتسعين وثمان مئة، بحضور ناظر الحرمين الأمير الأجل خضر بك، ومشايخ الإسلام والقضاة، وكان يومًا مشهودًا أعظمَ من اليوم الأول.
* وفيها: - أعني: سنة خمس وتسعين وثمان مئة -: حضر الأمير
стр. 662
أقبردي الدوادار الكبير إلى القدس الشريف متوجهًا لجهة الغور، وكان دخوله القدس في يوم الأحد، سابع عشر ذي الحجة، ونزل بخان الملك الظاهر بيبرس إلى يوم الثلاثاء تاسع عشر الشهر المذكور، ثم توجه إلى الغور.
ثم دخلت سنة ست وتسعين وثمان مئة: في أوائل شهر ربيع الآخر منها حضر قانصوه من مخيم الأمير الدوادار الكبير بمرسومه برمي الزيت المتحصل من جبل النابلس على أهل بيت المقدس، الخاص والعام من المسلمين، واليهود والنصارى، كل قنطار بخمسة عشر ديناراً ذهبا، فرسَّم على الناس، وضربهم، وانتهك حرمهم، وكانت حادثة فاحشة امتُحن الناس فيها محنة لم يُعهد مثلها في بيت المقدس، بل ولا في غيره من بلاد المسلمين، والسبب في ذلك: الضغينة التي في صدر دقماق النائب، لما حصل عنده من الكشف عليه في سنة خمس وتسعين وثمان مئة، واستمر الناس في الضرب والترسيم والمحنة وهتك الحرم شهر ربيع الآخر بكماله، وباع الناس أمتعتهم وثيابهم بأبخس الأثمان، وبيع كل مثقال من الذهب الطيب بدون الخمسين درهم، وبقي الناس يأخذون الزيت كل قنطار بخمسة عشر دينارًا ذهباً، ويبيعونه بمئتي درهم، وخمسين درهماً فضة، فكانت الخسارة أكثر من الثلثين، وكانت محنة شديدة فاحشة، فالحكم لله العلي الكبير.
ثم توجه دقماق وقانصوه المذكورَيْنِ بالمبلغ المقبوض ثمناً عن الزيت، وهو نحو عشرين ألف دينار إلى مخيم الأمير الدوادار بظاهر
стр. 663
مدينة الرملة، فانتقم الله من دقماق لما فعله بالمسلمين، وعزله الأمير دوادار الكبير واستقر عوضه الأمير خضر بك نظر الحرمين الشريفين، والنيابة في يوم الثلاثاء رابع جمادى الأولى، وهو اليوم الذي سافر فيه الأمير دوادار من الرملة قاصدًا الأبواب الشريفة، ودخل إلى القدس الشريف في يوم الاثنين، عاشر جمادى الأولى، وكان يومًا مشهودًا لدخوله.
* وفيها: في شهر ربيع الآخر برز الأمر الشريف باخراج مدينة الرملة عن نائب الشام الأمير قانصوه اليحياوي، وإضافتها إلى ملك الأمراء أقباي نائب غزة المحروسة، ولم تجر بذلك عادة قبل ذلك، فلما أضيف إلى ملك الأمراء المشار إليه، عمرت البلاد، وحصلت الطمأنينة للرعية والمسافرين بأمن الطرقات، وردع المناحيس والمفسدين - ولله الحمد -.
* وفيها: حضر قصَّاد السلطان بايزيد بن عثمان، وقاضي مدينة برصا بطلب الصلح مع مولانا السلطان الملك الأشرف قايتباي، فأحسن إليهم، وأكرمهم، وعاد القصاد والقاضي المشار إليه، فدخلوا بيت المقدس في شهر رمضان، وركب للقائهم ناظرُ الحرمين، ومشايخ الإسلام، والقضاة، والخاص والعام، ودخلوا إلى القدس الشريف، وكان يومًا مشهودًا، وتوجهوا في الشهر المذكور قاصدين بلاد الروم.
وجهز السلطان الملك الأشرف قايتباي قاصده الأمير جان بلاط للسلطان بايزيد بن عثمان، لعود الجواب عن الصلح، وحصل للرعية الطمأنينة بوقوع الصلح بين هذين الملكين.
стр. 664
ثم دخلت سنة سبع وتسعين وثمان مئة والخليفة أمير المؤمنين المتوكل على الله أبو العز عبد العزيز يعقوب - أعز الله به الدين، وأمتع ببقائه الإسلام والمسلمين -، والسلطان بالديار المصرية الملك الأشرف أبو النصر قايتباي.
* وفيها: توفي الشيخ الصالح شمس الدين محمد خليفة المغربي الأصل - الآتي (١) ذكرُ جده في حرف الخاء -، وكان عبدًا صالحًا، وأهلُ بيت المقدس يعتقدونه، ورئي له بعض كرامات، وكانت وفاته في ليلة الخميس، وصُلِّي عليه بعد الظهر من يوم الخميس السابع والعشرين من صفر بالمسجد الأقصى، ودفن بتربة ماملا عند جده الشيخ خليفة، وكان لجنازته مشهد عظيم، شهده العام والخاص، وكانت وفاة والده الشيخ شمس الدين في جمادى الآخرة، سنة تسع وثمانين وثمان مئة.
* وفيها: في شهر ربيع الأول عاد الأمير جان بلاط قاصد المقام الشريف من الروم بعد أن حصل له الجبر من ملك الروم السلطان أبي يزيد، وبالغ في إكرامه، وأكمل الله الصلح بين سلطاننا وبينه، واطمأن الناس - ولله الحمد -.
وكان ابتداء الفتنة وتجهيز العساكر لقتال السلطان ابن عثمان من أوائل سنة تسع وثمانين وثمان مئة إلى أن لطف الله تعالى بعباده، ووقع الصلح، وتكامل في هذا التاريخ بعد وقوع الحرب والفتن نحو ثمان
стр. 665
سنين، وصرف في التجاريد ما لا يحصى كثرة.
* وفيها: في شهر ربيع الأول - أيضاً -، الموافق لكانون الثاني وقع هدم فاحش بكنيسة قمامة بالقدس الشريف في الليل من المطر، وهلك تحته رجلان من الحبشة.
* وفيها: ورد مرسوم شريف على شيخ الإسلام الكمالي بن أبي شريف بالتوجه إلى مدينة غزة، وصحبته السيفي خضر بك ناظر الحرمين الشريفين، ونائب السلطنة بالقدس الشريف، وإيقاع الصلح بينه وبين ملك الأمراء المقر الأشرف السيفي أقباي كافل المملكة الغزية، والمعاهدة بينهما، وزوال الكدر والوحشة من بينهما، وكتابة صورة بذلك، وعرضها على المسامع الشريفة، فتوجه من القدس الشريف إلى غزة المحروسة، وامتثل ما برزت به المراسيم الشريفة، وحصل الصلح بين المشار إليهما على أحسن وجه، وكان ذلك في جمادى الآخرة.
* وفيها: دخل الوباء بالطاعون حتى عمَّ جميع المملكة بالديار المصرية، والممالك الشامية، وكانت قوته بالقاهرة في الجمادَيْن، وتواترت الأخبار بزيادته وتفاحشه إلى أن بلغ بالقاهرة في كل يوم أكثر من عشرين ألفاً، وفي مدينة غزة أربع مئة في كل يوم، وقيل: أكثر من ذلك، ثم ابتدأ بالقدس الشريف والرملة في أواخر جمادى الآخرة، وتزايد أمره بالرملة في شهر رجب إلى أن بلغ في كل يوم نحو مئة وعشرين، وكان في بيت المقدس في شهر رجب إلى آخره، في كل يوم أربعين وثلاثين، وبلغ في يوم الجمعة حادي عشري رجب نحو الخمسين، وهي أول
стр. 666
جمعة ظهر فيها كثرة الأموات.
* وفيها: في ثامن عشري شهر رجب المذكور توفي الشيخ الإمام العالم العلامة عبد السلام بن الرضا الكركي الحنفي - تغمده الله برحمته -، وكان من أهل العلم والفضل، وعليه السكينة والوقار، وكان يكتب على الفتوى كتابة حسنة، والناس سالمون من يده ولسانه، وكان في ابتداء أمره على مذهب الإمام الشافعي ﵁، ثم انتقل عنه، وقلد الإمام أبا حنيفة ﵁، وتفقه على الشيخ ناصر الدين محمد بن حسني الشهير بابن الشنتير، وبرع في المذهب، وأفتى ودرَّس، وانتفع به الناس في الفتوى، وتوفي في اليوم المذكور، وصُلي عليه بالمسجد الأقصى الشريف بعد صلاة العصر في يوم الجمعة، وحمل تابوته على الرؤوس، ودفن بماملا ظاهر القدس الشريف، ومات فقيرًا لم يترك من الدنيا سوى نحو عشرة دنانير، ولما انتقل من مذهب الإمام الشافعي إلى مذهب الإمام أبي حنيفة ﵄، لامه بعض الناس على ذلك، فأنشد:
أَخَذَ السَّفِيهُ يَلُومُنِي بِجَهَالَةٍ ... لِمْ لا ثَبَتَّ عَلَى الطَّرِيقِ الأَعْرَفِ
فَأَجَبْتُهُ دع عَنْكَ لَوْمِي يَا فَتَى ... وَاسْلُكَ طَرِيقَةَ ذَا الإِمَامِ الأَشْرَفِ
إِنَّ المَذَاهِبَ خَيْرُهَا وَأَصَحُّهَا ... مَا قَالَهُ النُّعْمَانُ حَقًّا فَاقْتَفِ
إِنْسانَ عَيْنٍ لِلأَئِمَّةِ كُلِّهِمْ ... فَالكُلُّ عَنْهُ لِلطَّرِيقَةِ مُقْتَفِ
فَاخْتَرْتُ مَذْهَبَهُ وَقُلْتُ بِقَوْلهِ ... وَجَعَلْتُهُ يَوْمَ القِيَامَةِ مُسْعِفِي
﵀، وعفا عنه، وعوضه الجنة -.
стр. 667
* وفيها: دخل الوباء من القاهرة وما والاها، ومن غزة في شهر رجب، ودخل إلى مدينة دمشق في أواخر رجب، بعد أن عم جميع المملكة الشامية بحلب وحماة وحمص، وورد الخبر أنه وصل في مدينة حلب في كل يوم نحو ثمان مئة، ثم وصل فيها إلى الألف وخمس مئة، وتناقص بمدينة الرملة في أوائل شعبان إلى أن بقي في كل يوم ثلاثة أنفار أو أربعة، ووصل العدد بمدينة سيدنا الخليل ﵇ في اليوم دون الخمسين، واستمر بالقدس الشريف بعد ارتفاعه من غزة والرملة وكانت قوته في شهر شعبان، ووصل العدد منه إلى فوق المئة في اليوم، وقيل: إنه بلغ إلى مئة وثلاثين.
وتوفي الأمير خضر بك ناظر الحرمين الشريفين، ونائب السلطنة الشريفة بالقدس الشريف، وبلد سيدنا الخليل ﵇ في ليلة الأحد، الحادي والعشرين من شعبان، وكان دخوله إلى القدس متوليًا يوم الاثنين، عاشر جمادى الأولى، سنة ست وتسعين وثمان مئة، وحصل بولايته عمارة البلاد، واطمأن الناس في الطرقات باعتبار حرمته وشهامته ﵀، وعفا عنه -، وكان قبل ذلك تولى النيابة فقط، ودخل إلى القدس في تاسع ذي القعدة، سنة إحدى وتسعين وثمان مئة، وساءت سيرته، وورد المرسوم الشريف بالكشف عليه على يد الأمير تغري ورمش دوادار المقر الأشرف أقبردي أمير داودار كبير، فكشف عليه في شهر ذي الحجة سنة اثنتين وتسعين، وكتب الجواب للسلطان بسيرته، وما هو عليه، فعزله في أوائل سنة ثلاث وتسعين.
стр. 668
ولمَّا استقر في هذه الولاية في النيابة والنظر، باشر مباشرة حسنة، وأظهر العدل في الرعية، واستعطف خواطر الناس، وشرع في سلوك طريق الرئاسة، ثم لما دخل الوباء، تطيّر من ذلك، وطلع من القدس الشريف إلى ظاهرها، وأقام بالكروم أيامًا، فأنكر الناس عليه ذلك، فدخل إلى المدينة، فأقام بعض أيام، فتوفيت ابنة له، ثم بعد يومين أو ثلاثة توفيت زوجته، ثم بعد وفاة زوجته بنحو ستة أيام توفي هو، وصُلي عليه بالمسجد الأقصى بعد صلاة الظهر من يوم الأحد، ودفن بتربة ماملا ظاهر القدس الشريف.
وكان أسند وصيته لشيخ الإسلام الكمالي بن أبي شريف - أمتع الله بحياته -، فتوجه إلى التربة، وتولى أمره، ووقف على دفنه، وصحبته جماعة من الأعيان، وقضاة الشرع الشريف.
واستمر الوباء بالقدس الشريف في قوته إلى سلخ شهر شعبان، وأفنى خلقاً كثيراً من الأطفال والشبان، وأفنى طائفة الهنود عن آخرهم، وكذلك طائفة الحبشة.
وفيها توفي عدد من الأخيار الصالحين:
منهم: الشيخ جبريل الكردي الشافعي، وكان من أهل الفضل، وكان معظماً عند شيخ الإسلام الكمالي بن أبي شريف.
ومنهم: الشيخ الصالح الفاضل يوسف السليماني الحنفي نائبُ إمام الصخرة الشريفة، وكان من أهل الخير والصلاح والفضل في مذهب
стр. 669
الإمام أبي حنيفة ﵁، وكان يصلي إماما بالصخرة الشريفة، وعلى قراءته الأنس.
ومنهم: الشيخ الصالح المقرئ علي الجزولي المغربي، نائب إمام المالكية بالمسجد الأقصى، وكان من أهل الخير والصلاح، حافظاً لكتاب الله، وكان يؤم بجامع المغاربة، ويؤدي الصلاة على أوضاعها من الطمأنينة في الركوع والسجود.
ومنهم: الشيخ الصالح موسى المغربي، وكان عبدًا صالحًا، وكان مقيمًا بالخلوة التي تحت سور الصخرة الشريفة القبلي سفل التاريخ، وكان يجلس على باب الخلوة، ويجتمع عنده أهل الخير يتلون كتاب الله، وكان يجلس غالبًا ورأسه مكشوف، والصلاح ظاهر عليه.
ومنهم: الشيخ الصالح الناسك إسحاق الجبرتي، وكان عابداً زاهدًا، منقطعاً إلى الله تعالى في الخلوة التي بصدر جامع النساء بداخل المسجد الأقصى، والناس يترددون إليه، ويتبركون به، ولقد ظهر له كرامات ومكاشفات - رحمة الله عليهم أجمعين -.
وتناقص من أول شهر رمضان، وتوفي الخطيب جلال الدين محمد ابن الخطيب محب الدين أحمد ابن قاضي القضاة برهان الدين بن جماعة، خطيبُ المسجد الأقصى الشريف، وشيخُ الخانقاه الصلاحية بالقدس الشريف، وكان شاباً حسناً، بلغ من العمر نحو اثنتين وعشرين سنة، ولم يحصل منه ضرر لأحد، وكان متأدباً سالكاً طريق الحشمة،
стр. 670
لم يصدر منه ما يَشينه، وتأسف الناس عليه، وكانت وفاته يوم الاثنين، سابع شهر رمضان، ودفن بماملا عند الشيخ شهاب الدين بن أرسلان بتربة أسلافه ﵀، وعفا عنه، وعوضه بشبابه الجنة -.
واستمر الوباء بهجومه إلى مدينة دمشق في أول شعبان سنة، وتزايد بها وتفاحش من نصف شعبان، وارتفع من القدس في أواخر شهر شوال، وتناقص من دمشق في العشر الأول من شوال، بعد أن بلغ العدد فيها في كل يوم ثلاثة آلاف، وارتفع من دمشق في أواخر شهر ذي القعدة.
وحضر شخص من القاهرة، وأخبر أنه كُتب ارتفاعٌ (١) بعِدَّة من مات بالطاعون بالقاهرة، وعُرض على السلطان، فضبَط عدَّة من مات، فكانت العدة ألف ألف، وست مئة ألف، وثمان مئة وسبعة وتسعين نفراً، كذا ورد الخبر على كاتبه من مدينة الرملة، والله أعلم بحقيقة الحال.
* وفيها: استقر القاضي عز الدين عبد العزيز ابن القاضي شمس الدين محمد الديري الحنفي في وظيفة قضاء الحنفية بالقدس الشريف.
* وفيها: استقر القاضي كمال الدين أبو البركات محمد ابن الشيخ خليفة المالكي في وظيفة قضاء المالكية بالقدس الشريف، ووصلت الولاية إليهما معاً على يد سعد الدين قاصد المعز البدري بن مُزْهِر صاحب ديوان الإنشاء الشريف في صبيحة يوم الخميس، خامس عشر شوال، وحصل الجمع بين يدي شيخ الإسلام الكمالي بن أبي شريف