جمعة ظهر فيها كثرة الأموات.
* وفيها: في ثامن عشري شهر رجب المذكور توفي الشيخ الإمام العالم العلامة عبد السلام بن الرضا الكركي الحنفي - تغمده الله برحمته -، وكان من أهل العلم والفضل، وعليه السكينة والوقار، وكان يكتب على الفتوى كتابة حسنة، والناس سالمون من يده ولسانه، وكان في ابتداء أمره على مذهب الإمام الشافعي ﵁، ثم انتقل عنه، وقلد الإمام أبا حنيفة ﵁، وتفقه على الشيخ ناصر الدين محمد بن حسني الشهير بابن الشنتير، وبرع في المذهب، وأفتى ودرَّس، وانتفع به الناس في الفتوى، وتوفي في اليوم المذكور، وصُلي عليه بالمسجد الأقصى الشريف بعد صلاة العصر في يوم الجمعة، وحمل تابوته على الرؤوس، ودفن بماملا ظاهر القدس الشريف، ومات فقيرًا لم يترك من الدنيا سوى نحو عشرة دنانير، ولما انتقل من مذهب الإمام الشافعي إلى مذهب الإمام أبي حنيفة ﵄، لامه بعض الناس على ذلك، فأنشد:
أَخَذَ السَّفِيهُ يَلُومُنِي بِجَهَالَةٍ ... لِمْ لا ثَبَتَّ عَلَى الطَّرِيقِ الأَعْرَفِ
فَأَجَبْتُهُ دع عَنْكَ لَوْمِي يَا فَتَى ... وَاسْلُكَ طَرِيقَةَ ذَا الإِمَامِ الأَشْرَفِ
إِنَّ المَذَاهِبَ خَيْرُهَا وَأَصَحُّهَا ... مَا قَالَهُ النُّعْمَانُ حَقًّا فَاقْتَفِ
إِنْسانَ عَيْنٍ لِلأَئِمَّةِ كُلِّهِمْ ... فَالكُلُّ عَنْهُ لِلطَّرِيقَةِ مُقْتَفِ
فَاخْتَرْتُ مَذْهَبَهُ وَقُلْتُ بِقَوْلهِ ... وَجَعَلْتُهُ يَوْمَ القِيَامَةِ مُسْعِفِي
﵀، وعفا عنه، وعوضه الجنة -.
стр. 667
* وفيها: دخل الوباء من القاهرة وما والاها، ومن غزة في شهر رجب، ودخل إلى مدينة دمشق في أواخر رجب، بعد أن عم جميع المملكة الشامية بحلب وحماة وحمص، وورد الخبر أنه وصل في مدينة حلب في كل يوم نحو ثمان مئة، ثم وصل فيها إلى الألف وخمس مئة، وتناقص بمدينة الرملة في أوائل شعبان إلى أن بقي في كل يوم ثلاثة أنفار أو أربعة، ووصل العدد بمدينة سيدنا الخليل ﵇ في اليوم دون الخمسين، واستمر بالقدس الشريف بعد ارتفاعه من غزة والرملة وكانت قوته في شهر شعبان، ووصل العدد منه إلى فوق المئة في اليوم، وقيل: إنه بلغ إلى مئة وثلاثين.
وتوفي الأمير خضر بك ناظر الحرمين الشريفين، ونائب السلطنة الشريفة بالقدس الشريف، وبلد سيدنا الخليل ﵇ في ليلة الأحد، الحادي والعشرين من شعبان، وكان دخوله إلى القدس متوليًا يوم الاثنين، عاشر جمادى الأولى، سنة ست وتسعين وثمان مئة، وحصل بولايته عمارة البلاد، واطمأن الناس في الطرقات باعتبار حرمته وشهامته ﵀، وعفا عنه -، وكان قبل ذلك تولى النيابة فقط، ودخل إلى القدس في تاسع ذي القعدة، سنة إحدى وتسعين وثمان مئة، وساءت سيرته، وورد المرسوم الشريف بالكشف عليه على يد الأمير تغري ورمش دوادار المقر الأشرف أقبردي أمير داودار كبير، فكشف عليه في شهر ذي الحجة سنة اثنتين وتسعين، وكتب الجواب للسلطان بسيرته، وما هو عليه، فعزله في أوائل سنة ثلاث وتسعين.
стр. 668
ولمَّا استقر في هذه الولاية في النيابة والنظر، باشر مباشرة حسنة، وأظهر العدل في الرعية، واستعطف خواطر الناس، وشرع في سلوك طريق الرئاسة، ثم لما دخل الوباء، تطيّر من ذلك، وطلع من القدس الشريف إلى ظاهرها، وأقام بالكروم أيامًا، فأنكر الناس عليه ذلك، فدخل إلى المدينة، فأقام بعض أيام، فتوفيت ابنة له، ثم بعد يومين أو ثلاثة توفيت زوجته، ثم بعد وفاة زوجته بنحو ستة أيام توفي هو، وصُلي عليه بالمسجد الأقصى بعد صلاة الظهر من يوم الأحد، ودفن بتربة ماملا ظاهر القدس الشريف.
وكان أسند وصيته لشيخ الإسلام الكمالي بن أبي شريف - أمتع الله بحياته -، فتوجه إلى التربة، وتولى أمره، ووقف على دفنه، وصحبته جماعة من الأعيان، وقضاة الشرع الشريف.
واستمر الوباء بالقدس الشريف في قوته إلى سلخ شهر شعبان، وأفنى خلقاً كثيراً من الأطفال والشبان، وأفنى طائفة الهنود عن آخرهم، وكذلك طائفة الحبشة.
وفيها توفي عدد من الأخيار الصالحين:
منهم: الشيخ جبريل الكردي الشافعي، وكان من أهل الفضل، وكان معظماً عند شيخ الإسلام الكمالي بن أبي شريف.
ومنهم: الشيخ الصالح الفاضل يوسف السليماني الحنفي نائبُ إمام الصخرة الشريفة، وكان من أهل الخير والصلاح والفضل في مذهب
стр. 669
الإمام أبي حنيفة ﵁، وكان يصلي إماما بالصخرة الشريفة، وعلى قراءته الأنس.
ومنهم: الشيخ الصالح المقرئ علي الجزولي المغربي، نائب إمام المالكية بالمسجد الأقصى، وكان من أهل الخير والصلاح، حافظاً لكتاب الله، وكان يؤم بجامع المغاربة، ويؤدي الصلاة على أوضاعها من الطمأنينة في الركوع والسجود.
ومنهم: الشيخ الصالح موسى المغربي، وكان عبدًا صالحًا، وكان مقيمًا بالخلوة التي تحت سور الصخرة الشريفة القبلي سفل التاريخ، وكان يجلس على باب الخلوة، ويجتمع عنده أهل الخير يتلون كتاب الله، وكان يجلس غالبًا ورأسه مكشوف، والصلاح ظاهر عليه.
ومنهم: الشيخ الصالح الناسك إسحاق الجبرتي، وكان عابداً زاهدًا، منقطعاً إلى الله تعالى في الخلوة التي بصدر جامع النساء بداخل المسجد الأقصى، والناس يترددون إليه، ويتبركون به، ولقد ظهر له كرامات ومكاشفات - رحمة الله عليهم أجمعين -.
وتناقص من أول شهر رمضان، وتوفي الخطيب جلال الدين محمد ابن الخطيب محب الدين أحمد ابن قاضي القضاة برهان الدين بن جماعة، خطيبُ المسجد الأقصى الشريف، وشيخُ الخانقاه الصلاحية بالقدس الشريف، وكان شاباً حسناً، بلغ من العمر نحو اثنتين وعشرين سنة، ولم يحصل منه ضرر لأحد، وكان متأدباً سالكاً طريق الحشمة،
стр. 670
لم يصدر منه ما يَشينه، وتأسف الناس عليه، وكانت وفاته يوم الاثنين، سابع شهر رمضان، ودفن بماملا عند الشيخ شهاب الدين بن أرسلان بتربة أسلافه ﵀، وعفا عنه، وعوضه بشبابه الجنة -.
واستمر الوباء بهجومه إلى مدينة دمشق في أول شعبان سنة، وتزايد بها وتفاحش من نصف شعبان، وارتفع من القدس في أواخر شهر شوال، وتناقص من دمشق في العشر الأول من شوال، بعد أن بلغ العدد فيها في كل يوم ثلاثة آلاف، وارتفع من دمشق في أواخر شهر ذي القعدة.
وحضر شخص من القاهرة، وأخبر أنه كُتب ارتفاعٌ (١) بعِدَّة من مات بالطاعون بالقاهرة، وعُرض على السلطان، فضبَط عدَّة من مات، فكانت العدة ألف ألف، وست مئة ألف، وثمان مئة وسبعة وتسعين نفراً، كذا ورد الخبر على كاتبه من مدينة الرملة، والله أعلم بحقيقة الحال.
* وفيها: استقر القاضي عز الدين عبد العزيز ابن القاضي شمس الدين محمد الديري الحنفي في وظيفة قضاء الحنفية بالقدس الشريف.
* وفيها: استقر القاضي كمال الدين أبو البركات محمد ابن الشيخ خليفة المالكي في وظيفة قضاء المالكية بالقدس الشريف، ووصلت الولاية إليهما معاً على يد سعد الدين قاصد المعز البدري بن مُزْهِر صاحب ديوان الإنشاء الشريف في صبيحة يوم الخميس، خامس عشر شوال، وحصل الجمع بين يدي شيخ الإسلام الكمالي بن أبي شريف
стр. 671
في المدرسة الأشرفية بعد صلاة العصر من اليوم المذكور، وقرئ توقيعاهما بين يديه بحضور قضاة الشرع الشريف، وجماعة من طلبة العلم الشريف، والخاص والعام، فكان تاريخ توقيع المالكي في خامس عشري رمضان، وتوقيع الحنفي في خامس شوال.
واستقر الحنفي عوضًا عن القاضي شهاب الدين أحمد بن المهندس، وهو الذي أخذ عن والده، وكان استقراره في الثامن والعشرين (١) رمضان، سنة خمس وتسعين وثمان مئة، ودخوله إلى القدس في يوم الخميس خامس المحرم سنة ست وتسعين، واستمر بها إلى أن انفصل في التاريخ المذكور.
واستقر المالكي بعد شغور الوظيفة عن المرحوم القاضي شمس الدين بن الأزرق الأندلسي - الآتي (٢) ذكره في حرف الميم - من شهر ذي الحجة سنة ست وتسعين - ونسأل الله حسن الخاتمة بمنه وكرمه -.
* وفيها: حج إلى بيت الله الحرام سيدنا ولي الله تعالى الشيخ شمس الدين أبو العون محمد الغزي القادري نزيل جلجولية - أعاد الله علينا وعلى المسلمين من بركاته، ونفعنا ببركة علومه وصالح دعواته -، فدخل إلى القدس الشريف من جلجولية في يوم السبت، سابع عشر شوال، وتوجه منها لبلد سيدنا الخليل ﵇ قاصدًا مكة المشرفة بعد
стр. 672
الظهر من يوم الاثنين تاسع عشر شوال.
* وفيها: استقر الأمير جان بلاط أخو الأمير خضر بك في وظيفة نظر الحرمين الشريفين، ونيابة السلطنة الشريفة بالقدس الشريف، وبلد سيدنا الخليل ﵇ عوضًا عن أخيه الأمير خضر، ووصل إلى القدس الشريف المرسوم الشريف بولايته في شهر رمضان، ودخل إلى القدس الشريف في بكرة يوم السبت، ثامن شهر ذي القعدة الحرام، وكان يوماً مشهوداً.
* وفيها: ثارت فتنة عظيمة بالقاهرة من المماليك السلطانية في شهر شوال بسبب إقطاعات من توفي في الوباء، وتهجم المماليك إلى القلعة بسبب عدم إعطاء السلطان لهم الإقطاعات، فطلع إليهم الأمير تمراز أمير سلاح، وعنفهم بالكلام، ووعدهم بكل جميل، وأخمد الفتنة.
* وفيها: توفي قاضي القضاة شمس الدين محمد بن أحمد بن يونس النابلسي الشافعي قاضي نابلس، وكان ولي قديماً قضاء نابلس، ثم أضيف إليه قضاء الرملة، ثم استقر في قضاء القدس، عوضًا عن القاضي شهاب الدين بن عتبة في أواخر سنة، لرسمه، وعزل في شهر ربيع الآخر سنة إحدى وثمانين وثمان مئة، واستمر سبع سنين معزولاً، ثم استقر في قضاء نابلس في سنة ثمان وثمانين وثمان مئة، وتولى الرملة على ضربين، وعزل عنها، واستمر بنابلس، ثم استوطن دمشق وصفد، مع استمراره في الولاية، ثم توجه إلى الحج إلى بيت الله الحرام، فقضى مناسكه، وخرج صحبة الحاج وهو ضعيف، فتوفي ببطن مرو، وأُعيد إلى مكة،
стр. 673
ودفن بها في شهر ذي الحجة، وهذا دليل على حسن الخاتمة - رحمه الله تعالى، ورحم جميع أموات المسلمين -.
* وفيها: توفي يؤنس بن إسماعيل شيخ جبل نابلس في شهر ذي القعدة، وكانت سيرته غير حسنة؛ مما ينسب إليه من الفسق، وتعاطي المحرمات، واستقر عوضه في مشيخة جبل نابلس أزبك بن قانصوه من بني عم يونس المذكور، ووردت المراسيم الشريفة لملك الأمراء أقباي نائب غزة ولملك الأمراء جان بلاط نائب القدس الشريف، وناظر الحرمين الشريفين بالتوجه إلى جبل نابلس، وتسليمه له، فتوجها حسب المراسيم الشريفة، واستقر في محل مشيخته في أواخر شهر ذي الحجة الحرام، سنة سبع وتسعين وثمان مئة، وكانت سنة شديدة.
ثم دخلت سنة ثمان وتسعين وثمان مئة والخليفة المتوكل على الله أمير المؤمنين عبد العزيز بن يعقوب، والسلطان الملك الأشرف قايتباي.
* وفيها في شهر الله المحرم: تعين قانم الخاصكي للتوجه إلى المملكة الشامية؛ لكشف الأوقاف والمدارس على عادة من تقدمه في ذلك، وكان تقدَّمَه في الكشف الأميرُ جانم قريبُ المقام الشريف في شهور سنة اثنتين وثمانين وثمان مئة، ثم كشف الأوقات الأمير جان بلاط - الأشرفي في شهور سنة اثنتين وتسعين وثمان مئة، ودخل قانم الخاصكي المذكور إلى القدس الشريف في عشية يوم السبت ثالث صفر، وجلس في بكرة يوم الأحد بالمدرسة السلطانية بحضور شيخ الإسلام الكمالي بن أبي
стр. 674
شريف، وشيخ الإسلام النجمي (١) بن جماعة، والأمير جان بلاط ناظر الحرمين الشريفين، ونائب السلطنة الشريفة، وقضاة الشرع الشريف، وقرئ المرسوم الشريف الوارد على يده بمعنى كشف الأوقاف، وما تحصل من التِّرك المخلفة عن الأموات في الوباء المختصة بجهة بيت المال المعمور، واستخرج من الأوقاف أموالاً نحو ألف وخمس مئة دينار، وحصل الضرر بسبب ذلك للفقراء والفقهاء، فالحكم لله العلي الكبير.
وتوجه من القدس في صبيحة يوم السبت، عاشر صفر.
* وفيها في العشر الأوسط من صفر: حضر الأمير أقبردي الدوادار الكبير من الديار المصرية على حين غفلة، ولم يعلم به حتى دخل مدينة غزة، ثم توجه إلى الرملة، ووضع أثقاله بها، ثم توجه من فوره هو ومَنْ معه على الخيول إلى جهة نابلس، ثم عاد إلى الرملة، وأقام بداخل البلد هو وجماعته، ولم ينصب مخيمه بظاهرها على ما جرت به العادة، ونادى بالأمان، وأمر جماعته بعدم التعرض لأحد، ولا تشويش على الرعية.
* وفيها: توفي الشيخ الصالح الناسك العابد الخاشع شرفُ الدين موسى ابن الشيخ شهاب الدين أحمد ابن الشيخ الصالح القدوة جمال الدين عبد الله بن الصامت القادريُّ الحنفيُّ شيخ الفقراء القادرية، وكان من أهل الخير والصلاح، وله عبادة وملازمة على ذكر الله تعالى، وكان مقيما بالمدرسة الصيبية شمالي المسجد الأقصى، ويقيم فيها الأوقات
стр. 675
المشهودة بالذكر، خصوصاً ليالي الجمع، وكان يذكر الله تعالى في المسجد الأقصى بصدر جامع النساء عقب صلاة كل جمعة، وعليه الأنس والخشوع، وهو معتزل عن الناس، لا يخالط أبناء الدنيا، ولا يتردد إليهم، وكان جده من أكابر الصالحين، ووالده - أيضاً - كان رجلاً صالحًا، وهو من بيت قوم صالحين، وكان الشيخ موسى أضرّ في بصره، وضعف بدنه قبل وفاته بسنين، وهو - مع ذلك - لا يفتر عن ذكر الله تعالى، ولا عن ملازمة الطاعة على عادته، وكان الناس سالمين من يده ولسانه، والصلاح ظاهراً عليه.
وكان ذلك ليلة الأحد، وصُلي عليه بعد الظهر من يوم الأحد بالمسجد الأقصى في سادس عشر صفر الأغر، وحمل تابوته على الرؤوس، ودفن بتربة الساهرة ظاهر القدس الشريف من جهة الشمال، وكانت جنازته حافلة، حضرها خلق لا يحصون كثرة، ولم ير مثل جنازته في هذه الأزمنة، وشيَّعه شيخ الإسلام الكمالي بن أبي شريف، وقضاة الشرع والعلماء، والخاص والعام، وبلغ من العمر نحو ثلاث وسبعين سنة ﵀، وعفا عنه -.
قد تقدم أن الأمير أقبردي الدوادار الكبير حضر من الأبواب الشريفة، وأقام بالرملة بداخل البلد، وكان مقامه بدار الأمير منصور بن قرابغا يبيت بها ليلاً، وجلوسه في النهار بدار ابن باكيش المعدة للحكام، وجماعته من الخدم وغيرهم نزلوا عند الناس في منازلهم متفرقين.
ثم في عشية يوم الأحد عاشر ربيع الأول حضر إلى القدس الشريف
стр. 676
قانصوه، وعلى يده مرسوم الدوادار برمي الزيت المتحصل من جبل نابلس على التجار المعتادين بعمل الصابون كل قنطار بخمسة عشر ديناراً، بعد أن خُتم على ما اشتروه من القلي، ونودي في البلد بالأمان للعوام، وأن الزيت لا يأخذه إلا أربابه، فمن الناس من لم يصدق هذه المناداة، وخرج هاربًا، ومنهم من اطمأن، ثم شرع قانصوه في كتابة أسماء التجار، ومَنْ له عادة بعمل الصابون حتى اطمأن الناس، وشَرع يقبض عليهم واحدًا بعد واحد، من التجار وغيرهم، ويلزمهم بشراء الزيت على حكم ما فعل بهم في سنة ست وتسعين وثمان مئة، ورمي على اليهود والنصارى، وطلب بعض نساء الغائبين (١)، ولكنه في هذه المرة أخفُّ وطأة من المرة الأولى التي كانت في سنة ست، بمقتضى أن ناظر الحرمين ونائب السلطنة بالقدس الأمير جان بلاط اعتنى بأهل بيت المقدس، وظهر منه التلطف بالرعية، فلم يقع فيهم الإفحاش كما تقدم في زمن دقماق النائب.
وكان الزيت المرسوم برميه على القدس وبلد الخليل ألف وخمس مئة قنطار، من ذلك مئة وستون قنطاراً مختصة بأهل الخليل، وعلى أهل غزة ألف قنطار، ثم رمي على أهل الرملة، وضيق عليهم بالضرب والحبس وإخراج بعض الحريم؛ كما وقع لأهل القدس في سنة ست وتسعين، فالحكم لله العلي الكبير.
стр. 677
وسافر قانصوه من القدس صحبةَ ناظر الحرمين بالمال المقبوض بعد صلاة الجمعة، العشرين من ربيع الآخر، بعد إقامته بها أربعين يومًا، وحضر إلى الأمير أقبردي الدوادار النواب والأمراء إلى الرملة من طرابلس وحماة وصفد والبيرة، وأُهدي إليه من الأموال والمواشي ما لا يحصى، ثم حضر إليه ملك الأمراء قانصوه اليحياوي كافل المملكة الشامية، والأمير يونس حاجب الحجاب بالشام، وغيرُهما، وحضر الأمير قانصوه اليحياوي إلى القدس الشريف لقصد الزيارة، ونزل في تربته التي أنشأها بظاهر باب الأسباط في عشية يوم الخميس، رابع جمادى الأولى، وتوجه في صبيحة يوم الأحد سابم الشهر قاصداً إلى دمشق المحروسة، وتوجه الأمير أقبردي الدوادار من الرملة لجهة الغور لقتال العرب، وتوجه إليه الأمير جان بلاط ناظرُ الحرمين، وناظر القدس الشريف في بكرة يوم الاثنين من جمادى الأولى، [وتوجه إلى] بلاد حوران وما والاها من البلاد، ونهب أذرعات وغيرها، وحصل من الأموال والمواشي ما لا يحصى كثرة، وحضر إليه عامر بن مقلد شيخ العرب، فقبض عليه، وحضر إلى مدينة الرملة في يوم السبت، تاسع عشر شهر جمادى الآخرة، وتوجه منها قاصداً الأبواب الشريفة في ليلة الجمعة، خامس عشر جمادى الآخرة، وصحبته من المواشي ما لا يحصى كثرة، فهلك منها في الطريق غالبها، ولم يصل معه منها إلى القاهرة إلا الأقل.
* وفيها: توفي القاضي غرس الدين خليل الكناني أخو الشيخ أبي العباس الواعظ بمكة المشرفة، وكان ولي قضاء نابلس، وقضاء صفد،
стр. 678
وباشر نيابة الحكم بالديار المصرية، ثم ولي قضاء الشافعية بالقدس الشريف، ومشيخة المدرسة الصالحية، وأضيف إليه قضاء بلد سيدنا الخليل ﵇، والرملة، وكان دخوله للقدس الشريف في ذي القعدة سنة اثنتين وسبعين وثمان مئة، وعزل في أوائل سنة ست وسبعين وثمان مئة، وتقدم طرف من أخباره في ترجمة السلطان الملك الأشرف قايتباي، واستمر معزولاً مقيما بغزة ومجدل حمامة، ثم توجه للحج في سنة سبع وتسعين وثمان مئة، وجاور بمكة، فمات بها في شهور سنة ثمان وتسعين وثمان مئة، ودفن بالمعلاة - رحمه الله تعالى -.
* وفيها: في شهر شوال حل ركاب الأمير قانصوه نائب قلعة الجبل المنصورةَ بالديار المصرية إلى مدينة الرملة متوجهًا إلى ملك الشرق من الأبواب الشريفة، وأوقع الصلح بين أخيه الأمير جان بلاط ناظر الحرمين الشريفين، ونائب القدس الشريف، وبين ملك الأمراء المقر السيفي أقباي كافل المملكة الغزيّة؛ بسبب ما كان بينهما من التنافس.
ثم دخلت سنة تسع وتسعين وثمان مئة والخليفة والسلطان على عادتهما.
* وفيها: توجه الأمير جان بلاط نائب القدس الشريف إلى الأبواب الشريفة، وكان سفره من القدس في ليلة السبت، تاسع عشرين المحرم، ولم يعلم أحد بسفره إلا بعد يومين أو ثلاثة، فوصل إلى القاهرة.
* وفيها: توفي الأمير أزدمر نائب حلب، وكان ظالماً عَسوفاً للرعية، وحصل منه لأهل حلب الضرر الكثير، وكان كثير الإساءة لطائفة
стр. 679
الفقهاء، وامتهان أحكام الشريعة المطهرة، وكان أمير مجلس بالديار المصرية، ثم ولي نيابة حلب.
* وفيها: توفي الأمير أزدمر نائب صفد المعروف بالمسرطن، وكان أحد الأمراء المقدمين بالديار المصرية، ثم ولي نيابة صفد، فأحسن السيرة، وعدل في الرعية؛ بخلاف ما كان عليه نائب حلب، فهو يوافقه في الاسم، ويخالفه في الفعل، وكانت وفاتهما في مدة متقاربة، فطلع سيف كل واحد منهما للسلطان، وكان ذلك في شهر صفر.
* وفيها: استقر القاضي شرف الدين يحيى العيزري في وظيفة قضاء الشافعية بغزة، عوضًا عن القاضي شمس الدين بن المحاسن، بعد محن حصلت له، وصودر وحبس بعد الكشف عليه وكتابة محاضر في حقه بمال أُنهي أنه في جهته من الناس في مدة ولايته، وكان ابتداء ولايته في أوائل سنة تسع وسبعين وثمان مئة، وعزل مرات بالقاضي محيي الدين ابن جبريل، وبالقاضي شرف الدين العيزري المقدَّم ذكرُه، ثم استقر في الولاية من سنة تسعين وثمان مئة، واستمر بها إلى أن قدر الله تعالى بمحنته في هذه المرّة، واستقر عوضه القاضي شرف الدين العيزري، وأُلبس التشريف الشريف في دار السعادة بغزة، بحضور ملك الأمراء السيفي أقباي، في شهر الله المحرم الحرام.
* وفيها: في يوم الثلاثاء تاسع عشري ربيع الأول الموافق لسابع كانون الثاني: وقع الثلج بالقدس الشريف، واستمر ينزل من ظهر الثلاثاء إلى عشية يوم الخميس مستهل ربيع الآخر، ليلاً ونهاراً حتى امتلأت الشوارع
стр. 680
والأسطحة والأماكن، ورُئي منه ما لم يُعْهَد في هذه الأزمنة من نحو سبعين سنة، حتى كان حجمه فوق الأرض في بعض الأماكن أكثر من أربعة أذرع، وأخبرت أنه بلغ في بعض الأماكن أكثر من خمسة أذرع، وتقطعت السُّبل وسُدَّت الشوارع، وأصبح الناس في يوم الجمعة ثاني ربيع الآخر في شدة شديدة، وأقيمت صلاة الجمعة بالمسجد الأقصى الشريف، فلم يحضرها من أهل بيت المقدس النصف، بل ولا الثلث.
ووقع الثلج بمدينة الرملة، ولم يعهد وقوعه بها في هذه الأزمنة، إلا ما يحكى أنه من مدة طويلة من نحو ثمانين سنة وقع بها مرّة في سنة من السنين، فسماها أهل الرملة: سنة الثلجة، ولم يُعلم أنه بلغ قدر ما بلغ في هذه المرة، حتى قيل: إنه وصل إلى البحر، [واستمر] في شوارع القدس أكثر من عشرين يوماً، وقد اشتد حتى صار كالحجارة، ثم وقع البرد الشديد بعد وقوع الثلج بنحو خمسة عشر يوماً، حتى جمد الماء وصار جليداً، ثم في عشية الخميس ليلة الجمعة، السادس عشر من ربيع الآخر عاود الثلج، ونزل حتى عمَّ الأرض، لكنه كان خفيفًا.
ومن الاتفاق: أن الثلج كان وقع بالقدس في السنة الماضية، وهي سنة ثمان وتسعين، في يوم تاسع عشرين ربيع الأول، ثم وقع في هذه السنة في تاسع عشرين ربيع الأول، لكنه في العام الماضي كان في يوم الجمعة، وفي هذا العام في يوم الثلاثاء، فسبحان القادر على كل شيء.
ثم وقع الثلج بغزة المحروسة، ولم يعلم وقوعه بها قبل ذلك.
قد تقدم قبل ذلك: أن الأمير جان بلاط ناظرَ الحرمين الشريفين،
стр. 681
ونائبَ السلطنة بالقدس الشريف توجَّه إلى الأبواب الشريفة في تاسع عشرين المحرم، فلما وصل إلى الخدم الشريفة، بقي هناك مدة، وحصل له الإنعام الشريف باستمراره في وظيفته، وأُلبس التشريف، ودخلها في بكرة يوم الخميس، ثاني عشرين ربيع الآخر، وكان يومًا كثير المطر لم يُر مثلُه في شتاء هذا العام، وركب الناس للقائه من القضاة والأعيان، واستمر المطر ينزل عليهم من عند خان الملك الظاهر بيبرس وإلى دار النيابة، ودخل صحبته القاضي برهان الدين الجوهري، وعليه خلعة كاملية بفرو سمور، ولم يعهد دخول حاكم لبيت المقدس في مثل هذا اليوم إلا في سنة سبع وسبعين وثمان مئة لما توفي الأمير دقماق الأينالي نائب القدس الشريف - المتقدم ذكره في ترجمة مولانا السلطان -، واستقر بعده في النيابة جقمق الظالم العاجز، فدخل إلى القدس الشريف في شهر رمضان من السنة المذكورة، في يوم كثير المطر كهذا اليوم.
وفي ثاني يوم دخول الأمير جان بلاط إلى القدس الشريف، وهو نهار الجمعة، الموافق لآخر يوم من كانون الثاني، وقع الثلج بالقدس الشريف مرّة ثالثة، واستمر ينزل من وقت صلاة الجمعة إلى بعد الظهر من يوم السبت، حتى بقي حجمه فوق الأرض أكثر من ذراع، وامتلأت الشوارع والأسطحة منه، وانزعج الناس لذلك خشية الضرر منه، وأصبح إلى يوم الأحد، وأغاث الله عباده بنزول الغيث الغزير من بعد الظهر من يوم الأحد إلى آخر ليلة الاثنين، فأزال الثلج، حتى لم يبق منه إلا القليل، ثم وقع الهدم في الأماكن، فسقط كثير من الدور والأبنية.
стр. 682
* وفيها: استقر الأمير أقباي نائب غزة المحروسة في نيابة صفد عوضًا عن الأمير أزدمر المسرطن، وتوجه إليها في شهر ربيع الآخر.
واستقر في نيابة غزة الأمير قاني بك، ودخل إليها في شهر جمادى الآخرة، وكان قدومه من حلب.
واستقر في نيابة حلب الأمير أينال نائب طرابلس.
* وفيها: أضيف كشف الرملة لملك الأمراء بالشام، وجهز كاشفة إليها الأمير إسكندر، فأقام بها مدة يسيره نحو شهر، ثم ورد مرسوم شريف لملك الأمراء بغزة الأمير قاني بك بأن يكون متكلماً على الرملة على عادة الأمير أقباي نائب صفد حين كان نائباً بغزة، وأن يقوم لملك الأمراء بالشام بما جرت به عادته، وجهز متسلمه إليها، فتسلمها في عشية يوم الأربعاء ثالث رجب، ثم ورد ملك الأمراء قاني بك للرملة في يوم الثلاثاء ثامن شعبان، وحضر إليه ناظر الحرمين الشريفين، ونائب السلطنة بالقدس الشريف الأمير جان بلاط، وصحبته قضاة بيت المقدس في يوم السبت ثاني عشر شعبان.
* وفيها: استقر القاضي شهاب الدين بن المهندس الحنفي في قضاء الحنفية بالقدس الشريف، وبلد سيدنا الخليل ﵇، والرملة، وورد توقيعه مؤرخًا في ثامن عشر رجب، وأُلبس التشريف الشريف من ظاهر مدينة القدس في يوم الاثنين سابع شعبان، وكانت ولايته لبيت المقدس عوضاً عن القاضي عز الدين الديري - المتقدم ذكر ولايته في سنة سبع وتسعين وثمان مئة -، وللرملة عوضاً عن القاضي كمال الدين
стр. 683
محمد بن الأحزم النابلسي، وحضر إلى محل ولايته بالرملة صحبة ناظر الحرمين السيفي جان بلاط - في التاريخ المتقدم ذكره قريبًا -.
* وفيها: توفي شيخ الإسلام صلاح الدين محمد الطرابلسي الحنفي، شيخُ المدرسة الأشرفية بالديار المصرية، وكان من أهل العلم والدين، وتقدم في ترجمة السلطان: أنه استقر في مشيخة الأشرفية عوضًا عن برهان الدين الكركي في سنة ست وثمانين وثمان مئة، وقد عظم شأنه، وصار المرجع إليه في الفتوى، وكانت وفاته في يوم الاثنين، خامس عشر رجب ﵀، وعفا عنه -.
* وفيها: استقر قاضي القضاة محب الدين محمد بن القَصيف الحنفي في وظيفة قضاء الحنفية بدمشق المحروسة، عوضًا عن القاضي برهان الدين بن القطب، بعد وفاته بالقاهرة المحروسة، ووصلت الولاية إليه في شهر رجب.
* وفيها: استقر حسن بن إسماعيل في مشيخة جبل نابلس عوضاً عن أزبك بن إسماعيل في شهر شعبان.
* وفيها: استقر محمد بن إبراهيم الوديات في إمرة جرم عوضاً عن ثابت الرميني، وقدم إلى مدينة غزة، فورد مرسوم شريف لنائب غزة الأمير قاني بك، وقرينه مرسوم شريف لناظر الحرمين الشريفين ونائب السلطنة بالقدس الشريف الأمير جان بلاط يعلمهما: أن مكاتبة ملك الأمراء بغزة وردت للأبواب الشريفة تتضمن: أن أمير جرم محمد الوديات لا يصلح للإمرة؛ لعجزه عن القيام بالقود، وما هو مقرر عليه للخزائن
стр. 684
الشريفة، وأن نائب القدس الشريف يتوجه وصحبته قضاة القدس الشريف، وأركان الدولة بها لمدينة غزة، والاجتماع لملك الأمراء بغزة وقضاتها، وأركان الدولة بها، وجميع أمراء جرم، ومن كان يصلح للولاية ممن ترضى به الرعية، ويقدر على ما هو مقرر، يُكتب له محضر شرعي، وُيعرض على المسامع الشريفة.
فتوجه ناظر الحرم، وصحبته قضاة القدس الشريف الأربعة من القدس الشريف، في ليلة الأحد، سابع عشرين شعبان، ووصلوا غزة في بكرة الاثنين، وحصل الاجتماع بنائب غزة وقضاتها بدار النيابة بغزة بعد العصر في يوم الثلاثاء، ودار الكلام بينهم فيمن يصلح، فنائب غزة قصد أن يستقر أبو العُوَيس بن أبي بكر، ونائب القدس قصد استقرار محمد الوديات، لكونه هو الذي سعى في توليته، ثم التزم ناظر الحرمين بما على محمد الوديات من القود والعادة في مدة ولايته، وبمبلغ خمس مئة دينار زيادة على ما هو مقرر عليه، فلم يحصل اتفاق بين نائب غزة ونائب القدس، وانفصل المجلس على غير رضا، وكل من النائبين كتب للسلطان بما يختاره، وتوجه نائب القدس وقضاتها من غزة في بكرة نهار الأربعاء سلخ شعبان، وصحبتهم محمد الوديات أمير جرم، ومكَّنه نائب القدس من الإمرة، وألبسه خلعة السلطان، وقام في نصرته بكل ممكن.
* وفيها: استقر الشيخ برهان الكركي في مشيخة المدرسة الأشرفية بالديار المصرية عوضًا عن الشيخ صلاح الدين الطرابلسي بحكم وفاته إلى رحمة الله تعالى، وأُلبس الخلعة من الحضرة الشريفة في مستهل شهر
стр. 685
شعبان، واستقر - أيضاً - في قراءة الحديث الشريف بالقلعة الشريفة عوضاً عن الشيخ جمال الدين سبط قاضي القضاة شهاب الدين بن حجر بحكم وفاته إلى رحمة الله تعالى، وشرع في قراءة الحديث في الأشهر الثلاثة الشريفة، وكان قبل ذلك حصل الرضا عليه من المقام الشريف، وأقره في إمامته على حالته، وعاد إلى ما كان عليه من الحشمة، ونفاذ الكلمة، والإقبال من السلطان - وقد تقدم في ترجمة السلطان ما كان وقع من إخراج وظائفه عنه في حوادث سنة ست وثمانين وثمان مئة -، والآن فقد مَنّ الله عليه بإعادة وظائفه بعد وفاة مَنْ أخذها عنه، فسبحان القادرِ على ما يشاء.
* وفيها: في شهر رمضان وقع بدمشق فتنة فاحشة، وهي أن رجلاً يسمى: الشيخ مبارك، أسود اللون سلك (١) طريق الفقراء، وتصدى للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وكان تسلط على أرباب المنكرات في كَبِّ الخمر، ونحوه من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فحمل منه حكام الشام الأتراك، فوقعت حادثة أوجبت أن قُبض عليه، وأُحضر إلى نائب الشام الأمير قانصوه اليحياوي، فلما حضر بين يديه، ضربه ضرباً فاحشا، وضرب رجلين من جماعته بالمقارع، وحبسهم فثار جماعة لنصرة الشيخ مبارك، وحضر قاضي القضاة شهاب الدين بن فرفور الشافعي لمجلس النائب، وتكلم معه في إطلاق الشيخ مبارك، فلما خرج
стр. 686
من السجن، اعتصب معه جماعة بسبب الرجلين المحبوسين من جماعته، وتوجهوا للسجن، وفتحوه، وأطلقوا مَنْ به من المسجونين، فلما علم النائب بذلك، أركب جماعة من مماليكه، وأمرهم بالقبض على الشيخ مبارك ومَنْ معه على هيئة الحرب، وحضروا إلى الجامع الأموي، وحصل البطشُ منهم في الناس بالضرب والقتال والنهب فيمن عرفوه ومن لم يعرفوه، حتى قُتل من الناس خلق كثير نحو مئة وثلاثين نفساً، قتل عمد بغير حق، فبعضهم قُتل خارج الجامع، وبعضهم بداخله في محل العبادة والصلاة، وتفاحش الحال في القتلى حتى صاروا كالجيف الملقاة، وكان ذلك في النهار من شهر رمضان، وأُخبرت أنه حصل فسق، وأفطر - أيضاً - من المماليك، فالحكم لله العلي الكبير.
ثم كتب نائب الشام يُعلم السلطان بذلك، وتوجه الشيخ مبارك - أيضًا - للسلطان، ومعه مكاتبات من أهل دمشق بما وقع، والله تعالى المتصرف في عباده كيف يشاء.
* وفيها: في شهر رمضان - أيضًا - وقع بحلب فتنة بين العوام وبعض المتصرفين من أعوان الشرطة، وقتل جماعة من الناس في نهار رمضان، نظير ما وقع بالشام، وكانت حادثة فاحشة.
* وفيها: في شهر رمضان توفي الأمير علاء الدين علي بن خاص بك، صهرُ المقام الشريف، وكان رجلاً عاقلًا، حصلت له الرياسة، فلم يحصل له ما حصل لغيره من الطغيان، فإنه صاهر الملوك بتزويج أخته للملك الأشرف أينال، وابنته للسلطان الملك الأشرف قايتباي، وكان
стр. 687
مقيماً بمنزله بخط بين القصرين، لا يتكلم بين اثنين، ولا يظهر التجوُّهَ ولا الفخر بمصاهرة الملوك، ولا تحصل منه شفاعة عند أحد من أرباب الولايات في أمر من الأمور، واستمر على ذلك إلى حين وفاته، وكانت جنازته حافلة - رحمه الله تعالى -.
* وفيها: استقر الشيخ العلامة شهاب الدين أحمد ابن الشيخ نور الدين علي الشيشيني الحنبلي أحدُ علماء الحنابلة بالديار المصرية في وظيفة قضاء الحنابلة بالحرمين الشريفين: مكة المشرفة، والمدينة الشريفة - على الحالِّ بها أفضلُ الصلاة والسلام -، عوضًا عن السيد الشريف قاضي القضاة محيي الدين عبد القادر الحسني الحنبلي - رحمه الله تعالى - بحكم وفاته، بعد شغورها عنه أكثر من سنة، فإنه توفي بالمدينة الشريفة في نصف شعبان، سنة ثمان وتسعين وثمان مئة، مباشرته لقضاء الحرمين الشريفين نحو خمسة وثلاثين سنة، وكان من أهل العلم والدين، عفيفاً في مباشرته ﵀.
* وفيها: حضر الأمير قاني بك نائب غزة المحروسة إلى القدس الشريف، حسب المرسوم الشريف الوارد عليه في ذلك، وكان دخوله للقدس في ضحى يوم الثلاثاء، عاشر شهر ذي القعدة الحرام، وحصل الاجتماع بينه وبين الأمير جان بلاط ناظرِ الحرمين الشريفين، ونائبِ السلطنة الشريفة بالقدس الشريف، بحضور شيخ الإسلام الكمالي بن أبي شريف بمنزله بالمدرسة التنكزية، ووقع الصلح بينهما، وحصلت الموافقة والمعاهدة على زوال ما بينهما من التنافر.
стр. 688
وتوجه نائب غزة من القدس في عشية نهار الأربعاء.
* وفيها: توفي الأمير يشبك بن حيدر نائب حماة، وكان باشر الولاية بالقاهرة المحروسة مدة طويلة تقرب من عشرين سنة، ثم ولي حماة، واستمر إلى أن مات بها.
* وفيها: توفي الشيخ شمس الدين محمد ابن الشيخ نجم الدين أحمد الخطيب الحنبلي من ذرية الشيخ أبي عُمَر ابن قدامة، مولده بصالحية دمشق، في عشية عيد الفطر، سنة خمس وثمان مئة، وكان من أهل الفضل، ومن القدماء، باشر نيابة القضاء بالديار المصرية عن قاضي القضاة محب الدين بن نصر الله البغدادي، ومن بعده إلى أيام قاضي القضاة عز الدين الكناني، وكان في دولة الأشرف أينال تُكُلِّم له في قضاء الديار المصرية، فلم ينبرم ذلك، ثم لما توفي قاضي القضاة عز الدين الكناني، تطاول للولاية، فلم يقدَّر ذلك، واستمر خاملًا إلى أن توفي، وكانت وفاته في نهار الأربعاء، خامس عشرين ذي القعدة بالقاهرة - رحمه الله تعالى -.
ثم دخلت سنة تسع مئة، الخليفة والسلطان على عادتهما.
* وفيها: توفي الأمير يونس حاجب الحجاب بالشام المحروس، وكان خصيصاً بالسلطان، وله عنده وجاهة، وكلامه مقبول عنده، وكان قد رأس بالشام، وتَرِدُ إليه المراسيم الشريفة في الأمور المهمة، وكانت وفاته في يوم السبت، رابع المحرم - عفا الله عنه -.
стр. 689
* وفيها: في العشر الثالث من المحرم، لما عاد ركب الحج الشامي من مكة المشرفة، وزار النبي ﷺ ، وسار إلى أن وصل إلى قريب من مدينة الكرك في مكان يعرف بـ: معان، والركب سائر، ظهر عليه عرب بني إبراهيم، ومعهم جماعة من عرب بني لام، وحصل النهب من العرب في الحج، فأخذ بعضه، فلما وصل ركب الحج إلى الحسا، حصل بين أمير الركب الشامي ومن معه من الحجاج، وبين العرب أمور يطول شرحها، وجُمع من الحجاج مال، ودُفع للعرب، وحصل الأمان بينهم، فشرع الحجاج في التحميل والسير، فظهر العرب عليهم، وأُخذ ركب الحج عن آخره، ونُهبت الأموال نهبًا فاحشاً، وكانت عِدّة جمال الحجاج ثلاثة عشر ألف جمل، لم يسلم من ذلك سوى ستة عشر جملًا عرايا من غير أحمال، وكان في الحج جماعة من الأعيان بدمشق، وأُخذ قاضي القضاة شمس الدين بن المزلق الشافعي، وجماعة من أعيان التجار من أولاد القاري وغيرهم، ومعهم من الأموال ما لا يحصى كثرة، فأُخذ جميع ذلك عن آخره، وهلك من الرجال والنساء والأطفال خلق لا يحصيهم إلا الله تعالى، وسار جماعةٌ حفاةً عراةً إلى أن وصلوا إلى مدينة الكرك، وبعض الحجاج استمر ملقًى في البرية، وتشتت شملُ الحجاج وتفرق، وقُبض على أمير الحاج، وأُخذ جميع ما معه، وكانت حادثة فاحشة، لم يُسمع بمثلها في هذه الأزمنة، واغتضب جماعة من أهل الكرك، وجماعة من أهل سيدنا الخليل ﵇، وتوجهوا إلى جهة الأغوار وغيرها، وأحضروا جماعة من الحجاج إلى بلد سيدنا الخليل - عليه
стр. 690
السلام -، وإلى القدس الشريف، فالحكم لله العلي الكبير.
والسبب في ذلك: أن أمير الركب الشامي هو أركماس دوادار السلطان بالشام، كان لما كان متوجهًا إلى الحجاز الشريف، قَبض على شخص من العرب، وضيق عليه، ثم هرب منه، فنهب أميرُ الحاج مالاً لبعض العرب وحصل منه التشوفُ عليهم، فلما عاد ركب الحج الشريف، تحالف عليه جماعةُ العربان من بني إبراهيم وبني لام، ووقعت هذه الحادثة، والله سبحانه هو المتصرف في عباده.
* وفيها: توفي قاضي القضاة جمال الدين يوسف بن عبد الرحمن التادفي الحنبلي قاضي مدينة حلب، وكان من أهل الفضل، حسن الشكل، وخَطُّه حسن، وله مروءة وشهامة، وكانت ولايته لمنصب القضاء بحلب في دولة الملك الأشرف أينال في حدود الستين وثمان مئة، عوضًا عن قاضي القضاة علاء الدين بن مفلح، ووقع له العزل والولاية مرات بالقاضي علاء الدين بن مفلح، ثم لما نزل السلطان إلى المملكة الشامية، في شهور سنة اثنتين وثمانين وثمان مئة، واجتمع به بمدينة حلب، أنعم عليه باستقراره في كتابة السر، ونظرِ الجيش، ونظرِ القلعة بحلب، مضافاً لمنصب القضاء، فباشر الوظائف مدةً، فتجمد عليه مال للديوان الشريف، وطُلب إلى القاهرة، وحُبس بالسجن المعروف بالقشرة مدة طويلة، وعزل من وظائفه، واستقر فيها غيره، وهو رجل شريف من أهل حلب، فباشرها مدة، وحصل له فيها محنة بسبب تجمد المال عليه، كما وقع للقاضي جمال الدين التادفي، ثم أُفرج عن القاضي جمال الدين من
стр. 691
السجن، وحصل له الجبر من السلطان، وولاه وظيفة قضاء الحنابلة بحلب على عادته، وتوجه إليها، وأقام بها إلى أن توفي بها في شهر المحرم - غفر الله تعالى له، وسامحه -.
* وفيها: استقر الأمير قايتباي نائب صفد في نيابة السلطنة بحماة المحروسة، عوضًا عن الأمير يشبك بن حيدر، وتوجه إليها في شهر صفر، فكانت إقامته بصفد دون السنة.
* وفيها: توفي القاضي تقي الدين أبو بكر بن شمس الدين محمد العجلوني المعروف بابن البيدق الحنبلي، أحد خلفاء الحكم العزيز بدمشق، وكان من أهل الفضل، ومن أعيان جماعة الحنابلة بدمشق ﵀، وكانت وفاته في أوائل هذا العام - غفر الله تعالى له -.
* وفيها: استقر القاضي عز الدين عبد العزيز الديري الحنفي في وظيفة قضاء الحنفية بالقدس الشريف، عوضاً عن القاضي شهاب الدين أحمد ابن المهندس - المتقدِّم ذكرُ ولايته في السنة الخالية -، وقد تقدم أنه استقر في قضاء القدس، وبلدِ سيدنا الخليل ﵇، والرملةِ، وأن توقيعه مؤرخ في ثامن عشر رجب، سنة تسع وتسعين وثمان مئة، فعزل عن قضاء بلد الخليل ﵇ في ثامن عشرين شعبان منها، فكان استمرار ولايته بالخليل أربعين يومًا، ثم عزل عن قضاء الرملة في يوم الأربعاء، مستهل المحرم من هذه السنة، وهي سنة تسع مئة، فكان استمرار ولايته بالرملة خمسة أشهر، واثني عشر يومًا، ثم عزل عن قضاء القدس الشريف، وورد خبر ولاية القاضي عز الدين السري، وجلس
стр. 692
للحكم في يوم السبت، ثامن عشرين ربيع الأول، فكان استمراره في قضاء القدس من يوم ولايته وإلى هذا اليوم ثمانية أشهر، وعشرة أيام بالنسبة إلى تاريخ توقيعه، وبالنسبة إلى لبسه التشريف، وتمكنه من الحكم في سابع شعبان، كانت مدته سبعة أشهر، وعشرين يوماً.
وفي يوم الثلاثاء، ثاني شهر ربيع الآخر: دخل الأمير جان بلاط ناظر الحرمين الشريفين، ونائبُ السلطنة بالقدس الشريف وبلدِ سيدنا الخليل ﵇ إلى مدينة القدس، وهو لابس خلعة الشتاء الواردة إليه من الأبواب الشريفة، ودخل معه القاضي عز الدين السري، وهو لابسٌ تشريف الولاية.
* وفيها: برز الأمر الشريف بإضافة التكلم على كشف مدينة الرملة المحروسة، للمقر الأشرف الأمير جان بلاط ناظرِ الحرمين الشريفين، ونائبِ السلطنة الشريفة بالقدس الشريف، وبلد سيدنا الخليل ﵇، وأُخرجت عن المقر الأشرف الأمير قاني باي نائبِ غزة المحروسة، وتسلمها الأمير جان بلاط في شهر جمادى الأولى، وحصل لأهل الرملة السرور بذلك.
* وفيها: ورد السيفي علان من الأبواب الشريفة، وعلى يده مراسيمُ شريفة برمي الزيت المتحصل من جبل نابلس على أهل القدس الشريف، وبلد سيدنا الخليل ﵇، وغزة، والرملة، على ما جرت به العادة في سنة ست، وسنة ثمان وتسعين وثمان مئة، فرمي عليهم كل قنطار بالكيل الرملي بخمسة عشر ديناراً ذهباً، فالذي رمي على القدس
стр. 693
الشريف والخليل تسع مئة قنطار، وعلى أهل الرملة مئتا قنطار، وحصل لأهل البلاد المذكورة الرفقُ من الأمير جان بلاط نائبِ الحرمين ونائب القدس والخليل والرملة، فإنه تلطف بهم، ولم يحصل منه ضرر ولا تشويش لأحد منهم، بل استعطف خواطرهم، وأخذهم بالتي هي أحسن، فجزاه الله خيرًا، ولكن تضرر الفقراء من ذلك؛ كونهم يخسرون كثيراً، فإن كل قنطار بخمسة عشر ديناراً، وكلفته نحو دينار، فأبيع بتسعة دنانير فما دونها، فكانت الخسارة نحو النصف، والله لطيف بعباده.
* وفيها: في شهر رجب حضر رجل من بلاد الفرنج، زعم أنه أخو مولانا السلطان الملك الأشرف قايتباي، وأنه لما أسر هو وإياه من بلاد الجركس، وأُحضر السلطان إلى الديار المصرية حتى وصل إلى ما منّ الله عليه من الملك، أُخذ هو إلى بلاد الفرنج، واستمر عندهم إلى أن بقي شيخًا، ورزق الأولاد، وهو على دين النصرانية، وذكر أنه قدم إلى القاهرة مراراً، وأنه كان ينظر أخاه السلطان، ولا يجسُر أن يتعرف به، فلما وصل علمهُ للسلطان، أحضره من بلاد الفرنج، فقدم إلى مدينة طرابلس، ثم توجه إلى الديار المصرية، فتمثل بالحضرة الشريفة، وذكر أمره للسلطان، فسأله السلطان عن حقيقة أمره، فذكر له أَماراتٍ دلَّت على صدقه، فعند ذلك صدَّقه السلطان على أُخُوَّته وأحسن إليه، وأسلم هو وأولاده، وسمي: [ ... ]، وأقام بالقاهرة مكرَّماً، فسبحان المتفضل على من يشاء بما شاء.
* وفيها: وقعت فتنة عظيمة بين الأمير جان بلاط ناظرِ الحرمين،
стр. 694
ونائبِ القدس والرملة، وبين الأمير قاني بك نائب غزة، وهو: أن الأمير جان بلاط لما قدم إلى الرملة بسبب رمي الزيت المتقدم ذكره قريبًا؛ امتثالاً للمرسوم الشريف الوارد عليه بمعنى ذلك، فدخل إلى الرملة في يوم الأحد سادس عشر رجب، فلما كان في صبيحة يوم الثلاثاء ثامن عشر رجب، أمر كاشفه بالرملة، وهو الجمالي يوسف بالركوب هو وجماعته، والمشي في معاملة الرملة؛ لحفظها من المناحيس، والذَّبِّ عن الرعية؛ لأنه كان - قبل ذلك - حضر جماعة من العرب، ونهبوا أبقارًا لأهل الرملة، ولأهل نيعان من أعمالها، فلما ركب الكاشف بجنده، ركب ناظر الحرمين، وصحبته دواداره برسباي، ونحو أربعة أنفس، وخرج إلى ظاهر الرملة للمسايرة، فطلع على الكاشف جماعة، فطردهم وطردوه إلى أن حصروه بالبرج الكائن بقرية خلدا من أعمال الرملة، فتحصن به، فأخذوا خيوله، وقتلوا جماعة ممن معه، وكان ناظر الحرمين بالقرب من قرية تل الجزر، فسمع الصوت، فسار بمن معه من دواداره برسباي، والأربعة أنفس الذين معه نحو الصوت، فطلع عليهم العرب، وتواقعوا، فقتلوا برسباي الدوادار ومن معه، حتى لم يبق سوى الأمير جان بلاط بمفرده، فثبت لهم، وقاتلهم أشد قتال بمفرده حتى تخلص منهم، ونجا ولله الحمد، فكان عدة القتلى في ذلك اليوم عشرة أنفس، منهم شخص شريف، فحُملوا إلى الرملة ودفنوا، وتوجه قضاةُ الرملة إلى جهة تل الجزر، وعاينوا بعض القتلى بأرضها، وكُتب محضرٌ بذلك، وجُهِّز إلى الأبواب الشريفة مع مكاتبته.
стр. 695
ثم كتب نائب غزة إلى السلطان يشتكى من ناظر الحرمين بكلمات مهملة لا حقيقة لها، فبرز الأمر الشريف بتجهيز الأمير قانصوه الساقي الخاصكي، وعلى يده مراسيم شريفة لشيخ الإسلام الكمالي بن أبي شريف، وقضاة غزة والقدس والرملة بالتوجه إلى المكان الذي وقعت به الفتنة، وتحرير ذلك، وإعادة الجواب على المسامع الشريفة.
فحضر شيخ الإسلام المشار إليه، وصحبته قضاة القدس الشريف إلى الرملة في يوم الأربعاء، عاشر رمضان، واجتمع به الخاصكي، وقضاة الرملة، وتوجهوا إلى قرية تل الجزر، وحرروا الأمر في ذلك، فتبين لهم أن الحق بيد ناظرِ الحرمين، وأن القتل والفتنة كانا في معاملته، وحضر قضاة غزة إلى تل الصافية بأطراف معاملة غزة، وامتنعوا من الحضور إلى الرملة، والاجتماع بشيخ الإسلام وقضاةِ القدس والرملة، وأظهروا التعصب لنائب غزة.
وكتب شيخ الإسلام وقضاةُ القدس والرملة محضراً، وكتبوا خطوطهم عليه بما يقتضي أن الحق بيد ناظر الحرمين، ثم كتب قضاة غزة محضرأبما اختاروه، وملخصه: أن ناظر الحرمين كان هو المتعدي بدخوله معاملة غزة، وجُهز كلٌّ من المحضرين للأبواب الشريفة، ثم حضر الخاصكي إلى القدس الشريف للزيارة، ثم توجه لزيارة سيدنا الخليل ﵇، ثم توجه إلى غزة ليقيم فيها لانتظار الجواب بما يرد عليه من المراسيم الشريفة.
* وفيها: توفي قاضي القضاة علاء الدين أبو الحسن علي بن شمس
стр. 696
الدين محمد الحموي الشيبي المعروف بابن إدريس، وبابن العطار الحنبلي قاضي طرابلس، وكان من أهل الفضل، وباشر القضاء بطرابلس أكثر من عشرين سنة - رحمه الله تعالى -.
وتوفي الشيخ الإمام العالم العلامة المحدث ناصر الدين محمد ابن الشيخ عماد الدين أبي بكر، المشهور بابن زريق، من ذرية الشيخ أبي عُمر بن قُدامة الحنبلي، وكان من أهل الفضل، ومن بيت كبير، ومن أعيان المحدِّثين، وكان ناظراً على مدرسة جده الشيخ أبي عمر بصالحية دمشق، وقد عُمِّر ﵀.
* وفيها: توفي الشيخ الإمام العالم العلامة المحدِّث علاءُ الدين علي ابن البهاء البغدادي الحنبلي، أحدُ مشايخ الحنابلة بدمشق، قدم من بلاده إلى مدرسة أبي عُمر في سنة سبع وثلاثين وثمان مئة، وهو بالغ، أو قاربَ البلوغ، وأقام بها، وصار من أعيان الجماعة، وصنف "شرح الوجيز"، ثم لما ولي قضاءَ دمشق قاضي القضاة نجمُ الدين بن مفلح، استخلفه في الحكم، فباشر عنه إلى حين وفاته، وتوفي في سن الثمانين - رحمه الله تعالى -.
وتوفي الشيخ الإمام العالم المحدث برهان الدين إبراهيم الناجي الشافعي محدِّثُ دمشق وواعظها، وكان في ابتداء أمره حنبليَّ المذهب، ثم انتقل إلى مذهب الإمام الشافعي ﵁، وصار له القبول في الوعظ، وأحبه الناس، وترددوا إليه، وأخذوا عنه، وكان مقيمًا بالقبيبات وتوفي في شهر رمضان، وكانت جنازته حافلة - رحمه الله تعالى -.
стр. 697
* وفيها: يوم الاثنين ثاني عشرين رمضان المعظم خُتم كتاب "الشفا بتعريف حقوق المصطفى ﷺ "على شيخ الشيوخ الجلالي أبي الفرح عبد الرحمن بن أبي شريف الشافعي شيخ الخانقاه الصلاحية بالقدس الشريف، أخي شيخ الإسلام الكمالي بن أبي شريف، بقراءة الشيخ شمس الدين محمد بن زين الدين عبد الكريم الموقت الخليلي المقرئ الشافعي، وكان الختم بالمدرسة الشريفة الأشرفية بالمسجد الأقصى الشريف، بحضور شيخ الإسلام الكمالي، وأخيه شيخ الإسلام البرهاني - أمتع الله الأيام بوجودهما -، وبحضور جمع من القضاة والفقهاء والأعيان، وكان يوماً مشهوداً.
وقد ألف الشيخ أبو البركات المغربي المالكي قصيدة في معنى الختم المشار إليه، امتدح بها الشيخ جلال الدين، وتعرض فيها لمدح أخويه شيخي الإسلام: الكمالي، والبرهاني، المشار إليهما، ومنها:
شِفَاءٌ خَتْمُهُ فَتْحُ المَعَالِي ... وَرَسْمٌ بِالعِنَايَةِ لِلجَلاَلِ
فُتُوحُكَ بِالشِّفَا فَتْحٌ مُبِينٌ ... يَدُلُّ عَلَى العُلاَ حَالٌ بِحَالِ
فَمِنْهُ إِلَى مُنَاوَلَةِ البُخَارِي ... وَلِلْفُتْيَا وَإِدْرَاكِ المَعَالِي
أَلَسْتَ مُعَرِّفاً بِحُقُوقِ مَنْ لاَ ... تَخِيبُ لَدَيْهِ رَاحَاتُ الأَمَالِ
نبِيٌّ مَدْحُهُ كَهْفٌ مَنِيعٌ ... وَذُخْرٌ عِنْدَ حَادِثَةِ اللَّيَالي
رَسُولٌ شَأْنُهُ شَأْنٌ عَظِيمٌ ... وَقَدْرٌ كَامِلُ الأَجْزَاءِ عَالِ
стр. 698
أَيَا ابْنَ أَبِي شَرِيفٍ نِلْتَ حَظًّا ... ظَفِرْتَ بِمَا تَشَاءُ فَلاَ تُبَالِ
أتيْتَ بِكُلِّ ذِي مَعْنًى لَطِيفٍ ... تُعَبِّرُ عَنْهُ بِالسِّحْرِ الحَلاَلِ
بِدَايَتُكُمْ نِهَايَةُ كُلِّ حَبْرٍ ... تَدُلُّ عَلَى التَّفَرُّدِ (١) بِالخِصَالِ
جَلاَلَ الدِّينِ بِالبُرْهَانِ تَسْمُو ... عَلَى أَعْلَى مَقَامَاتِ الكَمَالِ
فَثِقْ وَصِلِ الصَّلاَةَ عَلَى نبِيٍّ ... كَرِيمٍ مَاجِدٍ بالخَيْرِ آلِ
عَلَيْهِ وَالِهِ أَزْكَى صَلاَةٍ ... وَخَيْرُ تَحِيَّةٍ مِنْ ذِي الجَلاَلِ
* وفيها: ورد مرسوم شريف على شيخ الإسلام الكمالي بن أبي شريف بأن يكون متكلمًا على الخانقاه الصلاحية بالقدس الشريف، ينظر في أمرها، وعملِ مصالحها، فحضرها في عشية يوم الاثنين، سادس شوال، وجلس بالجمع مع الصوفية في مجلس للشيخ، وحصل للخانقاه وأهلها الجمالُ بحضوره، ثم بعد فراغ الحضور جلس على تفرقة الخبز على عادة مشايخها، وتصرف فيها بإجارة الوقف، والنظرِ في أمره، وشرع في عمارة الخانقاه، وإصلاح ما اختل من نظامها - أثابه الله الجنة -.
* وفيها: وقعت فتنة فاحشة بمدينة حماة، وهي: أن نائبها الأمير أقباي لما دخل إليها، حصل منه العسف، وشرع في التشديد عليهم، وقتل منهم جماعة، وأحرق منازلهم، فثاروا عليه، وجمعوا الجموع الكثيرة، وحصروه في منزله، وشرعوا في أسباب انتهاك حرمته، فكتب
стр. 699
للسلطان يُعْلمه بما هو فيه، فبرز أمر السلطان إلى نائب حلب، ونائب طرابلس، ونائب حمص، ومن أُضيف إليهم من مشايخ العربان بالركوب إلى حماة، والقيام في نصرة الأمير أقباي، وحرق حماة، ونهبها، وقتل أهلها، فركب النواب المذكورون ومَنْ معهم من العساكر والجمع، وحضروا إلى حماة، ونازلوها في اليوم الحادي والعشرين من شهر رمضان المعظم، وحرقوا منها الجانب القبلي من الجسر إلى باب العميان إلى جانب السجن، وهي محلة كبيرة نحو ثلث المدينة، ونهبوا ما فيها من الأموال مما لا يدخل تحت الحصر، وقتلوا من الرجال وغيرهم نحو خمس مئة نفر، واستمر الحرق والنهب والقتل ثلاثة أيام متوالية، وحصل فيها من الفسق والفساد وسبي الحريم ما لا يكاد يوصف، ثم تفرق النواب ومن معهم إلى محل أوطانهم، واستمر نائب حماة بها، وكانت حادثة فاحشة، لم يُسمع مثلها في هذه الأزمنة.
* وفيها: وقعت فتنة بالقاهرة المحروسة، وهي: أن السلطان حصل له توعك في شهر رمضان، وأُشيع في المدينة وفاته، ووقع الإرجاف في الرعية والعسكر، فبادر الأمير قانصوه خمس مئة أمير أخور كبير، وحَصَّن القلعة، وأُشيع عنه أنه تطاول لأخذ السلطنة، وكثر الكلام بسبب ذلك، ثم إن الأمير قانصوه قصد الدخول إلى السلطان، ومشاهدة حاله، فحضر إلى باب الحريم، فلقيه بعض الخدام، وقال: إن السلطان متوعك، ولا يمكنك الاجتماع به، فنهر الخادم، وضربه، ودخل هجماً إلى السلطان، فوجد عنده الأمير جان بلاط أحدَ الأمراء المقدَّمين بالديار
стр. 700
المصرية، والأمير ماماي الدوادار الثاني، وهما جالسان عند رجلي السلطان، وهو نائم في فراشه، فلما وقع نظره عليه، شرع الأمير قانصوه يكلم السلطان بكلام لطيف، معناه: أنه حصل له الانزعاج بسبب توعك السلطان، وأنه قصد التمثل لحضرته الشريفة لمشاهدة ذاته الشريفة ليطمئن قلبه، ثم انصرف من عنده، فأُخبر السلطان بما فعله من تحصين القلعة، ودخوله إليه هجمًا، فأجاب السلطان عنه بجواب يقتضي الاعتذار عنه، ولم يُظهر الغضب عليه، فتحرك العسكر على الأمير قانصوه، وقصدوا انتهاك حرمته، فأمره السلطان بالتوجه من القاهرة إلى ذلك البر لإخماد الفتنة، فتوجه، واستمر غائباً بقية شهر رمضان، فلما دخل شهر شوال، ركب المماليك، وتوجهوا إلى منزل الأمير قانصوه بقناطر السباع، ونهبوه وحَرَقوه وحُرق عدة أماكن ونُهبت، وحصل للناس في ذلك الضرر الكثير، وقتل في الحريق خلق من الناس، واستمر ذلك نحو ستة أيام، وطلب العسكر من السلطان إخراج الأمير قانصوه إلى القدس الشريف، فأظهر لهم السلطان أنه يجيبهم إلى ذلك، ثم تكلم الأمير أزبك أتابكُ العساكر، والأمير تمراز أميرُ سلاح مع السلطان في أمر الأمير قانصوه أمير أخور كبير، وأن إخراجه إلى القدس الشريف لا فائدة فيه، وشَرَعا في إخماد الفتنة، فطلب السلطان أكابر المماليك، وتلطف بهم في الكلام، واسترضاهم على الأمير قانصوه، ووعدهم بكل جميل، فرضوا بذلك امتثالًا لأمره، وأُحضر الأمير قانصوه إلى الحضرة الشريفة، وأُلبس خلعة من حضرة السلطان، ونزل إلى المدينة والناس في خدمته من الأمراء
стр. 701
والخاصكية والمماليك السلطانية، ونودي في المدينة للرعية بالأمان والطمأنينة، والله سبحانه يلطف بعباده.
* وفيها: في شهر رمضان في أواخره وقع حريق فاحش بدمشق المحروسة، فاحترق سوق جسر الزلابية، وجسر الحديد، وانتهى الحريق إلى المدرسة المؤيدية تحت القلعة، وعُدم للناس من الأموال والأمتعة ما لا يحصى، وهلك فيها خلق كثير.
* وفيها: وصل مرسوم السلطان إلى الأمير جان بلاط نائب القدس الشريف، بأن يرمي على أهل القدس الشريف من زيت الذخيرة الشريفة ثلاث مئة قنطار، كل قنطار بخمسة عشر ديناراً، على حُكْمِ ما تقدم في حوادث هذه السنة.
فطلب التجار والناس، وأُلزموا بأخذ الزيت، ثم كتب الأمير جان بلاط إلى كاشفه بالرملة بطلب التجار بها، وأن يرمي عليهم من زيت الذخيرة الشريفة، فطُلبوا، وأُلزموا بذلك.
وحصل لأهل القدس الشريف والرملة الضررُ من ذلك؛ لكونهم تقدم لهم أخذ الزيت، ثم رُمي عليهم مرة ثانية؛ فإنه لما رمي الزيت في سنة ست وتسعين، وفي سنة ثمان وتسعين رمي مرة واحدة، وفي هذه السنة تكرر عليهم مرة ثانية، فانزعج الناس لذلك، فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
* وفيها: في العشر الثالث من شهر شوال ورد مرسوم السلطان إلى
стр. 702
شيخ الإسلام الكمالي بن أبي شريف الشافعي، ومرسوم شريف مطلق لقضاة غزة والقدس الشريف بسبب الحادثة الواقعة بين الأمير جان بلاط ناظرِ الحرمين الشرفين ونائبِ السلطنة بالقدس الشريف، وبين الأمير قاني بك نائب غزة المحروسة - المتقدم ذكرها قريبًا في حوادث هذه السنة -، وقد تقدم الكلام: أن شيخ الإسلام الكمالي بن أبي شريف، وقضاة القدس الشريف والرملة كتبوا خطوطهم بما ظهر لهم من الكشف، وبما وقع في حق نائب القدس الشريف من قتل جماعته، ونهب خيولهم وما معهم، وكتب قضاةُ غزة محضراً يتضمن أن نائب القدس هو المتعدي على نائب غزة، وجُهز كلٌّ من المحضرين إلى الأبواب الشريفة.
فلما عُرضا على السلطان، أَنكر ذلك غاية الإنكار، وكتب لشيخ الإسلام الكمالي، ولقضاة غزة والقدس يُعلمهم أنه لما جهز الأمير قانصوه الساقي الخاصكي لكشف هذه الماجرية وتحريرها، وكتابة محضر بقضاة غزة والقدس بما يتضح به الحق، وأن كلًّا من النائبين كتب محضرًا بما يختاره، ولم يتضح للمسامع الشريفة الحقُّ في ذلك، وأن المرسوم الشريف الوارد على يد الخاصكي إنما برز بكتابة محضر واحد لا محضرين، وبرز أمر السلطان أن شيخ الإسلام الكمالي بن أبي شريف يتوجه بنفسه، وصحبته قضاة القدس الشريف والرملة إلى مدينة غزة المحروسة، ويجتمعوا هم وقضاة غزة، وتُحرَّر هذه الواقعة من أولها إلى آخرها، وكتابة محضر واحد، وتجهيزه للأبواب الشريفة، بما يتضح من الحق، وإن لم يحرر ذلك، تبرز المراسيم الشريفة لقضاة غزة والقدس الشريف
стр. 703
بإلزامهم بالقيام للخزائن الشريفة بعشرة آلاف دينار، مؤرخ المرسوم في ثالث عشر شوال، فعند ذلك قابل شيخُ الإسلام الكمالي بن أبي شريف، وقضاةُ القدس الشريف أمرَ السلطان بالسمع والطاعة، وتوجهوا إلى مدينة غزة المحروسة.
وهذه الواقعة من العجائب؛ لأن شيخ الإسلام رجل عظيم الشأن، وهو بركة الوجود، وعالم الممالك، وهو شيخ كبير سنه نحو الثمانين، وبنيته ضعيفة، والسفر يشق عليه، فكُلف إلى ما لا طاقة له، في زمن الحر الشديد؛ بسبب واقعة حدثت من العرب المفسدين المحاربين، الذين لا إسلام لهم ولا إيمان، ولما توجه من القدس الشريف، حُمل في محارة على جمل، وكان لا يركب الفرس إلا قليلاً؛ لضعف بدنه إلى مدينة غزة في عشية يوم الخميس، مستهل ذي القعدة، وأصبح في يوم الجمعة حضر بين يديه قضاةُ غزة وأكابرها للسلام عليه، ثم عقب صلاة الجمعة جلس بالجامع المنسوب لمولانا السلطان، وجلس معه قانصوه الخاصكي، وقضاةُ غزة والقدس الشريف، ومن تيسر من قضاة الرملة، ودار الكلام بينهم في تحرير هذه الحادثة، وكتبوا محضرًا واحداً، ملخصه: ما كتب في المحضر الأول من قتل جماعة نائب القدس الشريف، ونهب خيولهم، غير أنه زيد في هذا المحضر: أن الجمالي يوسف كاشفَ الرملة لما خرج من الرملة، ووصل إلى آخر معاملتها، وجد ثلاثة أنفار من العرب العواسة، فطردهم إلى أرض عموريا من عمل غزة المحروسة، وقُتل منهم فرسان، ثم طردوه إلى أن وصل إلى معاملة الرملة عند قرية
стр. 704
خلدا، وقرية تل الجزر، وحصل ما حصل من القتل والنهب - كما تقدم شرحه -.
وكتب شيخ الإسلام، وقضاةُ غزة والقدس والرملة خطوطَهم بالمحضر المذكور، وجُهز للأبواب الشريفة، وقرينه مكاتبةُ شيخ الإسلام، واستمر الخاصكي بغزة لانتظار الجواب، ثم عاد شيخ الإسلام وقضاة القدس إلى أوطانهم.
* وفيها: حج إلى بيت الله الحرام المقر الأشرف بدرُ الدين محمد ابن مُزْهِر صاحب ديوان الإنشاء الشريف بالديار المصرية - عظم الله شأنه -.
* وفيها: توفي الشيخ الصالح الورع الزاهد وليُّ الله الشيخ نعمة بصفد، وكان صالحاً، له كرامات مشهورة، وكانت وفاته في [ذي] الحجة - نفعنا الله ببركته -.
* وفيها: وقعت بالقاهرة فتنة فاحشة، بسبب ما تقدم ذكره من أمر الأمير قانصوه خمس مئة أمير آخور كبير، وقد تقدم: أن السلطان كان طَلب منه إخراج الأمير قانصوه من القاهرة، وأنه استرضى العسكر على الأمير قانصوه، وتلطف بهم، وأنه خلع على الأمير قانصوه، ونزل إلى منزله في موكب عظيم، وكان هذا الحال والأمير أقبردي الدوادار الكبير في جهة الصعيد، ولم يحضر هذه الوقائع، فلما حضر إلى القاهرة في شهر ذي القعدة، واجتمع بالسلطان، سعى في إخراج الأمير قانصوه من القاهرة، وشرع في أسباب امتهانه، فبرز أمرُ السلطان للأمير قانصوه أنْ
стр. 705
يخرج من القاهرة، فإن شاء، يتوجه إلى القدس، أو مكة، أو أي مكان أراد من غير ترسيم، فبادر الأمير قانصوه، وتوجه إلى إخوانه المتعصبين له، منهم: الأمير قانصوه الألفي، والأمير قانصوه الشامي، والأمير مصرباي، وغيرهم، وتكلم معهم، فشدوا أزره، وقالوا له: لا سبيل إلى إخراجك، وكلنا عَضُدُك، وفي خدمتك، فتوجه الأمير قانصوه إلى المقر الأشرف أزبك أمير كبير أتابك العساكر المنصورة، وتكلم معه، فوافق الجماعة المتعصبين له، وشد عضده، وأخذ في أسباب نصرته، فاجتمع الأمراء بمنزل المقر الأتابكي، وتكلموا فيما هم فيه، وتشاوروا في تدبير الأمور، فبلغ السلطان ذلك، فاحتفل الأمير أقبردي الدوادار الكبير، وطلع إلى القلعة، واشتد الأمر، فانتهى الحال إلى أنّ السلطان أمر بالنداء: أن كل من هو في طاعة السلطان، فليطلع إلى القلعة، فبادر الأمير تمراز أمير سلاح، والأمير أزبك رأس نوبة النوب، وغيرهما من الأمراء المقدمين، وطلعوا إلى القلعة، ثم أرسل السلطان بعض الأمراء إلى المقر الأتابكي، وتكلم معه في طلوع القلعة، فأغلظ الأمير كبير في القول على القاصد، ولم يطلع إلى القلعة، لا هو، ولا الأمراء المجتمعون عنده، فأعيد الجواب على السلطان، فاشتد غضبه، وأمر بإحضار الوالي، فقيل له: إن الوالي بمنزل أمير كبير، فبادر وقلد الولاية لبعض مماليكه، وألبسه الخلعة، وجهزه، وصحبته جماعة كثيرة من المماليك، وأمره بالتوجه إلى منزل أمير كبير، وإعلامه بأن السلطان رسم لمن أطاعه بالتوجه إلى القلعة، وإشهار النداء بذلك، فحضر الوالي الجديد إلى منزل أمير