← Акыда

Акыда · id 12769

قاعدة عظيمة في الفرق بين عبادات أهل الإسلام والإيمان وعبادات أهل الشرك والنفاق

ابن تيمية

Полный текст (145 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

وقال أبو ذر: لقد توفي رسول الله ﷺ وما طائر يقلب جناحيه في السماء إلا ذكر لنا (١) منه علمًا. فلو كان سنّ لهم أن يطلبوا منه الأدعية بعد موته لكان هذا معروفًا عندهم منقولاً عنه، ولكان أصحابه أعلم بذلك من غيرهم، وهم أطوع له، وأتبع لسنته، فكانوا بعد موته يأتون قبره فيطلبون منه أن يدعو لهم بالمغفرة، ويدعو لهم بالهداية، ويدعو لهم بالنصر، ويدعو لهم بالرزق، ويدعو لهم بقضاء الديون، ويدعو لهم بكشف الضُّر، وغير ذلك كما كان بعضهم /٤٩أ/ يطلب منه الدعاء في حياته، مع أن أجِلائهم كأبي بكر وأمثاله قد تعلموا منه أنهم لا يسألون إلا الله، ولا يدعون إلا الله، فكان الصديق يسقط السوط من يده فلا يقول لأحد: ناولني إياه، ويقول: إِنَّ خَلِيلِي أَمَرَنِي أَنْ لَا أَسْأَلَ النَّاسَ شَيْئًا. رواه أحمد في المسند. وقال النبي ﷺ لابن عباس: «إِذَا سَأَلْتَ فَاسْأَلِ اللَّهَ، وَإِذَا اسْتَعَنْتَ فَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ» . وفي صحيح مسلم عن عوف بن مالك: أَنَّهُ بَايَعَ رَهْطًا مِنْ أَصْحَابِهِ، وَأَسَرَّ إِلَيْهِمْ كَلِمَةً خَفِيَّةً: «أَنْ لَا (٢) تَسْأَلُوا النَّاسَ شَيْئًا» . قَالَ: فَلَقَدْ

стр. 107

رَأَيْتُ بَعْضَ أُولَئِكَ النَّفَرِ يَسْقُطُ السَّوْطُ مِنْ يَدِهِ فَلَا يَقُولُ لِأَحَدٍ: نَاوِلْنِي إِيَّاهُ. وقد ثبت في الحديث المتفق على صحته أنه قال: «يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مِنْ أُمَّتِي سَبْعُونَ أَلْفًا بِغَيْرِ حِسَابٍ؛ هُمُ الَّذِينَ لَا يَسْتَرْقُونَ، وَلَا يَكْتَوُونَ، وَلَا يَتَطَيَّرُونَ، وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ» . فهؤلاء لا يقولون لأحد: ارقنا، وقد كان جماعة يأتون إلى النبي ﷺ ويطلبون منه الرقية ويطلبون ذلك من بعض أصحابه، وهذا وإن كان جائزًا لكن أولئك لا يسألون إلا الله، فدرجتهم أعلى، وأما بعد موته، فلم يكن الصحابة يطلبون منه ما كانوا يطلبون منه في حياته، لا من دعاء، ولا من غير دعاء البتة، ولا كان السلف في القرون الثلاثة يأتون إلى قبر أحدٍ من الأنبياء، والصالحين، يطلبون منه حاجة، ولا دعاء، ولا غيره، ولا يسافرون إلى قبره، بل إذا /٤٩ب/ زاروا قبور المؤمنين كان مقصودهم الدعاء لهم كالصلاة على جنائزهم، لا دعاؤهم، ولا الدعاء بهم. فتبين أن قول جمهور العلماء الذين لا يستحبون أن يطلب منه بعد موته استغفار، ولا غيره، هو المشروع الذي كان عليه الصحابة. وأيضًا فلو شرع أن يطلب من الميت الدعاء، والشفاعة، كما كان يطلب منه في حياته؛ كان ذلك مشروعًا في حق الأنبياء، والصالحين، فكان يسنّ أن يأتي الرجل قبر الرجل الصالح، نبيًّا كان، أو غيره، فيقول

стр. 108

ادع لي بالمغفرة، والنصر، والهدى، والرزق، اشفع لي إلى ربك، فيتخذ الرجل الصالح شفيعًا بعد الموت، كما يفعل ذلك النصارى، وكما تفعل كثير من مبتدعة المسلمين، وإذا جاز طلب هذا منه، جاز أن يطلب ذلك من الملائكة، فيقال: يا جبريل، يا ميكائيل، اشفع لنا إلى ربك، ادع لنا. ومعلوم أن هذا ليس من دين المسلمين، ولا دين أحد من الرسل، لم يسنّ أحد من الأنبياء للخلق أن يطلبوا من الصالحين الموتى، والغائبين، والملائكة، دعاء، ولا شفاعة، بل هذا أصل الشرك، فإن المشركين إنما اتخذوهم شفعاء، قال تعالى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ /٥٠أ/ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ﴾ [يونس: ١٨] . وقال: ﴿وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ مَا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاءُ لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنْكُمْ مَا كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ [الأنعام: ٩٤] . وقال تعالى: ﴿وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى﴾ [النجم: ٢٦] . وقال تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ • وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ [سبأ: ٢٢-٢٣] . وقال: ﴿وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلَا شَفِيعٌ﴾ [الأنعام: ٥١] .

стр. 109

وقال: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ مَا لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا شَفِيعٍ﴾ (١) [السجدة: ٤] . وقال: ﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مَا مِنْ شَفِيعٍ إِلَّا مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ﴾ [يونس: ٣] . فهذه الشفاعة التي كان (٢) المشركون يثبتونها أبطلها القرآن في غير موضع، وهي كشفاعة المخلوق عند المخلوق بغير إذنه، فإن هذا الشافع شريك للمشفوع إليه، فإنه طلب منه ما لم يكن يريد أن يفعله، فيحتاج لقضاء /٥٠ب/ حق (٣) الشفيع أن يفعله، فالشفيع بغير إذن المشفوع إليه شريك له، والله تعالى لا شريك له، ولهذا قال: ﴿لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة: ٢٥٥] . فلو شفع أحد بغير إذنه شفاعة نافعة مقبولة كان شريكًا له، وهو سبحانه لا يشفع عنده أحد إلا بإذنه، وهذا من وجهين: أحدهما: أنه هو الذي يخلق أفعال العباد، فلا يفعل أحد شيئًا إلا بمشيئته. والثاني: وهو المقصود: أن الملائكة، والأنبياء، لا يشفعون عنده إلا بإذنه، فلا تكون شفاعتهم مقبولة نافعة إلا إذا كانت بإذنه، وما وقع بغير إذنه لم يقبل، ولم ينفع، وإن كان الشفيع عظيمًا، فالكفار، والمنافقون، لا يغفر لهم ولو استغفرت لهم الأنبياء، كما في قصة آزر أبي الخليل، وفي

стр. 110

قصة الاستغفار للمنافقين، وفي دعاء نوح لابنه، وقد ثبت في الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال: «اسْتَأْذَنْتُ رَبِّي فِي أَنْ أَسْتَغْفِرَ لِأُمِّي فَلَمْ يَأْذَنْ لِي، وَاسْتَأْذَنْتُهُ فِي أَنْ أَزُورَ قَبْرَهَا فَأَذِنَ لِي، فَزُورُوا الْقُبُورَ فَإِنَّهَا تُذَكِّرُكُمُ الْآخِرَةَ» . ومعلوم أن محمدًا ﷺ أفضل الشفعاء، وسيد ولد آدم، وأكرم الخلق على ربه، وأعظمهم جاهًا عنده في الدنيا والآخرة، وهو صاحب لواء الحمد، آدم فمن دونه تحت لوائه يوم القيامة، وهو صاحب المقام المحمود؛ وهو الشفاعة التي يرغب إليه فيها الأولون والآخرون. /٥١أ/ ففي الصحيحين من حديث أنس قال: حدثنا محمد ﷺ قال: «إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ مَاجَ النَّاسُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ، فَيَأْتُونَ آدَمَ، فَيَقُولُونَ: اشْفَعْ لِذُرِّيَّتِكَ، فَيَقُولُ: لَسْتُ لَهَا، وَلَكِنْ عَلَيْكُمْ بِنُوحٍ (١) ، فَيَأْتُونَ نُوحًا فَيَقُولُ: لَسْتُ لَهَا، وَلَكِنْ عَلَيْكُمْ بِمُوسَى، فَإِنَّهُ كَلِيمُ اللَّهِ، فَيَأْتُونَ (٢) مُوسَى، فَيَقُولُ: لَسْتُ لَهَا، وَلَكِنْ عَلَيْكُمْ بِعِيسَى، فَإِنَّهُ رُوحُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ، فَيَأْتُونَ (٣) عِيسَى، فَيَقُولُ: لَسْتُ لَهَا، وَلَكِنْ عَلَيْكُمْ بِمُحَمَّدٍ، فَيَأْتُونِي فَأَقُولُ: أَنَا لَهَا، فَأَنْطَلِقُ، فَأَسْتَأْذِنُ عَلَى رَبِّي، فَيُؤْذَنُ لِي، فَأَقُومُ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَأَحْمَدُهُ بِمَحَامِدَ لَا أَقْدِرُ عَلَيْهَا الْآنَ، يُلْهِمُنِيهَا اللَّهُ، ثُمَّ أَخِرُّ سَاجِدًا، فَيَقُولُ: يَا مُحَمَّدُ، ارْفَعْ رَأْسَكَ، وَقُلْ يُسْمَعْ، وَسَلْ تُعْطَهْ، وَاشْفَعْ تُشَفَّعْ، فَأَقُولُ: يَا رَبِّ أُمَّتِي أُمَّتِي، فَيُقَالُ: انْطَلِقْ فَمَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ حَبَّةٍ مِنْ بُرَّةٍ أَوْ شَعِيرَةٍ مِنْ إِيمَانٍ فَأَخْرِجْهُ مِنْهَا، فَأَنْطَلِقُ، فَأَفْعَلُ، ثُمَّ أَرْجِعُ إِلَى رَبِّي فَأَحْمَدُهُ بِتِلْكَ الْمَحَامِدِ، ثُمَّ أَخِرُّ لَهُ سَاجِدًا، فَيَقُولُ لِي: يَا مُحَمَّدُ، ارْفَعْ رَأْسَكَ، وَقُلْ يُسْمَعْ لَكَ، وَسَلْ تُعْطَهْ، وَاشْفَعْ تُشَفَّعْ، فَأَقُولُ: يَا رَبِّ أُمَّتِي أُمَّتِي، فَيُقَالُ لِي: انْطَلِقْ، فَمَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ مِنْ

стр. 111

إِيمَانٍ فَأَخْرِجْهُ مِنْهَا، فَأَنْطَلِقُ، فَأَفْعَلُ، ثُمَّ أَعُودُ إِلَى رَبِّي أَحْمَدُهُ بِتِلْكَ الْمَحَامِدِ، ثُمَّ أَخِرُّ لَهُ سَاجِدًا، /٥١ب/ فَيُقَالُ لِي: يَا مُحَمَّدُ ارْفَعْ رَأْسَكَ، وَقُلْ يُسْمَعْ لَكَ، وَسَلْ تُعْطَهْ، وَاشْفَعْ تُشَفَّعْ، فَأَقُولُ: يَا رَبِّ أُمَّتِي أُمَّتِي، فَيُقَالُ لِي: انْطَلِقْ، فَمَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ أَدْنَى أَدْنَى أَدْنَى مِنْ مِثْقَالِ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ مِنْ إِيْمَانٍ فَأَخْرِجْهُ مِنَ النَّارِ، فَأَنْطَلِقُ، فَأَفْعَلُ» . وعن أنس قال: قال رسول الله ﷺ : «يَجْمَعُ اللَّهُ النَّاسَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَيَهْتَمُّونَ لِذَلِكَ، فَيَقُولُونَ: لَوْ اسْتَشْفَعْنَا إِلَى رَبِّنَا حَتَّى يُرِيحَنَا مِنْ مَكَانِنِا هَذَا، قَالَ: فَيَأْتُونَ آدَمَ، فَيَقُولُونَ: أَنْتَ آدَمُ، أَبُو الْخَلْقِ، خَلَقَكَ اللَّهُ بِيَدِهِ، وَنَفَخَ فِيكَ مِنْ رُوحِهِ، وَأَمَرَ الْمَلَائِكَةَ فَسَجَدُوا لَكَ، اشْفَعْ لَنَا إِلَى رَبِّكَ حَتَّى يُرِيحَنَا مِنْ مَكَانِنِا هَذَا، فَيَقُولُ: لَسْتُ هُنَاكُمْ - فَيَذْكُرُ خَطِيئَتَهُ الَّتِي أَصَابَ فَيَسْتَحْيِي (١) رَبَّهُ مِنْهَا - وَلَكِنْ ائْتُوا نُوحًا أَوَّلَ رَسُولٍ بَعَثَهُ اللَّهُ إِلَى أَهْلِ الْأَرْضِ، قَالَ: فَيَأتون نوحًا فَيَقُولُ: لَسْتُ هُنَاكُمْ - فَيَذْكُرُ خَطِيئَتَهُ الَّتِي أَصَابَ فَيَسْتَحْيِي (٢) رَبَّهُ مِنْهَا - وَلَكِنْ ائْتُوا إِبْرَاهِيمَ الَّذِي اتَّخَذَهُ اللَّهُ خَلِيلًا، فَيَأْتُونَ إِبْرَاهِيمَ، فَيَقُولُ: لَسْتُ هُنَاكُمْ، وَلَكِنْ ائْتُوا مُوسَى الَّذِي كَلَّمَهُ اللَّهُ، وَأَعْطَاهُ التَّوْرَاةَ، قَالَ: فَيَأْتُونَ مُوسَى، فَيَقُولُ: لَسْتُ هُنَاكُمْ - وَيَذْكُرُ خَطِيئَتَهُ الَّتِي أَصَابَ فَيَسْتَحْيِي (٣) رَبَّهُ مِنْهَا - /٥٢أ/ (وَلَكِنْ ائْتُوا عِيسَى رُوحَ اللَّهِ وَكَلِمَتَهُ، فَيَقُولُ: لَسْتُ هُنَاكُمْ) (٤) وَلَكِنْ ائْتُوا مُحَمَّدًا، عَبْدًا غَفَرَ اللَّهُ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تَأَخَّرَ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : فَيَأْتُونِي، فَأَسْتَأْذِنُ عَلَى رَبِّي، فَيُؤْذَنُ لِي، فَإِذَا رَأَيْتُهُ وَقَعْتُ سَاجِدًا، فَيَدَعُنِي مَا شَاءَ اللَّهُ، فَيُقَالُ: يَا مُحَمَّدُ، ارْفَعْ رَأْسَكَ، قُلْ يُسْمَعْ، اشْفَعْ تُشَفَّعْ، فَأَرْفَعُ رَأْسِي، فَأَحْمَدُ رَبِّي بِتَحْمِيدٍ

стр. 112

يُعَلِّمُنِيهِ رَبِّي، ثُمَّ أَشْفَعُ فَيَحُدُّ لِي حَدًّا، فَأُخْرِجُهُمْ مِنَ النَّارِ، وَأُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ، ثُمَّ أَعُودُ فَأَقَعُ سَاجِدًا، فَيَدَعُنِي مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَدَعَنِي، ثُمَّ يُقَالُ: ارْفَعْ يَا مُحَمَّدُ، قُلْ يُسْمَعْ، سَلْ تُعْطَهْ، اشْفَعْ تُشَفَّعْ، فَأَرْفَعُ رَأْسِي، فَأَحْمَدُ رَبِّي بِتَحْمِيدٍ يُعَلِّمُنِيهِ، ثُمَّ أَشْفَعُ فَيَحُدُّ لِي حَدًّا، فَأُخْرِجُهُمْ مِنَ النَّارِ، وَأُدْخِلُهُمْ الْجَنَّةَ، قَالَ: فَلَا أَدْرِي فِي الثَّالِثَةِ أَوْ الرَّابِعَةِ قَالَ: فَأَقُولُ: يَا رَبِّ مَا بَقِيَ فِي النَّارِ إِلَّا مَنْ حَبَسَهُ الْقُرْآنُ» قال قتادة: أي وجب عليه الخلود. وفي حديث أبي هريرة: «يَجْمَعُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ، فَيُسْمِعُهُمُ الدَّاعِي، وَيَنْفُذُهُمُ الْبَصَرُ، وَتَدْنُو الشَّمْسُ، فَيَبْلُغُ النَّاسَ مِنَ الْغَمِّ وَالْكَرْبِ مَا لَا يُطِيقُونَ، وَمَا لَا يَحْتَمِلُونَ، وَيَقُولُ بَعْضُ النَّاسِ لِبَعْضٍ: أَلَا تَرَوْنَ مَا أَنْتُمْ فِيهِ، أَلَا تَرَوْنَ مَا قَدْ بَلَغَكُمْ، أَلَا تَنْظُرُونَ إِلَى مَنْ يَشْفَعُ لَكُمْ إِلَى رَبِّكُمْ؟ فَيَقُولُ بَعْضُ النَّاسِ لِبَعْضٍ: ائْتُوا آدَمَ، فَيَأْتُونَ آدَمَ، فَيَقُولُونَ: يَا آدَمُ أَنْتَ أَبُو الْبَشَرِ، خَلَقَكَ اللَّهُ /٥٢ب/ بِيَدِهِ وَنَفَخَ فِيكَ مِنْ رُوحِهِ، وَأَمَرَ الْمَلَائِكَةَ فَسَجَدُوا لَكَ، اشْفَعْ لَنَا إِلَى رَبِّكَ، أَلَا تَرَى إِلَى مَا نَحْنُ فِيهِ، أَلَا تَرَى مَا قَدْ بَلَغَنَا؟ فَيَقُولُ آدَمُ: إِنَّ رَبِّي قَدْ غَضِبَ الْيَوْمَ غَضَبًا لَمْ يَغْضَبْ قَبْلَهُ مِثْلَهُ، وَلَنْ يَغْضَبَ بَعْدَهُ مِثْلَهُ، وَإِنَّهُ نَهَانِي عَنِ الشَّجَرَةِ فَعَصَيْتُهُ، نَفْسِي نَفْسِي، اذْهَبُوا إِلَى غَيْرِي، اذْهَبُوا إِلَى نُوحٍ، فَيَأْتُونَ نُوحًا، فَيَقُولُونَ: يَا نُوحُ أَنْتَ أَوَّلُ الرُّسُلِ إِلَى أَهْلِ الْأَرْضِ، وَسَمَّاكَ اللَّهُ: عَبْدًا شَكُورًا، اشْفَعْ لَنَا إِلَى رَبِّكَ، أَلَا تَرَى إِلَى مَا نَحْنُ فِيهِ، أَلَا تَرَى مَا قَدْ بَلَغَنَا؟ فَيَقُولُ لَهُمْ: إِنَّ رَبِّي قَدْ غَضِبَ غَضَبًا لَمْ يَغْضَبْ قَبْلَهُ مِثْلَهُ، وَلَنْ يَغْضَبَ بَعْدَهُ مِثْلَهُ، وَإِنَّهُ قَدْ كَانَتْ لِي دَعْوَةٌ دَعَوْتُ بِهَا عَلَى قَوْمِي، نَفْسِي نَفْسِي، (١)

стр. 113

اذْهَبُوا إِلَى إِبْرَاهِيمَ، فَيَأْتُونَ إِبْرَاهِيمَ، فَيَقُولُونَ (١) : أَنْتَ نَبِيُّ اللَّهِ وَخَلِيلُهُ مِنْ أَهْلِ الْأَرْضِ، اشْفَعْ لَنَا إِلَى رَبِّكَ، أَلَا تَرَى إِلَى مَا نَحْنُ فِيهِ، أَلَا تَرَى مَا قَدْ بَلَغَنَا؟ فَيَقُولُ لَهُمْ إِبْرَاهِيمُ: إِنَّ رَبِّي قَدْ غَضِبَ غَضَبًا لَمْ يَغْضَبْ قَبْلَهُ مِثْلَهُ، وَلَنْ يَغْضَبَ بَعْدَهُ مِثْلَهُ - وَذَكَرَ كَذَبَاتِهِ - نَفْسِي نَفْسِي، اذْهَبُوا إِلَى غَيْرِي، اذْهَبُوا إِلَى مُوسَى، فَيَأْتُونَ مُوسَى، فَيَقُولُونَ: يَا مُوسَى أَنْتَ رَسُولُ اللَّهِ، فَضَّلَكَ اللَّهُ بِرِسَالَاتِهِ وَبِتَكْلِيمِهِ عَلَى النَّاسِ، اشْفَعْ لَنَا إِلَى رَبِّكَ، أَلَا تَرَى مَا نَحْنُ فِيهِ، أَلَا تَرَى مَا قَدْ بَلَغَنَا؟ فَيَقُولُ لَهُمْ مُوسَى: إِنَّ رَبِّي قَدْ غَضِبَ غَضَبًا لمَ ْيَغْضَبْ قَبْلَهُ مِثْلَهُ، وَلَنْ يَغْضَبَ /٥٣أ/ بَعْدَهُ مِثْلَهُ، وَإِنِّي قَتَلْتُ نَفْسًا لَمْ أُؤْمَرْ بِقَتْلِهَا، نَفْسِي نَفْسِي، اذْهَبُوا إِلَى غَيْرِي، اذْهَبُوا إِلَى عِيسَى، فَيَأْتُونَ عِيسَى، فَيَقُولُونَ: يَا عِيسَى أَنْتَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلَّمْتَ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ، وَكَلِمَةٌ مِنْهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ، وَرُوحٌ مِنْهُ، فَاشْفَعْ لَنَا إِلَى رَبِّكَ، أَلَا تَرَى مَا نَحْنُ فِيهِ، أَلَا تَرَى مَا قَدْ بَلَغَنَا؟ فَيَقُولُ عِيسَى: إِنَّ رَبِّي قَدْ غَضِبَ غَضَبًا لَمْ يَغْضَبْ قَبْلَهُ مِثْلَهُ، وَلَنْ يَغْضَبَ بَعْدَهُ مِثْلَهُ، - وَلَمْ يَذْكُرْ ذَنْبًا - اذْهَبُوا إِلَى غَيْرِي، اذْهَبُوا إِلَى مُحَمَّدٍ، فَيَأْتُونِي، فَيَقُولُونَ: يَا مُحَمَّدُ أَنْتَ رَسُولُ اللَّهِ، وَخَاتَمُ الْأَنْبِيَاءِ، وَغَفَرَ اللَّهُ لَكَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ، اشْفَعْ لَنَا إِلَى رَبِّكَ، أَلَا تَرَى مَا نَحْنُ فِيهِ، أَلَا تَرَى مَا قَدْ بَلَغَنَا؟ فَأَنْطَلِقُ، فَآتِي تَحْتِ الْعَرْشِ، فَأَقَعُ سَاجِدًا لِرَبِّي، ثُمَّ يَفْتَحُ اللَّهُ عَلَيَّ، وَيُلْهِمُنِي مِنْ مَحَامِدِهِ، وَحُسْنِ الثَّنَاءِ عَلَيْهِ، شَيْئًا لَمْ يَفْتَحْهُ لِأَحِدٍ قَبْلِي، ثُمَّ قَالَ: يَا مُحَمَّدُ، ارْفَعْ رَأْسَكَ، سَلْ تُعْطَهْ، اشْفَعْ تُشَفَّعْ، فَأَرْفَعُ رَأْسِي، فَأَقُولُ: يَا رَبِّ أُمَّتِي أُمَّتِي، فَيُقَالُ: يَا مُحَمَّدُ، أَدْخِلِ الْجَنَّةَ مِنْ أُمَّتِكَ مَنْ لَا حِسَابَ عَلَيْهِ، مِن بَابِ (٢) الْأَيْمَنِ مِنْ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ، وَهُمْ شُرَكَاءُ النَّاسِ فِيمَا سِوَى ذَلِكَ مِنَ الْأَبْوَابِ،

стр. 114

وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ إِنَّ مَا بَيْنَ الْمِصْرَاعَيْنِ مِنْ مَصَارِيعِ الْجَنَّةِ لَكَمَا بَيْنَ مَكَّةَ وَهَجَرٍ، أَوْ كَمَا بَيْنَ مَكَّةَ وَبُصْرَى» . فقد أخبر ﷺ أنه إذا أتى لا يبدأ /٥٣ب/ بالشفاعة؛ لقوله تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة: ٢٥٥] بل يبدأ بالسجود لربه، والحمد له، والثناء عليه، فإن الله يسمع لمن حمده، كما قال على لسان نبيه: «سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ» . والحمد أحق ما قال العبد، كما كان النبي ﷺ يقول إذا رفع رأسه من الركوع: «رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ مِلْءَ السَّمَوَاتِ، وَمِلْءَ الْأَرْضِ، وَمِلْءَ مَا بَيْنَهُمَا، وَمِلْءَ مَا شِئْتَ مِنْ شَيْءٍ بَعْدُ، أَهْلَ الثَّنَاءِ وَالْمَجْدِ، أَحَقُّ مَا قَالَ الْعَبْدُ، وَكُلُّنَا لَكَ عَبْدٌ، لَا مَانِعَ لِمَا أَعْطَيْتَ، وَلَا مُعْطِي لِمَا مَنَعْتَ، وَلَا يَنْفَعُ ذَا الْجَدِّ مِنْكَ الْجَدُّ» ، أي: تحميدك، والثناء عليك، وتمجيدك، أحق ما قال العبد. وهو أول ما أنطق الله به آدم، وهو الذي أمرنا أن نفتتح به كل كلام، كما قال النبي ﷺ : «كُلُّ أَمْرٍ ذِي بَالٍ لَا يُبْدَأُ فِيهِ بِالْحَمْدِ لِلَّهِ فَهُوَ أَجْذَمُ» . فلهذا ابتدأ بالسجود وما يفتحه الله عليه من محامده لربه، فإذا سجد وحمد قيل له: ارفع رأسك، وقل يسمع، وسل تعطه، واشفع تُشفع، وإذا شفع حدّ له حدًّا فيدخلهم الجنة، فالرب يأذن فيمن شاء (١) ،

стр. 115

وفي صحيح البخاري عن أبي هريرة أنه قال: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَنْ أَسْعَدُ النَّاسِ بِشَفَاعَتِكَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ؟ فَقَالَ: «لَقَدْ ظَنَنْتُ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ أَنْ لَا يَسْأَلَنِي عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ أَحَدٌ أَوْلَى مِنْكَ؛ /٥٤أ/ لِمَا رَأَيْتُ مِنْ حِرْصِكَ عَلَى الْحَدِيثِ، أَسْعَدُ النَّاسِ بِشَفَاعَتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، خَالِصًا مِنْ قِبَلِ نَفْسِهِ» . فأهل التوحيد المخلصون لله هم أحق الناس بشفاعته ﷺ ، فمن كان لا يدعو إلا الله، ولا يرجو إلا الله، ولا يتوكل إلا على الله، ولا يدعو (١) مخلوقًا، لا ملكًا، ولا بشرًا، لا نبيًّا، ولا صالحًا، ولا غيرهما، كان أحق بشفاعته ممن يدعوه، أو يدعو غيره من المخلوقين، فإن هؤلاء مشركون، والشفاعة إنما هي لأهل التوحيد. وإذا كان كذلك فالذين يدعون المخلوقين، ويطلبون من الموتى، والغائبين، من الملائكة، والبشر، الدعاء، والشفاعة، هم أبعد عن الشفاعة فيهم، والذين لا يدعون إلا الله هم أحق بالشفاعة لهم، والله تعالى قد جعل الملائكة يدعون، ويستغفرون لأهل التوحيد، فقال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ • رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدْتَهُمْ وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ • وَقِهِمُ السَّيِّئَاتِ وَمَنْ تَقِ السَّيِّئَاتِ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمْتَهُ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [غافر: ٧-٩] وقال تعالى: ﴿وَالْمَلَائِكَةُ يُسَبِّحُونَ /٥٤ب/ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَلَا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [الشورى: ٥] .

стр. 116

وثبت في الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال: «إِنَّ الْمَلَائِكَةَ تُصَلِّي عَلَى أَحَدِكُمْ مَا دَامَ فِي مُصَلَّاهُ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَهُ، اللَّهُمَّ ارْحَمْهُ. مَا لَمْ يُحْدِثْ» . وقد قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ [الأحزاب: ٤٣] . وقال النبي ﷺ : «إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى مُعَلِّمِ النَّاسِ الْخَيْرَ» وفي حديث آخر: «إِنَّهُ لَيَسْتَغْفِرُ لَهُ كُلُّ شَيْءٍ حَتَّى حِيتَانَ الْبَحْرِ» . ف الناس إذا فعلوا ما أمروا به فتح الله عليهم أبواب رحمته من ملائكته وغير ملائكته، وقد روي أن أعمال الأحياء تعرض على الموتى، وأنهم إن وجدوا شيئًا استغفروا لصاحبه، وروي أن أعمال الأمة تعرض على الرسول كذلك، كما رواه الطبري عن أبي هريرة قال: «إِنَّ أَعْمَالَكُمْ تُعْرَضُ عَلَى أَقْرِبَائِكُمْ مِنْ مَوْتَاكُمْ، فَإِنْ رَأَوْا خَيْرًا فَرِحُوا بِهِ، وَإِنْ رَأَوْا شَرًّا كَرِهُوهُ، وَإِنَّهُمْ يَسْتَخْبِرُونَ الْمَيِّتَ إِذَا أَتَاهُمْ مَنْ مَاتَ بَعْدَهُمْ، حَتَّى إِنَّ الرَّجُلَ لَيَسْأَلُ عَنِ امْرَأَتِهِ: أَزَّوَّجَتْ أَمْ لَا؟ وَحَتَّى إِنَّ الرَّجُلَ لَيَسْأَلُ عَنِ الرَّجُلِ، فَإِذَا قِيلَ قَدْ مَاتَ، [قَالَ] (١) : هَيْهَاتَ، ذَهَبَ (٢) ! فَإِنْ لَمْ يُحِسُّوهُ (٣)

стр. 117

عِنْدَهُمْ قَالُوا: إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ، ذُهِبَ بِهِ إِلَى أُمِّهِ الْهَاوِيَةِ (١) » . و [قد جاء] (٢) عن السلف الخلاف [في] (٣) تأويل قوله: «مَا أَنْـ[ـتُمْ بِأَسْمَعَ] (٤) لِمَا أَقُولُ مِنْهُمْ» [وهذا] (٥) مبسوط في جوابي عن الأرواح، فأما علم الأموات بأحوال الأحياء ففيه آثار كثيرة، مثل ما رواه أبو حاتم في صحيحه عن أبي أيو [ب الأنصاري] (٦) ، وأما استغفارهم لهم فما يحضرني إسناده، وكذلك ما يروى أن الرسول يستغفر لهم ما أعـ[ـرف له إسنادًا] (٧) ... (٨) فهذا إن كان ثابتًا ففيه استغفار الرسول والصالحين (٩) بأمر ربهم، كما تستغفر الملائكة هنا، فما أمروا به لا حاجة إلى طلبه منهم، وما لم /٥٥أ/ يؤمروا به لا يفعلونه وإن طلب منهم، فإنهم لا يشفعون إلا بإذنه. وحينئذ فلا فائدة في طلب الدعاء، والشفاعة، لا من الملائكة، ولا من الأموات، الأنبياء والصالحين، ومن طلب (ذلك) (١٠) منهم؛ فتح أبواب الشرك، فإنه إذا اعتقد الناس أن ما طلب من الميت، أو الملك، من دعاءٍ، وشفاعة، بذله، طلبوا ذلك؛ لكثرة حاجات الخلق، لا سيما إذا اعتقد ما

стр. 118

يقوله المشركون الذين يقولون: إنما نعبدهم ليقربونا إلى الله زلفى، يقولون: هؤلاء خواص الربّ فنحن نتقرب إليه بهم كما نتقرب إلى الملوك بخواصهم، فكما أن آحاد الرعيّة لا تصلح أن تخاطب السّلطان، بل يدخل على خواصه حتى يخاطبوه له، كذلك نحن لا يصلح لنا أن نطلب من الله، بل نطلب من خواصه أن يسألوه، وإذا أقدمنا على الطلب منه كان ذلك سوء أدب عليه، واجتراء عليه، كما يكون ذلك سوء أدب على الملوك، واجتراء عليهم، فهذه من أعظم شبه المشركين الذين قال الله فيهم: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر: ٣] أي: يقولون: ما نعبدهم. وقال تعالى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ [يونس: ١٨] فهؤلاء دعوا الملائكة، والأنبياء، والصالحين، وقد رد الله على هؤلاء في غير موضعٍ /٥٥ب/ من القرآن، ورسل الله كلهم ردوا على هؤلاء، وهذا الذي ذكروه من قياس الله على خلقه، قياس فاسد، وضربوا لله مثل السوء، والله له المثل الأعلى، وذلك أن الملوك هم عاجزون عن أمور الرعية، إن لم يكن لهم من يعاونهم، بل من يدفع عنهم الضرر، عجزوا وقهروا، وهم أيضًا لا يعلمون من أحوال الرعيّة إلا ما طولعوا به، وأيضًا فهم لا يحسنون إلى الرعيّة إلا لرغبة، أو رهبة. والله سبحانه بكل شيء عليم، وعلى كل شيء قدير، وهو أرحم الراحمين، فهو يعلم السرّ وأخفى، فلا يحتاج إلى من يعرِّفه بحاجته، بل هو يعلم حاجته، وهو وحده يدبر أمر السموات والأرض، ليس له ظهير، ولا وزير، ولا معين (١) ، ولا مشير، قال تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ

стр. 119

دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ (١) فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ﴾ [سبأ: ٢٢] . وقال تعالى: ﴿وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا﴾ [الإسراء: ١١١] فهو سبحانه لم يوال عباده من ذلٍّ ليعتز بهم، كما يوالي الملوك لأوليائهم. قال مجاهد: لم يذل فيحتاج (٢) إلى ولي يتعزز به. بل هو سبحانه يوالي المؤمنين فضلاً منه /٥٦أ/ ورحمة، وإحسانًا، وهو سبحانه الصمد، الذي كل ما سواه فقير إليه، وهو غني عن كل ما سواه، وهو سبحانه أرحم الراحمين، وخير الحاكمين، وهو نعم الوكيل لمن توكل عليه، ونعم المولى، ونعم النصير. وفي صحيح البخاري أن النبي ﷺ قال: «لَلَّهُ أَرْحَمُ بِعِبَادِهِ مِنْ الْوَالِدَةِ بِوَلَدِهَا» فهو سبحانه رحمته وسعت كل شيء، فقد كتب على نفسه الرحمة، فهو أعلم بحال عبده من كل أحدٍ، وهو أقدر على نفعه وأنفع من كل أحد، بل لا يقدر أحد إلا بإقداره، وهو أرحم به من كل أحدٍ، وهذا بخلاف الملوك، وقد قال تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ [البقرة: ١٨٦] ، وقد روي أن بعض الناس قالوا: يا رسول الله، ربّنا قريبٌ فنناجيه، أو بعيد فنناديه، فأنزل الله هذه الآية.

стр. 120

وهو سبحانه سميع الدعاء، أي يجيب الدعاء، كما يقول المصلي في الصلاة: سمع الله لمن حمده، أي استجاب الله دعاء من حمده، وقد ثبت في الصحيح أن النبي ﷺ قال: «إِذَا قَالَ الْإِمَامُ: سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، فَقُولُوا: اللَّهُمَّ رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ، يَسْمَعِ اللَّهُ لَكُمْ» ، فإن الله قال على لسان نبيه: «سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ» . ومنه قول الخليل ﵇: ﴿إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ﴾ [إبراهيم: ٣٩] وقوله تعالى: ﴿وَإِنِ اهْتَدَيْتُ فَبِمَا يُوحِي /٥٦ب/ إِلَيَّ رَبِّي إِنَّهُ سَمِيعٌ قَرِيبٌ﴾ [سبأ: ٥٠] وهذا كما في قوله: ﴿سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ﴾ [المائدة: ٤٢] وقوله: ﴿سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ﴾ [المائدة: ٤١] أي: يستجيبون لهم، وقابلون منهم، وكذلك ﴿سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ﴾ أي: قابلوه، ومصدقوه، ولم يرد السمع المجرد، فإن المؤمن أيضًا يسمع الصدق والكذب، لكن لا يقبله، بخلاف من أكل السحت؛ فإنه يسمع الكذب، وهو كما يقال: فلان يسمع لفلان، ومن فلان، أي: يقبل منه قوله، ويطيعه. فهو سبحانه لا يقاس به غيره، ولا يمثل به سواه، إذ ليس كمثله شيء، والمشركون ضربوا له أمثالاً من خلقه، فجعلوا لله ندًّا، ومثلاً، والقرآن مملوء من ذم هؤلاء، ولعنهم، وتكفيرهم، قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَنِينَ وَحَفَدَةً وَرَزَقَكُمْ

стр. 121

مِنَ الطَّيِّبَاتِ أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَتِ اللَّهِ هُمْ (١) يَكْفُرُونَ • وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَهُمْ رِزْقًا مِنَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ شَيْئًا وَلَا يَسْتَطِيعُونَ • فَلَا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَالَ إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٧٢-٧٤] وقوله: ﴿رِزْقًا﴾ ﴿شَيْئًا﴾ ، قيل هو مفعول المصدر، وقيل هو بدل منه، وقد قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨] . وفي الصحيحين /٥٧أ/ عن ابن مسعود قال: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَيُّ الذَّنْبِ أَعْظَمُ؟ قَالَ: «أَنْ تَجْعَلَ لِلَّهِ نِدًّا وَهُوَ خَلَقَكَ» قُلْتُ: ثُمَّ أَيُّ؟ قَالَ: «ثُمَّ أَنْ تَقْتُلَ وَلَدَكَ خَشْيَةَ أَنْ يَطْعَمَ مَعَكَ» قُلْتُ: ثُمَّ أَيُّ؟ قَالَ: «ثُمَّ أَنْ تُزَانِي بِحَلِيلَةِ جَارِكَ» وَأَنْزَلَ اللَّهُ تَصْدِيقَ ذَلِكَ: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ﴾ [الفرقان: ٦٨] . والمشركون، مشركو العرب، لم يكونوا يعتقدون أن المخلوقات، كالملائكة، والأنبياء، والشمس، والقمر، أو الكواكب، وتماثيلهم، شاركت الربّ في خلق العالم، بل كانوا معترفين بأن الله خلق ذلك وحده، كما أخبر الله عنهم في غير موضع، كقوله: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [العنكبوت: ٦١] . وقوله: ﴿قُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ • سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ • قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ • سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ • قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ • سَيَقُولُونَ لِلَّهِ (٢) قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ﴾ [المؤمنون: ٨٤-٨٩] .

стр. 122

ومثل هذا في القرآن كثير، لكن كانوا يتخذونهم شفعاء يتقربون بهم إلى الله، كما قال تعالى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ [يونس: ١٨] . وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر: ٣] . وقال: ﴿وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا مَا حَوْلَكُمْ مِنَ الْقُرَى وَصَرَّفْنَا الْآيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (١) • /٥٧ب/ فَلَوْلَا نَصَرَهُمُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ قُرْبَانًا آلِهَةً بَلْ ضَلُّوا عَنْهُمْ وَذَلِكَ إِفْكُهُمْ وَمَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ [الأحقاف: ٢٧-٢٨] . وقال صاحب يس: ﴿وَمَا لِيَ لَا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ • أَأَتَّخِذُ مِنْ دُونِهِ آلِهَةً إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمَنُ بِضُرٍّ لَا تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا وَلَا يُنْقِذُونِ • إِنِّي إِذًا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ • إِنِّي آمَنْتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ﴾ [يس: ٢٢-٢٤] . وبسط هذا له موضع آخر. والمقصود هنا التنبيه على أن الشرك أنواع: فنوع منه يتخذونهم شفعاء يطلبون منهم الشفاعة والدعاء من الموتى والغائبين، ومن تماثيلهم. ونوع يتقربون بهم إلى الله. ونوع يحبونهم لا لشيء، بل كما قال الله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ﴾ [الجاثية: ٢٣] يهوى أحدهم شيئًا فيتخذه إلهًا من غير أن يقصد منه نفعًا ولا ضرًّا، كما يحصل لأهل الغي هوى في أمور لا تنفعهم، والله سبحانه هو الذي يستحق أن يُحَبَّ لذاته ويعبد لذاته دون ما سواه، وهؤلاء جعلوا لله أندادًا، كما قال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ

стр. 123

دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٦٥] . وهذه الأنواع الثلاثة كانت في مشركي العرب وغيرهم، /٥٨أ/ ممن يقر بأن الله خالق السموات والأرض، وأنهما محدثتان، ليستا قديمتين، وأما شرك القائلين بقدم العالم فهو نوع آخر: منهم من يعبد الكواكب، ويطلب منها، وتنزل عليه شياطين يقولون: إنها روحانية الكوكب، وهذا الشرك يقع من القائلين بأنها مخلوقة محدثة، ومن القائلين [بعدم] (١) حدوثها. وقوم آخرون يقولون: إنه بنفس توجههم إلى ما يدعونه ويحبونه يحصل مقصودهم، وإن كان ذلك المدعو لا يعرف أن هذا دعاه ولا توجه إليه، وهذا قول المتفلسفة كابن سينا، وصاحب الكتب المضنون (٢) بها، ونحوهم، ويقولون: إذا توجه الإنسان إلى ما يتوجه إليه من أرواح الموتى فإنه يفيض عليه ما يفيض من غير علم من ذلك الشفيع، وشبهوا ذلك بشعاع الشمس، فإنه يظهر في المرآة، ثم ينعكس على ما يقابلها من حائط، أو ماءٍ، من غير شعور من المرآة. وذلك أن هؤلاء عندهم أن الله لا يعلم الجزئيات، ولا يحدث في العالم شيئًا، وعندهم تأثير دعاء بني آدم كله من هذا الباب، وهو أن الداعي إذا جمع همّه، وتوجه نحو ما يدعوه؛ قويت نفسه حتى حصل بها المطلوب من غير أن يكون الله علم بذلك، والمؤثر عندهم /٥٨ب/ هو النفس، فالنفس الفلكية عندهم هي الحركة للفلك، وجميع الحوادث عنها،

стр. 124

والنفس الإنسانية هي المؤثرة في خوارق الأنبياء، والسحرة، وغيرهم، وما يحصل بالدعاء، والشفاعة، هو عندهم من تأثير نفس الداعي المستشفع، لكن بتوجهها إلى ذلك حصل لها قوة، ثم قد يفيض عليها ما (١) يفيض، إما من نفس المستشفع به، وإما من غيره. ولهذا يأمر مثل هؤلاء أن يجمع الإنسان همّته على أي شيء كان، ويقولون: لو أحسن أحدكم ظنه بحجر لنفعه الله به، وقد يأمرون بالعشق ليجتمع قلب العاشق على شيء، وإن كان ذلك المعشوق لا ينفع، ولا يضر، وكذلك يعبدون ما لا ينفع، ولا يضر، فمقصودهم جمع الهمّة على شيء، حتى تثبت النفس، ويزول تفرقها، وتشتتها، وهذا كما يرصد أصحاب البرابي (٢) صورة من الصور مدة، وكذلك غيرهم من عبّاد الأصنام، فإذا اجتمعت الهمّة على ذلك الشيء، وتفرغ القلب لما يلقى فيه، تمكن منه الشيطان، فألقى في قلوبهم ما يلقيه، وتمثل لهم، وقضى بعض حوائجهم، والمتفلسفة الذين لا يعرفون الجنّ، يقولون: هذا كله من /٥٩أ/ قوى النفس. ولكن جمهور الناس الذين قد عرفوا حقيقة الأمر، يعرفون أن الشياطين تفعل من ذلك ما لا تفعل النفس، وهؤلاء قد يذكرون الله، ومقصودهم بذكرهم جمع قلوبهم، وتفريغها لما يرد عليها، فليس مقصودهم عبادته ﵎. وهذا موجود في كثير من أهل زماننا، كما كان بعض الناس يقول لمريديه: توجه إلى قلبك وقل: لا إله إلا الله، وليس المقصود الذكر، إنما المقصود أن يجتمع قلبك، فإذا اجتمع قلبه تنزلت عليه الشياطين، فيخيل إليه أنه صعد إلى السماء، وألوان أخر، ويقول أحدهم: حصل لك ما لم يحصل لموسى بن عمران، ولا لمحمد ليلة المعراج، وشخص

стр. 125

آخر من كبارهم كان يقول: لا فرق بين قولك: يا حجر يا حجر، وبين قولك: يا حي يا قيوم، يعني أن المقصود بكليهما (١) جمع الهمّة، فهذا وأمثاله من أسرار هؤلاء المشركين. ومن هؤلاء من يدعو بعض الكواكب، أو بعض الموتى من الأنبياء، والصالحين، أو بعض الملائكة، أو بعض الأوثان، فيرى صورًا، إما صورة بشر، وإما غير صورة بشر، فإنهم يرون أنواعًا من الصور تخاطبهم، وتقضي بعض حوائجهم، فيقولون: هذه روحانية الكوكب، أو سر الشيخ، أو رفيقته، أو نحو ذلك، وإنما ذلك شيطان يضلهم كما /٥٩ب/ كانت الشياطين تضل عبّاد الأوثان، وإلى اليوم، وكانت الشياطين تكلمهم أحيانًا من الأصنام، وأحيانًا يرونها، قال ابن عباس ﵁: في كل صنم شيطان يتراءى (٢) للسدنة فيتكلمون. وقال أبي بن كعب ﵁: مع كل صنم جنيّة. وهذا باب واسع، وكل من كان به أعرف، إذا عرف ما جاءت به الرسل، وعرف ما في القرآن من التوحيد العظيم، والعناية العظيمة بذلك، ومذمة الشرك على اختلاف أنواعه؛ عرف بعض قدر ما جاء به الرسول ﷺ وتبين له كثرة الشرك في بني آدم، الذين لا يعرفون، بل يظنون أن العرب كانوا يعتقدون في آلهتهم أنها شاركت الله في الخلق، وهذا من غاية الجهل والكذب بمن يظنه بهم، وذلك لأن الشرك الذي كانوا فيه قد وقع هو وأمثاله في نوع منه، وهو لا يعرف أنه الشرك، يعتقد أن التوحيد هو الإقرار بأن الله خالق كل شيء، لم يشاركه في الخلق أحد، فهذا عنده

стр. 126

غاية التوحيد، كما تجد ذلك في كلام كثير من الناس من متكلميهم، وعبّادهم، فإذا رأى هذا هو التوحيد؛ كان الشرك عنده ما يناقض ذلك. وقد علم بالتواتر، وإجماع المسلمين، ونص القرآن،: أن العرب كانوا مشركين، وأن النبي ﷺ دعاهم إلى التوحيد، ونهاهم عن الشرك، وكان هذا من /٦٠أ/ أعظم أسباب معاداتهم له، ولمن آمن به، فيظن هذا الذي لم يعرف حقيقة الأمر، أن ذلك الشرك، أنهم جعلوا آلهتهم شركاء لله في خلق السموات والأرض، وإنزال المطر، وخلق النبات، ونحو ذلك. ولو كان هذا يفهم القرآن، ويعرف ما كانت عليه العرب، ويعرف التوحيد، والشرك؛ لتبين له أن ما يقرُّ به من التوحيد كان المشركون (١) يقرّون به أيضًا، وهم مع هذا مشركون؛ حيث أحبّوا غير الله كما يحبّون الله، وحيث دعوا غير الله، وجعلوه شفيعًا لهم، وحيث عبدوا غير الله يتقربون بعبادته إلى الله، فهذا وأمثاله كان شركهم، مع إقرارهم بأن الله خالق كل شيء، وأنه لا خالق غيره، ولهذا قال عمر بن الخطاب: إنما تنقض عرى الإسلام عروة عروة إذا نشأ في الإسلام من لا يعرف الجاهلية. فمعرفة المسلم بدين الجاهلية هو مما يعرفه بدين الإسلام، الذي بعث الله به رسله، وأنزل به كتبه، ويعرف الفرق بين دين المسلمين الحنفاء أهل التوحيد والإخلاص، أتباع الأنبياء، ودين (٢) غيرهم، ومن لم يميّز بين هذا وهذا فهو في جاهلية، وضلال، وشرك، وجهل، ولهذا ينكر هؤلاء ما كان عليه رسول الله ﷺ وأصحابه، من [إخلاص] (٣) الدين لله، إذ ليست لهم به خبرة من جهة النقل، ولا لهم فهم في القرآن، يعرفون به

стр. 127

/٦٠ب/ توحيد القرآن، ولا لهم معرفة بحقيقة الإيمان والتوحيد الذي أرسل الله به رسله، وأنزل به كتبه، فليس لهم علم لا بالقرآن، ولا بالإيمان، ولا بأحوال الناس، وما نقل من أخبارهم، ومعرفة هذا من أهم الأمور، وأنفعها، وأوجبها، وهذه جملة لها بسط، مضمونها: معرفة ما بعث الله به الرسول، وما جاء به الكتاب والسنة. وهؤلاء المشركون على اختلاف أصنافهم، كلّهم عاقبتهم عاقبة سوء في الدنيا والآخرة، فإن الشياطين مقصودهم إضلالهم، وإغواؤهم، فيخونونهم أحوج ما يكونون إليهم، ويخبرونهم بأكاذيب كما يفعلون بالسحرة والكهان، ولهذا يقترنون بأهل الكذب، والفجور، قال تعالى: ﴿هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ (١) • تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ﴾ [الشعراء: ٢٢١-٢٢٢] . ودعواهم أن النفس هي المؤثرة، دعوى باطلة، فتضعف أنفسهم في آخر الأمر، ويتبين (لهم) (٢) عجزها عن التأثير، وهم لم يعبدوا الله وحده، بل علقوا أنفسهم بغيره، و ﴿مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ • إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ • وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ /٦١أ/ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ﴾ [العنكبوت: ٤١-٤٣] ﴿وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ﴾ [الحج: ٣١] ﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ (٣) آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا • كَلَّا سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا﴾ [مريم: ٨١-٨٢] . وكل من كان أعظم علمًا، وإيمانًا؛ كان أقوم بالتوحيد، وأتبع

стр. 128

للسنة، وأبعد عن الشرك، والبدعة، فإن التوحيد، والسنة، هو الإسلام، وهو حقيقة: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا رسول الله، فالشهادة الأولى تحقيق التوحيد، والشهادة الثانية تحقيق الرسالة، التي توجب اتباع شريعته، وأن نعبد الله بما أمر به، وشرعه، دون ما نهى عنه، أو لم يشرعه، قال أبو العالية في قوله: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ • عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الحجر: ٩٢-٩٣] قال: هما خلتان يُسأل عنهما كل أحد (١) : ماذا (٢) كنتم تعبدون؟ وبماذا أجبتم الرسل؟ ولهذا كان الصحابة، والتابعون لهم بإحسان، قائمين بهاتين الشهادتين، لم نجد أحدًا منهم يأمر بدعاء أهل القبور، ولا بالسفر إليهم، بل هم كما قال الله: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأنعام: ١٦٢] . والصلاة هي دعاء الله، دعاء عبادة، ودعاء مسألة، فإذا قُصد صاحب القبر، لأن يدعى، دعاء عبادة أو دعاء مسألة؛ فقد صارت الصلاة له، وإذا قصد السفر إليه؛ فقد جعل النسك له. ولهم حديث مشهور بينهم سألني عنه /٦١ب/ غير واحدٍ من أعيان الشيوخ وكبراء الناس، فكانوا يعتمدون عليه، وهو قوله: إذا أعيتكم الأمور فعليكم بأصحاب القبور. وقد بينتُ لمن سألني عنه مرة بعد مرة، أن هذا كذب منكر، ليس هو في شيء من كتب المسلمين المعتمدة في

стр. 129

الحديث، ولا ذكره أحدٌ من علماء الإسلام، ولا إمام من أئمة المسلمين، وإنما هذا الحديث من الأكاذيب التي وضعت ليقام (١) بها دين أهل الشرك، كما يقولون: لو أحسن أحدكم ظنه بحجر لنفعه الله به. وإنما يحسن الظن بالأحجار المشركون الذين قال الله فيهم: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ﴾ [الأنبياء: ٩٨] وقال تعالى: ﴿قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾ [التحريم: ٦] . فهؤلاء يجعلون ما يجعلونه من صلاتهم، ونسكهم، لغير الله رب العالمين، وإن كانوا أيضًا قد يصلون، وينسكون لله، فهم يشركون، كما يوجد كثير من الداخلين في الإسلام من يصلي الصلوات الخمس وعنده صنم يعبده، وطائفة من المنتسبين إلى العلم، والعبادة، يصلون الخمس مع المسلمين، ثم يصعد أحدهم فيدعو بعض الكواكب، إما عطارد، وإما الزهرة، وإما غيرهما. وهؤلاء الضُّلاَّل هم الذين إذا ذُكر النهي عن دعاء أهل القبور، والحج إليهم؛ تراهم (٢) ينكرون، وقد يجعلون هذا قدحًا، وسبًّا (٣) ، /٦٢أ/ وتنقصًا بالصالحين، وبالأنبياء، لكن ليس معهم حجة شرعية بالأمر بالسفر إلى هؤلاء، فيسكتون على غيظ، فإذا ذُكر هذا النهي عامًّا في حق النبي ﷺ وغيره من الأنبياء، وبُيِّن أن السنة أن يسافر إلى مسجده للصلاة فيه، ويسلم عليه، وغيره ليس عنده مسجد يسافر إليه، فلهذا كان السفر إلى مدينته مأمورًا به؛ أخذوا يصدّون، ويشنّعون، ويقولون: هذا سبّ للنبي

стр. 130

صلى الله عليه وسلم، وتنقص له، ويسعون في عقوبة من نهى عن ذلك، بما يمكنهم من قتل، وغيره، وليس معهم علم مأثور عن النبي ﷺ وأصحابه، ومن بعدهم من أئمة المسلمين، لا الأربعة ولا غيرهم، ولا إيمان بحقيقة ما جاء به الرسول، بل يعبدون من دون الله ما لم ينزل به سلطانًا، وما ليس لهم به علم، وما للظالمين من نصير. وهم بين جاهل، أو متبع لهواه، أو جامع بين الأمرين، وكثير منهم ليس قصده تعظيم الرسول، بل تعظيم ما يدعو إليه من الشرك بشيوخه، وغير شيوخه، ولكن جعل الرسول عمدة له يحتج به في الظاهر، وهو في الباطن لا يوجب تصديق الرسول في كل ما أحبه، وطاعته في كل ما أوجب وأمر به، بل قد يوالي أعداءه، ويُحَسِّنُ حالهم، مع ظهور مخالفتهم للرسول، وقد يُجَوِّزُ أن /٦٢ب/ يكون للأولياء وغيرهم إلى الله طريق غير اتباع الرسول. وفيهم من يجعل متابعة الرسول للعامة، وأما الذين هم عنده خاصة فأولئك يأخذون عن الله بلا واسطة الرسول، فلا يحتاجون إليه، وفيهم من يصرّح بأن شيوخه، وطريقهم، أفضل من متابعة الرسول، ومنهم من (١) يقول: إن أهل الصُّفَّة كانوا أفضل من الرسول، وإن الرسول كان يزورهم لبركتهم، وإنهم لم يأذنوا له، وقالوا له: اذهب إلى من أرسلت إليه، حتى اشتكى إلى ربه، فقال: اذهب إليهم بأدبٍ (٢) ، فلما أتى قبلوه! وكثير منهم يرى قتال الرسول، ويرون أن أهل الصفة قاتلوه لما انهزم أصحابه يوم أحد، أو يوم حنين، وأنهم تحيّزوا إلى الكفّار، فقال لهم: تدعوني، وتذهبون؟! فقالوا: نحن مع الله، من كان الله معه كنّا معه!

стр. 131

إلى أمثال هذه الكفريّات، وأمثالها. وكل ما ذكرته فقد شافهني به غير واحدٍ من هؤلاء، منهم من كان يعتقده، ومنهم من أخبر به عن شيوخه، حتى إنه كان من أعيان شيوخهم من سألني مرّةً عن هذا، فقلت له: هذا كفر، لم يكن أحد من الصحابة يقاتل النبي ﷺ ، بل كان المتخلف عن الجهاد المتعين مذمومًا، بل منافقًا، كالذين تخلفوا عن غزوة تبوك، فقال لي: /٦٣أ/ فقد يكون جائزًا في بعض المذاهب الأربعة، وأنت لم تعرفها كلها. فقلت له: ويحك! هذا لا يتعلق بالمذاهب، بل هذا يعرفه كل من يعرف الرسول وأصحابه، وأهل (١) المذاهب الأربعة وسائر المسلمين عندهم أن من قال هذا فإنه كافر، يستتاب، فإن تاب وإلا قتل. ومن هؤلاء من يكون متفلسفًا، معظمًا في الباطن لمن يخالف الأنبياء من الفلاسفة، ويكون على رأي الملاحدة الباطنية، يعاونهم تارة، ويعاون الكفار المشركين (٢) المظهرين للشرك تارة، فهو عون للكفار، أو المنافقين. وهؤلاء قد يفضلون زيارة القبور، والاستشفاع بهم، على الحج؛ لأنه عندهم إذا زار القبر، وتوجه إلى الميت، فاض عليه من روحه كما ذكروا ذلك في الشفاعة، وأما الحج فعندهم أن الله لا يسمع دعاء الحجاج، ولا يعلم بأشخاصهم، وجزئياتهم، إذا كان يعلم الكليات دون الجزئيات، ومنهم من يقول: إنه لا يقوم به علم لا بالكليات ولا بالجزئيات، بل العلم عنده نفس المعلومات. وهؤلاء يعتقدون في الشريعة أنها سياسة للعامة، وأن ما أخبر به الرسول من أنباء الغيب عن الله، وعن اليوم الآخر، فإنما هو تخييل قصد به نفع العامة، من غير أن يكون ذلك مطابقًا للأمر، وهؤلاء عندهم /٦٣ب/ أنه لا

стр. 132

يستفاد من خبر الله ورسوله عن الغيب علم، وهؤلاء باطنية الشيعة الإمامية، وأولئك أيضًا لهم غلو في أهل المقابر، والصلاة لهم، والحج إليهم، ويتظاهرون بأن الحج إلى مشهد علي، أو غيره، هو الحج الأكبر، وينادون علانية إذا سافروا إلى هذه الزيارة: إلى الحج الأكبر. وهؤلاء وأمثالهم كما وصف الله المشركين، وأشباههم، يجعلون قبر النبي ﷺ : ترسًا، ويطلقون القول به مجملاً، ولا يختارون التفصيل بين الزيارة الشرعية، والبدعية؛ فإنه بالتفصيل يظهر ضلالهم، وشركهم، وكذبهم، فيظهرون ألفاظًا مجملةً، وينكرون التفصيل الفارق بين الزيارة الشرعية، والبدعية، ولكن يكذبون فيما يضيفونه إلى الناهي عن الزيارة البدعية، فيضيفون إليه أنه منهي مطلقًا عن هذا الجنس، حتى يروج بذلك تلبيسهم، وهذا من مشابهة أهل الكتاب، قال تعالى: ﴿يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ﴾ إلى قوله: ﴿وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٤٠-٤٢] وقال تعالى: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ • يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُونَ (١) الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [آل عمران: ٧٠-٧١] . /٦٤أ/ ومن استقرأ أحوال الناس رأى أن عامة من ينتصر للبدع مظهرًا أنه ينصر الرسول، هو بالعكس، ليس له في نصر (٢) الله، ورسوله، والجهاد في سبيله، سعي مشكور، ولا مقام مذكور، بل هم معرضون عن الجهاد المأمور به، وعن نصر (٣) كتاب الله، ودينه، ورسوله، وكثير منهم هو محاد لله ورسوله، يكذب بما أخبر به الرسول، وينفي ما أثبته، ويثبت ما نفاه، ويأمر بما نهى عنه، وينهى عما أمر به.

стр. 133

وكثير منهم، أو أكثرهم، يفعل ذلك ضلالاً، وجهلاً، وظنًّا أنه على الحق، كمن يرى أن المتفلسفة هم الذين حققوا العلم الإلهي بالبرهان، وأن ما جاء به الرسول إنما هو تخييل لنفع العامة، أو يرى أن ما يقوله النفاة والجهمية من نفي الصفات، هو الحق الذي تقوم عليه الأدلة العقلية، بخلاف ما دل عليه الكتاب والسنة، فإنه ليس فيه الحق الذي تقوم عليه الأدلة العقلية، ثم قد يقولون: إن الرسول قصد به معاني، ولم يقصد به (١) ما دلت عليه، ولم يقصد بهذا الخطاب البيان للناس، وإنما قصد أنهم إذا رأوه مخالفًا للعقل عرفوا الله بطريق العقل، ثم استخرجوا لهذا الخطاب أنواع التأويلات، وقد يقولون: إن الرسول لم يكن يعلم معاني ما أنزل عليه، وما خاطب به الخلق من القرآن، والحديث، الذي ذكر فيه هذه الصفات. /٦٤ب/ وكمن يرى أن الشيوخ الذين (٢) يعظمهم هو، ويجعلهم أهل المعرفة، والتحقيق، وأعلى أولياء الله، وصل إليهم من جهة الله بلا واسطة ما لا يصل إلى الرسول، فمعرفة مقاصدهم، وعلومهم، هي أفضل عندهم من معرفة معاني الكتاب والسنة. وفيهم طوائف يستحلون الفواحش، وقتل النفوس التي تخالفهم، والشرك بالله، إلى أمثال هذه الأمور، وأصحابها يظنون أنهم على حق، كالنصارى، وأمثالهم من أهل الضلال، قال تعالى: ﴿وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا قُلْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ • قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ • فَرِيقًا هَدَى وَفَرِيقًا

стр. 134

حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلَالَةُ إِنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الأعراف: ٢٨-٣٠] . وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ﴾ أي: عن الذكر الذي أنزله، وهو القرآن ﴿نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ • وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ • حَتَّى إِذَا جَاءَنَا قَالَ يَا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ الْقَرِينُ • وَلَنْ يَنْفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذْ ظَلَمْتُمْ أَنَّكُمْ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ﴾ [الزخرف: ٣٦-٣٩] . ومن هؤلاء من يعظّم متبوعه عن أن يكون مطيعًا للرسول، متبعًا له، ويعظّم بعض المخلوقين /٦٥أ/ من نبي، أو غيره، أن يكون عبدًا لله، فإذا ذكر عن المخلوق ما يستحقه من العبودية قالوا: هذا شتمه، كما تقوله النصارى لمن قال: إن المسيح عبد (١) ، يقولون: هذا قد سب المسيح، وتنقصه، وشتمه. وقد ذكر أهل التفسير أن وفد نجران قالوا للنبي ﷺ : أَنْتَ بُعِثْتَ بِشَتْمِ الْمَسِيحِ، تَقُولُ: هُوَ عَبْدٌ لِلَّهِ (٢) ، وَلَيِسَ بِعَبْدٍ. فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «إِنَّهُ لَيْسَ بِعَارٍ بِعِيسَى أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ» ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَا تَقُولُوا ثَلَاثَةٌ انْتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا • لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ﴾ أي: لم يأنف ولن يتعظم (٣) ﴿أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ وَلَا الْمَلَائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ وَمَنْ يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعًا • فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا

стр. 135

وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَأَمَّا الَّذِينَ اسْتَنْكَفُوا وَاسْتَكْبَرُوا فَيُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَلَا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ [اللَّهِ] (١) وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا﴾ [النساء: ١٧١-١٧٣] . وفي الصحيحين /٦٥ب/ عن النبي ﷺ أنه قال: «لَا تُطْرُونِي كَمَا أَطْرَتِ النَّصَارَى عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ، فَإِنَّمَا أَنَا عَبْدٌ، فَقُولُوا: عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ» وقال أيضًا: «إِيَّاكُمْ وَالْغُلُوَّ فِي الدِّينِ فَإِنَّمَا أَهْلَكَ مَنْ [كَانَ قَبْلَكُمْ] (٢) الْغُلُوُّ فِي الدِّينِ» . وقد نهى عن الغلو، في سورة النساء، والمائدة، وقد أخبر في الحديث الصحيح أنه سيكون في أمته من يشبه اليهود والنصارى، وقال: «لَتَأْخُذَنَّ أُمَّتِي مَآخِذَ الْأُمَمِ قَبْلَهَا، شِبْرًا بِشِبْرٍ، وَذِرَاعًا بِذِرَاعٍ» قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَارِسَ وَالرُّومَ؟ قَالَ: «وَمَنْ النَّاسُ إِلَّا هَؤُلَاءِ؟» . وقال أيضًا: «لَتَسْلُكُنَّ سُنَنَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ حَذْوَ الْقُذَّةِ بِالْقُذَّةِ حَتَّى لَوْ دَخَلُوا جُحْرَ ضَبٍّ لَدَخَلْتُمُوهُ» قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ: الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى؟ قَالَ: «فَمَنْ؟» . وكلا الحديثين في الصحيحين. ف الغلاة في هذه الأمة يشبهون النصارى ، كالغلاة في بعض أهل البيت، ومن يدعي أنه من أهل البيت، كالإسماعيلية، وكالغلاة في بعض المشايخ، فهؤلاء، وهؤلاء، فيهم شبه بالنصارى، يجعلون قول الحق والعدل الذي دلّ عليه الكتاب والسنة فيمن يغلون فيه: سبًّا، وشتمًا،

стр. 136

وتنقصًا، كالنصارى، وبسط هذه الأمور له مواضع أخر، وإنما المقصود التنبيه على [هذه] (١) الجمل ليعرف /٦٦أ/ الإنسان الفرق بين ما جاء به الرسول، وبين ما يشبه به وليس منه، فيعرف شريعة الرسول التي قال الله فيها: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ • إِنَّهُمْ لَنْ يُغْنُوا عَنْكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَإِنَّ الظَّالِمِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ﴾ [الجاثية: ١٨-١٩] . فأمّة محمد ﷺ ولله الحمد والمنة - لا تجتمع على ضلالة، بل لا يزال فيهم من هو قائم بالحق إلى أن تقوم الساعة، فلهذا لا يزال في أمته من يفرق بين الطريق الشرعية، والبدعية، ويميز ما جاء به الرسول مما قاله غيره، فإذا طلب المسلم أن يتبع الرسول أمكنه ذلك؛ لوجود من يعرف هذا من الأمة، بخلاف النصارى، وأهل البدع، فإن النصارى لما كثرت فيهم البدع، واشتهرت، وقل العلم فيهم، صار يتعذر - أو يتعسر - عليهم الفرق بين ما أمر به المسيح، وبين ما أمر به غيره، بل هذا خلط بهذا، وصار بأيديهم كتب فيها هذا المختلط الذي لبس فيه الحق بالباطل. وهكذا أهل البدع كالذين يوجبون اتباع غير الرسول ﷺ من شيخ، أو إمام، أو غير ذلك، تجد عندهم أمورًا منقولة عن شيخهم، أو إمامهم، أو عن علي ﵁، /٦٦ب/ أو غيره، وفيها حق وباطل، ولا يمكنهم التمييز بين (٢) حقها وباطلها، وتجدهم يروون أحاديث عن النبي ﷺ لا يعرفون صدقها من كذبها. وهكذا عامة أهل البدع، لا يميزون بين الحديث الصحيح وغير الصحيح ، لكن ما وافق آراءهم وأهواءهم كان هو الحق عندهم، وإن كان

стр. 137

راويه قد اختلقه على الرسول، وما خالف ذلك دفعوه. بخلاف أهل السنة، وعلماء الأمة، الذين يقصدون متابعة الرسول، والاستنان بسنته، والعمل بشريعته، وتحقيق ما جاء به من حقائق الإيمان، التي أصلها في القلوب وفروعها ونتائجها على الجوارح، فإن هؤلاء يميزون بين ما قاله الرسول وقاله غيره، وما نقل عن الرسول فيميزون بين الصدق منه والكذب، والصحيح والضعيف، ويعتبرون أحوال سلف الأمة وأئمتها، ثم لهم فقه وفهم لما جاء به الرسول، يختصون به عن غيرهم، ولهم أحوالٌ وأعمالٌ امتازوا بها عن غيرهم. فهؤلاء الذين قال الله فيهم: ﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا /٦٧أ/ الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا (١) رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُولَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [المجادلة: ٢٢] . وقال تعالى: ﴿مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [المائدة: ٥٤] . وقد يحتجون بحكايات عن بعضِ المتقدمين فيها ما هو كذبٌ على المنقولِ عنه، مثل حكاية يروونها عن الشافعي أنه قال: إذا كانت لي إلى الله حاجة ذهبت إلى قبر أبي حنيفة، وسألته (٢) به، أو نحو هذا، والشافعي

стр. 138

رضي الله عنه هو ممن حذر الشرك بالقبور، ونهى عن البناء عليها، وحذر مما حذر منه النَّبيُّ ﷺ من الفتنة بها، وقد ذكر ذلك أصحابه، حتى أبو إسحاق في تهذيبه، وغيره، والشافعي ﵁ لم يكن يقصدَ قبر أحدٍ من الأنبياءِ والصَّحابة ليدعوه، ويسأل الله به، فكيف خص بذلك أبا حنيفة؟ ولم يكن على عهد الشافعي لما أتى بغداد قبر (١) يُزار هذه الزيارة، ولا كان بها مشهد البتة، وكذلك كان بعد موت الشافعي في تمام عُمر الإمام أحمد ﵁، لم يكن ببغداد مشهد ظاهر، ولا قبر يُزار للدعاء به ولا للدعاء عنده، لا قبر معروف، ولا موسى بن جعفر، ولا غيرهما، بل هذه /٦٧ب/ كلها حدثت بعد ذلك، لا سيما لما تغيرت أحوال الإسلام في المائة الرابعة. والحكاية التي تروى عن بعضهم أنه قال: قبر معروف، الترياق المجرب. إن كانت صحيحة عمن نقلت عنه فإنه إنما قال ذلك بعد

стр. 139

موت الإمام أحمد لا في حياته، ولو كان من القبور ما هو ترياق مجربٌ؛ لكانت قبور المهاجرين، والأنصار، والخلفاء الراشدين، والأنبياء، أولى بذلك من قبر معروفٍ وأمثاله ... (١) /٦٨أ/ وكثير من هؤلاء، بل أكثرهم، ليس اعتمادهم فيما هم عليه من الشرك والبدعة على الكتاب، والسنة، وإجماع سلف الأمة، بل على ما يرونه ويسمعونه من الخوارق، وبعضها صدق، وبعضها كذب، وبعضها يكون خيالاً في أنفسهم، وبعضها يكون موجودًا في الخارج، كما كان يحصل للمشركين، منهم من يسمع كلامًا وخطابًا عند من يشرك به، إما الصنم، وإما القبر، وإما التمثال، ومنهم من يرى صورة إنسان أو غير إنسان، ومنهم من يخبر ببعض الأمور الغائبة، ومنهم من يعطى بعض أغراضه، فيؤتى ببعض ما يشتهيه من الصور، أو المال، أو يقتل بعض من يعاديه، وهذه الأمور هي من الشياطين، وهي من جنس السحر، والكهانة، فيظن كثير منهم أن هذا من باب الكرامات. وكثير منهم يعتقد أن في الإنس قومًا صالحين أولياء لله لا يزالون غائبين عن أبصار الخلق يسميهم: رجال الغيب، ورجال الغيب هم الجن، كما قال تعالى: ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا﴾ [الجن: ٦] كانت الإنس تستعيذ بالجن، فازدادت الجن طغيانًا وكفرًا، وقالوا: قد عبدتنا الإنس، واحتاجت إلينا. والتعازيم والأقسام التي فيها شرك هي من هذا الباب، لكن من هذه الأمور ما قد عرفت العامّة أنه من الجن، ومنها ما قد اشتبه، مثل ما يرى عند قبور الأنبياء، /٦٨ب/ والصالحين، من شفاء مريض، أو حصول طعام من الغيب، ونحو ذلك، فيظن أنه معجزة أو كرامة، لأجل عكوفه، ودعائه لصاحب القبر.

стр. 140

فيقال لهذا: معجزات الأنبياء مختصة بهم وبمن اتبعهم من المؤمنين، لا يجوز أن يكون لمن كفر بهم من المعجزات مثل ما لهم، فإن معجزاتهم هي آيات نبوتهم، وبرهان رسالتهم، والدليل يجب أن يكون مختصًّا (١) بالمدلول عليه، فلو كان لمن كذبهم مثل ما لهم لم يكن ذلك دليلاً، ولهذا طلب أعداؤهم أن يعارضوهم فيأتوا بمثل ما أتوا به، كما فعلت السحرة بموسى، وكما قصد بعض الناس أن يعارض القرآن، ولو أتوا بمثل ما أتت به الأنبياء لانتصروا. فلو أن السحرة أتوا بمثل ما أتى به موسى لم يكن موسى قد جاء بآية، بل من تمام آيات الأنبياء أن المكذبين لهم لا يقدرون على مثلها، ولهذا لما ظهر للسحرة أن ما أتى به موسى لا يمكنهم أن يأتوا بمثله، وليس من جنس السحر؛ آمنوا به، وقالوا: ﴿آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ • رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ﴾ [الشعراء: ٤٧-٤٨] وقالوا لفرعون: ﴿لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءَنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالَّذِي فَطَرَنَا فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا • إِنَّا آمَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ [طه: ٧٢-٧٣] . ولهذا /٦٩أ/ تحدى الرسول المكذبين أن يأتوا بمثل هذا القرآن، تحداهم بمثله، ثم بعشر سور، ثم بسورة، وقال: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ [الإسراء: ٨٨] وقد بسط الكلام على هذا في مواضع. فإن الكلام في المعجزات، وخصائصها، والفرق بينها وبين غيرها،

стр. 141

من أشرف العلوم، وأكثر أهل الكلام خلطوا فيه تخليطًا ليس هذا موضعه. والمقصود هنا أن ما كان من المعجزات والكرامات يكون مختصًّا بالأنبياء وأتباعهم المؤمنين، ولهذا لم يكن ما يأتي به الساحر والكاهن من المعجزات والكرامات، فإن هذا يكون للكفار، وما يوجد للمشركين بالقبور وغيرها هو من هذا النوع المشترك، فالكفار من المشركين والنصارى يستغيثون بشيوخهم الموتى، والغائبين، ويرون من أتاهم في الهواء راكبًا، أو غير راكب، وقال: إنه المستغاث به، إما جرجس، وإما غيره، حتى قالوا لبعض علماء النصارى: فهذا جرجس يستغيث به جماعة في وقت واحدٍ، وكل منهم يراه، فقال: ذاك (١) ملك يأتي في صورته. فكثير من المنتسبين إلى الإسلام يستغيث بشيخه، ويرى من جاء راكبًا، أو طائرًا في الهواء، أو غير ذلك؛ فيظنه (٢) شيخه. وقد يأتي في صورته إن كان يعرف صورة شيخه فيظن هذا شيخه. وهذا قد وقع لخلق كثير، ووقع لغير واحدٍ من أصحابنا معي، لكن لما حكوا لي أنهم رأوني بينت لهم أني لم أكن إياه، وإنما كان شيطانًا تصور في صورتي ليضلهم، فسألوني: لم لا يكون ملكًا؟ قلت: لأن الملائكة لا تجيب المشركين، وأنت استغثت بي فأشركت. والشيوخ الذين لا علم لهم، منهم من يخيل له الشيطان صوت المستغيث به، ويجيبه، /٦٩ب/ فيخيل الشيطان للمستغيث صوت الشيخ، ويوهم كلاًّ منهما أنه سمع صوت الآخر. والمؤمن إذا نادى غيره وهو في مكان بعيد لمصلحة - كما قال عمر: يا سارية الجبل، قال عمر: فإن لله جندًا تبلغهم صوتي - فلله جند من

стр. 142

أنصار المؤمنين تبلغهم صوت المؤمن (١) ، وكذلك كان عمر قد أرسل جيشًا فجاء بشير (٢) بالفتح، وشاع الخبر في الناس، فسألهم عمر: من أين لكم هذا؟ فقالوا: رأينا راكبًا أخبر بذلك. فقال: هذا أبو الهيثم من الجن، بريد المؤمنين، وسيأتي بريد الإنس، فأتاهم بريد الإنس بعد أيام. فهؤلاء الجن كانوا مؤمنين مجاهدين في سبيل الله، والجن كالإنس: فيهم المسلم، والكافر، والكتابي، والمشرك، كما قال تعالى: ﴿وَأَنَّا مِنَّا الصَّالِحُونَ وَمِنَّا دُونَ ذَلِكَ كُنَّا طَرَائِقَ قِدَدًا﴾ [الجن: ١١] . فمن أعان منهم مشركًا، أو أعان على الشرك؛ كان كافرًا، لم يكن مؤمنًا، وهم شياطين الجن الذين يضلون الإنس، و «الشَّيْطَانُ يَجْرِي مِنِ ابْنِ آدَمَ مَجْرَى الدَّمِ» ، كما أخبر بذلك النبي ﷺ . ولهذا يَقْتُلُ الساحر بسحره، وإنما يَقْتُلُ بتوسط الجن، وكذلك أيضًا قد يحصل الشفاء بنوع من أفعالهم فيأتون إلى من يدعوه الكفار في صورة، أو قبر، أو نحو ذلك، فيفعلون ما يحصل به زوال ذلك المرض، حتى يظن ذلك الضال أنه ببركة شركه (٣) ، وهو من إضلال الشياطين،

стр. 143

[و] (١) كما يوجد لدعاة القبور، والمشركين (بها) (٢) ، والحجاج إليها، من هذا النوع، يوجد أكثر منه للنصارى، والمشركين، فعلم (٣) أن هذا ليس من باب المعجزات، والكرامات، ومن المستفيض /٧٠أ/ في بلاد الهند أن الميت يأتي بعد موته، فيحدثهم، ويرد ودائع، ويقضي ديونًا، ثم يذهب، وهو شيطان جاء في صورته. والشيطان يضل كثيرًا من الناس بمثل هذا، حتى إنه يقول لقرينه: أنت بعد الموت تغسل نفسك، أو: أنت تغيث من يأتي إلى قبرك، فيقول الشيخ لأصحابه: لا يغسلني أحد، أنا أغسل نفسي، ويرون بعد الموت أنه قد جاء في صورته وغسل نفسه، فيظنون أنه هو، وإنما هو الشيطان (٤) جاء في صورته، وكذلك قد يجيئون إلى [قبره] (٥) ، فيجدون دراهم، أو غير ذلك، فيظنونه منه، وإنما هو من الشيطان. وهذا بابٌ واسع قد بسط في مواضع، ومن لم يفرق بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان فما عرف حقيقة الإيمان، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل، ومن لم يجعل الله له نورًا فما له من نورٍ. و أنفع ما للإنسان: الاعتصام بالكتاب والسنة ، فإن السنة مثل سفينة نوح، من ركبها نجا، ومن تخلف عنها غرق، ثم إن رزقه الله بصيرة، وكشف له الحقائق؛ يتبين له ببصائر الإيمان وحقائقه ما يصدق الشريعة الظاهرة، وأن الله هدى الخلق بمحمدٍ ﷺ إلى الصراط المستقيم، وأخرجهم به من الظلمات إلى النور، وفرق به بين الهدى والضلال، والغي والرشاد، والحق والباطل، وطريق الجنة وطريق النّار، [و] (٦) بين أوليائه وأعدائه، فصلى الله عليه وعلى آله وسلم تسليمًا، وجزاه عنا أفضل

стр. 144

ما جزى نبيًّا عمن أرسل إليه (١) . وإن لم تنكشف له الحقائق الباطنة كفاه اعتصامه بالشريعة الظاهرة، وحصل له النجاة، ونال من السعادة بقدر ما اتبع فيه الرسول: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ وَإِنْ تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ • إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾ [الحجرات: ١٤-١٥] والله أعلم. (٢) # # #

стр. 145

الحمد لله رب العالمين. • تمت مقابلة هذه النسخة الإلكترونية على المخطوط المعتمد في تحقيق مطبوعة الكتاب، ورمزت له بـ (الأصل) . وعند اختلاف الألفاظ أثبت ما في المخطوط، إلا إذا رأيت وجاهة التصحيح الحاصل في المطبوع، وبينت كل فرق بينهما في الهامش. وذلك في يوم الأربعاء غرة رجب ١٤٣٠هـ الموافق ٢٤ حزيران (يونيو) ٢٠٠٩م. • ثم تمت مقابلتها بعد ذلك على نسخة مخطوطة أخرى ناقصة كثيرًا، رمزت لها بـ (خ٢) ، وجدها أحد طلبة العلم - جزاه الله خيرًا - متناثرة بين مجموعين من مجاميع المكتبة الظاهرية، مصورين لدى مكتبة جابر الأحمد المركزية (مكتبة جامعة الكويت) برقم (١٦١٩) و (٦٥٢٧) . وترتيب أوراقها كالتالي: (١٤٨ب، ١٤٩أمن مجموع ٦٥٢٧) ، ثم (١٥٥ب، ١٥٦أمن مجموع ١٦١٩) ، ثم (٤٧ب، ٤٨أ، ٥٠ب، ٥١أمن مجموع ٦٥٢٧) ، ثم (١٥٦ب، ١٥٧أمن مجموع ١٦١٩) ، ثم (١٤٩ب، ١٥٠أ، حاشية ٥١أمن مجموع ٦٥٢٧) . وتقع في المطبوع في الصفحات من (٥٥-٦٥) ومن (٨٦-٩٣) . وكان ذلك في يوم الثلاثاء ٢١ رجب ١٤٣٠هـ الموافق ١٣ تموز (يوليو) ٢٠٠٩م. ثم تمت إعادة مقابلتها مرة أخرى في ١٦ ذو القعدة ١٤٣٠هـ الموافق ٤ تشرين الثاني (نوفمبر) ٢٠٠٩م. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. كتبه: محمد بن عبد المحسن المنصور غفر الله له ولوالديه وللمؤمنين