← Акыда

Акыда · id 12769

قاعدة عظيمة في الفرق بين عبادات أهل الإسلام والإيمان وعبادات أهل الشرك والنفاق

ابن تيمية

Полный текст (145 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

ذاك كانوا يخافون أن يصير ذريعة إلى الشّرك، واتخاذه مسجدًا، وعيدًا، ووثنًا، وهذا الخوف كان لما كان الدخول إليه ممكنًا، ولما سدوه، ومنعوا الناس من الدخول إليه؛ ما بقي يمكن أحد (١) الزيارة المعروفة، ولا الشرك، ولا اتخاذه وثنًا، ولا يقدر أحد أن يصلي إلا إلى مسجده، ومسجده ليس هو قبره وبيته، بل مسجده بني للصلوات الخمس، وغيرها. وكان يعتكف فيه، ولا يعتكف في بيته، فحكم هذا غير حكم هذا بالنص والإجماع، ولهذا إنما كان ابن عمر يأتي القبر فيسلّم على النبيّ ﷺ ، وعلى صاحبيه، إذا قدم من سفر، وكانت الحجرة إذ ذاك خارجة عن المسجد، ملاصقة له، وإنما أدخلت في المسجد من (٢) خلافة الوليد بن عبد الملك، وأدخلت بعد انقراض الصّحابة من المدينة، فإن آخر من مات بها جابر بن عبد الله، وجابر مات سنة بضع وسبعين في خلافة عبد الملك، وابنه الوليد إنما تولى سنة بضع وثمانين، والمسجد أخر بناءه بعد ذلك بمدة، وعبد الله بن عمر مات في خلافة أبيه عبد الملك سنة ثلاث وسبعين عقب فتنة ابن الزبير بمكة. وكان ابن عمر إنما يسلّم عليهم من جهة الرؤوس، من جهة المغرب، إذْ كانت جهة القبلة متصلة بغيرها من الحجر، وكان يسلّم عليهم على الترتيب، كان رسول الله ﷺ هو المقدم إلى ناحية /٣٢أ/ القبلة، وأبو بكر خلفه، وعمر خلف أبي بكر، ورأس أبي بكر عند منكبي رسول الله ﷺ ، ورأس عمر عند منكبي أبي بكر، كالدرج، هذا أشهر الأقوال. وقيل: إن رؤوسهم مستوية، وقيل: بل اثنان منهما متحاذيان فقط. ولا يعرف من أين كان ابن عمر يسلم، هل كان يستقبل الحجرة أو

стр. 72

القبلة؟ والفقهاء متنازعون: فمنهم من يقول: يستقبل القبلة عند السّلام، ويكون عن يسار الحجرة، أو أمامها كما ينقل عن أبي حنيفة. ومنهم من يقول: بل يستقبل الحجرة، وهؤلاء يقول كثير منهم: إنه يستدبر القبلة، ويستقبل الحجرة، فيأتيهم من جهة وجوههم، ويسلّم على النبي ﷺ ثم ينحرف قليلاً إلى جهة الشرق، فيسلم على أبي بكر، ثم ينحرف قليلاً فيسلم على عمر، وهذا إنما يجيء على قول من جعل ترتيبهم كدرج المنبر، وهؤلاء استحبوا هذا؛ لأن قصد التحية من جهة الوجه أحسن، وإذا سلّم عليهم من جهة الرؤوس، كما فعل ابن عمر، كان حسنًا، ويحصل الترتيب على قول من يقول باستواء الرؤوس. ولما لم يكن معهم سنة عنه في التحية من خارج بيته، اضطربوا في الوقوف، وأما تحيته من داخل، فإنما كانت ممكنة من جهة القفا، فإن النبي ﷺ قبره متصل بالجدار القبلي، فلم يمكن أحدًا /٣٢ب/ أن يقف هناك إذا دخل ويسلم عليه، وهذا مما قد يحتج به من يستقبل القبلة فيقول كما لو كان داخل الحجرة، لكن هذه حجة ضعيفة فإن مقتضى هذا أن يسلم عليه خلف الحجرة، وهذا لم يعلم به قائلاً. وكان الصّحابة دائمًا يقصدون المدينة على عهد الخلفاء الراشدين، من الشام، والعراق، ومصر، واليمن، وغيرها، كما تقدم، ولم يشتهر عنهم أنهم كانوا إذا أتوا المسجد فصلّوا فيه، وسلموا على النبي ﷺ في الصّلاة، يذهبون بعد ذلك إلى قبره، وإنما روي هذا عن ابن عمر، أو عن غيره في قضايا معينة، ولو كان هذا عملاً معروفًا لعامة الصحابة القادمين، كالصلاة

стр. 73

في مسجده؛ لكان هذا ينقل عنهم نقلاً شائعًا متواترًا، لكثرة ما كانوا يقدمون المدينة من الأمصار، أضعاف أضعاف ما يقصدها الناس في هذه الأوقات؛ لأنها كانت دار الخلافة، فجميع أمور أهل الأمصار متعلقة بها، تقصد من جميع النواحي، في جميع العام، ومع هذا فأصحابه أفضل الخلق، وأعلمهم بدينه وما أمرهم به من توحيد الله وحقه، كانوا يفعلون ما أمرهم به وسنّه لهم من الصّلاة في مسجده، /٣٣أ/ ومن الصّلاة والسّلام عليه، وطلب الوسيلة له كما أمر. ولم يكن كل من قدم المدينة ذهب إلى القبر، فلم يكن هذا من عملهم الشائع العام، ولا كانوا يأمرون الناس بذلك؛ لعلمهم أن هذا ليس مما حضهم عليه، ورغبهم فيه، بل نهاهم أن يتخذوا قبره عيدًا، ومسجدًا، ولعن من يفعل ذلك، فكانوا يفعلون ما أمرهم به دون ما نهاهم عنه، وما نهاهم عنه من اتخاذ قبره عيدًا ومسجدًا لم يبق ممكنًا البتة، بل لا يقدر أحد على ذلك، ومن استقبل الحجرة إذا سلم عليه لم يقل: إنه اتخذ قبره عيدًا ولا مسجدًا، فإنه لم يصل إلى قبره البتة، بل إنما فعل ذلك في المسجد. لكن يقال: هذا الفعل مشروع أم لا؟ وهل هو مما يسنّ في المسجد أم هو من أحكام المسجد، ليس من أحكام القبر؟ ولكن كثير من الناس ما بقي يعرف زيارة القبر، إلا ما يكون في المسجد، وهو اسم لا يطابق مسماه، بخلاف أهل البدع الذين يقصدون ما نهى عنه، وقد يجعلون ما نهى عنه أفضل مما أمر به، كما فعلته //٥٠ب// النصارى وأشباههم. ولكن أهل البدع لا يتمكنون من فعل بدعة عند قبره، ولا من الوصول

стр. 74

إلى قبره (١) ، ولا يقدر أحد أن يتخذه عيدًا ولا مسجدًا، ولا وثنًا (٢) ، ولله الحمد والمنّة؛ فهذا ما فعل بقبره قط، بل كان الصّحابة يمتنعون منه مع قدرتهم عليه، ومن بعد الصحابة مُنعوا منه، فلو طلبوا فعله /٣٣ب/ لما قدروا عليه؛ لأن الصحابة أعلم بدينه، وأتبع له. وأما غير النبي ﷺ من سائر المؤمنين إذا زير قبره، فإنه (٣) يزار قبره فيوصل إليه، فيسلّم (٤) عليه، ويدعى له هناك، ومثل هذا لا يشرع في مغيبه، فلم يشرع أن يقال في (٥) الصّلاة: السّلام (٦) على فلان وفلان، وإنما قيل على سبيل العموم: «السَّلَامُ عَلَيْنَا، وَعَلَى عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ» ، فتبين أنه يحصل لغيره في زيارة قبره من المنفعة ما لا يحصل بدون ذلك، بخلاف الرسول ﷺ ، فإن الذي يحصل له مع عدم الزيارة أكمل، وأفضل، وأنفع. # # #

стр. 75

//٥١أ// «فصل» فهذا فرق من جهة انتفاء المصلحة. وفرق آخر من جهة حصول المفسدة، وهو أن: لفظ الزيارة للقبور (١) قد صار في عرف النّاس متناولاً للزيارة الشرعية المأمور بها، والبدعية (٢) المنهي عنها، بل كثير منهم إذا أطلق زيارة قبور الأنبياء والصالحين، إنما يفهم منها: الزيارة البدعية، المنهي عنها، كاتخاذ قبورهم مساجد، وأعيادًا، واتخاذ قبورهم أوثانًا، ومشابهة أهل الكتاب فيما لعنهم عليه النبي ﷺ ، وفعل ما نهى عنه الرسول بقوله (٣) : «إِنَّ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ كَانُوا يَتَّخِذُونَ الْقُبُورَ مَسَاجِدَ، /٣٤أ/ أَلَا فَلَا تَتَّخِذُوا الْقُبُورَ مَسَاجِدَ، فَإِنِّي أَنْهَاكُمْ عَنْ ذَلِكَ» رواه مسلم في صحيحه (٤) ، وغيره. ويقصدون الحج إلى قبورهم، واتخاذ ذلك نسكًا، والدُّعاء، والصلاة لهم، فمنهم من يسجد للقبر، ومنهم من يطلب منه كما يطلب من الله، فيقول: اغفر لي وارحمني، وعامتهم يصلُّون عنده، ويطلبون منه الدعاء لهم، أو يدعون به، أو يشتكون إليه، ويطلبون منه قضاء الحاجة في الجملة، فيقول هذا (٥) : أشكو إليك ذنوبًا (٦) أنت تعلمها، كأنه يخاطب ربّ العالمين، ويقول هذا: أشكو إليك دَيْني وعيالي، //١٥٦ب// وهذا يقول (٧) : أشكو إليك الجدب، والقحط، ويقول هذا: أشكو إليك ظهور العدو، فيخاطبونه كما يخاطب ربّ العالمين، ويشتكون (٨) إليه ما لا يشتكى إلا إلى الله (٩) ، كما قال يعقوب (١٠) : ﴿إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ﴾ [يوسف: ٨٦] وكان عمر بن

стр. 76

الخطاب يقرؤها في الصلاة فيسمع (١) نشيجه من آخر الصفوف. وقال موسى (٢) : اللهم لك الحمد، وإليك المشتكى، وأنت المستعان، وبك المستغاث، [وعليك التكلان، ولا حول ولا قوة إلا بك] (٣) . وفي دعاء النبي ﷺ يوم الطائف: «اللَّهُمَّ إِلَيْكَ أَشْكُو ضَعْفَ قُوَّتِي، وَقِلَّةَ حِيلَتِي، وَهَوَانِي عَلَى النَّاسِ، أَنْتَ رَبُّ الْمُسْتَضْعَفِينَ، وَأَنْتَ رَبِّي» . فالأنبياء، وأتباع الأنبياء، إنما كانوا يشتكون إلى الله، وله يدعون، ويتضرعون، وإليه يرغبون، وبهذا أمر الله رسوله (٤) ، /٣٤ب/ قال تعالى: ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ • وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ﴾ [الشرح: ٧-٨] ، وقال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا مَا آتَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ سَيُؤْتِينَا اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ إِنَّا إِلَى اللَّهِ رَاغِبُونَ﴾ [التوبة: ٥٩] وقال تعالى عند خوفهم من العدو: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ﴾ [الأنفال: ٩] وقال (٥) فيما يصيبهم من الضر: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ﴾ [النحل: ٥٣] //١٥٧أ// وقال (٦) : ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ﴾ [يونس: ١٠٧] وقال (٧) : ﴿قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ (٨) مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ

стр. 77

هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾ [الزمر: ٣٨] . وقد بيّن الله (١) كفر النصارى وغيرهم، حيث شبهوا المخلوق بالخالق (٢) ، ودعوا المخلوق كما يدعون الخالق، وبيّن أن من دعا المخلوق - وإن كان نبيًّا، أو ملكًا - فإنه دعا ما لا ينفع، ولا يضر، فقال تعالى: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ وَقَالَ الْمَسِيحُ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ • لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ • أَفَلَا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللَّهُ /٣٥أ/ غَفُورٌ رَحِيمٌ • مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ انْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الْآيَاتِ ثُمَّ انْظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ • قُلْ أَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا وَاللَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [المائدة: ٧٢-٧٦] . فبين أن المسيح ﵇ لا يملك ضرًّا ولا نفعًا (٣) . وقد قال الله لمحمد (٤) : ﴿قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ //١٤٩ب// أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ﴾ [الأعراف: ١٨٨] ، وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنِّي لَا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا رَشَدًا﴾ [الجن: ٢١] ، وقال: ﴿قُلْ لَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلَا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ﴾ [الأنعام: ٥٠] . وفي الصحيح عنه ﷺ أنه قال: «لَا تُطْرُونِي كَمَا أَطْرَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحَ (٥) ابْنَ مَرْيَمَ فَإِنَّمَا أَنَا عَبْدٌ، فَقُولُوا: عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ» .

стр. 78

ومن النّاس من عصى أمره، وغلا فيه (١) ، فكفر بما جاء به، وبَرِئ منه وهو يحسب أنه يتبعه، كما ظنت النصارى أنهم يتبعون (٢) المسيح بغلوّهم فيه، وقد كفروا به، وبرئوا منه. فمن الناس من اعتقد في الرسول ما اعتقدته النصارى في عيسى (٣) ، حتى صرحوا بأنه [هو] (٤) الله، وأنه يعلم كل ما يعلمه الله، ويقدر على كل ما يقدر الله عليه، وهذا قاله لي غير واحد من هؤلاء، وحكوه عن شيوخ لهم كبارٍ، وهم يَرَون هذا من علوم الأسرار التي لا يُطْلِعُون عليها إلا الخواص، وهم يعتقدون /٣٥ب/ هذا في شيوخهم أيضًا، وهؤلاء غير الغالين (٥) من الشيعة الذين يعتقدون الإلهية فيه، وفي علي [بن أبي طالب] (٦) ، وطائفة من أهل بيته، ومنهم من يعتقد الإلهية في بني عبيد الله القداح، كالحاكم، وأمثاله. وثَم (٧) طائفةٌ من الشيوخ يعتقدون في العارفين الكمّل اتحاد الحقّ بهم، وأنه [تعالى] (٨) هو الذي يتكلم على ألسنتهم وأن الموحِّدَ هو الموحَّدُ، وينشدون: ما وحّد الواحد من واحد ... إذ كل من وحّده جاحد //١٥٠أ// توحيد من يخبر (٩) عن نعته ... عارية أبطلها الواحد توحيده إياه توحيده ... ونعت من ينعته لاحد (١٠)

стр. 79

وقد بُسط الكلام على هؤلاء في غير هذا الموضع. والمقصود هنا أنه قد وقع ما أخبر به ﷺ في الحديث المتفق على صحته عن أبي هريرة عن النبي ﷺ حيث قال: «لَتَسْلُكُنَّ سُنَنَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ حَذْوَ الْقُذَّةِ بِالْقُذَّةِ، حَتَّى لَوْ دَخَلُوا جُحْرَ ضَبٍّ لَدَخَلْتُمُوهُ» قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ: الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى؟ قَالَ: «فَمَنْ» . وهو ﷺ قد بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد في الله حق جهاده (١) ، وبين (٢) الحق من الباطل، والهدى من الضلال، والرشد (٣) من الغي، وحذر أمته هذه الأمور، ونهاهم عنها وعما يدعو إليها، وما على الرسول إلا البلاغ المبين، قال تعالى: ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا (٤) فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيْكُمْ مَا حُمِّلْتُمْ وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾ [النور: ٥٤] .

стр. 80

/٣٦أ/ «فصل» //حاشية ٥١أ// فهذان فرقان من جهة حصول المصلحة، وانتفاء المفسدة. وفرق ثالث: أن زيارة غيره ممكنة؛ لبروز قبره، وإمكان مشاهدته، والوصول إليه، وهو ﷺ لا يقدر أحد أن يصل إلى قبره، لا لما يشرع عند قبر غيره ولا لما ينهى عنه، بل منعوا من الجميع، كما دفنوه في حجرته دون غيره؛ سدًّا للذريعة، فهو ﷺ نهى عن اتخاذ بيته (١) عيدًا، ومسجدًا، وروي أنه إنما دفن في الحجرة بسنته، وأن أبا بكر روى لهم عنه أن الله لم يقبض نبيًّا إلا حيث يدفن (٢) ، فرفعوا فراشه، ودفنوه تحتها بأمره، باتفاق أصحابه، بأمره على (٣) جعل قبره محجوبًا غير بارز، بخلاف غيره من المؤمنين. //١٥٠أ// ومن الفروق (٤) بينه وبين غيره: أنه ﷺ قد ثبت عنه في الصحيحين من حديث أبي هريرة، وأبي سعيد، أنه قال: «لَا تُشَدُّ الرِّحَالُ إِلَّا إِلَى ثَلَاثَةِ مَسَاجِدَ: الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، وَالْمَسْجِدِ الْأَقْصَى، وَمَسْجِدِي هَذَا» ورواه // أهل السنن، والمسند، من غير هذه الطرق أيضًا مثل حديث بصرة بن أبي بصرة الذي رواه مالك، وأبو داود، وأحمد، وغيرهم، ولفظه: «لَا تُعْمَلُ

стр. 81

الْمَطِيُّ إِلَّا إِلَى ثَلَاثَةِ مَسَاجِدَ» . فكان في (١) هذا بيان أن السفر إلى غير المساجد الثلاثة غير مشروع ، كما اتفق على ذلك السلف والأئمة، فإن قوله: «لَا تُشَدُّ الرِّحَالُ إِلَّا إِلَى ثَلَاثَةِ مَسَاجِدَ» استثناء مفرغ، فإما أن يكون التقدير: لا تشد إلى مسجد إلا إلى هذه الثلاثة، وإما أن يكون التقدير: لا تشد إلى مكان مطلقًا /٣٦ب/ من الأمكنة التي تقصد، وتعظم، ويسافر لأجلها. فأما السفر لتجارة، أو جهاد أو طلب علم، أو زيارة أخ في الله، أو صلة رحم، ونحو (٢) ذلك، فإنها لم تدخل في الحديث؛ لأن تلك لا يقصد فيها مكان معين، بل المقصود ذلك المطلوب حيث كان صاحبه، ولهذا لم يفهم أحد من هذا هذه الأمور. بخلاف السفر إلى البقاع المعظَّمة كطور موسى، وكقبور الأنبياء، والصالحين، فإن الصحابة، والتابعين، والأئمة، فهموا دخولها في هذا الحديث، ولم يكن في السلف من ينكر دخولها في الحديث، ودخولها على أحد وجهين: إن قيل: إن المستثنى منه: جنس البقاع المعظمة، فقد دخلت هذه، وإن قيل: إن المستثنى منه: هو المساجد، فلا ريب أنه إذا لم يشرع السفر إلى المساجد، فلا يشرع إلى هذه بطريق الأولى؛ فإن المساجد أفضل البقاع، كما ثبت في الصحيح أن النبي ﷺ قال: «أَحَبُّ الْبِقَاعِ إِلَى اللَّهِ الْمَسَاجِدُ، وَأَبْغَضُ الْبِقَاعِ إِلَى اللَّهِ الْأَسْوَاقُ» رواه مسلم. والمساجد يؤمر بقصدها، ويسافر إلى بعضها، ويجب السفر إلى

стр. 82

بعضها، فإذا كانت لا يشرع السفر منها إلى غير الثلاثة، فغير المساجد أولى أن لا يشرع السفر إليها، ولهذا /٣٧أ/ لم يقل أحد من علماء المسلمين إنه يسافر إلى زيارة القبور، ولا يسافر إلى المساجد، وإنما حكي عن بعضهم العكس، فحكي عن الليث بن سعد أنه قال: إذا نذر السفر إلى سائر المساجد، وفى بنذره. وعن محمد بن مسلمة من أصحاب مالك أنه قال ذلك في مسجد قباء. ولم يقل أحد من أئمة المسلمين إنه من نذر السفر إلى قبر نبي أو غير نبي وفى بنذره، بل نصُّوا على أنه لا يوفي بنذره، ليس بين الأئمة الأربعة وغيرهم من نظرائهم خلاف في ذلك، بل كلهم متفقون على أنه من نذر السفر إلى قبر نبي - أيّ نبيٍّ كان - أو قبر صالح، أنه لا يوفي بنذره. ومالك ﵀ إذا كان قد نص على ذلك في قبر النبي ﷺ فسائر الأئمة يوافقونه وهم أولى بذلك منه، فإن مذهب مالك وأحمد: أنه من نذر السفر إلى مسجد النبي ﷺ ، أو المسجد الأقصى؛ وجب عليه الوفاء بنذره، وهو أحد قولي الشافعي، والقول الآخر له وهو مذهب أبي حنيفة: أنه لا يجب الوفاء إلا إذا نذر المشي إلى الكعبة، فيذهب في حج أو عمرة. فهؤلاء إذا لم يوجبوا السفر إلى مسجد المدينة، والمسجد الأقصى، مع أنهما سفران مشروعان مستحبان بنص الرسول (١) ﷺ واتفاق الأئمة، فأن لا يوجبونه إذا نذر السفر لزيارة القبر بطريق الأولى، /٣٧ب/ فإن أصل أبي حنيفة أنه لا يجب بالنذر إلا ما كان (٢) جنسه واجبًا بالشرع، والسفر إلى مسجد المدينة، والأقصى، ليس من جنسه ما هو واجب بالشرع.

стр. 83

لكن مالك، وأحمد، ومن وافقهما كالشافعي في أحد قوليه، لما كانوا يوجبون الوفاء بنذر كل طاعة، سواء كان من جنسها ما هو واجب بالشرع، أو لم يكن، فمن نذر السفر إلى مسجد الرسول مقصوده الصلاة فيه، فعليه أن يوفي بنذره، ومن نذر السفر إلى المدينة، فهذا مجمل، قد يكون مقصوده الصلاة في مسجده، وقد يكون مقصوده زيارة أهل البقيع، أو شهداء أحد، أو زيارة مسجد قباء، أو بعض المزارات، أو مجرد زيارة قبر النبي ﷺ ، فلهذا صرح هؤلاء بأنه لا يوفي بنذره، إلا إذا كان مقصوده الصلاة في مسجده، فمن قصد غير ذلك، من زيارة قبره، أو غير زيارة قبره، لم يوف بنذره. قالوا: لأن النبي ﷺ قال: «لَا تُعْمَلُ الْمَطِيُّ إِلَّا إَلَى ثَلَاثَةِ مَسَاجِدَ» وقال: «لَا تُشَدُّ الرِّحَالُ إِلَّا إِلَى ثَلَاثَةِ مَسَاجِدَ» وإعمال المطي إلى غير المساجد أولى بالنهي. فإذا كان مقصوده بإعمال المطي: زيارة (١) قبره، أو قبور أهل البقيع، أو شهداء أحد، أو مسجد قباء، فهو منهي عن هذا السفر، /٣٨أ/ وما كان منهيًّا عنه لم يكن قربة، فلا يجب بالنذر باتفاق المسلمين، لكن إذا نذر لله معصية: فهل عليه كفارة يمين؟ فيه قولان للعلماء مشهوران، وظاهر مذهب أحمد: أن عليه كفارة يمين، وكذلك مذهب أبي حنيفة، وطائفة من أصحاب الشافعي إذا قصد بالنذر اليمين، وظار مذهب الشافعي أنه لا شيء عليه، وهو مذهب مالك. وقوله ﷺ : «لَا تُشَدُّ الرِّحَالُ إِلَّا إِلَى ثَلَاثَةِ مَسَاجِدَ» أو «لَا تُعْمَلُ الْمَطِيُّ» هو نهي عن ذلك عند السلف، والعلماء المتقدمين، ما علمت بينهم نزاعًا أن هذا نهي عن السفر، وهو قول مالك، وأصحابه، والمتقدمين (٢) من أصحاب الشافعي، وأحمد، والصيغة نص في ذلك،

стр. 84

كما في قوله: ﴿لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا﴾ [البقرة: ٢٣٣] . وقوله: ﴿فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾ [البقرة: ١٩٧] ، وقوله: ﴿وَإِنْ (١) تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢٧٩] ، ونظائره كثيرة، كقوله: «لَا يَبِيعُ حَاضِرٌ لِبَادٍ» . ثم من الناس من يقول: أصل هذه الصيغة الخبر، لكن لما تعذر ذلك فيها؛ حُملت على النهي. ومنهم من يقول: بل النهي له صيغ متعددة، منها: صيغة: لا تفعل، بالجزم، لكن هذه يسميها النحاة: صيغة النهي، وأما: لا تفعل، بالرفع، فهذه لا تختص بالنهي، بل قد يراد بها النهي، وقد يراد بها غير النهي، وكذلك القولان في مثل قوله: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ﴾ [البقرة: ٢٣٣] . لكن الناس متفقون على أن مثل هذه الصيغة إذا لم تكن خبرًا كانت أمرًا ونهيًا، وقال /٣٨ب/ طائفة من متأخري أصحاب الشافعي، وأحمد: إن هذا ليس بنهي، بل هو نفي؛ لكونه مشروعًا، قالوا: وهذا يوجب أن يكون مباحًا، لا مستحبًّا، ولا مكروهًا، ولا محرمًا، ولهذا بنى هؤلاء على هذا: أنه إذا سافر إلى غير الثلاثة قصر الصلاة؛ لأنه مباح. وهكذا قال طائفة من أصحاب مالك، كابن عبد البرّ، وابن بطال، قالوا: الحديث محمول على أنه لا يجب بالنذر إلا هذه الثلاثة، فلو نذر شيئًا لم يجب، وهذه الثلاثة تجب بالنذر، وإن كان المسجدان مستحبين، فاقتضى الحديث عندهم: أن المستحب يجب بالنذر، وغير

стр. 85

الثلاثة: لا تجب بالنذر، فلا يكون مستحبًّا، هذا معنى الحديث عندهم. وأما أولئك الذين يقولون إنه منهي عنه، فمن قال: إن السفر المنهي عنه لا تقصر الصلاة فيه، فإنه لا تقصر الصلاة في مثل هذا، كما صرح بذلك من صرح به منهم، مثل ابن عقيل، وغيره، وكل من يوافقه على الأصلين يوفقه على ذلك، فأصحاب مالك، والشافعي، الذين يوافقونه على أن هذا محرم، وعلى أن المحرم لا تقصر فيه الصلاة، يوافقونه على أنه لا تقصر فيه الصلاة. والصحيح قول السلف والجمهور، وأن هذا نهي منه ﷺ وذلك أن الصيغة صيغة خبر، وقد علم أنه لم يرد /٣٩أ/ صيغة الخبر (١) ، فتعين أن يحمل على النهي، هذا إذا روي بصيغة الخبر، «لَا تُشَدُّ» بالضم، وأما إذا روي بصيغة النهي: «لَا تَشُدِّ الرِّحَالَ» ، و «لَا تُعْمِلِ الْمَطِيَّ» لم يبق فيه شبهة، وهذا كقوله: ﴿لَا تُضَارُّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا﴾ [البقر: ٢٣٣] على قراءة من قرأ بالرفع عطفًا على قوله: ﴿لَا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٣٣] فإن هذه صيغة خبر، ومعناه النهي، كقراءة من قرأ: ﴿لَا تُضَارَّ﴾ بفتح الراء، فإن هذا نهي، لكنه فتح الراء لالتقاء الساكنين، كما في قوله: ﴿وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ﴾ [البقرة: ٢٨٢] وفي قوله: ﴿مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ﴾ [المائدة: ٥٤] . وفي الآية الأخرى: ﴿وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ﴾ [البقرة: ٢١٧] وكذلك قوله: ﴿فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾ [البقرة: ١٩٧] أي: لا تجادلوا (٢) في الحج، وقول من قال: لم ينه عن ذلك، وإنما نفى استحبابه؛ غلط من وجوه: منها: أن يقال: معلوم أن من سافر إلى مسجد غير الثلاثة، أو بقعة معظمة، فإنما يفع ذلك متقربًا به، ولا يفعله على أنه مباح مستوي

стр. 86

الطرفين، فإذا كان هذا عند صاحب الشرع ليس بمستحب، كما قد ذكرتم أنه أراده، لزم أن من فعله معتقدًا أنه مستحب، يطلب فيه الأجر، مخالف عاصٍ لصاحب الشرع، وهو منهي عن السفر بهذه النية، فقولكم متناقض حيث قلتم: إنه نفى الاستحباب، ولم ينه عنه، مع أن الذين يفعلونه، يفعلونه لأنه مستحب عندهم، وهم ينهون عن هذا، /٣٩ب/ فإن الرسول إذا قال إنه غير مستحب، كان قد نهى أمته أن يظنوا أنه مستحب، أو يعملوه على أنه مستحب، فإذا كانوا لا يفعلونه إلا لأنه مستحب عندهم، وقد نهاهم عن هذا، فقد نهاهم عن فعله. فإذا قلتم: لم ينههم مع ذلك، جمعتم بين النقيضين، فحقيقة قولكم: إنه نهاهم وهو لم ينههم. ولهذا كان الذين ينازعون هؤلاء يحتجون عليهم بما سلموه من أنه ليس بمستحب، والذين يفعلونه إنما يفعلونه لأنه مستحب، فيجعلون قولهم: إنه غير منهي عنه، يقتضي أنه مستحب، لكن القول باستحبابه إلزام لهم، ونفي استحبابه نص قولهم، ولازم المذهب ليس بمذهب، لكن إذا كان فاسدًا دلّ على فساد المذهب، فلما كان قولهم يستلزم الاستحباب، مع أنهم نفوا الاستحباب، ولا بد لهم من ذلك وإلا عطلوا النص؛ كان قولهم متناقضًا. ومنها: أن صيغة النفي، إذا لم يُرد بها النفي، كانت نهيًا، هذا هو المعهود في الخطاب، كما أن صيغة الخبر إذا لم يُرد بها الخبر كانت أمرًا، كقوله: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ﴾ [البقرة: ٢٢٨] . ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ [البقرة: ٢٣٤] أما كون صيغة النفي يراد بها الإباحة، ونفي الاستحباب، فهذا غير معلوم في خطاب الشارع، فالحمل عليه حمل لكلامه على غير لغته المعروفة، ولسانه الذي خاطب به الناس.

стр. 87

/٤٠أ/ ومنها: أن هذا القول محدث لم يقله أحد من سلف المسلمين وأئمتهم. ومنها: أن السفر إلى غير الثلاثة إذا كان مباحًا مستوي الطرفين مع أن أصحابه يتخذونه قربة وطاعة، فإما أن يقال: إنهم يثابون، أو لا يثابون، فإن قيل: إنهم يثابون، فالمباح الذي ليس بمستحب لا ثواب فيه، وأيضًا فتلك مخالفة محضة للحديث، وإن قيل: إنهم لا يثابون مع أنهم لم يسافروا لمصلحة دنيوية، فقد سافروا سفرًا لا ينفعهم في دينهم ولا دنياهم، وهم يعتقدون أنهم يثابون، ويؤجرون، ومثل هذا لا يكون إلا منهيًّا عنه، لا يكون مباحًا مستوي الطرفين. ومنها: أن السفر إلى البقاع المعظمة هو من جنس الحج، ولهذا يسمونها: حجًّا، ويسمون أعمالها: مناسك، ويسمون الكتب المصنفة في ذلك: مناسك حج المشاهد، ويقول بعض الناس: وحق النبي الذي تحج إليه المطايا. ولكلّ أمة بقاع يعظمونها، يحجون (١) إليها، وكانوا في الجاهلية يحجون إلى بيوت الأصنام، وفي حديث أمية بن أبي الصلت لما اجتمع بالراهب، وأخبره أنه سوف يبعث نبي من العرب، فطمع أن يكون هو إياه، فقال له الراهب: إنه من أهل بيت تحجّه العرب، قال: فقلت له: ونحن معشر ثقيف فينا بيت تحجه العرب، قال: إنه ليس منكم، إنه من إخوانكم /٤٠ب/ من قريش. فقال (٢) : فينا بيت تحجه العرب؛ وهو اللات المذكور في القرآن في قوله: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى﴾ [النجم: ١٩] وكانوا يسمونها: الربة، وقرأ طائفة من السلف: اللاتّ، بالتشديد، وقال طائفة من السلف: إنه كان يلت السويق للحجاج، فلما مات عكفوا على قبره.

стр. 88

وأهل الكتاب يحجّون إلى كنائسهم، ومنه قيل في قصة الفيل: إن صاحب الفيل أبرهة بنى كنيسة وأراد أن يصرف حجّ العرب إليها، فأحدث فيها بعض العرب، فجعل السفر إلى الكنيسة حجًّا كالسفر إلى الكعبة. والمقصود أنهم كانوا يسمّون السفر إلى مثل هذا: حجًّا، إذ الحج في اللغة هو القصد إلى معظَّم، كما قال: وأشهد من عوف حلولًا كثيرة ... يحجون سِبَّ الزبرقان المزعفرا ومشركو الهند يحجون إلى السمناة، والنصارى يحجون إلى بيت لحم والقمامة، وإنما يقصدون المكان الذي ولد فيه المسيح، والمكان الذي صلب فيه، فإنما عظموا تلك البقعة لأجل المخلوق.

стр. 89

وهكذا الذين يسافرون لزيارة المقابر، والمشاهد التي يعظمونها هي عندهم مثل الحج، بل أعظم من الحج، ويسمونها الحج الأكبر، ويرون أن مرة واحدة منها أفضل من حجات إلى مكة، ويدعون عندها، ويتضرعون، ويخشعون، كما يفعله المسلمون في بيوت الله، ومشاعره، أو أعظم من ذلك، أو دون ذلك، كما كان المشركون يعظمون آلهتهم مثلما يعظمون الله، وقد يفضلونها على الله، /٤١أ/ كما قال تعالى: ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعَامِ نَصِيبًا فَقَالُوا هَذَا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهَذَا لِشُرَكَائِنَا فَمَا كَانَ لِشُرَكَائِهِمْ فَلَا يَصِلُ إِلَى اللَّهِ وَمَا كَانَ لِلَّهِ فَهُوَ يَصِلُ إِلَى شُرَكَائِهِمْ﴾ [الأنعام: ١٣٦] ، وقال تعالى: ﴿وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [الأنعام: ١٠٨] . ومثل هؤلاء موجودون في زماننا، يكون شيخ أحدهم في صدره أعظم من الله، بحيث يسب الله ويشتمه إذا فعل بشيخه مكروهًا، كما جرى مثل هذا لطائفة بعد طائفة، ومن سب شيخه حاربه، ومن سب الله سالمه، ويحلف بالله ويكذب، ولا يستجرئ (١) أن يكذب إذا حلف بشيخه. وإذا كان السفر إلى البقاع المعظمة من جنس الحج فالرسول ﷺ نهى أن نسافر سفرًا يشبه الحج إلا إلى هذه المساجد، فالمسجد الحرام يكون السفر إليه واجبًا تارة، ومستحبًّا أخرى، والمسجدان الآخران يستحب السفر إليهما، فهذا هو المشروع من هذا الجنس، وما سوى ذلك غير مشروع، وما كان حجًّا غير مشروع فلا يكون إلا محرمًا، كالحجّ إلى بيت لحم، والقمامة، وسمناة، وغير ذلك. فإن قيل: هذه أوثان. قيل: والقبور قد اتخذت أوثانًا، وأصل الشرك

стр. 90

هو من تعظيم القبور، وقد قال ﷺ : «اللَّهُمَّ لَا تَجْعَلْ قَبْرِي وَثَنًا يُعْبَدُ» وقد استجاب الله دعاءه، فلم يُتخذ - ولله الحمد - قبره وثنًا يعبد، ولا يمكن أن يفعل عنده ما هو دون هذا وذريعة إليه /٤١ب/ مما نهى عنه، فلا يستطيع أحد أن يفعل عند قبره منكرًا، ولا يزوره الزيارة المشروعة في غيره، بل قد منعوا من ذلك سدًّا للذريعة، وإنّما يمكن الوصول إلى مسجده. وقد يظنّ الظّانُّ أن ما يفعل في المسجد هو عند قبره، وهو غلط، المسجد مسجد قبل قبره، وليس شيء من المسجد من بيته، ولا من قبره، فلا يستطيع أحد أن يفعل هناك خيرًا، أو شرًّا، إلا في مسجده، وأما في بيته فلا يستطيع أحد أن يفعل فيها (لا) (١) خيرًا، ولا شرًّا، ولكن يتوهم أكثرهم أن هذا زيارة لقبره، وإنما زار مسجده، لم يزر قبره، ولا فعل هناك شيئًا (٢) يختص بالقبور، بل لم يفعل هناك إلا ما يمكن فعله في غير القبور. ومن توهم أن الذي فعله.. فعله عند قبره؛ فهو غالط، وقيل له: ما الحدّ الفاصل بين قبره وغير قبره؟ أترى من فعل في الجانب الغربي من المسجد شيئًا، فهو أيضًا عند قبره؟ فإن قال: نعم، كان كل من صلّى في المسجد صلى عند القبر، وهو قد نهى عن اتخاذ القبور مساجد، وإن قال: لا، قيل له: فقبره وسط المسجد، فإن حدّ حدًّا بذراع، أو باع، أو رمح؛ كان متحكمًا، فعلم أنه ليس أحد ينهى في المسجد عند قبره، ولا زار أحد منهم قبره، ولا وصل إلى قبره. ولهذا لم يكن أحد من السلف يطلق على شيء من ذلك أنه زيارة لقبره، وقد كره كثير من العلماء أن يقال: زرنا قبره، ولا ريب /٤٢أ/ أن هذا باطل، لم يزر قبره أحد قط، ولكن الذين أطلقوا ذلك أرادوا به الدّخول إلى المسجد بحيث يكون قريبًا من قبره، ولم يذكروا في ذلك حدًّا

стр. 91

فاصلاً، كما قد بسط الكلام عليهم في غير هذا الموضع. فالحمد لله الذي حفظ قبره عن أن يتخذ مسجدًا، أو وثنًا، أو عيدًا، ولم يمكن أحدًا أن يدخل إلى قبره بالكلية، بل سدّ هذا الباب، وأما غيره فقد يتخذ قبره مسجدًا، ويتخذ وثنًا، وليس على الأنبياء والصالحين الذين فعل ذلك بغير رضاهم درك، فإنهم يكرهون ذلك، ويتأذون بما يفعل عندهم، وهذا كما أن من عبد المسيح وغيره لا إثم عليه بما فعله به غيره بغير إذنه. لكن كان أهل الكتاب قبلنا يتخذون قبور الأنبياء والصالحين مساجد، كما أخبر بذلك النبي ﷺ ، ونبيّنا عصمه الله أن يتخذ قبره مسجدًا، كما عصم أمته أن تجتمع على ضلالة، فإن الأمم قبلنا كانوا إذا ضلوا أرسل الله نبيًّا يبيّن ضلالهم، ومحمد (١) ﷺ خاتم الأنبياء لا نبي بعده فلو اتخذ قبره - والعياذ بالله - مسجدًا، وجعل وثنًا؛ لكان ذلك من أعظم ظهور الضلال والشرك في أمّته، وهي آخر الأمم، وقد عصمها الله أن تجتمع على ضلالة، ولهذا يوجد من هو دونه من أهل بيته، والمشايخ، عند قبره، أو قبر منسوب إليه، وهو كذب، من اتخاذه وثنًا ومسجدًا، ما لا يوجد عند قبر النبي ﷺ عصمة من الله، ورحمة، /٤٢ب/ وعناية، بمحمدٍ، وأمته، والمتبعين لسنته.

стр. 92

«فصل» فلمّا كان السفر إلى غير المساجد الثلاثة غير مشروع، وليس عند قبر غيره مسجد يشرع السفر إليه، كان السفر إلى قبر غيره، أو إلى مسجد عند قبر غيره، غير مشروع، بل منهيًّا عنه، ولم يكن في ذلك شبهة. هذا إذا قدر أن ذلك القبر صحيح، أما قبور الأنبياء، فقالت طائفة، منهم مالك بن أنس: لا يعرف قبر نبي، إلا قبر نبيّنا خاصة، وقال هؤلاء: لا يعرف قبر الخليل ولا غيره. وطائفة أخرى قد يعرفون بعض القبور كقبر الخليل ﵇، لكن من هؤلاء من يثبت أمورًا مكذوبة، مثل قبر نوح الذي بقرية الكرك بجبل لبنان، وغيره من القبور المضافة إلى الأنبياء، فإنها كذب بلا ريب، وإن كان قبر الخليل صحيحًا، وكذلك قبور غير الأنبياء كثير منها كذب، أو مختلف فيه، مثل ما يقال: إن بدمشق قبر أم سلمة، أو أم حبيبة، أو غيرهما من أزواج النبي ﷺ ، أو قبر أبي بن كعب، أو أويس القرني. وقد اتفق أهل العلم (١) على أن أزواج النبي ﷺ كلهن دُفنّ بالبقيع، إلا ميمونة، ولم يسافر منهن امرأة إلى غير الحج، إلا عائشة لما خرجت إلى البصرة، وأم حبيبة لم تقدم إلى الشام إلى أخيها معاوية، ولكن /٤٣أ/ كان بالشام امرأة من الأنصار يقال لها أم سلمة: أسماء بنت يزيد بن

стр. 93

السكن، وكان إذا حدث عنها شهر بن حوشب يقول: حدثتني أم سلمة، فيظنّ الجهال لاشتراك الاسم أنها زوج النبي ﷺ . وكذلك قبر خالد الذي عند حمص، قالوا إنما هو قبر خالد بن يزيد بن معاوية، وأما خالد بن الوليد فمات بالحجاز في خلافة عمر بن الخطاب، ولم يكن بحمص، ومثل هذا كثير. وذلك أن معرفة هذه القبور لم تكن من الدين، فإن أصحابها يترحم عليهم، ويدعى (١) لهم إذا ذُكروا، وإن لم تعرف قبورهم، والذين يقصدون قبورهم، إنما يقصدونها للشرك، واتخاذها مساجد، وأوثانًا، فلا يقصدونها لما أمر الله به ورسوله، بل لما نهي عنه، فلذلك عمَّى الله أخبارها، فلا يكاد يصح منها إلا ما شاء الله. ومن أشهرها قبر علي بن أبي طالب، ولا ريب عند أهل العلم أنه ليس بقبر علي، وإنما دُفن عليٌّ في قصر الإمارة بالكوفة، ودُفن معاوية بقصر الإمارة بدمشق، ومعاوية الذي دُفن بمقبرة باب الصغير هو معاوية

стр. 94

ابن يزيد بن معاوية، ودُفن عمرو بن العاص بقصر الإمارة بمصر، لما تحالف الخوارج على قتل هؤلاء الثلاثة، فقتل ابن ملجم علي (١) بن أبي طالب، وجرح صاحب معاوية معاوية (٢) ، وبرئ من جرحه، وصاحب عمرو /٤٣ب/ قتل خارجة بن حذافة، وكان قد استخلفه عمرو في الصلاة، وقال: أردت عَمْرًا (٣) وأراد الله خارجة، فدُفن الثلاثة في قصر الإمارة؛ لئلا ينبشهم الخوارج، وبسط هذا له موضع آخر. والمقصورد هنا أن السفر لما كان غير مشروع إلى غير المساجد الثلاثة، كان السفر إلى مشهد، أو مسجد غير الثلاثة، غير مشروع بلا شبهة، وأما نبيّنا ﷺ فإن السفر مشروع إلى مسجده، والحجرة التي دُفن فيها كانت بجنب مسجده إلى زمن الوليد بن عبد الملك، فلما كان في زمنه أمر بأن تشترى الحجر وكانت شرقي (٤) المسجد وقبليه، فأمر أن تشترى وتزاد في المسجد، وكان نائبه على المدينة ابن عمه عمر بن عبد العزيز، فتولى عمارة المسجد، وبنى على الحجرة جدارًا وجعله مسنمًا محرفًا؛ لئلا يصلي أحد إلى الحجرة؛ لما ثبت في صحيح مسلم عن النبي ﷺ

стр. 95

أنه قال: «لَا تَجْلِسُوا عَلَى الْقُبُورِ، وَلَا تُصَلُّوا إِلَيْهَا» . فلما كان السفر إلى مسجده مشروعًا، مستحبًّا، وقبره قد صار في مسجده، صار في زيارة قبره من الاشتباه ما ليس في قبر غيره، فلهذا كره مالك وغيره أن يقال: زرت قبره؛ لئلا يظنّ أن السفر إلى هناك لأجل زيارة قبره، ولهذا ظهر الفرق بين السفر إلى مدينته، والسفر إلى غيرها، فالسفر إليها للصلاة في مسجده مستحب، والسلام /٤٤أ/ عليه حينئذ حسن، يسلّم عليه في مسجده، ويصلي عليه إمّا مستقبل القبلة، وإمّا مستقبل الحجرة، كما فعل ذلك من فعله من الصحابة. وليس كذلك قبر غيره، فإنه لا يشرع السفر إلى المدينة التي هو بها بحال، إذ ليس فيها مسجد من المساجد الثلاثة، فالمسافر إلى تلك المدائن لزيارة مسجد، أو قبر، ظالم لنفسه، مخالف للشرع، بخلاف المسافر إلى مدينة النبي ﷺ ، فإنه مطيع لربّه، متقرّب إليه، متبع للشريعة، ثم يفصل بين المشروع وغير المشروع، كما أن زيارة القبور التي في البلد مشروعة ثم تنقسم زيارتها إلى مشروعة وغير مشروعة (١) ، بخلاف السفر إلى مشهد، أو مسجد غير الثلاثة، فإنه كلّه غير مشروع، ولا تقسيم (٢) (فيه) (٣) . ولهذا تنازع الفقهاء المتأخرون من أصحاب أحمد وغيرهم في قصر الصلاة في السفر إلى القبور، على أربعة أوجه: قيل: لا تقصر بحال، وقيل: تقصر بكل حال، وقيل: لا تقصر إلا في السفر إلى قبر نبيّنا. وقيل: يقصر فيه، وفي السفر إلى سائر الأنبياء، وهذا قول قاله بعض الشيوخ الذين أدركناهم، وظن أن النبي ﷺ استثني لكونه نبيًّا، فعدّى ذلك إلى غيره، وليس كذلك، وإنما استثني؛ لأن السفر إلى مدينته سفر

стр. 96

إلى مسجده، وذلك سفر مشروع تقصر فيه الصلاة، أو جعل ذلك من /٤٤ب/ (جعل من) (١) خصائص النبي ﷺ ، كما قيل [في] (٢) الحلف به، فعن أحمد رواية أنه تنعقد اليمين به، اختارها كثير من أصحابه كالقاضي أبي يعلى وغيره، وعدّى ابن عقيل ذلك إلى سائر الأنبياء. لكن الصواب الذي عليه جمهور العلماء، مالك، وأبو حنيفة، والشافعي، وغيرهم: هو الرواية الأخرى، أنه لا تنعقد اليمين بمخلوق، لا النبي، ولا غير النبي، فقد يكون من استثنى من السفر إلى المقابر: السفر إلى قبر نبيّنا، سلك هذا المسلك. وكذلك ما ذكره ابن كج من أصحاب الشافعي، فإنه قال: إذا نذر أن يزور قبر النبي ﷺ فعندي أنه يلزمه الوفاء، وجهًا واحدًا، ولو نذر أن يزور قبر غيره فوجهان، نقله صاحب الروضة، ولكن الصواب أن الاستثناء إنما هو لأن السفر إلى مسجده مشروع تقصر فيه الصلاة باتفاق المسلمين. والعلماء المصنّفون في المناسك يذكرون السفر إلى مسجده، والصلاة فيه، ويذكرون مع ذلك زيارة قبر النبي ﷺ (والسلام عليه) (٣) ، على الوجه المشروع، ومنهم من يقول أشياء باجتهاده، أو لما ظنّه صحيحًا من الأحاديث، والحكايات، وإن كان ذلك لا أصل له، لكن جميع العلماء متفقون على أنه يستحب لمن أتى المدينة أن يصلي في مسجده، ويسلّم عليه، لم يقل أحد من العلماء أنه يستحب السفر لمجرد زيارة قبره،

стр. 97

والرجوع بلا صلاة في مسجده، فهذا لم يقله أحد من العلماء، وعامة الحجاج لا بد أن يصلوا في مسجده، /٤٥أ/ ثم يسلموا عليه. فهذا فرق بين هذا السفر إلى بلده وبين السفر إلى سائر المدائن غير مدينته، فهذا مشروع في الجملة بالنص والإجماع، بخلاف السفر إلى مدينة غيره، لكن من كان عالمًا بالشريعة إنما يقصد السفر إلى مسجده، وهؤلاء الذين لا يسافرون إلى قبر أحد، ولا يدعون إلا الله، وإذا زاروا القبور زاروها على الوجه المشروع، فيقصدون الدعاء للموتى، كما يقصدون بالصلاة على جنائزهم، فمقصودهم عبادة الخالق والدعاء للمخلوق، وأهل الجهل مقصودهم الشرك بالخالق، وظلم أنفسهم، وظلم المخلوق. فالزيارة الشرعية فيها القيام بحق الخالق تعالى، وبحق المزور، وبحق الإنسان نفسه، ففيها توحيد الله، وهو حقه، كما في الصحيحين أن النبي ﷺ قال لمعاذ: «أَتَدْرِي مَا حَقُّ اللَّهِ عَلَى عِبَادِهِ؟» قَالَ: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ: «حَقُّهُ عَلَيْهِمْ أَنْ يَعْبُدُوهُ لَا (١) يُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا، أَتَدْرِي مَا حَقُّ الْعِبَادِ عَلَى اللَّهِ إِذَا فَعَلُوا ذَلِكَ؟» قَالَ: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ: «حَقُّهُمْ عَلَيْهِ أَنْ لَا يُعَذِّبَهُمْ» . وحق المزور: الدعاء له، كالصلاة على جنازته، وذلك سبب لزيادة الرحمة، والإحسان، والرضوان، والزائر يحصل له من الأجر والثواب على عبادة الله والإحسان إلى عباده ما يستحقه لقيامه بحق الله وحق خلقه. وأما الزيارة البدعية ففيها ظلم الإنسان نفسه، وظلم المزور، والظلم في حق الله، فـ ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ ، /٤٥ب/ والمزور لا ينتفع بها بل يتأذى، ويتضرر، فإن سؤاله ما لم يؤمر بطلبه منه، لا سيما مع رفع الأصوات عنده،

стр. 98

والشرك به، مما يؤذيه، وهذا معروف بالأدلة الشرعية، وبكشوفات أهل البصائر، مما لا يتسع هذا الموضع لذكره، وأما الزائر فإنه ظلم نفسه بتفريطه في حق الله، وحق عباده، وتعديه حدود الله، والشرك بالخالق، وظلم المخلوق. ثم الزيارة الشرعية هي من الصراط المستقيم، الذي بعث الله به رسوله، وهو واحد، وأما الزيارات البدعيّة فهي أنواع مختلفة من جنس سبل الشيطان، قال عبد الله بن مسعود: خَطَّ لَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ خَطًّا، وَخَطَّ خُطُوطًا عَنْ يَمِينِهِ وَشِمَالِهِ فَقَالَ: «هَذَا سَبِيلُ اللَّهِ، وَهَذِهِ سُبُلٌ، عَلَى كُلِّ سَبِيلٍ مِنْهَا شَيْطَانٌ يَدْعُو إِلَيْهِ» ثُمَّ قَرَأَ: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ [الأنعام: ١٥٣] . ولهذا كان المتبعون لشرعته وسنته - وهو سبيل الله - متفقين، وأما أهل السبل الشيطانية فمتفرقون، كما قال تعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ • مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ • مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ [الروم: ٣٠-٣٢] . وهكذا أهل /٤٦أ/ الزيارات البدعية، منهم من يطلب من المزور دعاءه وسؤاله لربه، واستغفاره، واستنصاره، ودعاءه له بالرزق، وشفاعته، ونحو ذلك، وهذا وإن كان قد ذكر بعضه طائفة من العلماء، وجعلوا قوله: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا

стр. 99

اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا﴾ [النساء: ٦٤] يتناول من يأتيه بعد الموت، فيطلب منه الاستغفار له، كما كان أصحابه يطلبون منه الاستغفار في حياته، وذكروا في ذلك حكاية لبعض الأعراب، ومنامًا (١) رآه العتبي، وقيل: بل رآه محمد بن حرب الهلالي، وهم مختلفون في الشعر المذكور فيها، فجمهور الأئمة لم يستحبوا ذلك، وإنما ذكره بعض أصحابهم، ولم يكن الصحابة يفعلون مثل هذا، ولا هو أيضًا معروف عن التابعين، ومعلوم أن كل واحد من المسلمين يطلب مغفرة الله، وهو مأمور بالاستغفار، فإنه لا يغفر الذنوب إلا الله، قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [آل عمران: ١٣٥] . وفي حديث الاستفتاح الذي في الصحيح عن علي بن أبي طالب عن النبي ﷺ : «اللَّهُمَّ أَنْتَ رَبِّي وَأَنَا عَبْدُكَ، ظَلَمْتُ نَفْسِي، وَاعْتَرَفْتُ بِذَنْبِي، فَاغْفِرْ لِي، فَإِنَّهُ لَا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا أَنْتَ، /٤٦ب/ وَاهْدِنِي لِأَحْسَنِ الْأَخْلَاقِ، فَإِنَّهُ لَا يَهْدِي لِأَحْسَنِهَا إِلَّا أَنْتَ، وَاصْرِفْ عَنِّي سَيِّئَهَا، فَإِنَّه لَا يَصْرِفُ عَنِّي

стр. 100

سَيِّئَهَا إِلَّا أَنْتَ» . وفي حديث ركوب الدابة الذي رواه أهل السنن عن علي بن أبي طالب أيضًا، عن النبي ﷺ أنه كان إذا أُتي بدابة ليركبها إذا وضع رجله في الركاب قال: «بِسْمِ اللَّهِ» ثم إذا استوى على ظهرها قال: «الْحَمْدُ لِلَّهِ» ثلاثًا. ثم يقول: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ • وَإِنَّا إِلَى رَبِّنَا لَمُنْقَلِبُونَ﴾ [الزخرف: ١٣-١٤] ثم يكبر ثلاثًا، ويحمد الله ثلاثًا، ثم يقول: «لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ، سُبْحَانَكَ، ظَلَمْتُ نَفْسِي، فَاغْفِرْ لِي، فَإِنَّهُ لَا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا أَنْتَ» ثم يضحك ويقول: «أَلَا تَسْأَلُونِي مِمَّ ضَحِكْتُ؟ إِنَّ الرَّبَّ لَيَعْجَبُ إِذَا قَالَ عَبْدُهُ: اغْفِرْ لِي، فَإِنَّهُ لَا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا أَنْتَ، يَقُولُ: عَلِمَ عَبْدِي أَنَّهُ لَا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا أَنَا» . وكان أصحابه في حياته يأتيه أحدهم فيطلب منه أن يستغفر له كثيرًا، وقد قال تعالى في المنافقين: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللَّهِ لَوَّوْا رُءُوسَهُمْ وَرَأَيْتَهُمْ يَصُدُّونَ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ • سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ [المنافقون: ٥-٦] . وقد قال تعالى في حق [غير] (١) المنافقين: ﴿فَاعْفُ عَنْهُمْ /٤٧أ/ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ [آل عمران: ١٥٩] .

стр. 101

وقال تعالى: ﴿وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ [محمد: ١٩] ، وقال: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا﴾ [النساء: ٦٤] . والمؤمنون شرع لهم أن يستغفر بعضهم لبعض، وكان الصحابة أيضًا يستغفرون للرسول، ففي الحديث الصحيح أن الأنصار قالوا: يَغْفِرُ اللَّهُ لِرَسُولِ اللَّهِ، يُعْطِي صَنَادِيدَ نَجْدٍ وَيَدَعُنَا. وفي الحديث الآخر، أن عبد الله بن سَرْجس قال: غَفَرَ اللَّهُ لَكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ. فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «وَلَكَ» . فَقَالُوا: اسْتَغْفَرَ لَكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ . فَقَالَ: وَلَكُمْ، ثُمَّ قَرَأَ قَوْلَهُ: ﴿وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ [محمد: ١٩] . فلما مات لم يكن الصحابة (١) يأتون قبره فيقولون: استغفر لنا. كما كانوا يأتونه في حياته، وكذلك لما أجدبوا لم يأتوا إلى قبره فقالوا: ادع الله لنا. كما كانوا في حياته إذا أجدبوا أتوا إليه فقالوا: ادع الله لنا، بل كانوا هم يدعون الله، ويستسقون تارة بالعباس، وتارة بيزيد بن الأسود الجرشي، فيقولون له: ادع لنا، ويقولون: اللهم إنا نتوسل (٢) به،

стр. 102

أي بدعائه وشفاعته، وكثيرًا من الأوقات لا يستسقون الله بأحد، بل يدعون الله تعالى. وكذلك في الاستنصار، كانوا في حياته يقولون: يا رسول الله، ألا تدعو لنا، ألا تستنصر لنا؟ وأما بعد موته فلم يكونوا يفعلون ذلك، بل كانوا هم يدعون الله تعالى، ويستنصرونه، يقتدون (١) به، وكان عمر لما غزا النصارى يقنت عليهم في الصلاة، كما كان النبي ﷺ يقنت على الكفار، وكان عمر يدعو بدعاء يناسب ذلك فيقول: اللهم عذب /٤٧ب/ كفرة أهل الكتاب، الذين يصدون عن سبيلك، ويبدلون دينك، ويكذبون رسولك. ونحو ذلك، كما كان النبي ﷺ يقنت يدعو للمؤمنين، ويلعن الكفار، ويدعو بدعاء يناسب ذلك مثل قوله: «اللَّهُمَّ نَجِّ (٢) الْوَلِيدَ بْنَ الْوَلِيدِ، وَسَلَمَةَ بْنَ هِشَامٍ، وَعَيَّاشَ بْنَ أَبِي رَبِيعَةَ، وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ

стр. 103

الْمُؤْمِنِينَ» ومثل قوله: «اللَّهُمَّ الْعَنْ رِعْلًا، وَذَكْوَانَ، وَعُصَيَّةَ» . وكذلك لما استسقى [عمر] (١) بالعباس قال: اللهم إنا كنا نتوسل إليك بنبيك فتسقينا، وإنا نتوسل إليك بعم نبيّنا فاسقنا، فيسقون. رواه البخاري في صحيحه. وكان توسلهم به في حياته توسلاً بدعائه، وشفاعته، واستسقائه لهم، فلما مات لم يطلبوا ذلك منه بعد موته، ولا قالوا: ادع لنا، بل توسلوا بدعاء العباس. فإن قيل: فقد روي أن رجلاً أتى إلى قبر النبي ﷺ عام الرمادة، فقال: يا رسول الله، هلكت أمتك، فادع الله لنا، فرأى النبي ﷺ في المنام وقال: ائت عمر فقل: عليك بالكيس، ومره أن يستسقي بالناس، واستسقى عمر فسقي الناس.

стр. 104

قيل: هذه الحكاية حجّة على المنازع، فإن هذا الرجل لما طلب منه، ما قال له: أنا أدعو لكم، بل أمرهم بما شرعه لهم، وسنه لهم، وهو أنهم يدعون الله، ويستسقون به. وفي الحكاية أنه قال /٤٨أ/ له: قل لعمر: عليك بالكيس، أي بالاستقامة، فلما قال لعمر قال: ما آلو جهدي. فهذا فيه أنه أمرهم بطاعة الله ورسوله وأمرهم بالاستسقاء، وهذا هو شرعه الذي شرعه لهم في حياته، فلم يأمرهم بعد الموت إلا بما أمرهم في حياته، وهذا الرجل الذي قال له: ادع لأمتك، مجهول، ما هو من المهاجرين، والأنصار، الذين يقتدى بهم، ويكفيك أنه لم يأت أحد منهم إلى قبره يطلب منه الدعاء إلا رجل مجهول، لا يُعرف، فأما المهاجرون والأنصار الذين هم أعلم الناس بدينه، وأتبعهم له، فلم يأت أحد إليه، ولم يطلب منه الدعاء، ثم هذا الطالب للدعاء لم يُعط طلبته (١) ، ولا قال: أنا أدعو لكم، بل قال: أطيعوا أمري، وادعوا أنتم الله يجيبكم. وهذا هو الحق الذي بعثه الله به، فإن سعادة الدنيا والآخرة في طاعته، واتباعه، والاقتداء به، وفعل ما أمر، وترك ما حظر، وموالاة أوليائه، ومعاداة أعدائه، وتحليل ما حلّل، وتحريم ما حرّم، وتصديقه في كل ما أخبر به عن الله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، وغير ذلك من أنباء

стр. 105

الغيب، بل هو الصادق المصدوق في كل ما يخبر به، وهو الذي لا ﴿يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى • إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ ، وقد استأذنه عبد الله بن عمرو في أن يكتب ما يسمع منه، وقال له بعض قريش: إن رسول الله /٤٨ب/ ﷺ يتكلم في الغضب والرضا، فقال: «اكْتُبْ فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ مَا خَرَجَ مِنْ بَيْنِهِمَا إِلَّا حَقٌّ (١) » . ولو كان قد شرع للمسلمين أن يطلبوا منه الاستغفار، والاستنصار، والاستسقاء، وغير ذلك من أنواع الأدعية، والرغبات، كما كانوا يطلبون ذلك منه في حياته، وكما يطلب منه الخلق يوم القيامة أن يشفع لهم، لكان أمره بذلك معروفًا، منقولاً عنه، كما نقل سائر ما أمرهم به، فإنه قد قال: «مَا تَرَكْتُ شَيْئًا يُقَرِّبُكُمْ إِلَى الْجَنَّةِ إِلَّا وَقَدْ حَدَّثْتُكُمْ بِهِ، وَلَا شَيْئًا يُبْعِدُكُمْ مِنَ النَّارِ إِلَّا وَقَدْ حَدَّثْتُكُمْ بِهِ (٢) » وقال: «تَرَكْتُكُمْ عَلَى الْبَيْضَاءِ لَيْلُهَا كَنَهَارِهَا لَا يَزِيغُ عَنْهَا بَعْدِي إِلَّا هَالِكٌ» .

стр. 106

وقال أبو ذر: لقد توفي رسول الله ﷺ وما طائر يقلب جناحيه في السماء إلا ذكر لنا (١) منه علمًا. فلو كان سنّ لهم أن يطلبوا منه الأدعية بعد موته لكان هذا معروفًا عندهم منقولاً عنه، ولكان أصحابه أعلم بذلك من غيرهم، وهم أطوع له، وأتبع لسنته، فكانوا بعد موته يأتون قبره فيطلبون منه أن يدعو لهم بالمغفرة، ويدعو لهم بالهداية، ويدعو لهم بالنصر، ويدعو لهم بالرزق، ويدعو لهم بقضاء الديون، ويدعو لهم بكشف الضُّر، وغير ذلك كما كان بعضهم /٤٩أ/ يطلب منه الدعاء في حياته، مع أن أجِلائهم كأبي بكر وأمثاله قد تعلموا منه أنهم لا يسألون إلا الله، ولا يدعون إلا الله، فكان الصديق يسقط السوط من يده فلا يقول لأحد: ناولني إياه، ويقول: إِنَّ خَلِيلِي أَمَرَنِي أَنْ لَا أَسْأَلَ النَّاسَ شَيْئًا. رواه أحمد في المسند. وقال النبي ﷺ لابن عباس: «إِذَا سَأَلْتَ فَاسْأَلِ اللَّهَ، وَإِذَا اسْتَعَنْتَ فَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ» . وفي صحيح مسلم عن عوف بن مالك: أَنَّهُ بَايَعَ رَهْطًا مِنْ أَصْحَابِهِ، وَأَسَرَّ إِلَيْهِمْ كَلِمَةً خَفِيَّةً: «أَنْ لَا (٢) تَسْأَلُوا النَّاسَ شَيْئًا» . قَالَ: فَلَقَدْ

стр. 107

رَأَيْتُ بَعْضَ أُولَئِكَ النَّفَرِ يَسْقُطُ السَّوْطُ مِنْ يَدِهِ فَلَا يَقُولُ لِأَحَدٍ: نَاوِلْنِي إِيَّاهُ. وقد ثبت في الحديث المتفق على صحته أنه قال: «يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مِنْ أُمَّتِي سَبْعُونَ أَلْفًا بِغَيْرِ حِسَابٍ؛ هُمُ الَّذِينَ لَا يَسْتَرْقُونَ، وَلَا يَكْتَوُونَ، وَلَا يَتَطَيَّرُونَ، وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ» . فهؤلاء لا يقولون لأحد: ارقنا، وقد كان جماعة يأتون إلى النبي ﷺ ويطلبون منه الرقية ويطلبون ذلك من بعض أصحابه، وهذا وإن كان جائزًا لكن أولئك لا يسألون إلا الله، فدرجتهم أعلى، وأما بعد موته، فلم يكن الصحابة يطلبون منه ما كانوا يطلبون منه في حياته، لا من دعاء، ولا من غير دعاء البتة، ولا كان السلف في القرون الثلاثة يأتون إلى قبر أحدٍ من الأنبياء، والصالحين، يطلبون منه حاجة، ولا دعاء، ولا غيره، ولا يسافرون إلى قبره، بل إذا /٤٩ب/ زاروا قبور المؤمنين كان مقصودهم الدعاء لهم كالصلاة على جنائزهم، لا دعاؤهم، ولا الدعاء بهم. فتبين أن قول جمهور العلماء الذين لا يستحبون أن يطلب منه بعد موته استغفار، ولا غيره، هو المشروع الذي كان عليه الصحابة. وأيضًا فلو شرع أن يطلب من الميت الدعاء، والشفاعة، كما كان يطلب منه في حياته؛ كان ذلك مشروعًا في حق الأنبياء، والصالحين، فكان يسنّ أن يأتي الرجل قبر الرجل الصالح، نبيًّا كان، أو غيره، فيقول

стр. 108

ادع لي بالمغفرة، والنصر، والهدى، والرزق، اشفع لي إلى ربك، فيتخذ الرجل الصالح شفيعًا بعد الموت، كما يفعل ذلك النصارى، وكما تفعل كثير من مبتدعة المسلمين، وإذا جاز طلب هذا منه، جاز أن يطلب ذلك من الملائكة، فيقال: يا جبريل، يا ميكائيل، اشفع لنا إلى ربك، ادع لنا. ومعلوم أن هذا ليس من دين المسلمين، ولا دين أحد من الرسل، لم يسنّ أحد من الأنبياء للخلق أن يطلبوا من الصالحين الموتى، والغائبين، والملائكة، دعاء، ولا شفاعة، بل هذا أصل الشرك، فإن المشركين إنما اتخذوهم شفعاء، قال تعالى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ /٥٠أ/ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ﴾ [يونس: ١٨] . وقال: ﴿وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ مَا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاءُ لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنْكُمْ مَا كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ [الأنعام: ٩٤] . وقال تعالى: ﴿وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى﴾ [النجم: ٢٦] . وقال تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ • وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ [سبأ: ٢٢-٢٣] . وقال: ﴿وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلَا شَفِيعٌ﴾ [الأنعام: ٥١] .

стр. 109

وقال: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ مَا لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا شَفِيعٍ﴾ (١) [السجدة: ٤] . وقال: ﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مَا مِنْ شَفِيعٍ إِلَّا مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ﴾ [يونس: ٣] . فهذه الشفاعة التي كان (٢) المشركون يثبتونها أبطلها القرآن في غير موضع، وهي كشفاعة المخلوق عند المخلوق بغير إذنه، فإن هذا الشافع شريك للمشفوع إليه، فإنه طلب منه ما لم يكن يريد أن يفعله، فيحتاج لقضاء /٥٠ب/ حق (٣) الشفيع أن يفعله، فالشفيع بغير إذن المشفوع إليه شريك له، والله تعالى لا شريك له، ولهذا قال: ﴿لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة: ٢٥٥] . فلو شفع أحد بغير إذنه شفاعة نافعة مقبولة كان شريكًا له، وهو سبحانه لا يشفع عنده أحد إلا بإذنه، وهذا من وجهين: أحدهما: أنه هو الذي يخلق أفعال العباد، فلا يفعل أحد شيئًا إلا بمشيئته. والثاني: وهو المقصود: أن الملائكة، والأنبياء، لا يشفعون عنده إلا بإذنه، فلا تكون شفاعتهم مقبولة نافعة إلا إذا كانت بإذنه، وما وقع بغير إذنه لم يقبل، ولم ينفع، وإن كان الشفيع عظيمًا، فالكفار، والمنافقون، لا يغفر لهم ولو استغفرت لهم الأنبياء، كما في قصة آزر أبي الخليل، وفي

стр. 110

قصة الاستغفار للمنافقين، وفي دعاء نوح لابنه، وقد ثبت في الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال: «اسْتَأْذَنْتُ رَبِّي فِي أَنْ أَسْتَغْفِرَ لِأُمِّي فَلَمْ يَأْذَنْ لِي، وَاسْتَأْذَنْتُهُ فِي أَنْ أَزُورَ قَبْرَهَا فَأَذِنَ لِي، فَزُورُوا الْقُبُورَ فَإِنَّهَا تُذَكِّرُكُمُ الْآخِرَةَ» . ومعلوم أن محمدًا ﷺ أفضل الشفعاء، وسيد ولد آدم، وأكرم الخلق على ربه، وأعظمهم جاهًا عنده في الدنيا والآخرة، وهو صاحب لواء الحمد، آدم فمن دونه تحت لوائه يوم القيامة، وهو صاحب المقام المحمود؛ وهو الشفاعة التي يرغب إليه فيها الأولون والآخرون. /٥١أ/ ففي الصحيحين من حديث أنس قال: حدثنا محمد ﷺ قال: «إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ مَاجَ النَّاسُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ، فَيَأْتُونَ آدَمَ، فَيَقُولُونَ: اشْفَعْ لِذُرِّيَّتِكَ، فَيَقُولُ: لَسْتُ لَهَا، وَلَكِنْ عَلَيْكُمْ بِنُوحٍ (١) ، فَيَأْتُونَ نُوحًا فَيَقُولُ: لَسْتُ لَهَا، وَلَكِنْ عَلَيْكُمْ بِمُوسَى، فَإِنَّهُ كَلِيمُ اللَّهِ، فَيَأْتُونَ (٢) مُوسَى، فَيَقُولُ: لَسْتُ لَهَا، وَلَكِنْ عَلَيْكُمْ بِعِيسَى، فَإِنَّهُ رُوحُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ، فَيَأْتُونَ (٣) عِيسَى، فَيَقُولُ: لَسْتُ لَهَا، وَلَكِنْ عَلَيْكُمْ بِمُحَمَّدٍ، فَيَأْتُونِي فَأَقُولُ: أَنَا لَهَا، فَأَنْطَلِقُ، فَأَسْتَأْذِنُ عَلَى رَبِّي، فَيُؤْذَنُ لِي، فَأَقُومُ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَأَحْمَدُهُ بِمَحَامِدَ لَا أَقْدِرُ عَلَيْهَا الْآنَ، يُلْهِمُنِيهَا اللَّهُ، ثُمَّ أَخِرُّ سَاجِدًا، فَيَقُولُ: يَا مُحَمَّدُ، ارْفَعْ رَأْسَكَ، وَقُلْ يُسْمَعْ، وَسَلْ تُعْطَهْ، وَاشْفَعْ تُشَفَّعْ، فَأَقُولُ: يَا رَبِّ أُمَّتِي أُمَّتِي، فَيُقَالُ: انْطَلِقْ فَمَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ حَبَّةٍ مِنْ بُرَّةٍ أَوْ شَعِيرَةٍ مِنْ إِيمَانٍ فَأَخْرِجْهُ مِنْهَا، فَأَنْطَلِقُ، فَأَفْعَلُ، ثُمَّ أَرْجِعُ إِلَى رَبِّي فَأَحْمَدُهُ بِتِلْكَ الْمَحَامِدِ، ثُمَّ أَخِرُّ لَهُ سَاجِدًا، فَيَقُولُ لِي: يَا مُحَمَّدُ، ارْفَعْ رَأْسَكَ، وَقُلْ يُسْمَعْ لَكَ، وَسَلْ تُعْطَهْ، وَاشْفَعْ تُشَفَّعْ، فَأَقُولُ: يَا رَبِّ أُمَّتِي أُمَّتِي، فَيُقَالُ لِي: انْطَلِقْ، فَمَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ مِنْ
следующие страницы →