على مقدِّمته رجلٌ يقال له: منصُورٌ يُوَطِّئ أو يُمَكِّنُ لآل محمد، كما مَكَّنَتْ قريشٌ لرسول الله ﷺ ، وَجَبَ على كُلِّ مؤْمِنٍ نَصْرُهُ، أو قال: إجابَتُهُ". أخرجه أبو داود (١).
فتح مصر
١٧٣٩ - عن أبي ذر قال: قال رسول الله ﷺ : " [إِنَّكُم] سَتَفْتَحُونَ أَرْضًا يُذْكَرُ فيها القِيرَاطُ، فاسْتَوصُوا بأهْلِها خَيْرًا فإنَّ لَهُم ذِمَّةً وَرَحِمًا، فإذا رَأَيْتُم رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلانِ قي مَوْضِعِ لبِنَةٍ فاخْرُجْ مِنْها". أخرجه مسلم (٢).
ذكر الملاحم والفتن وأشراط الساعة
١٧٤٠ - عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: "لا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تُقَاتِلُوا قَوْمًا نِعَالُهُم الشَّعَرُ، كَأَنَّ وَجَوهَهُمُ المَجَانُّ المُطْرَقَة".
وفي رواية: "صِغَارُ الأَعْيُنِ، ذُلُفُ الأُنُوفِ كَأَنَّ وُجُوهَهُمُ المَجَانُّ المُطْرَقَةُ" أخرجه البخاري ومسلم (٣).
١٧٤١ - قال أبو عبد الله محمد بن عباد: بلغني أن أصحاب بابل كانت نعالُهم الشعر، وقال البيهقي: هم قوم من الخوارج خرجوا في ناحية الري، فأكثروا الفساد والقتل في المسلمين حتى قُوتِلوا وأهلكهم الله .
١٧٤٢ - عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: "لا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تَقْتَتِلَ
стр. 702
فِئَتَانِ عظيمتَانِ مِنْ المُسْلِمِينَ فَتَكُونَ بَيْنَهُما مَقْتَلةٌ عَظِيمَةٌ دَعْوَاهُمَا وَاحِدَةٌ" أخرجه البخاري ومسلم (١).
١٧٤٣ - عن حذيفة قال: قال رسول الله ﷺ : "والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لا تَقُومُ السَّاعَةُ حتَّى تَقْتُلُوا إمَامَكُمْ وتَجْتَلِدُوا بأسْيافِكُمْ، ويَرثَ دُنْيَاكُمْ شِرَارُكُم" أخرجه الترمذي (٢).
١٧٤٤ - عن أنس أن رسول الله ﷺ قال: "تَكُونُ بَيْنَ يَدَيِ السَّاعَةِ فِتَنٌ كَقِطَعِ اللّيْلِ المُظْلِمِ يُصْبِحُ الرَّجُلُ مُؤمِنًا ويُمسِي كَافِرًا، أَوْ يُمسِي مُؤمِنًا ويُصْبِحُ كَافِرًا يَبيعُ أَقْوَامٌ دِينَهُم بِعَرَضٍ مِنَ الدُّنيا". أخرجه الترمذي (٣).
١٧٤٥ - عن جابر قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إِنَّ بَيْنَ يَدَيِ السَّاعَةِ كَذَّابِينَ" أخرجه مسلم (٤).
١٧٤٦ - عن حذيفة أن رسول الله ﷺ قال: "لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَكُونَ أَسْعَدَ النَّاسِ بالدُّنْيَا لُكَع بنُ لُكَع". أخرجه الترمذي (٥).
١٧٤٧ - عن أبي هريرة قال: بينا رسولُ الله ﷺ في مجلس يُحَدِّثُ
стр. 703
القومَ إذ جاءه أَعرابيٌّ فقال: متى الساعة؟ فمضى رسولُ الله ﷺ في حديثه، فقال بعضُ القوم: سمع ما قال، فكره ما قال، وقال بعضهم: لم يسمع حتى إذا قضى حديثَه قال: "أَيْنَ السَّائِلُ عن السَّاعَةِ؟ " قال: ها أنا ذا يا رسولَ الله قال: إذا ضُيِّعَتِ الأَمَانَةُ فانْتَظِرِ الْسَّاعَةَ قال: كيفَ إضَاعَتُها قال: إذَا وُسِّدَ الأَمْرُ إلى غَيْرِ أَهْلِهِ فَانْتَظِر السَّاعَةَ". أخرجه البخاري (١).
١٧٤٨ - عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لا تَمُرُّ الْدُّنْيا حَتَّى يَمُرَّ الرَّجُلُ بِالقَبْرِ فيَتَمَرَّغ عَلَيْهِ ويَقُولُ: يا لَيْتَني مَكَانَ صَاحِبِ هذا القَبْرِ ولَيْسَ بهِ الدَّيْنُ، ما به إِلَّا البَلاءُ". أخرجه مسلم (٢).
١٧٤٩ - عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ : لا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَتَقَارَبَ الزُّمَانُ، فَتَكُونَ الْسَّنَةُ كالشَّهْر، والشَّهْرُ كالجُمُعَةِ، وتكُونَ الجُمُعَةُ كالْيَوْمِ، ويكُونَ الْيَوْمُ كالسَّاعَةِ، وتكُون الْسَّاعَةُ كالضَّرْمَةِ مِنَ الْنُّارِ. أخرجه الترمذي (٣).
١٧٥٠ - عن محمد بن أبي رزين عن أمه قالت: كانت أم الحرير إذا مات أحد من العرب اشتد عليها، فقيل لها: إنا نراك إذا مات رجل من العرب اشتد عليك؟ قالت: سمعت مولاي يقول: قال رسول الله ﷺ : "مِنِ اقْتِرَابِ السَّاعَةِ هَلَاكُ العَرَبِ". قال محمد بن أبي رزين: ومولاها طلحة بن مالك. أخرجه الترمذي (٤).
стр. 704
١٧٥١ - عن ابن مسعود قال: قال رسولُ الله ﷺ : "لا تَقُوْمُ السَّاعَةُ إِلَّا عَلَى شِرَارِ النَّاسِ". أخرجه مسلم (١).
ذكر معجزاته بموافقة ما أخبر عنه وإجابة دعائه ﷺ -
وجميعه من كتاب "دلائل النبوة" للبيهقي مع ما نعزوه إلى أماكنه.
إخبار رسول الله ﷺ السائل ما أراد أن يسأله قبل سؤاله
١٧٥٢ - عن وَابِصَة الأسدي قال: جِئْتُ لِأَسْأَلَ رسولَ الله ﷺ عن البرِّ والإِثم؟ فقال من قبل أن أسأله: "يا وابصة تسألني عن البرِّ والإثم"؟ قلت: إي والّذِي بَعَثَكَ بالحَقِّ، إِنَّه لَلَّذِي جِئْتُ أَسْألُكَ عنه، فقال: "البرُّ: ما انْشَرَحَ له صَدْرُكَ، والإثْم: ما حاكَ في نَفْسِكَ وإن أفْتاكَ عنه النَّاسُ" (٢).
إخبار رسول الله ﷺ عن قبر أبي رغال وما فيه من الذهب
١٧٥٣ - عن عبد الله بن عمر قال: سمعتُ رسولَ الله ﷺ حينَ خَرَجْنَا مَعَهُ إلى الطَّائِفِ، فَمَرَرْنا بِقَبرٍ، فقال رسولُ الله ﷺ : هذا قَبْرُ أبي رغال، وهو أبو ثقيف، وكان مِنْ ثمود، وكانَ بهذا الحَرَم يَدْفَعُ عنه، فلما خرج، أَصَابَتْهُ النِّقْمَةُ الَّتي أصَابَتْ قومَهُ بهذا المكانِ، فدُفِنَ فيه، وآيةُ ذلك أَنَّهُ دُفِنَ مَعهُ غُصْنٌ مِنْ ذَهبٍ، إِنْ أَنْتُم نَبَشْتُم عنه أَصَبْتُموه. قال: فابْتَدَرَهُ الْنَّاسُ فاستخرجوا مَعَهُ الغُصنَ (٣).
стр. 705
إخبار رسول الله ﷺ عن سبب اللحم الذي صار حجرًا
١٧٥٤ - عن أم سلمة زوجِ النبي ﷺ قالت: أُهدِيتْ إِليَّ فِدرةٌ (١) من لحم، فقلت للخادم: ارْفَعِيها لِرَسُولِ الله ﷺ حتى يَجيئ، قالت: فجاءَ رسولُ الله ﷺ ، فقلتُ للخادم: قَرِّبي إلى رسولِ الله ﷺ الفِدْرَةَ اللحم، قالت: فجَاءَتْ بها، فَأَرَتْها أمَّ سَلَمَةَ، فإذا هِيَ قد صَارَتْ مَرْوَةُ (٢) حجر، قالت: فنظر رسولُ الله ﷺ فقال: "مَا لَكِ يا أُم سَلَمة؟ " فَقَصَّت عليه الْقِصَّةَ، فقال: "لَعَلَّهُ قامَ على بَابكُم سَائِلٌ فَأَهنْتُمُوه؟ " قالت: أَجَلْ يا رَسول الله، قال: "فإنَّ ذَاكَ لِذَاك" (٣).
إسلام أبي الدرداء
١٧٥٥ - عن جُبير بن نُفير قال: كانَ أَبو الدَّرْدَاءِ يَعْبُدُ صَنَمًا في الجاهِليَّة، وإنَّ عَبْدَ الله بن رَوَاحَة، ومحمَّدَ بن مَسْلَمَة دخلا بَيْتَهُ فكسرا (٤) صَنَمَهُ، فرجع أبو الدَّرْدَاءِ، وجَعَلَ يَجْمَعُ صَنَمَهُ ويقول وَيْحَكَ ألا (٥) امْتَنَعْتَ، ألا دَفَعْتَ عن نَفْسِكَ؟ فقالت أم الدرداء: لو كان يَنْفَعُ أَحَدًا، أو يَدْفَعُ عن أَحَدٍ، دَفَعَ عن نَفْسِهِ ونَفَعَها، فقال أبو الدرداء: أَعِدِّي لي في المُغْتَسَلِ ماء فجعلتُ لهُ ماءً، فاغْتَسَلَ، وأخذَ حُلَّتَهُ فَلَبسَها ثم ذهب إلى النبيِّ ﷺ ، فنظر إليه ابنُ رَواحَةَ مُقْبِلًا، فقال: هذا أبو الدرداء وما أراه جاءَ إِلَّا في طَلَبنَا، فقال
стр. 706
النبيُّ ﷺ : " [لا] إنَّما جاءَ لِيُسْلِمَ، وإنَّ رَبِّي وَعَدَني بأَبي الدَّرْداء أَنْ يُسْلِمَ" (١).
إخباره ﷺ من قال في نفسه شعرًا في الشكاية بذلك إن صحت الرواية
١٧٥٦ - عن جابر بن عبد الله قال: جاء [رجل] إلى رسول الله ﷺ ، فقال: يا رسول الله: إِنَّ أَباهُ يُريدُ أن يَأْخُذَ مالَهُ، فقال النبيُّ ﷺ : ادْعُهُ إِليَّ، قال: فجاءَ، فقال رسولُ الله ﷺ : "إنَّ ابْنَكَ يَزْعَمُ أَنَّكَ تَأْخُذُ مالَهُ" فقال: سَلْهُ، هَلْ هُوَ إلا عماته أو قراباته، أو ما أَنْفَقْتُهُ على نفسي وعيالي؟ فقال: فهبَطَ جبريلُ الأمينُ ﵇، فقال: يا رسول الله إنَّ الشيخ قد قال في نَفْسِه شِعْرًا (٢) لم تسمعه أُذُناك، فقال رسول الله ﷺ : لا يَزالُ يَزيدُنا الله بك بَصِيرةً ويَقِينًا، نعم قلت، قال: هات. فَأَنْشَأَ يقول:
غَذَوتُكَ مَولودًا ومِنْتُكَ يافعًا ... تُعَلُّ بِما أَجْنِي عَلَيْكَ وتُنْهَلُ
إِذَا لَيْلَةٌ ضَافَتْكَ بَالسُّقْمِ لَمْ أَبِتْ ... لِسُقمِكَ إلا سَاهِرًا أَتَمَلْمَلُ
تَخَافُ الرَّدَى نَفْسِي عَلَيْكَ وَإِنَّهَا ... لَتَعْلَمُ أنَّ المَوْتَ حَتْمٌ مُوَكَّلُ
كَأَنِّي أَنَا المَطْرُوقُ دَونَكَ بالَّذِي ... طُرِقْتَ بِهِ دُوِني فَعَيْنَايَ تَهْمُلُ
стр. 707
فَلَمَّا بَلَغْتَ السِّنَّ والغَايَةَ التِي ... إِلَيْكَ مَدَا مَا كُنْتُ فِيكَ أُؤَمِّلُ
جَعَلْتَ جَزَائي غِلْظَةً وفَظَاظَةً ... كَأَنَّكَ أَنْتَ المُنْعِمُ المُتَفَضِّلُ
فَلَيْتَكَ إذْ لَمْ تَرْعَ حَقَّ أُبُوَّتِي ... كَمَا يَفْعَلُ الجَارُ المُجَاور تَفْعَلُ
قال: فَبكى ﷺ وأخذ بتلابِيبِ ابنه وقال: "أنت ومالُك لِأَبيكَ" (١).
إخبار رسول الله ﷺ الرجل بجبذته
١٧٥٧ - عن أبي سهم قال: مَرَّتْ بي امرأةٌ في المدينة, فأخذتُ بكَشْحِها, ثم أطلقتها, وأصبحَ رسولُ الله ﷺ يُبَايِعُ النَّاسَ, فأتَيتُه, فلم يُبايعني فقال: "صاحِب الجَبْذَةِ بالأمس"؟ قال: قلت: والله لا أعودُ. فبايعني.
إخباره ﷺ عن السحابة التي أمطرت بواد في اليمن
١٧٥٨ - عن ابن عباس قال: أَصَابَتْنا سَحَابَةٌ ولم يطلع فيها, فخرج علينا النبيُّ ﷺ , فقال: "إنَّ مَلَكًا مُوَكَّلًا بالسَّحَابِ دخل عَلَيَّ آنِفًا, فسلم عليَّ, فأخبرني أن يسوق بالسَّحابِ إلى واد باليمن يقال له صريح, فجاءَنا رَاكِبٌ بعد ذلِكَ, فَسَأَلْنَاهُ عن السَّحَابَةِ, فَأَخْبَرَ أَنَّهُم مُطِرُوا في ذلِكَ اليوم (٢).
إخباره ﷺ زوجاته بأن أسرعهن لحوقًا به أطولهن يدًا فكان ذلك
١٧٥٩ - عن عائشة ﵂: أنَّ بعضَ أزواجِ النبيِّ ﷺ قلن:
стр. 708
يا رسول الله! أَيُّنا أَسْرَعُ بك لُحوقًا؟ قال: "أَطْوَلُكُنَّ يَدًا", فأخذوا قَصَبَةً يَذْرَعُونَها, فكانت سَوْدَةُ أطولهن يَدًا, فعلمنا بعدُ إِنَّما كان طول يَدِها للصدقة, وكانت أسرعنا لحوقًا (١) به, وكانت تُحِبُّ الصَّدَقَة" أخرجه البخاري (٢).
إخباره ﷺ بهبوب الريح لموت منافق
١٧٦٠ - عن جابر أن رسولَ الله ﷺ قَدِمَ مِنْ سَفَرٍ, فلمَّا كانَ قُرْبَ المَدِينَةِ, هاجَتْ رِيحٌ شَدِيدَةٌ تَكَادُ أَنْ تَدْفِنَ الرَّاكِبَ فَزَعَمَ أَنَّ رسول الله ﷺ قال: "هذِه الرِّيحُ لِمَوْتِ مُنافِقٍ", فلما قَدِمَ المدِينَةَ فإذا عَظِيمٌ من المُنَافِقِينَ قَدْ مَاتَ". أخرجه مسلم (٣).
إخبار النبي ﷺ بأنه سيكون لهم أنماط فكانت
١٧٦١ - عن جابر قال: قال رسول الله ﷺ : "هَلْ لَكُم مِنْ أَنْمَاطٍ"؟ قلت: وأَنَّى يكونُ لنا الأَنْماطُ؟ قال: "أما وإنَّها ستكون لكم أنماط
стр. 709
فقال: فأنا أقول لها: - يعني امرأته - أَخِّري عَنَّا أَنماطَكِ، فتقول: ألم يَقُلْ رسولُ الله ﷺ : "سَتَكُونُ لكم الأنْمَاطُ؟ فأَدَعُها" أخرجه البخاري ومسلم والترمذي (١).
إخبار رسول الله ﷺ بهلاك المشرك السائل عن ذات الله
١٧٦٢ - عن أنس قال: أرسلَ رسولُ الله ﷺ رَجُلًا من أصحابه إلى رأسٍ من رُؤُوس المشركين يَدْعُوهُ إلى اللهِ ، فقال المشركُ: هذا الإلهُ الذي تَدْعُوا إليه مِنْ ذَهَبٍ [هو] أو من فِضَّةٍ، أو مِنْ نُحَاسٍ؟ فَتَعَاظَمَ مَقالته في صَدْر رسولِ الله ﷺ ، فرجع إلى رسولِ الله ﷺ ، فأخبره، فقال: ارْجعْ إليه، فرَجَعَ إليه، فقال له مثلَ ذلك، فرجع إلى النبيِّ ﷺ ، فأخبره، فقال له: ارْجِعْ إليه، فرجع إليه، فقال له مثلَ ذلك، فَأنْزَلَ اللهُ تعالى صاعِقَةً من السَّمَاءِ ورسولُ رسولِ الله ﷺ في الطَّريق لا يدري، فرجَعَ الى النَّبيِّ ﷺ ، فقال له النَّبيُّ ﷺ : إنَّ الله قد أهلَكَ صاحبكَ، وأنزَلَ الله على رسوله ﷺ : ﴿وَيُرْسِلُ الصَّوَاعِقَ فَيُصِيبُ بِهَا مَنْ يَشَاءُ. . . الآية﴾ [الرعد: ١٣].
إخبار رسول الله عن الكاذب عليه للَّذين أرسلهما وراءه أنهما لن يدركاه فلم يدركاه
١٧٦٣ - عن سعيد بن جبير قال: جاءَ رجل الى قَرْيَةٍ من قُرى الأنصار، فقال: إنَّ رسولَ الله ﷺ أَرْسلَني إِلَيْكُم، وأَمَرَكُم أن تُزَوِّجُوني فُلانة، قال: فقال رجل من أهلها: جاءكم هذا بِشَيْءٍ ما نعرفه من رسولِ الله
стр. 710
- ﷺ ، أَنْزلُوا الرَّجُل وأَكْرمُوه حتَّى آتِيَكُمْ بخَبَر ذلِكَ، فأتى النبيَّ ﷺ ، فذكر له ذلك. فأرسل النبيُّ ﷺ عَلِيًّا والزُّبَيْرَ، فقال: "اذْهَبا فإن أَدْرَكْتُماه فاقْتُلاه، ولا أراكما تُدركانه"، قال: فذهبا، فوجَدَاه قَدْ لَدَغتْه حَيَّةٌ فَقَتَلَتْه، فرجعا إلى النبيِّ ﷺ ، فأخبراه، فقال النبيُّ ﷺ : "مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ فَلْيَتَبوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّار" (١).
إخباره ﷺ بالشاة المسمومة
١٧٦٤ - عن أنس ﵁: أنَّ امرأةً يَهُودِيَّةً أَتَتْ رسولَ الله ﷺ بِشَاةٍ مَسْمُومَةٍ، فجيءَ بها إلى رسولِ الله ﷺ ، فسألَها عن ذلِك؟ فقالت: أَرَدْتُ لِأَقْتُلَكَ، فقال: ما كانَ اللهُ لِيُسَلِّطَكِ عَلى ذلِكَ، أو قال: عَلَيَّ، قالوا: ألا نَقْتُلُها؟ قال: لا، قال: فما زِلْتُ أَعْرفُها في لَهَواتِ رسولِ الله ﷺ . أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود (٢).
إخبار رسول الله ﷺ عن الشاة التي أخذت بغير إذن أهلها وامتناعه من أكلها
١٧٦٥ - عن عاصم بن كليب، عن أبيه عن رجل من الأنصار، قال: خَرَجْنَا مع رسولِ الله ﷺ في جِنَازَةٍ، فرأيت رسولَ الله ﷺ ، وهو على القَبْرِ يوصي الحَافِرَ "أَوْسِعْ قِبَلَ رِجْلَيْه، أَوْسِعْ [مِنْ] قِبَلِ رَأْسِهِ"، فلما رجع استقبله داعي امرأة، فجاء وجيء بالطعام [فوضع يده]، ثم وضع القوم، فأكلوا، فنظرنا إلى رسولِ الله ﷺ يَلُوكُ لُقْمَةً في فمه، ثم قال: "أَجِدُ لَحْمَ شاةٍ أُخِذَتْ بِغَيْر
стр. 711
إِذْنِ أَهْلِها، فأرسلت المرأة [قالت]: يا رسول الله! إني أرسلتُ إلى البَقِيعِ يُشْتَرَى لي شاة فلم أَجِدْ، فأرسلت إلي جارٍ لي قد اشترى شاة أن أرسل إليَّ بثَمَنِها، فلم يوجد، فأرسلتُ إلى امرأته، فأَرسَلَتْ إليَّ بها، فقال رسول الله ﷺ : "أطعميه الأسَارَى" أخرجه أبو داود (١).
إخبار النبي ﷺ أصحابه بإتمام الله تعالى أمره وإظهار دينه
١٧٦٦ - عن خبَّاب قال: شَكَوْنا إلى رسولِ الله ﷺ وهو مُتَوَسِّدٌ بردْةً لَهُ، وهو في ظِلِّ الكَعْبَةِ، فقلنا: ألا تَدْعُو اللهَ لنا، ألَا تَسْتَنْصِر [الله] لنا؟ قال: فجلس مُحْمَارًّا وَجْهُهُ، ثم قال: "واللهِ إن كان مَنْ كَانَ قَبْلَكُم لَيُؤْخَذُ الرَّجُلُ، فَيُحْفَرُ لهُ الحفرةُ، فيُوضَعُ الِمنْشَارُ على رَأْسِهِ، فَيُشَقُّ باثْنَيْنِ، ما يَصْرفُه [ذلك] عن دينه، أو يُمَشَطُ بأَمْشاطِ الحَديد ما بين عَصَبِه ولَحْمِه، ما يَصْرفُه عن دينه، ولَيُتِمَّنَّ [اللهُ] هذا الأمرَ حتى يَسِيرَ الرَّاكِبُ منكم منِ صَنْعَاءَ إلى حَضْرَمَوْتَ لا يَخْشَى إلا اللهَ، أو الذئبَ على غنمِهِ، ولكن تَعْجَلُونَ". أخرجه البخاري ومسلم (٢).
стр. 712
١٧٦٧ - عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "هَلَكَ كِسْرَى، ثُمَّ لا يَكُونُ كِسْرَى بَعْدَهُ، وقَيْصَرُ لَيَهْلِكَنَّ، ثُمَّ لا يكونُ قَيْصَرُ بَعْدَهُ، ولتنفقن كُنُوزهُمَا في سبيلِ الله". أخرجه مسلم (١).
١٧٦٨ - عن عبد الله بن حوالة قال: إِنَّ رسولَ الله ﷺ بَعَثنا على أَقْدَامِنَا حَوْلَ المدينة لِنَغْنَم، فقَدِمْنا ولم نَغْنَمْ شَيْئًا، فلما رأى النبيُّ ﷺ الذي بنا من الجَهْدِ قال: "اللهُمَّ لا تَكِلْهُم إِليَّ فأضعف عنهم، ولا تَكِلْهم إلى الناس، فَيَهُونُوا عليهم، ويَسْتَأْثِروا عليهم ولا تَكِلْهم إلى أَنْفُسِهم، فَيَعْحِزُوا عنها، ولكن تَوَكَّلْ بأَرْزَاقِهم"، ثم قال: "لتُفْتَحَنَّ عليكُم الشَّامُ"، ثم قال: "لتَقْتَسِمُنَّ وليَكُونَنَّ لأَحَدِكُم من المال كذا وكذا، حتى إِنَّ أَحَدَكُم ليُعطى مائة دينار فيسخطها" ثم وضعَ يَدهُ على رأسي وقال: "يا ابن حوالة! إذا رأيت الخِلافَةَ قد نزلت الأرْضَ المُقَدَّسَةَ، فقد أَتَتِ الزَّلازِلُ، والبَلابِلُ والأُمورُ العِظَامُ، والسَّاعَةُ أقرب إلى النَّاسِ من يَدي هذه مِنْ رَأْسِكَ". قال البيهقي: أراد بالسَّاعَة: انْخِرامَ ذلك القَرْنِ، وأراد بكنوز فارس: كنوز كِسْرى، وبكنوز الروم: كم كان منهم بالشَّام حتى يَفْتَح الشَّامَ، تُؤْخَذُ كنوزُهم، وقد وُجِدَ ذلك (٢).
رؤيا رسول الله ﷺ الغنم وتأويلها وتصديق ذلك
١٧٦٩ - عن عمرو بن شرحبيل قال: قال رسول الله ﷺ : "إِني رَأَيْتُ اللَّيْلَةَ كأني تتبعني غنم سود، ثمَّ أرْدَفَتْها غَنَمٌ بِيضٌ، حَتَّى لَمْ تُرَ السُّودُ فيها، فقَصَّها على أبي بكر ﵁، فقال: يا رسول الله هِيَ العَرَبُ تَتْبَعُكَ، ثم
стр. 713
أَرْدَفَتْها العَجَمُ، حتى لم يُرَوْا فيها، قال: "أجل كَذلِكَ عبرها المَلك سحرًا".
رؤيا رسول الله ﷺ الخلفاء بعده فكان كما رآه
١٧٧٠ - عن جابر بن عبد الله: أن رسول الله ﷺ قال: "أُرِيَ اللَّيْلَةَ رَجُلٌ صَالِحٌ، كَأنَّ أبا بَكْرٍ نِيطَ برسولِ الله ﷺ ، ونِيْطَ عمرُ بن الخطاب بأبي بَكْرٍ، ونِيطَ عثمان بن عفان بعُمَرَ"، قال جابر: فلما قمنا من عِند رسولِ الله ﷺ ، قلنا: أَمَّا الرَّجُلُ الصَّالحُ، فرسولُ الله ﷺ ، وأما نَوْطُ بعضِهم ببَعْضٍ، فهم وُلاةُ الأمر الَّذِي بعث الله به نبيَّه ﷺ . أخرجه أبو داود (١).
إخباره عن الجماعة أنهم شهداء وعن أبي بكر أنه صديق وكان ذلك
١٧٧١ - عن أبي هريرة: أنَّ رسولَ الله ﷺ كانَ على حِراءٍ هُوَ وأَبُو بَكْرٍ، وعمر وعُثمانُ، وعليٌّ، وطَلْحَةُ، والزُّبَيْرُ، فتحرَّك، فقال رسولُ الله ﷺ : "اهْدَأْ، فما عَلَيْكَ إِلَّا نَبيٌّ أو صِدِّيقٌ، أو شَهيدٌ". رواه مسلم (٢).
إخباره عليًا ﵁ بولادة غلام يسميه ويكنيه باسمه وكنيته
١٧٧٢ - عن علي ﵁ قال: قال لي رسولُ الله ﷺ : "سَيُولَدَ لَكَ بَعْدِي وَلَدٌ قد نحلتُه اسْمِي وكُنْيَتي" (٣). فولد لعليٍّ ﵁ من الحنفية محمد بن الحنفية.
стр. 714
إخبار رسول الله ﷺ أنه يكون في أمته رجل يقال له: صلة بن أشيم فكان
١٧٧٣ - عن عبد الرحمن بن يزيد، عن جابر قال: بلغنا أنَّ رسولَ الله ﷺ كان يقول: "في أُمَّتي رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ: صِلَةُ بن أشيم، يدخلُ الجنَة بشفاعته كذا وكذا". قالت معاذة العدوِّية: ما كان صِلَةُ يَجيء من مَسْجِد بيته إلى فِرَاشه إلَّا حَبْوًا، يقومُ حتى يفتر في الصَّلاةِ. قال البيهقي: وصلة بن أشيم صاحب كرامات، وفي ذكرها تَطْويلٌ (١).
إخباره ﷺ أن أم ورقة شهيدة
١٧٧٤ - عن عبد الرحمن بن خلاد الأنصاري، عن أمِّ وَرَقَةَ بنتِ نَوْفَلٍ، أنَّ النبيَّ ﷺ [لما] غزا بدرًا قالت: قلت له: يا رسول الله: ائذن لي في الغَزْوِ معكَ، أُمَرِّضُ مَرْضَاكُم، لَعَلَّ اللهَ يرزقُني الشَّهَادَةَ، قال: "قَرِّي في بيتِك، فإن الله يَرْزُقُكِ الشَّهَادَةَ" قال: فكانت تُسَمَّى "الشَّهيدَةَ"، وكانت قد قرأت القرآنَ، واستَأذَنَتِ النبيَّ ﷺ أن تَتَّخِذَ في دَارِها مُؤَذِّنًا، فأَذِنَ لها، وكانت قد دَبَّرت غلامًا لها وجاريةً، فقاما اليها بالليل فغمَّاها بقطيفةٍ لها حتى ماتت وذهبا، فأصبح عمرُ، فقام في النَّاس فقال: من عنده من هذين علم؟ أو من رآهما فليَجِئ بهما، فأمر بهما، فصُلِبا، فكانا أوَّل مصلوب بالمدِينَةَ (٢).
إخباره سراقة أنه سيلبس سواري كسرى فلبسها
١٧٧٥ - عن الحسن: أن رسول الله ﷺ قال لسراقة بن مالك: كيف
стр. 715
بك إذا لبستَ سِوَارَيْ كسرى؟ قال: فلما أُتي عمر بِسواري كسرى ومِنطَقَتِه وتاجه، دعا بسراقة بن مالك، فألبسه إيَّاهما، وكان سُرَاقةُ رجلًا أزربَ، كثير شَعر الساعدِينِ، فقال له: ارفع يديك، فقال: الله أكبر، الحمد لله الذي سلبهما كسرى بن هرمز الذي كان يقولُ: أنا رب الناس، وألبسهما سراقة بن مالك بن جعشم، أعرابي من بني مدلج يرفع بها عمر صوته. أخرجه ابن عبد البر في ترجمة سراقة.
ذكره ﷺ خروج بعض أزواجه ووصيته عليًا ﵁ بها
١٧٧٦ - عن أم سلمة قالت: ذكرَ النبيُّ ﷺ خروجَ بعض [نسائه] أُمَّهاتِ المؤمنين، فضحِكَت عائِشَةُ، فقال: "انظري يا حُمَيْراءُ أن لا تكوني أَنْتِ"، ثم التفت إلى عَلِيٍّ فقال: "يا عَلِيُّ إن وليت من أمْرها شيئًا، فارفق بها". قال البيهقي: وقد روى حذيفة بن اليمان نحو ذلك، وقد توفي قبل مسيرها، وكان قد أخبر أبا الطفيل، وعمر بن ضليع، بمسير إحدى أمهات المؤمنين في كَتِيبَةٍ، ولا يقوله إلا عن سماع (١).
إخباره ﷺ بتأمير علي ﵁ وقتله وكان ذلك
١٧٧٧ - عن فضالة بن أبي فضالة الأنصاري، وكان أبو فضالة من أهل بدر، قال: خرجتُ مع أبي عائدًا لِعَليّ بن أبي طالب من مَرَضٍ أَصَابه ثقل مِنْهُ، قال: فقال له أبي: وما يُقِيمُك بمَنْزِلِكَ هذا؟ لو أَصَابَكَ أَجَلُكَ لم يَلِك إلا أعرابُ جُهَيْنَةَ تُحمَل إلى المدينة، فإن أصابك أَجلُك، وَلِيَكَ أَصْحابُكَ وصَلَّوْا عَلَيْكَ، فقال علي ﵁: إِنَّ رسولَ الله ﷺ عَهِدَ إِليَّ أَن لا أَمُوتَ حتَّى أُؤَمَّرَ، ثم تُخَضَّبَ هذه - يعني لِحْيَتَهِ - من دم هذه - يعني هامته - فقتل، وقتل أبو
стр. 716
فضالة مع علي يوم صِفين، قال البيهقي: ولهذا الحديث شواهد يَقْوى بشواهده (١).
إخباره ﷺ بملك معاوية إن صح الحديث وإشارته إلى ذلك في الأحاديث المشهورة
١٧٧٨ - عن إسماعيل بن إبراهيم، عن عبد الله بن عمير، قال: قال معاوية: واللهِ ما حَمَلني على الخِلافَةِ إِلَّا قولُ النبيِّ ﷺ لي: "يا مَعَاويةُ إِنْ مَلَكْتَ فَأَحسِن". قال البيهقي: إسماعيل بن إبراهيم هذا ضعيف عند أهل المعرفة بالحديث، غير أن لهذا الحديث شواهد، منها: حديث عمرو بن يحيى بن سعيد ابن العاص عن جده سعيد، أن معاوية أخذ الإدَواة فتَبعَ رسولَ الله ﷺ فقال له: "يا معاوية إِن وُلِّيتَ أَمْرًا فاتَّقِ اللهَ واعْدِل" قال: فما زِلْتُ أَظُنُّ إنِّي مُبْتَلى بعَمَلٍ لقول رسول الله ﷺ (٢).
إخباره ﷺ بتكلم رجل من أمته بعد موته من خير التابعين فكان كذلك
١٧٧٩ - قال البيهقي: أخبرنا أبو الحسن بن الفضل القطان ببغداد، قال: حدثنا إسماعيل بن محمد الصفار، حديثنا محمد بن علي الورَّاق حدثنا عبيد الله بن موسى، حدثنا إسماعيل بن أبي خالد، عن عبد الملك بن عمير، عن رِبعي بن حِراش، قال: أتيتُ، فقيل لي: إِنّ أخاكَ قد ماتَ، فَجْئتُ، فوَجَدْت أخي مُسَجّىً عليه ثَوْبٌ، وأنا عِنْدَ رَأْسِهِ أَستَغْفِرُ لهُ، وأَتَرَحَّمُ عليه، إذْ كَشَفَ الْثَّوْبَ عن وَجْهِهِ فقال: السلام عليكم، فقلت: وعليك السَّلامُ، فقلنا: سُبْحانَ اللهِ، أَبَعَدَ الموت؟ ، قال: بعد الموت، إني قَدِمْتُ على اللهِ بعدَكُم، فَتُلُقِّيتُ برَوْحٍ ورَيْحانٍ، ورَبٍّ غَيْر غَضْبانٍ، وكَساني ثِيابًا خُضْرًا من سُنْدُسٍ
стр. 717
وإِسْتَبْرَقٍ، ووجَدْتُ الأَمْرَ أَيْسَرَ مِمَّا تَظُنُّون، ولا تَتَّكِلوا، إِنِّي اسْتَأذَنْتُ رَبِّي أَن أُخْبرَكُم وأُبشِّرَكُم، فاحملوني إلى رسولِ الله ﷺ ، فقد عَهِدَ إِليَّ أَن لا أَبْرَحَ حتى أَلْقَاهُ، تم طُفِئَ كما هو. قال البيهقي: هذا إسناد [صحيح] لا يَشُكُّ حَدِيثيٌّ في صِحَّتِهِ.
وفي رواية: قال: فبلغ عائشةَ ﵂، فقالت: صَدَقَ أَخو بني عَبْسٍ، سمعتُ رسولَ الله ﷺ يقول: "يَتَكَلَّم رجلٌ من اُمَّتي بعد الموتِ من خَيْرِ التَّابِعين". وذكره ابن البر في "الاستيعاب" (١).
١٧٨٠ - عن سفيان بن عيينة قال: سمعتُ عبد الملك بن عمير يقول: حدثنا رِبْعي بن حِراش، قال: مات أخٌ لي، كان أطولنا صلاة وأصومنا في اليوم الحار، فسجَّيناه، وجلسنا عنده، فبينا نحن كذلك إذ كشف عن وجهه، ثم قال: السلامُ عليكم، قلت: سبحان الله، أبعد الموت؟ قال: إني لقيت ربي، فتلقَّاني برَوْح ورَيْحان، وربٍّ غير غضبان، وكساني ثيابًا خضرًا من سُنْدُسٍ وإسْتَبْرَقٍ، أسْرِعوا بي إلى رسولِ الله ﷺ ، فإنه قد أقسم لا يبرح حتى أدركه، رأيتُه وإن الأمْرَ أهون مما تذهبون إليه، فلا تفتروا، ثم والله كأنما كانت نفسه حصاة فألقيت في طست (٢).
إخباره ﷺ بأن ذؤيب بن كليب ألقي في النار
١٧٨١ - قال ابن عبد البر: ذؤيب بن كليب بن ربيعة الخولاني: كان
стр. 718
أول من أسلم باليمن، فسماه النبيُّ ﷺ عبدَ الله، وكان الأسودُ الكذابُ قد ألقاه في النار لتصديقه بالنبي ﷺ ، فلم تضرَّه النار، وذكر النبيُّ ﷺ لأصحابه، فهو شبيه إبراهيم ﵇. رواه ابن وهب عن ابن لهيعة (١).
ذكر دعائه ﷺ وإجابته في الدعاء ودعاؤه على من كذب عليه
١٧٨٢ - عن أسامة بن زيد قال: قال رسولُ الله ﷺ : "من تَقَوَّلَ عَلَيَّ ما لم أقُلْ، فلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ من النَّارِ" وذلِكَ أنَّهُ بعثَ رَجُلًا، فكَذَبَ عليه، فدعا عليه رسولُ الله ﷺ ، فوُجِدَ مَيتًا قَد انْشَقَّ بَطْنُه ولم تَقْبَلْهُ الأَرْضُ (٢).
دعاؤه على من احتكر بالجذام
١٧٨٣ - عن فَروخ مولى عثمان، قال: أُلْقِيَ على بابِ مسجدِ مَكَّةَ طعامٌ كثيرٌ، وعمرُ يومَئذٍ أَمِير المؤمنين، فخرجَ إلى المسجِدِ، فرأى الطَّعام، فقال: ما هذا الطعامُ؟ قالوا: طَعامٌ جُلِبَ إِلَيْنا، قال: بَارَكَ اللهُ فيه وفِيمَنْ جَلَبَهُ، قالوا: يا أمير المؤمنين قد احْتُكِرَ، قال: مَن احْتَكَرَهُ؟ قالوا: فَرُّوخ مولى عثمان، وفلان مولاك، فقال: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: "مَن احْتَكَرَ على المُسْلِمينَ طعامَهُم ضَرَبَهُ اللهُ بالجُذامِ، أو بالإفْلاسِ" قال فرُّوخ: أُعَاهِدُ اللهَ يا أميرَ المؤمنين أن لا أعود، فحوَّلَ تجارَتَهُ إلى بزِّ مصر، وأما مولى عمر، فقال: نَشْتَرِي بأموالنا ونبيع، فزعم أبو يحيى أنه رأى مولى عمر بعد حين مجذومًا. قال البيهقي: وكذلك رواه جماعة عن الهيثم وأبو يحيى مولى (٣).
стр. 719
دعاؤه على كاتب الوحي حين ارتد
١٧٨٤ - عن أنس قال: كانَ رجلٌ نصرانيًّا فأسلَم، فقرأ البقرةَ وآلَ عمرانَ، وكان يكتبُ الوحي للنبي ﷺ ، فعاد نصرانيًا، فكان يقول: ما يدري محمد إلا ما كَتَبْتُ له، فقال رسولُ الله ﷺ : "اللهُم اجعله آيةً" فأماتَهُ الله، فدفنوه، فأصبحَ وقد لَفَظَتْهُ الأرضُ، فقالوا: هذا فعل محمد وأصحابه، لما هرب منهم نَبَشُوا عن صاحِبنا، فألقوه، فحفروا له وأعمقوا ما استطاعوا، فأَصبحوا وقد لَفَظَتْهُ الأرضُ، فقالوا مثل الأول، فحفروا وأعمقوا، فلفظته الثالثة، فعلموا أنه ليس من الناس، فألقوه بين حجرين ورضموا عليه الحجارة. أخرجه البخاري ومسلم (١).
دعاؤه للسائب بن يزيد
١٧٨٥ - عن السائب بن يزيد قال: ذهبتْ بي خالَتي إلى رسولِ الله ﷺ ، فقالت: يا رسول الله إنَّ ابنَ أُخْتي وَجِعٌ، فمسحَ رَأْسِي، ودعا لي بالبَرَكَةِ، فَتَوَضَأَ، فشربتُ من وَضُوئِه ثم قمتُ خلفَ ظَهْرِهِ، فنظرت إلى خَاتَمِ النُّبُوَّةِ بين كَتِفَيْهِ مِثْلَ زِرِّ الحَجَلَةِ.
وقال الجعد: رأيتُ السَّائِبَ بن يزيد ابنَ أرْبَعٍ وتسعين جَلْدًا مُعْتَدِلًا، فقال: قد علمت ما متعت به سَمْعي وبَصري إلا بدعاء رسولِ الله ﷺ . أخرجه البخاري ومسلم (٢).
стр. 720
دعاؤه ﷺ لجابر بالبركة في ثمره فبورك له
١٧٨٦ - عن جابر بن عبد الله قال: تُوُفِّيَ أبي وعليه دَيْنٌ، فعرضتُ على غُرَمائِهِ أن يَأْخُذوا التَمْرَ بما عليه، فَأَبَوْا، ولم يَرَوْا بأَنَّ فيه وفاءً، فأتيتُ النبيَّ ﷺ , فذكرت ذلك له، فقال: "إذا جَدَدتَه فوضعته، فآذِّني" فلما وضعتُه في الِمرْبَدِ، آذَنْتُ رسولَ الله ﷺ ، فجاء ومعه أبو بكر وعمر، فجلس عليه، ودعا بالبركة، ثم قال: "ادْعُ غُرَماءَكَ، فَأَوْفِهم" فما تركتُ أَحدًا له دَيْنٌ على أبي إلَّا قَضَيْتُه، وفَضَل ثلاثة عشر وَسْقًا، سبعةٌ عجوةً، وستةٌ لَوْنٌ، أو ستةٌ [عجوةٌ] وسبعةٌ [لونٌ] , فوافيتُ رسولَ الله ﷺ المغرب، فذكرتُ له ذلك، فضحك وقال: "ائْتِ أبا بَكْر وعمر، وأخبرْهما" فقالا: قد علمنا إذ صنعَ رسول الله ﷺ ما صنع أن سيكون [ذلك]. رواه البخاري (١).
دعاؤه ﷺ إذ صارع ركانةَ فغلبه
١٧٨٧ - عن أبي أُمامة قال: [كان] رجلٌ من بني هاشم يقال له: رُكَانة، وكانَ من أَفْتَكِ (٢) الناسِ وأَشَدِّه، وكان مشركًا، وكان يرعى غَنَمه في وادٍ يقال له: إِضَم، فخرج نبي الله ﷺ من بيتِ عائشةَ ذاتَ يوم، فَتَوَجَّه قِبَلَ ذلِكَ الوادي, فَلَقِيَهُ رُكَانَةُ، وليس مَعَ الْنَّبيِّ ﷺ أَحَدٌ، فقام إليه رُكَانةُ فقال: يا محمد أنت الذي تَشْتُمُ آلِهَتنا: الْلَّاتَ والْعُزَّى، وتدعو إلى إِلِهكَ العَزيزِ الحكيم؟ ولولا رَحِمٌ بيني وبينك، ما كَلَّمْتُكَ الكلام، حتى أَقْتُلَكَ، ولكن ادْعُ إِلَهَكَ العزيزَ الحكيمَ يُنْجيكَ مني اليومَ، وسأَعْرِض عليك أَمْرًا، هل لك أن أُصارعَكَ وتدعو إلَهَكَ العزيز الحكيمَ يُعِيْنُك عَلَيَّ، وأَنا أَدْعو الْلَّاتَ والْعُزَّى، فإن أَنْتَ صرعتني فَلَكَ عَشْرٌ من غَنَمِي هذه تَخْتَارُها، فقال عند ذلك نبيُّ الله ﷺ :
стр. 721
"نعم إن شِئْتَ" فاتَّحدا، ودعا نبيُّ الله ﷺ إلههُ العزيز الحكيم أن يُعِينَهُ على رُكَانَةَ ودعا ركانَةُ الْلَّاتَ والعْزّى: أَعِنِّي اليَوْمَ على محمد، فَأَخَذَهُ الْنبيُّ ﷺ ، فصَرَعَهُ، وجلس على صَدْرِهِ، فقال رُكَانَةُ: قم فلستَ أَنْتَ الَّذي فعلتَ بي هذا، إِنَّما فعله إلَهُكَ العزيزُ الحكيم وخذلت الْلات والعزى، وما وضع أَحد جَنْبِي قبلكَ، فقال له رُكَانَةُ: عد، فإن أَنْتَ صَرَعْتَني، فَلَكَ عَشْرَةٌ أُخرى تَخْتَارُها، فأخذه نبيُّ الله ﷺ ودعا كُلُّ واحد منهم إلهَهُ كما فعلا أول مرة، فصرعه نبيُّ الله ﷺ ، فجلس على كَبدِهِ، فقال له رُكَانَةُ: [قم] فلَسْتَ أنتَ الَّذِي فعل بي هذا، إنَّما فعله إلَهُكَ العزيزُ الحكيم، وخذلت اللَّات والعُزَّى، وما وَضَعَ أَحَدٌ جنبي قَبْلَكَ، فقَال لهُ ركانةُ: عد فإن أنت صرعتني، فلَكَ عَشْرَةٌ أُخرى تختارها، فأخذهُ نبيُّ الله ﷺ الثَّالِثَةَ، ودعا كُلُّ واحدٍ منهما إلَهَهُ، فصرعَه نَبيُّ الله ﷺ [الثالثة]، فقال له ركانة: لْستَ أَنتَ الَّذي فَعلتَ بي هذا وإِنَّمَا فعَلهُ العَزيزُ الحكيمُ، وخذلت اللَّات والعُزَّى، فدُونَكَ ثلاثين شاةً من غنمي فاخترها، فقال له النبيُّ ﷺ : "ما أُرِيدُ ذلك، ولكن أدعوك إلى الإسلام يا ركانة، وأتعس بك أنْ تَصِيرَ إلى النَّارِ، إِنَّكَ إن تُسْلِم تَسْلَم" فقال [له ركانة]: لا، إلا أن تُرِيَني آيَةً، فقال له نبيُّ الله ﷺ : "اللهُ عليك شَهيد إِنْ أنا دعوتُ ربي فأريتُكَ آيةً لتجيبَني إلى ما أَدْعُوكَ إليه؟ " قال: نعم وقريبًا منهم شجرة سمر، ذات فروع وقضبان، فأَشَارَ إليها نبيُّ الله ﷺ وقال لها: "أَقْبلي بإذْنَ اللهِ"، فانْشَقَّت باثنَتَيْن، فَأَقْبَلَتْ على نِصْفِ ساقها وقُضبانها وفروعها، حتى كانت بين يدي رسول الله ﷺ وبين رُكانة، فقال له رُكانَةُ: أَرَيتَني عظيمًا، فمُرْها فلْتَرْجِع، فقال له نبيُّ الله: ["عليك الله] شهيد إِنْ أنا دعوتُ رِبِّي أَمرْتها فرجعت [أَتُجيبني إلى ما أَدْعُوكَ إليه؟ " قال نعم، فأمرها فرَجَعَتْ] بقُضْبانِها وفُروعِها حتَّى الْتَأَمَتْ بشِقِّها، فقال له النبيُّ ﷺ : "أَسْلِمْ تَسْلَمْ" فقال له ركانة: ما بي إِلَّا أَنْ أَكونَ رأيتُ عظيمًا، ولكني أَكْرَهُ أن تَتَحدَّثَ نِسَاءُ المَدِينَةِ وصِبيانُهُم أني أَجَبْتُكَ لرُعْبٍ
стр. 722
دخل قلبي منك، ولكن قد عَلِمَتْ نساءُ أهلِ المدينة وصبيانُهم: أنه لم يَضَعْ جنبي أحدٌ قط، ولم يدْخُل قَلْبي رُعْبٌ ساعَةً ليلًا ولا نهارًا، ولكن دُونَكَ فاخْتَرْ غنمك، فقال النبيُّ ﷺ : "ليس لي حاجَةٌ إلى غَنَمِك إذ أَبَيْتَ أن تسلم" فانطلق نبيُّ الله ﷺ راجِعًا، وأقبل أبو بكر وعمر يلتمسانِه في بيتِ عائِشةَ، فأخْبَرَتْهُما أَنَّهُ توَّجه قِبَلَ وادي إضَم، وقد عرفا أَنَّه وادي رُكَانَة لا يَكَادُ يُخْطِئُه، فخرجا في طلبِهِ، وأَشْفَقا أن يلقاه رُكَانَةُ فَيَقْتُلَه، فجعلا يصعدان على كل شَرَفٍ ويَتَشَرَّفَانِ مَخْرَجًا له، إذ نظرا إلى نبيِّ الله ﷺ مُقْبلًا، فقالا: يا نَبيَّ الله، كيف تخرج إلى هذا الوادي وَحْدَكَ، وقد عَرَفْتَ أَنَّه جِهَةُ رُكَانَةَ، وأنه من أَفْتَكِ النَّاسِ وأَشَدِّه تَكْذِيبًا لك؟ فضحك إليهما النبيُّ ﷺ ثم قال: "أليس يقول اللهُ : ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ [المائدة: ٦٧] إِنَّه لم يكن يَصِلُ إليَّ واللهُ مَعِي" فَأَنْشَأَ يُحَدِّثُهما حَدِيثَه، والذي فعل به، والذي أراه، فعَجبا من ذلك، فقالا: يا رسول الله، أَصَرَعْتَ رُكَانَةَ؟ فلا والذي بَعَثَكَ ما نَعْلَمُ أَنَّه وَضَعَ جَنْبَهُ إِنْسَانٌ قَطُّ، فقال النبيُّ ﷺ : "إِنِّي دعوتُ ربي فَأَعَانَني عليه، وإِنَّ ربي أَعانَني ببضْعِ عشرة، وبِقُوَّةِ عشرة". في سنده أبو عبد الملك. قال البيهقي: أبو عبد الملك هذا علي بن يزيد الشامي وليس بالقوي، إلا أن معه ما يؤكد حديثه والله أعلم (١).
وركانة بضم الراء، وهو ركانة بن عبد يزيد، بن هاشم، بن عبد المطلب، بن عبد مناف، بن قصي الهاشمي المطَّلبي، أسلم بعد ذلك. قال ابن عبد البر: من مسلمي الفتح، وكان من أشد الناس، وهو الذي سأل رسولَ الله ﷺ أن يصارعه، وذلك قبل إسلامه، ففعل، وصرعه رسول الله ﷺ مرتين أو ثلاثًا. من حديثه: أنه سمع النبيَّ ﷺ يقول: "إِنَّ لِكُلِّ دِينٍ خُلُقًا، وخُلُقُ هذا الدِّين الحَيَاءُ"، وتُوُفِّيَ رُكَانَةُ في أَوَّلِ خلافةِ معاوية سنة اثنتين وأربعين.
стр. 723
دعاؤه بالبركة لحمل أم سليم
١٧٨٨ - عن أنس بن مالك قال: كان لِأُمِّ سُلَيْمٍ من أبي طَلْحَةَ ابْنٌ، فَمرِضَ مَرَضَهُ الذي مَاتَ فيه، فَلمَّا ماتَ، غَطَّتْهُ أُمُّه بِثَوْبٍ، فدخلَ أبو طَلْحَةَ، فقال: كيف أمْسي ابْني؟ فقالت: أَمْسى هادِئًا، فَتَعَشَّى، ثم قالت له في بعض اللَّيْلِ: أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ رَجُلًا أَعَارَكَ عَارِيَّةً، ثم أَخَذَها مِنْكَ إذًا جَزِعْتَ؟ فقال: لا، فقالت: إنَّ الله أَعَارَكَ ابْنَكَ وقَدْ أَخَذَهُ مِنْكَ، قال: فغدا إلى النَّبيِّ ﷺ ، فأَخبَرَهُ بقَوْلِها، وقد كان أَصَابَها تِلْكَ اللَّيْلَة، فقال رسولُ الله ﷺ : "بَارَكَ اللهُ لَكُما في لَيْلَتِكُما". قال: فولدت له غلامًا كان اسمه عبد الله، قال فذكروا أنه كان من خير أهل زمانه، ورواه عباية بن رافع عن أنس، وقال عباية: لقد رأيتُ لذلك الغلام سبعةَ بنينٍ كُلُّهُم قد قَرَؤُوا القُرآنَ. أخرجه البيهقي (١).
دعاؤه لأبي زيد عمرو بن أخطب
١٧٨٩ - عن أبي زيد الأنصاري قال: قال لي رسول الله ﷺ : "ادْنُ مِنِّي" فمسحَ بيدِه على رَأْسِي ولِحْيَتِي، ثم قال: "اللهُمَّ جَمِّلْهُ وأدِمْ جَمَالَه". قال الراوي عنه: فبلغ بِضْعًا ومِائَة سَنَةٍ وما في لحيته بَياضٌ إلا نبذة يَسِيرةً، ولقَد كان مُنْبَسِطَ الوَجْهِ، ولم يَنْقَبِضْ وَجهُهُ حتى ماتَ. أخرجه أحمد بن حنبل (٢).
стр. 724
دعاؤه ﷺ لعبد الرحمن بن عوف بالبركة فكثر ماله حتى صولحت امرأة من نسائه من ربع الثمن على ثمانين ألفًا
١٧٩٠ - عن أنس: أنَّ رسولَ الله ﷺ رَأَى عَلَى عبد الرَّحمن أَثَرَ صُفْرَةٍ، فقال "ما هذا يا أبا مُحمد؟ " قال: تَزَوَّجْتُ امْرَأَةً على وَزْنِ نَواةٍ مِنْ ذَهَبٍ، قال: "بَارَكَ اللهُ لَكَ، أَوْلِمْ ولو بِشَاةٍ" أخرجه البخاري ومسلم (١).
دعاؤه ﷺ لأمته في بكورها وظهور أثر ذلك لمن فعله معتقدًا
١٧٩١ - عن صخر الغامدي قال: قال رسولُ الله ﷺ : "اللهُمَّ بَارِكْ لِأُمَّتي في بُكُورِها"، وكانَ رسولُ الله ﷺ لا يبعث سَرِيَّةً إلا بَعَثَهُم [في] أَوَّلِ النَّهارِ. قال الراوي: وكان صَخْرٌ رَجُلًا تَاجِرًا، فكان يَبْعَثُ غِلْمَانَهُ في أَول النَّهارِ، فَأَثْرى، وكَثُرَ مَالُه، حتى لم يَدْرِ أَيْنَ يَضَعهُ (٢).
قوله ﷺ للرجل ضرب الله عنقه فقتل في سبيل الله
١٧٩٢ - عن جابر بن عبد الله قال: خرجنا مع رسولِ الله ﷺ في غَزْوَةِ بني أَنمار، فذكر الحديث في الرَّجُلِ الَّذِي عليه ثَوْبَانِ قد خَلُقا، وله ثوبان في الغَيْبَةِ، فَأَمَرَهُ النبي ﷺ فَلَبِسَهُما، ثم ولَّى يَذهب، فقال رسول الله ﷺ :
стр. 725
"ماله ضَرَبَ الله عُنُقَهُ، أَلَيْس هذا خيْرًا؟ " فَسَمِعَهُ الرَّجُل، فقال: يا رسول الله في سبيل الله؟ فقال رسولُ الله ﷺ : "في سَبِيلِ الله"، فقُتِلَ الرَّجُل في سَبيلِ الله (١).
ذكر انقياد الحيوانات والوحوش والطير ونطقها
مما أورده البيهقي في كتابه.
سجود البعير
١٧٩٣ - عن جابر بن عبد الله: أنَّ ناضِحًا لبعض بَني سَلِمَة اغْتَلَم، فَصَالَ عليهم، وامْتَنَعَ عليهم حتى عَطِبَتْ نَخْلُهُ، فانطلق إلى النبيِّ ﷺ ، فاشتكى ذلك إليه، فقال النبيُّ ﷺ : "انْطَلِق" وذهب النبيُّ ﷺ معه، فلما بلغ بابَ النَّخْلِ، قال: [يا] رسولَ الله، لا تدْخُلْ، فإني أَخافُ عَلَيْكَ، فقال النبيُّ ﷺ : "ادْخُلوا فلا بَأْسَ عَلِيْكم"، فلما رآهُ الجَمل أقبل يَمْشِي واضِعًا رَأْسَهُ حتى قام بين يَدَيْهِ فسجد، فقال النبيُّ ﷺ : "ائْتُوا جَمَلَكم فاخْطِمُوهُ وارْتَحِلُوهُ" فخطموه وارتحلوه، وقالوا: سَجَدَ لَكَ يا رَسُولَ الله حِين رَآكَ، فقال: "لا تقولوا ذلك لي، لا تقولوا ما لَمْ أبْلغ، فلَعْمري ما سَجَدَ لي، ولكن سَجَدَ للهِ [ولكن الله تعالى سَخَّرَهُ لي" (٢).
احتلاب البكرة
١٧٩٤ - عن حماد بن سلمة قال: سمعتُ شيخًا من قيس يحدِّث عن
стр. 726
أبيه، أنه قال: جاءَنا النبيُّ ﷺ ، وعندنا بَكْرَةٌ صَعْبَةٌ لا يقدر عليها، قال: فدنا منها رسولُ الله ﷺ ، فَمَسَحَ ضَرْعَها، فحفل، فاحْتَلَبَ وشَربَ (١).
الوحش
١٧٩٥ - عن عائشة قالت: كانَ لأَهْلِ رسولِ الله ﷺ وَحْشٌ، فإذا خَرجَ رسولُ الله ﷺ لَعِبَ وذَهَبَ وجَاءَ، فإذا جاءَ رسولُ الله ﷺ رَبَضَ فلم يَتَرَمْرَم ما دَام رسولُ الله ﷺ في البَيْت (٢).
الحُمَّرة
١٧٩٦ - عن عبد الله بن مسعود قال: كُنَّا مع النبيِّ ﷺ في سَفَر، فدخَلَ رَجُلٌ غَيْضَةً، فَأَخْرَجَ منها بَيْضَة حُمَّرَة، فجاءت الحُمَّرَةُ تَرفُّ على رَأْسِ رسولِ الله ﷺ ، فقال: "أَيُّكم فَجَعَ هذِهِ؟ " فقال رجل من القوم: أنا أخذتُ بَيْضَتَها، فقال: "رُدَّهْ رُدَّهُ رَحْمَةً بها" (٣).
الظبية
١٧٩٧ - عن زيد بن أرقم قال: كنتُ مع النبيِّ ﷺ في بَعْضِ سِكَكِ المدِينَةِ، فَمرَرْنا بخِبَاءِ أعْرابيٍّ، فإذا ظَبْيَةٌ مَشْدُودَةٌ إلى الخِبَاءِ، فقالت: يا رسول الله، إن هذا الأَعْرَابيَّ اصْطَادَني ولي خِشفان في الْبَرِّيَّةِ، وقد تعَقَّد الْلَّبَنُ في أَخْلافي، فلا هو يَذْبَحُني فَأَسْتَريحَ، ولا هو يَدَعُني فَأَرْجِع إلى خِشفَيَّ في البرية، فقال لها رسولُ الله ﷺ : "إنْ تَرَكْتُك، تَرجِعين؟ " قالت: نعم، وإلَّا عَذَّبَني
стр. 727
الله عذاب العشار، فأطلقها رسولُ الله ﷺ ، فلم تَلْبَثْ أن جاءَتْ تَلْمُظُ، فشَدَّها رسولُ الله ﷺ إلى الخِبَاءِ، وأقبل الأعرابيُّ ومعه قربة، فقال له رسول الله ﷺ : "أَتَبِيعُنِيها؟ " قال: هِيَ لَكَ يا رسول الله، فأَطلقها رسولُ الله ﷺ . قال زيدُ بن أرقم: فأنا والله رأيتها تسيح في البرية وهي تقول: لا إله إلا الله محمدٌ رسولُ الله (١).
الضب وشهادته بالرسالة
١٧٩٨ - عن عمر بن الخطاب ﵁: أنَّ رسولَ الله ﷺ كان في مَحْفِلٍ من أَصْحَابِه إذْ جاءَ أعْرَابيٌّ من بَني سُلَيْم قد صَادَ ضَبًّا وجعله في كُمِّهِ لِيَذْهَبَ بِهِ إلى رَحْلِهِ فَيَشْويَهُ ويَأْكُلَه، فلما رأى الجماعَةَ، قال: ما هذا؟ قالوا: هذا الذي يَذكُر أَنَّه نَبيٌّ، فجاءَ حَتَّى شَقَّ النَّاسَ فقال: والْلَّاتِ والْعُزَّى ما شَمِلَتِ الْنِّسَاءُ على ذِي لَهْجَةٍ أَبْغَضَ إليَّ مِنْكَ، ولا أَمْقَت، ولولا أنْ يُسَمِّيَني قَوْمي عَجُولًا لَعَجَّلْتُ عَلَيْكَ، فَقَتَلْتُكَ، فَسَرَرْت بِقَتْلِكَ الأَسْودَ والأَحْمَرَ والأَبْيَضَ وغيرهم، فقال عمر بن الخطاب: دَعني [يا رسول الله] فَأَقومَ فَأَقْتُلَهُ، قال: "يا عمر، أما عَلِمْت أَنَّ الحَليم كادَ أن يَكُونَ نَبيًا" ثم أقبل على الأَعْرابيِّ فقال: "ما حَمَلَكَ على ما قُلْت وقُلْتَ غَيْرَ الحَقِّ ولم تُكْرمْني في مَجْلِسي؟ " قال: وتُكَلِّمُني أيضًا - اسْتِخْفافًا برسول الله ﷺ واللَّاتِ والْعُزَّى لا آمَنْتُ بك أَوْ يُؤْمِن بك هذا الْضَّبُ، وأخْرَجَ الْضَّبَّ من كُمِّهِ، وطَرَحَهُ بَيْنَ يَدَيْ رسولِ الله ﷺ ، فقال رسولُ الله ﷺ : "يا ضَبُّ" فأَجابه الْضَّبُّ بِلِسانٍ عَرَبيٍّ مُبينٍ سَمِعَهُ القَوْمُ جمِيعًا: لَبَّيْكَ وسَعْدَيْكَ يا زَيْنَ من وافَى القِيَامَةَ، قال: "مَنْ تَعْبُد يا ضَبُّ"؟ قال: الَّذِي في السَّمَاءِ عَرْشُهُ، وفي الأرْضِ سُلْطَانُهُ، وفي البَحْرِ
стр. 728
سُبُلُه، وفي الجَنَّةِ رَحْمَتُهُ، وفي النَّارِ عِقَابُهُ، قال: "فمن أنا يا ضبُّ؟ " قال: رسولُ رَبِّ العالمين، وخاتَمُ النَّبيِّين، وقد أَفْلَحَ من صَدَّقَكَ، وخَابَ من كَذَّبَكَ قال: الأعرابي: لا أتْبَعُ أَثَرًا بَعْدَ عَيْن، واللهِ لقد جِئْتُكَ وما على ظَهْر الأرْضِ أَحَدٌ أبغض إِليَّ منك، وإِنَّكَ اليوم أَحبُّ إِليَّ من والديَّ، ومن عَيْنيَّ، ومني، وإني لَأُحِبُّكَ بداخِلي، وخارِجي، وسرِّي، وعَلَانِيَتي، أشهدُ أن لا إِلهَ إِلا الله، وأشهد أَنَّكَ رسولُ الله، فقال رسول الله ﷺ : "الحمدُ للهِ الَّذي هَدَاكَ بي، إِنَّ هذا الدِّينَ يَعْلو ولا يُعْلى عليه، ولا يُقْبَلُ إِلَّا بصَلاةٍ، ولا تُقْبَلُ الصَّلاةُ إِلَّا بقُرَآنٍ" قال: فَعَلِّمْني، فَعلَّمَهُ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ قال: زدني، فما سَمِعْتُ في البَسِيطِ ولا في الرَّجَزِ أحسن من هذا، قال: "يا أعرابيُّ إنَّ هذا كَلامُ اللهِ ليس بشْعرٍ إِنَّكَ إن قَرَأْتَ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ مَرَّة، كان لك كَأَجْرِ من قَرَأَ ثُلثَ القُرآنِ، وإِنْ قرأت مَرَّتَين، كان لَكَ كَأَجْرِ من قَرَأَ ثلُثَي القُرْآنِ، وإن قَرَأْت ثلاث [مرات]، كَانَ لَكَ كَأَجْرِ من قَرَأَ القُرآنَ كله" قال الأعرابيُّ: نعم الإلَه إلهًا يقبل اليَسِيرَ، ويُعطي الجَزيلَ، فقال له رسول الله ﷺ : "أَلَكَ مالٌ؟ " قال: فقال: ما في بني سُلَيْمٍ قاطِبَةً رَجلٌ هو أَفْقَر مني، فقالَ رسولُ الله ﷺ لأصحابه: "أَعْطوه" فَأَعْطوه حتى أَبْطَروهُ، فقام عبد الرحمن بن عوف، فقال: يا رسولَ الله: إن له عندي ناقة عُشَرَاءَ، دون البختي وفوق الأعرابي، تَلْحَق ولا تُلْحَق أُهْدِيَتْ إِليَّ يوم تبوك، أَتقرَّبُ بها إلى الله ، وأَدفَعُها إلى الأَعْرابيِّ، فقال رسولُ الله ﷺ : "قد وَصَفْتَ نَاقَتَكَ، فَأَصِفُ مالَكَ عِنْدَ الله يوم الْقِيَامَةِ؟ " قال: نعم، قال: "لَكَ ناقَةٌ من دُرَّةٍ جوفاء، قوائمُها من زبرجد أخضر، وعنقُها من زبرجد أصفر، عليها هَوْدَجٌ، وعلى الهَوْدَجِ السُّنْدُسُ والإسْتَبْرَقُ، وتَمرُّ بِكَ على الصِّراطِ كالبَرْقِ الخَاطِفِ، يَغبِطُكَ بها كلُّ من رآكَ يومَ القِيامة"، فقال عبد الرحمن: قد رضيتُ، فخرج الأعرابيُّ، فَلقيَهُ أَلْفُ أَعْرَابيٍّ من بَنِي سُلَيْم على ألفِ دَابَّةٍ، معهم أَلْفُ سَيْفٍ، وأَلْفُ رُمْح، فقال لهم: أين تريدون؟ قالوا له: نريدُ
стр. 729
هذا الذي سَفَّهَ آلِهَتَنَا فَنَقْتُلَه، قال: لا تَفْعَلوا وأَنا أَشْهَدُ أن لا إله إلا اللهُ، وأن محمدًا رسولُ الله، فحدثهم بالحديث فقالوا بأجمعهم: لا إله إلا الله محمد رسول الله ثم دخلوا، فقيل للنبيِّ ﷺ ، فَتَلَقَّاهُم بلا رِدَاءٍ، فنزلوا عن رِكَابِهم يُقَبِّلُونَ حَيْثُ وَافَوْا منه، وهم يقولون: لا إلهَ إِلَّا اللهُ محمدٌ رسولُ الله، ثم قالوا: يا رسولَ الله مُرْنَا بِأَمْرِكَ قال: "كونوا تحت راية خالد بن الوليد"، فلم يُؤْمِن من العَرَبِ ولا غيرهم أَلْفٌ غيرهم.
رواه البيهقي عن أحمد بن علي الدامغاني، عن عبد الله بن عدي الحافظ، عن محمد بن علي بن الوليد السلمي، عن محمد بن عبد الأعلى عن معتمر بن سليمان، عن كهمس، عن داود بن أبي هند، عن عامر عن ابن عمر عن عمر، وقال: وروي ذلك في حديث عائشة وأبي هريرة، وما ذكرنا هو أمثل الأسانيد فيه، [وهو أيضًا ضعيف] (١).
الذئب وشهادته بالرسالة
١٧٩٩ - عن أبي سعيد الخُدْري قال: بَيْنَا أَعْرَابيٌّ في بعضِ نَواحِي المَدِينَةِ في غَنَمٍ له، إذْ عَدا عليها الذِّئْبُ، فَأَخَذَ شَاةً من غَنَمِه، فَأَدْرَكَهُ الأَعْرابيُّ، فَأَخَذَها منه، وانْطَلَقَ الذِّئبُ يَمْشي، ثم رجع الذِّئْب مُسْتَنْفِرًا بذَنَبه مُسْتَقْبلَ الأعربيِّ، ثم قال: ويحك ألا تحرِّج تَنْتَزع رِزْقًا رَزَقَنِيه الله؟ فطفِقَ الأعرابي بين يَدَيْهِ، فقال: العَجَبُ من ذِئْبٍ يَتَكَلَّمُ، فقال الذِّئْبُ: والله إِنَّكَ لَتَدَعُ ما هُوَ
стр. 730
أَعْجَبُ من هذا؟ قال: وما هو أَعْجَبُ من هذا، قال: نبيُّ الله في النَّخلات يُحَدِّثُ الناس عن أَنْبَاءِ ما قَدْ سبق وما يكون بَعْدَ ذلِكَ، فساق الأعرابيُّ غَنَمَهُ حتَّى ألجئ إلى بَعضِ المدينة، وسعى إلى النبيِّ ﷺ ، حتَّى ضَرَبَ عليه بَابَهُ، فأذن له، فحدَّثَهُ الأعرابيُّ [فصدَّقَهُ، ثم قال: إذا صليتُ بالنَّاس الصلاة فاحضرني، فلما صلى رسول الله ﷺ قال: "من صاحب الغنم" فقام الأعرابي] فقال له النَّبيُّ ﷺ : "حدِّث بما رَأيتَ وما سَمِعتَ" فحدَّث الأعرابيُّ بما سَمِع وبما رأى، ثم قال: "والَّذي نفس محمدٍ بيده، لا تقوم السَّاعة حتى يخرج أحدكُم من أَهْلِه فيُخْبرُه نعلُه أو سَوْطُه، أو عصاه بما أَحْدَثَ أَهْلُهُ بعدَهُ" (١).
١٨٠٠ - ورواه البيهقي أيضًا عن أبي سعيد الماليني، عن أبي أحمد بن عدي الحافظ، عن عبد الله بن داود السجستاني، وقال: قال أبو أحمد - يعني ابن أبي عدي الحافظ - قال لنا ابن أبي داود: وَلَدُ هذا الرَّاعي يقال لهم: بنو مُكَلِّم الذئب ولهم أمالٌ ونِعم وهم من خزاعة، واسم مكلم الذئل أهبان، ومحمد بن الأشعث الخزاعي من ولده. وقال البيهقي: عبد الله هذا: هو أبو بكر بن أبي داود السجستاني أحد حفاظ عصره وعلماء دهره، ولا يقول مثل هذا في ولد مكلم الذئب إلا عن معرفة، وفي اشتهار ذلك في ولده قوة للحديث.
ذكر شهادة الميت بالرسالة والخلافة
١٨٠١ - عن سعيد بن المسيب: أنَّ زيد بن خارجة الأنصاري ثُمَّ من بني الحارث بن الخزرج، تُوُفِّيَ زَمَنَ عثمانَ بن عفان، فَسُجِّيَ في ثَوْبِه، ثم إنَّهُم
стр. 731
سَمِعُوا جَلْجَلَةً في صَدْرِهِ، ثم تَكَلَّم، ثم قال أحمد في الكتاب الأول: صَدَقَ صدق أبو بكر الصديق، الضَّعِيفُ في نفسِه، القَويُّ في أمر الله، في الكتاب الأول، صدق صدق عُمر بن الخطاب، القَويُّ الأمينُ في الكتاب الأول، [ألا قد صدق] صدق صدق عثمان بن عفان على مَناهِجهم، مضت أربعٌ، وبَقِيَتْ ثِنْتان، أَتَتِ الفِتَنُ، وأَكَلَ الشَّدِيدُ الضَّعِيفَ، وقَامَتِ السَّاعَةُ، [وسيأتيكم من جيشكم خبر بئر أريس وما بئر أريس] قال يحيى - يعنى ابن سعيد -: قال سعيد - يعني ابن المسيب -: ثم هلك رجلٌ من بني خطمة فسُجِّيَ بثوبٍ، فسُمِعَ جَلْجَلَةٌ في صدْرِهِ، ثم تكلم فقال: إن أخا بَني الحارث بن الخزرج صدق صدق. أخرجه البيهقي عن أبي صالح بن أبي طاهر العنبري، عن جده يحيى بن منصور القاضي، عن أبي علي محمد بن عمرو بن كشمرد، عن القعنبي عن سليمان بن بلال، عن يحيى بن سعيد، عن سعيد بن المسيب، وأخرجه عن أبي عبد الله الحافظ، عن أبي بكر بن إسحاق الفقيه، عن موسى بن الحسن، عن القعنبي وقال: هذا إسناد صحيح وله شواهد (١).
قال البخاري في "التاريخ" زيد بن خارجة الخزرجي الأنصاري: شهد بدرًا، توفي زمن عثمان، هو الذي تكلم بعد الموت. وقال ابن عبد البر: زيد بن خارجة بن زيد بن أبي زهير بن مالك بن الحارث بن الخزرج، روى عن النبيِّ ﷺ في الصلاة عليه ﷺ ، وهو الذي تكلم بعد الموت لا يختلفون في ذلك أنه غشي عليه قبل موته، وأسري بروحه، فسجى عليه بثوب، ثم راجعته نفسه، فتكلم بكلام حفظ في أبي بكر وعمر وعثمان ثم مات من حينه، روى حديثه هذا ثقات الشاميين عن النعمان بن بشير، ورواه ثقات الكوفيين عن يزيد بن النعمان بن بشير، ورواه يحيى بن سعيد الأنصاري عن سعيد بن المسيب: أن زيد بن
стр. 732
خارجة. . . فذكره كما ذكرناه، وزاد بعد قوله وقامت الساعة: وسيأتيكم خبر بئر أريس، وما بئر أريس، كأنه أراد بخبر بئر أريس وقوع خاتم النبيِّ ﷺ فيها، وما كان من الضعف والاختلاف بعد ذلك في زمن عثمان حتى آل الأمر إلى ما آل.
شهادة الرضيع بالرسالة
١٨٠٢ - عن معرض بن عبد الله بن معرض بن معيقيب اليمامي، عن أبيه، عن جده قال، حَجَجْتُ حَجَّةَ الوداع، فدخلتُ دارًا بمكة، فرأيتُ فيها رسولَ الله ﷺ ووجهُه كدارَةِ القمر، فسمعتُ منه عجبًا، أتاه رجلٌ من أهل اليَمَامَةِ بغلام يوم وُلِدَ وقد لَفَّه في خِرْقَةٍ، فقال له رسولُ الله ﷺ : "يا غلام! من أنا؟ " فقال: أنتَ رسولُ الله، قال: " [صدقت] بارَكَ الله فيك" ثم إنَّ الغلام لم يتكلم بعدها حتى شَبَّ، قال أبي: فكُنا نُسمِّيه مُبَارَكَ اليَمَامَةِ. أخرجه البيهقي عن أحمد بن عبيد الصفار، عن محمد بن يونس الكديمي قال: حدثنا شاصويه بن عبيد أبو محمد اليمامي: وانصرفنا من عدن بقرية يقال لها: "الحرَدَة"، قال: حدثني معرض. . فذكره. وقال البيهقي عن شيخه أبو عبد الله الحافظ: وقد أخبرني الثقة من أصحابنا عن أبي عمر الزاهد قال: لما دخلت اليمن، دخلت حردة، فسألت عن هذا الحديث. فوجدت فيها لشاصويه أعقابًا وحُمِلتُ إلى قبره فزرتُه. قال البيهقي: ولهذا الحديث أصل من حديث الكوفيين بإسناد مرسل يخالفه في وقت الكلام (١).
وقال أبو عمر بن عبد البر في كتاب "الاستيعاب": معرض بن معيقيب، ذكره ابن قانع، وروى حديثه عن معرض بن عبد الله بن معرض عن
стр. 733
أبيه عن جده معرض بن معيقيب، قال: حججت حجَّة الوداع، فدخلت مكة. . .، فذكره كما ذكره البيهقي أولًا.
ذكر سجود الحجر والشجر لرسول الله ﷺ وتأمين أسكفة الباب وحوائط البيت على دعائه وقد سبق ذكر بعض ذلك
١٨٠٣ - عن جابر بن عبد الله قال: كان في رسولِ الله ﷺ خِصَالٌ لم يكن في طَرِيقٍ فيتبعه أَحَدٌ إلَّا عرف أنه قد سَلَكَه من طِيب عَرْفِه أو ريح عَرَقِه - الشَّكُّ من إسحاق -، ولم يكن يَمرُّ بحجر ولا شَجَرٍ إلا سَجَدَ لَهُ. أخرجه البيهقي هكذا (١).
١٨٠٤ - عن أبي أُسَيْد السَّاعِدِي قال: قال رسول الله ﷺ للعباس بن عبد المطلب: "يا أبا الفَضْل! لا تَرُم من منزلك غَدًا أَنتَ وبنوكَ حتى آتِيَكُم، فإن لي فيكم حَاجَةً"، فانْتَظَرُوه حتَّى جَاءَ بعد ما أَضحى، فدخَلَ عليهم فقال: "السَّلامُ عليكُم" قالوا: وعليك السلامُ ورحمةُ الله وبركاته، قال: "كيف أَصْبَحْتُم"؟ قالوا: أصبحنا بخَيْرٍ نَحْمَدُ اللهَ، فكيف أَصبحت بأبينا أَنْتَ وأُمِّنا يا رسول الله؟ قال: "أَصبحتُ بخيرٍ أَحمدُ الله"، فقال: "تَقَارَبُوا تَقَارَبُوا تَقَارَبُوا يزحفُ بعضُكم إلى بعض"، حتى إذا أَمْكَنُوهُ، اشْتَمَلَ عليهم بمُلاءَته وقال: "يا رب هذا عَمِّي وصِنْوُ أبي، وهؤلاء أَهلُ بيتي، فاسْتُرْهُم من النار كستري إيَّاهُم بملاءَتي هذه"، قال: فَأَمَّنَتْ أَسْكُفَّةُ الباب، وحوائطُ البَيْتِ: آمين، آمين، آمين. (٢) قال البيهقي: لفظ حديث الهروي تفرد به عبد الله بن عثمان
стр. 734
الوقاصي، هذا وهو ممن سأل عنه عثمان الدرامي يحيى بن معين، فقال: لا أعرفه (١). والهروي: هو إبراهيم بن عبد الله الهروي.
ذكر الطير الذي أخذ الخف فسقط منه ما دخله
١٨٠٥ - عن ابن عباس قال: كان النبيُّ ﷺ إذا أرادَ الحاجَة أَبْعَدَ، قال: فذهب، فقعد تَحْتَ شَجَرَةٍ، فنزع خُفَّيْهِ ولَبِس أحدهُما، فجاء طيرٌ، فأخذ خُفَّهُ الآخر، فحلَّق به في السماءِ، فأسلت منه أسود سالخ، فقال النبيُّ ﷺ : "هذه كرامة أكرمني الله بها، اللهم إِنِّي أَعُوذُ بك من شَرِّ من يمشي على رِجْلَيه، ومن شر من يمشي على أربع، ومن شَرِّ من يمشي على بَطْنِهِ"، أخرجه البيهقي عن أبي عبد الله الحافظ، ومحمد بن الحسن بن داود، عن محمد بن يعقوب الأموي، عن محمد بن عبيد بن عتيبة بن الكندي، عن محمد بن الصلت، عن حبان، عن أبي سعد البقال، عن عكرمة، عن ابن عباس (٢).
ذكر التمثال الذي وضع رسول الله ﷺ عليه يده فأذهبه الله
١٨٠٦ - قال الأوزاعي: قالت عائشة: أتاني رسولُ الله ﷺ ببُرْنس فيه تِمْثال عُقَابٍ، فوضع رسولُ الله يَدَهُ عليه فَأذْهَبَهُ الله. أخرجه البيهقي (٣).
ذكر إبصار رسول الله ﷺ بالليل كما يرى في النهار
١٨٠٧ - أخرجه البيهقي عن هشام بن عروة عن أبيه [عن عائشة] قال: كانَ رسولُ الله ﷺ يرى في الظُّلْمَةِ كما يرى في الضَّوءِ".
стр. 735
١٨٠٨ - وأخرجه عن عطاء، عن ابن عباس قال كانَ رسولُ الله ﷺ يرى باللَّيْلِ في الظُّلْمَةِ كما يرى بالنَّهَار" (١).
ذكر التقاء النبي ﷺ بإلياس وسماعه كلام الحضر ﵉ وإسنادهما ضعيف
١٨٠٩ - عن أنس بن مالك قال: كنا مع رسولِ الله ﷺ في سَفَرٍ، فنزلنا مَنْزلًا، فإذا رجل في الوادي يقول: اللهم اجْعَلْني من أُمَّةِ محمد المَرْحُومَةِ المغْفُورَةِ، قال: فأَشْرَفْتُ على الوادي، فإذا رجلٌ طوله أكثر من ثلاثمائة ذِرَاعٍ، فقال لي: من أنت؟ قال. قلت: أنا أنس بن مالك خادمُ رسولِ الله ﷺ ، قال: فأَين هو؟ قلت: هو ذا يَسْمَعُ كلامَك، قال: فأتِهِ فأَقْرِئْهُ الْسَّلام وقل له: أَخُوكَ إلياسُ يُقرئك السَّلام، فأَتَيتُ النَّبيَّ ﷺ ، فأَخبرتُهُ، فجاء حتى لَقِيتُهُ، فعانَقَهُ وسلَّم عليه، ثم قَعَدَا يتحدَّثانِ، فقال: يا رسول الله! إنِّي ما آكُل في سَنةٍ إِلَّا يومًا، وهذا يومُ فطري، فآكُل أنا وأنت، قال: فنزلت عليهما مائِدَةٌ من السماء، عليها خُبْزٌ وحُوتٌ وكَرْفَسُ، فأَكَلا وأَطْعَماني، وصلَّيا العصر، ثم ودَّعَه، ثم رأيتُه مَرَّ في السَّحَابِ نحو السماء. قال البيهقي: هذا الذي روي في الحديث في قدرة الله تعالى جائز، وبما خص به رسوله ﷺ من المعجزات شبيه، إلا أن إسناد هذا الحديث ضعيف بمرة، وفيما صح من المعجزات كفاية. عن عبد الله بن نافع، عن لهيعة بن عبد الله، عن أبيه، عن جده، أنَّ رسولَ الله ﷺ كان في المسجد، فسمِعَ كلامًا في زاوية، فإذا هو بقائل يقول: اللَّهُمَّ أعني على ما يُنْجيني مما خَوَّفْتَني، فقال رسول الله ﷺ حين سمع ذلك: "ألا تضم إليها أُخْتَها"؟ فقال الرجل: اللَّهُمَّ ارْزقْني شَوقَ الصَّادِقِين إلى ما شَوَّقْتَهُم [إليه]، فقال رسول الله ﷺ لأنسِ بن مالك وكان معه: "اذهب يا أنس إليه فقل له:
стр. 736
يقول لك رسول الله ﷺ : اسْتَغْفِر لي" فجاءه أنسُ فبَلَّغَهُ فقال الرجل: يا أنس أنت رسولُ رسولِ الله ﷺ [إليَّ] فقال لي: كما أنت فارْجِع فاشْتَثْبتهْ، فقال رسولُ الله ﷺ : "قل له: نعم"، فقال: نعم، فقال له: اذهب فقل لرسولِ الله ﷺ : فَضْلُكَ على الأنبياء مثل فضل رمضان على الشّهور، وفضل أُمَّتِكَ على الأُمَمِ مثل فضل يومِ الجمعةِ على سَائِرِ الأيَّامِ، فذهبوا ينظرون، فإذا هو الخَضِرُ ﵇ (١).
стр. 737
الفصل السابع عشر: في ذكر مرضه ﷺ ، ووفاته، وما يتعلَّق بذلك، وذكر أوصافه وأحواله بعد الموت
وقول الله تعالى: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ. .﴾ الآية. [آل عمران: ١٤٤].
ذكر نعي رسول الله ﷺ نفسه إلى أبي مويهبة مولاه
١٨١٠ - ذكره البيهقي عن عبد الله بن عمرو بن العاص، عن أبي مويهبة مولى رسولِ الله ﷺ قال: أَنْبَهَنِي رسول الله ﷺ من اللَّيْلِ فقال: "يا أَبا مويهبة! إنِّي قد أُمرتُ أن أستغفرَ لأهلِ هذا البقيع" فخرجتُ معه حتى أتَينا البقيع، فَرَفعَ يَدَيْهِ، فاسْتَغْفَرَ لَهُم طَويلًا، ثم قال: "ليهن لكم ما اصْبَحْتُم فيه، مِمَّا أَصبَحَ الْنَّاسُ فيه، أقْبَلَتْ الْفِتَنُ كَقِطَع اللَّيْلِ المُظْلِمِ، يَتْبعُ آخِرُها أَوَّلها، وآخِرُها شَرٌّ من أَوَّلها، يا أبا مُوَيْهِبَة إِنِّي قد أعْطِيْتُ مَفاتِيح خَزَائِنِ الدُّنيا والخُلْدَ فيها، ثم الجنة، فخُيِّرتُ بين ذلكَ وبَيْنَ لِقاءِ رَبِّي والجَنَّة" فقلت: يا رسول الله! بأبي أنت وأمِّي، فخُذْ مفَاتِيحَ خزائِنِ الدُّنيا والخُلْد فيها ثم الجنة، فقال: "والله يا أبا مُوَيْهبة! لقد اخْتَرْتُ لقاءَ رَبِّي والجنة" ثم انصرف رسولُ الله ﷺ . فلما أصْبَحَ ابتُدئ بوجَعِهِ الذي قَبَضَهُ اللهُ فيه (١).
стр. 738
خطبة رسول الله ﷺ في مرضه ووصيته بالأنصار وإشارته إلى فضل أبي بكر وأن ذلك كان آخر مجلس جلس فيه حتى قبض
١٨١١ - عن عبد الله بن الحارث قال: حدثني جندب، أنه سَمِعَ النبيَّ ﷺ قبل أن يموتَ بخَمْسٍ يقول: "قَدْ كانَ لي مِنْكُم إِخْوَةٌ وأَصْدِقاء، وإِنِّي أَبْرَأُ إلى كُلِّ خَلِيلٍ من خُلَّتِهِ، ولو كنتُ مُتَّخذًا من أُمَّتي خَلِيلًا، لاتَّخَذْتُ أَبا بَكْرٍ خَلِيلًا [وإنْ ربِّي اتَّخَذَني خَلِيلًا كما اتَّخَذَ إبراهيم خَلِيلًا]، وإن قَوْمًا مِمَّن كَانَ قَبْلَكُم يَتَّخِذُونَ قُبُورَ أَنْبيَائِهم وصُلَحائِهم مَسَاجِدَ، فلا تَتَّخِذوا القُبُورَ مَسَاجِدَ، فإِنِّي أَنْهاكم عن ذلِك" رواه مسلم (١).
١٨١٢ - قال البيهقي: وفي هذه الخطبة قال: ما أخبرنا به. . .، فذكر سندًا عن عكرمة عن ابن عباس، أنَّ رسولَ الله ﷺ خرج في مَرَضِهِ الذِي ماتَ فيه عاصِبًا رَأْسَهُ بعِصَابةٍ دَسْمَاءَ ملْتَحِفًا بِملْحَفَةٍ علي مَنْكِبَيْهِ، فجلسَ على المِنْبَرِ، فحَمِدَ اللهَ وأَثْنى عليه، وقال: "أَمَّا بَعْدُ فإنَّ النَّاسَ يَكْثُرُونَ، وتَقِل الأنْصَارُ، حتَّى يكونُوا في النَّاسِ مِثْلَ المِلْح في الطَّعام، فمن وَلِيَ منكم أَمْرًا يَضُرُّ فيه قَوْمًا، وينفَعُ فيه آخَرين فَلْيَقْبَل من محسنهم، وليتجاوز عن مسيئهم"، قال: فكانَ آخر مَجْلِسٍ جلس فيه النبيُّ ﷺ حتى قُبِضَ. أخرجه البخاري (٢).
стр. 739
ذكر خطبة رسول الله ﷺ وبذله من النفس الشريفة النصف
١٨١٣ - رواه البيهقي عن الفضل بن عباس قال: أَتاني رسولُ الله ﷺ وهو يُوعَكُ وَعْكًا شدِيدًا قد عَصَبَ رَأْسَهُ فقال: "خُذْ بِيَدِي يا فضلُ" [فأخذْتُ بيدِه حتى قَعَدَ على المنبر، ثم قال: "ناد في النَّاسِ يا فَضْلُ"] فناديتُ: الصلاة جامعة، قال: فاجتمعوا، فقامَ رسولُ الله ﷺ خَطِيبًا، فقال: "أما بعدُ أَيُّها النَاسُ! إِنَّهُ قد دَنا مني خُفُوق من بيْن أَظْهركم، وأنا تَرَوْني في هذا المقام فِيكم، وقد كنت أرى أنَّ غيره غَيْرُ مُغْنٍ عني حتى أقومه فيكم، ألا فمن كنتُ جلدت لَهُ ظَهْرًا، فهذا ظَهْري فَلْيَسْتَقِدْ، ومن كنتُ أَخَذتُ له مالًا، فهذا مالي فَليَأخُذْ منه، ومن كنتُ شَتَمْتُ له عِرْضًا، فهذا عِرْضِي فَلْيَسْتَقِدْ، ولا يقولَنَّ قائل: أخاف الشحناء من قبل رسول الله ﷺ ، أَلَا وإِنَّ الشَّحْناءَ لَيْسَتْ من شأني ولا من خُلُقي، وإنَّ مِنْ أَحبِّكم إليَّ من أَخَذَها إِنْ كانَ له عليَّ، أو حَلَّلني فَلَقِيتُ الله ليستْ لِأَحدٍ عندي مظلمة. قال: فقام رجل فقال: يا رسول الله لي عِنْدَكَ ثلاثَةُ دَراهِم، فقال: "أَمَّا أنا، فلا أُكَذِّبُ قائِلًا، ولا أَسْتَحْلِفُ على يمين فِيمَ كانتْ لك عندي؟ " قال: أما تذكر أَنَّه مرَّ بِكَ سائِلٌ، فأمرتَني، فأَعْطَيْتُه ثلاثَةَ دراهِم، قال: "أَعْطِه يا فضل" قال: فأمر به، فجلس، ثم عاد رسولُ الله ﷺ في مقالته الأولى، ثم قال: "أَيُّها الناسُ، من كان عِنْدَهُ من الغُلُولِ شَيْءٌ فَلْيَرُدَّهُ" فقام إليه رجل فقال: يا رسول الله! عِنْدِي ثلاثةُ دراهم غَلَلْتُها في سبيل الله، قال: "ولم غَلَلْتَها؟ " قال: كنت إليها مُحْتَاجًا، فقال: "خُذْها منه يا فَضْلُ" ثم عادَ رسول الله ﷺ في مقالته الأولى، فقال: "يا أَيُّها الناس! من أَحَسَّ من نَفْسِه شيئًا، فلْيَقُم أدْعُ الله له" قال: فقام إليه رجلٌ، فقال: يا رسولَ الله: إني لمُنَافِقٌ، وإني لكَذُوبٌ، وإِنِّي لَنَؤوُمٌ، قال عمر بن الخطاب: وَيْحَكَ أَيُّها الرجلُ، لقد سَتَرَكَ اللهُ لو سَتَرْتَ علي نَفْسِكَ، فقال رسولُ الله ﷺ : "مَهْ يا ابن الخَطَّاب، فُضُوحُ الدُّنيا أَهْوَنُ
стр. 740
من فُضُوحِ الآخِرَةِ، اللَّهُمَّ ارْزُقْه صِدْقًا وإيمانًا، وأَذْهِب عنه النَّوْم إذا شَاء". ثم قال رسولُ الله ﷺ : "عُمَرُ معي وأَنا مع عمر، والحَقُّ بعدي مع عُمر" (١).
ذكر ما همَّ به ﷺ من أن يكتب لهم كتابًا حين اشتد به وجعه، ثم تركه ذلك علمًا منه بأن الترك أصلح لهم، إذ لو علم صلاحهم فيه لكتبه شاؤوا أم أبوا
١٨١٤ - عن سعيد بن جبير قال: قال ابن عباس: يومُ الخميس وما يومُ الخميس، ثم بكى حتَّى بَلَّ دَمْعهُ الحصا، قال: قلت: يا ابن عباس! وما يومُ الخميس؟ قال: اشْتَدَّ برسولِ الله ﷺ وَجَعُهَ، قال: "ائْتُوني بكتف أَكْتُبْ لكم كِتابًا لا تَضِلُّوا بعده أبَدًا" قال: فَتَنَازَعُوا، ولا يَنْبَغي عِنْدَ نَبيُّ تنازُعٌ، فقالوا: ما شَأْنُهُ أَهَجَرَ؟ اسْتَفْهِمُوه، قال: فذَهَبوا يُعِيدُونَ عليه، قال: "دَعُوني فالذي أنا فيه خَيْرٌ مما تَدْعُونَني إليه" قال: فَأَوْصَاهُم عند مَوْتِه بثلاث، فقال: "أَخْرجُوا المُشْركين من جَزيرَةِ العَرَب، وأَجِيزُوا الوُفُودَ بنحْوٍ مِمَّا كنتُ أُجِيزُهُم" قال: وسكت عن الثالثة، أو قالها فنَسِيتُها. أخرجه البخاري ومسلم (٢).
١٨١٥ - قال البيهقي: زاد علي - يعني ابن المديني - قال سفيان: وإِنَّما زَعَمُوا: أراد أن يكتب فيها استخلافَ أبي بكر (٣).