١٧٦٠ - فرع:
إِذا جوَّزنا التعليق، فقال: مهما عزلتك فأنت وكيلي، ثمَّ عزله، عاد التوكيل، فإِن عزله ثانيًا لم تَعُدِ الوكالة إِلا إِذا قال: كلَّما عزلتك فأنت وكيلي، فيتكرَّر التوكيل بتكرُّر العزل، فإِن عزله في غيبته، فإِن شرطنا العلم بالعزل فالوكالة بحالها، وإن لم نشرطه: فهل تعود الوكالة، أو تخرَّج على الخلاف في اشتراط علم الوكيل؟ فيه وجهان؛ لأنَّ الوكيل قد أمن من اطِّراد العزل.
١٧٦١ - فرع:
إِذا حكمنا بعود التوكيل بعد العزل، فصادف التصرُّفُ وقت الانعزال، ففي نفوذه وجهان، وإن شككنا في ذلك أو اختلفا فيه، فالأصل بقاء التوكيل.
١٧٦٢ - فرع:
إِذا حكمنا بتكرُّر الوكالة إِذا تكرَّر العزل، فالخلاص منها بأن يقول: كلما وكَّلتك فأنت معزول.
* * *
١٧٦٣ - فصل في إقرار الوكيل على الموكل
إِذا توكل بالمخاصمة لمدَّعٍ أو مدَّعى عليه، لم يُقبل إِقراره عليه، ولو عَدَّل وكيل المدَّعى عليه بيِّنةَ المدَّعي لم يقبل؛ لأنه يقطع الخصومة كالإِقرار، وليس للوكيل أن يختار قطع الخصام.
* * *
стр. 1402
١٧٦٤ - فصل في التوكيل في الإبراء
إِذا قال: أبرأتك ممَّا لي عليك، وهو عالمٌ بقَدْرِه، صحَّ وإن لم يصرِّح بذكر المقدار، كما لو قال: بعتك بما باع به فلان، ويُشترط في الإِبراء معرفة الموكِّل لما يبرئ منه دون الوكيل، فإِذا قال: أبرأتك ممَّا لموكِّلي عليك، صحَّ وإِن جهله الوكيل، بخلاف البيع؛ فإِنَّ عهْدته تتعلَّق بالوكيل.
* * *
١٧٦٥ - فصل في توكيل الوكيل
إِذا وكَّل إِنسانًا بتصرُّفات أو خصومة، فإِن تيسَّر عليه تعاطي ذلك لم التوكيل فيه اتّفاقًا، وإِن عسر فطُرُق:
إحداهنَّ: التجويز فيما تعسَّر منه، وفي المتيسِّر وجهان.
والثانية: المنع في المتيسِّر، وفي المتعسِّر وجهان.
والثالثة: في الجميع وجهان:
أحدهما: الجواز في الكلّ، وفيما شاء منه.
والثاني: المنع في الكلّ، والجواز في البعض، والتعيين إِليه.
وهل يُعتبر في العسر عظم المشقَّة، أو عدمُ الإِمكان؟ فيه وجهان.
١٧٦٦ - فرع:
توكيل العبد المأذون كتوكيل الوكيل في الخلاف والوفاق، وللوصيِّ والمُقارِض والوليِّ المُجبِر أن يوكِّلوا، وفي غير المُجبِر خلاف.
* * *
стр. 1403
١٧٦٧ - فصل في التوكيل بإذن الموكِّل
يجوز التوكيل بالوكالة، فإِذا وكَّله بتصرُّفٍ وأذن له أن يوكِّل فيه، فله أحوال:
الأولى: أن يقول: وكِّل عنِّي فيما وكَّلتك فيه، فيكون الوكيل الثاني وكيلًا عن المالك، لا ينعزل بانعزال الأول بحالٍ.
الثانية: أن يقول: وكِّل عن نفسك، فهل يملك الوكيل الأوَّل عزل الثاني؟ فيه وجهان يُعبَّر عنهما بأنَّه وكيل عنه أو عن المالك، فإِن جوَّزنا له عزله انعزل بموته وجنونه، وإن منعناه من عزله ففي انعزاله بموته وجنونه وجهان، ولو انعزل الأوَّل بعزل المالك ففي انعزال الثاني بذلك وجهان؛ اعتبارًا بالموت والجنون، وإن عَزَلَ المالكُ الثانيَ انعزل إِن منعنا الأوَّل من عزله، وإِن أجزناه فوجهان، فإِن قلنا: لا ينفذ، فطريق الخلاص أن يعزل الأوَّل، فينعزل الثاني بذلك.
الثالثة: أن يقول: وكَّلتك في التوكيل، ولا يزيد، فبأيِّ الحالَيْن يلحق؟ فيه وجهان.
١٧٦٨ - فرع:
إِذا جوَّزنا للوكيل المطلَق أن يوكِّل؛ فإِن أضاف إِلى الموكِّل فهو كالحال الأولى، وإِن أضاف إِلى نفسه فهو كالحال الثالثة.
* * *
стр. 1404
١٧٦٩ - فصل في دعوى الأمين الردَّ على المؤتمِن
كلُّ أمين ادَّعى الردَّ على المؤتمِن فالقول قوله باتِّفاق الخراسانيِّين، وقال العراقيُّون: إِن كان الغرض للأمين كالمستأجر والمرتهن فالقول قول المؤتمِن، وإن كان الغرض للمؤتمن كالوديعة والوكالة بغير جُعل، فالقول قول الأمين، وإن كان الغرض لهما كالوكيل بالجُعل فوجهان.
١٧٧٠ - فرع:
كلُّ أمين تلفت العين عنده بغير تفريط منه لم يضمن، وكلُّ أمين ادَّعى التلف فالقولُ قوله باتِّفاق الخراسانيّين، وقياسُ العراقيِّين: إِلحاق دعوى التلف بدعوى الردِّ، ويُحتمل أن يفرقوا بين الردِّ والتلف.
* * *
١٧٧١ - فصل في دعوى الردِّ على غير المؤتمِن
إِذا ادَّعى الردَّ على غير المؤتمن لم يُقبل قوله إِلا على وجه بعيد، كمن التقط لقطة، أو أطارت إِليه الريح ثوبًا، فادَّعى الردَّ على المالك، لم يُقبل، وكالقيِّم إِذا ادَّعى الردَّ بعد البلوغ والرشد، فلا يُقبل على الأصحّ، وإِن ادَّعى النفقة في الصغر، فإِن ذكر سرفًا ضمن، وإِن ذكر اقتصادًا قُبل على الأصحِّ.
١٧٧٢ - فرع:
من طُولب بالدَّين فله أن يمتنع من أدائه حتَّى يُشْهَدَ له بقبضه، وفي الوديعة وجهان، وقال العراقيّون: لا يمتنع في الدين إِلا إِذا كان به بيّنة.
* * *
стр. 1405
١٧٧٣ - فصل في دعوى الردِّ على رسول المؤتمِن
إِذا ادَّعى الأمينُ الدفع إِلى الرسول، واعترف المالك بالإِرسال، وكذَّب الأمينَ في الدفع، فالقولُ قول الرسول في عدم القبض، وفي تغريم الأمين وجهان؛ إِذ يد الرسول كيد المرسِل، وقطع الإِمام بالتغريم؛ لأنَّه ادَّعى الردَّ على غير المؤتمِن، وإِن كذَّبه الرسول وصدَّقه المالك، فإِن قلنا: لا يغرم إِذا كذَّبه المالك، فهاهنا أولى، وإن قلنا: يغرم ثَمَّ، فهاهنا وجهان مشهوران؛ لتقصيره بترك الإِشهاد.
* * *
١٧٧٤ - فصل في التنارع في إِيقاع التصرُّفات
إِذا توكَّل بتصرُّفٍ أو أداءِ أمانةٍ أو دينٍ، فادَّعى أنَّه فعل ذلك، وأنكره (١) الموكِّل، ففي قبول قول الوكيل مع يمينه طريقان:
إحداهما: ثلاثة أقوال: أحدها: لا يُقبل في الجميع؛ لتعلُّقه بثالث.
والثاني: يُقبل حتى في أداء الديون والأمانات. والثالث: إِن شابَهَ لفظُ الدعوى لفظَ الإِنشاء قُبل، وإِلا فلا، فيُقبل في العتق والطلاق، ولا يُقبل في الاقتصاص، ولو قال: بعتُ، فالقياس أنَّه لا يُقبل؛ إِذ لا يَستقلُّ بالإِنشاء من غير قبول.
والطريقة الثانية، وهي المشهورة: إِن ادَّعى دفع دين أو أمانة لم يُقبل على المذهب، وإن ادَّعى عقدًا وهو باق على الوكالة قُبل؛ لقدرته على الإِنشاء.
стр. 1406
١٧٧٥ - فرع:
إِذا صدَّقه المالك على قضاء الدين، ولكنَّه لم يُشْهِد، لزمه الضمان إِلا على قول بعيد، وقال العراقيّون: إِذا جحد القابض، فإِن ترك الإشهاد في غيبة الموكِّل ضمن، وإِن تركه بحضرته فوجهان، وإن دفع الوديعة بحضوره لم يضمن، وفي الغيبة أوجه: ثالثها: التفرقة بين أن يدفعها في مكان يتعذَّر فيه الإِشهاد أو يتيسَّر.
* * *
١٧٧٦ - فصل في التنارع في قبض الديون والأثمان
إِذا توكَّل في قبض دَين، فادَّعى أنَّه قبضه، وأنَّه تلف في يده، فقال الموكِّل: لم تقبضه، فالقول قول الموكِّل؛ إِذ لا غرم على الوكيل، ولا خصومة معه، وللموكِّل أن يطالب المدين بالدين، بخلاف ما لو اتَّفقا على الاستيفاء، ثم اختلفا في الردِّ أو التلف، فالقول قول الوكيل؛ فإِنَّا لو كذَّبناه لغرَّمناه.
ولو سلَّم المبيع بإِذن الموكِّل، أو كان البيع بالمؤجَّل، فسلَّم المبيع، ثمَّ ادَّعى أنَّه قبض الثمن، فالقولُ قول الموكِّل؛ فإِذا اتَّفقا على قبضه، ثم اختلفا في تلفه أو ردِّه على الموكِّل، فالقول قول الوكيل؛ فإِنَّ البيع إِذا كان مطلقًا أو مقيَّدًا بالحلول، فسلَّم المبيع قبل قبض الثمن، لزمه الأقلُّ من قيمة المبيع أو الثمن، فإذا ادَّعى الموكِّل أنَّه سلَّمه، فأنكر، فالقول قول الوكيل؛ لأنَّا لو كذَّبناه لغرَّمناه، وليس للموكِّل مطالبة المشتري بالثمن على الأصحِّ؛ لتعلُّق الخصومة بالوكيل، بخلاف ما ذكرناه في الدين، فإِن قلنا: لا يطالبه بالثمن، فردَّ المشتري المبيع بالعيب فله طلب الثمن من المالك والوكيل، فإِن
стр. 1407
غرِّم الوكيل لم يرجع على المالك؛ لأنَّ يمينه صلَحت للدفع دون الإِثبات، فأشبه ما لو اختلف المتبايعان في عيب ممكن الحدوث، فحلف البائع، ثم انفسخ البيع بالتحالف، فليس له أن يغرِّم المشتري أرشَ العيب الحادث اتِّفاقًا، إِلا أنَّ في صورة الوكالة إشكالًا من جهة أنَّا قد برَّأنا المشتري من الثمن، وصدَّقنا الوكيل في قبضه وتلفه أو ردِّه على المالك، وذلك يقتضي الرجوع على المالك، ولا يتَّجه منع الرجوع إِلا إِذا جوَّزنا مطالبة المشتري بالثمن.
* * *
١٧٧٧ - فصل فيمن طُولب بأمانة فأخَّر ردَّها
كلُّ مَن طُولب بأمانة، لم يجز له تأخير ردِّها إِلا بعذر، فإِن أخَّر بغير عذر ضمِن، وإِن كان مشتغلًا بأكل أو طهارة أو حمَّام لم يلزمه القطع، فإِن تلفت في هذه الحال لم يضمن عند الأصحاب، وقال الإِمام: إِن تلفت بسبب تتلف به لو كانت عند المالك لم يضمن، وإِن تلفت بسبب التأخير ضمن.
١٧٧٨ - فرع:
إِذا ادَّعى المالك تأخيرًا لا عذر فيه، أو اتَّفقا على التأخير وادَّعى المالك نفي العذر، فالقولُ قول الأمين.
* * *
١٧٧٩ - فصل فيمن جحد الأمانة ثمَّ ادَّعى ردَّها أو تلفها
إِذا ادَّعى عليه بوديعة أو قَبْضِ ثمنٍ تَوكَّلَ في قبضه، فأنكر، فله حالان:
إحداهما: أن يقول: ما لك عندي شيء، أو: لا يلزمني تسليم ما ادَّعيت،
стр. 1408
ثم تقوم عليه البيِّنة بالاستيداع وقبضِ الثمن، فيدَّعي الردَّ أو التلف، فالقولُ قوله مع يمينه، وإن أضاف التلف إِلى ما بعد الإِنكار لزمه الضمان.
الثانية: أن يقول: ما استُودِعت، ولا قبضْتُ، فتقوم البيِّنة عليه بذلك، فيدَّعي الردَّ أو التلف؛ فإِن أضافهما إِلى ما قبل الإِنكار لم يُقبل قوله؛ فإِن أقام بيِّنة لم تُسمع على أظهر الوجهين؛ لأنَّه كذَّبَها بالإِنكار، وإِن أضاف التلف إِلى ما بعد الإِنكار قُبل قوله كالغاصب، وعليه الضمان، وإن أضاف الردَّ إِلى ما بعد الإِنكار لم يُقبل قوله؛ فإِن أقام بيِّنة فقد سمعها الأصحاب، وخرَّجها الإِمام على الخلاف؛ لإكذابها بسابق الإِنكار.
* * *
١٧٨٠ - فصل في مخالفة الوكيل ما يقتضيه اللفظ أو العرف
إِذا قال: اشترِ بهذه الدراهم؛ وجب الشراء بعينها، فإِن خالف انصرف العقد إِليه، وإن قال: اشترِ في الذمَّة، وانقُد فيه هذه الدراهم بعد اللزوم، فاشترى بعينها لم ينعقد على الأصحِّ.
وليس للوكيل أن يبيع، ولا أن يشتري من نفسه اتِّفاقًا، وإِن نصَّ له على ذلك فوجهان أجراهما ابن سريج في كلِّ عقدٍ مفتقرٍ إِلى الإِيجاب والقبول.
فإِن أذنت المرأة لابن عمِّها أن يتزوّجها متولِّيًا للطرفين، أو توكَّل في جَلْدِ نفسه حدًّا، أو في قطع يده قِصاصًا أو حدًا، ففيه الوجهان، وهو بعيد في النكاح؛ لِمَا فيه من التعبُّد، وفي الجلد؛ لِمَا فيه من التهَمة.
وإن كان عليه دين، فتوكَّل في قبضه من نفسه، فعلى الوجهين عند
стр. 1409
الإِمام، وإِن توكَّل في إِبراء نفسه منه صحَّ، وفي طريقة العراق وجهان، ولا وجه للمنع إِلا إِذا شرطنا القبول في الإِبراء.
وعلى الوكيل المطلَق أن يبيع بثمن المثل حالًا من نقد البلد؛ فإِن باع بنسيئة من مليء وفى، أو باع بالغبن، أو بغير الغالب في البلد، لم يصحَّ، والغبن: هو النقص الظاهر الذي يُعدُّ به حاطًّا من ثمن المثل.
وإِن باع ما يساوي مئة بنقص درهم صحَّ؛ لأنَّه يُعدُّ ثمن المثل أيضًا.
وإِن كان في البلد نقدان غالبان، فباع بهما أو بأحدهما، صحَّ، وتردَّد بعضهم في البيع بهما.
ولو باع أو اشترى بشرط الخيار ففي الصحَّة طريقان:
إِحداهما: إِنْ شرطه في البيع للمشتري لم يصحَّ، وإِن شرطه لنفسه فوجهان، وإِن شرطه في الشراء لنفسه جاز، وإن شرطه للبائع فوجهان.
والطريقة الثانية، وعليها الجمهور: فيه أوجهٌ ثالثها: إِن اختصَّ بالخيار صحَّ، وإلا فلا.
وإِن أذن في البيع بأجلٍ ثمنُ المثل فيه مئة، فباع بالمئة حالًّا فوجهان، وإِن باعه بتسعين حالَّةٍ هي ثمن مثله حالًا لم يجز.
وإِن قال: اشترِ بمئة حالَّة، فاشترى بمئة نسيئة، فلأيهما يقع؟ فيه وجهان.
وإِن اشتراه بمئة وعشرة مؤجَّلةٍ وقع للوكيل.
* * *
стр. 1410
١٧٨١ - فصل فيما يعدُّ مخالفةً وموافقة
إِذا باع بثمن المثل أو أكثر، أو اشترى بثمن المثل أو أقل نفذ للموكل.
وإِن اشترى بأكثر من ثمن المثل انصرف العقد إِليه.
وإِن قال: بع بمئة، فباع بمئتين من جنس المأذون، صحَّ اتِّفاقًا، وإِن باع بجنس آخر لم يصحَّ؛ فإِن أذن في البيع بمئة درهم، فباع بمئة دينار، لم يصحَّ.
وإِن قال: بع بمئة ولا تزِد، أو قال: اشتر بمئة ولا تَنقُص، فزاد في البيع، أو نقص في الشراء فوجهان. قال الإِمام: إِن نصَّ على ذلك نصًّا لا يحتمِلُ التأويل لم يصحَّ، وإِن احتُمل تأويله بأنَّي لا أكلِّفك مشقَّةً في تحصيل الزيادة، ونحو ذلك ففيه الوجهان.
وإِن قال: اشتر عشرة أعبُدٍ، فاشتراهم في عشرة عقود أو صفقةً واحدة صحَّ، وإِن اشتراهم دفعة واحدة من رجلين لكلّ واحد منهما خمسة، وقلنا: يصحُّ هذا البيع مع ما فيه من جهالة الثمن، وقع للموكِّل.
وإن قال: اشترهم صفقة واحدة، فاشتراهم بعقود، لم ينفذ للموكِّل.
وإن اشتراهم من اثنين بقبول واحد فوجهان.
وإن قال: اشتر عبدًا بعشرة، فاشترى نصفه بأربعة، أو اشترى النصفين بثمانية في عقدين، لم ينفذ للموكِّل.
* * *
стр. 1411
١٧٨٢ - فصل في اختلاف الوكيل والموكِّل في الثمن
إِذا اشترى جارية بعشرين، فقال الموكِّل: إِنَّما أذنت في الشراء بعشرة، فقال الوكيل: بل بالعشرين، فالقول قول الموكِّل، وينصرف العقد إِلى الوكيل إِن وقع على الذمَّة، وإِن وقع على العين بطَل، فإِن لم يعترف البائع بالوكالة، وحلف على نفي العلم، أَخَذَ العشرين التي تناولها العقد، وغرِمها الوكيل للموكِّل، وينبغي للحاكم أن يقول للموكِّل: لا يضرُّك أن تقول للوكيل: بعتك الجارية بعشرين، فإِن أجاب صحَّ البيع وحلَّت الجارية للوكيل، ولا يكون ذلك إِقرارًا من البائع على النصِّ، وللوقف في هذا العقد احتمال ظاهر. وإِن امتنع من البيع، فهل يجوز للوكيل وطءُ الجارية؟ فيه ثلاثة أوجه:
أحدها: لا تحلُّ له إِلا أن يُضرب عن الخصام.
والثَّاني: يجوز بناء على أنَّ العقد يقع له، ثم ينصرف إِلى الموكّل، وهذا لا يصحُّ في الثمن المعيَّن، وإِن كان في الذمّة لم يصحَّ أيضًا إِلا على قول أبي حنيفة.
والثالث: التخريج على الظَّفَر بمال الظالم، فإِن منعناه لم يتصرَّف في الجارية، ويُخرَّج على هذا وجه: أنَّ الحاكم ينتزعها؛ ليحفظها حِفْظَ ما لا يُعرف مالكه.
وقال الإِمام: إِن كان الوكيل صادقًا في الباطن خُرِّج على الظفر بمال الظالم، وإِن كان كاذبًا فلا تعلُّق له بالجارية؛ إِذ لا حق له على مالكها.
* * *
стр. 1412
١٧٨٣ - فصل فيمن تَوكَّل في تزوج (١) أو شراء فقبِل غَيرَ ما أذِن فيه
صيغة النكاح بالتوكيل أن يقول الموجِب: زوَّجتُ فلانة من فلان، فيقول الوكيل: قبِلت نكاحها لفلان، وفي انعقاد البيع بمثل هذه الصيغة وجهان، وقطع الصيدلانيُّ بالمنع، فإِن أجزناه لم تتعلق العهدة بالوكيل، وإِن توكَل بقبول نكاح امرأة معيَّنة، فقبل للموكّل نكاح غيرها، لم يقع العقد للموكِّل، ولا للوكيل.
وإِن توكَّل بشراء جارية معيَّنة، فاشترى غيرها، ونوى الموكّلَ، فإِن كان الثمن في الذمَّة؛ فإِن منعنا وقف العقود انصرف بالعقد إِليه، وإِن صرَّح بالإِضافة إِلى الموكّل، فهل يبطل أو يقع للوكيل؟ فيه وجهان.
* * *
١٧٨٤ - فصل في دفع الحقِّ إِلى من يدَّعي أَنَّه وارث المستحِقِّ أو وكيلُه
إِذا كان بيده حقٌّ، فادَّعى عليه مدَّعٍ أنَّه وكيل في قبضه، فدفعه إِليه، فتلف عنده، فأنكر المستحِق الوكالة، وحلف، فله أن يغرم القابض والدافع، ولا يرجع واحد منهما على الآخر إن تصادقا على التوكيل، وإِن لم يتصادقا عليه رجع الدافع على القابض، ولا يرجع القابض على الدافع، ولو وقع ذلك في الدين فلا غرم للمالك إِلا على الدافع؛ لأنَّ الحقَّ غير متعيّن،
стр. 1413
وغلط أبو إسحاق فأجاز تغريم القابض.
١٧٨٥ - فرع:
إِذا ادّعى الوكالة في قبض الدَّين، وصدَّقه المدين، لم يُجبر على التسليم إِليه ما لم يثبت التوكيل، خلافًا للمزنى وبعض الأصحاب، ولو قال: لفلانٍ على ألف، وقد مات ولا وارث له سوى هذا، أُجبر على التسليم على ظاهر المذهب، وإن قال: أحالني فلان بالألف الذي له عليك، فصدَّقه، ففي إِجباره على التسليم وجهان.
* * *
١٧٨٦ - فصل في اختلافهما في البيع بالتأجيل
إِذا باع الوكيل بأجل، فقال الموكل: لم آذن في التأجيل، فالقول قول الموكل، فإِن حلف فللمشتري حالان:
الأولى: أن ينكر الوكالة، فالقول قوله، فيحلَّف على نفي العلم، ويُقَرُّ المبيع بيده، فإِن نكل فحلف الموكِّل أخذ المبيع، وإِن نكل الموكل لم يُنتزع المبيع، ولا يَمنع نكولُه من تحليفه للموكل أنَّه لم يأذن في التأجيل، فإِن حلف لزم الوكيل بدل المبيع، ثم لا يُطالِب الوكيل المشتري بالثمن إِلا بعد الأجل، فإِذا حل، فإِن صدَّق الوكيلُ المالك على نفي الأجل لم يطالَب المشتري إِلا بالأقل من الثمن أو قيمة المبيع، وإِن أصرَّ على تكذيب الموكل فله أن يطالب بالثمن، فإِن زاد على بدل المبيع فهل يحفظ الزيادة، أو يدفعها إِلى الحاكم ليحفظها، أو يتخيَّر بين الأمرين؟ فيه ثلاثة أوجه.
стр. 1414
هذا إِذا لم نجعل إِنكار الوكالة عزلًا، وإِن جعلناه عزلًا، فللوكيل أن يطلب بقَدْرِ ما غرّم، ولا يُخرَّج على الطعن بغير الجنس؛ لأنَّ الموكّل ها هنا لا يدَّعيه.
الثانية: أن يقول: علمت أنَّك وكيل، فإِن كان المبيع باقيًا ردَّه، وإِن كان تالفًا فللموكّل تغريم كلِّ واحد منهما، وللمشتري في التصديق أحوال:
الأولى: أن يقول: إِنما اعتمدت على قولك في التأجيل مع العلم بأنَّك وكيل، فإِن غرَّم الموكّلُ المشتريَ قبل قبض الثمن أو بعده لم يرجع على الوكيل، وفيه قولٌ: أنَّه يرجع بما زاد على الثمن من قيمة المبيع لأجل التغرير، وإن غَرَّم الوكيلَ، لم يرجع بزيادة قيمة المبيع والمطالبة بالثمن عند الأجل على ما تقدَّم.
الحال الثانية: أن يقول: أعلم أنَّه أذن في التأجيل، فأيّهما غرم لم يرجع على الآخر؛ لعدم التغرير، وطلب الثمن على ما سبق.
الثالثة: أن يقول: لم يأذن لك في التأجيل، فإِن غرَّم الوكيلَ رجع على المشتري؛ لأنَّهما كغاصبين مَرَّ المغصوب بيد أحدهما، وتلف عند الآخر.
* * *
١٧٨٧ - فصل فيمن توكَّل بشراء شاة فاشترى شاتين
إِذا قال: اشتر بهذا الدينار شاةً، فاشترى به شاتين تساويان دينارًا، لم يصحَّ، ولو ساوت كلُّ واحدة ثلثي دينار فقد أشاروا إِلى القطع بالبطلان؛ لعدم حصول الغرض، وإِن ساوت كلُّ واحدة دينارًا أو ساوت إِحداهما دينارًا والأخرى نصف دينار، فإِن اشتراهما بعين الدينار صحَّ الشراء على أصحِّ
стр. 1415
القولين، كما لو قال: بع بمئة، فباع بمئتين، واتَّفقوا على تصحيح هذا القول.
وإِن اشتراهما في الذمَّة، ونوى الموكَل، فهل يقع العقد له أو للموكِّل؟ فيه قولان، فإِن أوقعناه للموكِّل ففي تخيُّره في الإِجازة قولان (١)، فإن خيَّرناه فله الإِجازة في إحداهما بحسابها من الثمن، فإِن ساوت كلُّ واحدة دينارًا رجع على الوكيل بنصف دينار، ونفذ العقد في الأخرى للوكيل بنصف دينار، ولا يخرَّج قول التخيير في الشراء بعين الدينار؛ لأنَّه قابل الشاتين بملك الموكِّل فلم يجرِ التبعيض، وفيه نظر؛ لأنَّ الصفقة متَّحدة في الصورتين.
١٧٨٨ - فرع:
إِذا قال: بع هذا العبد بمئة، فباع نصفه بالمئة، صحَّ، وإِن باع النصف بعَرْضِ يساوى المئة لم يصحَّ، وإِن باع أحد النصفين بمئة والنصفَ الآخر بعَرْضِ لم يصحَّ إِلا فيما قُوبل بالمئة، وإن باع الكلَّ بمئة وعَرْض يساوي مئة، فإِن أبطلنا شراء الشاتين فهذا أولى؛ لمخالفته للجنس المأذون، وإن نفَّذنا شراء الشاتين فها هنا قولان، فإِن نفَّذناه: فهل ينفذ في الكلِّ، أو في النصف المقابَل بالمئة؟ فيه قولان، وضابط هذا الفصل: أنَّه إِن لم يحصِّل الغرض لم يصحَّ، وإِن حصَّله مع زيادة ففيه الخلاف.
* * *
١٧٨٩ - فصل في ردِّ الوكيل بالعيب
إِذا توكَّل بشراء عبد موصوف أو معيَّن بثمن مسمًّى، فوجده معيبًا،
стр. 1416
فله حالان:
إحداهما: أن يساوي الثمنَ المسمى مع العيب، فللمالك الردُّ معينًا كان العبد أو موصوفًا، ولا يبطل الردُّ بتأخير الوكيل، ولا بإسقاطه اتفاقًا، وإن أراد الوكيل الردَّ؛ فإِن كان العبد موصوفًا، جاز إِلا على وجه غريب، وإن كان معينًا فوجهان، فإِن قلنا: يردُّ، فأبطل الردَّ، ففي البطلان وجهان: أصحهما عند الإِمام البطلان؛ لأنَّ تأخيره وإبطاله كعزله لنفسه.
الثانية: ألا يساوي الثمنَ المسمَّى، فلا ينعقد البيع للموكل على المذهب، فإن عقد على العين بطل، وإِن عقد على الذمَّة انعقد للوكيل، وفيه وجه: أَنَّه ينعقد للموكّل، ويثبت له الخيار، كما لو زوَّج وليته من معيب جاهلًا بعيبه، فإنَّ النكاح ينعقد مثبِتًا للخيار، ولو علم ذلك لبطل النكاح.
١٧٩٠ - فرع:
إِذا اشترى الموصوفَ مع العلم بالعيب، ففي انعقاده للموكّل ثلاثة أوجه، أبعدُها: أنَّه ينعقد له بشرط ألا يمنع العيب من التكفير به، واستُثْني الكفر من جملة العيوب، فإِن أوقعناه للموكّل فلا ردَّ للوكيل، وللموكّل أن يردَّ، وأَبعدَ مَن منعه من الردّ تنزيلًا لعلم الوكيل منزلةَ علمه، كما أنَّ رؤيته كرؤيته.
١٧٩١ - فرع:
إِذا اطَّلعا على العيب، فرضي به الموكّل، فلا ردَّ للوكيل اتفاقًا، بخلاف عامل القِراض.
١٧٩٢ - فرع:
إِذا اشترى الوكيل في الذمة راضيًا بالعيب، فردَّه المالك، فهل ينفسخ
стр. 1417
العقد، أو ينقلب إِلى الوكيل؟ فيه وجهان مأخذُهما التبين والوقف.
١٧٩٣ - فرع:
إِذا ردَّ الوكيل، فأقام البائع البيّنة على رضا المالك قبل الردّ، بطل الردُّ، وإن لم يُقِم البيّنة، ولم يمضِ زمان يتَّسع لاتّصال الخبر بالموكّل والعودِ برضاه، لم تُسمع دعوى الرضا، وإن مضى ما يسع ذلك، حلف الوكيل أنَّه لا يعلم برضى الموكّل (١)، وردَّ المبيع، وإنَّما حلف ها هنا لغرضه في البراءة من العهدة.
* * *
١٧٩٤ - فصل في عهدة الثمن
إِذا اشترى لموكّله في الذمَّة؛ فإِن لم يصدّقه البائع على التوكيل طالبه بالثمن في الحكم، وإن صدَّقه البائع والموكّل: فهل يطالَبُ الوكيلُ، أو الموكّل، أو يطالَبان؟ فيه أوجهٌ أعدَلُها آخرُها، وأيهما خصَصناه بالمطالبة فَأعْسَرَ لم يطالَب صاحبه، فإِن خَصَصْنا الطلب بالوكيل، فغرم، فله الرجوعُ على الموكّل وإن لم يشرطه، وفي رجوعه قبل التغريم وجهان، كما في الضَّمان، وقيل: في رجوعه إِذا لم يشترط الرجوعُ وجهان، كما لو قال: أدِّ ديني إِلى فلان.
١٧٩٥ - فرع:
إِذا دفع الموكِّل قدر الثمن إِلى الوكيل، فقضى به الثمن، ثمَّ ردَّ المبيع
стр. 1418
بالعيب، لزم الوكيلَ أن يردَّ عين الثمن على الموكِّل، إِلا إِذا خَصَصْنا الوكيل بالطلب، فإِنَّ له أن يردَّ بدله ويمسكه؛ لأنَّ بذل الموكِّل لذلك إِقراض للوكيل.
* * *
١٧٩٦ - فصل في قبض الثمن وتسليم المبيع
إِذا برئ المشتري من الثمن استبدَّ بقبض المبيع، وعلى الوكيل تمكينُه من ذلك، والوكيل بالبيع هل يملك قبض الثمن؟ فيه وجهان، فإن شرط عليه ألا يسلّم المبيع وإِن قبض الثمن بطل الشرط، وصحَّ البيع، وفي بطلان الوكالة وجهان يظهران في سقوط المسمَّى ولزوم أجرة المثل، وإِن شرط عليه أن يشرط في البيع ألا يسلّم المبيع، فالتوكيلُ والبيع باطلان سواءٌ اقترن الشرط بالبيع أو خلا عنه.
* * *
١٧٩٧ - فصل في عهدة الثمن إذا استُحِقَّ المبيع
إِذا باع الوكيل وقبض الثمن، فتلف في يده، ثم بأن استحقاقُ المبيع؛ فإِن لم يعترف المشتري بالوكالة طالَبَ الوكيلَ، وإِن تصادقوا على التوكيل ففيمن يطالَبُ الأوجهُ الثلاثة، وأقيسُها ها هنا: اختصاص المطلب بالوكيل؛ لأنَّه كالمأذون في الغصب، فإن خصصنا أحدهما بالتغريم لم يرجع على صاحبه، وإِن قلنا: يُطالبان، فغرم أحدهما، فلا تراجُعَ من الجانبين، وأيُّهما يرجع (١)؟ فيه ثلاثة أوجه:
стр. 1419
أشهرها: أنَّه لا رجوع إِلا للوكيل؛ لأنَّه مغرورٌ.
والثَّاني: لا رجوع إِلا للموكل؛ لتلف العين عند الوكيل.
والثالث: لا رجوع من الجانبين.
* * *
١٧٩٨ - فصل في عهدة ما يشتريه الوكيل
إِذا قبض الوكيل العبد المشتري، فتلف عنده قبل أن يقبضه الموكّل، ثم استُحقَّ، فللمالك مطالبة البائع اتّفاقًا؛ لاشتمال يده على المبيع، وهل يطالَبُ معه الوكيلُ أو الموكّلُ أو يطالبان؟ فيه الأوجه الثلاثة، وتبعد مطالبة الموكّل ها هنا؛ إِذ لا تغرير منه، ولم يقبض المبيع، ويقرب أن يقال: لا يُطالَبُ إِلا إِذا عيَّن العبد في التوكيل، والقياسُ أنَّه لا يغرم إِذا تلف الثمن أو المبيع في يد الوكيل؛ لأنَّه كالإِذن في الغصب، وإِذا غرم أحدهما فالرجوع على ما تقدم.
١٧٩٩ - فرع:
إِذا أنكر البائع أو المشتري التوكيل، حلف على نفي العلم، وإِن صدَّق البائعُ على التوكيل، وقال: لم تنو موكّلك، فالقولُ قول الوكيل.
* * *
١٨٠٠ - فصل في الوكالة العامَّة
إِذا قال: وكَّلتك بكلِّ قليل وكثير، لم يصحَّ اتّفاقًا، وإن ذكر ما يقبل النيابة ممَّا يتعلَّق به؛ فإِن فصَّل أجناسَه -كالعتاق والطلاق- صحَّ إِلَّا في الشراء.
стр. 1420
وإِن قال: وكَّلتك بكلِّ ما إِليَّ ممّا يقبل التوكيل، فوجهان.
وإِن وكَّله بشراء عبد، ولم يصفه بشيء، لم يصحَّ؛ لأنَّه غرر؛ إِذ لا تدعو الحاجة إِليه، وفيه وجه: أَنَّه يجوز التوكيل في شراء عبد، وفي الإِسلام في ثوب، وإن وكَّله في شراء شيء ففيه تردُّد ظاهر على هذا الوجه، وإن ذكر الجنس كالهنديِّ والسّنديّ؛ فإِن قدَّرَ الثمن صحَّ (١)، وإِن لم يقدّره فوجهان، وشرط أبو محمد ذكر النوع، ولم يتعرَّض له الأصحاب.
وإِن قال: اشتر عبدًا كما تشاء، فقد منعه الأكثر، وأجازه أبو محمد؛ لتصريحه بالتفويض التامّ.
* * *
١٨٠١ - فصل في شهادة الوكيل للموكِّل
إِذا شهد لموكّله بما لو ثبت لكان وكيلًا فيه لم يُقبل.
والوكيل بالخصومة إِن شهد بغير ما تتعلَّق به الخصومة قُبل إِلا أن يصير عدوًّا للمشهود عليه، وإِن شهد بما فيه الخصومةُ لم يُقبل مع قيام الخصام، وإن عُزل فطريقان:
إحداهما: الردُّ إِن خاصم، وإِن لم يخاصم فوجهان.
والثانية: القبول إِن لم يخاصم، وإِن خاصم فوجهان.
وقال الإِمام: إِن قَصُرَ الزمان بحيث تقع التهَمةُ ففيه الخلاف، وإن طال فالأوجهُ القطعُ بالقبول، وفيه احتمال.
стр. 1421
١٨٠٢ - فرع:
إِذا ادَّعى الوكالة، فشهد بها شاهدان، إِلا أنَّ أحدهما شهد بالعزل، لم تثبت الوكالة على المذهب، وأبعدَ مَن أثبتها.
ولو شهدا بالتوكيل، ثم قال أحدهما: تحقَّقْتُ عزلَه بعد الشهادة، فوجهان أظهرهما، المنع من إِثبات الوكالة.
ولو شهد أحدهما بأنَّه قال: وكَّلته، وشهد الآخر أنه قال: أَنبتُه، لم تثبت الوكالة.
ولو شهد أحدهما أنَّه قال: وكَّلته، وشهد الآخر أنَّه أذن له، ثبتت الوكالة.
* * *
١٨٠٣ - فصل في التوكيل في الصلح عن الدم
إِذا وكَّل في الصلح عن الدم، لم يكن التوكيل عفوًا، وله أن يقتصَّ قبل الصلح، وإِن أمره أن يصالح عن الدم على خمر؛ فإِن امتثل سقط القصاص، وإن صالح على خنزير ففي السقوط وجهان؛ فإِن أسقطناه وجبت الدية، ولو صالح على الدية؛ فإِن أسقطنا القصاص صحَّ، ولو وقع هذا الاختلافُ بين الإِيجاب والقبول، لم يصحَّ اتّفاقًا؛ لعدم الانتظام.
* * *
١٨٠٤ - فصل في توكيل العبد في شراء نفسه
إِذا وكَّل العبدُ مَن يشتري له نفسَه؛ فإِن أضاف الشراء إِلى العبد، صحَّ
стр. 1422
وعتق، وإِن نوى العبدَ ولم يصرِّح بذكره، انعقد للمشتري، ولزمه الثمن؛ لأنَّ السيِّد لم يرضَ ببيع يتضمَّن العتق قبل أداء الثمن.
ولو توكَل العبد في شراء نفسه لزيد؛ فإِن أضاف الشراء إِلى زيد وقع لزيد، وإِن نوى زيدًا وقع العقد للعبد وعتق؛ لأن قوله: اشتريتُ نفسي، صريحٌ في العتق، فلا يُقبل إِبطالُه.
* * *
١٨٠٥ - فصل في انعزال العبد بالبيع والإعتاق
إِذا وكل عبده، ثم أعتقه، ففي انعزاله طريقان:
إحداهما: فيه وجهان.
والثانية: ينعزل إِن أمره بذلك استخدامًا، وإِن صرَّح بالتوكيل والتخيير لم ينعزل، وإِن أطلق فوجهان.
فإِن جعلنا قول السيّد أمرًا فلا أثر لعزل العبد نفسَه، وإِن جعلناه توكيلًا فله أن يعزل نفسه، وفي اشتراط القبول وجهان.
وإِن باعه بعد أمر أو توكيل؛ فإِن لم نعزله بالعتق فالبيع أولى، وإِن عزلناه بالعتق، ففي البيع وجهان؛ فإِن قلنا: لا يبطل الأمر، فكان إِنشاء التصرف مما يفتقر إِلى إذن السادة، فلابدَّ من إِذن المشتري في الامتثال، ويحتمل ألا يتوقَّف نفوذ التصرُّف على إِذنه، وإِن شرطناه.
١٨٠٦ - فروع شتى:
الأول: إِذا قال: بع من عبيدي مَن شئت، فباعهم إِلَّا واحدًا، صحَّ
стр. 1423
اتّفاقًا، وإن باع الجميع لم ينفذ في الكلِّ.
الثاني: إِذا قال: خذ حقّي من زيد، لم يأخذه من ورثته إِذا مات، وإِن قال: خذ حقِّي، أخذه من الورثة.
الثالثة: إِذا وكَّل في السلَم، وأذن لوكيله أن يؤدِّي رأس المال من عنده قرضًا أو هبة، لم يصحَّ على النصِّ؛ لعدم القبض، وقال ابن سُريج: يصحُّ؛ لحصول القبض ضمنًا.
الرابع: إِذا أسلم للموكِّل في شيء، ثم أبرأ المسلَم إِليه، فإِن لم يعترف المسلَم إِليه بالتوكيل نفذ الإِبراء في الظاهر دون الباطن، ويضمن الوكيل بدل رأس المال؛ للحيلولة، ولا يُغرم مثلَ المسلَم فيه، ولا قيمتَه؛ لأنَّ ذلك اعتياض، وخرَّج الإِمام تضمين الثمن على قولي الحيلولة الممكنةِ الزَّوالِ بالاعتراف، وأصحُّهما إِيجاب الضَّمان.
الخامس: إِذا مات أحد المصطَرِفَين في المجلس قبل القبض؛ فإِن لم نبطل الخيار ثبت لوارثه القبض والإِقباض، وإِن أبطلناه بطل الصرف، ويجوز التوكيل في قبض عِوَضَيِ الصرفِ، فإِنْ قبضه الوكيل قبل مفارقة الموكّل للمجلس صحَّ، وإِلا فلا.
* * *
١٨٠٧ - فصل فيما ينعزل به الوكيل
الوكالة جائزة لا تلزم بحالٍ، فتنفسخ بالموت والجنون، ولا تنفسخ
стр. 1424
بردّةٍ (١)، وإِن أزلنا بها الملك، ولا بالإِغماء والعدوان، وخالف أبو محمد في الإِغماء، وأَبعدَ مَن عَزَلَ بالعدوان.
فإن حُجر على المرتد فهو كحجر الفَلَس، والمذهبُ صحةُ وكالة المفلس، وفيه وجه بعيد؛ لأجل تعلُّق العهدة، وهو جارٍ ها هنا.
١٨٠٨ - فرع:
إِذا قصر زمان الجنون فقد تردَّد فيه في "التقريب"، وقطع أبو محمَّد بالانفساخ، وقال الإِمام: هو كالإِغماء إِن امتدَّ بحيث تتعطَّل المهمات، ويحتاج إِلى نصب قوّام.
١٨٠٩ - فرع:
إِذا جحد الموكِّل الوكالة، ثم اعترف، ففي كون جحوده عزلًا وجهان: أشهرهما: أنَّه عزل.
والأقيس: أنَّه ليس بعزل؛ لأنَّ العزل إِنشَاء لا يدخله صدق ولا كذب، بخلاف الإِقرار، ولا يبعد أن يُجعل عزلًا إِذا تعمَّد الكذب خاصَّةً.
* * *
стр. 1425
كتاب الإقرار
стр. 1426
كتاب الإقرار
١٨١٠ - باب الإِقرار بالحقوق والمواهب والعارية
الإقرار: إِخبار عن وجوب حقٍّ بسبب سابق، وهو حجَّة بالإِجماع، ويصحُّ مِن كل حرٌّ بالغٍ رشيد، ولا ينفذ ممَّن لا يُميِّز، كالمجانين والأطفال، ولا يصحُّ من الصبيّ المميِّز بالعقوبات والأموال، وفي إِقراره بالتدبير والوصيَّة قولان.
* * *
١٨١١ - فصل في إِقرار العبيد
ويصحُّ إِقرار العبد بالحدود والقصاص في النفس والأطراف، وفي ثبوت المال المسروق تبعًا للقطع قولان يجريان في إِقرار السفيه والمفلس بالسرقة إِذا رددنا إِقرارهما بالإتلاف من غير سرقة، فإِن لم نوجب المال المسروق فقد أطلقوا وجوب القطع، ورأى الإِمام تخريج القطع على الوجهين فيما إِذا أقرَّ الحرُّ بسرقة مال من غائب، ولعلَّ أصحَّهما: أَنَّه لا يُقطع.
ولو عُفي عن العبد في قصاص الجناية المقِرِّ بها، ففي وجوب الدية
стр. 1427
قولان مرتَّبان على قولَي الغرم في السرقة، وأولى بالوجوب؛ لأنَّها ثبتت ضمنًا للقتل، وسبب قطع السارق مميَّز عن وجوب الضَّمان، ولذلك يضمن في الحرز، ولا يُقطع ما لم يخرج المال، وإِن أوجبنا القود المحض ففي الدية قولان مرتَّبان على إِيجاب أحد الأمرين، وأولى بالإِيجاب؛ لأنَّها وجبت بالعفو دون القتل، وإن أقرَّ، أو قامت عليه البيِّنة بدين معاملة لم يأذن فيها السيِّد، لم يتعلَّق إِلا بذمَّته.
وإِن أقرَّ بجناية خطأ أو إِتلاف مال، لم يتعلَّق برقبته إِلا بالبيّنة أو تصديق المالك؛ فإِن ثبت ذلك فداه المالك بأقلِّ الأمرين على الأصحّ (١)، فإن فضل شيء، تعلَّق بذمَّته على الأصحّ، وإِن كذَّبه السيّد ففي تعلُّق الأرش بذمَّته طريقان:
إحداهما، وعليها الجمهور: يتعلَّق وجهًا واحدًا.
والثانية: فيه الوجهان.
* * *
١٨١٢ - فصل في إِقرار السفيه
وينفذ إِقراره بأسباب العقوبات، ولا ينفذ بما يستبدُّ به من المعاملات، فإن اشترى شيئًا وسلَّمه البائع إِليه، فأتلفه وقامت البيّنة بذلك، لم يطالب ببدله في الحال، ولا بعد الإِطلاق (٢)، وإن ثبت عليه إِتلاف من غير معاملة وجب الضَّمان، وإِن أقرَّ به فقولان.
стр. 1428
وإن ادّعي عليه بإِتلاف، فإِن نفَّذنا إِقراره سُمعت الدعوى، وعُرضت اليمين، فإِن حلف انقطع الخصام، وإن نكل عُرضت اليمين على المدَّعي، فإن حلف استحق، وإِن أبطلنا إِقراره، لم تُسمع الدعوى إِلا إذا جعلنا يمين الرد كبينة تُقام.
وإِن أقرَّت الرشيدة أو السفيهة بالنكاح نفذ على المذهب، ولو أقر به سفيه فينبغي ألا ينفذ؛ لعجزه عن الإِنشاء، ولتعلُّق الحقوق الماليَّة به.
* * *
١٨١٣ - فصل في إِقرار المفلس
ويصحُّ إِقراره بالعقوبات، وإِن باع ما تعلَّق به الحجر ففي وقوفه على الإِطلاق قولان في الجديد، بخلاف بيع الفضولي؛ فإنَّه ممنوع في الجديد؛ إِذ لم يصادف ملك البائع.
وإن باع الراهنُ الرهن، بطل في الجديد وإِن كان ملكًا له؛ لأنَّه أدخلَ الحجرَ على نفسه، بخلاف المفلس.
وإِن أقر بعين تعلَّق بها الحجر؛ فإِن وقفنا البيع فالإِقرار أولى، وإِن رددنا البيع فالأصحُّ وقف الإِقرار.
ولو عامل بعد الحجر، فلا مضاربةَ بدين المعاملة اتّفاقًا، وإِن أقرَّ بمعاملة سابقة على الحجر فقولان.
وإِن ثبت عليه إِتلافٌ بعد الحجر ببيِّنةٍ أو اتِّفاقٍ (١) منه ومن الغرماء،
стр. 1429
فلا مضاربة على المذهب، وفيه وجه، وإِن أقرَّ بذلك؛ فإِن لم تثبت المضاربة عند قيام البيِّنة فهاهنا أولى، وإِن أثبتناها ثَمَّ، فهاهنا قولان مرتَّبان على قولَي إِقرار السفية بالإِتلاف، وإِقرار المفلس أولى بالنفوذ؛ لأنَّ السفه خَبَل في العقل، فأشبه الصِبا، بخلاف الإِفلاس.
وإِن أقرَّ بإِتلاف سابق على الحجر فقولان.
وإن أقرَّ بسرقة أنشأها بعد الحجر، لم تثبت المضاربة إِلا إِذا أثبتنا المضاربة عند ثبوت الإِتلاف، ففي نفوذ إِقراره للمضاربة قولان مرتَّبان على القولين في الإقرار بمطلق الإِتلاف، وصورةُ السرقة أولى بالنفوذ؛ لبعد التهمة.
* * *
١٨١٤ - فصل في الإقرار بالمبهمات
إِذا ادَّعى بمجهول لم يُسمع إِلا في الوصيَّة، وخالف القاضي في الوصيَّة.
وإن أقرَّ بمجهول صحَّ إِجماعًا، ورُجع إِليه في البيان؛ فإِن امتنع منه بعد الطلب فثلاثة أوجه:
أحدها، وعليه الجمهور: أنَّه يُحبس إِلى البيان.
والثَّاني: لا يُحبس، ويقال لخصمه: ادَّعِ عليه بمعلوم، فإِن أقرَّ أُخذ به، وإن أنكر وأصرَّ على الامتناع حلف خصمه، وقُضي له.
والثالث: إِن قال: غصبتُ منه شيئًا، حُبس إِن امتنع من الردِّ والبيان.
وإِن أقرَّ بدين فحكمُه ما ذكرناه في الوجه الثاني.
ومن أسلم على عشر نسوة، وامتنع من اختيار أربع، حُبس اتِّفاقًا؛
стр. 1430
لقدرته على إِنشاء الاختيار، بخلاف معرفة قدر المقَرِّ به فإِنه قد يجهله.
* * *
١٨١٥ - فصل فيما يُقبل في تفسير الشيء
إِذا قال: له عليَّ شيء، قُبل في تفسيره أقلّ ما يُتمَوَّل.
وإِن فسَّره بسمسمة أو حبّةِ حنطة قُبل على النصِّ؛ لأنَّها شيء يحرم أخذه، ويجب ردّه، وأبعدَ مَن قال: لا يُقبل، وإِن ادَّعى بها لم تُسمع عند القاضي، وقطع الإِمام بالسماع؛ إِذ لا يمتنع طلب ما يَحْرُمُ أخذه، ويجب رده.
وإِن فسَّر بتمرة أو زبيبة؛ فإِن كان في موضعٍ يعزَّان فيه قُبل، وإِن لم يَعِزَّا، كالتمرة بالبصرة، فإِن لم يُقبل التفسير بالسمسمة ففي التمرة والزبيبة تردد، وقطع الإِمام بالقبول.
وإِن فسَّر بما لا يُتموَّل جنسُه؛ فإِن لم يتعلَّق به اختصاص -كالخنزير والخمرة غيرِ المحترمة- لم يُقبل؛ لأنَّ قوله: عليَّ، التزامٌ، ولا حقَّ في الخنزير والخمرة المُراقة لأحد، وإِن تعلَّق به الاختصاص؛ كخمر الخلّ، وكلب الصيد، والجلد القابل للدبغ، قُبل على أقيس الوجهين.
والأظهر أنَّ الكلب القابل للتعليم كالجِلد القابل للدباغ، ويجوز أن يفارقه بأنَّه لا يصير إِلى الماليَّة، بخلاف الجلد.
وفي التفسير بالخمرة المحترمة شيءٌ من جهة أنَّ مَن أظهر الخمر، وزعم أنَّها خمر خل، فقد ذهب طوائف إِلى أنَّها تُراق، ولا يُقبل قوله، وإِنَّما لا يتعرَّض باتِّفاق المحقّقين لِمَا لا يظهر، ولو اطَّلعنا عليها مع مخَائلَ شاهدةٍ
стр. 1431
بالاحترام، لم نَعْرِضْ لها على المذهب، ولو أبرزها ظهر التسارع إِلى إِراقتها.
وإن فسَّر بردِّ سلامٍ أو حقِّ عيادةٍ، لم يُقبل عند الأصحاب؛ لبُعده عن فهم أهل الخطاب.
* * *
١٨١٦ - فصل فيما يُقبل في تفسير غصب الشيء
قال الشافعيِّ: إِذا قال: غصبتُه على شيء، ثمَّ فسر بخمر أو خنزير، قَبِلْته، وأرقتُ الخمر، وقتلت الخنزير، ولم يخالفه أحد من الأصحاب، وقالوا: لو قال: له عندي شيء، فهو كقوله: غصبتُه على شيء، وخالفهم أبو محمد والإِمام؛ لأنَّ اللام ظاهرة في الملك، وإن فسَّر الغصبَ بما يتعلَّق به الاختصاص ولا يتموَّل، وجب القطع بالقبول.
١٨١٧ - فرع للقاضي:
إِذا كان بيد المضطر ميتةٌ، لم يكن أولى بها من مضطر آخر؛ إِذ اليد لا تثبت على الميتة.
والوجه خلاف ما قال؛ إِذ الميتة بالنسبة إِلى المضطر كالمباح بالنسبة إِلى المختار.
* * *
١٨١٨ - فصل في تكذيب المقِرِّ في التفسير
إِذا أقرَّ بمبهم، ثم فسَّره بما يُقبل، فأكذبه المقَرُّ له، وقال: أدَّعي عليك عشرة -مثلًا- وإِنك أردتَها بالإقرار، ثم فسَّرته بدرهم، سُمعت
стр. 1432
الدعوى، وحلف المقِر على نفي الزيادة، وأنَّه لم يُرِدْها بالإِقرار، وإن ادَّعى بالإرادة لا غير، أو ادَّعى على إِنسان بإِقرار، فالأصحُّ أنَّها لا تُسمع.
وإِن قال المقِرُّ: أردت العشرة بالإِقرار، ولا تَلزمني الزِّيادةُ، أو قال: العشرة لك، ولم أُرِدْ بالإِقرار إِلا الدرهم، لزمته العشرة، ولا تحليف.
* * *
١٨١٩ - فصل فيما يُقبل في تفسير المال
إِذا قال: له عليَّ مال، أو: له عندي مال، ثم فسَّره بما لا يتموَّل جنسُه؛ كالخمرة المحترمة، أو بما لا يتموَّل لقلَّته؛ كالخردلة، لم يُقبل، وفي التمرة والزبيبة حيث تكثران تردُّد، والظاهر القبول، وتردَّد أبو محمد في المستولدة، ومال إِلى أنَّها مال.
وإن فسَّر بأقلّ ما يتموَّل قُبل، وضابطُ أقلّ ما يتموَّل: كلُّ ما يظهر أثره -وإن قلَّ- في جلب نفعِ، أو دفع ضرار.
وإن قال: له عليَّ مال عظيم، أو: كثير، لزمه أقلُّ ما يتموَّل على المذهب، وأبعدَ مَن قال: لابدَّ من زيادة وإن قلَّت، ومن قال: لابدَّ من التفسير بما يزيد ولو بعِظَم الجِرْم والذات، وكلاهما لا يصحُّ؛ إِذ العظيم والكثير قد يراد بهما الحلال.
قال الشافعيّ: أصل ما أبني عليه الإِقرارَ: اتّباعُ اليقين، واطّراح الشكّ والغلبة؛ إِذ الأصل براءة الذمة.
ولو قال: له عليَّ أكثر من مال فلان، قُبل فيه أقلُّ ما يتموَّل؛ لأنَّ الكثير
стр. 1433
ينطلق (١) على الحلال، وعلى الدَّين الذي لا يتعرَّض للهلاك.
وإِن قال: له عليَّ أكثر من الدراهم التي بيد فلان، فكانت ثلاثة، واعترف أنَّه عرف عددها، لزمه ثلاثة على المشهور وقولِ الجمهور، وقَبِل منه أبو محمَّد أقلَّ من ذلك؛ إِذ يجوز أن يقال: درهمٌ خيرٌ من دراهم وأكثرُ بركةً.
وإِن كان في يده عشرة، فقال: ظننتها ثلاثة، أو: عرفتُ أنَّها عشرة، ونسيتُ عند الإِقرار؛ فإِن حلف على ذلك لزمه ثلاثة على المشهور.
وإِن قال: له عليَّ مثلُ ما في يد فلان، لزمه مثلُ ما في يده؛ لتعذر الحمل على المرتبة والفضل.
وإِن قال: له عليَّ أكثر مما في يد فلان من الدراهم عددًا، ثمَّ فسَّر بجوزٍ يزيد عددُه على تلك الدراهم، قُبل؛ لأنَّ التفضيل وقع في العدد دون الجنس.
وإِن شهد اثنان على رجل بمال، فقال: له عليَّ أكثر ممَّا شهِدا به، لزمه أقلُّ ما يتموَّل؛ لاحتمال أن يريد أنَّهما شهدا بزور، وأنَّ قليل الحلال أكثر من كثير الحرام، فإِن حُكم بشهادتهما، فقال: له عليَّ أكثر ممَّا حكم به الحاكم، فوجهان.
* * *
١٨٢٠ - فصل في تمييز الأعداد، وعطف المعلوم على المجهول
إِذا أقرَّ بعدد مبهم، وعطف عليه معيَّنًا، لزمه المعيَّن، وأُخذ بتفسير
стр. 1434
المبهم سواءٌ كان المعيَّن مكيلًا أو موزونًا أو غير ذلك.
وإِن أقرَّ بعدد مبهم، ثمَّ جاء بعده بمفسَّر؛ فإِن خلا العدد عن العطف كان المبهم من جنس المفسَّر، بخلاف العطف على المبهم؛ فإِنَّ المعطوف إِنَّما ذُكر ليثبت، والمفسَّر إِنَّما ذكر ليبيّن.
وإِن اشتمل العدد على حرف عاطف، فالجميعُ من جنس المفسَّر، خلافًا للإصطخريِّ، فإِذا قال: ألف ودرهم، أو: ألف وثوب، أو: ألف وقفيز حنطة، لزمه ما عيَّن، ورُجع في الألف إِليه.
وإِن قال: عشرون درهمًا، أو خمسة عشر درهمًا، أو مئة درهم، أو ألف درهم، فالكلُّ دراهم.
وإِن قال: خمسة وعشرون درهمًا، أو: مئة وخمسة وعشرون درهمًا، أو: ألف وثلاثة دراهم فالكلُّ دراهم، وقال الإصطخريُّ: يلزمه العدد الأخير دراهمَ، ويُرجع فيما قبله إِلى تفسيره.
وإن قال: درهم ونصف، فالأكثرون على أنَّه نصف درهم، وقيل: إِنه مبهم.
* * *
١٨٢١ - فصل في الاستثناء
يصحُّ الاستثناء في كلِّ معدود بشرط أن يتَّصل ولا يَستغرِقَ، سواءٌ ساوى المستثنى منه، أو نقص عنه، أو زاد، فإِذا قال: له عليَّ عشرةٌ إِلا تسعة، لزمه درهم.
стр. 1435
وإن أقرَّ بشيء، ثمَّ كرر الاستثناءات بعده، فإِن عطف بعضها على بعض فحكمُها واحد، وإن لم يعطف كان الاستئناء من الإِثبات نفيًا، ومن النفي إِثباتًا.
فإِذا قال: له عليَّ عشرةٌ إِلا خمسةً وأربعةً، أو: عشرةٌ إِلا خمسةً وإِلّا أربعةً، لزمه درهم.
وإن قال: عشرةٌ إِلا تسعةً إِلا ثمانيةً، وكذلك إِلى آخر العدد، لزمه خمسة.
وطريقه: أن تَجمع أعدادَ الاستثناءات المُثْبتةِ بيمينك، والنافيةِ بيسارك، ثمَّ تُسقطَ النفيَ من الإِثبات، وتُوجِبَ ما بقي بعد الإِسقاط.
والإِثباتُ ممَّا ذكرته: ثلاثون، والنفي: خمسة وعشرون، فتسقطُها من الثلاثين، فيبقى خمسة.
وإن أردتَ تمييز النفي عن الإِثبات فانظر إِلى العدد الأول؛ فإِن كان شفعًا فالأوتار نفي، وإن كان وترًا فالأشفاع إِثبات.
وإن قال: ليس له عليَّ شيء إِلا درهمًا، لزمه درهم.
وإِن قال: ليس له عليَّ عشرةٌ إِلَّا خمسة، لم يلزمه شيءٌ عند الأكثرين، ويلزمه خمسة عند بعض القيَّاسين.
وإِن قال: عشرة إِلا عشرة، بطل الاستثناء، ولزمت العشرة.
وإِن قال: عشرة إِلَّا عشرة إِلَّا ثلاثة، فهل يبطل الاستثناءان ويلزمه عشرة، أو يصحَّان ويلزمه ثلاثة، أو يختصُّ البطلان بالأوَّل فيلزمه سبعة؟ فيه ثلاثة أوجه تجري في نظائره.
стр. 1436
وإن وقع العطف في المستثنى أو المستثنى منه، فهل يُجمع، أو يبقى على تفريقه؟ فيه وجهان، فإِذا قال: له عليَّ درهم ودرهم ودرهم إِلَّا درهمًا، ففي صحّة الاستثناء الوجهان؛ إِن جمعنا صحَّ، وإِلا فلا.
ولو قال: ثلاثة إِلا واحدًا وواحدًا وواحدًا، أو: إِلا اثنين وواحدًا؛ فإن جمعنا بطل الاستثناء، وإِن لم نجمع بطل آخر المعطوفات.
وإِن قال: ثلاثة إِلَّا واحدًا واثنين؛ فإن جمعنا وجبت الثلاثة، وإن فرَّقنا وجب درهمان.
وإِن قال: عشرة إِلا خمسة، وإلا خمسة؛ فإن جمعنا لزمه عشرة، وإِن فرَّقنا لزمه خمسة.
* * *
١٨٢٢ - فصل في الاستثناء من غير الجنس
يصحُّ الاستثناء من غير الجنس في المكيل والموزون وغيرهما، ويجوز استثناء المعلوم من المجهول، والمجهول من المجهول ومن المعلوم.
فإن قال: له عليَّ حمار إِلا دينارًا، ثمَّ فسَّر الحمار بما يزيد على الدينار قُبل، وإن فسَّره بما يساويه أو يزيد لزمه الدينار؛ لاستغراق استثنائه، وقيل: لا يلزمه الدينار، ويؤخذ بالبيان.
وإِن قال: له عليَّ مئة دينار إِلا حمارًا، ثمّ فسر الحمار بما ينقص عن المئة قُبل، وفيما نقص أو ساوى الوجهان، وظاهر النصِّ يشهد للوجه البعيد.
وإِن قال: له عليَّ حمار إِلَّا ثوبًا، ثم فسرهما بما لا يَستغرِقُ قُبل،
стр. 1437
وفي المستغرِق الوجهان.
وإِن اتَّفق اللفظان، فقال: له عليَّ مال إِلا مالًا، أو: شيء إِلا شيئًا، ففي صحَّة الاستثناء وجهان ذكرهما القاضي، ولا وجه للخلاف؛ إِذ لا يلزمه الزيادة على أقل ما ينطلق (١) عليه الاسم.
* * *
١٨٢٣ - فصل في الإقرار بالظرف والمظروف
إِذا أقر بظرفٍ أو مظروفٍ، لم يكن إِقراره بأحدهما إِقرارًا بالآخر، فإِذا قال: عليَّ تمر في جِراب، أو: فصٌّ في خاتم، أو: سمن في بستوقة، أو: دابّه في اصطبل، لم تلزمه الظروف.
وإِن قال: عمامة على عبد، أو: سرج -أو إكاف- على فرس، لزمه العمامةُ والسرج والإكاف دون الدابّة والعبد.
ولو قال: دابَّة عليها سرج أو إكاف، أو: عبد عليه عمامة أو قميص أو شيء من اللباس، لم يلزمه إِلا الدابَّة والعبد، وقال في "التلخيص": يلزمه لباس العبد؛ لأجل يده، فعدَّه بعضهم وجهًا، وغلَّطه الأكثرون؛ لأنَّ العبد ولباسه في يد المقِرُّ.
وإِن أقرَّ بخاتم فيه فصٌّ لزمه فصُّه على أظهر الوجهين؛ لدخوله تحت اسمه، ومخالفته للخاتم كمخالفة السقف للدار، وإِن أشار إِلى الفصِّ فقد قطع الإِمام بلزوم الفصّ.
стр. 1438
وإن أقرَّ بحَمْل في بطن أمةٍ أو حيوان، لزمه الحمل دون الأمِّ.
وإِن قال: عليَّ جارية في بطنها حمل، ففي لزوم الحمل وجهان.
وإِن قال: له هذه الجارية، ثمَّ زعم أنَّه أرادها دون حملها، فوجهان.
وإِن قال: له هذه الجارية إِلا حملها، لم يلزمه الحملُ على ظاهر المذهب.
وإِن أقرَّ بشجرة لزمته بعروقها وأغصانها، وفي طلعها وجهان، وتدخل الأشجار في اسم البستان.
والضَّابط: أنَّ ما يدخل تحت الاسم فهو لازم، وما يتَّصل ولا يدخل في الاسم؛ فإِن لم يندرج في البيع لم يدخل في الإِقرار، وإِن اندرج فيه -كالحمل والطلع- فوجهان.
* * *
١٨٢٤ - فصل في الاستثناء من المعيَّنات
الاستثناء من المعيَّن باطل على الأصحِّ، وقال في "التلخيص": الأصحُّ صحّتُه، فإِذا قال: له هذه الدراهم إِلا هذا، بطل الاستثناء على الأصحِّ.
ولو قال: له هذا وهذا إِلَّا هذا فلا خلاف في البطلان.
ولو قال: هذا الخاتم لفلان، وفصُّه لي، أو: هذه الدار لفلان، وهذا البيت منها لي، أو: هؤلاء العبيد لفلان، وهذا لي، فهذا عند صاحب "التلخيص" كالاستثناء من الأعيان.
وإِن قال: له هؤلاء العبيد إِلا واحدًا، أُخذ بالبيان، فإِن ماتوا إِلا واحدًا،
стр. 1439
فزعم أنَّه المستثنى، فالمذهبُ أنَّ القول قوله مع يمينه.
١٨٢٥ - فرع:
إِذا قال: له عليَّ ألف في هذا الكيس، فلم يكن فيه شيءٌ، لزمه ألف، وإن نقص ما فيه عن ألف ففي وجوب الإِكمال وجهان.
وإِن قال: له عليَّ الألف الذي في هذا الكيس، فنقص عن الألف، لم يجب الإكمال إِلا على وجه مزيف، وإن لم يكن فيه شيء ففي وجوب الألف قولان.
* * *
١٨٢٦ - فصل فيما يُقبل من التفسير لكذا وكذا
إِذا قال: له عليَّ كذا أو كذا كذا، فهو كقوله: عليَّ شيء، وإن قال: كذا وكذا، لزمه شيئان، وإن قال: كذا درهمًا، أو: كذا كذا درهمًا، لزمه درهم، وإن قال: كذا وكذا درهمٌ، بالرَّفع، لزمه درهم اتفاقًا، وإن نصب الدرهم ففيه -لاختلاف النص- طريقان:
أظهرهما: أنَّه يلزمه درهمان.
والثانية: ثلاثة أقوال:
أحدها: درهم.
والثَّاني: درهم وشيء.
والثالث: درهمان.
وقال أبو حنيفة: إِن قال: كذا درهمًا، لزمه عشرون؛ لأنَّه أوَّل اسم
стр. 1440
مفرد ينتصب بعده الدرهم، وإن قال: كذا كذا درهمًا، لزمه أحدَ عشرَ؛ لأنَّها أوَّل اسم مركَّب ينتصب بعده الدرهم، وإِن قال: كذا وكذا درهمًا، لزمه أحدٌ وعشرون؛ لأنه أول عدد يعطف عليه، وينتصب بعده الدرهم.
وقال أبو إسحاق: يؤخذ الجاهل بما ذكره الشافعيُّ، والعالِمُ بالعربيَّة بما قاله أبو حنيفة.
وهذا لا يصحُّ؛ لأن اللغة لا تقتضي تنزيل التمييز على المبهم، ولأنَّ البصير بالعربية قد يخطئ، ولا نعرف خلافًا أنَّه لو قال: له على كذا درهمٍ صحيح، فلا تلزمه مئة وإِن كانت أوَّلَ عدد ينخفضُ بعده الدرهم.
* * *
١٨٢٧ - فصل في الجواب ببلى ونعم
إِذا قال: أليس لي عليك ألف، فأجاب بنعم، لم يلزمه، وإن أجاب ببلى لزمه، خلافًا لأبي محمد والإِمام، فإنَّهما جعلاه مُقِرًّا في الصورتين، وعللا: بأنَّ اللفظين قد يستعملان في التصديق وإن كان على خلاف الأفصح، والإقرار محمول على ما تبتدره الأفهام دون دقائق اللغة.
قال أصحابنا: إِذا قال: لي عليك ألف، فقال: نعم، لزمه، ولو قال: بعتك عبدي بألف، فقال: نعم، لم يصحَّ القبول؛ لأنه إِنشاء لا يدخله صدق ولا كذب، و (نعم) وعدٌ أو تصديق يدخلهما الصدق والكذب.
ولو قال الدلَّال للمالك أو للولي: بعتَ متاعك من فلان، أو: زوجتَ ابنتك منه، فقال: نعم، أو قال: بعتُ، أو: زوجت، لم يصحَّ الإِيجاب.