وإِن أدَّى الصحاح عن المكسَّر لم يرجع بالصحاح اتّفاقًا، وإِن أدَّى المكسَّر عن الصحاح لم يرجع إِلا بالمكسَّر، بخلاف الرجوع بعوض القرض الناقص؛ لأنَّ هذا استيفاءٌ وليس بمعاوضة.
ولو طولب الضامن بالدين فله أن يطالِبَ الأصيل بتخليصه، وأبعدَ مَن منع ذلك، وقال الإِمام: إِن أثبتنا الرجوع قبل الأداء فله طلب التخليص، وإِن لم يثبت الرجوع قبل الأداء فالمذهبُ أنَّه يطالِبُ بالتخليص إِن طُولب، وليس له ذلك قبل الطلب.
ولو حبس الضامن، وأثبتنا له الرجوع قبل الأداء، فله أن يطلب حبس الأصيل، وأبعدَ من منع ذلك.
* * *
١٧٠٥ - فصل في ضمان المجهول وما لم يجب
إِذا ضمن مجهولًا لم يجب، ولم يوجد سبب وجوبه؛ فإِن لم يمكن الوصول إِلى معرفته لم يصحَّ، مثل أن يقول: ضمنت لك شيئًا، وكذا لو قال للمدين: ضمنت عنك شيئًا، وإن أمكن التوصُّل إِلى معرفته فقولان:
القديم: أنَّه يصحُّ، ولا يطالب إِلَّا بعد الوجوب، وليس له الفسخ بعد الوجوب، وفيما قبله وجهان، فإِذا قال: ضمنت لك ثمن ما تبيعه من فلان، صحَّ، وإن لم يعيّن المبيع، ويصير بذلك ضامنًا لجميع الأثمان، وإِن قال: إِذا بعتَ من فلان فأنا ضامن للثمن، فإِنَّه يختصُّ بثمن العقد الأوَّل، وأمَّا معرفة المضمون له؛ فإِن شرطناها في الدين الثابت فهاهنا أولى، وإِن لم
стр. 1367
نشرطها، ثَمَّ ففيه هاهنا -لكثرة الغرر- وجهان، ثمَّ تجري الأوجهُ الأربعة، واشتراط المعرفة هاهنا أولى؛ لما فيه من غرر الجهل وعدم الوجوب.
ولو علَّق ضمان الدين الواجب بوقت معلوم، أو بقدوم إِنسان، جاز على هذا القول.
وأمَّا القول الجديد، وبه الفتوى: فيُشترط في معرفة الدين ما يُشترط في معرفة الأثمان، ويصحُّ إِن عرفه الضامن وجهله المضمون عنه، وإن جهله المضمون له، فوجهان مأخوذان من اشتراط قبوله ورضاه، ولو عرفه الأصيل والمضمون له، وجهله الضمين، لم يصحَّ الضمان.
ولو ضمن ما لم يجب بطل إِن لم يوجد سبب وجوبه، وإِن وجد فقولان مشهوران، وذلك مثلُ أن يضمن نفقة الزوجة لمدَّة معلومة ممَّا يُستقبل من الزمان.
ولو ضمن الثمن في مدَّة الخيار صحَّ وجهًا واحدًا، وفيه احتمال لا سيَّما إِن بقينا الملك للبائع، وإِن قال: ضمنتُ من درهم إِلى عشرة، وجُوِّز كونُ الدين درهمًا وكونُه عشرة، ففي ضمان العشرة وجهان.
وفي ضمان الجُعل قبل العمل طريقان:
إِحداهما: المنع.
والثانية: على القولين فيما وُجد سبب وجوبه ولم يجب.
ولا يصحُّ ضمان نجوم الكتابة؛ إِذ لا يلزم بحالٍ، وأبعد من خرَّجها على القولين فيما لم يجب، ووُجد سبب وجوبه، وفي ضمانها على القديم وجهان.
стр. 1368
١٧٠٦ - فرع:
إِذا جوَّزنا للضامن تغريم المضمون عنه قبل أداء الدين، فضمن عن زيد بإذنه على أن يضمن عن زيد بهذا الضمان عمرٌو، ففي صحَّة الضمان بشرط الضمان وجهان، فإِن قلنا: لا يصحُّ فسد الضمان، ولا شيء على الضامن، وإِن قلنا: يصحُّ؛ فإِن وفَّى المضمون عنه وأعطى الضامن فذاك، وإن لم يفِ تخيَّر الضامن بين فسخ الضمان والبقاء عليه، كنظيره في الضمان المشروط في البيع، وهذا بعيد عن وضع الضمان؛ فإِنَّ البيع يقبل الخيار، والضمان لا يقبله، ولا خلاف أنّ شرط الخيار مُفسِد للضمان.
* * *
١٧٠٧ - فصل في ضمان الدرَك ويسمَّى ضمان العهدة
ومقصوده: التزام الثمن إِن ظهر استحقاق المبيع، ويصحُّ على القديم، وفي الجديد أقوال، ثالثها: لا يصحُّ إِلا بعد قبض الثمن، والمذهب: الصحَّة على الإِطلاق، والقولان الآخران مخرَّجان.
وإن ضمن سلامة الثمن عن الزيف ففيه الأقوال، وكذلك ضمان نقصان صنجة الثمن عند ابن سُريج على الأقوال، وإن جوَّزنا ضمان عهدة الاستحقاق، فصرَّح بالضمان إِن فسد البيع بشرط مُفسد، أو بفوات شرط معتبر، أو إِن ردَّ المبيع بالعيب، فوجهان، والفرق: إِمكان التحرُّز من المفسدات، وتعذُّرُه عن الاستحقاق، فإِن جوَّزنا ذلك ففي اندراجه في مطلق ضمان العهدة وجهان، ولو خصَّ الضمان بالاستحقاق اختصَّ به اتِّفاقًا، وكذلك إِن خصَّه بغيره من المفسدات إِن جوَّزنا ذلك، ولا يُعلَّق ضمان
стр. 1369
العهدة بالإِقالة إِن جُعلت بيعًا، وكذلك إِن جُعلت فسخا على الجديد؛ إِذ لا استناد لها إِلى العقد، بخلاف الردّ بالعيب.
١٧٠٨ - فرع:
إِذا استُحِقَّ بعضُ المبيع أُخذ الضامنُ بما يقابل المستحَقَّ، وفي فساد البيع في الباقي قولان، فإِن أفسدناه ففي تعلُّق الضمان به الوجهان في عهدة المفسدات، وإِن لم نبطله، فاختار الفسخ، ففيما يُقابِل المفسوخَ وجهان، كالردِّ بالعيب.
١٧٠٩ - فرع:
إِذا ضمِن نقصَ الصنجة، فادَّعى البائع نقص الثمن، فالقولُ قوله، وليس له مطالبة الضامن إِلا ببيِّنة أو اعتراف. هذا قياس الأصول.
ولو كان الثمن عشرة، فادَّعى المشتري إِقباضها، وقال البائع: إِنَّما قبضتُ تسعة، فالقول قول البائع، وله مطالبةُ المشتري، وليس له أن يطالب الضامن على أقيس الوجهين.
* * *
١٧١٠ - فصل في ضمان الحالِّ مؤجَّلًا والمؤجَّل حالًّا
إِذا ضمن المؤجلَ بما يساويه في الأجل صحَّ، وأيُّهما مات حلَّ ما عليه دون ما على صاحبه، فإِن مات الأصيل، فأراد الكفيل إِلزام ربِّ الدين بقبضه من التركة، أو أن يُبْرِئه من الضمان، فله ذلك على أظهر الوجهين، وإِذا حلَّ المؤجَّل، أو كان أصل الدين حالًا، فضمنه مؤجَّلًا، لم يثبت الأجل اتِّفافًا،
стр. 1370
ويفسد الضمان على أظهر الوجهين، ولو ضمن المؤجَّل حالًّا ففي صحَّة الضمان وجهان.
فإِن قلنا: يصحُّ، ففي ثبوت الأجل (١) وجهان مأخذُهما: أنَّ الشرط الفاسد هل يُفسد الضمان، فإِن أثبتنا الأجل فهل يثبت تبعًا أو مقصودًا؟ فيه وجهان يظهران عند موت الأصيل، فإِن جعلنا الأجل تابعًا حلَّ الدين على الضامن، وإِلا فلا.
١٧١١ - فرع:
إذا ضمن الصَّداق ضمانًا موجبًا للرجوع، ودفعه إلى الزوجة، فارتدت قبل الدخول؛ فإن كانت العين باقية رجعت إلى الزوج، وليس لها إبدالها، فإذا رجع الضامنُ على الزوج، لم يلزمه أن يردَّ عليه تلك العين.
ولو ضمن العبد عن سيِّده دينًا بإذنه، فأدَّاه بعد العتق، ففي رجوعه به على السيد وجهان، كالوجهين في رجوع العبد المأجور بأجرة مثله إذا عتَق في أثناء المدَّة.
١٧١٢ - فرع:
إِذا جوَّزنا ضمان المؤجَّل حالًّا، فأطلق الضمان، ودينُ الأصيل مؤجَّل، فهل يثبت الضمان حالًّا أو مؤجَّلًا؟ فيه وجهان أظهرهما: ثبوت الأجل، وعلى هذا: هل يُشترط أن يعرف تأجُّل الأصل ومقدار الأجل؟ فيه على الجديد وجهان.
* * *
стр. 1371
١٧١٣ - فصل في تعليق الأبواء والضمان
إِذا علَّق الضمان بمجيء زمن معلوم، أو قدوم إِنسان، بطل على الجديد، ويجري الإِبراء مجرى الضمان في صور الخلاف والوفاق، فالاِبراءُ عمَّا لم يجب باطل إِن لم يوجد سببُه، وإِن وُجد فقولان، ولا يصحُّ الإِبراء من المجهول، وإِن أبرأ من درهم إِلى عشرة ففيه الوجهان، ولا يجوز تعليقه على الجديد كالضمان.
وقال الإِمام: إِن لم يُشرط فيه القبول ففيه احتمال، وإِن علَّقه فقد أجازه الامام على القديم.
١٧١٤ - فرع:
إِذا جوَّزنا تعليق الضمان وجهالة المضمون، فقال: بع عبدك من فلان بعشرة وأنا ضامن لها، أو قال: إِذا بعته منه بعشرة فأنا ضامن لها، فباعه بعشرين، لم يلزمه العشرةُ الزائدة، وفي لزوم العشرة الأخرى خلاف يجري فيما إِذا باعه بخمسة، ومذهب ابن سريج: أنَّها لا تلزمه؛ لمخالفة البائع لشرطه، ولو قال: أقرضه عشرة على أنِّي ضامن، فأقرضه خمسةَ عشر، لزمه ضمان العشرة اتِّفاقًا؛ لأنَّ أجزاء القرض لا يجمعها عقد رابط، بخلاف البيع، فإِنَّه إِذا باعه بخمسة عشر فقد باع ثلثيه بعشرة، فلم يوجد الشرط، ولو أقرضه خمسة فقد قطع ابن سريج بلزومها، وهو خلاف قياسه.
١٧١٥ - فرع:
يجوز ضمان إِبل الدية والإبراءُ عنها في الجديد والقديم، سواءٌ ثبت للضامن الرجوعُ أم لم يثبت، وهل يرجع الضامن بالإِبل أو بقيمتها؟ يحتمل
стр. 1372
وجهين، كما في بدل القرض.
* * *
١٧١٦ - فصل في الاختلاف في قبض الأصالة أو الكفالة
إِذا باع عبده من اثنين على أن يضمن كلُّ واحد منهما ما على صاحبه من الثمن، بطل البيع، ولو كان له على اثنين خمسةً خمسةً، فضمن كلُّ واحد منهما ما على الآخر، فله أن يطلب العشرة ممَّن شاء منهما؛ فإِن أخذها من أحدهما رجع على الآخر بخمسة إِن كان الضمان موجبًا للرجوع، وإِن أخذ من كلِّ واحد منهما خمسة الأصالة برئا جميعًا، وإن أخذ من كلِّ واحد خمسة الكفالة ففي تراجعهما أقوالُ التقاصِّ.
فإن قال الدافع: إِنَّما أقبضتك الخمسة الأصليَّة، وقال القابض: بل خمسة الكفالة، فقد برئ من الخمسة الأصليَّة، وهل للقابض أن يطالبه بخمسة الكفالة؟ فيه خلاف من جهةِ أنَّه اعترف بقبضها، وقطع القفَّال بجواز المطالبة؛ لأنَّه بنى قوله الأوَّل على ظنٍّ وتخمين.
قال الإمام: إِذا أَمكن استناد الأقارير إِلى اليقين، فرجع المقرُّ، وقال: أخطأت، لم يُقبَل، وإن لم يُمْكِن الاستناد إِلى اليقين، فإِن ابتدأ بالإِقرار من غير خصومة، ثم رجع، لم يُقبل رجوعه، وإن أقرَّ في أثناء الخصومة، أو تقدَّم الأِقرار، ثمَّ وقعت الخصومة، ففيه الخلافُ المتقدِّم، ولو ادَّعى استحقاق المبيع، فقال المشتري: كان ملكًا للبائع إِلى أن اشتريته منه، ثم ثبت الاستحقاق، فإنَّه يرجع بالثمن على البائع، وأبعدَ مَن مَنعَ الرجوع.
* * *
стр. 1373
١٧١٧ - فصل فيمن يصحُّ ضمانه ومن لا يصحُّ
ويصحُّ الضمان من كلِّ مكلَّف مطلَق، ولا يصحُّ من المبذِّر وإِن أذن الوليُّ، ويصحُّ من المرأة وإن لم يأذن الزوج، وضمان المكاتَب كتبرُّعه.
والعبد إِن لم يكن مأذونًا؛ فإِن ضمن بإِذن السيِّد صحَّ وتعلَّق بكسبه على الأصحِّ، وقيل: يتعلق بذمَّته، وإِن ضمن بغير إِذنٍ ففي الصحَّة وجهان، فإِن صحَّحناه طُولب بعد العتق.
وإن كان مأذونًا، فإِن لم يأذن السيِّد في الضمان فهو كغير المأذون، وإِن أذن فيه؛ فإِن لم يكن عليه دين، فإن قُيِّد الإِذن بالأداء ممَّا في يده تعلَّق به اتِّفاقًا، وإن أُطلق فالأصحُّ أنَّه يتعلَّق بكسبه وبما في يده، فإن علَّقناه بما في يده، أو أذن له في الأداء ممَّا في يده، فإن كان محجورًا عليه بالفَلَس بالتماس الغرماء فلا يتعلَّق الضمان بما في يده؛ لتعيُّنه لديون المعاملة، وإِن لم يكن عليه حجر، وكان بيده عشرون، وعليه من المعاملة عشرة، والضمان عشرون، ففي تعلُّق الضمان بما في يده أقوال:
أحدها: لا يتعلَّق؛ لأنَّه كالمرهون بدين المعاملة، فليس له التصرُّف فيه إِلا بالمعاملة.
والثاني: يتعلَّق تعلُّق دين المعاملة، فيوزَّع على قدر الدَّينين.
والثالثُ: أنَّا نُقدِّم في دين المعاملة، ونصرفُ الفاضل إِلى الضمان، فلو كان بيده عشرون، وعليه من المعاملة والضمان عشرون عشرون، صُرفت العشرون إِلى المعاملة، ولو أُبرئ عن دين المعاملة ففي صرف العشرين إِلى الضمان قولان، هما الأوَّل والأخير في الصورة السابقة.
стр. 1374
١٧١٨ - فرع:
إِذا لزمته ديون معاملة، ولا حجر، فحكمُ تبرُّع السيِّد بما في يده حكم الضمان المأذون فيه، فإِنْ منعناه فالإِعتاق لما في يده من الرقيق كإِعتاق الراهن، على ما ذكره أبو محمَّد.
١٧١٩ - فرع:
إِذا لم نعلِّق العهدةَ بالسيِّد، ونفَّذنا تبرُّعه، فتبرُّعه كالاسترداد، ولو استردَّ ما في يده بعد ثبوت دين المعاملة لانقلبت عهدة الدين إِليه.
* * *
١٧٢٠ - فصل في ضمان السيِّد عن عبده
إِذا ضمن الدِّين المعلَّق بذمَّة عبده صحَّ، مأذونًا كان أو غيرَ مأذون، ولا يرجع إِن ضمن بغير إِذنه، وإِن ضمن بإِذنه بحيث يستحقُّ الرجوع لو كان الأصيل حرًّا، فلا يرجع إِلا بعد العتق، وإِن ضمن دين المعاملة؛ فإِن أدَّاه في الرقّ فلا رجوع؛ لأنّه استخلص بأدائه ما في يد العبد من ماله، وأَبعدَ مَن أثبت الرجوع، وبناه الإِمام على الوجهين في المأذون إِذا أذَى دين المعاملة بعد العتق.
فإِن قلنا: يرجع على السيِّد، فلا رجوع للسيِّد هاهنا، وإِن قلنا: يرجع ثَمَّ، ففي رجوع السيّد هاهنا وجهان.
وأمَّا المكاتب فيصحُّ ضمان ما عليه لغير السيِّد، ولا يصحُّ ضمان نجومه على المذهب، وإِن كان للسيِّد عليه دينُ معاملة، فضمنه له أجنبيٌّ، فإِن قلنا:
стр. 1375
لا يسقط إِذا رقَّ، صحَّ الضمان، وإِن قلنا: يسقط، فهو كالنجوم.
* * *
١٧٢١ - فصل في كفالة الأبدان
المقصود من كفالة البدن: التزامُ إِحضار المكفول به إِن كان ممّن يلزمه الحضور، وفي صحَّتها طريقان:
إِحداهما: قولان.
والثانية، وهي المذهب: القطع بالصحَّة، فيصحُّ التكفُّل بإِحضار من ثبت عليه الدين، ومن لم يثبت عليه إِن لم يقرَّ ولم ينكر، وإِن أنكر بعد الدعوى فالأصحُّ جواز الكفالة؛ لأنَّه يلزمه الحضور إِلى انقضاء الخصومة.
ولا يصحُّ التكفُّل إِلا بمن يلزمه الحضور عند الاستعداء؛ إِذ يستحيل أن يَلزمَ الكفيلَ ما لا يَلزمُ الأصيلَ، فلو تكفَّل رجل بالبصرة بإحضار رجل هو ببغداد لم يصحَّ، وإن قال: إِذا قدم من بغداد فقد كفلت ببدنه، وجوَّزنا التعليق فابتداء لزوم الإِحضار عند القدوم.
١٧٢٢ - فرع:
إِذا ادَّعى زوجيَّة امرأة صحَّ التكفُّل بإِحضارها؛ إِذ يلزمها الحضور إِذا دُعيت.
١٧٢٣ - فرع:
إِذا ضمن ردَّ الآبق لزمه السعي في ردِّه، فإِن مات لم يلزمه شيء على المذهب، وأَبعَدَ مَن أوجَبَ قيمته.
стр. 1376
١٧٢٤ - فرع:
إِذا تكفَّل بردِّ المغصوب من يد الغاصب، صحَّ إِذا جوَّزنا كفالة البدن، وهو أولى؛ لأنَّ الردَّ مقصود ماليٌّ، بخلاف إِحضارِ مَن يلزمه الحضور، فإِن فاتت العين ففي وجوب قيمتها على الكفيل وجهان، فإِن قلنا: تجب، فهل تجب قيمةُ يومِ التلف، أو أقصى القيم الواجبة على الغاصب؟ فيه وجهان.
ويجوز ضمان الأعيان المضمونة، كالمستعار والمأخوذ على وجه السوم.
ولا يصحُّ ضمان الودائع في أيدي الأُمناء؛ إِذ لا يلزمهم ردُّها، وإنَّما يلزمهم التخليةُ بينها وبين مستحقِّها، والمعنيُّ بضمان الأعيان المضمونة: القيام بمؤنة ردِّها، ومقاساةُ ما فيه من مشقَّة وكلفة.
وإِذا لزم البائعَ تسليمُ المبيع جاز ضمانه بمعنى وجوبِ القيام بتسليمه، فإِن تلف في يد البائع، ففي تغريم الكفيل وجهان، فإن قلنا: يغرم، غرِمَ الثمن على المذهب، وأَبعدَ مَن قال: يضمن الأقلَّ من القيمة أو الثمن.
* * *
١٧٢٥ - فصل فيما يلزم الكفيل
يلزم الكفيلَ إِحضارُ الأصيل إِذا أمكن، وعليه مؤونةُ الإِحضار، فإِن امتنع حُبِسَ حَبْسَ الممتنع من أداء الحقِّ، فإِن تعذر الإِحضار بغيبة الأصيل إِلى مكان لا تَعدِّيَ عليه فيه، أو مات وعَسُر إِحضاره؛ فإن لم يثبت عليه شيء فلا طَلِبَةَ على الكفيل اتِّفاقًا، وإن ثبت الحقُّ: فهل يطالَبُ الكفيل بالدين، أو بالأقلِّ من الدين ودية الأصيل، أو لا يُطالب بشيء؟ فيه أوجهٌ؛ أقيسُها
стр. 1377
وأصحُّها: آخرها، ولا غرم عليه مهما تمكَّن من الإِحضار.
ولا تصحُّ كفالة البدن إِلا برضى الأصيل، وأَبعدَ مَن لم يشرطه، ولا يُشترط رضى المكفول له - على الأصحِّ - كضمان المال.
ولو كفل برضى المكفول له دون رضى الأصيل، فهل يملك إِحضار الأصيل؟ فيه وجهان من جهةِ أنَّ الإِذن في الكفالة كالتوكيل في الإِحضار.
ولو قال: كفلت ببدن فلان، حُمل على الكفالة الشرعيَّة، وكذلك الإِقرار المطلَق بسائر العقود؛ فإِن طلب المكفول له الإِحضار، فقال الكفيل: لم يأذن الأصيل في الكفالة، فهل يملك إِحضاره؟ فيه وجهان؛ إِذ المطالبة بالإِحضار كالتوكيل.
* * *
١٧٢٦ - فصل في بيان الموضع الذي يُحْضَر فيه الأصيل
إِذا لم يُبيَّن موضع الإِحضار، صحَّ التكفُّل قولًا واحدًا، ولزم الإِحضارُ في محلّ الضمان، وإِن قُيِّد الإِحضار بمكانٍ معيَّن لزم الإِحضار فيه، ومهما أحضره الكفيل برئ من الضمان إِن تمكَّن منه المكفول له، وإِن لم يتمكَّن منه لتعزُّزه وتمنُّعِه فالضمان بحاله، وإن أحضره بالقرب من محلِّ الإِحضار المطلَق أو المقيَّد؛ فإِن كان في إِحضاره إِلى موضع الإِحضار كلفةٌ ومؤونة لم يبرأ، وإن لم يكن ففي البراءة وجهان، والاعتبار في ذلك بالكلفة والمؤونة دون المسافة، ولو أحضره فقال المكفول له: لا أقبله الآن ولا أتسلَّمه، برئ اتِّفاقًا.
* * *
стр. 1378
١٧٢٧ - فصل في تعليق الكفالة
إِذا قال: إِذا جاء رأس الشهر فقد كفلت ببدن فلان، ففي صحَّة الكفالة وجهان، وإِن علَّق بما يتقدَّم ويتأخَّر -كالحصاد- فوجهان مرتَّبان، وأولى بالبطلان، وإن علَّقها بمجهول قد يكون وقد لا يكون - كقدوم إِنسان - فوجهان مرتَّبان.
ولو نجَّز الكفالة وعلَّق الإِحضار على شهرٍ صحَّ على المذهب، ولم يلزم الإِحضارُ إِلَّا بعد الشهر، فإِن أحضره قبل الشهر برئ عند المزنيِّ، وقال ابن سريج: لا يبرأ إِن كانت بيِّنة المكفول له غائبة، أو كان دينه مؤجَّلًا بالشهر، وإن لم يكن شيء من ذلك، ففي إِجباره على القبول وجهان، كما في الإِجبار على قبض الدَّين المؤجَّل.
ولو نجَّز الكفالة، وعلَّق الإِحضار بالحصاد، أو بقدوم زيد، ففيه خلاف مرتَّب على صور التعليق وصور التنجيز، وأولى بالصحَّة من صور التعليق، وهذه الصور بأعيانها جارية في تعليق التوكيل.
* * *
١٧٢٨ - فصل في دعوى الكفيل براءة الأصيل
إِذا ادَّعى الكفيل أنَّ المكفول له قد أبرأ الأصيل، فالقول قول المكفول له، فإِن نكل عن اليمين فحلف الكفيل برئ من الضمان، ولا يسقط دين الأصيل؛ إِذ لا نيابة في اليمين، وإن حلف المكفول له طالب الكفيلُ بإحضار الأصيل، فإِن قال الأصيل: ليس لك إِحضاري؛ لإِقرارك ببراءتي، فعلى
стр. 1379
الخلاف المذكور في المؤاخذة بالإِقرار الواقع في أثناء الخصام إِذا قامت البيِّنة بخلافه، والوجهُ القطع بإِيجاب الإِحضار؛ إِذ لو لم يثبت لاتَّخذ الكفلاء ذلك ذريعةً إِلى إِسقاط الضمان، وإنَّما ينقدح الخلاف في الرجوع بعد الغُرم إِن كانت الكفالة بمال.
ولو قال الكفيل: تحقَّقتُ أنَّ كفالتي وقعت بعد الإِبراء، ففي سماع دعواه للتحليف وجهان يجريان في كلِّ عقد يُدَّعَى بعده ما يتضمَّن إِبطاله.
* * *
١٧٢٩ - فصل في الكفالة بأهل الحدود وبإِحضار الموتى
إِذا تكفَّل بإِحضار من لزمه حدٌّ فثلاثة أوجه؛ ثالثها: تخصيص الصحَّة بحقوق الآدميِّ، كحدِّ القذف والقصاص.
ولو مات المكفول به ففي انقطاع الكفالة بموته وجهان؛ إِذ جميع العقود والتصرُّفات مقيَّدة بحال الحياة.
وتصحُّ الكفالة ببدن الميت حيث يجب إِحضاره مجلسَ الحكم لإِقامة الشهادة على عينه وصورته، وكذلك تصحُّ بإِحضار الصبيان؛ لإِقامة بيِّنة أو غير ذلك، ويُعتبر فيه إِذن القوَّام.
١٧٣٠ - فرع:
إِذا كفل ببدن إِنسان، فمات المكفول له، ففي انقطاع الكفالة أوجه:
أقيسها: أنَّها لا تنقطع بموته، بل تبقى لورثته، كما في ضمان الديون.
وثالثها - وهو ضعيف -: إِن كان في التركة وصيٌّ، أو كان على الميت
стр. 1380
دين، استمرَّت الكفالة، وإلا فلا.
* * *
١٧٣١ - فصل فيمن كفل به جماعة وأحضره أحدهم
إِذا كفل ثلاثة بإِحضار زيد، فأحضره أحدهم، فقد برئ، وفي براءة صاحبيه قولان مخرَّجان، بخلاف أداء الذين في الضمان؛ فإِنَّه المقصود الأقصى، وكفالة الأبدان وسيلة لم يحصل مقصودُها بمجرَّد الاِحضار.
ولو كفل به ثلاثة، وكفل كلُّ واحد بإِحضار صاحبيه، صحَّ، فإِن أحضره أحدهم برئ، ويرئ الآخران عن ضمان المحضِر، وفي براءتهما عن أصل الضمان القولان، فإِن قلنا: لا يبرآن، وهو القياس، فعلى المُحضِر إِحضارُ صاحبيه، والكفالة باقية عليهما، فلو حضر زيد بنفسه، ثم غاب، فينبغي ألا يبرأ الكفلاء بذلك، بخلاف تأدية الدَّين؛ إِذ لا مقصود وراءه.
* * *
١٧٣٢ - فصل في ألفاظ الكفالة وما تضاف إليه
إِذا قال: كفلت ببدن فلان، أو: عليَّ إِحضارُه، أو: التزمتُ إِحضاره، أو: أنا بإِحضاره كفيل أو قبيل، أو قال: ضمنت، صحَّ، وإِن قال: أُحضِرُه، لم يصحَّ؛ لأنَّه وعد، وإِن قال: كفلتُ ببدنه أو وجهه، صحَّ، ولعل الرأس في معنى الوجه، وإن أضاف الكفالة إِلى عضو آخر -كاليد والرجل- فأوجه: أحدها: يصحُّ في كلِّ عضو يُضاف إِليه الطلاق.
стр. 1381
والثاني: يختصُّ بالوجه.
والثالث: يبطل إِلا أن يضاف إِلى ما لا يقوم البدن إِلا به، كالرئة والظهر والكبد والقلب، وهذا بخلاف الطلاق؛ فإِنَّه قويٌّ سارٍ؛ ولذلك لو حصره في شهرٍ سرى إِلى ما بعده، ولو حصر الكفالة في شهر اختصَّت به اتِّفاقًا.
* * *
١٧٣٣ - فصل في الشهادة على الضمان
إِذا ادَّعى عشرةً، ولم يذكر سببها، فشهد بها شاهد، وشهد الآخر بخمسة، ثبتت الخمسة اتِّفاقًا، ولو ادَّعى عشرة من ضمان أو غيره، فشهد بها شاهدان، وقال أحدهما: قد قضى منها خمسة، فهل تثبت العشرة أو خمسة؟ فيه وجهان، فإِن أثبتنا العشرة، فللمدين أن يحلف مع شاهد القضاء بشرط إِعادة الشهادة بعد ادِّعاء القضاء، وأبعدَ مَن أجاز الحلف من غير إِعادة الشهادة، فإِن حلف سقطت الخمسة.
ولو ادَّعى ضمان عشرة، فشهد أحدهما بذلك، وشهد الآخر بضمان خمسة؛ فإِن حلف استحقَّ العشرة، وإِن لم يحلف لم يستحقَّها، وهل يستحقُّ خمسة؟ فيه وجهان.
ولو ادَّعى عشرة عن ضمان، فشهد أحدهما أنَّه ضمنها عن زيد بن خالد بن بكر، وقال الآخر: ضمنها عن رجل أعرف عينَه دون نسبه، ثبتت العشرة، وأبعد من قال: لا تثبت.
ولو ادعى أنه ضمن له عن زيد بن خالد، فشهد اثنان أنَّه أقرَّ بضمان
стр. 1382
العشرة، ولم يتعرَّضا لاسم الأصيل، فالمذهب ثبوتُ العشرة، وأبعدَ مَن طرد فيها الوجه المذكور في الصورة السابقة.
* * *
стр. 1383
كتاب الشركة
стр. 1384
كتاب الشركة
١٧٣٤ - لا يصحُّ من الشِرَك إِلّا شِركَة العِنَانِ، وأبعدَ مَن أجاز شركة الأبدان، وهي: الاشتراك في الصنائع والأعمال .
وشركةُ الوجوه كالقراض الفاسد، وهي: أن يكون لأحدهما مال، وللآخر خِبرة بالتجارة، ووجهٌ عند التجار، فيشتركان على أن يكون المال من أحدهما والعمل من الآخر، ولا يسلَّم إِليه المال.
وشركة المفاوضة: أن يتشاركا في الغُرم والغُنْم من غير خلط في المال.
وتجوز شركة العِنَان بالنقدين، وفي غيرهما من العروض وجهان، والفتوى بالصحَّة، ولا خلاف أنَّها لا تتمُّ إِلا بخلط المال بشيوعِ حكميٍّ، أو خلطٍ حِسِّيٍّ لا يمكن معه التمييزُ في الحِسِّ والعِيان، فلا يتأتى ذلك بين الصحيح والمكسَّر، والعتيق والحادث، والمختلف النقوشِ والألوان.
وإن تعذَّر التمييز لكثرة المُخالط؛ فإِن اختلف الجنس فلا شركة؛ كالسمسم مع الكتَّان، وإِن اتَّحد الجنس، واختلف النوع؛ كالبرِّ الأصفر مع الأحمر، فوجهان، والأوجَه: المنع.
وإِن استوى عَرْضان في الوصف والقيمة، والتبس أحدهما بالآخر التباسًا مأيُوس الزوال، فلا شركة.
* * *
стр. 1385
١٧٣٥ - فصل فيما يُشترط في شركة العنان
حقيقة الشركة اختلاط المال، ويُشترط الإِذن في التصرُّف من الجانبين أو من أحدهما، فإِن كان الإِذن من أحدهما فللآخر أن يتصرِّف في نصيب نفسه، وهل يملكان التصرُّف بقولهما: اشتركنا؟ فيه وجهان.
ولا يُشترط التساوي في قدر المال، خلافًا للأنماطيِّ، وفي اشتراط علمهما بقدر المالين وجهان.
وشَرَطَ العلماء في الشركة أن تُعقد بعد اختلاط المال، فإِن تقدَّم العقد على الخلط لم يصحَّ إِذا وقع الخلط بعده، وفيما قالوه نظر؛ لأنَّ إِذنهما توكيل من الطرفين، فإِن علَّقاه على الخلط خرج على تعليق التوكيل، وإِن نجَّزاه فالوجه القطع بصحَّته واستمرارِه إِلى ما بعد الخلط، إِلّا أن يشترطا إِفراد كل واحد من النصيبين بالتصرُّف.
١٧٣٦ - فرع:
إِذا كان التصرُّف من الجانبين لم يُشترط انفراد أحدهما باليد، وإِن كان من أحدهما، فوجهان بناهما الإِمام على الخلاف في شرط الزيادة للمنفرد بالتصرُّف، فإِن منعناه لم يُشترط انفراده باليد، وإِن أجزناه فإن لم يشرطاه فلا يُشترط الانفراد باليد، وإِن شرطاه ففي الانفراد باليد الوجهان.
١٧٣٧ - فرع:
إِذا باع أحد الشريكين العبد بإذن شريكه مع جهلهما بقدر ملكهما، ففي صحَّة البيع وجهان، فإِن قلنا: يصحُّ، تعدَّى الإِبهام إِلى الثمن.
* * *
стр. 1386
١٧٣٨ - فصل في توزيع الربح والخسارة على رؤوس الأموال
وضع الشركة على توكيل بالتصرُّف مضاف إِلى التصرُّف بالمِلك، ولا تتغيَّر بها القواعد، فيجب توزيع الربح والخسارة على رؤوس الأموال، فإِن شرطا تفاوتًا؛ فإِن كان التفاوت في الخسران بطل الشرط، وإِن كان في الربح؛ فإن استويا في العمل وقدر المال بطل الشرط، وإن استويا في المال وتفاوتا في العمل؛ فإِن شُرطت الزيادة لمن زاد عمله، ففي ثبوتها وجهان أقيسهما: الثبوت؛ لمقابلتها بالعمل.
فإِن قلنا: لا تثبت، فانفرد أحدهما بالعمل أو بزيادة فيه؛ فإِن صرَّحا بالتوزيع على الأموال فالعامل متبرِّع، وإِن أطلقا الشركة على أن ينفرد أحدهما بالعمل أو بزيادة فيه، فهل يُلحق بمن استعمل إِنسانًا ولم يُسمّ له أجرة؟ فيه وجهان، والفرقُ: جريان العادة بتسامح الشركاء بالأعمال.
* * *
١٧٣٩ - فصل في حكم الشرط الفاسد
إِذا فسد اشتراط التفاوت في الربح ففي فساد الشركة وجهان، والمُعْظَم على نفي الفساد؛ للاتِّفاق على تنفيذ التصرُّف وتوزيع الأرباح على رؤوس الأموال، وقال أبو عليٍّ: يظهر أثر الفساد في حكمٍ واحدٍ، وهو إِذا استوى المال، وشُرطت الزيادة لمن زاد عمله، ثم فسدت الشركة بسبب من الأسباب، فإِنَّه يستحقُّ أجرة المثل لِمَا عمل على نصيب شريكه، ولا يستحقُّ الزيادة المشروطة.
стр. 1387
ولو فسدت الشركة، وقد زاد عمل أحدهما، ولم يُشْرَطْ له شيء، فالأصحُّ أنَّه لا أجرة له، فإِن أوجبناها فقد ظهر الفرق بين الشركة الصحيحة والفاسدة، ولو استويا عملًا ومالًا، لم تظهر فائدة الفساد إِلا على منع التقاصِّ، ولا خلاف أنَّ الشركة لو صحَّت لم يُطالِبْ أحدُهما بأجرة عمله، ولا بزيادته، وتنتفي الشركة بانتفاء الخلط؛ لأنَّه حقيقتها، ولذلك أبطلنا شركة الأبدان.
ولو اشتركا في التصرُّف، وشُرط انفراد أحدهما باليد، فالشرط فاسد، وفي فساد الشركة الوجهان.
* * *
١٧٤٠ - فصل في فسخ الشركة وانفساخها
الشركة عقد جائز؛ لأنَّها توكيل من الجانبين أو من أحدهما، فأيُّهما مات أو جُنَّ انفسخت، فإِن أراد الوارث تجديدها فليعقدها مع الشريك الباقي، وينعزلان بقول أحدهما: فسخت الشركة.
ولو عزل أحدهما الآخر اختصَّ العزل بالمعزول، وبقي العازل، واقتسامهما المالَ كاقتسام سائر الشركاء؛ فإِن خلطا رديئًا من أموال الربا بجيِّد، كزيتٍ رديء بجيّد، قُسم بينهما على ما ذكرناه في (باب التفليس).
ولو كان لهما دين على رجلين، فأراد أن ينفرد كلُّ واحد منهما بما على أحد الرجلين؛ فإن جوَّزنا بيع الدين من غير المدين فليشترِ كلُّ واحد منهما نصيب الآخر من الدَّين على أحد الرجلين بعين، فيصير مختصًّا به.
* * *
стр. 1388
١٧٤١ - فصل في الشركة في المنافع
لا تصحُّ الشركة بالمنافع؛ لامتيازها، فلو كان لرجل بغل، ولآخر راوية، فشاركهما من يستقي بالبغل والراوية على أن يكون الماء بينهم، لم تصحَّ الشركة، فإِذا استقى ماءً مباحًا، فأصحُّ الطريقين: أنَّه إِن نوى نفسه اختصَّ بالماء اتِّفاقًا، وعليه أجرة البغل والراوية، وكذلك تلزمه الأجرة إِن استقى من ماءٍ يملكه، وإن نوى نفسه وصاحبيه فهل يشاركانه في الماء؟ فيه وجهان؟ فإِن منعنا المشاركة لزمته الأجرة، وإِن أثبتنا المشاركة فالماء بينهم أثلاثًا، وقيل: يشتركون فيه على قدر الأجور؛ فإِن ثلَّثناه فلا تَراجُعَ، وإِن وزَّعناه على الأجور فيرجعُ كلُّ واحد على كلِّ واحد من صاحبيه بثلث أجرة المثل لِمَا بذل.
والطريقة الثانية فيه للشافعيِّ ثلاثة نصوص:
أحدها: اختصاص الماء بالمستقي.
والثاني: يتشاركون فيه، ويتراجعون بالأجور ثلثًا ثلثًا.
والثالث: التقسيط على قدر الأجور، وهذا تخليط لا يصحُّ.
١٧٤٢ - فرع:
إِذا استأجر رجل بغلًا وراوية ومستقيًا لاستقاء ماءٍ مباحٍ، فإِن أُفردت كل منفعة بإِجارة صحَّ، ووقع الماء للمستأجر وإِن نوى الأجير نفسه؛ لاستحقاق منافعه بالإِيجار، وكذلك الإِيجارُ لإحياء الموات وتملُّك المباحات.
وإِن استؤجر الجميع في صفقة واحدة، ففي صحَّة الإِجارة قولان، فإِن قلنا: تصحُّ، وُزِّع المسمَّى على قدر الأجور، وإن قلنا: لا تصحُّ، فالذي ذكره أبو على أنَّ الماء للمستأجر وإِن نوى الأجير نفسه؛ لأنَّ منافعه
стр. 1389
مضمونة بالأجرة، وقال الإِمام: إِذا نوى نفسه فالوجه إِيقاع الماء له، وسقوط أجرته، وعليه أجرة البغل والراوية.
ولو كان لأحدهم بغل، وللآخر بيتُ رحًى، ولآخر حجرُها، فشاركهم رابع على أن يعمل والحاصلُ بينهم، لم يصحَّ؛ فإِن استؤجر العامل لطحنٍ في الذمَّة، فطحنه، استحقَّ المسمَّى، وعليه الأجرة لأصحابه؛ ولذلك لو غصب البيت والحجر والبغل، أو استأجر ذلك إِجارة صحيحة أو فاسدة، فإِنَّه يستحقُّ المسمَّى، وعليه أجرةُ المثل في الغصب والإِجارة الفاسدة، والمسمَّى في الإِجارة الصحيحة، وإن أوقع الإجارة على عين الطاحن والبيت والرحى، صحَّ إِن كان في عقود، وإِن كان في عقد فقولان، فلو ألزم ذمم الأربعة طحن حبٍّ معلوم صحَّ اتِّفاقًا، فإِن وقع الطحن بالأعيان التي اشتركوا عليها استحقُّوا المسمَّى أرباعًا، ولكلِّ واحد على أصحابه ثلاثة أرباع أجرة المثل.
* * *
١٧٤٣ - فصل في الشركة بالمنافع والأعيان
ولو كان لأحدهم أرض، وللآخر بذر، وللثالث آلات الحرث، فشاركهم رابع على أن يزرع ويكون الزرع بينهم، لم يصحَّ، والزرعُ لمالك البذر، وعليه لأصحابه كمال أجور الأمثال.
ولو كان لأحدهم ورق، وللآخر بزرُ القزِّ، فشاركهما آخر على أن يعمل ويكون الفَيْلَج (١) بينهم، لم يصحَّ.
стр. 1390
ولو اشتركوا في البزر، أو باع أحدهم بعض الدود من صاحبيه، اشتركوا في الفيلج، ولا نظر إلى التفاوت فيما يخرج من الدود، كما لا يُنظر في البذر المشترك إِلى التفاوت فيما ينبت وما لا ينبت.
١٧٤٤ - فرع:
إِذا استؤجر لتملُّك مباح كالاحتطاب والاحتشاش جاز، وحصل الملك للمستأجِر، وإن توكَّل في ذلك فوجهان خصَّهما الإمام بما إِذا قصد بذلك موكله، وقطع بأنَّه إِن قصد نفسَه ثبت الملك له، وفي احتطابه بغير إِذنه تردُّد، والظاهر حصوله للوكيل.
* * *
١٧٤٥ - فصل في الاختلاف
إِذا أراد أحدهما ردَّ المبيع بالعيب، وأراد الآخر إِمساكه، ففي انفراده بالردِّ قولان، وإن غُبن أحدهما في الشراء؟ فإِن كان الثمن في الذمَّة فالعقد له، وإن كان بالعين لم يصحَّ في نصيب شريكه، وفي نصيبه قولان.
ولو تنازعا عينًا في يد أحدهما، فادَّعى الخارج أنَّها للشركة، وقال ذو اليد: بل هي لي، فالقول قول ذي اليد مع يمينه؟ فإِن كان المال عشرين، وفي يد أحدهما عشرة يدَّعي أنَّها حصلت له بالقسمة، وأنَّه سلَّم إِلى الآخر عشرة، فالقول قول الخارج في نفي القسمة، وقول الداخل في الخمسة التي ادَّعى ردَّها إِليه من جملة العشرة، وتُقسم العشرة التي في يده بينهما بعد أن يحلف كلُّ واحد منهما على نفي ما ادَّعى عليه.
* * *
стр. 1391
١٧٤٦ - فصل في أمانة الشركاء
الشركاء أمناء يُقبل قولهم في دعوى الردِّ والتلف، ومن ادَّعى منهم خيانة مطلَقة لم تُسمع، وإِن فصَّل فالقولُ قول المدَّعى عليه مع يمينه.
ولو باع أحدهما عينًا، فادَّعى المشتري أنَّه أقبضه الثمن، فصدَّقه الشريك الآخر، وأنكر البائع، فالقول قول الشريك البائع، فإِن حلف فله طلب حصَّته دون حصَّة شريكه؛ لاعتراف الشريك ببراءة المشتري، وليس للشريك أن يساهم البائع فيما يأخذه من الثمن، فإِن شهد الشريك على البائع بالقبض لم تُقبل شهادته فيما يخصُّه، وفيما يخصُّ البائع قولا تبعيضِ الشهادة، وإِن نكل البائع عن اليمين عُرضت على المشتري، فإِن حلف برئ، وإِن نكل فهو كحلف البائع.
هذا إِذا تنازع البائع والمشتري، ولو تنازع البائع والشريك، فالقول قول البائع؛ فإِن نكل عُرضت اليمين على الشريك، فإِن نكل كان كحلف البائع، وإِن حلف طلب حصَّته من البائع، وللبائع مطالبة المشتري بحصَّته من الثمن على قول الكافَّة، وقيل: لا يُطالب؛ لأنَّ نكوله مع اليمين كبيِّنة أو إِقرار، وأيُّهما كان امتنع به الطلب والخصام، وهذا غريب منقاس، ومقتضاه: أنَّ الخصام لو وقع في الابتداء مع المشتري، فحلف المشتري يمين الردِّ بعد نكول البائع، فينبغي أن يطالب الشريك بحصَّته من الثمن؛ لأنَّ يمين الردِّ كبيِّنة أو إِقرار.
ولو أذن أحدهما للآخر في البيع وقَبْضِ الثمن، ولم يأذن الآخر في ذلك، فادَّعى المشتري دفع الثمن إِلى الآذِن، وصدَّقه المأذون، فالقول
стр. 1392
قول الآذن، وللمأذون طلب حصَّته من المشتري بكلِّ حال؛ لأنَّه لم يأذن لشريكه في القبض، وليس له طلب نصيب الآذن، فإِذا قبض المأذون نصيب نفسه فلشريكه أن يساهمه فيه عند المزنيِّ، وقال ابن سُريج: لا يساهمه؛ لأنَّه اعترف بانعزاله بالقبض.
قال الشيخ (١): وإِن انعزل المأذون -كما قال ابن سريج- فينبغي أن يُخرَّج ذلك على ما إِذا باعا شيئًا صفقة واحدة، وقبض أحدهما نصيبه من الثمن، فهل يساهمه الآخر؟ فيه وجهان.
ولو شهد البائع على الإِذن بقبض جميع الثمن قُبلت شهادته؛ إِذ لا جَرَّ فيها.
* * *
١٧٤٧ - فصل في بيع الجزء الشائع وغصبه والإقرار به
إِذا قال أحد الشريكين للمشتري: بعتك نصفي -أو: حصَّتي- من هذا العبد، صحَّ، وانحصر البيع في نصيب البائع، وإِن قال: بعتك نصف العبد، فهل ينحصر أو يشيع في النصفين؟ فيه وجهان؛ فإن أشعناه بطل بيع ربع العبد، وفي الربع الآخر قولا تفريق الصفقة، وإِن أطلق أحدهما الإِقرار بالنصف؛ فإن أشعنا البيع فالإِقرار أولى، وإِن حصرناه شاع الإِقرار في أصحِّ الوجهين، وإن أطلق فرُوجع، فحصر الإِقرار في نصيب الشريك، قُبل عند
стр. 1393
أبي محمد، واستبعده الإِمام.
وقد نصَّ الشافعيُّ، واتَّفق أصحابه على تصوُّر غصب الجزء الشائع؛ إِذ الغصب إِزالة يد مُحِقَّة وإحداث يد عادِيَة، فإِذا أزال الغاصب يد الشريك، وأحلَّ نفسه محلَّه، ولم يتعرَّض لنصيب الآخر، فقد غصب النصف، فإِن باعه خرِّج على الوقف، وإِن باع الجميع هو والشريك الآخر من شخص واحد، فقد قطعوا بالنفوذ في حصَّة الشريك البائع؛ لاتِّفاقهم على تعدُّد الصفقة بتعدُّد البائع، وقيل: لا يصحُّ؛ لاشتمال القبول على الصحيح والفاسد مع اتِّحاده، وهذه هفوة.
* * *
стр. 1394
كتاب الوكالة
стр. 1395
كتاب الوكالة
١٧٤٨ - تصحُّ الوكالة بإِجماع العلماء، ولا تصحُّ فيما لا تطرُّق للنِّيابة إِليه -كعبادات الأبدان- إِلا الحجَّ وركعتي الطواف إِذا أتى بها الأجير على الحجِّ، وفي الصوم خلاف .
وتصحُّ في كلِّ ما تتطرَّق إِليه النيابة، ويقع معظم نفعه للموكِّل، كالعقود والفسوخ والطلاق والعتاق والرجعة والنكاح والصلح والسَّلَم والرهن والحوالة، والقبوض المستحقة، والعواري، وقبول الهبات، وفي تملُّك المباح وجهان.
ولا يجوز في الإِيلاء، لأنَّه يمين، ولا نيابة في الأيمان.
وفي الظهار جوابان؛ مأخذُهما: تغليب الطلاق أو الأيمان، والوجه: القطع بالتصحيح في الإيصاء والضمان.
ولا يجوز في الغصب والعدوان؛ فإِنْ غَصَبَ ما أُذن له فيه اختصَّ بأحكام الغصب والضمان.
ويجوز في إِثبات القصاص وحدِّ القذف اتِّفاقًا، وكذلك في استيفائهما إِن حضر الموكِّل، وإِن غاب ففيه لاختلاف النصِّ طريقان:
إحداهما: المنع قولًا واحدًا.
стр. 1396
والثانية: فيه قولان.
والمذهب: منع التوكيل في طلاق امرأة سينكحها.
وأصحُّ الوجهين: بطلان التوكيل في الإِقرار، وبه قَطَعَ المراوزة؛ فإِن قلنا: يصحُّ، فقال: أقِرَّ عنِّي لزيد بعشرة، لم يكن التوكيل إِقرارًا، وإِن عزله امتنع الإِقرار، وإن قلنا: لا يصحُّ، فالأصحُّ أن نفس التوكيل إِقرار، فإن قال: أقِرَّ عنِّي لفلان بشيء، فهو كقوله: له عليَّ شيء.
ولو قال: أقرَّ لزيد، واقتصَرَ، فوجهان، وقطع العراقيُّون بأنَّه ليس بإِقرار؛ إِذ يحتمل: أقِرَّ له بالفضل والإِحسان.
* * *
١٧٤٩ - فصل فيمن يجوز توكيله وتوكله
كلُّ مَن ملك مباشرةَ أمرٍ لنفسه، وهو ممَّا يَقبل النيابة، جاز أن يوكِّل فيه، وكلُّ من باشر لنفسه أمرًا يقبل النيابة جاز أن يتوكَّل فيه، وهذا مطَّرد، واستُثني من عكسه مسائل:
فالعبد والسفيه لا يتزوَّجان بغير إِذن السيِّد والوليِّ، ولو توكَلا فيه بغير إِذن جاز على المذهب، ولو توكَّلا في الإِنكاح لم يجز على المذهب؛ إِذ لا يملكانه بالإِذن.
وفي توكيل المرأة في طلاق غيرها وجهان.
والمحجور بالفلس لا يتصرَّف في أمواله، وإِن توكَّل فيما لا عهدة فيه جاز، وكذلك فيما فيه العهدة على المذهب.
* * *
стр. 1397
١٧٥٠ - فصل في التوكيل في المخاصمة
لا يُشترط في التوكيل في الخصام رضا الخصم، رجلًا كان الخصم أو امرأة، مخدَّرة أو غير مخدَّرة، ويدخل تحت لفظ الخصومة: إِقامة البيِّنة وسماعها، وجَرْحها واستزكاؤها، فإِن استثنى الموكِّل شيئًا من ذلك لم يملكه الوكيل، ولا يملك المصالحة وإن جاز (١) التوكيل في صلح المعاوضة والحطيطة.
وليس له أن يقبض الحقَّ إِذا ثبت على أصحِّ الطريقين؟ إِذ لا يُعدُّ من الخصام، وقيل: فيه وجهان.
ولو توكَّل في قبض حقِّ، فاحتاج إِلى الخصام، فهل له ذلك؟ فيه وجهان.
وإِن توكَّل بالمخاصمة من الجانبين لم يجز على الأصحِّ؛ فإِن أجزناه فليفرغ من حُجَّة أحدهما، ثمَّ يشتغل بحجَّة الآخر، وإن. وكَّل اثنين بالمخاصمة، فهل لأحدهما الانفراد؟ فيه وجهان، فإِن منعناه لم يخاصم إِلا بحضور صاحبه؛ إِذ الغرض بذكرهما حضورهما للتشاور والتناصر، وكذلك الغرض من كل ما يُفوَّض إِلى اثنين على الإِطلاق، كالوكالة والوصاية وسائر التصرُّفات.
ولو توكَّل في مجلس الحكم، فله أن يخاصم فيه وفي غيره من المجالس في الاستقبال، وقال القاضي: يتخصَّص ذلك بمجلس التوكيل على مصطلح القضاة، وليس الأمر كما قال.
стр. 1398
وإِن وكَّله في مخاصمة خصمائه، ولم يعيِّن، صحَّ في جميع الخصومات، وقيل: لا يصحُّ؛ للجهالة، وإِن ادَّعى أنَّه وكيل زيد في مخاصمة عمرو؛ فإِن صدَّقه عمرو ثبتت بذلك الوكالة، واطَّرد الخصام، فإِن كان عمرو مدَّعًى عليه لم يملك الامتناع من المخاصمة إِلى أن يحضر الموكّل، وإِن كان مدَّعيًا فله أن يخاصم وأن يؤخِّر، وإِن كذَّبه عمرو لزمه الإِثبات، وتُسمع بيِّنته في حضور الخصم وغيبته.
وقال القاضي: لابدَّ أن ينصب القاضي من يسمع البيِّنة في مسألة الغيبة؛ إِذ لابدَّ من مقضى عليه، بخلاف القضاء على الغائب، فإِنَّه يتوجَّه إِليه، بخلاف الوكالة، فإِنَّ إِثباتها ليس قضاءً على الغائب، ولا أصل لما قال.
١٧٥١ - فرع:
إِذا وكَّل في مجلس القضاء فللوكيل أن يخاصم عنه ما دام حاضرًا، وإِن غاب لم يخاصم إِلا أن يعرفه الحاكم بنسبه، ولا يجوز أن يُعتمد على قوله في نسبه، فإِن أقام بيِّنة بالنسب سُمعت، ووجب استزكاؤها.
وقال القاضي: جرت عادة القضاة بترك الاستزكاء هاهنا؛ اعتمادًا على ظاهر عدالة الشاهدين، وهذا ممَّا تفرَّد به، فلا تُخْرَم به الأصول.
* * *
١٧٥٢ - فصل في قبول الوكالة
لا تفتقر الإِباحة إِلى قبول المباح له، ولا تبطل بردِّه، وفي اشتراط قبول الوكالة طريقان:
стр. 1399
إحداهما: وجهان.
والثانية: لا يُشترط إِن كانت بلفظ الأمر، وإِن كانت بلفظ التوكيل أو الاِنابة أو التفويض فوجهان.
ولو عزل نفسه انعزل اتِّفاقًا.
١٧٥٣ - فرع:
إِذا اشترطنا القبول فلابدَّ أن يتَّصل بالإِيجاب، فإِنْ كَتَبَ الغائب بالوكالة نفذت على الأصحِّ، فإِن لم نشَرط القبول نفذ تصرُّف الوكيل، وإِن شرطناه فليقبل إِذا عرف مضمون الكتاب.
* * *
١٧٥٤ - فصل في تعليق الوكالة
إِذا علَّق الوكالة بصفة أو وقت فطريقان:
أحسنهما: أنَّا إِن شرطنا القبول لم يجز، وإِن لم نشرطه جاز.
والثانية: إِن لم نشرطه جاز، وإِن شرطناه فوجهان.
ولو عجَّل التوكيل، وعلَّق التصرُّف، جاز، ولا يتصرَّف قبل وجود الشرط، ورمز العراقيُّون إِلى تخريجه على الخلاف في التعليق؛ إِذ لا معنى للوكالة مع منع التصرُّف.
١٧٥٥ - فرع:
إِذا منعنا التعليق، فتصرَّف الوكيل بعد وجود الشرط، نفذ عند العراقيِّين، ويسقط المسمَّى، وتجب أجرة المثل، ومنعه أبو محمد، وقال
стр. 1400
الإِمام: إِن وكَّل بصيغة التوكيل لم ينفذ إِن شرطنا القبول، وإِن وكَّل بصيغة الأمر نفذ إِن لم نشرط القبول.
١٧٥٦ - فرع:
إِذا لم نشرط القبول ففي اشتراط علم الوكيل بالوكالة خلاف مرتَّب على العلم بالعزل، وأولى بالاشتراط، فإِن شرطناه فهل يُشترط أن يقترن بالوكالة؟ فيه وجهان، فإِن لم نشرط الاقتران فتصرَّف قبل العلم، ففي نفوذ تصرُّفه قولان، كما لو باع مال أبيه على ظنِّ حياته، فظهرت وفاته.
* * *
١٧٥٧ - فصل في العزل
لا يقف العزل على القبول اتِّفاقًا، ولا على علم الوكيل على الأصحِّ، وفيه قول مخرَّج.
وإن مات الموكِّل، أو جُنَّ، أو أَعْتَقَ العبدَ الذي وكَّل في بيعه، أو باعه بيعًا لازمًا، ولم يشعر الوكيل، نفذ التصرُّف، وانعزل الوكيل، ولا ينعزل الحاكم قبل بلوغ الخبر؛ لِمَا في ذلك من الضرر، وقيل: فيه القولان.
١٧٥٨ - فرع:
إِذا لم يُشرط العلم بالعزل، فتصرَّف الوكيل، فادَّعى الموكّل أنَّه عزله قبل التصرُّف، لم يُقبل إِلا ببيِّنة.
١٧٥٩ - فرع:
في تعليق العزل خلاف مرتَّب على تعليق الوكالة، والأصحُّ الجواز.
стр. 1401
١٧٦٠ - فرع:
إِذا جوَّزنا التعليق، فقال: مهما عزلتك فأنت وكيلي، ثمَّ عزله، عاد التوكيل، فإِن عزله ثانيًا لم تَعُدِ الوكالة إِلا إِذا قال: كلَّما عزلتك فأنت وكيلي، فيتكرَّر التوكيل بتكرُّر العزل، فإِن عزله في غيبته، فإِن شرطنا العلم بالعزل فالوكالة بحالها، وإن لم نشرطه: فهل تعود الوكالة، أو تخرَّج على الخلاف في اشتراط علم الوكيل؟ فيه وجهان؛ لأنَّ الوكيل قد أمن من اطِّراد العزل.
١٧٦١ - فرع:
إِذا حكمنا بعود التوكيل بعد العزل، فصادف التصرُّفُ وقت الانعزال، ففي نفوذه وجهان، وإن شككنا في ذلك أو اختلفا فيه، فالأصل بقاء التوكيل.
١٧٦٢ - فرع:
إِذا حكمنا بتكرُّر الوكالة إِذا تكرَّر العزل، فالخلاص منها بأن يقول: كلما وكَّلتك فأنت معزول.
* * *
١٧٦٣ - فصل في إقرار الوكيل على الموكل
إِذا توكل بالمخاصمة لمدَّعٍ أو مدَّعى عليه، لم يُقبل إِقراره عليه، ولو عَدَّل وكيل المدَّعى عليه بيِّنةَ المدَّعي لم يقبل؛ لأنه يقطع الخصومة كالإِقرار، وليس للوكيل أن يختار قطع الخصام.
* * *
стр. 1402
١٧٦٤ - فصل في التوكيل في الإبراء
إِذا قال: أبرأتك ممَّا لي عليك، وهو عالمٌ بقَدْرِه، صحَّ وإن لم يصرِّح بذكر المقدار، كما لو قال: بعتك بما باع به فلان، ويُشترط في الإِبراء معرفة الموكِّل لما يبرئ منه دون الوكيل، فإِذا قال: أبرأتك ممَّا لموكِّلي عليك، صحَّ وإِن جهله الوكيل، بخلاف البيع؛ فإِنَّ عهْدته تتعلَّق بالوكيل.
* * *
١٧٦٥ - فصل في توكيل الوكيل
إِذا وكَّل إِنسانًا بتصرُّفات أو خصومة، فإِن تيسَّر عليه تعاطي ذلك لم التوكيل فيه اتّفاقًا، وإِن عسر فطُرُق:
إحداهنَّ: التجويز فيما تعسَّر منه، وفي المتيسِّر وجهان.
والثانية: المنع في المتيسِّر، وفي المتعسِّر وجهان.
والثالثة: في الجميع وجهان:
أحدهما: الجواز في الكلّ، وفيما شاء منه.
والثاني: المنع في الكلّ، والجواز في البعض، والتعيين إِليه.
وهل يُعتبر في العسر عظم المشقَّة، أو عدمُ الإِمكان؟ فيه وجهان.
١٧٦٦ - فرع:
توكيل العبد المأذون كتوكيل الوكيل في الخلاف والوفاق، وللوصيِّ والمُقارِض والوليِّ المُجبِر أن يوكِّلوا، وفي غير المُجبِر خلاف.
* * *
стр. 1403
١٧٦٧ - فصل في التوكيل بإذن الموكِّل
يجوز التوكيل بالوكالة، فإِذا وكَّله بتصرُّفٍ وأذن له أن يوكِّل فيه، فله أحوال:
الأولى: أن يقول: وكِّل عنِّي فيما وكَّلتك فيه، فيكون الوكيل الثاني وكيلًا عن المالك، لا ينعزل بانعزال الأول بحالٍ.
الثانية: أن يقول: وكِّل عن نفسك، فهل يملك الوكيل الأوَّل عزل الثاني؟ فيه وجهان يُعبَّر عنهما بأنَّه وكيل عنه أو عن المالك، فإِن جوَّزنا له عزله انعزل بموته وجنونه، وإن منعناه من عزله ففي انعزاله بموته وجنونه وجهان، ولو انعزل الأوَّل بعزل المالك ففي انعزال الثاني بذلك وجهان؛ اعتبارًا بالموت والجنون، وإن عَزَلَ المالكُ الثانيَ انعزل إِن منعنا الأوَّل من عزله، وإِن أجزناه فوجهان، فإِن قلنا: لا ينفذ، فطريق الخلاص أن يعزل الأوَّل، فينعزل الثاني بذلك.
الثالثة: أن يقول: وكَّلتك في التوكيل، ولا يزيد، فبأيِّ الحالَيْن يلحق؟ فيه وجهان.
١٧٦٨ - فرع:
إِذا جوَّزنا للوكيل المطلَق أن يوكِّل؛ فإِن أضاف إِلى الموكِّل فهو كالحال الأولى، وإِن أضاف إِلى نفسه فهو كالحال الثالثة.
* * *
стр. 1404
١٧٦٩ - فصل في دعوى الأمين الردَّ على المؤتمِن
كلُّ أمين ادَّعى الردَّ على المؤتمِن فالقول قوله باتِّفاق الخراسانيِّين، وقال العراقيُّون: إِن كان الغرض للأمين كالمستأجر والمرتهن فالقول قول المؤتمِن، وإن كان الغرض للمؤتمن كالوديعة والوكالة بغير جُعل، فالقول قول الأمين، وإن كان الغرض لهما كالوكيل بالجُعل فوجهان.
١٧٧٠ - فرع:
كلُّ أمين تلفت العين عنده بغير تفريط منه لم يضمن، وكلُّ أمين ادَّعى التلف فالقولُ قوله باتِّفاق الخراسانيّين، وقياسُ العراقيِّين: إِلحاق دعوى التلف بدعوى الردِّ، ويُحتمل أن يفرقوا بين الردِّ والتلف.
* * *
١٧٧١ - فصل في دعوى الردِّ على غير المؤتمِن
إِذا ادَّعى الردَّ على غير المؤتمن لم يُقبل قوله إِلا على وجه بعيد، كمن التقط لقطة، أو أطارت إِليه الريح ثوبًا، فادَّعى الردَّ على المالك، لم يُقبل، وكالقيِّم إِذا ادَّعى الردَّ بعد البلوغ والرشد، فلا يُقبل على الأصحّ، وإِن ادَّعى النفقة في الصغر، فإِن ذكر سرفًا ضمن، وإِن ذكر اقتصادًا قُبل على الأصحِّ.
١٧٧٢ - فرع:
من طُولب بالدَّين فله أن يمتنع من أدائه حتَّى يُشْهَدَ له بقبضه، وفي الوديعة وجهان، وقال العراقيّون: لا يمتنع في الدين إِلا إِذا كان به بيّنة.
* * *
стр. 1405
١٧٧٣ - فصل في دعوى الردِّ على رسول المؤتمِن
إِذا ادَّعى الأمينُ الدفع إِلى الرسول، واعترف المالك بالإِرسال، وكذَّب الأمينَ في الدفع، فالقولُ قول الرسول في عدم القبض، وفي تغريم الأمين وجهان؛ إِذ يد الرسول كيد المرسِل، وقطع الإِمام بالتغريم؛ لأنَّه ادَّعى الردَّ على غير المؤتمِن، وإِن كذَّبه الرسول وصدَّقه المالك، فإِن قلنا: لا يغرم إِذا كذَّبه المالك، فهاهنا أولى، وإن قلنا: يغرم ثَمَّ، فهاهنا وجهان مشهوران؛ لتقصيره بترك الإِشهاد.
* * *
١٧٧٤ - فصل في التنارع في إِيقاع التصرُّفات
إِذا توكَّل بتصرُّفٍ أو أداءِ أمانةٍ أو دينٍ، فادَّعى أنَّه فعل ذلك، وأنكره (١) الموكِّل، ففي قبول قول الوكيل مع يمينه طريقان:
إحداهما: ثلاثة أقوال: أحدها: لا يُقبل في الجميع؛ لتعلُّقه بثالث.
والثاني: يُقبل حتى في أداء الديون والأمانات. والثالث: إِن شابَهَ لفظُ الدعوى لفظَ الإِنشاء قُبل، وإِلا فلا، فيُقبل في العتق والطلاق، ولا يُقبل في الاقتصاص، ولو قال: بعتُ، فالقياس أنَّه لا يُقبل؛ إِذ لا يَستقلُّ بالإِنشاء من غير قبول.
والطريقة الثانية، وهي المشهورة: إِن ادَّعى دفع دين أو أمانة لم يُقبل على المذهب، وإن ادَّعى عقدًا وهو باق على الوكالة قُبل؛ لقدرته على الإِنشاء.