أثرُه، ويُرضخ للعبد والمريض الذي لا حراك به، كذلك للصبيِّ والمرأة إن أعانا الجند بحراسةٍ، أو خدمةٍ، أو تهيئةِ طعامٍ، أو غيرِ ذلك، وإن لم يُنتفع بهما فوجهان يجريان فيمن لم يبلغ حدَّ النفع من الصبيان.
ويُرضَخ لذمِّيٍّ إن لم يُنهَ عن الحضور، وإن نُهيَ فوجهان [فيجوز أن يقال: لا يستحقون الرضخ لمخالفتهم، ويجوز أن يقال: يستحقونه؛ فإن] (١) حقوق المغانم لا تختلف بالوفاق والخلاف.
وفي نساء الذمَّة وأطفالهم أوجه:
أحدها: لا يُرضَخ لهم إلا أن ينفعوا.
والثاني: أنَّهم كأطفال المسلمين.
والثالث: لا يُرضخ لهم بحال؛ لأنّا نتيمَّن (٢) بنساء المسلمين وأطفالهم، بخلاف الكفَّار.
وليس للمخذِّل رضخٌ ولا سهمٌ ولا سلَب اتِّفاقًا، وعلى الإمام صرفُه قهرًا إذا علم به، والمخذِّل: هو الذي يُرْعِبُ القلوب، ويكسرها بالأراجيف، ساعيًا في تفريق الكلمة، والحثِّ على الانهزام.
ويُخْرَجُ الرضخ من أصل الغنيمة كالمؤَن، أو من مال المصالح، أو من أربعة الأخماس؛ فيه ثلاثةُ أوجهٍ أصحُّها آخرُها.
стр. 1752
٢١٩٥ - فرع:
إذا لم يشهد الوقعة سوى أهلِ الرضخ، ففي تخميس ما يغنمونه وجهان، فإن خمَّسناه صُرف إليهم أربعةُ أخماسه، وأبعدَ مَن قال: يرضخ لهم الإمام ما يراه، ود صرف الباقي في المصالح.
٢١٩٦ - فرع:
إذا رُضخ للعبد، ثمّ عتق بعد الحيازة والقسمة، فالرضخُ لسيِّده، وإن عتق في أثناء القتال ففيه احتمال.
وإذا أُفرِز الخُمس وجب الإقراعُ بينه وبين أربعة الأخماس؛ لِمَا في الأعيان من الأغراض.
وإذا أراد القسمة؛ فإن جعلنا الإرضاخ من أصل الغنيمة، أخرجها وفاضَلَ بين أهلها على ما يقتضيه الرأي، ثمّ يخمِّس الباقي، وتُقسم أربعة أخماسه على الغانمين؛ فإن كانوا رجالًا أو ركبانًا قسمها بينهم بالسويَّة، وإن كانوا رجالًا وركبانًا أعطى الراجل سهمًا، والفارسَ ثلاثةً؛ سهم له، وسهمان لفرسه، ولا فرق بين الواقف في الصفِّ وبين مباشر القتال.
ولا يُسهَم لغير الخيل، كالحُمُر والفيَلة والإبل والبغال، ولا يُسهم إلا لفرس واحد، وأَبعدَ مَن أسهم لفرسين.
ويَمنع الإمام من حضور فرس رازح لا حِراك به، كما يَمنع من مصادمة القتال بغير سلاح؛ فإن حضر به، وركبه فقولان، وإن لم يمكن ركوبه، أو أحضر مهرًا لا يمكن ركوبه، لم يُسهم له.
стр. 1753
وإن جعلنا الإرضاخ من أربعة الأخماس قدَّرها على التفاوت، ولا يبلغ بأعلاها سهمَ راجل؛ فإن كان فيهم فارسٌ جُعل له ثلاثةُ أرضاخ ينقص كلُّ واحد منها عن السهم، فإذا كان الجيش ألفَ فارس وألفَ راجل، جَعَلَ السهام أربعةَ آلاف، ونَظَرَ في قَدْرِ الأرضاخ، فجَعَلَها سهامًا، وزادها على أربعة آلاف، فإذا بلغت الأرضاخ قدرَ مئة وخمسين سهمًا قسم على أربعة آلاف ومئة وخمسين، وأفرز ما يخصُّ الأرضاخ لأربابه على تفاوتهم، ثمّ قسم الباقي بين أهل السهام.
* * *
٢١٩٧ - فصل في موت الغازي وفرسه
إذا نفق الفرس قبل القتال، لم يُسهم له وإن كان في دار الحرب، وإن نفق في أثناء القتال ففيه أقوال؛ ثالثها: إن نفق بعد حيازة المغنم أُسهِم له، وإلا فلا.
ولم يفرِّق الأصحاب بين أن يموت بسبب القتال أو بغيره.
وإن مات الغازي في أثناء القتال لم يُسهَم له اتِّفاقا، وإن مرض مرضًا لا يمنع القتال أُسهم له، وإن منع القتال؛ فإن رجونا زوالَه قبل انقضاء الحرب، فزال قبل انقضائها، أُسهم له، وإنْ لم يَزُلْ حتى انقضت الحرب ففي إلحاقه بما لا يُرجى زوالُه احتمال، وإن لم يُرجَ زوالُه إلا بعد أيام، أو كان مزمنًا غيرَ مرجوِّ الزوال، فقولان.
والجنونُ كالمرض أو الموت؟ فيه طريقان، ففرَّق بعضهم بأنَّ المريض
стр. 1754
يُنتفَع برأيه، بخلاف المجنون، وهذا لا يصحُّ؛ فإنَّ المرض لو استمرَّ من أول القتال إلى آخره لمَا ثبت السهم.
ومن حضر القتال وبه مرضٌ مزمن، أو ركب في الصفِّ غيرَ متمكِّنٍ من القتال، استحقَّ الرضخ دون السهم؛ فإنَّ الواقف إنَّما يستحقُّ إذا كان بحيث يتأتَّى منه القتال، ولو ترجَّل وترك الفرس قريبًا منه ليركبَه عند الحاجة، استحقَّ سهمَه، ولو ترجَّلوا في مضيقٍ، وأَبْعَدوا عن الخيل لإيغالهم في القتال، فوجهان.
* * *
٢١٩٨ - فصل في سهم الأجير والتاجر والأسير
مَن جرَّد قصْدَ الجهاد استحقَّ السهم بحضور الصفِّ وإن لم يقاتل، ومَن لم يجرِّد القصد، كمن استُؤجر مدَّة للخدمة، وسياسةِ الدوابِّ، وضربِ الأخبية، وغيرِ ذلك من الأعمال؛ فإذا حضر الصفَّ، أو قاتل، ففيه طريقان، أظهرهما: إن لم يقاتل لم يُسهم له، وإن قاتل فأقوال:
أحدها: يستحقُّ الأجرةَ والسهمَ.
والثاني: الأجرةَ دون السهمِ.
والثالث: لا يُسهم له إلا أن يُسقط الأجرة.
وقد أجاز الأصحاب للإمام أن يستأجر مَن يجاهد مِن مال المَصالح، وإن استأجر الآحادُ لذلك فوجهان، وفي إلحاق هذا الأجيرِ بالمستأجَر لسياسة الدوابِّ طريقان:
стр. 1755
إحداهما: لا يُسهم له قولًا واحدًا.
والثانية: تخريجه على الخلاف.
وإن استؤجر ليغزوَ عن المستأجِر لم يصحَّ، فإن أتى بالعمل لم يستحقَّ الأجرة، وفي السهم قولان مرتَّبان على أجير الإمام، وأولى بالإسهام، فإن قضينا باستحقاقِ الأجرة والسهمِ فشرطُه ألا يعطِّل شيئًا من أعمال الإجارة مع مُلابَسة القتال، فإن عطَّل شيئًا من ذلك سقطت أجرته، واستحقَّ السهم.
وإن قلنا: لا يُسهم له إلا بإسقاط الأجرة، فهل يسقط في حال القتال، أو مِن حين خرج إلى انقضاء القتال، أو من حين دخل دار الحرب؟ فيه ثلاثةُ أوجهٍ أبعدُها آخِرُها، ونعني بحال القتال: الوقوفَ في الصفِّ مع مباشرة القتال في بعض الأحوال.
والتاجر إنْ قاتَلَ استحقَّ، وإلا فقولان.
وإن أَفْلَتَ منهم أسيرٌ مسلم؛ فإن قاتل استحقَّ، وإلا فقولان؛ لأنَّ غرضه ظاهرٌ في الإفلات.
وإن أسلم أحدهم، وأَفْلَتَ إلينا، استحقَّ بالوقوف في الصفِّ كغيره من الغزاة.
وإن جاء الأسير بعد القتال فلا سهم له عند الجمهور، ومَن ذكر قولًا في استحقاقه فقد أخطأ، ولعلَّه يختصُّ بمَن كان معهم مطلقًا وأفلتَ على قربٍ من انقضاء القتال، وهو خطأٌ بكلِّ حال.
فهذه طريقةُ الجمهور في هؤلاء.
стр. 1756
وقال بعض الأصحاب؛ في كلِّ مسألة قلنا فيها: إن لم يقاتل لم يُسهم له، وإن قاتل فأقوال؛ فإن قلنا: يُسهم للمقاتل، ففي الواقف قولان، وكلُّ مسألة قلنا: إن قاتل استحقَّ، وإن لم يقاتل ففيه خلاف؛ فإن قاتل ففيه قولان.
فإن قلنا: لا يُسهم لأحد من هؤلاء، رُضخ له على ظاهر المذهب، وقيل: لا يُرضخ.
قال الصيدلانيُّ: كأنَّ الخلاف في هذه الصور مبنيٌّ على الخلاف في وجوب النيَّة في الجهاد، فإن قلنا: لا تجب، لم يَبْعد الإسهام لمن لم يقاتل، وإن أوجبناها فعلى التفصيل والخلاف.
* * *
٢١٩٩ - فصل في لحوق المدد
الغنيمة لمن حضر الوقعة، ولا يختصُّ بها آخِذوها، ولو تفرَّقوا في مواضع بحيث يتأتَّى منهم التناصُرُ، فهو كاجتماعهم في معرك واحد.
وإن لحق مددٌ بعد الحيازة وانقضاءِ الحرب، لم يُشْرَكوا في الغنائم، وإن لحقوا في أثناء القتال وقبل الحيازة، يشاركوا، وإن لحقوا بعد الحيازة، وقبل انقضاء القتال، يشاركوا على أصحِّ القولين؛ لأنَّ الحيازة في القتال عُرضةٌ للاسترداد، فلا أثر لها.
وتصحُّ القسمة في دار الحرب، ولا يَبْعُدُ أن يكون أولى؛ لأنَّها أطيبُ للقلوب، وأنفى للغلول، وأخفُّ للحمل.
стр. 1757
وإن اقتسموا مع قيام الحرب لم يصحَّ عند الأصحاب، وخرَّجه الإمام على القولين في لحوق المدد بعد الحيازة وقبل انقضاء القتال.
* * *
٢٢٠٠ - فصل في اشتراك الجند والسرايا
إذا بعث الإمام سريَّة من معظم الجند، فغَنِمَتْ، أو غَنِمَ الجندُ شيئًا، أو بعث سريَّتين إلى جهتين، فغنمتا، أو غنم الجند؛ فإن اتَّحدت الغزوة، وصدرت عن رأي واحد، وأَمْكَنَتْهم الإغاثةُ والتناصُرُ فالكلُّ شركاءُ فيما يختصُّ بعضُهم باغتنامه، وأَبعدَ مَن قال: لا تُشارِكُ إحدى السريَّتين الأخرى.
وإن لم تتَّحد الغزوة، ولم يُمْكن التناصُرُ، فلا شركة، ويختصُّ كلُّ فريق بما يغنمه.
وإن تعذَّر الغوث واتِّحدت الغزوة، أو أمكن الغوثُ ولم تتَّحد الغزوة، فوجهان مأخذُهما: أنَّ سبب الاشتراك: إمكانُ الغوث، أو الاتِّحاد؟
ويُرجَع في حدِّ الغوث إلى أهل الخبرة، وضابطه: ما لو استفزَّت إحدى الطائفتين الأخرى لأدركتها قبل الاصطلام، ولا يُشترط الإدراك في الحال.
والمراد باتِّحاد الغزوة: أن يبرز الجيش عن رأيٍ واحدٍ، فيبثَّ السرايا في نواحي القطر المطلوب؛ ليفرِّق بهم جمهور الأعداء، أو ليحفظوا مراصدَ الطرف، أو يحاصروا قلاعًا على ممرِّهم، فهذه غزوةٌ واحدة.
وإن بَعُدَتِ السرايا بحيث لا يلحقُهم غوثُ الجيش، ولا يفعل الأمير
стр. 1758
ذلك إلا إذا بعُد أن يتحامل جيش الكفَّار على السرايا، فهذه غزوة واحدة؛ لصدَرها عن رأيٍ واحد.
وإن كان الجند في البلد؛ فإن تعذَّرت الإغاثة بسبب البعد، أو لعدم تأهُّب الجند، فلا مشاركة؛ لتعذُّر الغوث، وإنَّهم لا يُعدُّون من أهل الغزوة، وإن أمكنت الإغاثةُ فوجهان مأخذهما المعنيان، وحيث اعتبرنا الغوث، فتعذر لبعد المسافة، أو لعدم التأهُّب مع قرب المسافة، فلا شركة.
وغَلِطَ من قال: إن كان الجند في دار الإسلام فلا شركة، وإن كانوا في دار الحرب اشتركوا.
٢٢٠١ - فرع:
إذا كان [المدد] (١) على حدٍّ لو استغاث بهم الجند لأغاثوهم، ولكنَّهم لم يشعروا بهم؛ فإذا لحقوا بعد الحيازة وتقضِّي القتال فلا شركة لهم اتِّفاقًا؛ إذ لا يمكن الاستغاثةُ بهم مع الجهل، ولم يصدروا عن رأيٍ واحد.
* * *
стр. 1759
٢٢٠٢ - باب تفريق الخمس
يُقسم خمسُ الفيء والغنيمة على خمسة أسهم، وللشافعيِّ قول غريبٌ: أنَّه يسقط سهم رسول الله ﷺ ، فتُقسم على أربعة، ولا تفريعَ عليه.
السهم الأوَّل: سهمُ رسول الله ﷺ : يُصرف في المصالح العامّة، ولا يُصرف إلى الخليفة، خلافًا لبعض العلماء، ورمز بعض الأصحاب إلى موافقته.
الثاني: سهم ذوي القربى، وهم كلُّ منتسِبٍ بأبيه إلى بني هاشم، أو بني المطَّلِب، ولا عبرة بالانتساب بالأمَّهات؛ فإنَّ النسب إلى الآباء، واتَّفقوا على تسوية الغنيِّ بالفقير، وعلى أنَّ للذَّكَرِ مثلُ حظِّ الأنثيين، ويشترك الأبناء والآباء والأحفاد والأجداد.
الثالث: سهم اليتامى، وهم كلُّ صغيرٍ مات أبوه من المسلمين، ويستوي فيه الذَّكَرُ والأنثى، وفي اشتراط الفقر وجهان، ولا يختصُّ بأولاد المرتزقة (١)، خلافا للقفَّال.
الرابع: المساكين.
стр. 1760
والخامس: ابن السبيل.
وسيأتي وصفها في قَسْمِ الصَّدقات، ويُشترط في ابن السبيل الحاجةُ، كما في الزكاة، وأبعدَ مَن لم يشرطها.
وتُصرف هذه الأسهمُ إلى جميع مَن يوجد من هؤلاء في خطَّة الإسلام، ولا يُترك منهم أحد.
وقال أبو إسحاق المروزي: لا يجبُ هذا، بل يُصرف كلُّ خُمسٍ إلى أهل القطر الذي أُخذ فيه الخُمس.
فإن أراد بهذا صرْفه إليهم مع حرمان غيرهم من أهل الأقطار، فقد خالف النصَّ، وقولَ الجمهور، وإن أراد تخصيصَ كلِّ قطرٍ بما يحصل فيه، وإن خلا قطرٌ أُعطوا نصيبَهم من حيث يراه الإمام، فلا ينبغي أن يُختلف في هذا.
وللمالك صرفُ الزكاة إلى ثلاثةٍ من كلِّ صنف، ولا يلزمُه التعميم، بخلاف الإمام؛ فإنَّه ناظرٌ للكلِّ، ولو ضاع منهم واحد لنُسب إلى تفريطه، فإن اجتمعت الزكاة عنده، وجوَّزنا النقل، لزمه التعميمُ كما ذكرناه في الأخماس، ولينصِّب في كلِّ قطرٍ أمينًا خبيرًا يضبط أعداد المستحِقين، ويتِّخذ شجراتٍ جامعةٍ لأنساب ذوي القربى؛ فإن حصل ما لا يسدُّ حاجاتهم، احتمل أن يسوِّي بينهم، واحتمل أن يفاضِل على قَدْرِ الحاجات، فإن حصل ما لا يمكن بسطُه على الخطَّة قدَّم الأحوجَ فالأحوجَ؛ إذ لا يجوز التأخير، ولا التحكُّمُ بالتعيين، ومَن شَرَطْنا حاجتَه -كاليتيم وابن السبيل- أُعطوا على قَدْرِ حاجاتهم، ولا يسوَّى بينهم، ولا يزاد على حاجاتهم.
ومَن ادَّعى الاستحقاق قُبِل قولُه إن ادَّعى المسكنة، وفي تحليفه
стр. 1761
خلافٌ يأتي في قَسْمِ الصدقات، ولا يُعطَى مدَّعي القرابة حتى يَثْبُتَ نسبه، أو يستفيض، ولا اليتيمُ حتَّى يتحقَّق صِغَرُه وموتُ أبيه.
* * *
стр. 1762
٢٢٠٣ - باب تفريق أربعة أخماس الفيء
ويتعرَّف الإمام ما يحتاج إليه المرتزِقُ (١)؛ من مؤونته، ومؤونة عياله، ومركوبه، وسلاحِه، ودفعِ حاجةِ ما يتَّصل به، فإذا ثبت عنده قَدْرُ الحاجات أعطى كلَّ واحد بقدر حاجته.
ولا يُكفى المرتزق مؤونة عبيدٍ لا يَصْلُحون لخدمة ولا لقتالٍ، ولا عبيد الزينة، وإن كان مخدومًا لم يُكْفَ إلا مؤونة خادمٍ واحد عند الأصحاب، وإن كان له أربع زوجات كُفيَ مؤنتَهنَّ على النصِّ، وأَبعدَ مَن قال: لا يُزاد على واحدة.
وإن اتَّخذ عبيدًا يصلحون للقتال؛ ليقاتلوا عند الحاجة، لم تجب مؤونتهم على النصِّ، وقيل: تجب، وهو الأصحُّ عند الإمام.
стр. 1763
وعلى النصِّ: للإمام أن يأمر المرتزِقَ باتِّخاذ عبيدِ لذلك، ويُكْفَى مؤونتَهم من الفيء.
وله إقامة أحرارِ للنجدة يرقبون (١) في الديوان على ما يقتضيه رأيه.
ولو زَمِنَ عنده عبدٌ قديم الصحبة لم يضايَق في كفايته عند الإمام.
ويتعهَّد الإمام الأحوال في كلِّ نوبة؛ لاختلاف الأسعار والأحوال، وكلَّما كبر الغلام زاد في نصيبه، ويدفع إلى كلِّ واحد قدر الحاجة وإن كان غنيًّا.
ولا يفضِّل أحدًا بشيء من المناقب، كالعلم والتقوى والتقرُّب من المصطفى ﷺ ، هذا رأي أبي بكر، وبه قطع الشافعيُّ، وفضَّل عمرُ بالمناقب، وهو قولٌ مخرَّجٌ للشافعيِّ عند اتِّساع المال، وقال أبو محمد: التصرُّف في ذلك يقارب التصرُّف في حدِّ الخمر.
وهل يجب تمليك أبناء المرتزقة ما يخصُّهم من ذلك؟ فيه قولان، فإن ملَّكْناهم ففي البنات خلاف؛ فإن ملَّكناهم فالأكثرون على أنَّا لا نملِّك الزوجات.
ولو مات المرتزق عن ذرِّيَّة لا تصلح للقتال، ففي وجوب كفايتهم وجهان، فإن فضل من الفيء شيء عن المرتزقة، ففي صرفه إليهم قولان مأخذهما: أنَّهم هل يملكون الفيء أم لا؛ فإن قلنا: يملكونه، صُرف الباقي إليهم بالسويَّة، ولا نظرَ إلى الحاجات؛ لأنَّا قد كفيناها، ولا حقَّ للذرِّية
стр. 1764
فيما فضل عن الحاجة، وفيه احتمال، وإن قلنا: لا يملكونه، صُرف في المصالح؛ يُبدأ بالأهمِّ فالأهمِّ من أمر الحصون والثغور، وإعدادِ الكُرَاع والسلاح، وجميعِ آلات القتال قصدًا ودفعًا، ومن المصالح أرزاقُ القضاة وولاةِ الأحداث، وهم الشرَطُ.
٢٢٠٤ - فرع:
توظيف العطايا إلى رأي الإمام؛ إن شاء جعلها مُسانَهةً، وإن شاء جعلها مشاهرةً.
ومَن مات من المرتزقة بعد انقضاء المدَّة، وجمعِ المال، وُرِث عنه نصيبُه، وإن مات بعد الجمع وقبل انقضاء المدَّة فقولان؛ لتردُّده بين الإجارة والجعالة، وأَبعدَ مَن بَنَى ذلك على موت الذمِّيِّ في أثناء الحول.
٢٢٠٥ - فرع:
إذا أعرض المرتزقُ عن حصَّته بعد انقضاء المدَّة، لم تسقط على الظاهر، بخلاف سهمه من الغنائم.
٢٢٠٦ - فرع:
على المرتزقة المسارعةُ إلى الغزو إذا دعاهم الإمام من غير معارَضةٍ، ويُغزي كلَّ فرقة فيما يليهم، ولو أمر المُطَّوِّعة بقتالٍ غيرِ متعيِّنٍ فلا يَحْرمُ أمرُه بذلك، فإن حرُم ففي وجوب الطاعة وجهان.
ولو صرف شيئًا من فاضل الفيء إلى المطَّوِّعة، لم يجز إلا إذا جعلناه للمصالح، وفَقَد كفايتَهم من الزكاة، وإن اتَّسع الفيء للمرتزقة لم يُعطَوا من
стр. 1765
سهم المطَّوَّعة من الزكاة، فإنْ عُدِم الفيء، واتَّصفوا بصفات الاستحقاق، ففي جواز الصرف إليهم وجهان.
* * *
٢٢٠٧ - فصل فيما يُصرف فيه مال المصالح وما يدَّخره الإمام
إذا أراد الإمام ادِّخار شيء من مال المصالح لمهمِّ يتوقَّعه، ففيه أوجه:
أحدها، وهو المشهور من المذهب: أنَّه لا يدَّخر شيئًا ما وجد مصرفًا، فإن لم يجد فله أن ينشئ المساجد والرباطات على ما يراه، فإن نزلت نازلةٌ استعان بأُولي الثروة من المسلمين.
والثاني: له ذلك، بل هو أولى من كثيرٍ من المصالح.
والثالث: لا يدَّخر من مال المصالح الناجزة شيئًا، بل يدَّخر ما ذكرنا أنَّه يُصرف إلى الربُط والمساجد.
* * *
стр. 1766
٢٢٠٨ - باب ما لم يُوجَف عليه من الأرضين بخيل ولا ركاب
إذا كان في الفيء عقار، كالأراضي والمساكن والدور، فالمذهب: أنَّها لا تُقسم، بل يُصرف خمس ارتفاقها (١) إلى مصارف الخمس، والباقي إلى مصارف أربعة الأخماس، وذهب طائفةٌ إلى أنَّها تُقسم كالمنقولات، وقال آخرون: للإمام أن يقسمَها، وله أن ينفقها على مصارفها.
* * *
٢٢٠٩ - فصل في تعريف العرفاء ووضع الديوان
حسُن للإمام أن يضع ديوانًا يُثبت فيه أسماء الجند، وينصبَ صاحبَ جيش ليقيم نقيبًا (٢)، ويقيم كل نقيب عرفاءَ، تحت رايةِ كلِّ عريفٍ جماعةٌ تُعرف أسماؤهم؛ ليتيسَّر جمعُهم لأخذ أرزاقهم، أو لبعث طائفةٍ منهم في الغزوات.
وينبغي أن يبدأ في الديوان بالأقرب فالأقرب من رسول الله ﷺ ، ثمَّ
стр. 1767
بقريشٍ، ثم بالأنصار، ثم بسائر الناس، هكذا فعل عمر، فجعل العبّاسَ رأسَ الديوان، وبدأ ببني هاشم وبني المطَّلِب، وقدَّم أحد البطنين على الآخر بالسنِّ، وكان هاشم والمطَّلب وعبدُ شمس ونوفلٌ أولادَ عبد مناف، فقدَّم عبدَ شمس؛ لأنَّه أخو المطَّلب لأبويه، ولأنَّ عثمان منهم، ثم نوفلًا؛ لأنَّه أخو المطَّلب لأبيه، وكان عبدُ العزَّى وعبدُ الدار وعبد مناف أولادَ قصيٍّ، فقدَّم عبدَ العزى؛ لأنَّ خديجة والزبير منهم، ولحضورهم مع رسول الله ﷺ قبل البعثة حلفَ المطيَّبينَ الذين تعاقدوا على نصر المظلوم، وألَّا يُعِزُّوا بمكَّة ظالمًا، ثمَّ بعبد الدار، ثم بزهرة بن كلاب عمِّ عبد منافٍ، ثمَّ قدَّم تَيْمًا على مخزومٍ لأجل أبي بكرٍ، ثم أردف بمخزومٍ لأنَّ مخزوم بن يقظة بن مُرَّة وتيمًا هما أخوا كلاب بن مرَّة، فلمَّا انتهى إلى بني عديِّ بن كعب بن لؤيٍّ أخي مرَّةَ وسهمٍ وجُمَحَ، خلط عديًّا بجمح، وقدَّمهما على سهمٍ، وكان ينبغي أن يقدِّم عديًّا على جُمح؛ لمكانه، ومكان حفصة، فلم يفعل، ثمَّ أردف بعامر بن لؤيٍّ أخي كعب بن لؤيٍّ قبيلةِ أبي عبيدة بن الجرَّاح، فلمَّا انتهى إلى معاوية جعل الحارث بنَ فهرٍ بين أسد بن عبد العزَّى وبين نوفلٍ، وقدَّمهم على سائر قريشٍ سوى عبد منافٍ، فلمَّا فرغ من قريش أردف بالأنصار، ثم وضع العرب على الترتيب، ثم أردف بالعجم.
* * *
٢٢١٠ - فصل في الغلول
لا يجوز تحريقُ رحْلِ الغالِّ إن كان الوالي عدلًا، وكذا إن كان جائرًا عند المُعْظَم، وقال في "التلخيص": يُحرَّق، إلا أن يكون فيه مصحفٌ، فيُباع
стр. 1768
ويُتصدَّق بثمنه، وإن تيسَّر إخراج المصحف، وإحراقُ المتاع؛ لحديثٍ ضعيفٍ ورد فيه (١)، ولو صحَّ لكان منسوخًا؛ إذ لم يَعمل به الخلفاء.
وكان لرسول الله ﷺ أن يصطفي من جميع المغنم ما شاء، وهل يُحسب الصَّفِيَّ من خُمسِ الخمس؟ فيه وجهان.
* * *
стр. 1769
مُخْتَصَرُ قَسْم الصَّدقاتِ
стр. 1770
مُخْتَصَرُ قَسْم الصَّدقاتِ
٢٢١١ - للمالك أن يدفع زكاة أمواله الباطنة والظاهرة إلى الإمام، وله تفريقُ زكاة الباطنة، وكذا الظاهرةُ على الجديد، وعلى القديم: يلزمُه دفعها إلى الإمام، وإن فرَّقها بنفسه لم تُجْزِه .
والأموال الظاهرة: هي المواشي، والمعشَّرات، والمعادن إن جعلنا واجبَها زكاةً.
والباطنة: هي النقود، وأموال التجارة.
وفي الركاز والفطرة وجهان.
* * *
٢٢١٢ - فصل في نقل الزكاة عن وطن المال
وهو جائزٌ في القديم ممنوعٌ في الجديد، والاعتبارُ بوطن المال في ون وطن المالك؛ فإن منعنا النقل ففي الوصايا المطلَقة والكفَّارات والنذور المطلَقة وجهان.
وأمَّا زكاة الفطر؛ فإن جُعلت لثلاثةٍ من المساكين فهي كالكفَّارة، وإن جُعلت للأصناف: فهل يُعتبر ببلد المالك، أو ببلد المال؟ فيه وجهان، فإن اعتبرناها ببلد المال، فكان ببلدٍ والمالكُ في غيره؛ فإنْ فَضَلَ معه قَدْرُ
стр. 1771
الفطرة أخرجها ببلده دون بلد المال.
* * *
٢٢١٣ - فصل في التفريع على منع النقل
إذا منعنا النقل ففي جريانه في حقِّ الإمام احتمالٌ، وإن نقل المالك فقد أساء، وفي الإجزاء قولان، والأكثرون على منعه، فإن قلنا: يُجزئ، عَصَى، وبَرِئ، وقال الإمام: لا يَبْعُدُ القولُ بالكراهة.
ولو كثرت زكاة إنسان؛ بحيث لو وزَّعها على الأصناف لقاربت الكفاف، وليس في الناحية غيره؛ فإن وزَّعها على الجميع أدَّى فرضَ كفايةٍ وفرضَ عينٍ، ولو خصَّ بها ثلاثةً من كلِّ صنف عَصَى، وبَرِئَ.
والمذهب: أنَّ مَن توطَّن بلدًا أو قريةً فليس له النقل إلى قريةٍ قريبةٍ يترخَّصُ المسافر بالبروز إليها، وقيل: له أن ينقل إلى ما دون مسافة القصر، ومَن توطَّن البادية جاز له النقل إلى ما دون مسافة القصر على الأصحِّ، وقيل: إنَّه كالقرويِّ.
وإذا فُقد بعض الأصناف من وطن المال؛ فإنْ جوَّزنا النقل مع وجودهم وجب النقلُ هاهنا إلى مَن فُقد منهم، وإنْ منعنا النقل مع وجودهم فهاهنا قولان؛ فإنْ منعناه؛ فإن كانوا دون مسافة القصر لزم النقلُ إلى الأقرب فالأقرب اتِّفاقًا، وكذا إن كانوا فوق مسافة القصر على الأصحّ، وأَبعدَ مَن أجاز النقلَ إلى حيث شاء.
وإن وجد من كلِّ صنف واحدًا أو اثنين؛ فإن جوَّزنا النقل إذا فُقد
стр. 1772
بعض الأصناف فهذا أولى، وإلا فقولان.
٢٢١٤ - فرع:
مَن لا يستوطِنُ مكانًا، ومالُه معه، فله النقلُ إلى جميع أقطار الأرض، وقيل: الأولى أن يفرِّق الزكاةَ حيث وَجَبت، ولا يلزمُه ذلك اتِّفاقًا.
ولو تردَّد في إقليم فسيحٍ لا يتعدَّاه، فله النقلُ عنه على الظاهر عند الإمام.
ولو كانت ماشيتُه في قريتين لا يتعدَّاهما شتاءً ولا صيفًا؛ فإن لم يكن بينهما مسافةُ القصر لم يَنقل عنهما عند الإمام، وإن كان بينهما مسافةُ القصر فهو كالتردُّد في الإقليم الفسيح.
٢٢١٥ - فرع:
إذا احتاج الساعي في نقل الزكاة إلى مؤونةٍ فله إخراجُها من الزكاة اتِّفاقًا، وإن فُقدت الأصناف، وجوَّزنا للمالك النقلَ، فلا تلزمُه المؤونةُ على الأصحّ، وفي إخراجها من الزكاة تردُّد للإمام، ومال إلى المنع، وخيَّر المالكَ بين التبرُّع بالمؤونة، وبين الصبر إلى وجود الأصناف، وقال: يلزمُه التفريقُ حيث لا مؤونةَ، ولا يُنزَّل في التخلية منزلةَ المودع، وذكر العراقيُّون أنَّ مؤونة كيَّال العُشْر على المالك على الأصحِّ.
٢٢١٦ - فرع:
إذا كان أهلُ البادية غيرَ مستقرِّين، ومعهم الأصنافُ يطوفون معهم، فالظاهرُ وجوبُ الصرف إليهم، وفيه احتمالٌ.
* * *
стр. 1773
٢٢١٧ - فصل في صفة الفقراء والمساكين
يجب صرف الزكاة إلى مَن يوجد من الأصناف المذكورة في كتاب الله، ويستحقُّ الزكاة بحاجة أخذها إلينا، أو بحاجتنا إليه.
فالفقير: مَن لا يملكُ وراء الضرورة في الملبس شيئًا، كالخادم والمسكن وغير ذلك، ولا يقدر على اكتساب الكفاية، ولا بعضِ الكفاية، وفي اشتراط التعفُّفِ عن السؤال اختلافُ نصٍّ؛ لأنَّه نوعٌ من الاكتساب، وفي اشتراطِ الزَّمانة خلافٌ؛ فإنْ شُرطت لم يُشْرَطِ العمى على الأصحِّ.
والمسكين: مَن يملك ما لا يفي بالكفاية، أو يقدر على اكتساب بعض الكفاية، ولا يُحسب عليه مسكنُه اللائقُ به، ولا خادمُه الذي يتضرَّر بفقده -لضعفه، أو ضعفِ بصره- إذا لم يكن نفيسًا، وإن كان مخدومًا للمروءة والمنصب، فقد ألحقه بعضهم بالمكفِّر كفَارةً مرتَّبة، ولا يمتنع الفرقُ بينهما.
ولا يجوز صرفُ سهم المساكين إلى الفقراء؛ لأنَّهما متى ذُكرا في وصيَّة أو غيرِها وجب الصرفُ إليهما، وإن ذُكر أحدهما جاز الصرف إلى الآخر.
٢٢١٨ - فرع:
إذا دفع الزكاة إلى عبد المسكين بإذنه أجزأت، وبغير إذنه خلافٌ كالخلاف في قبول الهبة، ولو دفعها إلى عبدِ مَن لا يستحقُّها لم تُجزِه؛ إذ لا بدَّ في الزكاة من تمليكٍ محقَقٍ، ولذلك لا يُدفع سهم المساكين إلى المكاتَب؛ لضعفِ مِلْكه.
ولو قال السيّد لعبده: ملَّكتك ما تحصِّله بالاصطياد، أو الاحتطاب،
стр. 1774
فحصَّل شيئًا من ذلك، لم يملكه وإن قلنا: إنَّه يملك بالتمليك؛ لأنَّ هذا تمليكٌ للأسباب.
ولو كان الفقير أو المسكين صغيرًا، دُفعت الزكاة إلى الناظر في أمره، أو ينصِّب الحاكم من يقبِضها له، وإن دُفعت إليه لم تُجْزِ.
٢٢١٩ - فرع:
إذا دفع الزكاة إلى مَن تلزمه نفقتُه من الأقارب؛ فإن كان بسبب الغرم ونحوه أجزأه، وإن كان بسبب الفقر والمسكنة لم تُجزئه؛ لأنَّه إسقاط دَينَيْنِ بمالٍ واحد.
ولا يدفع سهمَ المساكينِ إلى مَن يكتفي بغلَّةِ وقفٍ عليه.
وفي المكْفِيِّ بنفقة القريب وجهان، وفي المزوَّجة وجهان مرتَّبان، ولا فرق بين الزوج وغيره، وهي أولى بالمنع من المكفيِّ بنفقة القريب؛ فإنَّ نفقتها لا تسقط بالغِنَى، فأَشبهتْ ريعَ الوقف.
فإن قلنا: لا يُصرف إليها شيء لاستغنائها بالنفقة؛ فلو نشزت لم ندفع إليها شيئًا، إلا أن تنشز في غيبة الزوج، وتعودَ إلى الطاعة، ففي الدفع إليها قبل بلوغ الخبر إلى زوجها احتمالٌ.
وإن سافرت بإذنه في غرضها، وقلنا: تسقط نفقتها، دُفع إليها في السفر من سهم المساكين إن جوَّزنا نقل الزكاة، وفيه احتمال.
٢٢٢٠ - فرع:
إذا اجتمع في شخصٍ واحدٍ سببان أو أسبابٌ يَسْتَحِقُّ بمثلها الزكاةَ،
стр. 1775
لم يَستحقَّ إلا بأحدها على المذهب، وقيل: يستحقُّ بالجميع، وقيل: إن غرم المسكين لمصلحة الغير أخذ بالغرم والمسكنة، وإن غرم لمصلحة نفسه لم يأخذ إلا بأحدهما.
* * *
٢٢٢١ - فصل فيما يُصرف إلى الفقير والمسكين
يُدفع إلى المسكين قدرُ الكفاية؛ فإن كان محترِفًا دُفع إليه ما يحصِّل به آلاتِ حرفته، وإن لم يُحْسِنْ سوى التجارةِ، ولم يتأتَّ تحصيلُ الكفاية إلا بألف درهم، دُفع إليه ألفٌ، وتُعتبر أدنى مراتبِ الكفاية عند الإمام، وإن لم يُحْسِنْ شيئًا، فقد قال أبو محمد: يُدفع إليه نفقةُ العمر باعتبارِ أغلب الأعمار، وقال الإمام: إن قُدِر على إقامة مَن يتَّجر له فعلى ما ذكرناه في التاجر، وإن عُجز عن ذلك لم نَزِدْه على كفاية سنةٍ.
وإذا دُفع إلى الفقير بعضُ كفايته، لم يَجُزْ لغير الدافع أن يعطيَه من سهم الفقراء، وله إعطاؤه من سهم المساكين، ولو دفع إلى الفقير قدر الكفاية جاز على الأشبه، فإن أراد الدافعُ إكمالها من سهم الفقراء؛ فإن كانت من زكاة الحول المستقبَل لم تُكمَل إلا من سهم المساكين، ولو كانت من زكاة ذلك الحول، ففي إكمالها من سهم الفقراء مع اتِّحاد الدافع تردُّدٌ، هذا كلُّه إذا بقي ما أخذه الفقير بيده.
٢٢٢٢ - فرع:
الزكاةُ وصدقةُ التطوُّع حرامٌ على رسول الله ﷺ ، وتَحرْمُ الزكاة على
стр. 1776
بني هاشمِ وبني المطَّلب، وفي صدقة التطوُّع وجهان، والصدقةُ المنذورةُ كالزكاة أو التطوُّع؟ فيه خلافٌ، فلو قَدِمَ الفيءُ، واتَّصفوا باستحقاق الزكاة، لم يُدفع إليهم عند الجمهور، خلافًا للإصطخريِّ، ويُصرف إليهم سهم العامل على الأصحِّ.
* * *
٢٢٢٣ - فصل في صفة العامل
العاملون: هم الجُباة، والكُتَّاب، والحُسَّاب، ومَن لابدَّ من استعماله، وليس لهم سوى أجرةِ المِثْلِ اتّفاقًا، وتُوزَّع عليهم على قَدْر أعمالهم.
ولا حقَّ للخليفة، ولا لولاة الأقاليم في ذلك، وحقُّ الخليفة في مال المَصالح إنْ لم يتطوَّع بالعمل، وكان أبو بكر وعمر يأخذان منه قدْرًا نزرًا، ثم ردَّا ما أخذاه في آخر أعمارهما.
فإنْ فَضَلَ ثُمُنُ الزكاة عن أجرة المثل رُدَّ على الأصناف، وإن نقص كُمِّل على أصحِّ القولين، وهل يُكمَّل من الزكاة أو من مال المصالح؟ فيه اختلافُ نصٍّ، فقيل: قولان، وقيل: إن بُدئ بالزكاة كُمِّل من المصالح، ولم تُنقص القسمة، وإن بُدئ به كُمِّل من الزكاة، قال الإمام: إنَّما يَقْرُبُ هذا إذا اتَّفق الأمر كذلك، والرأي: ألا يُدفع لأحدٍ شيءٌ حتَى تُعرف مقادير السهام.
٢٢٢٤ - فرع:
للإمام أن يدفع نصيب العامل من مال المصالح، ويوفِّرَ الزكاة على
стр. 1777
الأصناف، وفي فحوى كلامِهم ما يدلُّ على أنَّ منْعَهم من الزكاة بالكلِّيّة لا يجوز، والمذهب الأوَّل.
* * *
٢٢٢٥ - فصل في صفة المؤلَّفة قلوبهم
وهم أربعة أقسام:
الأوَّل: كفَرةٌ يُرجى إسلامهم، فلا يُعطَون من الزكاة، وفي إعطائهم من مال المصالح قولان.
الثاني: قوم من الأشراف حديثٌ عهدُهم بالإسلام، ونيَّتُهم فيه ضعيفةٌ، ولو أُعطوا لثبتوا، وثبت أتباعهم، ففي إعطائهم قولان، فإن أعطيناهم؛ فمن الزكاة أو من مال المَصالح؛ فيه عند العراقيّين قولان، وستأتي طريقة صاحب "التقريب".
الثالث: طائفةٌ يجاورون الكفَّار في أطراف الإسلام، لو أُعطوا لكفَونا مؤونة الجهاد، ولو جُهِّز إلى مجاوريهم جيشٌ لعظمت المؤونة، فيُعطون اتِّفاقًا.
الرابع: قومٌ على الأطراف، لو أُعطوا جبَوا الزكاة ممَّن يليهم، ولو بُعثت السُّعاةُ لعظمت المؤونة، فيُعطون اتِّفاقًا.
ومن أين يُعطى هذان القسمان؟ فيه أربعة أقوال:
أحدها: من مال المَصالح.
والثاني: من سهم المؤلَّفة من الزكاة.
стр. 1778
والثالث: من سهم سبيل الله.
والرابع: من سهم المؤلَّفة وسهمِ سبيل الله، واختلفوا في هذا القول، فخرَّجه بعضهم على الخلاف في الإعطاء بالأسباب، وقيل: يأخذون بالسببين وجهًا واحدًا؛ لاحتياجنا إليهم.
وفي "التقريب" قولٌ: أنَّ للإمام أن يجمع للأشراف والواقفين على الأطراف بين مال المصالح، وسهم المؤلَّفة، وسهم سبيل الله، ولا يلزمُه ذلك على الأصحِّ، وإعطاء الذين يَجْبون الزكاة من مال المصالح متَّجهٌ، ويَبعُدُ إعطاؤهم من سهم المؤلَّفة، ولا وجه لإعطائهم من مال الغزاة.
* * *
٢٢٢٦ - فصل في صفة الرقاب
وهم المكاتَبون (١)، والمُكاتَبُ كالغارم يُعطَى قدرَ النجوم إن لم يكن بيده وفاءٌ، فإن كان معه ثمان مئةٍ، والنجومُ ألفٌ، أُعطي مئتان لا غير، وفي إعطائه النجمَ المؤجَّلَ وجهان، ولا يقف الدفعُ إليه على إذن السيِّد، وإن دُفع إلى السيِّد برضا المُكاتب جاز، وإن دُفع إليه بغير رضاه لم يُجْزِ عن الزكاة؛ فإنَّ المكاتب هو الأصلُ في القبض، ولذلك يتخيَّر بين أن يدفع الزكاة إلى السيِّد، وبين أن ينفقها، ويعطيَه من الكسب.
* * *
стр. 1779
٢٢٢٧ - فصل في ردِّ المكاتب ما أخذ عند التعجيز والإعتاق
إذا قبض السيِّد النجومَ من الزكاة، فعَتَقَ المكاتَبُ بقبضها، أو قَبَضَ بعضَها، ثم أعتقه، أو أبرأه، أو أدَّى عنه أجنبيٌّ، فقد وقعت الزكاة موقعها.
وإن كانت الزكاة بيد المكاتب، فأعتقه السيِّد، أو أبرأه، أو أدَّى عنه أجنبيٌّ، فطريقان:
إحداهما: يردُّها إن كانت باقية، وإن كانت تالفةً ففي غرمها وجهان.
والثاني: لا يضمنها إن كانت تالفةً، وإن كانت باقيةً ففي ردِّها وجهان.
وإن عجَّزه قبل أخذ الزكاة، وجب الردَّ والغرمُ اتِّفاقًا، فإنْ تلفت في يده بعد التعجيز تعلَّق الغرم برقبته كالعارية، بخلافِ المبيع.
وإن عجَّزه السيِّد بعد أن قبض منه الزكاة، فقد قطع أبو محمد بالردِّ والتغريم، وذكر الصيدلانيُّ في الردِّ طريقين:
إحداهما: القطع بأنْ لا ردَّ.
والثانية: وجهان.
وفي الغرم خلافٌ مرتَّب على الردِّ، وأَوْلَى بألا يغرم.
* * *
٢٢٢٨ - فصل في صفة الغارمين
الغارم ضربان: ضرب غرم لغرضٍ مباح، كنفقته، ونفقة عياله، فيُقضى دينُه إن كان مُعْسرًا، وأَبعدَ مَن قال: يُقضَى مع الغِنَى، ويُحتمل ألا يُقضَى إلا دَينُ مسكينٍ، أو دينُ مَن لا يملك سوى الكفافِ، أو دينُ المعسِرِ
стр. 1780
القادرِ على كسب الكفاف، فأمَّا القضاء مطلقًا مع الغِنَى ففيه بُعْدٌ.
٢٢٢٩ - فرع:
إذا استدان استدانةً صحيحة قاصدًا صرفَ ذلك في معصيةٍ، أو في تبذيرٍ يُحجَر بمثله، فلا يُقضَى دينُه إن كان مصرًّا، وإن تاب فوجهان، وفي التبذير المباح احتمالٌ للإمام.
ولو استدان لمعصيةٍ، ثم صرفه في طاعة، قُضي.
وإن استدان، ولم ينوِ معصية، ثم صرفه في المعصية، قُضي دَينه إن عرفنا صدقَه، ولا يُقبل قوله في ذلك، ويُحتمل ألا يُقضى وإنْ عُلم صدقه.
الثاني: مَن استدان لغرضِ الغير؛ فإنْ تحمَّل حَمالةً لإخمادِ ثائرةٍ في دمٍ، ولولا تحمُّلُه لثارت الفتنة، فيُقضى دَينُه إن كان مُعْسِرَا، أو غنيًّا بالمنقول والعَقار، وإن كان غنيًّا بالنقد، فقولان أفقهُهُما القضاءُ.
وإن كانت الفتنةُ في إتلاف مال؛ فإن كان غنيًّا بالنقد لم يُقضَ، وإن كان غنيًّا بالعَقار فقولان.
وإن تحمَّل دَينَ معاملةٍ من غير فتنةٍ؛ فإنْ كان الأصيلُ غنيًّا يتيسَّر أداؤه للدَّين لم يُقضَ دينُ الكفيل، وإن كانا معسرَيْنِ، قُضي دينُ الكفيل على المذهب، ودلَّ كلام بعضهم على أنَّه لا يُقضى، وهذا لا يصحُّ؛ فإنَّ إعانة المسلم لا تتقاعد عن استدانته لنفسه فيما لا تُرْهِق إليه الحاجة، ولا سرف فيه.
وإن أعسر الأصيلُ وأيسر الكفيل فهل يُلحق بحَمالةِ الدم، أو إتلافِ المال، أو باستدانة الإنسان لغرضِ نفسه؟ فيه ثلاث طرق.
стр. 1781
٢٢٣٠ - فرع:
إذا كان الدَّين مؤجَّلًا، ففي قضائه أوجه ثالثُها: إن كان أجلُه ممَّا يحُلُّ في السنة المستقبلة قُضي، وإلا فلا.
٢٢٣١ - فرع:
السؤال مع الإبذاء (١) محرَّمٌ، ومع الحاجة جائز، والتعفُّفُ أولى، ولغير الحاجة مكروهٌ إلا في مباسطة الأصدقاء، وعند الضرورة واجبٌ عند قيام الدواعي.
* * *
٢٢٣٢ - فصل في صفة الغزاة
سهمُ سبيل الله مصروفٌ إلى المطَّوِّعة (٢) بالجهاد، فيُعطَون نفقة الذهاب والإياب، والإقامةِ على القتال والحصار، ويُحمل الفارس والراجل إلى محلِّ القتال، ويُعطى الفرسانُ الخيل بإجارةٍ أو إعارةٍ أو تمليكٍ إن رأى ذلك، وإن رأى شراء خيلٍ وتحبيسَها على المجاهدين فَعَلَ، ويُعطون ذلك مع الغنى.
стр. 1782
وهل يُعطون جميعَ النفقة، أو ما زاد بسبب السفر والجهاد؟ فيه خلافٌ كعامل القِراض.
ولا فرق بين غنيِّهم وفقيرهم، ولا شيء لأولادهم من هذا السهم، بخلاف أولاد المرتزقة.
٢٢٣٣ - فرع:
إذا فُقد الفيء، وحان عطاء المرتزقة، ففي إعطائهم من هذا السهم أوجهٌ؛ أبعدُها: إن قاتلوا مانعي الزكاة أُعطوا ممَّا يُؤخذ منهم، وهذا لا يصحُّ؛ إذ لا فرق بين زكاتهم وزكاة غيرهم، فإنْ فُقدت الزكاة أَعْطَى المطَّوِّعة من مال المصالح، ولا يعطيهم من أربعة أخماس الفيء إلا إذا جعلناه للمصالح.
* * *
٢٢٣٤ - فصل في صفة ابن السبيل
مَن عزم على السفر في طاعةٍ فهو من أبناء السبيل، وإنْ عزم على السفر في معصيةٍ، أو لغيرِ غرضٍ صحيحٍ -كالهائم- فلا يُعطى، وإن أُبيح السفر، وصحَّ الغرضُ، فقد قطع أبو محمَّد بإعطائه، وذكر أبو علي وصاحبُ "التقريب" فيمن يسافر إلى ماله ليتَّجر به وجهين.
ومَن قصد مجرَّد رؤية البلاد، فهذا غرضٌ صحيحٌ عند الصيدلانيِّ، وفيه احتمالٌ؛ إذ السفرُ لغير غرضٍ مكروهٌ عند كثير من الأصحاب.
والعائد إلى وطنه ابن سبيل اتِّفاقًا.
واتَّفقوا على اشتراط الحاجة، ولا عبرةَ بغناه بماله الغائب، فإنْ قَصَدَ
стр. 1783
بلدًا، ومالُه في نصف الطريق، دُفع إليه ما يُوصله إلى ماله، ولا يُزاد عليه، هذا فيمن عزم على السفر من وطن المال، ومَن اجتاز بوطن المال؛ فإن جوَّزنا نقل الزكاة، دُفعت إليه زكاة ذلك البلد، وإن منعنا النقل فوجهان أقيسُهما: الجواز، وظاهر النصِّ: المنع.
٢٢٣٥ - فرع:
إذا منعنا النقل، فحضر البلدَ غرباءُ، لم يُعطَوا على ما دلَّ عليه كلام المشايخ، ولا فرق بين الحرم وغيره، بخلاف لحم الهدي؛ فإنَّه للغرباء والقاطنين؛ نظرًا إلى حرمة البقعة؛ لأنَّا إنَّما منعنا نقل الزكاة؛ ليختصَّ أهل كلِّ قطر بزكاته، فلو صُرفت إلى الغرباء لقصدوا بلد الزكاة، وضيَّقوا على أهله، ولهذا لو سافرتِ الأصنافُ لغير نقلةٍ صُرفت إليهم حِصَصُهم أين كانوا، ولو سافر بعضُهم، وأقام مَن فيه الكفايةُ، جاز الصرفُ إلى المسافرين على الأصحِّ.
وإن فارقوا البلد جميعَ السَّنَةِ فوجهان، وإن فارقوا في آخرها، وحضروا في أوَّلها، فوجهان مرتَّبان، وإن فارقوا في معظمها، وحضروا في آخرها، جاز الصرفُ إليهم اتِّفاقًا، وإن سافروا بعد الحول جاز أيضًا، وإن سافروا لاستيطانِ موضعٍ آخر؛ فإن كان قبل الحول لم تُنقل إليهم اتِّفاقًا، وإن سافروا بعد الحول؛ فإن تعيَّنوا للزكاة وجب صرفُها إليهم، وإن لم ينحصروا جاز النقلُ إليهم على الأصحِّ.
* * *
стр. 1784
٢٢٣٦ - فصل فيمن يدَّعي أنَّه من الأصناف
إذا ادَّعى غرمًا أو كتابةً لم نقبل إلا ببيِّنة، فإن صدَّقه الغريم أو السيِّد فوجهان، فإن قبلناه؛ فلو كان الغريم غائبًا فوجهان.
ومَن ادَّعى العجز عن الكسب، وظاهِرُ بدنه مُشْعِرٌ بالقوَّة، أو ادَّعى المسكنة، أو العزمَ على السفر، قُبل قولُه، ولا يُحلَّف إن لم يُتَّهم، وإن اتُّهم فوجهان.
وقال العراقيُّون: مَن ادَّعى العجز عن الكسب؛ فإن شهد ضعفُ بِنْيَته بذلك لم يحلَّف، وإن ظهرت قوَّته وبَعُدَ عجزُه فوجهان.
وقال القفَّال: مَن ادَّعى العزم على السفر أو الغزوِ لم يحلَّف، فإن لم يغزُ، ولم يسافر، استُرِدَّ منه ما أَخذ.
وخرَّج أبو عليٍّ على تحليفه الخلافَ، فإن قلنا بالتحليف: فهو إيجابٌ، أو استحباب؟ فيه وجهان.
وقال الإمام: لا يتَّجه التحليف إلا من الولاة، فأمَّا المالك فيُحتمل ألا يحلِّف؛ اقتداءً بالسلف، ويُحتمل أن يحلِّف، كما يسمع قولُ الثقات على المغارم، ولاسيَّما عند انحصار المستحِقِّ إذا منعنا النقل.
فإنْ نكل الطالبُ عن اليمين؛ فإن أحببناها فلا أثر لنكوله، وإن أوجبناها لم يُصرف إليه شيء حتى يَحْلِفَ؛ لأنَّه لم تقم حجَّةٌ على استحقاقه، وليس هذا قضاءً بالنكول.
وحيث شُرعت اليمين فلا يجب على الدافع التحليف اتِّفاقًا، ولا يبعد
стр. 1785
إيجابه إلا إذا أوجبنا اليمين.
٢٢٣٧ - فرع:
من يفتقر إلى إقامة البيِّنة، إذا غلب على الظنِّ صدقُه ففي جواز الدفع إليه اعتمادًا على الظنِّ تردُّدٌ، وإن اتُّهم وجب القطعُ بمنع الدفع.
٢٢٣٨ - فرع:
مَن ادَّعى حمالةً، فعُلم صدقُه بالتواتر، فللمالك أن يدفع إليه، وكذا الحاكمُ إن قلنا: يَحكُم بعلمه، وإن قلنا: لا يحكم بعلمه، ففي العلم المستَنِدِ إلى التواتر قولان؛ إذ لا تُهَمَةَ فيه، وإن استفاض تحمُّلُه، فقد منع أبو علي الدفع، وأجازه صاحب "التلخيص"، وهو أولى؛ لأنَّ أبا عليٍّ إن شَرَطَ قيام البيِّنة عند الحاكم، فهو خلافُ ما درج عليه السلف، وإن اكتفى بقول عدلين من غيرِ حضورِ الحاكم، فالاستفاضةُ فوق ذلك.
* * *
стр. 1786
٢٢٣٩ - باب كيف تفريق قسم الصدقات
اتَّفقوا على وجوب التسوية بين الأصناف، وألا يَنْقص كلُّ صنفٍ عن ثلاثة إلا العامل، ولو فاضَلَ بين آحاد كلِّ صنف جاز اتِّفاقًا، ولا يجب ذلك على الإمام في كلِّ زكاة، فإذا اجتمعت الزكواتُ عنده راعَى في جميعها ما يرعاه المالك في زكاة نفسه؛ فإنَّ الإمام تلزمُه التفرقةُ على محاويج الخطَّة، بخلافِ الآحاد.
* * *
٢٢٤٠ - فصل فيمن أخذ الزكاة ثم ظهر أنَّه لا يستحقُّها
إذا دفع المالك الزكاة إلى فقيرٍ أو مسكينٍ، ثم ظهر غناهما عند الأخذ، لم تسقط الزكاة على أصحِّ القولين، وإن ظهر كفرُ الآخذ أو رقُّه لمَن لا يستحقُّ الزكاة، فطريقان:
إحداهما: لا تسقط قولًا واحدًا؛ فإنَّ ذلك لا يَخْفَى غالبًا.
والثانية: فيه قولان.
وقال الإمام: متى أَمْكَنَ المالَك استردادُ ما دَفَعَ، وَجَبَ القطعُ بأنَّها لا تسقط؛ فإنَّها لو سقطت لم يملك استردادها؛ إذ لا ولاية له عليها، بخلاف الإمام، وإن تعذَّر ففيه القولان، أو الطريقان، فإن قلنا: يسقط،
стр. 1787
فهل المقبوض دينٌ للمستحقِّين، أو للدافع؟ فيه إشكال.
ولو دفع المالك الزكاة إلى الغارم اعتمادًا على صدقه؛ فإنْ منعنا الدفع لم تسقط الزكاة، وكذلك إن جوَّزناه على الظاهر.
ولو دفع إلى المسكين بغير يمين، ورأينا التحليف، فهو كما لو دفع إلى الغارم اعتمادًا على صدقه.
ولو فرَّق الإمام الزكاة، فبان غِنَى المسكينِ، لم يضمن الإمام على الأشهر، وقيل: فيه القولان.
وإن ظهر الكفرُ أو الرقُّ فقولان، فإن قلنا: لا يضمن، برئ المالك من الزكاة، واستردَّها الإمام، وإن قلنا: يضمن، ففي براءة المالك وجهان، كالوجهين في براءته إذا أكل الإمامُ الزكاة وقلنا: لا ينعزل، والظاهر: البراءة؛ لأنَّ أيدي الولاة كأيدي الأصناف.
وحيث أوجبنا الاحتياطَ على الإمام بالحجَّة، فتركَها، وَجَبَ القطع بتغريمه؛ لأنه متصرِّف بالولاية في حق الغير، فكان مقصِّرًا بترك الاحتياط.
* * *
٢٢٤١ - فصل في الوسم
وسم الدوابِّ جائز؛ إذ صحَّ أنَّه ﵇ وسم النَّعَم والدوابَّ في الصدقة والجزية (١)، ووسم الغنم في آذانها، والإبلَ والبقرَ في أفخاذها،
стр. 1788
وكذلك وسمُ الخيل.
ويُكره وسمُ الوجه عند الأصحاب، وحرَّمه الإمام؛ لأنه ﵇ رأى حمارًا في وجهه وسم، فقال: "ألم يبلغكم أنِّي لعنتُ مَن وَسَم الدوابِّ في وجوهها" (١) قال الشافعي: علامةُ الصدقة: لله، وعلامةُ الجزية: صَغار (٢).
* * *
стр. 1789
كِتَابُ النِّكَاح
стр. 1790
كتابُ النِّكاح
٢٢٤٢ - باب ما جاء في أمر رسول الله ﷺ وأزواجه في النكاح
خُصَّ رسول الله ﷺ بتخفيفٍ (١) وتحريمٍ وإيجابٍ؛ توسعةً له في التخفيف، وتعظيمًا لأجره في التحريم والإيجاب؛ لأنَّ أجرهما أكبر من أجر اجتنابِ المكروه وفعلِ المندوب؛ إذ المحرَّم في المنهيِّات (٢) كالواجب في المأمورات.
فالواجب: التهجُّدُ والضحى والوتر، وفي السؤالِ ومشاورةِ ذوي الأحلام وجهان.
ولزمه تخييرُ نسائه بين الدنيا والآخرة، فاخترن الله ورسولَه، فحُرِّمَ عليه التزوُّجُ عليهنِّ، والتبدُّلُ بهنَّ، ولم يُحَرَّم طلاقُهنَّ على الأظهر، وقيل: