ألا تَعْتِقَ حتَّى تموت مسلمةً، فيتبيَّنَ أنَّها عَتَقَتْ عند وجود الشرط، وكذا لو علَّق التعزُّب بلفظ (إنْ) (١)، فينبغي ألا تَعْتِقَ إلا بالتعزُّب في جميع العمر، فإن نكحت نكاحًا صحيحًا بأن أنَّها لم تعتق.
٢١٥٥ - فرع:
زوائد الموصَى به -كالولد وغيرِه- بعد الموت وقَبْلَ القبول للموصَى له على قول، وللورثة على آخر؛ فإن كان على الموصي دينٌ، لم يُقضَ من الزوائد إلا على قول الإصطخريِّ؛ فإنَّه جعل للزوائد حكم التركة.
التاسع: أوصى بعبد قيمتُه عشرةٌ، وخلَّف عشرين غائبةً، فلا يُسلَّم إلى الموصَى له سوى ثلثِ العبد، ولا ينفذ تصرُّف الورثة في ثلثي العبد، وفي تصرُّف الموصَى له في ثلثه وجهان، قال الإمام: هذا إذا كان المال الغائب لا يمكن الوصول إليه لخوفٍ أو غيره؛ إذ لا يجوز بيعه؛ للعجز عنه، فأمَّا إن تيسَّر الوصول إليه عُرفًا لأَمْنِ الطريق، فالتصرُّفُ فيه نافذٌ، وزكاتُه واجبةٌ، وفي وجوب تعجيلها خلاف، فإن أوجبنا التعجيل فلا حكم لهذه الغَيبة، وإن لم نوجبه احتمِل ألا يُسلَّم إليه إلا ثلث العبد، وينفذ تصرُّفه فيه كما ينفذ تصرُّف الورثة في العشرين الغائبة.
٢١٥٦ - فصل في الوصيَّة بالحجِّ
إذا قال: أحِجُّوا عنِّي زيدًا حجَّ الإسلام بمئة، وهي أجرةُ المثل،
стр. 1717
صرفناها إلى زيد؛ فإن وُجِد من يحجُّ بأقلَّ منها، وامتنع زيدٌ أن يحجَّ إلا بالمئة، فلا يُجاب إلى ذلك عند المُعْظَمِ؛ فإنَّ الوصية لا تصحُّ إلا بتبرُّعٍ، ولا تبرُّعَ هاهنا، فأَشبهَ ما لو أوصى ألا تُباع تركتُه في قضاء دينه إلا من فلان، وإن كانت المئة أكثرَ من أجرة المثل صُرفت إليه إن احتمل الثلث الزيادة، وكان زيد أجنبيًّا، فإن امتنع أُحِجَّ غيرُه بأجرة المثل، أو أقلَّ، وإن كان ذلك في حجِّ تطوُّع حُسبت المئة من الثلث، فإن امتنع زيد من الحجِّ لم تبطل الوصيَّة على الأصحِّ، وقيل: تبطل، كما لو أوصى بشراء عبدِ زيد وإعتاقِه، فامتنع زيد من بيعه، وهذا لا يصحُّ؛ لأنَّ المقصودَ نفعُ ذلك العبد، وتحصيلُ الحجِّ، وإن كان وارثًا فالزائدُ على أجرة المثل وصيَّةٌ لوارث، فإن امتنع أُحِجَّ غيرُه بأجرة المثل.
وإن قال: أحِجُّوا عنِّي بمئة، ولم يعيِّن مَن يحجُّ، فالوصيُّ يعيِّن الحاجَّ، وفي سقوط ما زاد على أجرة المثل وجهان.
* * *
стр. 1718
الغاية في اختصار النهاية
تأليف
سلطان العلماء العز بن عبد السلام عز الدين عبد العزيز بن عبد السلام السلمي
(المتوفى سنة ٦٦٠ هجرية)
تحقيق
إياد خالد الطباع
[المجلد الخامس]
стр. 1719
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
стр. 1720
الْغَايَة فِي اخْتِصَار النِّهَايَة (٥)
стр. 1721
طبعة خَاصَّة
الْكتاب طبع على نَفَقَة
وزارة الْأَوْقَاف والشؤون الإسلامية
وَهُوَ يوزع مجَّانا وَلَا يجوز بَيْعه
turathuna@islam.gov.qa
إدارة الشؤون الإسلامية
ص. ب: ٤٢٢
الطبعة الأولى
١٤٣٧ هـ - ٢٠١٦ م
حُقُوق الطَّبْع مَحْفُوظَة لدار النَّوَادِر
قَامَت بعمليات التنضيد الضوئي والإخراج الفني والطباعة
دَار النَّوَادِر
لبنان - بيروت
ص. ب: ١٤/ ٤٤٦٢
هَاتِف: ٠٠٩٦١١٦٥٢٥٢٨
فاكس: ٠٠٩٦١١٦٥٢٥٢٩
E-mail: info@daralnawader.com
Website: www.daralnawader.com
стр. 1722
كِتابُ الوَدِيْعَةِ
стр. 1723
كِتابُ الوَدِيْعَةِ
٢١٥٧ - الوديعة متَّفق عليها، ولا تفتقر إلى القبول اتِّفاقًا، وفي تسميتها عقدًا خلاف، والأمانةُ مقصودةٌ فيها، تابعةٌ في الرهن والقِراضِ والإجارةِ وشجرِ المساقاة، وكل مقبوضٍ مستَحَقِّ المنفعة .
* * *
٢١٥٨ - فصل في سفر المودَع
إذا أراد السفر لزمه الردُّ على المالك، أو وكيلِهِ في قبض حقوقِه، فإن لم يجد فعلى الحاكم، ويَلزمُه القبولُ إن كان السفر لضرورةِ أو حاجةٍ حاقَّة، ثم يحفظها بنفسه أو نائبه، وإن لم تكن حاجةٌ ولا ضرورةٌ ففي وجوب القبول خلافٌ بين العلماء بالإيالة.
ولو سلَّمها وهو مقيم لم يجب القبول اتِّفاقًا.
فإنْ لم يجد الحاكمَ لم يَجُزِ السفر بها إن كان الطريق مَخُوفًا، وإن كان آمنًا فوجهان، والمذهب: المنعُ، فإن أجزناه فشرطه: ألا يجدَ عدلًا يُوْدِعه، ويحتمل أن يسافر بها، ويمتنع من الإيداع.
وإن منعنا السفر، فأودعها أمينًا، ففي تضمينه قولان خصَّهما الإمام بسفر الاختيار دون سفر الاضطرار، وقال: إن اختار السفرَ احتمل ألا يجوز
стр. 1724
له؛ لِمَا التزمه من الحفظ في الحضر، واحتمل أن يجوز، وفي تضمينه القولان.
٢١٥٩ - فرع:
إذا وقع في البلد نهبٌ أو جلاءٌ، جاز السفر مع أمنِ الطريق، ولا ضمان.
والأمن: أن يغلب على الظنِّ انتفاءُ أسباب الخوف، ولا يتحقَّق الأمن إلا بأسبابه، كإيالةٍ ضابطةٍ، ويدِ عدلٍ باطشةٍ، وترتُّبِ الناس في الأطراف.
فإن انتفت أسبابُ الأمن والخوف فالسفرُ حينئذٍ تغريرٌ.
٢١٦٠ - فرع:
قال العلماء: إذا استودعها وهو مسافرٌ فله المسافَرة بها إلى مَقْصِده، ثم إلى وطنه، وإن مرَّ بمكانٍ يصلح للإقامة لم يَلْزمه الإقامةُ به، وإن أراد السفرَ بها بعد عَوده إلى وطنه ففيه احتمال.
٢١٦١ - فرع:
إذا دفن الوديعة، ثم سافر ولم يُعلِم بها أحدًا، ضمن؛ لأنَّ الحرز لا يتحقَّق إلا بمراقبةٍ ولِحاظٍ معتادٍ في مثل ذلك الحرز، وإن أعلم أمينًا، وأثبت يده على مدفنها، فعلى قول الإيداع، وأولى بنفي الضمان عند صاحب "التقريب"؛ لبقائها في مكانها، ولا فرق بينهما عند الإمام؛ لأنَّ الاعتماد على يد الأمين، وإن لم يُثْبِتْ عليها يدَ الأمين، وأَسْكَنَ فيها مَن لا يداخلُهم الأمين، أو تركها خاليةً، ضَمِنَ إلَّا أن يُحيط الأمنُ بالخالية من أقطارها على
стр. 1725
العادة في مثلها، فلا يضمن على أحد القولين.
٢١٦٢ - فرع:
إذا استَوْدَعها في قرية خرِبَةٍ تصلحُ لإحرازها، فانتقل مع الأمن إلى قرية أحصنَ وأحرزَ؛ فإن كان بين القريتين كما بين محلَّتين من بلده جاز، وإن كان بينهما مسافةُ القصر فوجهان، وفيما نَقَصَ عن مسافة القصر وجهان مرتِّبان.
والضابط لذلك في سفر المختار؛ إن بعدت المسافة فوجهان، وإن قربت؛ فإن استوى القريتان في الحرز فوجهان مرتَّبان، وإن كانت الثانية أحرزَ فوجهان مرتَّبان على المستويتين.
٢١٦٣ - فصل فيما تُضمن به الودائع
وتُضمن بمخالفة قصد المالك في جهات الحفظ، وبالتضييع، والانتفاع، وتركِ الإيصاء بها؛ لأنَّه من أسباب الضَّياع، وكذا بالجناية بفضِّ الختم، وحلِّ الكيس، أو بقصد الجناية مع الفعل.
وإذا ضمن بالتعدِّي لم يَسقط الضمانُ بترك العدوان، فإن استأمنه المالك من غير إزالةٍ فوجهان، وإن أبرأه فوجهان أصلهما ضمان ما لم يجب، لأنَّ التعدِّيَ سببٌ للوجوب عند الفَوات، وفي هذا نظر؛ فإنَّه لو أتلف العين بعد ذلك لم يبرأ (١) عند أحد من الأصحاب، فينبغي أن يُحمل الخلاف على
стр. 1726
أنَّه: هل يسقط الضمانُ بذلك حتى يعود الأمر إلى ما كان؟
٢١٦٤ - فصل في مخالفة المالك في الحفظ
يُتَّبع في المعاملات مقتضى الألفاظ؛ فإن وُجد عرفٌ متَّسق نزِّل منزلةَ اللفظ في تقييد المطلَق، وتخصيص العامِّ، فإذا وُجد من المودَع ما يُعدُّ تضييعًا لتلك الوديعةِ، وتركًا للاحتياط المعتاد في مثلها، أو انتفع بها بركوبٍ أو لُبْسٍ، أو خالف أمرَ المالك فيما يُقصَدُ مثلُه ضمن.
وإن شرط عليه المالك ما لا يليق بالحفظ، ففي اتِّباعه خلافٌ، والمحقِّقون على أنَّه لا يُتَّبع؛ تقريبًا له من الشرط الفاسد في العقود، كما لو شرط البائع ألا يأكلَ العبدُ المبيع إلا الهريسةَ، أو ألذَّ الأطعمة.
فإن كانت دار المودَع لا تليق بربط الدابَّة؛ لضيقها، أو عِزَّتها، فربطها في إصطبلٍ قريبٍ أو بعيدٍ جرت العادة بالربط في مثله، أو كان لا يليق بمثله حفظُها وسياستُها، فاستناب في ذلك عبده، أو أجيرَه المأمونَ، جاز؛ لجريان العرف بمثل ذلك.
ولو اقتضى العرفُ ربْطَها في الدار، فربطَها في حريم الدار بمرأًى منه ومسمَعٍ، فوجهان؛ للتردُّد في العرف.
* * *
٢١٦٥ - فصل في نقل الوديعة من حرز إلى حرز
إذا عيَّن المالكُ للإحراز بيتًا أو دارًا من محلَّة، فنقل إلى بيت آخرَ،
стр. 1727
أو محلَّةٍ من تلك البلدة؛ فإن استوى الحرزان، أو كان الثاني أحرزَ، جاز اتّفاقًا؛ حملًا لتعيين المالك على بيان قَدْرِ الإحراز، وإن كان الأوَّلُ أحرزَ من الثاني، ضمن وإن كان الثاني حرزًا لتلك الوديعة؛ لأنَّه خالف قصد المالك في قَدْرِ الإحراز.
وإن عيَّن بيتًا، أو دارًا، أو محلَّةً، ونهاه عن النقل، فحدثت ضرورةٌ تقتضي النقلَ؛ فإنْ نقل لم يضمن، وإن لم ينقل فوجهان، إلا أن ينهاه عن النقل، وإن أيقن بالهلاك فلا يضمنُ باتِّفاق العراقيِّين، وخرَّجه الإمام على الخلاف في اشتراط ما لا يليق بالحفظ.
ولو نقل لغير ضرورة؛ فإن كان المكان المنهيُّ عن النقل منه أحرزَ من الثاني ضمن، وإن استويا، أو كان الثاني أحرزَ، فوجهان، وفي "التقريب" دلالةٌ على وجهٍ ثالثٍ، وهو: التضمينُ إن استوى الحرزان، وإن كان الثاني أحرزَ فلا ضمان.
٢١٦٦ - فصل في الاستعانة على حفظ الوديعة
إذا استعان على نقل الوديعة وحراستها والإغلاق عليها بمن يختصُّ به، كعبده، وأجيرِه المأمون، وزوجته وولدِه، مع ملاحظته للحرز، جاز؛ لأنَّها في يده، وإن سلَّمها إلى أحد هؤلاء ليحفظها في حرزٍ خارجٍ عن داره من غيرِ مطالعةٍ للحرز، ضمن على الظاهر.
وإن جعلها في مخزنٍ في داره، واستحفظ فيها أحدَ هؤلاء عند خروجه
стр. 1728
مع ملاحظته للحرز عند رجوعه، فلا ضمان على الأصحِّ، وإن لم يلاحظ الحرز عند رجوعه، ففيه تردُّدٌ؛ للتردُّد في العرف.
وإن استحفظ مَن لا يختصُّ به -كالصديق المأمون- ضمن؛ لأنَّ العرف يقتضي الاستعانة بالمختصِّين به دون غيرهم.
٢١٦٧ - فصل في جحود الوديعة
إذا جحد الوديعة بعد تلفها على حكم الأمانة لم يضمن؛ لأنَّ كلَّ عينٍ تَلِفَتْ على حكمٍ، لم يتغيَّر حكمُها بما يطرأ بعد ذلك، ويظهر تلفُها قبل الجحود باعتراف المالك.
وإن جحدها وهي باقية عنده ضمنها؛ فإن غلط في الجحد لم يسقط الضمان في الحكم، فإن صدَّقه المالك على الغلط لم يضمن عند الإمام.
وإن انتفع بها؛ ظنًّا أنَّه يملكها، ثم انكفَّ كما تبيَّن، لم يضمن عند الإمام، وإن ادَّعى الغلط في الانتفاع لم يُقبل منه.
وإن ألقاها بمضيعةٍ مع الجهل بكونها وديعةً؛ فإن تمَّ الضياعُ ضمن، وإن عرف أمرها، فردَّها إلى الحرز، ففيه نظر؛ لأنَّ أسباب التلف لا تختلف بالعمد والخطأ.
وإن ادَّعى تلفَها بعد الجحود لم يسقط الضمان، وإن ادَّعى بعد الجحود تلفَها، أو ردَّها قبل الجحود، لم يُمكَّن من الحلف على ذلك، وإن أقام البيِّنة ففي سماعها وجهان، والضابط لسماع البيِّنة في مثل هذا:
стр. 1729
أنَّ مقيم البيِّنة إن ناقَضَها قولُه حالَ إقامتها لم تُسمع، وإن ناقضها قولُه السابقُ، ثم رجع وأقامها على وفق الرجوع، ففي سماعها وجهان.
فإن قال: حلِّفوا المالك أنَّه لا يعلم بالتلف، أو الردِّ قبل الجحود، حلف على المذهب.
ولو ادَّعى عليه بوديعة، فقال: ما لك عندي شيء، أو: لا يلزمني تسليمُ شيء إليك، فقامت البيِّنة بالوديعة، أو أقرَّ بها، ثمّ ادَّعى تلفًا أو ردًّا قَبْلَ الإنكار، قُبل قولُه مع يمينه.
٢١٦٨ - فصل في الإيصاء بالوديعة
الأولى بالمودَع أن يوصي بها مع صحَّته، فإن لم يفعل حتى فجأه الموت أو قُتل غيلةً، ولم يتمكَّن من الإيصاء، أو مَرِضَ مرضًا لا يُحسب التبرُّع فيه من الثلث، أو أدركه الهرم، فلم يوصِ حتى فجأه الموت، لم يضمن.
وإن مرض مرضًا يُحسب فيه التبرُّعُ من الثلث، وتمكِّن من الإيصاء، فتركه، أو حُبس للقتل، وتمكَّن من الأيصاء، فلم يوصِ، أو أوصى إلى فاسق؛ فإن كانت الوديعةُ تالفةً لم يضمن، وإن كانت باقيةً ضمن وإن هلكت بعد موته.
وإن أوصى بها إلى عدل وعيَّنها له، لم يضمن، وإن وصفها له؛ فإن وجدنا في تركته من جنسها ضمن، وإلا فوجهان.
стр. 1730
فإن أقام الوارث بيِّنة أنَّها هلكت قبل موت المودَع، أو بعد موته وقبل التمكُّن من الردِّ، فلا ضمان.
وإن ثبتت الوديعة، أو أقرَّ بها الوارث، واتَّفقا على أنَّه ترك الوصيَّة، فقال المالك: قصَّر بتركها فيضمن، وقال الوارث: إنَّما لم يوصِ لأنَّها تلفت على حكم الأمانة، فوجهان مرتَّبان، وأولى بنفي الضمان.
وإن قال الوارث: لا أدري؛ هل ترك الوصيّة لأنَّها تلفت على حكم الأمانة، أم لا؟ فإن ضمَّنَّاه إذا جزم بدعوى التلف على حكم الأمانة فهاهنا أولى، وإن لم نضمِّنه ثَمَّ فالأصحُّ هاهنا وجوبُ الضمان.
٢١٦٩ - فصل في نيَّة الخيانة
الوديعة أمانة لا تُضمن إلا بالتعدِّي، واتَّفقوا على أنَّ المودَع لا يلزمه ردُّ الوديعة بنفسه، ولا بنائبه، ولا مؤونةُ ردِّها، وإنَّما عليه التخليةُ بينها وبين مالكِها إذا طلبها.
ولو نوى احتراكَها عند قبضها من المالك ضمنها على المذهب، وإن نوى احتراكَها بعد القبض ولم يُحْدِثْ فعلًا، لم يضمن على المذهب، وإن نقلها نقلًا يَسُوغُ مثلُه ونوى بذلك الاحتراكَ ضمن. هذا إن جزم النيَّة، فأمَّا خواطرُ الوسواس مع مدافعة وازع الدِّين فلا حكمَ لها، ولو تردَّد رأيه من غير جزمٍ فلا حكم له عند الإمام.
стр. 1731
٢١٧٠ - فصل في دعوى التلف والردِّ
إذا ادَّعى تلفَ الوديعةِ أو ردَّها قُبِل قوله اتِّفاقًا، فإن حلف برئ، وإنْ نكل في دعوى التلف حلف المالكُ على نفي العلم به على المذهب، وقيل: يحلف على البتِّ؛ لإمكان اطِّلاعه على بقائها، فإنْ ذكر سبب التلف؛ فإن كان خفيًّا يَعْسُرُ إقامةُ البيِّنة عليه فالقولُ قولُه، وإن كان ظاهرًا تَيْسُرُ إقامة البيِّنة عليه -كالحريق والسيل والنهب- ففيه طرق:
إحداهنَّ: لا يُقبل قوله؛ لإمكان إقامة البيِّنة، بخلاف الردِّ؛ فإنَّ العادة إخفاؤه.
والثانية: يُقبل مع تيسُّر إقامة البيِّنة، إلا أن يكون السبب ممَّا تقتضي العادة اشتهارَه، ولا يَشْتَهِرُ، كالحريق الظاهر، والنهبِ العظيم، والسيلِ الجارف في سكّةٍ أو محلَّة، فلا تُسمع دعواه؛ لأنَّ العادة تكذِّبه، ولو طلب تحليف المالك على نفيه فوجهان؛ لأنَّ صدقَه ممكنٌ على بُعْدٍ.
الثالثة: يُقبل قوله وإنْ أَمْكَنَ صدقُه على بعدٍ، فإنْ وقع الحريق، في طرف البلدة ليلًا، وأَمْكَنَ انطفاؤه من غير اطِّلاعٍ، قُبل قولُه، وإن تيقَّنَّا أنَّه لو وقع لظهر، فلا يُصدَّق.
٢١٧١ - فصل في الردِّ على وكيل المالك
من قواعد الشرع أنَّ الأمين إذا ادَّعى ردَّ الأمانة على مَن لم يستأمنه فلا يُقبل قوله، فإذا ادَّعى المودَعُ الردَّ على رسول المالك، فأَكذبه الرسولُ
стр. 1732
والمالك، أو قال: دفعتُها إلى وكيلك فلانٍ، فقال: لم أوكِّله، أو قال: وكَّلته، ولم يقبض الوديعة، وتَصادَقَ المودَعُ والوكيل على القبض، فالقولُ قول المالك اتِّفاقًا.
ولو تصادق المودَع والمالك على قبض الوكيل، فأكذبهما، فالقول قولُه، وفي تضمين المودَع لتقصيره بترك الإشهاد وجهان.
٢١٧٢ - فرع:
إذا ادَّعى الأب التسليم إلى ابنه بعد البلوغ، أو جوَّزنا الإيداع، فادَّعى المودَع الثاني الردَّ على المالك، لم يُقبل إلا ببيِّنة، ولو رجع المودَع الأوَّل والوديعةُ في يد الثاني، ففي استردادها منه احتمالٌ، ولو وكَل المختصِّين به في الحفظ فله صرفُهم عن ذلك اتِّفافًا.
ولو غُصبت منه الوديعة: فهل يملك الدعوى بها ليستردَّها؟ فيه وجهان.
٢١٧٣ - فصل في حكم الوديعة بعد موت المودَع
إذا مات المودَع لم يلزم الوارثَ الردُّ، ولا مؤونةُ الردِّ، فإنْ تلفت في يده؛ فإنْ كان قد تمكَّن من إعلام المالك، فقصَّر فيه، ضمن، وإلا فلا، وهل يلزمُه طلب المالك؟ بناه الإمام على مَن أطارت الريح إليه ثوبًا، وقد قال الأصحاب: إن عرف مالكَه لزمه إعلامُه، وإن لم يعرفه لم يَلْزمه طلبُه، وقال الإمام: إن جعلنا الثوب لقطة فله حكم اللقطة، وإن لم نجعله لقطةً، فجَهِلَ المالكُ، لزمه الإشعارُ به على أظهر الوجهين، وهل يشهره سَنَةً، أو
стр. 1733
أبدًا، أو مدَّةً يغلب على الظنِّ شيوعُ خبره؟ فيه احتمالٌ، فجعل الإمام الوارثَ في الوديعة كمن طار إليه الثوب.
٢١٧٤ - فرع:
إذا ادَّعى الوارث الردَّ على المالك، لم يُقبل قوله، وإن ادَّعى التلف، قُبل عند الإمام إلا أن يُمْكِنَه إقامةُ البيِّنة على سببه.
ولو ادَّعى المودَع الردَّ، ومات قبل الحَلِفِ، فالأمرُ على ما ذُكر، واليمينُ على الوارث، فإن غلب على ظنِّه كذبُ أبيه حَرُمَ الحلف، وإن غلب على ظنِّه صدقُه جاز، وإن استويا فوجهان.
٢١٧٥ - فصل في التنازع في أسباب الضمان
إذا اختلفا في فعلٍ يوجب الضمان في حال الاختيار دون الاضطرار، كالنقل والسفر، فادَّعى المودَع الاضطرار، وادَّعى المالك الاختيار، أو ادَّعى المالك سبب ضمان، فنفاه المودَع، أو ادَّعى المودَع سببًا يدفع الضمان، فنفاه المالك، فالقولُ قول المودَع مع يمينه.
فإنْ أضاف الهلاك إلى سببٍ من شأنه أن يَظهر إذا وقع، فعلى الخلاف السابق في مثله.
٢١٧٦ - فصل في علف الدابَّة المودَعة وسقيها
إذا لم يتعرَّض المالك للعلف والسقي حَرُمَ على المودَع التعطيلُ،
стр. 1734
فلْيَرْفعْ إلى الحاكم، فإن رأى الحاكم بيعَها، أو الاقتراضَ على المالك، فعل، وإن أذن للمودعَ في النفقة بشرط الرجوع فوجهان.
وكل موضعٍ فيه خلافٌ يتعلَّق بالحاكم، فليس معناه الحجرَ عليه في الاجتهاد؛ فإنَّ اجتهادَه متبَّعٌ اتِّفاقًا، وإنَّما الغرضُ بيانُ مسالك النظر، ومأخذِ الأحكام.
فإن لم يجد الحاكمَ - فأَنفق، فهل يُلحق بالإنفاق على الجِمال عند هرب الجمَّال؟ فيه طريقان:
إحداهما: [فيه قولان؛ كمسألة الرجوع على الجمَّال.
الثانية] (١): لا يَرجع قولًا واحدًا؛ إذ لا حقَّ له على المودِع، بخلافِ مسألة الجمَّال، ويلزم المودَعَ من النفقة ما يصونُ الدابَّة عن العيب والهلاك، فإن كانت على حدٍّ من السِّمَن فهل يجب حفظُه بالعلف، أم يجوز الحطُّ عنه قليلًا؟ فيه احتمالٌ، والأوجَهُ: أنَّها إن كانت على غايةٍ من السمن لم يلزم إبقاؤها عليه، وإن كانت على اقتصادٍ ففيه الاحتمال.
ولا يَلزمه تعاطيَ السقي والعلف بنفسه، وله الاستعانةُ بالمتَّصلين به.
فإن أجاعها فماتت جوعًا؛ فإن لم تكن جائعةً عند الاستيداع لزمه الضمان، وإن كانت جائعةً، فماتت بالجوعين، ففي الضمان وجهان كالوجهين في تجويع الإنسان، وأولى بألا يجبَ؛ إذ له حبسُ الدابَّة على الجملة، وليس له حبسُ الإنسان.
стр. 1735
فإن ضمَّنَّاه: فهل يضمن الديةَ والقيمةَ، أو نصفهما؟ فيه وجهان.
ولو نهاه المالك عن العلف، فتركها حتى ماتت، أثِما جميعًا، ولا ضمان، خلافًا للإصطخريِّ، ولا يُعدُّ قوله من المذهب؛ فإنَّه لو قَتَلَ عبدَ إنسان بإذنه لم يضمن، ولا فرق بينه وبين الدابَّة، فإنْ خالف في العبد خرقَ الإجماع.
وإن كانت الدوابُّ تخرج للسقي، فأخرجها عبدُه أو أجيرُه في الأمن، فلا بأس، فإن طرأ في البلد ما يقتضي ألا يسَلِّم الدابَّة إلى مملوكٍ أو سائس، لزم المودَعَ أن يرعَى في كلِّ حالةٍ ما يقتضيه العرفُ فيها.
٢١٧٧ - فصل في الخيانة على بعض الوديعة وفضِّ الختم وحلِّ الكيس
إذا تسلَّم الوديعةَ مختومةً، أو مشدودةً في كيس، ففضَّ ختمَها، أو حلَّ كيسها، ضمن على المذهب، وقال الإمام: إن كان الشدُّ ممَّا يُقصَد به الصون أو الإعلام، ضمن، وإلا فلا.
وإن كان الكيس مفتوحًا، فأخذ درهمًا منه لينفقه، لم يضمن سواه، ولا يبرأُ بردِّه إلى الكيس، فإنْ ردَّ بدلَه؛ فإن لم يتميَّز عن الدراهم ضمن الجميع، وإن تميَّز لم يضمن غيرَه.
وكلُّ مَن خلط مالَه بمال غيرِه بحيث لا يتميَّز، ضمن وإنْ قلَّ مالُه، وإن ردَّه بعينه لم يضمن غيرَه إن تميَّز، وإن لم يتميَّز فوجهان.
стр. 1736
ولو نقل الوديعة من ظرف المالك إلى ظرفٍ آخَرَ، ولم يفضَّ الختم، ففي الضمان وجهان.
وإن كان الظرفُ للمودَع؛ فالظروفُ كالبيوت، وإن استويا، أو كان الثاني أحرزَ، جاز، وإن نهاه عن النقل، فنقل، فهو كما لو نهاه عن النقل من بيتٍ فنقله إلى غيره.
٢١٧٨ - فصل في اختلاف الأحراز
إذا كان للوديعة أحراز، وفي كلِّ واحد منها احتياطٌ ليس في غيره، فللمودعَ الحفظُ في أيِّها شاء، فإذا دفع إليه دراهمَ، فله أن يحفظها في يده، وله أن يربطها في كمِّه، مع أنَّ اليدُ أحفظُ من الغَصْبِ والطَّرِّ، والكمَّ أحرزُ عند النوم والغفلة.
فإن عيَّن المالك حرزًا من هذه الأحراز، مثل أن قال: اربط الدراهم في كمِّك، فجَعَلَها في يده، أو بالعكس، فخالفه المودَعُ، فتلفت الوديعة ففيه طرق:
إحداها: وجوب الضمان؛ لمخالفته المالكَ في غرضٍ مقصود.
والثانية: تنزيل الحرزين بمنزلة البيتين، وعلى هذه الطريقة: هل اليد أحرزُ من الربط في الكمِّ، أو الربطُ أحرز؟ فيه خلاف، ويتَّجه على هذه الطريقة الحكم بالتسوية، فإنْ جعلنا اليد أحرزَ، فنصَّ عليها المالك، فربط في الكمِّ، فهو بمثابة ما لو نصَّ على بيتٍ فنقل إلى ما دونه، وإن نهاه، فعلى التفصيل السابق فيما إذا عيَّن الحرز ونهى عن النقل عنه، ولو تساوت
стр. 1737
الأحراز مع انفراد كلِّ واحد منها بنوع من الحفظ، فنصَّ المالك على بعضها، جاز النقل، كالبيتين المتساويين.
والطريقة الثالثة، وهي المذهب المشهور: إن تلفت الوديعة من جهة نقصان الحرز المنقول إليه ضمن، وإلا فلا، مثاله: إذا أمره بالربط في كمِّه، فجعلها في يده، فانتثرت بسهوٍ أو نومٍ، ضمن، وإن غُصبت منه، فمانعَ جُهدَه، لم يضمن.
وقال الشافعيُّ: إذا قال: احفظ في هذا البيت، ولا تُدخِل عليها فلانًا، فأدخله؛ فإن فاتت الوديعة بسبب الداخل، مثل أنْ سرقها، أو دلَّ عليها السارقَ، ضمن، وإن فاتت بغير سببه لم يضمن، وبنى الأصحابُ عليه ما لو عيَّن بيتًا، فنقل إلى بيت يخالفه في الإحراز؛ فإن فاتت الوديعة بسبب نقصان الثاني ضمن، وإلّا فلا.
٢١٧٩ - فرع:
إذا قال: لا ترقد على الصندوق، فخالف، لم يضمن، ولو كان النوم أمام الصندوق أحرزَ -لبُعد سرقته من تلك الجهة، وتيسُّرِها من غيرِها- فخالفه في ذلك، فهو كالمخالفة في حرزين يختصُّ كلُّ واحد منهما باحتياطٍ ليس في الآخر.
* * *
٢١٨٠ - فصل فيمن أقرَّ بالوديعة لأحد رجلين
إذا ادَّعيا عليه وديعةً، فقال: هي لأحدِكما، ولا أعرفه؛ فإن لم يدَّعيا
стр. 1738
عليه فلا نزاع لهما معه، ولا تُضمن بالنسيان اتِّفاقًا، ولا يُستحبُّ للحاكم تحليفُه على الأصحِّ؛ إذ لا تحليف في حقوق العباد إلا بدعوى.
وإن ادَّعى كلُّ واحد منهما عليه بأنَّه المالك، حلف لهما على نفي العلم يمينًا واحدةً، ويُحتمل أن يحلف يمينين؛ لانفصال إحدى الخصومتين عن الأخرى.
ولو ادَّعى أحدهما في غيبة الآخر، فقال: لا أدري، هل أودعتني، أم رجلٌ آخر؟ فإن لم يسمِّه، وحلف على ذلك، فللآخَرِ تحليفُه إذا حضر، وإن سمَّاه ففي تحليفه احتمال، ولا نقْلَ في ذلك.
وإذا ادَّعيا معًا فله أحوال:
إحداها: أن يحلف أنَّه لا يعرف المستحِقَّ منهما، فيدورُ الخصام بينهما، فإنْ تناكَلَا عن اليمين وُقفت الوديعة بينهما على المذهب، وقيل: تُقسم، فإن قلنا بالوقف، فكان المودَع أهلًا لتركها عنده، فللحاكم تركُها في يده، وهل له انتزاعُها منه ليحفظَها بنفسه أو نائبِه؟ فيه وجهان يجريان في نظائره، وإن حلفا فهل يقتسمان الوديعة، أو يُجعل حَلِفُهما كنكولهما؟ فيه وجهان.
الثانية: أن ينكل المودَع عن اليمين، فهل يبدأ الحاكم بتحليف من شاء منهما، أو يُقْرِعُ؟ فيه وجهان، فإذا بدأ بأحدهما حلَّفه أنَّه لا حقَّ لصاحبه في الوديعة، فإن نكل صاحبه حلَّفه مرَّةً أخرى؛ للإثبات، وإن نكل مَن بدأنا به فلصاحبه الجمعُ بين النفي والإثبات.
فإن قلنا: نبدأ بمن شاء، فهل تُقسم الوديعة، أو توقَف؟ فيه وجهان،
стр. 1739
فإن قلنا: تُقسم، فهل يغرم المودَعُ لكلِّ واحد منهما نصفَ القيمة؟ فيه وجهان مأخوذان من قولَي غُرْمِ الحيلولة، فإن قلنا بالغرم، فشرطُه أن يحلف كلُّ واحد منهما على الاستحقاق، وعلى علم المودَع باستحقاقه، فإن لم يحلفا على علمه فلا غرم، وإن قلنا بالوقف، وقد حلفا على الاستحقاق والعلم، فهل يغرم لكلِّ واحد تمامَ القيمة؟ فيه خلاف، وقال في "التقريب": يغرم لكلِّ واحد نصف القيمة، وفي النصف الآخر الخلافُ.
هذا إذا حلفا، ولو نكلا، لكان كما لو حلف المودَعُ، ونكلا بعد حَلِفه.
وإن حلف أحدهما، ونكل الآخر، دُفعت الوديعة إلى الحالف، ولا غرم للناكل.
وإن قلنا: يبدأ بالقرعة، حلف مَن خرجت قرعتُه، وأخذ الوديعة، وليس للآخر أن يحلف ليشاركَه فيها، وهل له تحليف المودَع؟ فيه خلافٌ مبنيٌّ على التغريم، ورمز في "التقريب" إلى أن التحليف بالقرعة بمثابة التحليف يبدأ به الحاكم، فلا فائدة للقرعة سوى البداية.
٢١٨١ - فصل في الإقرار بالغصب من أحد رجلين
ولو قال: غصبتُ هذا من أحدكما، ولا أعرفُه، حلف لكلِّ واحد منهما يمينًا باتَّةً أنَّه ما غصب منه، فإن امتنع من ذلك كان ناكلًا؛ لأنَّ النسيان لا يُسقط ضمانَ الغصب، بخلاف الوديعة؛ فإنَّها لا تُضمَن بالنسيان، ولو قال لأحدهما بعد اعترافه بالإبهام: ما غصبتُ منك، سُلِّمت العين إلى
стр. 1740
الثاني، ولا يغرم للأوَّل شيئًا إلا أن يقرَّ له، ففي الغرم خلاف، فإن لم يقرَّ له، فطلب يمينَه؛ فإن قلنا: يَغْرَمُ، حلف، وإلا فلا، فإن قلنا: يحلف، فنكل، حَلف الأوَّلُ وغرَّمه، وقيل: إن جُعلت يمين الردِّ كالبيِّنة سُلِّمت إليه العين، وهذا غلط بإجماع أئمَّة المذهب.
٢١٨٢ - فصل في إيداع الصبيِّ والعبد
ليس الصبيُّ أهلًا للأمانة، فإن أتلف مالًا بغير تسليط من المالك ضمنه، وإن وُجد من المالك ما يتضمَّن التسليط؛ كالبيع إذا سلَّم إليه المبيع، فأتلفه، فلا يضمنه في الصغر ولا في الكبر، ظاهرًا ولا باطنًا، وإن أثبت يده من غير تسليطٍ على التصرُّف، كما لو أودعه شيئًا فأتلفه، ففي تضمينه وجهان، والعبد البالغ فيما يتعلَّق برقبته كالصبيِّ، إن أتلف المبيع تعلَّق بذمَّته دون رقبته، وإن أتلف بغير تسليطٍ تعلَّق الضمان برقبته، وإن أتلف الوديعة ففي التعلُّق برقبته وجهان، فإن كان العبد صغيرًا، فما تعلَّق بذمَّة الصغير الحرِّ تعلَّق برقبته.
стр. 1741
كِتابُ قَسم الفَيء وَالغَنيمَةِ
стр. 1742
كِتابُ قَسم الفَيء وَالغَنيمَةِ
٢١٨٣ - للولاة التصرُّفُ في الأموال العامَّة، كالفيء والغنيمة والزكوات، ولهم التصرُّفُ في الأموال الخاصَّة بالنظر على المحجور عليه، وبتوفيرِ الحقوق على أربابها عند امتناع مَن هي عليه أو غَيبته، ولا يتصرَّفون لغائبٍ بالنظر والعطيَّة (١)، بل بحفظ ماله عن الضياع، وضياعُه تلفُه، أو اختلالُ معظمه، فأمَّا اختلالٌ لا يسري، ولا يؤدِّي إلى تلف المعظم، فليس بضياعٍ عند أكثر العلماء.
وله بيعُ الحيوان بالاختلال؛ حفظًا لروحه، كما يبيعه بحضور المالك إذا امتنع من علْفه، وإنَّما يتصرَّف إذا ظهر الضياع، وطالت الغيبة، وعسُرت المراجعةُ قبل وقوع الضياع، ولا يملك البيعَ إنْ أَمْكَنه الحفظُ بالإيجار، وإن لم يُمْكِنْ باع حينئذٍ.
والمنافعُ بمثابة المال المُشْرفِ على الهلاك، يحفظها بالإجارة عند طول الغيبة، وإن قربت الغيبة لم يملك ذلك عند أحد من العلماء.
ولو غاب المالك، ونهى عن بيع أمواله وإن أشرفت على الضياع، لم
стр. 1743
يَجُزِ البيع عند الإمام؛ لأنَّ للمطلَق (١) التصرُّفَ في ماله بما شاء على وفق الشرع، فلا يَلزمُه عمارةُ ملكه، ولا حفظُ أمواله، وله تعريضُها للضَّياع.
وقال العلماء: كلُّ مالٍ ظهر اليأس من معرفة مالكه فللإمام صرفُه في المصالح وإن لم يُشْرِفْ على الضَّياع.
* * *
٢١٨٤ - فصل في مصارف الفيء
الغنيمة: ما أُخذ من الكفّار بالقتال، وأربعةُ أخماسها للغانمين، وخُمسُها للمصالح العامَّة، وذوي القربى، واليتامى، والمساكين، وابن السبيل.
والفيء: ما أُخذ منهم بغير قتال، كالجزية، والخراج المصروف جزيةً، وتركةِ المرتدِّ ومَن لا وارث له من أهل الذمَّة، وما هربوا عنه خوفًا من المسلمين.
ولو همَّ الجيش بغزو ناحيةٍ، فهربوا منهم عن أموالهم؛ فإن هربوا قبل بروز الجيش فأموالُهم فيء، وكذا إن هربوا بعد البروز على الأصحِّ، وأَبعدَ مَن جعلها غنيمةً، وقاس ذلك بما لو هربوا بعد تواقف الصفَّين من غير شهرِ سلاحٍ، ولا يُشترط في هذا الوجه دخولُ الجيش إلى دار الحرب.
وفي مصرف الفيء أقوال:
القديم: أنَّ مَصْرِفَ الفيء كلِّه كمصرِفِ خُمس الغنائم.
стр. 1744
والثاني: يُصرف خُمسه إلى مصارف خمس الغنائم، وفي أربعة أخماسه قولان:
أشهرهما وأظهرهما: أنَّه للمرتزقة، وهم: الجندُ المرتَّبون في الديوان.
والثاني: لمصالح المسلمين العامَّة، يُبدأ بالأهمِّ، فالأهمِّ، وأهمُّها (١) جندُ الإسلام.
والثالث: لا يُخمَّس إلا ما هربوا عنه فزعًا، وفي أربعة أخماسه القولان، وما عدا ذلك ممَّا لم يهربوا عنه فمصروفٌ إلى الخُمس، ولا يملكه الجند، وفي الجزية على هذا القول وجهان، لأنَّ الجند لا يستحقُّون إلا ما حَصَلَ بإرعابهم (٢)، والجزية إنَّما بُذلت للخوف والإرعاب، فأَشبهت ما هربوا عنه رعبًا.
والقول الثاني هو الجديد الصحيحُ، والأوّلُ مرجوعٌ عنه.
* * *
стр. 1745
٢١٨٥ - باب الأنفال
مَن قتل كافرًا مُقْبِلًا على القتال، أو أثخنه بإزالة بطشه وامتناعه، استحقَّ سَلَبَه إن كان من أهل السهمان، وإن كان من أهل الرضخ فوجهان.
ولو قتل بعد قطع يديه أو رجليه فطريقان:
إحداهما: قولان؛ لاختلاف النصِّ، وأصحُّهما: أنَّ القطع إن أبطل قتاله فالسَّلَبُ للقاطع، وإن لم يَبْطِلْه فالسَّلَبُ للقاتل.
ولو جُرح جراحاتٍ تهلكه بعد أيام، ولم تمنع قتالَه في الحال، فليس بإثخان.
ولو صُرع بضربة أبطلت قتالَه في الحال، ولو تُرك لرجعت إليه قوَّة القتال، فليس بإثخانٍ عند الإمام.
ولو هزمنا الكفَّار فلا سَلَبَ لمَن قتلهم في الانهزام.
ولو هرب الكافر من بأس قِرْنه، فلحقه فقتله، فالسَّلَبُ له على المذهب، ولو قتله آخرُ في هروبه، فلا سَلَبَ لواحدٍ منهما عند الإمام.
والمنهزم: مَن فارق المعترَك مصرًّا على الفِرار؛ على ما سنذكره في هزيمة الإسلام، وليس التردُّدُ بين الميمنة والميسرة والقلب بانهزام.
стр. 1746
٢١٨٦ - فصل في بيان السلب
السَّلَب: جميع (١) ملابسِ القتيل، وملابسِ فرسه، وكلُّ ما يحمله ويتَّصل به من جُنَّة وسلاح، كالسيوف والرماح، وكذلك مركوبُه وجميعُ ما عليه من مركب، وسرجٍ، وأسلحةٍ، كالسيف الذي تحت الركاب، دون مُخيَّمه ورَحْله، وما على فرسه أو جَنيبته (٢) من عَيْبةٍ فيها نفقةٌ أو ثيابٌ، وفي الخاتم والهميان والجنيبة وجهان؛ فإن جعلنا الجنيبة سَلَبًا ففيما عليها من السلاح تردُّدٌ؛ فإن كان معه جنيبتان لم يستحقَّ الثالثة، وفي الثانية الوجهان؛ فإن قلنا: يستحقُّ إحداهما، فالتعيينُ إليه، أو إلى القرعة، أو إلى الوالي؟ فيه احتمال؛ فإن جُعل إلى الوالي لم يعيِّنها تشهِّيًا، بل يبني الأمرَ على النظر في الغَناء، وما يقتضيه الحالُ، كما نفعل في الأنفال.
وإن اعتادت طائفة أن يُجنِّبوا أكثر من جنيبة فلا يستحقُّ ما زاد على العادة، وفيما وافق العادة الوجهان.
ولو حمل الفارس أكثر من السلاح المعتاد فهو قريب من الهميان.
ولو كان في عنقه طوقُ ذهب أو فضةٍ فهو سَلَبٌ، وأَبعدَ مَن قال: إن كان للزينة فليس بسلَبٍ، وهذا لا يصحُّ؛ لأنَّه وقاية وإن كان فيه رِيبةٌ، فأشبه ما لو كان المغفر من أحد التبريْنِ.
والمنطقةُ من السَّلب على الأصحِّ، ومَن منع ذلك لزمه طَرْدُه في كلِّ
стр. 1747
ما لا يحتاج إليه، كأحد اللَّبَبَيْنِ (١)، وغرة اللِّجام، وما يتعلَّق بالزينة، كالأطراف من الفضة والمعاليق وغيرها، ولا وجه لذلك.
ولو قاتل راجلًا آخذًا بفرسه، فالفرس من السلب عند الأصحاب، ولا يبعد أن يُلحق بالجنيبة.
٢١٨٧ - فرع:
لو أُسر كافرٌ، فالإمامُ مخيَّر بين قتله، وإرقاقه، والمنِّ عليه، والفداء، ولا اعتراض لآسره؛ فإنْ منَّ عليه أو قتله لم يغرم للآسِر شيئًا، وإن فداه لم يستحقَّ فداءَه على الظاهر، وإن أرقَّه ففي استحقاقه لرقبته وجهان.
وإن كان القتيل عبدًا استحقَّ سَلَبه اتِّفاقًا، وفي الصبيِّ والمرأة احتمال، وفي تخميس الأسلاب وجهان.
* * *
٢١٨٨ - فصل في التنفيل
ليس للإمام أن ينفِّل أحدًا بالتشهِّي والاحتكام (٢)، بل يتَّبع في ذلك الرأيَ والاجتهاد؛ لأنَّ التنفيل شُرع للتحريض على ارتكاب الأخطار، فإذا قال للسريِّة: نفَّلتكم الثلث أو الربع؛ بحيث لا يُخمَّس عليكم، أو نفَّل البَدْأة والرجعة ما يراه على حسب عنايتهم، جاز، وله أن يسوِّيَ بين البدأة والرجعة، وله تفضيلُ إحداهما على الأخرى على حسب الخطر والأعمال.
стр. 1748
والبَدْأة: سريَّة تتقدَّم الجيش إلى دار الحرب.
والرجعة: سريَّة تتأخَّر في دار الحرب.
وإن رأى من المصلحة أن يقول لعامَّة الجند، أو للأبطال: مَن أخذ شيئًا فهو له؛ فوجهان.
ولو جعل للسريَّة كلَّ ما تغنمه، فوجهان رتَّبهما الإمام على قوله للجند: مَن أخذ شيئًا فهو له، فإن نفَّل السرايا أو البدأة والرجعة بعد حيازة الغنائم، أو قال للجند: من أخذ شيئًا فهو له، فلا يجوز ذلك بعد الحيازة على ظاهر كلام الأصحاب.
ويجوز تنفيل النصف فما دونه، فإن نفَّل المعظمَ احتُمل تخريجه على تخصيص السريَّة بجميع ما تغنم، وحيث أجزنا التنفيل أو التفضيل ففي وجوب جبره للجند وجهان، فإن أوجبنا الجبر تخيَّر الإمام بين أن يترك النفل لأربابه ويعوِّض الجند من مال المصالح، وبين أن ينزعه للجند ويعوِّض أربابه من مال المصالح.
وقيل: إنَّ محلَّ الأنفال كمحلِّ الأرضاخ، وهي من أصل الغنيمة، أو من أربعة أخماسها، أو من مال المصالح؟ فيه ثلاثة أوجه.
٢١٨٩ - فرع:
لو دعت الحاجة إلى الترجُّل، وكان قتالُ الراجل أشدَّ وأنجع من قتال الفارس، فأراد التسوية بينه وبين الفارس في السهام، أو أراد تفضيله على الفارس، لم يجز، كما لا يجوزُ تفضيل المقاتل على القائم في الصفِّ.
* * *
стр. 1749
٢١٩٠ - فصل فيما يُفعل بالأسرى
يجب تخميس الغنائم، وقسمةُ أربعة أخماسها على الغانمين، ولا فرق بين المنقول والعَقار، والذراري والنسوان؛ فإنْ حُزنا شيئًا من ذلك فانتزعوه قبل نجاز القتال لم يُحكم بأنَّا ملكناه ثم انتزعوه؛ فإنَّ المِلك لا يثبت إلا بانتهاء القتال، وتولِّي الكفَّار.
وترِقُّ المرأة والصبيُّ والمجنون بالحِيازة وانتهاء الحرب، وليس للإمام قتلُهم، ولا قتلُ العبد.
ولا يرقُّ الحرُّ البالغ بالحيازة اتِّفاقًا، بل يتخيَّر الإمام فيه بين المنِّ، والفداء، والقتل، والإرقاق، وله المخالفةُ بين الأسرى في هذه الأحكام، ولا يفعل ذلك تحكُّمًا، بل يلزمه أن يتَّبع فيه وجه الرأي.
ومَن أَشْكَلَ بلوغُه؛ فإنْ أنبتَ فله قتلُه، وإن لم يُنبِت ألحقه بالذرِّيَّة.
فإن اختار فداء الأسرى أو إرقاقَهم؛ فإنْ أَسَرهم جميعُ الجند فرِقابُهم ومال الفداء مغنمٌ اتِّفاقًا، ولو أسرهم الآحادُ ففي رقابهم ومال الفداء خلافٌ سبقَ، وإن جعلنا رقاب من أسَرَهم الأجنادُ مغنمًا خُمِّست، ويُحتمل ألا تُخمَّس إذا جعلنا الرقاب للآحاد، ومنعنا تخميس الأسلاب، لكنَّ الظاهر التخميسُ؛ فإنَّ التخصيص لا يثبت إلا إذا انفرد المخصَّص بصرفٍ (١) من الغَناء.
٢١٩١ - فرع:
إذا أسلم الأسير حرُم قتلُه، ولم يرقَّ بالإسلام على الأصحِّ، فيتخيَّر
стр. 1750
فيه بين الإرقاق والمنِّ والفداء، وليس له إرقاقُ المرتدِّ؛ إذ لا عاصمَ له بحال، ويتخيَّر في الوثنيِّ بين الخصال الأربع؛ فإن أرقَّه حرم قتلُه، وقال الإصطخريُّ: ليس له الإرقاق.
٢١٩٢ - فرع:
إذا بذل الأسير الجزية وهو من أهلها، فقد أَبعدَ مَن أوجب إطلاقَه، وقبولَ جزيته، والأصحُّ بقاء الخيار في الإرقاق والمنِّ والفداء، وكذا القتلُ على أقيس الوجهين، فإن منعنا قتله، فرأى الإمام المصلحةَ في الإرقاق أرقَّه، وإن رأى المصلحة في الفداء، فامتنع لم يُجْبِرْه، ولزمه قبولُ الجزية إذا كان إرقاقُه مفسدةً بأن يصيرَ كَلًّا على المسلمين بزَمانةِ أو غيرِها.
٢١٩٣ - فرع:
إذا قتل الأسيرَ مسلمٌ قبل تخيُّر الإمام أثمَ، وعُزِّر، ولم يضمن؛ لعدم العاصم.
* * *
٢١٩٤ - فصل في الإرضاخ (١)
لا يُسهم إلا لحرٍّ بالغٍ معدودٍ من أهل القتال وإن قلَّ غَناؤه، وضَعُفَ
стр. 1751
أثرُه، ويُرضخ للعبد والمريض الذي لا حراك به، كذلك للصبيِّ والمرأة إن أعانا الجند بحراسةٍ، أو خدمةٍ، أو تهيئةِ طعامٍ، أو غيرِ ذلك، وإن لم يُنتفع بهما فوجهان يجريان فيمن لم يبلغ حدَّ النفع من الصبيان.
ويُرضَخ لذمِّيٍّ إن لم يُنهَ عن الحضور، وإن نُهيَ فوجهان [فيجوز أن يقال: لا يستحقون الرضخ لمخالفتهم، ويجوز أن يقال: يستحقونه؛ فإن] (١) حقوق المغانم لا تختلف بالوفاق والخلاف.
وفي نساء الذمَّة وأطفالهم أوجه:
أحدها: لا يُرضَخ لهم إلا أن ينفعوا.
والثاني: أنَّهم كأطفال المسلمين.
والثالث: لا يُرضخ لهم بحال؛ لأنّا نتيمَّن (٢) بنساء المسلمين وأطفالهم، بخلاف الكفَّار.
وليس للمخذِّل رضخٌ ولا سهمٌ ولا سلَب اتِّفاقًا، وعلى الإمام صرفُه قهرًا إذا علم به، والمخذِّل: هو الذي يُرْعِبُ القلوب، ويكسرها بالأراجيف، ساعيًا في تفريق الكلمة، والحثِّ على الانهزام.
ويُخْرَجُ الرضخ من أصل الغنيمة كالمؤَن، أو من مال المصالح، أو من أربعة الأخماس؛ فيه ثلاثةُ أوجهٍ أصحُّها آخرُها.
стр. 1752
٢١٩٥ - فرع:
إذا لم يشهد الوقعة سوى أهلِ الرضخ، ففي تخميس ما يغنمونه وجهان، فإن خمَّسناه صُرف إليهم أربعةُ أخماسه، وأبعدَ مَن قال: يرضخ لهم الإمام ما يراه، ود صرف الباقي في المصالح.
٢١٩٦ - فرع:
إذا رُضخ للعبد، ثمّ عتق بعد الحيازة والقسمة، فالرضخُ لسيِّده، وإن عتق في أثناء القتال ففيه احتمال.
وإذا أُفرِز الخُمس وجب الإقراعُ بينه وبين أربعة الأخماس؛ لِمَا في الأعيان من الأغراض.
وإذا أراد القسمة؛ فإن جعلنا الإرضاخ من أصل الغنيمة، أخرجها وفاضَلَ بين أهلها على ما يقتضيه الرأي، ثمّ يخمِّس الباقي، وتُقسم أربعة أخماسه على الغانمين؛ فإن كانوا رجالًا أو ركبانًا قسمها بينهم بالسويَّة، وإن كانوا رجالًا وركبانًا أعطى الراجل سهمًا، والفارسَ ثلاثةً؛ سهم له، وسهمان لفرسه، ولا فرق بين الواقف في الصفِّ وبين مباشر القتال.
ولا يُسهَم لغير الخيل، كالحُمُر والفيَلة والإبل والبغال، ولا يُسهم إلا لفرس واحد، وأَبعدَ مَن أسهم لفرسين.
ويَمنع الإمام من حضور فرس رازح لا حِراك به، كما يَمنع من مصادمة القتال بغير سلاح؛ فإن حضر به، وركبه فقولان، وإن لم يمكن ركوبه، أو أحضر مهرًا لا يمكن ركوبه، لم يُسهم له.
стр. 1753
وإن جعلنا الإرضاخ من أربعة الأخماس قدَّرها على التفاوت، ولا يبلغ بأعلاها سهمَ راجل؛ فإن كان فيهم فارسٌ جُعل له ثلاثةُ أرضاخ ينقص كلُّ واحد منها عن السهم، فإذا كان الجيش ألفَ فارس وألفَ راجل، جَعَلَ السهام أربعةَ آلاف، ونَظَرَ في قَدْرِ الأرضاخ، فجَعَلَها سهامًا، وزادها على أربعة آلاف، فإذا بلغت الأرضاخ قدرَ مئة وخمسين سهمًا قسم على أربعة آلاف ومئة وخمسين، وأفرز ما يخصُّ الأرضاخ لأربابه على تفاوتهم، ثمّ قسم الباقي بين أهل السهام.
* * *
٢١٩٧ - فصل في موت الغازي وفرسه
إذا نفق الفرس قبل القتال، لم يُسهم له وإن كان في دار الحرب، وإن نفق في أثناء القتال ففيه أقوال؛ ثالثها: إن نفق بعد حيازة المغنم أُسهِم له، وإلا فلا.
ولم يفرِّق الأصحاب بين أن يموت بسبب القتال أو بغيره.
وإن مات الغازي في أثناء القتال لم يُسهَم له اتِّفاقا، وإن مرض مرضًا لا يمنع القتال أُسهم له، وإن منع القتال؛ فإن رجونا زوالَه قبل انقضاء الحرب، فزال قبل انقضائها، أُسهم له، وإنْ لم يَزُلْ حتى انقضت الحرب ففي إلحاقه بما لا يُرجى زوالُه احتمال، وإن لم يُرجَ زوالُه إلا بعد أيام، أو كان مزمنًا غيرَ مرجوِّ الزوال، فقولان.
والجنونُ كالمرض أو الموت؟ فيه طريقان، ففرَّق بعضهم بأنَّ المريض
стр. 1754
يُنتفَع برأيه، بخلاف المجنون، وهذا لا يصحُّ؛ فإنَّ المرض لو استمرَّ من أول القتال إلى آخره لمَا ثبت السهم.
ومن حضر القتال وبه مرضٌ مزمن، أو ركب في الصفِّ غيرَ متمكِّنٍ من القتال، استحقَّ الرضخ دون السهم؛ فإنَّ الواقف إنَّما يستحقُّ إذا كان بحيث يتأتَّى منه القتال، ولو ترجَّل وترك الفرس قريبًا منه ليركبَه عند الحاجة، استحقَّ سهمَه، ولو ترجَّلوا في مضيقٍ، وأَبْعَدوا عن الخيل لإيغالهم في القتال، فوجهان.
* * *
٢١٩٨ - فصل في سهم الأجير والتاجر والأسير
مَن جرَّد قصْدَ الجهاد استحقَّ السهم بحضور الصفِّ وإن لم يقاتل، ومَن لم يجرِّد القصد، كمن استُؤجر مدَّة للخدمة، وسياسةِ الدوابِّ، وضربِ الأخبية، وغيرِ ذلك من الأعمال؛ فإذا حضر الصفَّ، أو قاتل، ففيه طريقان، أظهرهما: إن لم يقاتل لم يُسهم له، وإن قاتل فأقوال:
أحدها: يستحقُّ الأجرةَ والسهمَ.
والثاني: الأجرةَ دون السهمِ.
والثالث: لا يُسهم له إلا أن يُسقط الأجرة.
وقد أجاز الأصحاب للإمام أن يستأجر مَن يجاهد مِن مال المَصالح، وإن استأجر الآحادُ لذلك فوجهان، وفي إلحاق هذا الأجيرِ بالمستأجَر لسياسة الدوابِّ طريقان:
стр. 1755
إحداهما: لا يُسهم له قولًا واحدًا.
والثانية: تخريجه على الخلاف.
وإن استؤجر ليغزوَ عن المستأجِر لم يصحَّ، فإن أتى بالعمل لم يستحقَّ الأجرة، وفي السهم قولان مرتَّبان على أجير الإمام، وأولى بالإسهام، فإن قضينا باستحقاقِ الأجرة والسهمِ فشرطُه ألا يعطِّل شيئًا من أعمال الإجارة مع مُلابَسة القتال، فإن عطَّل شيئًا من ذلك سقطت أجرته، واستحقَّ السهم.
وإن قلنا: لا يُسهم له إلا بإسقاط الأجرة، فهل يسقط في حال القتال، أو مِن حين خرج إلى انقضاء القتال، أو من حين دخل دار الحرب؟ فيه ثلاثةُ أوجهٍ أبعدُها آخِرُها، ونعني بحال القتال: الوقوفَ في الصفِّ مع مباشرة القتال في بعض الأحوال.
والتاجر إنْ قاتَلَ استحقَّ، وإلا فقولان.
وإن أَفْلَتَ منهم أسيرٌ مسلم؛ فإن قاتل استحقَّ، وإلا فقولان؛ لأنَّ غرضه ظاهرٌ في الإفلات.
وإن أسلم أحدهم، وأَفْلَتَ إلينا، استحقَّ بالوقوف في الصفِّ كغيره من الغزاة.
وإن جاء الأسير بعد القتال فلا سهم له عند الجمهور، ومَن ذكر قولًا في استحقاقه فقد أخطأ، ولعلَّه يختصُّ بمَن كان معهم مطلقًا وأفلتَ على قربٍ من انقضاء القتال، وهو خطأٌ بكلِّ حال.
فهذه طريقةُ الجمهور في هؤلاء.