٢٢٧٧ - فصل في التزويج بالسلطنة
يزوِّج السلطان إذا فُقد الوليُّ الخاصُّ، أو سافر، أو عَضَلَ، أو أراد التزويج بموليته، وفي تزويج المجنونة البالغة خلاف.
وتزويجُه عند فَقْدِ الأولياء نيابةٌ عن المسلمين، على ما ذكره الأصحاب.
والكفاءة حقٌّ للمرأة والأولياء، فإنْ رضيت بغير كُفءٍ فلهم المنعُ والإجابةُ، فإن لم يكن لها وليٌّ سوى السلطانِ فقد قطع أبو محمد بالإجابة، ونقل الصيدلانيُّ أنَّها لا تُجاب؛ فإنَّ السلطان ناظرٌ للمسلمين، فلا يَدَعُ النظر.
* * *
٢٢٧٨ - فصل في تنارع الأولياء في الإنكاح
إذا اتَّحدت درجة الأولياء، فدعتهم المرأة [إلى] (١) التزويج بكفء، فعضَلوا أثموا، وإن دعت أحدهم، فعضل مع إمكان تزويج الآخَرِين، ففي إثمه وجهان.
والعضلُ حرامٌ عند الأصحاب وإن كان بحضرة السلطان، وقال الإِمام: لا يحرم إلا إذا غاب السلطان.
وإن تنازعوا في التزويج؛ فإنْ فوَّضَتْه (٢) إلى أحدهم اختصَّ به، فإن زوَّجها بإذنها من غير كفءٍ بغيرِ رضاهم، ففي صحَّة الإنكاح طرقٌ:
إحداهنَّ: الصحَّة، كبيع الشِّقص المشفوع.
стр. 1822
والثانية: البطلان؛ لأنَّ عاره لا يُتدارك بالفسخ.
والثالثة: قولان؛ فإن صحَّحناه فللأولياء فسخُه.
وإن أذنت لكلِّ واحدٍ منهم أن يستقلَّ، فالأَوْلى أن يفوِّضوه إلى الأسنِّ الأفضل، فإن أبَوا لم يُكره، واقترعوا، فإن زوَّجها القارع صحَّ، وكذا إن زوَّجها غيره على الأصحِّ، ولا يُكره لغيره التزويجُ عند الإِمام إلا أن يكون المُقْرعُ هو السلطان، وأبعدَ مَن أبطل إنكاحَ المقروع، ولا أدري: هل يجري الإبطال في تقارع الأولياء؟
* * *
٢٢٧٩ - فصل فيما ينافي الولاية وينقلها إلى الأبعد
وهو الجنون المطلَق، والصِّبا، وحَجْر السفَه، وما يُسقِط الرأيَ والنظر من تغفُّلٍ أو غَميزةٍ في العقل يُحمَّق بها صاحبُها وإن كان صحيحَ البدن حافظًا للمال، وكذلك المرضُ المزمنُ، أو السقمُ المؤلمُ الذي يتبلَّد صاحبه بين العجز والضجر، ولا يُحتمل الفكرُ في أمرِ نصِّ الشافعيِّ على ذلك، واتَّفقوا عليه، وكذلك اختلافُ الدِّين إسلامًا وكفرًا في الوليِّ الخاصّ، واليهوديَّةُ مع النصرانيِّ كأهلِ ملَّةٍ واحدةٍ.
فهذه كلُّها تُناقِضُ الولاية، وتنقلُها إلى الأبعد، وفي العمى وجهان.
* * *
٢٢٨٠ - فصل في سفر الوليِّ
لا تبطل الولاية بالسفر وإن طال، ولا تنتقلُ الولاية إلى الأبعد، ولو
стр. 1823
أَجبر البكرَ في غيبته عنها نفذ إجباره.
فإن طلبت المرأة الإنكاح من السلطان، فقد قال الشافعيُّ: لا يزوِّجها السلطان حتَّى يَشهد شاهدان بنفي العِدَّة، والنكاح، والوليِّ الحاضرِ، وهل يُستحبُّ ذلك، أو يجب؟ فيه وجهان:
أحدهما: يُستحبُّ؛ لأنَّ الاعتماد في العقود على أقوال أربابها، فمن باع ما في يده لم يبحث الحاكم عن ملكه.
والثاني: يجب؛ احتياطًا للأبضاع، ولكنَّه يَبطل بتزويج الرجل جاريةً في يده، فإن أوجبناه فالاحتياطُ فيه كالاحتياط في حصر الورثة والإعسار، فلا يشهد به إلا من يَخْبَرُ بواطن المرأة، وإن قلنا: يُستحبُّ، فتركَه، فقد أساء، ويصحُّ الإنكاح.
وإن طَلَبت المبادرة إلى ذلك؛ فإن أوجبنا البحث لم يُجِبْها إلى البِدار، وإن استحببناه ففي البِدَارِ خلافٌ بين أهل الأصول.
فإن كانت الطالبة بكرًا مجبَرةً، فجوَّز الحاكم أن يكون وليُّها قد زوَّجها في الغيبة، ففيه هذا التفصيلُ والخلاف، فإن طالت الغيبةُ وعسُر البحث فالظاهر: وجوبُ إجابتها.
وإن كانت ممَّن لا يُجبَر، وادَّعت أنَّها لم تأذن لوليِّها الغائبِ في التزويج، فالقولُ قولها, وللسلطان تحليفُها، وكلُّ يمين يَحتاط بها السلطان، ولا تتعلَّق بالدعوى، فهل تجب أو تُستحبُّ؟ فيه وجهان.
ولو أشرف مالُ الغائب على الضَّياع، وعَسُرتِ المراجعةُ، فللسلطان بيعُه وإن جوز أن يكون الغائبُ قد باعه من آخَر؛ لأنَّ الاحتياط للمشتري
стр. 1824
كالاحتياط للبائع.
ولو ادَّعت المطلَّقة ثلاثًا أنَّها تحلَّلت لزوجها الأوَّل، وانقضت عِدَّتُها فللزوج الأوّل نكاحُها إنْ أَمْكَنَ صدقُها, ولم يُلزِمه أحدٌ بالاحتياط؛ لأنَّه من خصائص الولاة.
والسفر الذي يزوِّج بسببه الحاكمُ ما بلغ مسافةَ القصر، فإنْ بلغ مسافة العَدْوَى لم يزوِّجها حتى يراجع الوليَّ، وفيما بينهما وجهان.
ومسافة العَدْوَى (١): ما يقطعها المبتدئ بالسفر صبيحةَ يومه، ثم يرجعُ إلى منزله قبل أن يُجِنَّه الليل.
* * *
٢٢٨١ - فصل في الإغماء والجنون المقطّع
إذا طلبت المرأة النكاح والوليُّ زائل العقل؛ فإن قلَّ زمن الزوال، كالصرع والغشية من المرَّة الصفراء، لم تُزوَّج حتى يفيق، وإن طال زمنُ الإغماء، أو تقطَّع الجنون، فهل تبطل الولاية، وتنتقل إلى الأبعد، أو لا تبطل، أو يبطلها الجنون دون الإغماء؟ فيه ثلاثة أوجه أصحُّها: آخرها.
فإن قلنا: لا تبطل بالجنون والإغماء، فحكمهما حكمُ السفر: إن طالت
стр. 1825
مدَّتُهما إلى حدٍّ تُقطع في مثله مسافة القصر ذهابًا وإيابًا على الاقتصاد، زوَّجَها الحاكم، وإن بلغا مسافةَ العدويِّ لم يزوِّجْ حتى يفيقا، وفيما بينهما وجهان.
ويُرجع في قِصر المدَّة وطولها إلى الأطبَّاء؛ فإنَّه يختلف بالأشخاص، وتنوُّع الإغماء.
وأمَّا زمنُ إفاقة المجنون؛ فإن خلت من الخبل رجعت الولايةُ إليه، وإن اشتملت على خبلٍ يُحمل مثلُه من العاقل على الحِدَّة وسوء الخلُق، ففي عَود الولاية وجهان، وإن قلَّ وقتُ الإفاقة بحيث يتماسك في مثله المجنون المطبِقُ فهو مجنونٌ في تلك الأوقات، وإن قلَّ الهيجُ إلى حدٍّ يطرأ مثله على العاقل إذا تلظَّى غضبُه فليس بجنون.
٢٢٨٢ - فرع:
إذا طلبت المرأة تعجيل النكاح حيث أوجبنا المراجعة بالسفر أو الإغماءِ، فلا تُجاب إلى ذلك، ولو لم يكن لها وليٌّ سوى السلطان فله التأخير للنظر والرأي بقَدْرِ مسافة العَدْوَى.
* * *
٢٢٨٣ - فصل في إحرام الوليِّ
الإنكاح محرَّم على المُحْرم، وفي بطلان ولايته بالإحرام وجهان، فإن قلنا: تبطل، انتقلت إلى الأبعد وإن قلَّ زمن الإحرام؛ فإنَّ الإحرام يسلب العبارة، فأشبه ما لو بقي لحظةٌ من بلوغ الغلام، وإن قلنا: لا تبطل، فالإحرام كالسفر؛ إن طال زوَّجَ الحاكمُ، وإن كان على مسافة العَدْوَى لم
стр. 1826
يزوِّج حتَّى يتحلَّل، وفيما بينهما وجهان.
ولو أنكح المُحْرِمُ، أو وكَّل فأنكح وكيلُه، بطل التوكيلُ والإنكاح.
ولو وكَّل الحلالُ، ثم أحرم أو أحرم وكيلُه، انعزل على الأصحِّ،
ولا تعودُ الوكالة بالإحلال، فإن قلنا: لا ينعزلُ بإحرام الموكِّل، لم يملك التزويجَ حتَّى يتحلَّل موكِّلُه، فيزوِّج حينئذٍ.
* * *
٢٢٨٤ - فصل في تزويج السكران
إذا أبطلنا ولاية الفاسق فلا ولاية للسكران، وإن أثبتنا ولاية الفاسق فقد خرَّج الأصحاب ولايةَ السكران على تصرُّفه؛ فإن نفَّذناه صحَّ إنكاحُه، وقال أبو محمد: لا يصحُّ؛ إذ لا نظر له، وهذا استدراكٌ حسن، وإن أبطلنا تصرُّف السكران فالسُّكْرُ كالإغماء، وقد مضى حكمُه.
* * *
٢٢٨٥ - فصل في التوكيل في النكاح
يجوز التوكيل في إيجاب النكاح وقبوله، فإنْ وكَّل المجبِرُ صحَّ اتِّفاقًا إن عيَّن الزوجَ، وإن لم يعيِّنه فقولان.
وإن أذنت لغير المجبِر في التزويج؛ فإن عيَّنت الزوجَ صحَّ، وإن لم تعيِّنه فقولان مرتَبان، وأولى بالصحَّة؛ لِمَا له فيه من الحظِّ، بخلاف الوكيل، فإن جوَّزنا الإطلاق في التوكيل، أو في الإذن للوليِّ، تَقَيَّدَ بإنكاح الكفء إلا أن تقول: زوِّجني ممَّن شئتَ، كفؤًا كان أو غير كفءٍ، فيتخيَّر
стр. 1827
الوليَّ، وإن قالت: زوِّجني ممَّن شئتَ، ففي تخيُّره وجهان أظهرهما: التخيُّر، كما لو قال لوكيله: بِعْ مالي بما شئت، فله بيعُه بما عزَّ وهان، فإن حملنا قولها على تخيُّر الوليِّ فقد خرَّجه الأصحاب على القولين في التعيين، وقال الإِمام: إذا أسقطت الكفاءةَ فينبغي أن يسقط التعيين.
وإن أَذِنَتْ لغير المجبِر في التوكيل، ونهته عن التزويج، لم يصحَّ الإذنُ عند الأصحاب، وإن أذنت له في التزويج والتوكيل صحَّ اتِّفاقًا، وإن أذنت في التزويج، ونهت عن التوكيل، لم يصحَّ التوكيل اتِّفاقًا.
وإن أطلقت الإذنَ في التزويج، فهل يملك التوكيل؟ فيه وجهان، فإن لم نشرط التعيين، فعيَّنت للوليِّ زوجًا، فأطلق الوليُّ التوكيل، فاتَّفق تزويجُ الوكيل من المعيَّن، فسد على الظاهر عند الإِمام؛ لفساد صيغة التوكيل، واعتبره بما لو قال الوليُّ للوكيل: بيع مال الطفل بما عزَّ وهان، فباع بالغِبطة، فلا يصحُّ على الظاهر عنده.
وفيما ذكره نظر؛ فإنَّه إذا أذن في البيع بما عزَّ وهان، فينبغي أن يبطل تفويضُه فيما هان، ويبقى فيما عزَّ، فينفذ به تصرُّفُه، وكذلك إذا أذن الوليُّ على الإطلاق، فصادف تزويج المعيَّن، فينبغي أن يصحَّ من جهةِ أنَّ لفظ الإذن صالحٌ لاندراج المعيَّن فيه وتناولِهِ.
* * *
٢٢٨٦ - فصل في كيفيَّة تزويج الوكيل
لا يخاطب الوليُّ وكيلَ الزوج، بل يقول: زوَّجت فلانةَ من فلان،
стр. 1828
أو: من هذا، فيقول الوكيل: قبلتُ له هذا النكاح، فإن اقتصر على قوله: قبلتُ، وجوَّزنا ذلك في غير صورة الوكالة، فهاهنا وجهان؛ إذ لا خطاب بين الوليِّ والوكيل.
ولو قال: زوَّجتك فلانةَ، فقال: قبلتُ، ونوى موكِّلَه انعقد للوكيل، بخلاف نظيره من البيع؛ فإنَّ البُضع لا يقبل النقل بعد العقد، ويقولُ الوكيل في الإيجاب: زوَّجتُك فلانةً، ولا يُشترط إضافة التزويج إلى الوكالة؛ فإنَّ الأسباب المفيدة للتصرُّف لا يجب ذكرها، كما لا يُضيفُ المالك التزويج إلى ملكه، ولا يذكر الوليُّ سبب ولايته.
ولو قال: زوَّجَ موكِّلي فلانٌ ابنتَه منك، لم يصحَّ؛ فإنَّ وكيل الوليِّ مزوِّج على الحقيقة، ووكيل الزوج ليس بمتزوِّجٍ، ولهذا لو حلف لا يزوِّج ابنته من زيد، فقبل زيدٌ نكاحَها بالوكالة، لم يَحْنَثْ، ولو قال: لا أتزوَّج من زيد، فتوكَّل زيدٌ في الإيجاب، فقَبِلَه منه، حنث.
ولو قال: لا أتزوَّج، فقَبِلَ النكاح بالوكالة، لم يحنث إلا أن يقول: لا أتزوَّج لفلان، ثم يقبل له النكاح.
* * *
٢٢٨٧ - فصل في ولاية الكافر
لا يزوِّج المسلمُ ابنته الكافرة، ولا الكافرُ ابنتَه المسلمة، ويزوِّج ابنتَه الكافرة، وللإمام تزويجُ الكوافر حيث يزوِّج السلطان.
وأبعد الحَليميُّ، فألحق الكفر بالفسق، وقال: لا يقبل المسلمُ نكاح
стр. 1829
الذمِّيَّة من أبيها, ولكن يقبله من السلطان، ويلزمه ألا يحكم في أنكحتهم بنفقة ولا صداق.
وهذا قريبٌ من خرق الإجماع، فإنْ فرَّعنا على المذهب، فكان الكافرُ فاسقًا في دينه، خُرِّجت ولايته على ولاية الفاسق، وإن لم يَثبت فسقُه في دينه فهو كالمسلم المستور، ولا خلاف في ولايته، وقد أطبق الخلقُ على معاملة أولياء الأطفال وإن لم تظهر عدالتُهم عند الحُكَّام.
٢٢٨٨ - فرع:
إذا شغر القطر عن السلطان، فأراد المسلمُ التزوُّج بذمِّيَّة لا وليَّ لها، فليس له قبولُ نكاحها من حاكم الكفَّار، وأشار في "التقريب" إلى جواز ذلك، ولا وجه لِمَا ذكره.
٢٢٨٩ - فرع:
إذا أراد المسلم تزويج أمته الكافرة بحرٍّ كافر، أو عبدٍ مسلم، فهذا مبنيٌّ على أنَّ الأمة الكافرة: هل يَحْرمُ نكاحُها على المسلم والكافر؟ فيه قولان:
أحدهما وهو المنصوص: تحريم نكاحها على جميع العالَم؛ كالمرتدَّة والوثنيَّة، فعلى هذا: ليس له تزويجُها.
والثاني، وهو مخرَّج: أنَّها تحلُّ للعبد المسلم والحرِّ الكافر، فعلى هذا: هل يملك المسلمُ تزويجَها مع اختلافِ الدين؟ فيه وجهان، هذا في الكتابيَّة، وفي تزويج المسلم أَمتَه المجوسيَّهَ بمجوسيٍّ وجهان مرتَّبان، وأولى بالمنع عند الأصحاب؛ لأنَّها لا تحلُّ للمالك.
стр. 1830
ولا وجه لهذا الترتيب عند الإِمام؛ فإنَّ التزويج بالمِلْكِ لا يقف على الحِلِّ للمالك، ولهذا لو مَلَكَ أختَه من نسب أو رضاع، لَزَوَّجها وجهًا واحدًا، ومَن شَبَّبَ بمنع ذلك لم يُعتدَّ بقوله.
ولو زوَّج الكافر أمتَه المسلمةَ ففيه الوجهان.
٢٢٩٠ - فرع:
إذا أجبرنا العبد على النكاح، فكان كافرًا والسيِّدُ مسلمًا، فهل يَمنعُ اختلافُ دينهما من الإجبار؟ فيه الوجهان، فإن منعناه فقد قال الإِمام: يتزوَّج العبد بإذن المالك وإن لم يكن أهلًا لتزويجه، كما يتزوَّج العبد بإذن مولاته وإن لم تكن أهلًا للتزويج، ولا يقف ذلك على إذن أوليائها.
* * *
٢٢٩١ - فصل في تزوُّج الوليِّ بمَوْليَّته
إذا كان الزوج وليًّا للزوجة، كابن العمِّ، والمعتِق، والوالي، والحاكم، فليس له أن يتولَّى طرفي العقد، ولا أن يوكِّل في الإيجاب، وفي الإِمام الأعظم وجهان أقيسهما: المنع، فإن أراد الحاكم التزوُّج بمَوْليَّته فوَّض الأمر إلى حاكم أو مُحكَّم، وإن أراد الوليُّ الخاصُّ ذلك فوَّضه إلى مَن في درجته، فإن لم يكن فإلى الحاكم، ولا خلاف أنَّ الإِمام يرفع إلى الحكَّام، فيحلف، وتُقام عليه البيِّنات.
وللأب والجدِّ تعاطي طرفي البيع والشراء من طفله، أو من أحد طفليه للآخَرِ، وفي اكتفائه بأحد شقَّي البيع وجهان.
стр. 1831
وفي تولِّي الجدِّ طرفي النكاح على حافديه وجهان، فإن أجزناه: فهل يلزمه الإتيانُ بالطرفين، أم يُخرَّج على الوجهين كالبيع؟ فيه وجهان، فإن قلنا: لا يتولَّاهما، فوكَّل في أحدهما وتعاطَى الآخَر فوجهان، فإن منعناه رُفع الأمر إلى الحاكم ليتولَّى أحد الطرفين، وهل يتخيَّر الحاكم فيما يتولَّاه من الطرفين، أو يكون ذلك إلى رأي الجدِّ؟ فيه احتمالٌ، والأولى: تخيير الحكَّام.
٢٢٩٢ - فرع:
لا يصحُّ التوكُّل في طرفي النكاح على المذهب، وقيل: يصحُّ كالتوكُّل في طرفي الاختلاع.
* * *
٢٢٩٣ - فصل فيمن يزوِّجها اثنان وأشكلَ السابق منهما
إذا أَذِنتْ لأخويها في التزويج، ولم تعيِّن الزوج، وأجزنا ذلك، فزوَّجَها كلُّ واحد منهما بزوج؛ فإن عُلم وقوعُ النكاحين معًا بطلا، وإن تقدَّم أحدهما وعرفناه صحَّ، فإن وطئها الزوجُ الثاني بجهالةٍ لزمه مهرُ المِثْلِ، والنكاحُ للأوَّل.
وانْ أَشْكَلَ: هل وقع العقدان معًا، أو تلاحَقَا؟ فإن توقَّعنا البيانَ وجب البحثُ على حسب الإمكان، وإن يئسنا من البيان، وتصادقوا على الإشكال، فللعقدين أحوال:
إحداها (١): أن يُمْكِنَ تساوقُهما وتلاحقُهما: فهل يبطل العقد، أو
стр. 1832
يُفسخ لاحتمال التلاحُقِ؟ فيه وجهان.
ولو أشكل على امرأة: هل تزوَّجتْ أم لا؟ لم يلزمها التسبُّبُ إلى فسخ النكاح، فإن أثبتنا الفسخ ففيمن يتعاطاه أوجه:
أحدها: لا يتعاطاه إلا حاكم، أو محكَّمٌ إن جوَّزنا التحكيم.
والثاني: تستبدُّ به المرأة من غير رفعٍ إلى الحاكم كما يفسخ بالجَبِّ.
والثالث (١): تستبدُّ به المرأة وكلٌّ واحد من الزوجين.
ولم يشرط أحدٌ اتِّفَاقَهم على الفسخ، وإن طلَّق الزوجان فلا حاجة إلى فسخِ أحدٍ.
الثانية: أن يُعْرَفَ التلاحُقُ، ولا يتعيَّنَ السابق، فهل يُلحق بالحال الأولى، أو يقف النكاح أبدًا؟ فيه قولان، وفي نظيره في الجُمعتين طريقان:
إحداهما: القطع بصحَّة السابقة، فيصلُّون الظهر؛ إذ لا يمكن فسخُ الصلاة بعد انقضائها، بخلافِ النكاح؛ فإنَّه قائم يقبل الفسخ.
والثانية: فيها القولان.
الثالثة: أن يُعرف التلاحقُ، ويتعيَّنَ السابق، ثم يُشكل، فالمذهب: الوقفُ أبدًا، وأَغْرَبَ مَن خرَّجه على القولين.
فإن قلنا بالوقف فلا نطالبُ واحدًا منهما بشيء من المهر، وهل تطالب كلَّ واحد بنصف النفقة؟ فيه احتمال، والظاهر: أنَّها لا تطالِبُ.
هذا إذا تصادَقوا على الإشكال، فأمَّا إذا ادَّعى كلُّ واحدٍ أنَّه السابق؛
стр. 1833
فإن ادَّعيا على الوليِّ لم تُسمع دعواهما إن لم [يكن] (١) مجبِرًا، وإن كان مجبِرًا فوجهان يجريان في كلِّ مجبِرٍ يُدَّعى عليه الإنكاح، والأقيس: أنَّها لا تُسمع؛ إذ لا حقَّ على الوليِّ، وليس المدَّعى به في يده، ووجهُ السماع: أنَّه مقبولُ الإقرار.
وإن ادَّعى أحدهما على الآخر لم يُسمع، خلافًا للصيدلانيِّ؛ إذ لا حقَّ لأحدهما على الآخر، والدعوى تختصُّ بمن يُسْتحَقُّ عليه المدَّعَى به، ولا وجه لقول الصيدلانيِّ إن أمكنت الدعوى على المرأة، وإن تعذَّرت الدعوى عليها؛ لاعترافهم بأنَّها لا تعرف السابق، فهذا موضع الخلاف، فإن سمعنا دعواهما انقدح أن يُقْرِعَ الحاكم بينهما في البداية بالتحليف، واحتُمل أن يبدأ بمن شاء، فإن حلفا، أو نكلا، كان كما لو تصادقوا على الإشكال، وإن حلف أحدهما، ونكل الآخر، قُضي للحالف.
وإن ادَّعيا ابتداءً على المرأة فلهما حالان:
إحداهما: أن يدَّعي كلُّ واحد أنَّه السابق بالعقد، فلا بدَّ من دعوى عِلْمِها بالسبق؛ ليقع الإنكار واليمين على حَسَبه، فإن أقرَّت للمتقدِّم بالدعوى أنَّه سبق بالعقد سُلِّمت إليه، فإن أقرَّت بعد ذلك للآخر لم تُسلَّم إليه، وهل تغرم له؟ فيه قولان، فإن غرَّمناها لزمها ما يلزمُ شهودَ الطلاق إذا رجعوا، وإن لم تعترف للآخر ففي تحليفها له قولان.
وإن قلنا: تغرم له لو أقرَّت، حلفت له، وإلا فلا، فإن قلنا: تحلف،
стр. 1834
فحلفت، انقطعت الخصومة، وإن نكلت عُرضت اليمين على الثاني، فإنْ نكل كان نكولُه كحلفها، وإن حلف: فهل تُسلَّم إليه، ويبطل نكاح الأوّل؟ فيه قولان مأخذُهما: أنَّ يمين الردِّ: كالبيِّنة أو الإقرار؟ والأصحُّ: أنَّها كالإقرار، فإن قلنا: تُسلَّم إلى الثاني، فينبغي أن تحلف وإن قلنا: لا يلزمُها الغرم؛ لِمَا في التحليف من فائدة إثبات الثكاح.
وإن قالت: لا علم لي بالسابق منكما؛ فإنْ حضرا معًا، ورضيا بيمينٍ واحدة على نفي العلم، حلفت يمينًا واحدة، وإن حضر الأول، وأَحْلفها، ثم حضر الآخر، فهل له تحليفُها مرةً أخرى؟ فيه وجهان يجريان في كلِّ شخصين يدَّعيان على شخصٍ شيئًا متِّحدًا.
فإنْ نكلت عن يمين السابق منهما حلف أنّه السابقُ بالعقد، ولا يحلف على أنَّها عالمةٌ بذلك عند المحقِّقين؛ لأنَّ ذلك إنَّما شُرط في حقِّها؛ ليرتبط به إنكارُها وحَلِفُها.
فإن حلفت لهما فالأصحُّ: أنَّهما يتداعيان ويحتلفان؛ لأنَّ الدعوى قد تعلَّقت بالمرأة، فلم يفد شيئًا، بخلاف تداعيهما قبل الدعوى على المرأة، وأبعدَ مَن رمز إلى أنَّ الخصومة تنقضي بحلفها.
ولو نكلت لمَّا رضيا بيمينها كان نكولها كحَلِفِها.
ولو قالت لمَّا ادعى الأول: لستَ السابقَ بالعقد، فهذا إقرارٌ للثاني، وقد تقدَّم حكمُ إقرارها لأحدهما.
الثانية: أن يدَّعي كلُّ واحد منهما زوجيَّة مُطْلَقةً، ولا يضيفها إلى العقد، ففي سماع دعواه خلاف يجري في الإقرار المطلق بالنكاح، والأصحُّ:
стр. 1835
سماع الدعوى، ونفوذُ الإقرار، وقيل: لا تصحُّ الدعوى والإقرارُ إلا أن يُضافا إلى العقد، ثم يجب ذكرُ شروطه على أحد القولين، فإن سمعنا الدعوى المطلقة فلا نسمع منها الجواب بنفي العلم، بل تبتُّ الجواب، وتحلف على حسبه، وأجاز لها الأصحابُ الحلف على البتِّ وإن لم تعرف حقيقة الحال.
وهذا يشبُه ما لو ادَّعى على رجل: أنَّ مورِّثك أتلف عليَّ ألفًا، فله الحلفُ على نفي العلم.
ولو قال: يلزمك أن تسلِّم إليَّ ألفًا من التركة، حلف على البتِّ.
وإن قلنا: لا تُسمع الدعوى المُطْلَقةُ بالنكاح، فلا بدَّ من الإضافة إلى العقد، والتقييدِ بعلمها، كما سبق فيما إذا ادَّعيا عليها العقد والسبق.
* * *
٢٢٩٤ - فصل في بيان الكفاءة
لا يُعتبر التكافؤ في جميع الفضائل والرذائل، وإنَّما يُعتبر في خمسة: النسب، والحرِّية، والبراءة من الفسق، ومن الحِرَف الدنيئة (١)، والعيوب المُثْبِتة للخيار.
فلا تُزوَّج الحرَّة برقيقٍ وإن كان أفضلَ العالَمِ عقلًا ونبلًا.
وكذلك لا تُزوَّج السليمةُ بمَعيبٍ وإن حاز الفضائل.
وتُعتبر البراءةُ من الفسق في الخاطب وفي (٢) أنسابه، ولا نظر إلى
стр. 1836
تفاوت الناس في الصلاح، ولا فرق بين المستور والعدل.
ويُعتبر النسب من ثلاثة أوجه:
أحدها: الانتسابُ إلى رسول الله ﷺ ، والانتماءُ إلى أَرومته.
والثاني: الانتماءُ إلى العلماء الذين هم عصامُ الدِّين، وقوامُ الشرع.
الثالث: الانتساب إلى المشهورين بالصلاح، الذين صاروا أعلامًا في التفرُّد، الذين لا يُنسَون على تناسخ الدهر، فمَن لم يبلغ هذا المبلغَ فلا عبرة بالانتساب إليه، ولا بما يَعتدُّ به أبناء الدنيا من أنساب عظمائهم؛ فإنَّ جمهورهم ظلمةٌ استولوا على الرقاب، وإنَّما يُعظَّمون رغبةً أو رهبةً، والشرعُ بائحٌ بحطِّ مراتبهم في الدِّين.
وقد تُجبَر بعض هذه الخصال ببعض، ولا جابر للرقِّ، ولا للعيب، وكذلك لا يعارَض الانتساب إلى رسول الله ﷺ بالانتساب إلى العلماء والصلحاء.
ولو انحطَّ نسب الزوج عن نسب الزوجة، ولكنَّه ظهر صلاحُه بحيث يتميَّز به عن أضرابه، ففي معارضته لنسب الزوجة خلافٌ، وإن لم يبلغ صلاحُه إلى هذا الحدِّ لم يعارِض نسبَ الزوجة.
والحِرفُ الدنيئة: كلُّ ما دلَّت ملابستُه على انحطاط المروءة، وسقوطِ النفس، كملابَسةِ القاذورات على ما سنذكره في (كتاب الشهادات)، ولا يمتنع أن تؤثِّر هذه الحرفُ في الأنساب، والحرفُ الدنيئةُ ونقائضُها (١) تعارِضُ
стр. 1837
الصلاح اتِّفاقًا, ولا تُعارِضُ الأنساب بإجماعِ الأصحاب.
ولا عبرة بالقبح والجمال عند أحد من الأصحاب، ولا عبرة باليسار على الأصحِّ، وحمل الإِمام هذا الخلاف على المسكنة، ومِلْكِ البلاع.
* * *
٢٢٩٥ - فصل في التزويج بغير الكفء
خصال الكفاءة ضربان:
أحدهما: ما يُعتبر في تزويج البنت والابن، وهو البراءةُ من الرقِّ والبَرَصِ والجُذَامِ والجنون، وكذلك الجَبُّ في تزويج البنتِ، والرَّتَقُ والقرَن في تزويج الابن.
الثاني: سائر الخصال تُعتبر في تزويج البنت دون الابن؛ إذ لا عار في تزويج الخسيسة، بخلافِ تزوُّج الخسيس، وأبعدَ مَن اعتبر ذلك في حقِّ الابن.
٢٢٩٦ - فرع:
إذا زوَّج ابنتَه المَعِيبةَ بمَعِيبٍ؛ فإن اختلف جنسُ العيب، مثلَ أن زوَّج الجذماء بأبرص، لم يجز اتِّفاقَا، وإن اتَّحد، مثل أن زوَّج البرصاء بأبرص، فوجهان.
٢٢٩٧ - فرع:
إذا زوَّج السليمةَ بمَعيبٍ ففي صحَّة النكاح قولان لا شكَّ في جريانهما في سائر الخصال، والمذهب: أنَّه لا يصحُّ، فإن قلنا: يصحُّ، ففي ثبوت
стр. 1838
الخيار للبنت بعد بلوغها وجهان، وفي تخيُّر الأب وجهان أطلقهما العراقيون، وخصَّهما الإِمام بحال الجهل.
ولو اشترى للطفل عبدًا مَعيبًا بثمنِ مِثْلِه، فلا خيارَ له بعد بلوغه، ولم يتعرَّض الأصحاب لإثبات الخيار في سائر الخصال، وخرَّج الإِمام في الكلِّ أوجُهًا؛ ثالثها: إثباتٌ الخيار بالعيب دون سائر الخصال؛ فإنَّ ما ليس بعيبٍ لا يَصْلُحُ لإثبات الخيار.
٢٢٩٨ - فرع:
إذا منعنا التزويج بغير الكُفء بَطَلَ العقدُ إن علم الأبُ بعدم الكفاءة، وكذلك إن جهل عند الإِمام؛ فإنَّ الجهل بشروط العقد لا أثر له، كما لو باع الوليُّ أو الوكيل بما يحسبان أنَّه ثمن المثل، فظهر الغبن، ولا يثبت الخيار بالغبن في الأثمان، ويثبت بالعيوب وإن ساوى المَعيبُ أضعاف الثمن.
ولو غُبن الوليُّ في البيع أو الشراء، لم يملك إجازة العقد، وكذلك لو غُبن الوكيلُ في البيع أو الشراء لم يملك المالكُ الإجازةَ، وأبعدَ من قال: يملكها في الشراء.
٢٢٩٩ - فرع:
إذا أذنت في كفءٍ، ولم تعيِّنه، وجوَّزنا ذلك، فزوَّجها بغير كفءٍ، لم يصحَّ؛ لأنَّ الغبن في الكفاءة كالغبن في الماليَّة، وإن أذنت في معيَّنٍ، فظهر غبنُه، ثبت لها الخيار، وإن ظهر انحطاطُ نسبه فلا خيار لها على المذهب.
* * *
стр. 1839
٢٣٠٠ - فصل في تزويج الأمة
ليس للمالك تزويجُ الأمَةِ بمعيبٍ إلا أن ترضى، فإنْ أجبرها على ذلك، أو كانت صغيرةً لا يُعتبر رضاها, لم يصحَّ الإنكاحُ، ولا يُعتدُّ يقول مَن جوَّز إجبارها على ذلك، ولم يُثبِت الخيارَ.
ولو أذنت في معيَّنٍ، فزوَّجها منه، فظهر عيبُه، ثبت لها الخيار، وليس للمالك منعُها من الإجازة.
وللمالك بيعُها من المَعيبِ، وهل لها منعُه من التمكين؟ فيه وجهان.
ويزوِّج أمةَ المرأة أولياؤها بإذنها دون إذن الأمة، وقال صاحب "التلخيص": يزوِّجها السلطان؛ إذ لا نسب بينها وبين الأولياء، ولا مِلْكَ لهم، ويجب طردُ هذا في العتيقة، واتَّفق الأصحاب على تغليطه.
ولا يكتفي الأخ بصُماتِ أخته في تزويج أمتها اتِّفاقًا، وقال الإِمام: إذا كان الوليُّ أخًا، والمالكةُ رشيدةً، فالتزويجُ دائرٌ بينه وبين السلطان، كما ذكرناه في تزويج المجنونة؛ فإنَّ تزويج السلطان مقيَّد بمَحَالِّ الاحتياج.
ولو زوَّج الوليُّ رقيق الطفل، ففي جوازه أوجهٌ، ثالثها: الجواز في الإماء دون العبيد، فعلى هذا: يزوِّج أمة البنت الصغيرة، ولا يزوِّج أمة البكر الرشيدة إلا بإذنها؛ إذ لا ولاية له على مالها، وإن كان النظر في مال الطفل للسلطان فالقياسُ أنَّه في تزويج الإماء بمثابة الوليِّ.
٢٣٠١ - فرع:
الأمة حلالٌ للزوج في عموم الأوقات وإن قُدِّم السيِّد عليه في
стр. 1840
الاستخدام، فإن استمتع بها أثناء الاستخدام، أو تَرَكَ السيِّد حقَّه من الخدمة، فالاستمتاعُ بها مباحٌ.
ولو كان لها حرفةٌ يمكنُها الاحترافُ بها عند الزوج، فطلب أن تُسلَّم إليه نهارًا لتحترف عنده، لم يُجِبْه إلى ذلك عند الجمهور، خلافًا لأبي إسحاق.
ولو أراد السيِّد استخدامَها بغير تلك الحرفة، فلا منع منه بوفاقِ أبي إسحاق، وإنّمَا خالف فيما يتأتَّى فعلُه عند الزوج.
٢٣٠٢ - فرع:
ليس للعبد المأذون تزويجُ إماء التجارة، وتزويجُ السيد بمثابة التبرُّع، فيصحُّ إن لم يكن على العبد دينٌ، وإن كان عليه دينٌ لم ينفذ تزويج السيِّد إن حُجر عليه بالفلَس، وإن لم يُحجر نفذ إن رضي العبد والغرماء، وإن رضي العبد دون الغرماء، أو الغرماء دون العبد، فوجهان؛ وجه المنع: تعلُّق حقوق الغرماء بما في يد العبد، أو تضرُّرُ العبد ببقاء الدين في ذمَّته.
* * *
стр. 1841
٢٣٠٣ - باب ما جاء في الكلام الذي ينعقد به النكاح
لا ينعقد النكاح إلا بلفظ التزويج أو الإنكاح، أو بمعناهما في أصل الوضع في سائر اللغات، وما عدا ذلك من الألفاظ؛ إن كانت كنايةً في كلِّ باب لم ينعقد به النكاح؛ فإنَّه لا ينعقد إلا بالنيَّة، ولا اطِّلاع للشهود عليها، وإن كان صريحًا في بعض الأبواب فهو كنايةٌ في النكاح؛ فإن صادفَ محلًّا يَقبل صريحَه نفذ فيه، ولم ينصرف إلى غيره بالنيَّة، كما لو نوى الطلاق بلفظ الظهار، أو الظهار بلفظ الطلاق، فإذا زوَّج المملوكة بلفظ التمليك، أو الهبة، أو البيع، نفذ في ذلك، ولم ينصرف بالنيَّة إلى النكاح.
وإن عُقد النكاح بالفارسيَّة؛ فإنْ جهل العربيَّة، ولم يتأتَّ منه تعلُّمُها، صحَّ اتِّفاقًا.
وقال الإصطخريُّ: لا ينعقد قطُّ إلا بالعربي، وعلى الجاهل الاستنابة، أو الصبر إلى التعلُّم.
وعلى الأصحِّ: في العارف بالعربيَّة وجهان، وفي الجاهل الذي يمكنه التعلُّم وجهان مرتَّبان.
وقال العراقيُّون: إن عرف العربية لم يصحَّ اتِّفاقًا، وإن جَهِلَها، وتمكَّن من التعلُّم عن قُرْبٍ، فوجهان.
стр. 1842
فإن قلنا: يصحُّ، فأوجب الوليُّ بالعربيَّة، وقَبِلَ الزوجُ بالفارسيَّة، صحَّ إن عَرَفَ معنى الإيجاب، وإن جَهِلَه، وأخبره به مَن يثُق به، فوجهان خصَّهما الإمام بما إذا لم يتعلَّم القابلُ الصيغةَ، ولم ينتهِ إلى حالٍ لو سمعها مرَّة أخرى لفهمها، أو لو أراد الإتيان بها لتمكَّن منها، وأمَّا إذا علَّمه هذا المترجِمُ فقد الْتَحَقَ بمَن يعرفُ العربيَّة.
وللألفاظ مراتب:
الأولى: لفظ القرآن، فلا يترجمه القادرُ، ولا العاجزُ.
الثانية: تكبيرةُ الإحرام، والتشهُّدُ، ونحوهما، فلا يترجمه إلا العاجز.
الثالثة: لفظ النكاح، وهل يُعلَّل تعيُّنه بغلبة التعبُّد، أو بأنَّ الشهود لا يطَّلعون على النيَّات؟ فيه خلاف.
الرابعة: صريحُ الطلاق محصورٌ عند الشافعيّ في الطلاق والفراق والسَّراح؛ لتكرُّرها في القرآن، وألحق بها بعضُهم كلَّ لفظٍ شاع في العرف لإرادة الطلاق.
الخامسة: سائر العقود، فإن أفادت مِلْكَ الرقبة فلا حصر لصرائحها، والرجوعُ فيها إلى العرف، وفي انعقادها بالكناية وجهان، وإن لم تُفْد مِلْكَ الرقبة كالإجارة؛ فإن عُقدت بلفظ الإجارة صحَّ، وإن عُقدت بلفط يقتضي التمليك؛ فإن أُضيف إلى الرقبة لم يصحَّ، وإن أُضيف إلى المنفعة فوجهان.
السادسة: ما لا يفتقر إلى القبول، كالفسخ والإبراء ونظائرهما، فينعقد بالكناية اتِّفاقًا.
* * *
стр. 1843
٢٣٠٤ - فصل في كيفيّة الإيجاب والقبول
إذا قال: زوَّجتك هذه، أو: زوَّجتك فلانة، فقال: تزوَّجْتُها، أو: قبلتُ نكاحَها، أو: قبلتُ هذا النكاحَ، صحَّ، وإن قال: قبلتُ، فوجهان، وإن قال: قبلتُها، أو: قبلتُ النكاح، فوجهان مرتّبان، وأولى بالجواز.
ومَن استَدْعَى عقدًا، فأُوجِبَ له، فلم يأتِ بالقبول؛ فإن كان بيعًا أو إجارةً ففي انعقاده قولان، وإن كان عِتْقًا على مالٍ، أو صلحًا عن دمٍ، أو خلعًا، صحَّ، وأغرب مَن ألحقه بالبيعِ.
والنكاحُ: كالبيع أو الخلع؟ فيه طريقان، وردَّد أبو محمد الكنايةَ بين الخلع والنكاح.
فالاستدعاء في البيع: أن يقول: بعني، فيقول: بعتك.
وفي الطلاق: أن تقول الزوجة: خالعني على كذا، فيقول: طلَّقتُكِ.
وفي العتق: أن يقول العبد: أعتقني على كذا، فيقول: أعتقتُكَ.
وفي الصلح: أن يقول الجاني: صالحني عن الدم على كذا، فيقول: صالحتُك.
وفي النكاح: أن يقول: زوَّجْني ابنتك، فيقول: زوَّجتُكَ.
ولو قال المشتري: رضيتُ بأنْ تبيع منِّي متاعك، فقال: بعتُك، فلا يَبعد تخريجه على القولين.
ولو قال: أتزوِّجني ابنتك، فقال: زوَّجتك، أو وُجد نظيرُ ذلك في سائر العقود، لم يصحَّ عند الأصحاب.
стр. 1844
٢٣٠٥ - فرع لأبي محمد:
إذا قال الزوج للوليِّ: قل: زوَّجتُكَ ابنتي، فقال: زوَّجْتكَها لم ينعقد، وفيه احتمال.
٢٣٠٦ - فرع:
إذا بُشِّر بولدٍ، فقال: إن كان أنثى فقد زوَّجْتُكها، أو قال: إن كانت بنتي قد طلِّقت، وانقضت عدَّتها فقد زوَّجتُكها، فتحقَّق شرطُه، لم ينعقد النكاحُ عند الأصحاب، واستدرك المحقّقون: بأنَّ مَن زوَّج أمةَ مورِّثه على ظنِّ حياته، فبانت وفاتُه، ففي انعقاد النكاح قولان، فإن قلنا: ينعقد؛ فلو قال: إن كان مورِّثي قد مات فقد زوَّجتكها، فوجهان.
* * *
٢٣٠٧ - فصل في خُطبة النكاح
يُستحبُّ لمن أراد خِطبةً، أو أمرًا ذا بال: أن يبدأ بحمد الله، والثناءِ عليه، والصلاةِ على رسوله، وهو في الخِطْبة آكَدُ، ثمَّ يخطب قُبيل العقد خُطبةً أخرى كذلك، فإن خطب المُوجِبُ، أو القابِلُ، أو غيرُهما، فحَسَنٌ.
فإن خطب الوليُّ وأوجَبَ، فخطب الزوجُ وقَبِلَ، فهذا مبنيٌّ على السكوت بعد الإيجاب، فإن طال بحيث يُشْعِرُ بإضرابِ القابل عن القبول، أو غفلته، أو اشتغاله بالفكر فيما هو بصدده، بطل الإيجاب، وإن قصُر السكوت بحيث لا يُشعر بذلك، صحَّ العقد، فإن تخلَّل في الزمن القصير كلامٌ من القابل؛ فإن لم يتعلَّق بمصلحة العقد ففي بطلانه وجهان، وإن
стр. 1845
تعلَّق بمصلحته، كالخُطبة، لم يبطل على الأصحِّ.
وشبَّه الأصحاب الخُطبةَ بالإقامة بين صلاتي الجَمْع، وهذا تكلُّفٌ؛ فإنَّه لو تخلَّل بين الصلاتين بقدرِ الإقامة ما لا يتعلَّق بمصلحة الصلاة صحَّ الجمع، وإن أطال الخُطبة على حدِّ السكوت الطويل بطل العقدُ اتِّفاقًا.
قال الشافعيُّ: وأحبُّ أن يقول ما قال ابن عمر: زوَّجتُكَ على ما أخذ الله للمسلمات على المسلمين؛ من إمساكٍ بمعروف، أو تسريحٍ بإحسان.
والأولى: أن يقع ذلك قبل العقد أو بعده، فإن قُرن بالعقد ففي بطلانه وجهان؛ لأنَّه شرطٌ للطلاق في بعض الأحوال، وقطع القفَّال بالصحَّة؛ لأنَّه وصيَّة ووعظٌ، وقطع أبو محمد بالإبطال.
وقال الإمام: إن صرَّحا بجعله شرطًا فالوجهُ القطعُ بالإبطال، وإن صرَّحا بأنَّه وعظٌ لا غير، حُكم بالصحَّة، وإن أطلقاه ففيه احتمال، والأولى: حملُه على الوعظ؛ لقرينة الحال.
* * *
стр. 1846
٢٣٠٨ - باب ما يحلّ من الحرائر، ولا يتسرّى العبد
ليس للحرّ أن يزيد على أربع زوجات، ولا يزيدُ العبدُ على اثنتين.
ولو زوَّج الرجل أمتَه، ثمّ قتلها قبل التسليم، ففي سقوط مهرها قولان، أقيسهما: أنَّه لا يسقط، وظاهرُ المذهب: سقوطُه؛ إمَّا لأنَّه فات المقصود بالعقد قبل التسليم، أو لأنَّ مستحِقَّ المهر فوَّت مقصود العقد.
وإن ماتت الأمة، أو قتلت نفسها، أو قتلها أجنبيٌّ، فوجهان مأخذُهما المعنيان.
وإن ماتت الحرَّة، أو قتلها أجنبيٌّ، استقرَّ مهرها، وإن قتلت نفسها فوجهان، واختار الإمام أنَّه لا يسقط؛ لإجماع المسلمين على نهاية نكاحها بالموت، فلا فرق بين أن تموت، أو تقتل نفسها.
* * *
٢٣٠٩ - فصل في بيع العبد المزوَّج والأمة المزوَّجة
إذا باع الأمةَ المزوَّجة صحَّ البيع، واستمرَّ النكاح، فإن كان قد سُمِّي لها مهرٌ صحيحٌ، أو وجب مهرُ المثل لفساد التسمية، فدخل بها الزوج عند المشتري، فالمهرُ للبائع، وإن كان قد فوَّض بُضعها؛ فإن فُرِضَ مهرُها قبل البيع فهو للبائع، وإن فُرض بعد البيع، ووقع الدخول عند المشتري، فقولان
стр. 1847
مأخذُهما: أنَّه يجب بالعقد، أو الدخول؟ وحيث جُعل المهر للبائع، فليس له ولا للمشتري أن يحبسها بسببه، وإن جُعل للمشتري، فله الحبسُ حتى يفرض صداقها ويقبض.
والعتق كالبيع: إن جُعل المهر للبائع فهو للمعتِق، وإن جُعل للمشتري فهو للعتيقة.
وإن باع عبدَه المزوَّجَ صحَّ، واستمرَّ النكاح، ولزم المشتريَ تمكينُه من الكسب لأَجْلِ الصَّداق، فإن أدَّى المهر من كسبه، ثم طلَّق بعد الشراء، وقبل الدخول، فإن كان قد أدَّى المهر ممَّا اكتسبه قبل الشراء رجع شطرُه إلى البائع، وأَبعدَ من قال: يرجع إلى المشتري، وإن أدَّاه ممَّا اكتسبه عند المشتري؛ فإن جُعل للمشتري إذا أدَّاه ممَّا اكتسبه عند البائع فهاهنا أولى، وإن جُعل ثَمَّ للبائع فهاهنا وجهان، ووجهُ الرجوع إلى البائع: أنَّ كسبه كالمستثنى من البيع، والعتقُ كالبيع وفاقًا وخلافًا، واستَبعد الإمامُ أن يرجع إلى البائع ما اكتسبه بعد البيع والإعتاق.
* * *
٢٣١٠ - فصل في وطء الأب جارية ابنه
إذا وطئ الأب جاريةَ ابنه مع علمه بتحريمها فلها حالان:
إحداهما: ألا تكون موطوءةً للابن، فلا حدَّ على الأب؛ لشبهةِ الإعفاف، بخلافِ وطء الابنِ جاريةَ الأب؛ إذ لا يجبُ إعفافُه، وفي الحدِّ قولٌ مخرَّج من وطء الرجل أمته المزوَّجةَ، ويجب المهرُ عند المحقِّقين، وغلط العراقيّون فقالوا: يجب إن أُكرهت، وإن طاوعَتْ فوجهان.
стр. 1848
وتَحْرمُ على الابن بذلك، ولا تجب قيمتُها بسبب تحريمها؛ فإنَّ الوطء غير مقصود من ملك اليمين، ولذلك لو حرَّمت المرأةُ جارية زوجها بالرضاع لم تَغْرَمْ له شيئًا، ولو اشترتها من زوجها، وحرَّمتها عليه بالرضاع، ثم اطَّلعت على عيب قديم، فلها ردُّها؛ فإن أحبلها انعقد الولد حرًّا نسيبًا، كما لو أَحبل أمةَ أجنبيٍّ بشبهة.
وفي الاستيلاد أقوال:
أقيسها: أنَّه لا يثبت.
وأبعدُها: التفرقةُ بين الموسِرِ والمعسِرِ.
وظاهر المذهب: الإثبات.
فإن فرَّقنا بين الموسر والمعسر، فالاعتبارُ بحال الإحبال، وهل يتعجَّل الاستيلاد، أو يقف على دفع القيمة؟ فيه خلاف.
وإن لم يثبت الاستيلاد، لزمه قيمةُ الولد إن انفصل حيًّا باعتبار قيمة يوم الانفصال، ولا يجوز بيع الجارية ما دامت حاملًا على الأصحِّ، وهل يغرم قيمتها للحيلولة؟ فيه وجهان يجريان في إحبال جارية الأجنبيِّ بالشبهة.
وإن أثبتنا الاستيلاد ملَكَها، وحلَّ له وطؤها، ولزمه قيمتُها، ومهرُ مثلها، وفي قيمة الولد وجهان مشهوران؛ فإنَّ الولد جزءٌ من الأمِّ، وقد لزمه قيمتُها، وبنى بعضُهم الخلافَ على الخلاف في وقت انتقال المِلْكِ، وثبوتِ الاستيلاد، وفيه أوجه:
أحدها: يثبت قبيل العلوق، فلا تجب قيمةُ الولد؛ لمصادفة العلوق لمِلْكِه.
стр. 1849
والثاني: يثبت عَقِيب العلوق، فتلزمه القيمةُ.
ولا وجه لهذين الوجهين؛ فإنَّ تقدُّم المعلول على علَّته، وتأخُّرَه عنها مع مصادفتها لمحلِّها، لا يصحُّ.
والثالث، وهو الأصحُّ: أنَّ الملك يحصل مع العلوق مقرونًا به، فلا وجه لإيجاب القيمة، وإنَّما وجب المهر لتقدُّم الوطء على المِلْك، ولو تُصوِّر أن يُنزِلَ مع تغييب الحشفة لكان المهر بمثابة قيمة الولد، ولا نقل في هذه الصورة.
الحال الثانية: أن تكون الجارية موطوءةً للابن، ففي وجوب الحدِّ قولان يجريان في كلِّ وطءٍ مُجمَعٍ على تحريمه لا شبهةَ للواطئ فيه؛ كوطء السيِّد أمتَه المحرَّمةَ عليه برضاع، أو صهرٍ، أو نسبٍ، أو نكاحٍ، ولا يجري في الحائض، والجديد: سقوط الحدِّ في هذه الصور، فعلى هذا: حكم المهر والحرية والنسب والاستيلاد كحكمه في الحال الأول، إلا أنَّ المستولَدة لا تحلُّ للأب هاهنا؛ لأجل وطء الابن، وعلى القديم: يُحدُّ الأب، ولا يثبت النسبُ ولا الاستيلادُ على الأصحِّ، وأَبْعَدَ مَن أثبتهما.
فإن لم نثبتهما وجب المهر إن طاوعت، وإن أُكرهت فوجهان، وإن أثبتناهما فطريقان:
إحداهما: يجب المهر.
والثاني: يجب إن أُكرهت، وإن طاوعت فوجهان.
ومن وطئ أمته المحرَّمة عليه بنسبٍ، أو صهرٍ، أو رضاعٍ، حُدَّ على القديم، ولا يثبت النسبُ والاستيلاد على الأصحِّ، وقيل: يثبتان.
стр. 1850
ومن وطئ جاريةً يملك بعضَها، يثبت النسبُ والاستيلاد، وفي ثبوت الحدِّ على القديم تردُّدٌ واحتمال.
* * *
٢٣١١ - فصل في وجوب إعفاف الأب
تجب نفقةُ الأب المعسِرِ إن عجز عن الكسب، وإن قدر عليه فقولان، ولا يجب إعفافُه إن كان غنيًّا، وإن كان فقيرًا فقولان، وظاهر المذهب: الوجوب، ولا يُتصوَّر إعفاف الأمِّ؛ إذ لا مؤونةَ عليها في النكاح، ولا يجب إعفافُ الابن اتِّفاقًا.
فإن أوجبنا إعفاف الأب، فكان مُعْسِرًا (١) عاجزًا عن الكسب، وجب إعفافُه، وإن كان معسِرًا قادرًا على الكسب ففيه طرق:
إحداها: فيه قولان كالنفقة، فيُلحق الإعفافُ بالنفقة في محل الخلاف والوفاق.
والثانية: يجب الإعفافُ إن أوجبنا النفقة، وإن لم نوجبها فوجهان؛ فإنَّ القوّة تلائم إيجاب الإعفاف.
والثالثة: إن لم نوجب النفقة لم نوجب الإعفاف، وإن أوجبناها ففي الإعفاف وجهان؛ إذ الحاجة إلى النفقة آكدُ من حاجة الإعفاف، ولذلك ينفق الإمام من بيت المال على المحتاجين، ولا يلزمه إعفاف أحد من بيت المال.
وشَرَطَ الإمام مع وجوب النفقة احتياجَ الأب إلى الإعفاف، وقال:
стр. 1851
لا يُشترط في ذلك خوف العنت على الظاهر من كلام الأصحاب، وفيه احتمال، وأشار الأصحاب إلى مسلكين:
أحدهما: أنَّ الاعتبار بالتضرُّر بالعزبة دون مجرَّد الشهوة.
والثاني، وهو قول المعظم: أنَّا نُتْبعُ الإعفافَ وجوبَ النفقة من غير نظر إلى الحاجة، وتأوَّله الإمام بأنَّه إذا أخبر عن نفسه بالحاجة إلى الإعفاف وجب تصديقه من غير يمينٍ، وحرم على الأب طلبُ الإعفاف من غير حاجة، وتردَّد في الحاجة بين خوف العنت، والتضرُّر بالعزبة.
٢٣١٢ - فرع:
إذا تحقَّقت حاجته إلى الإعفاف، والأبُ قادر على النفقة عاجزٌ عن الإعفاف، ففي وجوبه وجهان، واختار الإمام الوجوب وقال: لو سقطت نفقته في مدَّةٍ بسبب سقوط شهوته مع احتياجه إلى الإعفاف، فلا يجوز أن يُختلَف في وجوب الإعفاف.
٢٣١٣ - فرع:
الجدُّ من قِبَل الأب أو الأمّ بمثابة الأب في وجوب الإعفاف اتِّفاقًا، فإن اجتمع الآباء مع القدرة على إعفاف أحدهم قُدِّم الأب على الجدِّ، وأبو الأب على أبي الأمِّ، وأبعدَ مَن سوَّى بينهما؛ لاستوائهما في الدرجة.
وهل يُقدَّم أبو أبي الأب على أبي الأمِّ، أو يستويان؟ فيه وجهان، وينقدح تقديمُ أبي الأب؛ لقوَّته، كما يُقدَّم ابن الأخ على الجدِّ في قول.
ومتى حكمنا بالتسوية: فهل يُقرع من غير رفعٍ إلى الحاكم، أو يرفع إلى الحاكم؟ فيه وجهان، فإن قلنا: يُرفع إلى الحاكم، قدَّم أحوجَهما في
стр. 1852
نظره، فإن استويا أقرع بينهما، ولا يقدِّم أحدهما تحكُّمًا.
* * *
٢٣١٤ - فصل فيما يحصل به الإعفاف
يجب الإعفاف بما يَعُدُّه أهل العرف محصِّلًا للغرض على الاقتصاد، ويتخيَّر الولد بين أن يملِّكه سُرِّيِّةً، أو يلتزمَ مهر زوجة مع مؤونة النكاح في المستقبل؛ فإن أجاز الإنكاح، فتعيينُ الزوجة إلى الأب دون الابن، وليس له تعيينُ امرأة رفيعة المهر.
وليس للابن الإعفافُ بشوهاء، ولا هرمةٍ لا تُشتهى، كما لا يدفع إليه في النفقة طعامًا فاسدًا لا ينساغ، بل الواجب صداق امرأة في مثلها كفافٌ على الاقتصاد، وللابن أن يدفعه إلى الأب، وله أن يدفعه إلى الزوجة بعد العقد.
* * *
٢٣١٥ - فصل في الإعفاف بتزويج الأمة
للابن إعفافُ الأب بتزويج الأمة إن عجز عن طَول حرَّة، وإن قدر فوجهان؛ فإنَّ يسار الولد في النكاح كيسار الوالد، فإن منعناه لم يملك تزويجه بأمة نفسه، وإن أجزناه، فزوَّجه بأمةِ نفسِهِ، أو عجز عن طول الحرَّة، فزوَّجه بأمته المستغرقة بخدمته، فقد أبعد أبو عليٍّ، فأجاز ذلك، وقال: لو استولدها الأب بعد ذلك لم يثبت الاستيلاد؛ فإنَّ حرّيّة الولد واستيلاد أمِّه لا يثبتان في النكاح.
وقال غيره: إن لم يثبت الاستيلاد في موطوءة الأب صحَّ النكاح، وإن
стр. 1853
أثبتناه لم يصحَّ؛ فإنَّه لو صحَّ لفسد بحصول الولد الذي هو مقصودُ النكاح.
ولا خلاف أنَّ العبد لو تزوَّج بجارية ابنه صحَّ في حالتي اليسار والإعسار، ولم يثبت الاستيلاد، ولا يُخرَّج على الخلاف في تمليك العبد؛ فإنَّه لا يملك من غير جهة السيِّد.
٢٣١٦ - فرع:
إذا ورثت المرأة زوجها المكاتَبَ انفسخ النكاح، ولو ملك الابن زوجةَ أبيه لم ينفسخ النكاح وإن منعناه من التزوُّج بجارية ابنه، وقال بعض الخلافيِّين: ينفسخ إذا منعنا التزوُّج بجارية الابن، وهذا لا يُعدُّ من المذهب؛ فإنا نرعى في الابتداء ما لا نرعاه في الدوام، والفرقُ بينه وبين أن ترث المرأة زوجها المكاتَبَ: أنَّ الملك محقَّقٌ في المكاتب، فانفسخ به النكاح، بخلافِ شبهةِ الإعفاف في جارية الابن، فإنْ أولدها الأبُ بعد شراء الابن ثبت الاستيلاد، وانفسخ النكاح، وقال أبو عليٍّ: لا يثبت الاستيلاد، ولا ينفسخ النكاح.
٢٣١٧ - فرع:
إذا اشترى المكاتب زوجةَ سيِّده انفسخ النكاح على أحد الوجهين، ولو وطئ السيِّد أمة المكاتَبِ ثبت الاستيلاد؛ لِمَا له فيها من حقِّ الملك، وقال الإمام: لعل الأصحاب فرَّعوا هذا على أنَّ وطء الأب يوجب الاستيلاد، فإن منعناه احتُمل أن يُمنع هاهنا.
٢٣١٨ - فرع:
إذا أعفَّه بزوجة، فماتت، أو فُسخ نكاحُها بسببٍ يقتضي الفسخَ، لزم إعادة الإعفاف، وإن تكرَّر ذلك وجب تكريرُ الإعفاف، كما يَلْزمه إبدالُ
стр. 1854
النفقة إذا سلَّمها، فتلفت في يده، وأبعدَ مَن قال: لا يجبُ الإعفاف في العمر إلّا مرةً واحدة، ولم يفرِّق بين أن يطأ الأبُ أو لا يطأ.
وإن طلَّقها؛ فإن لم نوجب الإبدال إذا ماتت لم نوجبه إذا طلِّقت، وإن أوجبناه إذا ماتت ففي صورة الطلاق وجهان.
ولو طلَّق لغرضٍ صحيح، كالريبة وغيرِها، فهل يُلحق بالموت، أو الطلاق؟ فيه وجهان.
ولو كرَّر الطلاق بحيث يُعدُّ في العرف مَلولًا مِطْلاقًا لم يجب الإبدالُ اتِّفاقًا، وفيه احتمالٌ، كما لو تكرَّر منه إتلافُ النفقة.
* * *
٢٣١٩ - فصل في نكاح الزانية وتسرِّي العبد
نكاح الزانية مكروهٌ صحيح، فإن كانت حاملًا من الزنا فقد قيل: يحرم وطؤها حتى تضع، والأصحُّ: أنَّه يُكره.
ولو ملَّك السيِّد عبدَه أمةً؛ فإن قلنا: لا يملكها، حرم عليه وطؤها، وإن قلنا: يملكها، لم يجز وطؤها بمجرَّد التمليك، كما لا يَمْلِكُ سائر التصرُّفات، فإن أذن له في الوطء فقد أجازه الجمهور، ومنعه أبو إسحاق، فإن أولدها لم يعتق الولد، ولم يثبت الاستيلاد.
* * *
стр. 1855
٢٣٢٠ - باب ما يحلُّ من الحرائر
أسباب المَحْرَميَّة والتحريم المؤبَّد: النسب، والمصاهرة، والرضاع.
وكلُّ أنثى بينك وبينها قرابةٌ فهي محرَّمة عليك، إلا بناتِ الأعمام والعمَّاتِ والأخوالِ والخالات.
فيحرم من النسب سبعٌ: الأمَّهات، والبنات، والأخوات، والعمَّات، والخالات، وبنات الإخوة، وبنات الأخوات.
فأمُّك: كلُّ أنثى انتهيتَ إليها بالولادة بواسطةٍ أو بغير واسطةٍ، ولا فرق في الوسائط بين الذكور والإناث.
وبنتك: كلُّ أنثى انتهتْ إليك بالولادةِ بواسطة أو بغير واسطة، كما ذكرناه في الأمَّهات، وجدُّ بنات الأخ وبنات الأخت كجدِّ بناتك منك.
والأخت: كلُّ أنثى ولدها أبواك، أو أحدُهما.
والعمّة: كلُّ أنثى ولدها الأجداد أو الجدَّات من قِبَلِ الأب.
والخالة: كلُّ أنثى ولدها الأجداد أو الجدَّات من قِبَلِ الأمِّ.
ويَحْرمُ من الرضاع مِثْلُ ما يحرم من النسب من جميع المذكورات.
والمحرَّمات بالصهر أربع: زوجة أبيك، وزوجة ابنك، وأمُّ زوجتك، وابنتُها، وجدُّ أمَّهاتها وبناتها منها كجدِّ أمَّهاتك وبناتك منك، ويتأبَّد تحريمُ
стр. 1856
نكاح الأربع بالعقد الصحيح، إلّا بنتَ الزوجة؛ فإنَّ حرمتها لا تتأبَّد إلا بالدخول بأمِّها، ولا فرق بين البالغة والصغيرة.
ولك أن تنكح أمَّ زوجة أبيك، وأمَّ زوجة ابنك، وبنتَ زوجة أبيك، وبنت زوجة ابنك.
* * *
٢٣٢١ - فصل فيمن يحرم جمعهنَّ في النكاح
كلُّ امرأتين بينهما نسبٌ أو رضاعٌ يوجب المَحْرَميَّة، فلا يُجمعان في عقد، ولا تُنكح إحداهما على الأخرى، فإن جمعهما عقدٌ بطل فيهما، وإن نكحهما في عقدين صحَّ الأول، وبطل الثاني، وذلك كزوج المرأة مع أمِّها، أو بنتها، أو عمَّتها، أو خالتها، أو بنتِ أخيها، أو بنتِ أختها.
ولا يحرمُ الجمع بالاشتراك في الصهر، فلك الجمع بين المرأة وأمِّ زوجها، أو بنت زوجها، وإن كان بينهما سببٌ يوجب الحرمة والمَحْرَميَّة.
وكلُّ مَن حَرُمَ جمعهما في النكاح جاز اجتماعهما في المِلْك دون الوطء، فإذا ملك أختين فله وطءُ إحداهما، فإن وطئها حرمت الأخرى، فإن وطئ الثانية لم تحرم الأولى بذلك، ولم تحلَّ الثانية إلا بإزالة ملك الأولى، أو تحريمِها بكتابةٍ أو نكاح (١)، ولا تحل بحيض، ولا رِدَّةٍ، ولا عِدَّةِ شبهةٍ، ولا إحرام، وفي الرهن وجهان، والأوجه: أنَّها لا تحلُّ.
وإن باعها، وشُرط الخيار للعاقدين، فالمذهبُ: أنَّها حلال للبائع،
стр. 1857
فلا تحلُّ أختها بذلك، وإن خُصَّ المشتري بالخيار، وقلنا: ينتقل المِلْكُ إليه، ففي التحليل وجهان، وقطع الإمام بالإحلال، وإن بقَّينا المِلْكَ للبائع فالخلاف هاهنا أوجهُ.
٢٣٢٢ - فرع:
كلُّ ما يتعلَّق بالنكاح من حرمة المصاهرة فهو متعلِّقٌ بالوطء في ملك اليمين، فمن وطئ أمته حرمت على ابنه وأبيه، وحرمت عليه أمُّها وبنتها.
٢٣٢٣ - فرع:
النكاح [في] (١) تحليل البضع أقوى من ملك اليمين، فمن وطئ أمةً، ثم نكح أختها، أو نكح امرأة، ثم اشترى أختها، صحَّ النكاحُ والشراء، وحلَّت المنكوحة، وحرمت المملوكة.
٢٣٢٤ - فرع:
إذا تزوَّج امرأة، وتزوَّج ابنهُ بابنتها، فوطئ كلُّ واحد منهما زوجةَ الآخر بشبهةٍ قبل وطء الزوج، فلهما أحوال:
إحداها: أن يتقدَّم وطء الأب، فيبطل النكاحان، وعلى الأب نصفُ المسمَّى لزوجته، ومهرُ المثل لزوجة ابنه، ويَغْرَمُ لابنه ما تَغْرمُه المرضعة إذا أفسدت النكاح، وهو: مهرُ المثل، أو نصفُه، أو ما يلزمُ الزوجَ؟ فيه ثلاثةُ أقوال، فإن طلبت زوجة الابن نصف المسمَّى من الابن؛ فإن كان الأبُ قد ضبطها ووطئها، أو جامعها وهي نائمةٌ، لزم الابنَ نصفُ المسمَّى، وإن
стр. 1858
استدخلت ذكرَ الأب وهو نائم سقط مهرها، وإن لم يكن إكراه ولا نوم، ففي لزوم نصف المسمَّى للابن وجهان.
فإن وطئ الابن زوجة أبيه بعد ذلك لزمه مهرُ مثلها لا غير.
الثانية: أن يتقدَّم وطء الابن، فحكمُه حكمُ الأب إذا تقدَّم وطؤه.
الثالثة: أن يطآ معًا، فهل يغرم كلُّ واحدٍ منهما للآخر نصفَ ما فوَّته عليه من البضع؟ فيه خلاف، قال القفَّال: على كلِّ واحد منهما نصفُ الغرم لصاحبه؛ لحصول الحرمة بفعلهما كالمصطدمين، وقال أبو عليٍّ: لا شيء لواحد منهما على الآخر؛ لاستقلال كلِّ واحد منهما بما يوجب التحريم، بخلاف الاصطدام، واختاره الإمام.
٢٣٢٥ - فرع:
إذا تزوَّج امرأتين في عقدين، ووطئ إحداهما، فظهرت إحداهما بنتَ الأخرى:
فإن بان تقدُّمُ نكاح الموطوءة صحَّ نكاحها، وحرمت الأخرى على التأبيد.
وإن بان تقدُّم نكاح مَن لم يطأها؛ فإن تقدَّمت الأمُّ حرمت على التأبيد، وله أن ينكح البنت. وإن بان تقدُّم البنت حرمتا على التأبيد.
وإن بان تقدُّم الأمِّ، وشكَّ في الموطوءة منهما، استمرَّ نكاح الأمِّ، ولم تحلَّ البنت.
فإن طلَّق الأمَّ طلاقًا رجعيًّا فله أن يخلعها، وإن أبانها حرم عليه نكاحهما؛
стр. 1859
لأنَّ إحداهما محرَّمةٌ على التأبيد، فصار كما لو اشتبهت أختُه بأجنبيَّة.
وإن عرف الموطوءة، وجهل السابقة، فالتي لم يطأها محرَّمة على التأبيد، ولا يثبت نكاح الموطوءة، بل يقف على بيان الزوج؛ فإن حلف على نفي العلم، أو اتَّفقا على الإشكال، فلها طلب الفسخ من الحاكم، وإن رضيت بالمقام مع الإشكال، فنفقتُها ومهرها كما تقدَّم فيمن زوَّجَها وليَّان.
* * *
٢٣٢٦ - فصل فيمن تزوَّج أكثر من أربع في عُقَدٍ وأَشْكَلَ التاريخُ
إذا تزوَّج امرأةً في عقد، واثنتين في عقد، وثلاثًا في عقد، وأشكل التاريخ، تعيَّن النكاحُ في المنفردة، ووقف بين الاثنين والثلاث على بيان الزوج؛ فإنْ أشكل فلهنَّ طلبُ الفسخ كما ذكرناه في تزويج الوليَّين، وإن رضين بالمقام تحت الإشكال لم يرتفع النكاح، وعليه نفقةُ الجميع، كما لو أسلم على ثمانٍ، وفيه احتمالٌ.
فإن مات عُزل من تركته نصيبُ الزوجات كاملًا أو عائلًا، وأَخذت المنفردة ربعه، ونقف ثلاثةَ أرباعه، فمن احتمل أن يكون له من الموقوف شيءٌ وُقف ذلك القدرُ في حقِّه، ولا نقف لأحد ما نعلم أنَّه لا يستحقُّه، فنقف للفردة نصفَ السدسِ؛ فإنَّ أكمل أحوالها مشاركةُ الاثنين، ونقف للاثنين الثلثان؛ لأنَّ أكمل أحوالهما مشاركةُ الفردة، ونقف للثلاث ثلاثة أرباع؛ لأنَّه أكملُ أحوالهن، فإن وطئ مع الاشتباه؛ فإن كان المسمَّى لكلِّ واحدة ألفًا، ومهرُ مثلها مئةً، أخذنا الأكثر وهو ثلاثةُ آلاف ومئتان، فيُسلَّم
стр. 1860
إلى كلِّ واحد مئة.
فإن ظهر سبقُ نكاح الاثنين أتممنا لهما الألفين، وقرَّرنا الثلاث مئة على الثلاث، ورُدَّ الفاضل على الورثة، وإن ظهر سبقُ الثلاث كمَّلنا لهنَّ ثلاثة آلاف، وقرَّرنا المئتين على الاثنين، وإن لم يدخل بواحدة منهنَّ وقفنا ثلاثة آلاف، ولم ندفع لواحدةٍ منهنَّ شيئًا.
ولو نكح واحدةً في عقد، واثنتين في عقد، وثلاثةً في عقد، وأربعًا في عقد، لم يتعيَّن نكاح الواحدة، وأُخذ الزوج بالبيان على ما سبق.
* * *